النص المفهرس

صفحات 441-460

(٦٥١) باب من فضائل أبى بن كعب وجماعة من الأنصارى
٥٥١٥ - ٩ ١ ١ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١١٩) قَالَ: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ، أَرْبَعَةٌ. كُلُّهُمْ
مِنَ الأَنْصَارِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ
لأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي.
٥٥١٦- ٠ ٣ٍ عَنْ قَنَادَة (١٢٠) قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولٍ
اللَّهِ مَ﴿؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ. كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ. أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ،
وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ.
٥٥١٧- اِلِّد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٢١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ لأُبَيِّ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأْ عَلَيْكَ» قَالَ: آللَّهُ سَمَِّي لَكَ؟ قَالَ: «اللَّهُ سَمَّكَ» لِي قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيِّ يَنْكِي.
٥٥١٨- ٣٢ٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٢٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ
اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: «نَعَمْ( قَالَ: فَكَّى.
المعنى العام
أبي بن كعب بن قيس، الأنصارى، الخزرجى، شهد العقبة الثانية، وبايع النبى 18# فيها، ثم شهد
بدرًا، وروى أن رسول اللَّهِ وَ ل﴾ قال: ((أرحم أمتى بأمتى أبو بكر، وأقواهم فى دين الله عمر، وأصدقهم
حياء عثمان، وأقضاهم على بن أبى طالب، وأقرؤهم أبى بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم
بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذى لهجة أصدق من أبى
ذر، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)».
كان أبي بن كعب ممن كتب لرسول اللّه قبل زيد بن ثابت، وكتب لرسول اللّه * مع زيد بن
ثابت، وكان زيد ألزم الصحابة لكتاب الوحى، وكان يكتب كثيرا من رسائله صلى الله عليه وسلم، قال
الواقدى: أول من كتب لرسول اللَّه ول﴾ أول قدومه المدينة أبي بن كعب، وكان إذا لم يحضر دعا رسول
(١١٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَنْسًا يَقُولُ
(١٢٠) حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَّ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثْنَا عَمْرُوِ بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّم حَدَّثَنَا قَتَادَةٌ
(١٢١) حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ جَّعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- وٍحَدَّقَتِهِ يَحْتَى بْنُ حَبِيبٍ حَدَّثَنَا خَالِّدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةً قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُول قَالَ رَسُوَّلُ اللّهِ لِ ﴿
لأُبَيِّ بِمِثْلِهِ
٤٤١

اللَّهِ﴾ زيد بن ثابت فكتب، وكان أبى وزيد يكتبان الوحى بين يديه صلى الله عليه وسلم، ويكتبان
كتبه إلى الناس، وما يقع، وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبى سرح، ثم ارتد، ورجع
إلى مكة، وكان الكاتب لعهوده صلى الله عليه وسلم إذا عاهد، وصلحه إذا صالح على بن أبى طالب
، وممن كتب لرسول اللَّه ◌َ ل أبو بكر وعمر وعثمان والزبير بن العوام وخالد وأبان، ابنا سعيد بن
العاص، وحنظلة الأسيدى، والعلاء ابن الحضرمى، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن
مسلمة، وعبد الله بن عبدالله بن أبي بن سلول، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبى
سفيان، وجهيم بن الصلت، ومعيقيب بن أبى فاطمة، وشرحبيل بن حسنة.
ومات أبى بن كعب فى أواخر حياة عمر سنة ثنتين وعشرين على المشهور، روى أحمد وأبو يعلى
وابن أبى الدنيا وابن حبان وصححه الطبرانى أن رجلا من المسلمين قال: يا رسول الله، أرأيت هذه
الأمراض التى تصيبنا، ما لنا فيها؟ قال: ((كفارات)). فقال أبى بن كعب: يارسول اللَّه، وإن قلَّت؟
قال: ((وإن شوكة فما فوقها))، فدعا أبى بن كعب أن لا يفارقه الوعك، حتى يموت، وأن لا يشغله عن
حج ولا عمرة، ولاجهاد ولا صلاة مكتوبة فى جماعة، فما مس إنسان جسده إلا وجد حره، حتى مات))
رضى الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
( جمع القرآن على عهد رسول اللَّه ﴿ أريعة) أى جمعه حفظا فى الصدور، قال المازري:
ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه، فقد يكون مراده: الذين علمهم من الأنصار أربعة، وأما
غيرهم من المهاجرين والأنصار، الذين لا يعلمهم، فلم ينفهم، ولو نفاهم كان المراد نفى علمه، ومع هذا
فقد روى غير مسلم حفظ جماعات من الصحابة فى عهد النبى ®®، وذكر منهم المازري خمسة عشر
صحابيا، وثبت فى الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، وكانت اليمامة قريبا من
وفاة النبى *، فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ، فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها، ومن لم
يحضرها وبقى بالمدينة أو بمكة أو غيرها؟ ولم يذكر فى هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى
ونحوهم من كبار الصحابة، الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه، مع كثرة رغبتهم فى الخير، وحرصهم
على ما دون ذلك من الطاعات، وكيف نظن هذا بهم ونحن نرى فى أهل عصرنا حفظة منهم فى كل
بلدة ألوف، مع بعد رغبتهم فى الخير عن درجة الصحابة، مع أن الصحابة لم يكن لهم أحكام مقررة
يعتمدونها فى سفرهم وحضرهم إلا القرآن، وما سمعوه من النبى {®، فكيف نظن بهم إهمالا؟ فكل
هذا وشبهه يدل على أنه لا يصح أن يكون معنى الحديث أنه لم يكن فى نفس الأمر أحد يجمع القرآن
إلا الأربعة المذكورون.
هذا جواب عن شبهة بعض الملاحدة فى عدم تواتر القرآن. قال: الجواب الثانى أنه لو ثبت أنه
لم يجمعه إلا الأربعة لم يقدح فى توتره، فإن أجزاءه حفظت، حفظ كل جزء منها خلائق لا يحصون،
٤٤٢

يحصل التواتر ببعضهم، وليس من شرط التواتر أن ينقل جميعهم جميعه، بل إذا نقل كل جزء عدد
التواتر، صارت الجملة متواترة بلا شك، ولم يخالف فى هذا مسلم ولا ملحد. اهـ
( معاذ بن جبل ) سبقت نبذة عنه فى الحديث السابق.
( وأبى بن كعب ) ذكرنا نبذة عنه فى المعنى العام.
( وزيد بن ثابت ) بن الضحاك، الأنصارى، الخزرجى، استصغر يوم بدر، ويقال: إنه شهد أحدا،
ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان معه راية بنى النجار يوم تبوك، كتب الوحى للنبى { ل﴾، وكان من
علماء الصحابة، وهو الذى جمع القرآن فى عهد أبى بكر، وكان أحد أصحاب الفتوى، والفرائض
والقراءة بالمدينة، واستخلفه عمر على المدينة ثلاث مرات، فى حجتين، وفى خروجه إلى الشام،
وكان عثمان يستخلفه أيضا على المدينة إذا حج ، مات سنة اثنتين وأربعين بالمدينة على المشهور،
وصلى عليه مروان.
( وأبو زيد ) قلت لأنس: من أبوزيد؟ قال: أحد عمومتى) قال النووي: أبو زيد هذا هو سعد بن
عبيد ابن النعمان الأوسى، بدرى، يعرف بسعد القارئ، استشهد بالقادسية سنة خمس عشرة، فى أول
خلافة عمرابن الخطاب ه، قال ابن عبد البر: هذا هو قول أهل الكوفة، وخالفهم غيرهم، فقالوا: هو
قيس بن السكن الخزرجى، من بنى عدى بن النجار، بدرى، وقال موسى بن عقبة: استشهد يوم جيش
أبى عبيد بالعراق، سنة خمس عشرة. اهـ
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: قال ابن نمير فى تاريخه: مات سعد بن عبيد القارئ
بالقادسية شهيداً، وهو أبو زيد الذى جمع القرآن، روى أنه كان يؤم فى مسجد قباء فى زمن النبي ◌ُ *
وأبی بکر وعمر.
( إن الله أمرنى أن أقرأ عليك) فى الرواية الرابعة ((إن الله أمرنى أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال القرطبى: خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة
والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة والمعاد، وبيان الجنة والنار،
مع وجارتها.اهـ
وقال أبو عبيد: المراد بالعرض على أبى أن يتعلم أبى منه صلى الله عليه وسلم القراءة، ويتثبت
فيها، وليكون عرض القرآن سنة، وللتنبيه على فضيلة أبى بن كعب وتقدمه فى حفظ القرآن، وليس
المراد أن يستذكر منه النبى {18# شيئا بذلك العرض. اهـ
وفى رواية أن النبى ﴿ دعا أبيا، فقال: ((إن الله أمرنى أن أقرأ عليك)) وفى رواية ((لما نزلت ﴿لَمْ
يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرها، قال جبريل للنبى ﴾: إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا،
فقال النبى* لأبى: إن جبريل أمرنى أن أقرئك هذه السورة)».
( قال: آللَّه سمانى لك؟ قال: اللَّه سماك لى) فى الرواية الرابعة ((قال: وسمانى؟ قال:
٤٤٣

نعم)). والكلام على الاستفهام التعجبى، والواوفى ((وسمانى))؟ عاطفة على جملة محذوفة، أى أمرك
أن تقرأ على؟ وسمانى باسمى؟ أى هل نص على باسمى؟ أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك؟
فاخترتنى أنت؟ وعند الطبرانى ((قال: نعم. باسمك ونسبك فى الملأ الأعلى)) قال القرطبى: تعجب
أبى من ذلك. لأن فى تسمية الله له، ونصه عليه، ليقرأ عليه النبى * تشريف عظيم.
( فجعل أبى يبكى ) أى أخذ يبكى واستمر فى البكاء، سروراً، واستصغاراً لنفسه عن تأهيله
لهذه النعمة، وإعطائه هذه المنزلة، قال النووى: والنعمة فيها من وجهين. أحدهما كونه منصوصاً عليه
بعينه، والثانى قراءة النبى *، فإنها منقبة عظيمة له، لم يشاركه فيها أحد من الناس، وقيل: إنما
بكى خوفاً من تقصيره فى شكر هذه النعمة.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١ - فضيلة ظاهرة لأبى بن كعب نظرا
٢- مشروعية التواضع فى أخذ الإنسان العلم من أهله.
٣- تعلق به بعض الملاحدة، ليقول: إن القرآن غير متواتر، إذ لم يجمعه من الصحابة فى عهد النبى
وَ ◌ّ إلا أربعة، وهم دون عدد التواتر، وقد أجبنا على هذه الشبهة فى المباحث العربية.
٤- استحباب عرض القرآن على حفاظه البارعين فيه، المجيدين لأدائه.
٥- وفيه حث للصحابة على الأخذ من أبى ، قال النووى: وكان كذلك، فكان بعد النبى {﴿ رأسًا
وإمامًا مقصودًا فى ذلك، مشهورًا به.
والله أعلم
٤٤٤

(٦٥٢) باب من فضائل سعد بن معاذ
٥٥١٩- ١٣٣ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا(١٢٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾
وَجَنَازَةُ سَعْدِ ابْنِ مُّعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: «اهْتَزَّلَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ».
٥٥٢٠- ٤ََّ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٢٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتٍ
سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ».
٥٥٢١ - ١٣٥ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾(١٢٥) أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ﴿ قَالَ، وَجَنَازَّتُهُ مَوْضُوعَةٌ يَغْنِي -
سَعْدًا - «اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ».
٥٥٢٢- ١٣٦ عَنِ الْبَرَاءِ ﴾(١٢٦) قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ حُلَّةُ حَرِيرٍ. فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ
يَلْمِسُونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِن ◌ِينِهَا. فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِن ◌ِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ
خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيْنُ» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِيُّ.
٥٥٢٣ - - وفِي رواية عَنِ الْبَرَاءَ بْنَ عَاذِبٍ ◌َّ قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َّ بِغَوْبِ حَرِيرٍ.
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبُرَّنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ، عَنِ النِِّيِّ ﴿﴾. بِنَحْوِ هَذَا أَوْ بِمِثْلِهِ.
٥٥٢٤- ١٣٧ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٢٧) أَنَّهُ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ جُبَّةٌ مِن سُنْدُسٍ. وَكَانَ
يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ. فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ
مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِن هَذَا».
٥٥٢٥ - - وفِي رواية عَنْ أَنَسِ ◌َ﴾(٦)، أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ أَهْدَى لِرَسُولِ اللّهِع ◌َّ
حُلَّةً. فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ. وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ.
(١٢٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ يَقُولُ
(١٢٤) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ خَذُّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِّي سُفْيَانَ عَنَ جَابِرٍ
(١٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزَّيُّ حَدَّثْنَاَ عَبَّدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءِ الْخَفّافُ عَنِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ خَذُّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
(١٢٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَبِى وَابْنُ بَشَّارِ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن أَبِي إِسْحَقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءٌ يَقُولُ
- حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنِي أَبُوِ إِسْحَقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءُ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا كَرِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ
(١٢٧) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَن قَتَّدَةَ حَدَّثَنَا أَنَسَّ بَنُ مَالِكَ
(-) حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ حَدََّنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ
٤٤٥

المعنى العام
سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، الأنصارى، يكنى أبا عمرو، أسلم بالمدينة بين العقبة
الأولى والثانية، على يد مصعب بن عمير، وشهد بدراً، وأحداً والخندق، ورمى يوم الخندق بسهم فقطع
وريده من وسط الذراع، فأمر رسول اللَّه ◌َ ﴾ بضرب فسطاط له فى المسجد، يتمرضٍ فيه، وكان يعوده
فى كل يوم، وكوى على جرحه، لكن يده انتفخت، ونزف الدم، فلما رأى ذلك قال: اللَّهم لا تخرج نفسى
حتى تقرعينى فى بنى قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطرت منه قطرة، حتى نزل بنو قريظة على
حكمه، فلما حكم فيهم بحكم الله - وقد ذكرت القصة فى غزوة بنى قريظة - انفتق عرقه، فمات
شهيدًا، بعد شهر من الخندق، وبعد ليال من حكمه على بنى قريظة.
بشره رسول اللّه بالجنة، فقال: ((لمناديل سعد فى الجنة خير منها)) أى من حلة الحرير التى
تعجب الصحابة من نعومتها وجمالها، واهتزلموته عرش الرحمن، فخرج رسول الله # سريعًا يجر
ثوبه، فوجد سعدًا قد قبض، ولما شيعت جنازته، وكانت خفيفة جدًا على حامليها، مع أنه كان رجلا
طوالا ضخمًا تعجب المنافقون، فقال رسول اللَّه ◌َ ﴾: ((إن الملائكة حملتة)»، فقال رجل من الأنصار:
:: علمنا به إلا لسعد أبي عمرو
وما اهتز عرش اللَّه من موت هالك
رضى الله عنه وأرضاه
المباحث العربية
( اهتزلها عرش الرحمن ) كذا فى الرواية الأولى والثالثة، فالضمير يعود على الجنازة
الحاضرة، أى لجنازة سعد، أى لسعد الميت على خشبة، وفى الرواية الثانية ((لموت سعد بن معاذ))
والظاهر أن الاهتزاز - على اختلاف المراد منه - للموت السابق على الجنازة، ففى الكلام مضافان
محذوفان، أى اهتزلموت صاحبها عرش الرحمن - وعرش الرحمن مخلوق يحيط بالسموات والأرض،
كما يحيط به الكرسى، أو يملؤه الكرسى، وهومن أوائل المخلوقات، قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، فهو جرم من الأجرامِ، ومخلوق
كبقية العالم، وقد سمى بما يفهمّه المخاطبون عنه، على أنه مقر الحكم، وقاعة الملك، وسريره، ففى
سورة يوسف ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وفى سورة النمل ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَّهَا
عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] وفيها ◌َ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِيِّنَ لا
يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١].
وفى القرآن الكريم آيات تتحدث عن عرش الرحمن، كمظهر من مظاهر الهيمنة والجبروت، منها
قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]؟ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ
الْحَقُّ لا إلَهَ إِلا هُوَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ
فِي سِتَّةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَّى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنَّجُومَ
٤٤٦

مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾
ذُو الْعَرْشِ الْمَجَيدُمِ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤-١٦]. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ
بِحَمْدِ رَبِّهَمْ﴾ [غافر: ٧]. ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِن حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥].
واهتزاز هذا الجرم بإرادة الله تعالى أمر ممكن عقلا وشرعا، وقد فسرت طائفة اهتزازه لموت سعد
بتحركه فرحاً بقدوم روح سعد، سواء بالإرادة الإلهية التسخيرية، أو بإدراك وتمييز خلقه الله فيه، قال
المازرى: ولا مانع منه، كما قال اللَّه تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] قال:
وهذا القول هو ظاهر الحديث، فالاهتزاز على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، وهذا لا ينكر من جهة
العقل، لأن العرش جسم من الأجسام، يقبل الحركة والسكون. قال: وهذا القول هو المختار. اهـ وعندى
أنه مستبعد جدا، إذ لم يحصل مثل هذا لنبى ولا لرسول، ولا لسيد المرسلين محمد { $، وقد قال صلى
الله عليه وسلم هذا القول إظهاراً لفضيلة سعد، وهو لا تحصل به فضيلة سعد، كما يقول ذلك المازرى
نفسه، حتى وإن جعل الله حركته علامة للملائكة على موته.
الرأى الثانى: أنا المراد اهتزاز أهل العرش، وهم حملته من الملائكة، ففى الكلام مضاف
محذوف، واهتزازهم حقيقة، فرحا بقدومه. وهو مستبعد أيضا بما استبعد به سابقه.
الرأى الثالث: كالثانى، إلا أن اهتزاز حملة العرش كناية عن استبشارهم بقدومه، وهو كثير فى
لغة العرب، ومنه قولهم: اهتز طربا للخبر وللمكارم، لا يريدون اضطراب الجسم وحركته، وإنما يريدون
الارتياح والإقبال، ويؤيده، ما أخرجه الحاكم ((إن جبريل قال: من هذا الميت الذى فتحت له أبواب
السماء، واستبشر به أهلها؟ ))، وهذا الرأى قريب من الرأى الذى سنختاره.
الرأى الرابع: أن المراد اهتزاز سرير الجنازة على أكتاف حملته، أى اهتز عرش سعد، فعند
الحاكم ((اهتز العرش فرحا به)) وأوله البراء بن عازب، فقال: اهتز العرش فرحا بلقاء الله سعدا، حتى
تفسخت أعواده على عواتقنا، وقال ابن عمر: يعنى عرش سعد، الذى حمل عليه، وعند الترمذى عن
أنس قال: ((لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، فقال النبى وَ﴾: إن
الملائكة كانت تحمله)».
قال النووي: وهذا القول باطل، ويرده صريح هذه الروايات، التى ذكرها مسلم، اهتز لموته عرش
الرحمن)) قال: وإنما قال هؤلاء هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التى فى مسلم، وقال
الحاكم: الأحاديث التى تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرجة فى الصحيحين، وليس لمعارضها فى
الصحيح ذكر.
الرأى الخامس: قريب من الرابع: إلا أنه جعل الاهتزاز لحملة السرير، فرحا بقدومه على ربه.
الرأى السادس: وهو الذى نختاره أن اهتزاز عرش الرحمن كناية عن تعظيم أمر وفاة سعد والعرب
تنسب الشىء المعظم إلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت الأرض لموت فلان، وقامت القيامة لموت
فلان، وبكت عليه السماء والأرض. والله أعلم.
(أهديت لرسول اللَّه:﴿ حلة حرير) فى ملحق الرواية ((أتى رسول اللّه، ﴿ بثوب حرير))
٤٤٧

وفى الرواية الخامسة ((أهدى لرسول الله: ﴿ جبة من سندس)) وفى ملحقها ((أن أكيدر دومة الجندل
أهدى لرسول اللَّه ◌َ لرحلة)) والأكثرون على أن الحلة - بضم الحاء وتشديد اللام المفتوحة - لا تكون
إلا ثوبين، يحل أحدهما على الآخر، والبعض يقول: الحلة ثوب واحد جديد، قريب العهد بحله من
عطيه، ولما كان الثابت أن المهدى من أكيدر دومة الجندل كان قباء وأنه صاحب القصة كان قول غير
الأكثرين هنا هو الصحيح، ويئول على قول الأكثرين .
والجبة بضم الجيم وتشديد الباء ثوب سابغ، واسع الكمين، مشقوق المقدم، يلبس فوق الثياب،
والقباء بفتح القاف ثوب يلبس فوق الثياب، و((أكيدر)) بضم الهمزة، تصغير ((أكدر)) وهو أكيدربن
عبد الملك، و ((دومة الجندل)) بضم الدال وسكون الواو، بلد بين الحجاز والشام. مدينة قرب تبوك، بها
نخل وزرع وحصن، على عشر مراحل من المدينة، وثمان مراحل من دمشق، وكان أكيدر ملكها، وكان
نصرانيًّا، وكان النبى - أرسل إليه خالد بن الوليد فى سرية، فأسره وقدم به المدينة، فصالحه النبى
* على الجزية، وأطلقه، وروى أنه لما قدم المدينة أخرج قباء من ديباج منسوجا بالذهب، وقد سبق
الموضوع فى كتاب اللباس، وفى باب حكم لبس الحرير.
( فجعل أصحابه يلمسونها، ويعجبون من لينها) ((يلمسونها)) بضم الميم وكسرها، وفى
رواية البخارى ((فجعل أصحابه يمسونها)) وفى الرواية الخامسة ((فعجب الناس منها)).
(أتعجبون من لين هذه؟ ) الاستفهام إنكارى توبيخى، بمعنى لا ينبغى أن
تعجبوا، يعنى لا تعجبوا .
( لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة خير منها، وألين ) وفى الرواية الخامسة ((والذى نفس
محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ فى الجنة أحسن من هذا)) فاللام فى ((لمناديل سعد)» فى جواب
قسم محذوف، وفى رواية البخارى ((خير منها أو ألين)» والمناديل جمع منديل، بكسر الميم فى المفرد،
وهو هذا الذى يحمل فى اليد، قال أهل اللغة: هو مشتق من الندل، وهو النقل، لأنه ينقل من واحد إلى
واحد، وقيل: من الندل، وهو الوسخ لأنه يندل به، يقال: تندلت بالمنديل.
فقه الحديث
فى الحديث إشارة إلى عظيم منزلة سعد بن معاذ.
وتبشير له بأنه من أهل الجنة.
وأن أدنى ثيابه فيها خير من حرير الدنيا، لأن المنديل أدنى الثياب، لأنه معد للوسخ والامتهان،
فغيره أفضل.
والله أعلم
٤٤٨

(٦٥٣) باب من فضائل أبي دجانة: سماك بن خرشة ـ
٥٥٢٦ - ٢٨ ١ عَنْ أَنَسِ ◌َ﴾ (١٢٨)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل﴿ أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ. فَقَالَ:
«مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا؟» فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ. كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا، أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ
$
يَأْخُذُهُ بِحَقّهِ؟» قَالَ: فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ. فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُةُ
بِحَقّهِ. قَالَ: فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ.
المعنى العام
أبو دجانة، سماك بن خرشة، ويقال: سماك بن أوس بن خرشة بن لوزان بن عبد ود بن ثعلبة
الأنصارى، أحد بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج.
شهد بدرًا مع رسول اللّه﴿، وكان من الأبطال الذين دافعوا عن رسول اللّه﴿ يوم أحد، هو
ومصعب ابن عمير، أما هو فقد كثرت فيه الجراح، وأما مصعب فقد استشهد.
عاش أبو دجانة حتى استشهد يوم اليمامة، وهو ممن اشترك فى قتل مسيلمة الكذاب يومئذ مع
عبد الله ابن زيد بن عاصم، ووحشی بن حرب، رضى الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
( أبو دجانة ) بضم الدال.
( أخذ سيفا يوم أحد) أى أمسك بسيف من سيوفه صلى اللّه عليه وسلم، وعرضه على
أصحابه يوم أحد، قبل المعركة.
( فقال: من يأخذ منى هذا؟ ) ليقاتل به.
( فبسطوا أيديهم ) أى بسط كثير منهم يده، ليأخذه.
( كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا) أى أنا آخذه، لأقاتل به.
( قال: فمن يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم ) أى تأخروا، وكفوا أيديهم، لما فهموا من أن حقه
كبير، قد لا يوفونه، قال النووى: هكذا هو فى معظم نسخ بلادنا «فأحجم)) بتقديم الحاء على الجيم،
(١٢٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَفَّدُ حَدَّثْنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَّةً حَدَّثْنَا ثَابِتٌ عَن أَنَسٍ
٤٤٩

وفى بعضها بتقديم الجيم على الحاء، قال: وادعى القاضى أن الرواية بتقديم الجيم، ولم يذكر غيره،
قال: فهما لغتان، ومعناهما تأخروا، وكفوا. اهـ
( فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه) وعند الدولابى فى الكنى ((فقام أبو دجانة سماك بن
خرشة فقال: أنا. فما حقه؟ قال: لا تقتل به مسلما، ولا تفربه من كافر)).
( فأخذه، ففلق به هام المشركين ) أى شق رءوسهم، و((هام)) بتخفيف الميم جمع هامة،
وهى الرأس، أو أعلاه، أو وسطه.
فقه الحديث
فيه فضيلة كبيرة لأبي دجانة، وأنه كان من الأبطال الشجعان.
وفيه ما كان عليه الصحابة من توقير الرسول {#، وخوفهم من مخالفته.
وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من التشجيع على القتال، واستخدام الأساليب المهيجة
النافعة.
والله أعلم
٤٥٠

(٦٥٤) باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام،
والد جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
٥٥٢٧ - ١٣٩ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٢٩) قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، جِيءَ
بِأَبِي مُسَجِّى، وَقَدْ مُثِلَ بِهِ. قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي. ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ
الثَّوْبَ. فَنَهَانِي قَوْمِي فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿َ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ. فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ.
فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو، فَقَالَ: «وَلِمَ تَنْكِي؟ فَمَا زَالَتِ
الْمَلائِكَةُ تُظِلَّهُ بِأَجْبِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ».
٥٥٢٨- ١٣٠ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٣٠) قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ.
فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَن وَجْهِهِ وَأَبْكِي. وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي، وَرَسُولُ اللَّهِوَ﴿ لا يَنْهَانِي. قَالَ:
وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ّ«تَبْكِيهِ أَوْ لا تَبْكِيهِ، مَا زَالَتِ
الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْتِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ».
٥٥٢٩ - وفى رواية عَن جَابِ عَّهِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ
الْمَلائِكَةِ وَبُكَاءُ الْبَاكِيَةِ.
٥٥٣٠ - وفى رواية عَن جَابِ ﴾ قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ مُجَدَّعًا. فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ النِّبِيِّ
*. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ
المعنى العام
عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصارى الخزرجی، یکنی أبا جابر، کان
نقيبا يوم العقبة الثانية، ويقال: إن ابنه جابراً كان معه فى العقبة وهو صغير، وشهد بدرًا وأحدًا،
وقتل يوم أحد شهيدًا، ومثل به المشركون، فقطعوا أنفه وأذناه، وكان أول قتيل من المسلمين يوم
(١٢٩) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَعَمْرٌوِ النّاقِدُ كِلَّاهُمَا عَنِ سُفْيَانٌ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَّاكُ ابْنُ عُبَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ
ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ سَمِعْتُ جَابِرَ بَنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(١٣٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
- حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةٍ خَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَ وَحَدَّثَنَا إِسَّحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ
كِلاهُمَا عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنِ جَابِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ
- حَدَّثَا مُحَمَّدُ بْنُ أَخَّمَدَ بْنِ أَبِّي خَلَفٍ خَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍوٍ عَن عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ مُحْمَدِ بْنٍ
الْمُنكّدِرِ عَن جَابِرٍ
٤٥١

أحد، جاءوا به مغطى، فحاول ابنه أن يكشف وجهه فمنعوه، لئلا يزداد حزنا وغيظا، حين يراه ممثلا
به، وبكت عليه أخته بصوت، وبكى ابنه جابر وبكى، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ابكوا عليه أولا
تبكوا عليه فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى دفنتموه)»، يقول جابر: فجعلت أبكى، وجعل
القوم ينهونى، ورسول اللَّه ◌َ ﴿ لا ينهانى، ودفن هو وعمرو بن الجموح فى قبر واحد، وكان عمرو بن
الجموح زوجا لأخته هند بنت عمرو بن حرام، وكان القبر فى جانب السيل، فجرف السيل القبر،
وانكشف ما فيه، فحفر جابر لأبيه قبرا آخر، ونقله إليه بعد ستة أشهر من دفنه، يقول جابر: فوجدا لم
يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد وضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده
عن جرحه، ثم أرسلت فرجعت كما كانت، يقول جابر: فما أنكرت من أبى شيئا إلا شعرات من
لحيته، كانت مستها الأرض.
وظل جابر منكسرًا، فقد ترك له أبوه دينا وعيالا، أخوات بنات قام عليهن بعد أبيه، مما اضطره
إلى أن يتزوج ثيبا، ترعى شئونهن، وكان رسول اللّه لا يحبه، ويعطف عليه، ويسامره، قال له يوما:
((أفلا أبشرك يا جابر؟ أفلا أبشرك بما لقى الله به أباك؟)) قال جابر: بلى. يارسول الله. قال: ((إن
اللَّه أحيا أباك، وكلمه كفاحا، وما كلم أحد قط إلا من وراء حجاب، فقال لأبيك: عبدى. تمن أعطك.
قال: يارب، تردنى إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية، فقال الرب تعالى ذكره: إنه سبق منى ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا
يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩] قال: يارب. فأبلغ من ورائى، فأنزل الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِيَ سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْرَقُونَ﴾)) [آل عمران: ١٦٩].
شهد جابر مع النبى 8 ثمانى عشرة غزوة، ولم يشهد بدراً، ولا أحداً مقاتلا، لصغره، فقد روى عنه
أنه قال: لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعنى أبى فلما قتل لم أتخلف، وقيل: إنه كان ينقل الماء لأصحابه
يوم بدر.
واشترى منه رسول الله ﴾ جمله الضعيف، ونقده ثمنه، وأعاده إليه فى قصة سبقت فى باب بيع
البعير واستثناء ركوبه، وشهد صفين مع على رضى الله عنهما، وكف بصره فى آخر عمره، وتوفى سنة
ثمان وسبعين بالمدينة، وكان من المكثرين من رواية الحديث، وكان له حلقة فى المسجد النبوى،
يؤخذ عنه العلم، رضى الله عنه وعن أبيه عبد اللّه وعن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
(جيء بأبى مسجى) أى مغطى، يقال: سجا الشيء يسجوسجوا سكن، وسجا الليل وسجا
البحر وسجت الريح، وسجا الناس الميت، بتخفيف الجيم، وسجى الناس الميت بتشديدها غطوه.
( وقد مثل به ) بضم الميم وتشديد الثاء المكسورة، مبنى للمجهول، وبضم الميم وكسر الثاء
مخففة، والاسم المثلة، أما مثل بتشديد الثاء فهو للمبالغة. قال النووى: والرواية هنا بتخفيف الثاء
المكسورة. ومثل بالقتيل إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو نحو ذلك، وفى رواية حماد
٤٥٢

(قتل أبى يوم أحد، وجدع أنفه، وقطعت أذناه)) وفى ملحق الرواية الثانية ((جيء بأبى يوم أحد
مجدعا)). قال الخليل: الجدع قطع الأنف والأذن.
( فأردت أن أرفع الثوب، فنهانى قومى ) أى أردت أن أرفع الثوب عن وجهه، لأرى ما
فعل به، وفى الرواية الثانية ((فجعلت أكشف الثوب عن وجهه، وأبكى، وجعلوا ينهوننى، ورسول اللّه
﴿ لا ينهانى)». أى جعلت أحاول كشف الثوب، وهم يمنعوننى.
(فرفعه رسول الله:﴿، أو أمر به فرفع) الظاهر أن ((أو)) للإضراب، وأن الواقع أن الرسول
أمربه فرفع، وإسناد الرفع إلى الرسول {# فى قوله ((فرفعه» مجاز عقلى.
( فقالوا: بنت عمرو، أو أخت عمرو) الشك من القائلين، وكان لعمرو بن الجموح بنت
وأخت واستشهد يوم أحد، حين انكشف المسلمون، شهد العقبة، ثم بدراً، ودفن مع عبد الله بن عمرو
ابن حرام فى قبر واحد، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، فعبد الله بمنزلة عمه، وكان زوجاً لأخت
عبد الله، فبنت عمرو تبكى أباها وخالها، وأخت عمرو تبكى أخاها وعمها، وفى الرواية الثانية
((وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه)) بدون شك، والمراد: تبكى عمراً، أو تبكى خالها عبد الله، وهو
الأولى لتناسق الضمائر، وعودها على مصدر واحد.
( فقال: ولم تبكى؟ ) الاستفهام إنكارى توبيخى، أى لا ينبغى أن تبكى، لحسن خاتمته التى
يسرلها أحبابه، وفى الرواية الثانية ((تبكيه أو لا تبكيه)) أى يستوى بكاؤها وعدمه، فقد أكرمه الله
بالشهادة التى تخفف حزن الحزين، قال النووي: معناه سواء بكت عليه أم لا فما زالت الملائكة
تظله، أى فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره، فلا ينبغى البكاء على مثل هذا.
( فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع ) قال القاضى: يحتمل أن ذلك لتزاحمهم
عليه، لبشارته بفضل الله ورضاه عنه، وما أعد له من الكرامه، أو ازدحموا عليه إكراما وتكريما له،
وفرحا به، أو أظلوه من حر الشمس، لئلا يتغير ريحه أو جسمه. اهـ وهذا الأخير مستبعد، لما سبق فى
المعنى العام أنه لم يتغير بعد أشهر فى قبره.
فقه الحديث
فيه فضيلة عبد الله بن عمرو، وتكريم اللَّه له عند موته، وبشارة النبى{ لأهله، ومواساته لهم،
وجواز البكاء على الميت، والكشف عن وجهه.
والله أعلم
٤٥٣

(٦٥٥) باب من فضائل جليبيب.
٥٥٣١ - ١٣١ عَن أَبِي بَرْزَةَ عَ﴾(١٣١)، أَنَّ النَّبِيَّ:﴿ كَانَ فِي مَغْزَّى لَهُ. فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ تَفْقِدُونُ مِن أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ. فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ
تَفْقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ. فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا. ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونُ مِن أَحَدٍ؟» قَالُوا:
لا. قَالَ: «لَكِّي أَفْقِدُ جُلَيْسِبًا. فَاطْلُبُوهُ» فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى. فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ
قَتَلَهُمْ. ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَأَتَى النَّبِيُّفِ ﴿َّ فَوَقَفَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: «قَتَلَ سَبْعَةً. ثُمَّ قَتَلُوهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ.
هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ. لَيْسَ لَهُ إِلَا سَاعِدًا النَّبِيِّ:﴿َ. قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ
وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلا.
المعنى العام
رجل دميم الخلقة قصير، لا يؤبه له حضر أو غاب، لكنه عند اللَّه عظيم، وعند رسول اللّه { # عزيز
عظيم، سأله رسول اللَّه ﴿ يوما: لم لم تتزوج يا جليبيب؟ فقال: إذن تجدنى يا رسول اللَّه كاسدا فى
سوق الرجال، فقال: إنك عند اللَّه لست بكاسد، وذكر له ابنة أنصارى، فلما علم الأنصارى وزوجته
كأنهما كرها ذلك، فسمعت ابنتهما بما أراد رسول اللّهم﴿، فقرأت قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنْ وَلا
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنِ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ثم قالت: رضيت
وسلمت لما يرضى لى به رسول اللَّهَ ﴿، فدعا لها رسول اللَّهلف﴾، وقال: اللَّهم اصبب عليها الخير صباً،
ولا تجعل عيشها كدا، وتزوجته، وجاهد فى سبيل اللَّه، وغنم، وغنم، وغنم، ونفله رسول اللَّه ◌ُ﴿ لبطولته،
فلما افتقده رسول اللَّه ◌ُ فى نهاية غزوة، وفى تصفية مكاسبها وخسائرها سأل أصحابه، سؤال
توجيه وتعليم: من فقدتم من الأبطال فى هذه المعركة؟ قالوا: فقدنا فلانا وفلانا وفلانا، يذكرون من
يؤبه لهم إذا حضروا، ويسأل عنهم إذا غابوا، وأعاد الرسول و﴿ السؤال، فذكروا فلانا وفلانا وفلانا، غير
من ذكروا أولاً، فكرر الرسول ◌َ﴿ السؤال فلم يذكروا فيمن ذكروا جليبيباً، فقال: أما أنا فأفتقد جليبيباً،
ابحثوا عنه، وقام معهم يبحث عنه بين القتلى، فوجده بين سبعة من المشركين قتلهم قبل أن
يستشهد، فقال: هكذا تكون البطولة، وهكذا يكون الجندى المجهول، وهكذا يكون الجهاد فى سبيل
الله. هو يشبهنى فى الشجاعة وأنا أشبهه، ثم حمله رسول الله ﴾ على ساعديه، لم يسمح للصحابة أن
يحملوه إلى قبره، بل حمله هو بنفسه حتى وضعه فى حفرته، أما زوجته فكانت بعده من أكثر النساء
مالا ونفقة.
(١٣١) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَّمَةَ عَن ثَابِتٍ عَن كِتَائَةَ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ
٤٥٤

مثل أعلى فى تكريم الأعمال قبل تكريم الهيئات، والأجسام، وطوبى لعبد يجاهد فى سبيل اللّه،
لايهتم بتقدير الناس، إن كان فى المقدمة أو كان فى الساقة، هو يتعامل للَّه، ومع اللَّه ولدين اللّه.
رضى الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
( جليبيب ) قال الحافظ ابن حجر فى الإصابة: اسم غير منسوب، أى لم يذكر له نسب من أهل
النسب، وهو على هيئة تصغير جلباب.
( كان فى مغزى له ) أى فى سفر غزو من أسفار غزواته، ولم أر من حدد هذه الغزوة.
( هذا منى وأنا منه) قال النووى: معناه المبالغة فى اتحاد طريقتهما، واتفاقهما
فى طاعة اللَّه.
فقه الحديث
فيه منقبة عظيمة لجليبيب، وتقدير النبى 18# للكفايات وتكريمهم، وفيه أن الشهيد لا يغسل ولا
يصلى عليه.
والله أعلم
٤٥٥

(٦٥٦) باب من فضائل أبی ذر
٥٥٣٢- ١٣٢ عَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴾(١٣٢) قَالَ: خَرَجْنَا مِن قَوْمِنَا غِفَارٍ. وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ
الْحَرَامَ. فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أَنَيْسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا خَالْنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا.
فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَن أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أَنَيْسٌ. فَجَاءَ خَالْنَا فَنَفَا عَلَيْنَا
الَّذِي قِيلَ لَهُ. فَقُلْتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِن مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ. فَقَرَّبْنَا
صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا. وَتَغَطَّى خَالْنَا ثَوْبَهُ فَجَعَلَ يَبْكِي. فَانْطَلَقْنَا حَتّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةً.
فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنًا وَعَن مِثْلِهَا. فَأَنْيَا الْكَاهِنَ. فَخَيَّرَ أَنَيْسًا. فَأَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا
مَعَهَا، قَالَ: وَقَدْ صَلَيْتُ، يَا ابْنَ أَخِي! قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ بِثَلاثِ سِنِينَ. قُلْتُ: لِمَنْ؟
قَالَ: لِلَّهِ. قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّةُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّةُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي. أُصَلِّي عِشَاءٌ حَتَّى إِذَا كَانَ مِن
آخِرِ اللَّيْلِ أَلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ. حَتَّى تَغْلُوَنِي الشَّمْسُ. فَقَالَ أَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةٌ بِمَكَّةَ فَاكْفِي.
فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ. فَرَاثَ عَلَيَّ. ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةً
عَلَى دِينِكَ. يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ.
وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ. قَالَ أُنَيْسّ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ. فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ. وَلَقَدْ
وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ. فَمَا يَلْتِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي، أَنَّهُ شِعْرٌ. وَاللَّهِ! إِنَّهُ
لَّصَادِقٌ. وَإِنَّهُمْ لَكَاذِيُونَ. قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ. قَالَ فَأَتَيْتُ مَكَّةَ. فَتَضَعَّفْتُ
رَجُلًا مِنْهُمْ. فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِىَّ. فَمَالَ عَلَيَّ
أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ. حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ. قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي
نُصُبٌ أَحْمَرُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِئْتُ مِن مَائِهَا. وَلَقَدْ لَبْتُ، يَا ابْنَ
أَخِي! ثَلاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلا مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ
بَطْنِي. وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلٍ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ، إِذْ
ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ. فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ وَامْرَأَتَيْنٍ مِنْهُمْ تَدْعُوَانٍ إِسَافًا وَنَائِلَةَ. قَالَ:
فَأَتْنَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى. قَالَ: فَمَا تَنَاهَنَا عَنْ قَوْلِهِمَا. قَالَ:
فَأَتَتَا عَلَيَّ فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ. غَيْرَ أَنّي لا أَكْنِي. فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلانٍ، وَتَقُولانٍ: لَوْ كَانَ
هَاهُنَا أَحَدٌ مِن أَنْفَارِنَا! قَالَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ وَأَبُو بَكْرٍ. وَهُمَا هَا بِطَانٍ. قَالَ: «مَا
(١٣٢) حَدَّثَنَا هَذَّبُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ حَدَّثَنًا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ
قَالَ : قَالَ أَبُوذَرٌ
٤٥٦

لَكُمَا؟» قَالََّا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا، قَالَ: «مَا قَالَ لَكُمَا؟» قَالَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً
تَمْلا الْفَمَ. وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ ثُمَّ صَلَّى.
فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ (قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلامِ. قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلامُ
عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَنْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: مِن
غِفَارٍ. قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهِ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى
غِفَارٍ. فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ. فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ. وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: «مَّتَّى
كُنْتَ هَاهُنَا؟» قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. قَالَ: «فَمَنْ كَانَ
يُطْعِمُكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلا مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي.
وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ: انْذَهْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَأَبُو بَكْرٍ. وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا.
فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا. فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَّنَا مِن زَبِيبِ الطَّائِفِ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَّعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا. ثُمَّ
غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ. لا
أُرَاهَا إِلا يَخْرِبَ. فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ)». فَأَتَيْتُ
أَنَيْسًا فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَّعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ.
فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَأَيْنَا أُمَّنَا. فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنِ دِينِكُمَا. فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ
وَصَدَّقْتُ. فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا. فَأَسْلَمَّ نِصْفُهُمْ. وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةً
الْغِفَارِيُّ. وَكَانَ سَيِّدَهُمْ. وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ِ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا. فَقَدِمَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ الْمَدِينَةَ. فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي. وَجَاءَتْ أَسْلَمُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ! إِخْوَتُنَا. نُسْلِمُ
عَلَى الْذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ. فَأَسْلَمُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ: «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا. وَأَسْلَمُ
سَالَمَهَا اللَّهُ».
٥٥٣٣ - - وفِي رواية عَن حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ(٣) بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ- قُلْتُ: فَاكْفِي
حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ- قَالَ: نَعَمْ. وَكُنْ عَلَى حَذَّرٍ مِن أَهْلِ مَكّةَ. فَإِنَّهُمْ قَدْ شَيِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا.
٥٥٣٤ - - وفِي رواية عَن أَبِي ذَرِّ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! صَلَيْتُ سَنَيْنِ قَبْلَ مَّبْعَثِ النِّيِّ ◌ِ ﴾.
قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَّهَنِيَ اللَّهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ
(-) حَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَّنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَّيْلٍ حَدْقَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلال
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَن حُمَّيْدِ ابْنِ هِلَالٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ
قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرِّ
٤٥٧

ابْنِ الْمُغِيرَةِ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ. قَالَ: فَلَمْ يَزّلْ أَخِيٍ، أَنَيْسٌ
يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ. قَالَ: فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا. وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِهِ: قَالَ:
فَجَاءَ النّبِيُّ :﴿ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَيْنٍ خَلْفَ الْمَقَامِ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ. فَإِنِّي لاوَّلُ النَّاسِ
حَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلامِ. قَالَ: قُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلامُ. مَنْ
أَنْتَ؟» وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَقَالَ: «مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَاهُنَا؟» قَالَ: قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشَرَةً. وَفِيهِ:
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتْحِفْنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ.
٥٥٣٥- ١٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣٣) قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرِّ مَبْعَثُ
النّبِيِّ ◌ِ﴿ُ بِمَكَّةَ قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي. فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ
الَّذِي يَزْعُمُ أَنْهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ. فَاسْمَعْ مِن قَوْلِهِ ثُمَّ انْتِي. فَانْطَلَقَ الآخَرُ
حَتَّى قَدِمَ مَكّْةَ. وَسَمِعَ مِن قَوْلِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرِّ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَّارِمٍ
الأَخْلاقِ. وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ. فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً
لَهُ، فِيهَا مَاءٌ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةٌ. فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَالْتَّمَسَ النَّبِيَّ : ﴿ وَلا يَعْرِفُهُ. وَكَرِةٍ أَنْ
يَسْأَلَ عَنهُ، حَتَّى أَدْرَكَةُ- يَعْنِي اللَّيْلَ- فَاضْطَجَعَ. فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ.
فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ. فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنِ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ
قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلا يَرَى النَّبِيَّ ◌َ. حَتِّى أَمْسَى. فَعَادَ
إِلَى مَضْجَعِهِ. فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ. فَقَالَ: مَا أَتَى لِلرَّجُلٍ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَقَامَهُ. فَذَهَبَ بِهِ
مَعَهُ، وَلا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثْلَ
ذَلِكَ. فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلا تُحَدِّثْنِي؟ مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ:
إِنْ أَعْطَيْتِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَّنْي، فَعَلْتُ. فَفَعَلَ. فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ. وَهُوَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ. فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبِعْنِي. فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ، قُمْتُ
كَأَنِي أُرِيقُ الْمَاءَ. فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِغْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِيٍ. فَفَعَلَ. فَانْطَلَقَ يَفْفُوهُ
حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ. فَسَمِعَ مِن قَوْلِهِ. وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ
﴿: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي» فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ!
لاصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ. فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ
أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَثَارَ الْقَوْمُ فَضَرَّبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ. فَأَتَى
(١٣٣) وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَتَقَارَبًا فِي سِيَّاقِ الْحَدِيثِ وَاللّفْظُ لابْنِ حَاتِمٍ قَالا حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَّنُ مَهْدِيٌّ حَدَّثَنَا الْمُثَّى بْنُ سَعِيدٍ عَن أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ
٤٥٨

الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِن غِفَارِ. وَأَنَّ طَرِيقَ
تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ. فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادٌ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا. وَقَارُوا إِلَيْهِ
فَضَرَبُوهُ. فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ.
المعنى العام
أبو ذر الغفارى الزاهد المشهور، الصادق اللهجة، مختلف فى اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه
جندب بن جنادة بن سكن، وقيل: اسم جده سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار، وأمه اسمها رملة بنت
الوقيعة، غفارية أيضا، والحديث يحكى قصة إسلامه، وأنه من السابقين الأوائل، يقال: إن إسلامه
كان بعد أربعة، وانصرف إلى بلاده، فأقام بها، حتى قدم رسول اللَّه﴿ المدينة، ومضت بدر وأحد، ولم
يتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك، وكان طويلا نحيفا، أسمر اللون، وكان صلى الله عليه وسلم يبتدئ أبا ذر
إذا حضر، ويفتقده إذا غاب، وقد روى عنه أنه قال: سمعت رسول الله﴾ ﴾ يقول: ((إن أقربكم منى
مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد
نشب فيها بشيء، غيرى)). فكان زاهدا، واشتهر عنه مذهب يقول: المال مال الله، وأن كل فضلٍ زائد
عن الحاجة من مال هو مال المسلمين، وهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشَّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَىِ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا
جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٥،٣٤] كان يرى
أنّ هذه الآية نزلت فى ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعى الزكاة.
سكن الشام بعد النبى ®، وكان يعظ الناس فى المسجد، ويقول: هلم لا يبيتن عند أحدكم دينار
ولا درهم، إلا ما ينفقه فى سبيل الله. فضاق به معاوية ذرعا، وكان واليا على الشام من قبل عثمان،
فكتب إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبى ذر، فكتب إليه عثمان: أن أقدم علي،
فقدم المدينة، وأخذ يقول فى مسجد المدينة ما كان يقوله فى مسجد الشام، وتذمر المسلمون إلى
عثمان من قول أبى ذر، وأخذوا ينفرون إذا رأوا أبا ذر، بل يفرون من وجهه إذا رأوه فى الطريق، أو
يتجمعون حوله، يسألونه عن سبب إخراجه من الشام، فخشى عثمان على أهل المدينة ما خشيه
معاوية على أهل الشام، فقال له: تنح قريبا عن المدينة، أو دع ما تقول.
فقال: واللَّه لا أدع ما كنت أقوله، فاختار الربذة - بفتح الراء والباء، قرية بين مكة والمدينة- فنزل
بها حتى مات سنة إحدى وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود، وقد روى أن رسول اللّه لَ ﴿ قال:
((يرحم اللَّه أبا ذر، يعيش وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده)). رضى الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
( خرجنا من قومنا غفار) سيأتي قريبا من فضائل هذه القبيلة.
٤٥٩

( وكانوا يحلون الشهر الحرام ) جملة معترضة، ولعلها لبيان الدافع على خروجهم من قومهم،
إذ كان أبوذر وأخوه من المحافظين على الأمور الدينية.
( فخرجت أنا وأخى أنيس وأمنا فنزلنا على خال لنا ) تفصيل للمجمل فى قوله سابقا
((خرجنا)). و((أنيس)) بضم الهمزة مصغرا، كان أكبر من أبى ذر، وأمهما رملة بنت الوقيعة، غفارية
أيضًا، والظاهر أن هذا الخروج كان هجرة، ولم يكن زيارة، ويحتمل أن خالهما قد تزوج من قوم آخرين،
فأقام عندهم، واعتبروا قومه، لأننا قلنا: إن أمه غفارية، فخاله كذلك.
( فأكرمنا خالنا، وأحسن إلينا، فحسدنا قومه ) أى وحقدوا علينا حياتنا معه حياة هنيئة،
ونحن من قوم لا يحبونهم، فأوقعوا فتنة بيننا وبينه.
( فقالوا ) أى قال الواشون منهم لخالى، وفى رواية ((فأتاه رجل فقال له)).
( إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس ) كانوا قد أقاموا لهم منزلا بجوار منزل
خالهم، وكانت لهم شياههم، وإبلهم التى خرجوا بها، فكانت الوشاية أن أنيسا يستغل خروج خاله من
منزله، ليدخل على زوجة خاله.
( فجاءنا خالنا، فنثا علينا الذى قيل له ) ((نثا)) نون ثم ثاء مخففة، أى أفشى وأذاع، يقال:
نثا الحديث، ينثوه، نثوا، بثه.
( فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ) أى فقلت لخالى: كان معروفك دينا فى
رقابنا صافيا جليلا، لكن بهذا الاتهام كدرته وعكرته.
( ولا جماع لك فيما بعد ) أى ولا نجتمع معك فى مكان بعد ذلك، وفى رواية ((فبلغ أخى،
فقال: والله لا أساكنك، فارتحلنا)).
( فقرينا صرمتنا، فاحتملنا عليها ) الصرمة بكسر الصاد القطعة من الإبل، وتطلق
أيضا على القطعة من الغنم، والمعنى فجمعنا إبلنا من مرعاها، فارتحلنا عليها، يقال:
احتمل القوم إذا ارتحلوا.
( وتغطى خالنا ثوبه، فجعل يبكى ) على هذه النتيجة المحزنة، يقال: تغطى بثوبه، ففى
الكلام حذف وإيصال.
( فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة ) أى حتى وصلنا حمى مكة وأرضها وواديها وحيازتها
فضربنا منزلنا بعيدًا عن مبانيها.
( فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن، فخير أنيسا، فأتانا
أنيس بصرمتنا، ومثلها معها ) أصل المنافرة: المفاخرة والمحاكمة، فيفخر كل واحد
٤٦٠