النص المفهرس

صفحات 421-440

أنواع الباطل، كالغش والخداع والأيمان الخائنة، والعقود الفاسدة، والنجش، والبيع على بيع أخيه،
والشراء على شرائه، وبخس المكيال والميزان، والضمير فى ((فإنها)) يعود على السوق، وهى تذكر
وتؤنث، سميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم.
(وبها ينصب رايته ) كناية عن ثبوته هناك، واجتماع أعوانه، وتحريك جنده، واستغلالهم
حركتها فى الإفساد، فهى من أهم مواضع إيقاع البشر فى الشر والسيئات.
(قال: وأنبئت أن جبريل عليه السلام) الفعل ((أنبئت)) مبنى للمجهول، محذوف الفاعل،
فهو من مراسيل الصحابة، إن كان القائل سلمان، لكن فى آخر الرواية «فقلت لأبي عثمان: ممن
سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد)» يفيد أن القائل أبو عثمان، فأصل الرواية: حدثنا معتمر بن
سليمان قال: سمعت أبى. حدثنا عثمان عن سلمان قال: لا تكونن .. قال: وأنبئت أن جبريل ... إلخ.
( أتى نبى الله﴿ وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، ثم قام ) أى انصرف.
( هذا دحية ) بفتح الدال وكسرها، وهو ابن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس
ابن الخزرج صحابى مشهور، أول مشاهده الخندق، ولم يشهد بدرًا ولا أحدًا، وكان يضرب به المثل فى
حسن الصورة. شهد اليرموك، ونزل دمشق، وسكن المزة، وعاش إلى خلافة معاوية.
والظاهر أن الرسول 3# سكت عند قول أم سلمة: هذا دحية، ولم يخبرها بحقيقته، حتى سمعته
صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، ويعلمهم أن جبريل عليه السلام يأتيه أحيانا فى صورة دحية.
( يخبر خبرنا ) قال النووى: هكذا هو فى نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضى عياض عن
بعض الرواة والنسخ، وعن بعضهم ((يخبر خبر جبريل)) قال: وهو الصواب، وقد وقع فى
البخارى على الصواب.
فقه الحديث
فيه منقبة لأم سلمة رضي الله عنها، وأنها رأت جبريل عليه السلام.
وفيه جواز رؤية البشر الملائكة، ووقوع ذلك، وأنهم يرونهم على صورة الآدميين، لأنهم لا يقدرون
على رؤيتهم على صورهم، وكان النبى ® يرى جبريل على صورة دحية، أحيانا، قال النووى: ورآه
مرتين على صورته الأصلية.
وفى الجزء الأول من الحديث أن الأسواق مجالس الشياطين وميدانهم.
واللَّه أعلم
٤٢١

(٦٤٧) باب من فضائل زينب، أم المؤمنين، رضى الله عنها
٥٤٩٤- لْ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٠١)، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
«أَسْرَ عُكُنَّ لَحَاقًا بِي، أَطْوُلُكُنَّ يَدًا» قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَّاوَلْنَ أَيْتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا. قَالَتْ: فَكَانَتْ
أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ. لأَنْهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ.
المعنى العام
السيدة زينب بنت جحش الأسدية، أم المؤمنين، زوج النبى{ *، وأمها أميمة، عمة النبى وُ ل﴾.
زوجها رسول الله ﴿، مولاه زيد بن حارثة، وكان يدعى زيد ابن محمد، بالتبنى فلما بطل التبنى بقوله
تعالى ﴿ادْعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ولم تستقم حالها مع زيد، فطلقها، تزوجها صلى الله عليه
وسلم. كما حكى اللَّهَ تعالى ذلك بقوله ﴿فَلَمَّا قَضَى رَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَرْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [الأحزاب: ٣٧]
وكانت تفخر على نساء النبى : بأنها ابنة عمته، وبأن اللَّه زوجها له، وهن زوجهن أولياؤهن، وكانت
لرسول اللَّه ◌َ ﴿ معجبة، وكان يستكثر منها، وكانت صالحة، صوامة، قوامة، صناعاً، تصنعٍ بيدها تدبغ
الجلود وتخرمها وتتكسب، وتتصدق بذلك كله على المساكين، وكانت أول نسائه صلى اللّه عليه وسلم
لحوقا به بعد موته، كان عطاء عمرلها اثنى عشر ألفا، لم تأخذه إلا عاما واحدا، قسمته كله فى
الفقراء، وأهل رحمها، فبلغ عمر ذلك، فوقف عليها، وأرسل بالسلام، وقال: بلغنى ما فرقت، فأرسل
بألف درهم تستبقيها، فسلكت بها ذلك المسلك، وقالت: اللّهم لا يدركنى هذا المال من قابل، فإنه
فتنة، فتوفيت من عامها، وكانت قد أعدت لنفسها كفنا، وأوصت بالتصدق به، أو بالكفن الذى
سيرسله عمر، فأرسل لها عمر خمسة أثواب، بخرها ثوباً ثوبا، فكفنت منها وتصدقت عنها أختها
حمنة بكفنها الذى كانت قد أعدته. تزوجها النبى 8 وهى بنت خمس وثلاثين، ماتت سنة عشرين
من الهجرة وهى بنت خمسين، وصلى عليها عمر. رضى الله عنها وعن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
( أسرعكن لحاقا بى أطولكن يدا ) أى أولكن موتا بعدى، ورواية البخارى صريحة فى أن
هذا كان جوابا لسؤالهن، - أو سؤال إحداهن، ففيها ((أن بعض أزواج النبي ◌ُ ◌ّ قلن للنبى { ل﴾: أينا
أسرع بك لحوقا؟ قال: أطولكن يدا)) وعند ابن حبان ما يفيد أن السائلة عائشة رضى الله عنها، فعنده
(١٠١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْتِى بْنِ طَلْحَةً عَن عَائِشَةَ بِنْتِ
طَلْحَةَ عَنِ عَائِشَةً
٤٢٢

((قالت: فقلت)) وقد أخرجه النسائى بلفظ ((فقلن)) و((لحاقا)) بفتح اللام، وهو منصوب على التمييز
وفى رواية البخارى ((لحوقا)) و((يدا)) منصوب على التمييز أيضا، وكان المناسب أن يقول ((طولاكن))
لكنه عبر بما يعبر عنه عن المذكر تعظيما.
( فكن يتطاولن. أيتهن أطول يدا ) أى ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية، فكن
يذرعن أيديهن بقصبة، أو على الحائط، وفى رواية البخارى ((فأخذوا قصبة يذرعونها)) أى لترى
أعينهن بالمقياس أيتهن أحلول يدا.
( قالت: فكانت أطولنا يدا زينب ) بنت جحش، وفى الكلام طى وحذف، والأصل وكانت
سودة أطولنا يدا حقيقية، فلما توفيت زينب، وكانت أولنا لحوقاً به صلى الله عليه وسلم كانت هى
أطولنا يدا، أى أكثرنا عطاء، أى علمنا أن مراده صلى الله عليه وسلم طول اليد فى الصدقة، وفعل
الخير، وأهل اللغة يقولون: فلان طويل اليد، وطويل الباع، إذا كان سمحا جواداً، وضده قصر اليد،
وقصير الباع.
وقد فسرت رواية الحاكم هذا المراد، ولفظها ((قال رسول اللَّه ◌ُ لأزواجه: أسرعكن لحوقا بى
أطولكن يدا، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا فى بيت إحدانا بعد وفاة رسول اللّه * نمد أيدينا فى
الجدار، تتطاول، فلم نزل نفعل ذلك، حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن
أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبى * أن أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة باليد،
وكانت تدبغ وتخرز - أى وتبيع - وتصدق فى سبيل اللَّه)).
وقد أوهمت رواية البخارى خلاف الصواب، ولفظها ((فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعد أنما
كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة)).
قال ابن الجوزى: هذا الحديث غلط من بعض الرواة. اهـ وقد أجمع أهل السير على أن زينب أول
من مات من أزواجه، فقوله عن سودة ((وكانت أسرعنا لحوقاً به)) غير صواب، والمعروف أن زينب
ماتت سنة عشرين، وأن عمر صلى عليها أما سودة فقد ماتت بعدها فى آخر خلافة عمر على المشهور
وحاول العلماء توجيه رواية البخارى، فمنهم من وجهها بتقدير محذوفات، أى قالت عائشة: فأخذوا
قصبة يزرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا على الحقيقة، فعلمنا بعد أنما المراد طول اليد بالصدقة،
أى بعد وفاة زينب، وكانت - أى زينب- أسرعنا لحوقا به،، ففى الرواية حذف، وقد خلفت الضمائر
مع الحذف هذا الإيهام، قال الزين بن المنير: قولها ((فعلمنا بعد)) يشعر إشعاراً قويا أنهن حملن طول
اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه، وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذى علمنه أخيرا خلاف ما
اعتقدنه أولاً. اهـ
وقد جمع الطيبى بين الحديثين، فقال: يمكن أن يقال فيما رواه البخارى: المراد الحاضرات من
أزواجه، دون زينب، فلم تكن حاضرة، وكانت سودة أولهن موتا، قال الحافظ ابن حجر: لكن يعكر على
هذا أن فى رواية ابن حبان ((أن نساء النبى ( # اجتمعن عنده، لم تغادر منهن واحدة)» والتحقيق أن
فى رواية البخارى وهما من الرواة.
٤٢٣

فقه الحديث
١- فى الحديث منقبة جليلة لزينب بنت جحش رضى الله عنها.
٢- وفيه فضل الصدقة.
٣- وفيه معجزة لرسول اللَّه ◌ِ ﴾.
٤- وفيه أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لا يلام، وإن كان مراد المتكلم مجازه، لأن النسوة
حملن الكلام على الحقيقة، فلم ينكر عليهن.
٥- قال المهلب: فى الحديث دلالة على أن الحكم للمعانى، لا للألفاظ، لأن النسوة فهمن من طول اليد
الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. اهـ. لكن ما قاله لا يطرد.
والله أعلم
٤٢٤

(٦٤٨) باب من فضائل أم أيمن، رضى الله عنها
٥٤٩٥- ١١ عَنْ أَنَسِ رَ﴾ (١٠٢) قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ إِلَى أُمَّ أَيْمَنَ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ.
فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ. قَالَ: فَلا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ. فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ
وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ.
٥٤٩٦- ١٢٣ عَن أَنَسٍ﴾(١٠٣) قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِلَّ
لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمَّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ يَزُورُهَا. فَلَمَّا الْتَهَيْنَا إِلَيْهَا
بَكَتْ، فَقَالا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﴿ِ. فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ
أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﴿ وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ الْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَنْهُمَا عَلَى
الْبُكَاءِ. فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.
المعنى العام
أم أيمن مولاة النبي # وحاضنته، قالوا: كان النبى 8 ورثها عن أمه فأعتقها حين تزوج خديجة،
وقالوا: كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، والد النبى { ®، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة
رسول اللَّهِ وَ﴾، بعدما توفى أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر، وتزوجها عبيد بن زيد، من بنى
الحارث بن الخزرج، قبل الإسلام، فولدت له ((أيمن)) أسلم. وصحب النبى صل*، واستشهد فى خيبر،
ولما تبنى الرسول {18 زيد بن حارثة وزوجه أم أيمن، ولدت له أسامة وكان النبى { * يزورها، وكانت
تدل عليه، وترفع صوتها، كما تفعل الأم، وكان يعاملها معاملة الأم، وقد روى البخارى وأحمد أن
الرجل كان يجعل للنبى # النخلات، حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل يرد بعد ذلك، فسأله
أحدهم أن يرد عليه بعض الذى أخذه، وكان أعطاه لأم أيمن - فأعطاه له، فجاءت أم أيمن، فجعلت
تلوح بالثوب، وتقول: كلا والله لا يعطيكهن وقد أعطانيهن، فقال النبى ﴿ لك كذا وكذا، وتقول: كلا،
حتى أعطاها عشرة أمثاله.
وحفظ الصحابة مودتها كما حفظها رسول الله ، فكان أبو بكر وعمر يزورانها بعد وفاته صلى
اللَّه عليه وسلم، وتوفيت فى خلافة عثمان - رضى الله عنها وأرضاها.
(١٠٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنْسِ
(١٠٣) حَدَّثَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنِي عَمَّرُو بْنُ عَاصِمِ الْكِلَابِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيَّمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
٤٢٥

المباحث العربية
( انطلق رسول اللَّه ﴿ إلى أم أيمن، فانطلقت معه ) الظاهر أن هذا الانطلاق كان
لمجرد زيارتها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يزورها كثيرا، كما هو صريح الرواية الثانية، وكان
خادمه أنس يصحبه فى أغلب الزيارات.
( فناولته إناء فيه شراب ) أى فلم يأخذه، ولم يشرب منه، وكان قصدها إكرامه وتحيته، وفى
بعض الروايات ((فقريت إليه لبنا)).
( فلا أدرى. أصادفته صائما؟ أو لم يرده ) أى لا يدرى أنس، سر إحجامه صلى الله عليه
وسلم عن الشرب، لأنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يبن عنه لأم أيمن، ولم يكن يعلم أنس حاله، إذ كان
صلى الله عليه وسلم كثير الصوم، دون أن يخبر عن صومه، والغالب أنه كان صائما، ومن المستبعد أن
يعاف شرابها، فهى حاضنته ومربيته.
( فجعلت تصخب عليه ) أى تصيح، وترفع صوتها عليه، تذكر عليه رفض الشراب، وتلح عليه
أن يشرب.
(وتذمر عليه ) بفتح التاء والذال وتشديد الميم، وأصله تتذمر، حذفت إحدى التاءين
تخفيفا، والتذمر الكلام بغضب، يقال: ذمر يذمر، كقتل يقتل إذا غضب، وإذا تكلم بالغضب،
وكان هذا منها دلالا عليه صلى الله عليه وسلم، وكان يتقبل مثل هذا منها وفاء بحقها، وكان
يقول ((أم أيمن أمى بعد أمى)).
( قال أبوبكر بعد وفاة رسول اللَّه ﴿ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها، كما
كان رسول اللَّه ◌ِ يزورها) هذا من قبيل الوفاء للميت، وإكرامه، فتكريم من كان يكرمه من باب
الإحسان إليه .
( فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند اللَّه خير لرسول اللّه ◌َ) القائل واحد منهما، وأسند
القول إليهما لموافقة الثانى ورضاه، وقد ظنا أن بكاءها أسفا على موت الرسول # وحزنا على فراقه،
فصبراها بما قالا.
( ولكن أبكى أن الوحى قد انقطع من السماء ) الكلام معطوف على محذوف، والتقدير: لا
أبكى أسفا وحزنا على فراقه *، فأنا أعلم أنه فارقنا إلى ما هو خير له، ولكن أبكى انقطاع الوحى من
السماء إلى الأرض، وكان فى نزوله الرحمة، ووصلنا بالسماء.
٤٢٦

فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- فضيلة لأم أيمن، وتقدير الرسول# لها، ومن بعده تقدير الصاحبين لها.
٢- قال النووى: فيه أن للضيف الامتناع من الطعام والشراب الذى يحضره المضيف، إذا كان له عذر
من صوم أو غيره مما هو مقرر فى كتب الفقه.
٣- وفيه زيارة الصالحين وفضلها.
٤ - وزيارة الصالح لمن هو دونه.
٥- وزيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره.
٦ - وزيارة المسلم لأهل ود صديقه.
٧- وزيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة.
٨- وسماع كلامها.
٩- واستصحاب العالم والكبير صاحبا له فى الزيارة والعيادة ونحوها.
١٠- والبكاء حزنا على فراق الصالحين والأصحاب، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه.
كذا قال النووى: وقد أنكرت فى جوابها أن يكون البكاء للفراق وأفادت أن البكاء لفقد الخير
الذى حصل بالحياة، وأنقطع بالموت.
١١ - وفى الرواية الأولى إدلال المحب، وصاحب الحق.
١٢- وتقبله صلى الله عليه وسلم لما يصاحب ذلك من إساءة، وعفوه وسماحته.
والله أعلم
٤٢٧

(٦٤٩) باب من فضائل أم سليم، وبلال، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
٥٤٩٧ - شَهْا عَنْ أَنَسِ عَ﴾(١٤) قَالَ: كَانَ النّبِيُّ ◌َ﴿ٌ لا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، إِلا
عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلا أُمِّ سُلَيْمٍ. فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: «إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ
أَخُوهَا مَعِي».
٥٤٩٨- شَهْا عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٠٥)، عَنِ النَّبِيِّ ﴿ قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. فَسَمِعْتُ خَشْفَةٌ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَّيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ، أُمُّ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ».
٥٤٩٩- شَهْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٠٦)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ : ﴿ قَالَ: «أُرِيتُ
الْجَنَّةَ. فَرَأَيْتُ امْرَأَةً أَبِي طَلْحَةَ. ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةٌ أَمَامِي. فَإِذَا بِلالٌ».
٥٥٠٠- اٍ عَن أَنَسِ ◌َ﴾(١٠٧) قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لأَّبِي طَلْحَةَ مِن أُمِّ سُلَيْمٍ. فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا: لا
تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِيْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدَّثُهُ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَِّتْ إِلَيْهِ عَشَاءٌ. فَأَكَّلَ وَشَرِبَ.
فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ. فَوَقَعَ بِهَا. فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ
وَأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةً! أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ. فَطَلَبُوا
عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لا. قَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ. قَالَ: فَغَضِبَ. وَقَالَ: تَرَكْتِي
حَتَّى تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبَرْنِي بِابْنِي! فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَأَخْبُرَهُ بِمَا كَانَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا» قَالَ: فَحَمَلَتْ. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ٌ فِي سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ،﴿ إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِن سَفَرٍ، لا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا.
فَدَّوْا مِنَ الْمَدِينَةِ. فَضَرَبِهَا الْمَخَاضُ. فَاخْتُبُسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ. وَانْطَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿.
قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: إِنْكَ لَتَعْلَمُ، يَا رَبِّ! إِنَّهُ يُعْجِيْنِي أَن أَخْرُجَ، مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ
وَأَدْخُلَ. مَعَهُ إِذَا دَخَلَ. وَقَدِ اخْتَبَسْتُ بِمَّا تَرَى. قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمِ: يَا أَبَا طَلْحَةً! مَا أَجِدُ
الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا. قَالَ: وَضَرَبِهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَّلَدَتْ غُلاَمًا. فَقَالَتْ
(١٠٤) حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْخُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّمٌ عَنِ إِسْحَقِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ
١٠٥) وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ السُّرِيِّ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بَّنُ سَلَمَةٌ عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ
(١٠٦) حَدَّثَنِي أَبُو جَّعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ حَدَّثَنَا زَيْدُ بَّنُ الْحُبَابِ أَخْبُرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةً أَخْبُرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَن
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
(١٠٧) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَائِمٍ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا بَهْرٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
٤٢٨

لِي أُمِّي: يَا أَنَسُ لاَ يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ.
فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ .. قَالَ: فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: «لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ
وَلَدَتْ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فَوَضَعَ الْمِيسَمَ. قَالَ: وَجِئْتُ بِهِ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ. وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ
﴿َّ بِعَجْوَةٍ مِن عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ. فَلاَكَهَا فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَتْ، ثُمَّ قَدَفَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ. فَجَعَلَ
الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَتَ: «انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ» قَالَ: فَمَسَحَ
وَجْهَهُ. وَسَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ.
- بِمِثْلِهِ(٣).
٥٥٠١- حيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَتْ(١٠٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ لِبِلالِ، عِنْدَ صَلاةِ الْغَدَاةِ:
«يَا بِلالُ! حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ، عِنْدَكَ، فِي الإِسْلامِ مَنْفَعَةً. فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ
تَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنّةِ» قَالَ بِلالٌ: مَا عَمِلْتُ عَمَلا فِي الإِسْلامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً مِن
أَنِّي لا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَمَّا فِي سَاعَةٍ مِن لَيْلٍ وَلا نَهَارٍ، إِلا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ، مَا كَتَبَ اللَّهُ
لِي أَن أُصَلِّيَ.
المعنى العام
أم سليم بنت ملحان الأنصارية، أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار،
اتخذت خنجرا يوم حنين، وقالت: إنا دنا منى أحد من المشركين بقرت بطنه، عرضت
ابنها أنسا على رسول الله﴾﴿ ليخدمه، فقبله، وكانت من عقلاء النساء، ومن الصالحات،
يشهد لعقلها قولها فى أحاديثنا: ((يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت،
فطلبوا عاريتهم. ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك)» ويشهد لصلاحها رؤية
الرسول # لها فى الجنة، ويكفى أن الرسول # كان يدخل بيتها دون تكلف، بل ويقيل
فيه، سواء أكانت موجودة فيه أو غير موجودة، ولزوجها أبى طلحة مناقب كثيرة، ودعاؤه
ربه - فى حديثنا - وحرصه على صحبة الرسول ﴿، واستجابة اللّه لدعائه خير شاهد على
بعض فضائله، التى بلغت الذروة يوم دفاعه عن رسول الله:﴿، وبلائه البلاء الحسن فى
غزوة أحد
(-) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشِ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدََّا ثَابِتٌ حَدَّتِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ
مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةً وَاقْتَصََّ الْحَدِّثَ بِمِثْلِهِ
(١٠٨) حَدَّثَنَا غُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ أَبِي حَيَّانَ حْ وِ حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
نُمَّيْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَن أَبِي زُرْعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٤٢٩

أما بلال بن رباح، الحبشى فقد كان مملوكاً لأمية بن خلف، فآمن باللّه وبرسول اللَّهِمُ ﴿، فأخذ
أمية يعذبه، ويخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة
العظيمة توضع على صدره، فضلا عن ضربه بالسوط، وأخذوا يطوفون به والحبل فى عنقه فى طرقات
مكة، وهو يقول: أحد. أحد، فمربه أبوبكر، فاشتراه من أمية، وأعتقه، فلزم النبى ﴿، وكان مؤذنه،
وخازنا له، شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول اللَّهِوَ ل، قال له رسول اللّهلَ ﴾ إنى دخلت الجنة
فسمعت خشفا فقلت: من؟ قالوا: بلال. فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى. وأذن لأبى بكر، بعد رسول الله
*، ولم يؤذن لعمر، فقال له عمر: ما يمنعك أن تؤذن؟ قال: إنى أذنت لرسول اللَّه ل حتى قبض، ثم
أذنت لأبى بكرحتى قبض، لأنه كان ولى نعمتى، ويقال: إنه أذن لعمر مرة إذ دخل الشام، فبكى عمرو
غيره من المسلمين.
يقال: إنه أراد فى آخر حياة أبى بكر أن يخرج إلى الشام مجاهدا، فقال له أبوبكر: بل تكون
عندى، فقال: إن كنت أعتقتنى لنفسك فاحبسنى، وإن كنت أعتقتنى للَّه عز وجل فذرنى أذهب إلى
اللَّه عز وجل، فقال: اذهب. فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات، سنة عشرين، ودفن بحلب رضي
الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
( كان النبى ﴿ ﴿ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليم، فإنه كان
يدخل عليها) أى لا يدخل على أحد من النساء الأجنبيات غير المحارم، وقد سبقت ترجمة أم
سليم وزوجها أبى طلحة، وابنها أنس فى كتاب الأشربة والأطعمة، باب تكثير الطعام ببركة دعائه
صلى الله عليه وسلم، فى المباحث العربية.
كما سبق دخوله صلى الله عليه وسلم على أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم مع ترجمتها فى
المباحث العربية فى باب الغزو فى البحر، كما سبق توجيه هذا الدخول شرعا فى فقه الحديث فى
الباب المذكور، فيما يؤخذ من الحديث، المأخذ الثالث عشر.
وفى قوله ((إلا على أزواجه، إلا أم سليم)) استثناء من الاستثناء، ومثله فى قوله تعالى ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا
إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلاَ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٥٨-٦٠] وقد رتب عليه
الفقهاء مسائل فى الطلاق والإقرار.
( فقيل له فى ذلك ) أى سئل عن سر ذلك.
( فقال: إنى أرحمها. قتل أخوها معى ) يعنى حرام بن ملحان، وكان قد قتل يوم بئر
معونة، وما ذكر لعله جزء علة، وقد عقبنا عليه فى فقه الحديث فى كتاب الفضائل - باب عرق النبى
# فى المأخذ الثالث عشر.
٤٣٠

( دخلت الجنة، فسمعت خشفة ) بفتح الخاء وسكون الشين، وهى حركة المشى وصوته،
ويقال أيضًا بفتح الشين.
( فقلت: من هذا؟ ) الذى يمشى بصوت؟.
( قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان، أم أنس بن مالك ) القائلون هم الملائكة،
والغميصاء بضم الغين وبالصاد مع المد، ويقال لها أيضا: الرميصاء، بالصاد وبالسين، قال ابن عبد
البر: أم سليم هى الرميصاء والغميصاء، والمشهور فيه الغين، وأختها أم حرام الرميصاء، ومعناهما
متقارب، والرمص والغمص قذى يابس وغير يابس يكون فى أطراف العين.
( أريت الجنة، فرأيت امرأة أبى طلحة ) هى أم سليم، أم أنس، والرؤية منامية.
( ثم سمعت خشخشة أمامى، فإذا بلال ) هذه الجملة هى التى جعلت النووى - رحمه الله
- يجمع هنا بين أم سليم وبلال فى باب واحد، وقد تبعناه، والخشخشة صوت المشى اليابس إذا حك
بیابس.
( مات ابن لأبى طلحة من أم سليم ) سبقت قصة هذا الولد، وشبه هذا الحديث فى كتاب
اللباس والزينة، باب وسم الحيوان، وفى كتاب الأدب، باب تحنيك المولود.
( فقالت لأهلها ) أى للمقيمين معها فى البيت، والذين علموا بموته.
( ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك ) أصله أحسن ما كانت تتصنع له، أى
أحسن ما كانت تتزين له، فتجملت، وتعرضت له، ليجامعها.
( فغضب، وقال: تركتنى حتى تلطخت، ثم أخبرتنى بابنى؟ ) الكلام على الاستفهام
الإنكارى التوبيخى، أى ما كان ينبغى أن تفعلى ذلك، والمراد من التلطخ الجنابة.
( بارك الله لكما فى غابر ليلتكما) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى فى ليلتكما
الغابرة، أى الماضية.
( فحملت ) من أبى طلحة فى تلك الليلة.
(فكان رسول اللَّه ﴿ فى سفر، وهى معه) شروع فى قصة ولادتها بعد الحمل، وكانت
تسافر معه صلى الله عليه وسلم فى غزواته، تسقى العطشى، وتداوى المرضى، وتحرس، وتعين، وكان
زوجها أبو طلحة لا يتخلف عن الغزو أيضا، وفى عودتهم من غزوة، وقرب المدينة حصل لها المخاض.
( إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا ) أى لا يطرقها ولا يدخلها مفاجئا، وبخاصة
فى الليل، بل كان يضرب الخيام، وينزل قريبا منها، حتى يصل خبر العودة للنساء.
٤٣١

( فضربها المخاض ) أى جاءها طلق الولادة وآلامها.
(فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول اللَّه {#) أى تحرك رسول اللّهِ:﴿ ومن معه
نحو المدينة، ولم يستطع أبو طلحة أن يتحرك معهم لمرافقتها، وعدم قدرتها على السير، فرفع اللَّه
عنها الطلق، استجابة لدعوة زوجها، فرافقا رسول اللّه ◌ُ ل.
( وضربها المخاض حين قدما ) أى حين وصلا المدينة.
( فولدت غلاما .... ) هذه القصة سبق شرحها فى كتاب اللباس والزينة - باب وسم الحيوان
وفى كتاب الأدب - باب تحنيك المولود.
( عند صلاة الغداة ) أى صلاة الصبح.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- منقبة ظاهرة لأم سليم، ولها مناقب كثيرة، وقد اشتركت فى كثير من الغزوات.
٢- ومنقبة لبلال ظُه، وشهادة له بأنه من أهل الجنة.
٣- قال النووى: قال العلماء عن الرواية الأولى: فيه جواز دخول المحرم على محارمه.اهـ
وهذا على ثبوت كونها محرما له، وفيه نظر ذكرناه فى باب الغزو فى البحر.
٤- وفيه إشارة إلى منع دخول الرجل على الأجنبية، وإن كان صالحا.
٥- وفيه بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الرحمة والتواضع، وملاطفة الضعفاء.
٦- وفيه صحة الاستثناء من الاستثناء.
٧- ومن الرواية الرابعة كثير من الفوائد. ذكرناها فى كتاب اللباس والزينة - باب وسم الحيوان وفى
كتاب الأدب - باب تحنيك المولود.
٨- وفى الرواية الخامسة فضل الطهور والصلاة به.
والله أعلم
٤٣٢

(٦٥٠) باب من فضائل عبد الله بن مسعود، وأمه، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
٥٥٠٢- ٩َهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٠٩) قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنّاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ لِي رَسُولُ
اللَّهِعَ ﴾: «قِيلَ لِي أَنْتَ مِنْهُمْ».
٥٥٠٣- ٠ ١١ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾(١١٠) قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ. فَكُنًا حِينًا وَمَا نُرَى
ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلا مِن أَهْلٍ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿. مِن كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُرُومِهِمْ لَهُ.
٥٥٠٤ - - وفِي رواية عَن أَبِي إِسْحَقَ، أَنْهُ سَمِعَ الأَسْوَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبًا مُوسَى يَقُول:
لَقَدْ قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ. فَذَكَّرَ بِمِثْلِهِ .
٥٥٠٥- للا عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(١١١) قَالَ: أَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِن
أَهْلِ الْبَيْتِ. أَوْ مَا ذَكَرَ مِن نَحْوٍ هَذَا.
٥٥٠٦- ١٢ِ عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ (١١٢) قَالَ: شَهِدْتُ أَبًا مُوسَى وَأَبَا مَسْعُودٍ حِينَ مَاتَ ابْنُ
مَسْعُودٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتُرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟ فَقَالَ: إِنْ قُلْتَ ذَاكَ. إِنْ كَانَ لَيُؤْذَدُ لَهُ
إِذَا حُجِبْنَا. وَيَشْهَدُ إِذَا غِيْنَا.
٥٥٠٧- ١١٣ عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ (١١٣) قَالَ: كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِن أَصْحَابِ عَبْدٍ
اللَّهِ. وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي مُصْحَفٍ. فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ. فَقَالُ أَبُو مَسْعُودٍ: مَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ
تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن هَذَا الْقَائِمِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ. لَقَدْ كَانَ
يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا. وَيُؤْذَّدُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا.
(١٠٩) حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَالْوَلِيدُ
بْنُ شُجَاعِ قَالَ سَهْلٌ وَمِنْجَبٌ أَخْبُوَنَا وَقَالَ الآخَرُونَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنَ الأَعْمَشِ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ عَلْقَمَةً عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١١٠) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَابْنِ رَافِعَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَن أَبِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيَّدَ عَنْ أَبِي ◌ُّوسَى
- وحَدَّثَنِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ حَدَّثَنَا إِسْخَّقُ بْنُ مَنْصُورَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمَّ بْنُ يُوسِّفَ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ
(١١١) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَّمُحَمَّدُ بَّنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشْتَّارٍ قَالُوا حَدْثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنَ سُفْيَانَ عَنَّ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَن
أَبِي مُوسِی
(١١٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ
سَمِعْتُ أَبَا الأَخْوَصِ قَالَ
(١١٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدََّا يَحْنِى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا قُطْبَةُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ
الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ
٤٣٣

٥٥٠٨ - -وفي رواية عَن أَبِي الأَخْوَصِ(٣) قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا مُوسَى، فَوَجَدْتُ عَبْدَ اللَّهِ وَأَبًا
مُوسَى. ح وحَدَّثَا أَبُوكُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن زَيْدٍ
ابْنِ وَهْبٍ. قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ وَأَبِي مُوسَى. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ قُطْبَةَ
أَتَمُّ وَأَكْثَرُ.
٥٥٠٩- ١١٤ عَن عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١١٤) أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ثُمَّ
قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿َ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً.
وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ. وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي
لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. قَالَ: شَقِيقٌ فَجَلَسْتُ فِي حَلَقٍ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ فَ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ
عَلَيْهِ، وَلا يَعِيبُهُ.
٥٥١٠- °مُ عَن عَبْدِ اللّهِ ﴾(١١٥) قَالَ: وَالَّذِي لا إِلَّهَ غَيْرُهُ! مَا مِن كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَا
أَنّا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلا أَنَا أَعْلَمُ فِيهَا أُنْزِلَتْ. وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابٍ
اللَّهِ مِنِي تَبْلُغُهُ الإِلُ لَرَكِيْتُ إِلَيْهِ.
٥٥١١- ١١٦ عَن مَسْرُوقٍ(١١٩) قَالَ: كُنَّا نَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍوٍ فَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ - وَقَالَ ابْنُ
نُمَيْرٍ: عِنْدَهُ- فَذَكَرْنَا يَوْمًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: لَقَدْ ذَكَرْتُمْ رَجُلًا لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ
شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِلَ﴿. سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ يَقُولُ: «خُذُوا الْقُرْآنُ مِن أَرْبَعَةٍ. مِنِ
ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيِفَةً».
٥٥١٢- ١١٧ عَن مَسْرُوقٍ(١١٧) قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. فَذَكَرْنَا حَدِيثًا عَن عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ لَ أَزَالُ أُحِيُّهُ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ وَّ
يَقُولُهُ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مِن أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ - فَبَدَأْ بِهِ- وَمِنْ أُبَيِّ بْنِ
(-) وحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مُوسَى عَن شَيْبَانَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَن أَبِي الأُخْوَصِ
(١١٤) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبُرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانٌ حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ عَن شَقِيقٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١١٥) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَا يَحْتِى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا قُطْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ مُسْلِمٍ عَنِ مَسْرُوَقَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١١٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نّمَيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ حَدَّثَنَا الأَعْمُشُ عَن شَقِيقِ عَنِ مَسْرُوقِ
(١١٧) حَدَّثََّا قُتَيْبَةُ بْنَّ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَِّبَةً قَالُوا حَدَّثَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلِ عَنِ مَسْرُوِقٍ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا حَدََّا أَيَّوْ مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ يَإِسْنَادٍ جَرِيرٍ وَوَّكِيعٍ فِي رِوَايَّةٍ أَبِي بَكْرٍ عَن
أَبِي مُعَاوِيَةً
- حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَتِى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدًَّا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ حْ وِحَدَّفِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ كِلاهُمَا عَنْ
شُعْبَةَ عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِمْ وَأَخْتَلَفَا عَن شُعْبَةً فِي تَنْسِيقِ الأَرْبَعَةِ.
٤٣٤

كَعْبٍ، وَمِنْ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبْلٍ» وَحَرْفٌ لَمْ يَذْكُرْهُ زُهَيْرٌ.
قَوْلُهُ: يَقُولُهُ.
٥٥١٣ - - وفِي رواية عَن أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَدَّمَ مُعَاذَا قَبْلَ أُبَيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي
كُرَيْبٍ، أَبَيِّ قَبْلَ مُعَاذٍ.
٥٥١٤- ١١٨ عَن مَسْرُوقٍ(١١٨) قَالَ: ذَكَرُوا ابْنَ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرٍو. فَقَالَ:
ذَاكَ رَجُلٌ لا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِوَ﴿لَيَقُولُ: «اسْتَقْرِنُوا الْقُرْآنُ مِن
أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ! وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
- قَالَ شُعْبَةُ(): بَدَأَ بِهَذَّيْنٍ. لا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا بَدَأُ.
المعنى العام
عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلى، كان أبوه قد حالف فى الجاهلية عبد الله بن الحارث بن
زهرة، وأمه أم عبد، وذكرها الحافظ ابن حجر فى الإصابة ((أم عبيد)) بنت عبدود، من بنى زهرة أيضا،
أسلمت وبايعت وروى أنها باتت عند النبى * ليلة، لترى صلاته بالليل، أما ابنها عبد الله فقد أسلم
قديما، قيل: كان سادس من أسلم، وكان سبب إسلامه أنه كان يرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فمر
به رسول اللّه، فقال له: يا غلام، هل من لبن؟ فقال: نعم، ولكنى مؤتمن، قال: فهل من شاة حائل؟
فأتاه بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلبه فى إناء، وشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص.
فقلص. فأتاه، فأسلم ودعا له، ثم ضمه إليه رسول اللّه *، فكان يدخل عليه بكثرة، ويلبسه نعليه،
ويمشى أمامه ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له رسول اللَّه،﴿((إذنك على، أن ترفع
الحجاب، وأن تسمع سوادى، حتى أنهاك)) وكان يعرف فى الصحابة بصاحب الوساد، وصاحب
النعلين، وصاحب السواك، شهد بدرا، والحديبية، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وصلى للقبلتين،
وشهد له رسول الله # بالجنة، فى حديث العشرة (أبوبكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد
الرحمن بن عوف، وسعد بن مالك وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود) وروى أن رسول اللَّه﴿ قال:
((لوكنت مؤمرًا أحدًا من غير مشورة لأمرت ابن أم عبد» كان ينسب إلى أبيه ((مسعود)) كما كان
ينسب إلى أمه ((أم عبد» كان قصيراً نحيفا، يكاد طوال الرجال جالسا يوازيه وهو قائم، وكان لا يغير
شيبه، اشترك فى قتل أبى جهل فى غزوة بدر، ذلك أنه لما ضربه ابنا عفراء فخر على الأرض صريعا
صعد ابن مسعود على صدره، فقال له: حتى أنت يا رويع الغنم؟ بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة، مع
.
(١١٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنٍ مُرَّةَ عَن ◌ِبْرَاهِيمَ عَن مَسْرُوقٍ
(-) حَدَثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَزَادَ قَالَ شُعْبَةُ
٤٣٥

عمار بن ياسر وكتب إليهم: إنى قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود معلما
ووزيرًا، وهما من النجباء، وإنى قد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسى، ومع خلافه مع عثمان على
المصحف ما تناوله بسوء، بل لما دعاه عثمان إلى المدينة أجابه، وقال لأصحابه الذين حاولوا منعه:
إن له على حق الطاعة، توفى بالمدينة على المشهور سنة ثنتين وثلاثين رضي اللَّه عنه
المباحث العربية
( لما نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمًا طَعِمُوا
إِذَا مَا اتَّقَوْا وَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَءَامَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ
اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] قال لى رسول اللَّه ◌ِ﴾. قيل لى: أنت منهم) القائل لرسول اللّه
﴿ إن ابن مسعود منهم هو الله تعالى عن طريق الوحى، لأن صفة الإيمان والتقوى والإحسان على
الحقيقة لا يعلمها إلا الله، وفرق بين أن تنطبق الآية على فرد، وبين سبب النزول، فقد قال المفسرون
فى سبب النزول، إنه لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة - رضي الله عنهم - كيف بمن
شربها من إخواننا الذين ماتوا، وهم قد شربوا الخمر، وأكلوا الميسر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية،
ومعناها على هذا أن من مات ممن أكل محرما، أو شرب محرما قبل أن يحرم هذا المأكول
والمشروب فلا إثم عليه إذا كان قد آمن، واتقى المحرمات المعلومة له، وأحسن العمل، ودخول ابن
مسعود فى الآية وفى الموصوفين بذلك بعيد، اللَّهم إلا إذا أدخلناه فى بعض الصفات، وهى التقوى
والإيمان والعمل الصالح والإحسان.
وقيل: إنها نزلت فى القوم الذين حرموا على أنفسهم ملاذ الحياة الدنيا، وسلكوا طريق الترهب،
ولم يثبت أن ابن مسعود كان منهم، بل الثابت غيره.
وبغض النظر عن سبب النزول يدخل ابن مسعود وكثير غيره فى مضمونها، وهو رفع الجناح عنهم
فيما طعموا، إذ ما اتقوا الحرام، واتقوا الإسراف والتقتير، واستمروا على إيمانهم وعملهم الصالحات،
وإحسانهم عبادة اللَّه.
( عن أبى موسى ﴾ قال: قدمت أنا وأخى من اليمن ) إلى المدينة مهاجرا، وكان ذلك
بعد فتح خيبر.
( فكنا حينا ) أى فعشنا ومكثنا فى المدينة زمنا، قال الشافعى وأصحابه ومحققو أهل العلم
وغيرهم، الحين يقع على القطعة من الدهر، طالت أم قصرت.
( وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول اللّه ﴿) ((وما نرى)) بضم النون،
بمعنى نظن، أى وما كنا نظن ابن مسعود وأمه إلا من أهل البيت.
(من كثرة دخولهم ولزومهم له) أى من كثرة دخولهم بيوت رسول اللَّه ﴿، وطول إقامتهم
٤٣٦

فى داخلها، وكان حقه يقول ((من كثرة دخولهما ولزومهما له)) أى هو وأمه، قال النووي: الاثنان يجوز
جمعهما بالاتفاق، لكن الجمهور يقولون: أقل الجمع ثلاثة، فجمع الاثنين عندهم مجاز، وغير الجمهور
يقولون: أقل الجمع اثنان، فجمعهما عند غير الجمهور حقيقة.
( فقال أحدهما لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله؟) ((أتراه)) بضم التاء، أى أتظن ابن
مسعود بعد موته ترك على الأرض حياً فى درجته وعلمه؟ والاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى لا
أظن أنا ولا أنت أن يوجد الآن مثله، أو حقيقى. والجواب مطوى، دل عليه ما قاله الآخر.
(إن قلت ذاك، إن كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا) ((إن)) الأولى شرطية،
حذف جوابها، أى إن قلت ذلك القول لم تكن مبالغا، ولا مجاوزا الحقيقة، و((إن)) الثانية مخففة من
الثقيلة واسمها ضمير محذوف، والجملة مستأنفة استئنافا تعليلياً، أى فإنه كان يأذن له رسول اللّه
﴿ فى الدخول عليه إذا حجب ومنع الصحابة، ومعنى ((يشهد)» يحضر، أى يحضر مجلس رسول الله
إذا غاب عنه الآخرون.
قال القسطلانى: وكان ابن مسعود ظه يلج على النبى وُل﴾، ويلبسه نعليه، ويمشى أمامه ومعه،
ويستره إذا اغتسل، وقال: قال لى رسول اللَّه ◌َ ﴿ ((إذنك على، أن ترفع الحجاب)) كانت الستارة على
حجر النبى 30، وبعد باب الدار، فكأنه أذن له، أن لا يطرق الباب - ((وأن تسمع سوادى)) أى وأن
تسمع صوتى، وتعلم وجودى، وعدم المانع من دخولك ((حتى أنهاك)) أى حتى أسلبك هذه الخصوصية.
( كنا فى دار أبى موسى، مع نفر من أصحاب عبد الله) ابن مسعود، أى وعبد الله
13
معهم، وهذه واقعة أخرى، وإن كانت قولة أبى موسى فى كل من الجلستين واحدة، فما فى الرواية
الرابعة كان بعد موت ابن مسعود، وما فى الرواية الخامسة كان فى حياته، وقد بين ملحق الرواية
الخامسة بعض هؤلاء الأصحاب، منهم زيد بن وهب وحذيفة بن اليمان.
( وهم ينظرون فى مصحف ) لعله مصحف عبد الله بن مسعود، وكان به بعض اختلاف عن
مصحف الجماعة، كما سيأتى.
(فقام عبد اللَّه ) ابن مسعود، أى منصرفا من المجلس.
( أعلم بما أنزل اللَّه من هذا القائم ) أى من هذا الذى قام وانصرف.
(عن عبد اللّه عنه أنه قال: ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) هذه الجملة جزء الآية
(١٦١) من سورة آل عمران، وصدرها ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قال النووي: معناه أن ابن مسعود كان
مصحفه يخالف مصحف الجمهور، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس، وأمروه
بترك مصحفه، وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه ليحرقوه، كما فعلوا بغيره فامتنع، وقال
لأصحابه: غلوا مصاحفكم، أى اكتموها، وخبئوها، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعنى: فإذا
غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى لكم بذلك شرفاً. اهـ
٤٣٧

فكأن ابن مسعود نقل الآية من معناها الأصلى، وهو الأخذ سرقة من الغنمية قبل القسمة، ونقل
التهديد بالوعيد الذى يلحق الغال، وهو أن يحمل الغال على رقبته يوم القيامة ما سرق، جملا أو بقرة،
أو شاة تشهيراً به ونكالا، نقلها إلى معنى: من يكتم شيئا من الخير جاء يحمله متشرفا به يوم
القيامة، وفى رواية أنه قال لأصحابه: إنى غال مصحفى وحابسه عن أن يحرق، فمن استطاع منكم
أن يغل مصحفه فليغلل.
( ثم قال: على قراءة من؟ تأمرنى أن أقرأ) هكذا هو فى بعض النسخ ((تأمرنى)) أى أيها
الذى تأمرنى، وفى بعض النسخ ((على قراءة من تأمروننى)) أى أيها الآمرون، والاستفهام إنكارى
توبيخى، أى لا ينبغى أن تأمرونى أن أقرأ بقراءة فلان، وأترك قراءتى، وقصده من ((فلان)) هذا زيد بن
ثابت، فقد أثارابن مسعود أنه لم يحظ بشرف جمع القرآن ونسخه، ضمن اللجنة التى ألفها لذلك
عثمان بن عفان الله، واعتمد فيها على زيد بن ثابت، عز عليه إهماله، وهو إمام القراءة فى الكوفة،
ومن السابقين الماهرين فى حفظ القرآن، وهو أول أربعة أمر المسلمون بأخذ القرآن عنهم، كما
سيأتى فى الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة، ويقال: إنه خطب فى الناس، فقال: يا معشر المسلمين
. أعزل عن نسخ كتابة المصاحف، ويتولاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفى صلب كافر - يريد زيد
ابن ثابت -، ولابن مسعود عذره فى هذا الغضب، ولعثمان عذره فى هذا الاختيار، فإبعاده عن هذا
العمل المشرف - مع كفاءته له - يغضب دون مراء، وفى هذا الغضب جزء للَّه، لكنه جاوز ما يليق! إذ
هاجم زيد بن ثابت، من غير ذنب، إلا أنه وقع عليه الاختيار، وما كان اختيار زيد إلا عن كفاءة
ممتازة، مجمع عليها من المنصفين، فهو كاتب الوحى لرسول اللّه﴿، وهو الذى قام بجمع القرآن
لأبى بكر، ثم هو أكتب القوم بشهادة الصحابة، فالطعن فى اختياره لهذا العمل افتئات واعتداء.
وعذر عثمان فى عدم ضم ابن مسعود للجنة أن ابن مسعود كان متميزا بقراءة، متمسكا بها
فخشى من تحيزه لقراءته، على أن عثمان الله كان متعجلاً الأمر، منزعجا من الاختلاف فى القراءة،
حريصا على الإسراع بحسم الداء، وهو بالمدينة، وعبد الله بن مسعود بالكوفة، فاكتفى بمن هم فى
المدينة، ولم يشتهر عنهم التحيز لقراءة معينة.
وترتب على غضبة ابن مسعود هذه غضبة أخرى، يوم أرسل مصحف عثمان إلى الكوفة، ليجمع
عليه الناس، ويحرقوا ما عداه، فرفض أن يحرق مصحفه، ودعا أصحابه إلى ذلك الرفض.
( فلقد قرأت على رسول اللَّه :﴿ بضعا وسبعين سورة ) أى وأخذت بقية
القرآن عن أصحابه، وفى رواية ((لقد أخذت من فى رسول الله { * سبعين سورة، وإن زيد
ابن ثابت لصبى من الصبيان)».
( قال شقيق: فجلست فى حلق أصحاب محمد ، فما سمعت أحدا يرد ذلك
عليه، ولا يعيبه) ((شقيق)» هو الراوى عن ابن مسعود، يحكى أنه جلس فى حلقات الصحابة
العلمية، فيذكرون ابن مسعود، وقوله هذا، فلا يعترض على هذا القول، و((الحلق)) بفتح الحاء واللام،
٤٣٨

ويقال بكسر الحاء وفتح اللام، وقال الحربى بفتح الحاء وإسكان اللام، وهو جمع حلقة، بإسكان اللام
على المشهور، وحكى فتحها واتفقوا على أن فتحها ضعيف.
( ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت ) أى فى أى مكان نزلت.
( من ابن أم عبد) كانت أمه تكنى ((أم عبد)) و((أم عبد الله)) بنت عبدود.
( ومن أبى بن كعب ) سيأتى الكلام عنه فى الباب التالى.
(ومن سالم مولى أبي حذيفة ) وكان من أهل فارس، أعتقته مولاته زوج أبى حذيفة، فتبناه
أبو حذيفة، ولذلك يعد من المهاجرين، ولما كانت معتقته أنصارية عد من الأنصار، ويعد فى العجم،
وهو من خيار الصحابة، وكان يؤم المهاجرين بقباء، وفيهم عمر، قبل أن يقدم رسول اللّهلم﴿ المدينة،
وروى أنه هاجر مع عمربن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة، وكان يؤمهم إذا سافر معهم، لأنه
كان أكثرهم قرآنا، وروى أن عمر لما طعن قال: لوكان سالم حيا ما جعلتها شورى، شهد بدرا، وقتل
يوم اليمامة شهيدًا هو ومولاه أبو حذيفة، وجد رأس أحدهما عند رجلى الآخر، سنة اثنتى عشرة
من الهجرة.
(ومن معاذ بن جبل) الأنصارى الخزرجى، الإمام المقدم فى علم الحلال والحرام، كان من
أجمل الرجال، شهد بدرا وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وأمره النبى 8 على اليمن، وقدم منها فى
خلافة أبى بكر، وكانت وفاته بالطاعون فى الشام سنة سبع عشرة، وعمره أربع وثلاثون سنة، روى أن
عمر خلقه قال: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- فيه منقبة من مناقب عبد الله بن مسعود، ففى الرواية الثانية والثالثة ملازمته للنبى {﴾، وذلك
يستلزم فضله، وفى الرواية الرابعة والخامسة أنه كان يؤذن له يوم لا يؤذن لغيره، ويسمح له يوم لا
يسمح لغيره، وفى الرواية الثامنة والتاسعة تقديمه فى القراءة على غيره.
٢-وفى الرواية السادسة والسابعة استحباب الرحلة فى طلب العلم، والذهاب إلى الفضلاء،
حيث كانوا.
٣- قال النووي: فيه جواز ذكر الإنسان نفسه بالفضيلة والعلم ونحوه للحاجة، وأما النهى عن تزكية
النفس فإنما هو لمن زكاها ومدحها لغير حاجة، بل للفخر والإعجاب، وقد كثرت تزكية النفس
من الأماثل، عند الحاجة، كدفع شرعنه بذلك، أو تحصيل مصلحة للناس، أو ترغيب فى أخذ العلم
عنه، أو نحو ذلك، فمن المصلحة قول يوسف عليه السلام ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ
٤٣٩

عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] ومن دفع الشرقول عثمان ظله، فى وقت الحصار ((إنه جهز جيش العسرة،
وحفر بئر رومة)) ومن الترغيب قول ابن مسعود، وقول سهل بن سعد: ما بقى أحد أعلم بذلك منى،
وقول بعضهم: على الخبير وقعت.
٤- وفيه أن ابن مسعود أعلم الصحابة بكتاب الله، قال النووى: ولا يلزم منه أن يكون أعلم من أبى
بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم بالسنة، ولا يلزم من ذلك أيضا أن يكون أفضل منهم عند الله
تعالى، فقد يكون واحد أعلم من آخر بباب من العلم، أو بنوع من العلم، والآخر أعلم من حيث
الجملة، وقد يكون واحد أعلم من آخر، وذاك أفضل عند الله، بزيادة تقوى وخشية وورع وزهد
وطهارة قلب، قال: ولا شك أن الخلفاء الراشدين الأربعة، كل منهم أفضل من ابن مسعود.
٥- وأن قراءة ابن مسعود معتمدة، وكذا الثلاثة المذكورون معه، قال النووى: قال العلماء:
سببه أن هؤلاء أكثر ضبطا لألفاظه، وأتقن لأدائه، وإن كان غيرهم أفقه فى معانيه
منهم، أو لأن هؤلاء الأربعة تفرغوا لأخذه منه صلى الله عليه وسلم مشافهة، وغيرهم
اقتصروا على أخذ بعضهم من بعض، أو لأن هؤلاء تفرغوا لأن يؤخذ عنهم، أو أنه صلى
اللّه عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من تقدم هؤلاء
الأربعة وتمكنهم، وأنهم أقعد من غيرهم فى ذلك، فليؤخذ عنهم.
والله أعلم
٤٤٠