النص المفهرس

صفحات 341-360

رضى الله عنه وأرضاه، ورضى عن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
( أرق رسول الله # ذات ليلة، فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى
الليلة) ((أرق)) بفتح الهمزة وكسر الراء وفتح القاف، أى سهر، ولم يأته نوم، فى الرواية الثانية («سهر
رسول الله *، مقدمه المدينة ليلة)) أى فى أوائل إقامته بالمدينة وعند البخاري ((كان النبي ◌ُ ◌ّ سهر
فلما قدم المدينة ((وفى ليلة من الليالي بعد أن تزوج عائشة، وكان يخاف غدر اليهود ((قال: ليت
رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى الليلة)» ولم يبين زمان السهر، وظاهر أن السهر كان قبل القدوم،
والقول بعده، وظاهر روايتنا أن السهر والقول معا كانا بعد القدوم، وعند النسائى ((كان رسول اللّه ◌ِ ﴾
أول ما قدم المدينة يسهر من الليل)) وعند أحمد ((أن رسول اللَّه ﴿ّ سهر ذات ليلة، وهى إلى جنبه،
قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ ... )) الحديثِ، وعند الترمذى عن عائشة رضى الله عنها قالت:
((كان النبى ﴿ يحرس، حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾)).
( قالت: وسمعنا صوت السلاح) فى الرواية الثانية ((فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة
سلاح)) أى صوت سلاح، صدم بعضه بعضا.
(فقال رسول اللَّه﴿: من هذا؟ قال: سعد بن أبى وقاص: يا رسول الله، جئت
أحرسك) فى الرواية الثانية ((فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبى وقاص، فقال له رسول اللَّه ◌ُله: ما
جاء بك؟ قال: وقع فى نفسى خوف على رسول الله ﴿، فجئت أحرسه، فدعا له رسول اللَّه ◌ُ لّ)).
(فنام رسول اللّه# حتى سمعت غطيطه ) الغطيط صوت النائم المرتفع.
(ما جمع رسول الله﴿ أبويه لأحد، غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم
أحد: ارم. فداك أبى وأمى) المعنى: ما جمع فى التفدية بين أبويه، ولكنه كان كثيراً ما يقول:
فداك أبى - فقط، وفى الرواية الرابعة يقول سعد: لقد جمع لى رسول اللَّهِ مَ﴿ أبويه يوم أحد)) وفى
نفى جمع أبويه عن غير سعد نظر، فقد ثبت - وسيأتى - أن النبى 198 جمع أبويه للزبير بن العوام،
يوم الخندق، ويجمع بينهما بأن علياً له لم يطلع على ذلك، أو مراده تقييد ذلك بيوم أحد، ويؤيد
الجمع الأول رواية البخارى ((عن على ، قال: ما سمعت النبي ◌ُ جمع أبويه لأحد، إلا لسعد بن
مالك، فإنى سمعته يقول يوم أحد: يا سعد، ارم. فداك أبى وأمى)).
وتوضح الروايات سبب هذه التفدية، ففى البخارى عن سعد رعا يته «نثل لى رسول اللّه
* كنانته يوم أحد، فقال: ارم. فداك أبى وأمى)) ((نثل)) أى نفض، والكنانة جعبة السهام،
وتكون غالبا من جلود، وعند الحاكم عن سعد ه قال: ((جال الناس يوم أحد تلك الجولة))
أى انهزموا وفروا «فتنحيت، فقلت: أذود عن نفسى، فإما أن أنجو، وإما أن أستشهد، فإذا
رجل محمر الوجه - وقد كاد المشركون أن يركبوه، فملأ يده من الحصى، فرماهم وإذا بينى
وبينه المقداد، فأردت أن أسأله عن الرجل، فقال لى: يا سعد، هذا رسول الله * يدعوك،
٣٤١

فقمت، وكأنه لم يصبنى شيء من الأذى، وأجلسنى أمامه، فجعلت أرمى ... )) وقد روى مسلم
عن ظروف هذه التفدية، عن أنس به قال ((أفرد رسول الله﴾ ﴾ يوم أحد فى سبعة من
الأنصار، ورجلين من قريش)» وكأن المراد بالرجلين طلحة وسعد.
( كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين ) أى أثخن فيهم، وأكثر وبالغ فى جرحهم
وقتلهم، وعمل فيهم نحو عمل النار.
( قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل ) أى رميته بسهم ليس فيه زج، أى رماه بعود من
الخشب ليس فى طرفه الحديدة النفاذة الجارحة.
( فأصبت جنبه ) قال النووى: بالجيم والنون، هكذا هو فى معظم النسخ، وفى بعضها ((حبته))
بحاء مفتوحة وباء مشددة مفتوحة، بعدها تاء، أى حبة قلبه.
( فسقط، فانكشفت عورته ) أى وقع على جنبه، فرفع الإزار عن عورته.
( فضحك رسول اللَّه ◌ِ﴿) فرحا بإصابته وسقوطه، وليس لانكشاف عورته.
( حتى نظرت إلى نواجذه ) بالذال، أى أنيابه، أو أضراسه.
( أنه نزلت فيه آيات من القرآن ) أى كان سببا فى نزولها.
(حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا، حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب ) أى حتى
يكفر بالإسلام.
وأمه خمرة بنت سفيان بن أمية، بنت عم أبى سفيان بن حرب بن أمية، وهذه العلاقة وحدها
كافية فى تبرير موقفها، أو فهمه، رغم أن السيدة أم حبيبة من السابقات وهى ابنة أبى سفيان ..
( مكثت ثلاثا حتى غشى عليها من الجهد ) أى ثلاث ليال لا تأكل ولا تشرب، حتى غشى
عليها من التعب.
(فقام ابن لها يقال له: عمارة، فسقاها ) فى الرواية السابعة ((فكانوا إذا أرادوا أن
يطعموها)» أى أو يسقوها ((شجروا فاها بعصا)) أى فتحوا فاها، ووضعوا فيه عصا لئلا تطبق، ثم صبوا
الطعام، فيصل جوفها رغم أنفها. قال النووى: هكذا صوابه ((شجروا)) بالشين والجيم والراء، وهكذا هو
فى جميع النسخ، قال القاضى: ويروى ((شحوا فاها)) بالحاء وحذف الراء، ومعناه قريب من الأول، أى
أوسعوه وفتحوه، والشحو التوسعة، ودابة شحو، واسعة الخطو، ويقال: أوجره، ووجره، لغتان، الأولى
أفصح، وأشهر. اهـ
وفى كتب اللغة: الوجور، بفتح الواو وضمها الدواء يصب فى الحلق، وأوجر الناس العليل، صبوا
الوجور فى حلقه.
(فجعلت تدعو على سعد، فأنزل اللَّه عز وجل فى القرآن هذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا
الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ .... وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا﴾)
٣٤٢

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والطبرانى وابن عساكر، عن سعد بن أبى وقاص ظلبه قال: «كنت برا
بأمى، لما أسلمت قالت: يا سعد، وما هذا الذى أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا، أو لا آكل ولا
أشرب، حتى أموت، فتعيربى، فيقال: يا قاتل أمه. قلت لا تفعلى يا أمه، فإنى لا أدع دينى هذا
لشيء، فمكثت يوما وليلة، لا تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت قد
اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه، تعلمين. والله! لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا
نفسا، ما تركت دينى هذا لشيء، فإن شئت فكلى، وإن شئت لا تأكلى، فلما رأت ذلك أكلت، فنزلت
هذه الآية)».
( وأصاب رسول اللّه غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته، فأتيت به الرسول
*، فقلت: نفلنى هذا السيف ) أى أعطنيه نافلة، زائدة على حقى ((فأنا من قد علمت حاله))
جهادا وشجاعة وكفاءة ((فقال: رده من حيث أخذته، قال: فانطلقت، حتى إذا أردت أن ألقيه فى
القبض)) بفتح القاف والباء، الموضع الذى يجمع الغنائم ((لامتنى نفسى، فرجعت إليه، فقلت:
أعطنيه. فقال: فشد لى صوته: رده من حيث أخذته، قال: فأنزل اللَّه عز وجل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن
الأَنْفَال .... ﴾ أى الأنفال لرسول اللّه *، يمنحها لمن يشاء، وقد جاء أن النبى ﴿ بعد نزول الآية أرسل
إلى سعد، أن يأخذ السيف. فقد أخرج أحمد وأبو داود، والترمذى وصححه والنسائى وابن جرير وابن
المنذروابن أبى حاتم وابن مردويه، والحاكم وصححه والبيهقى فى السنن عن سعد رضى الله عنه
قال: ((قلت: يا رسول الله، قد شفانى اللَّه تعالى اليوم من المشركين، فهب لى هذا السيف، قال: إن
هذا السيف لا لك، ولا لى. ضعه، فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلى
بلائى، وإذا رجل يدعونى من ورائى، فقلت: قد أنزل فى شيء، قال عليه الصلاة والسلام: كنت سألتنى
هذا السيف، وليس هولى، وإنى قد وهب لى، فهو لك، وأنزل اللَّه هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾.
(ومرضت، فأرسلت إلى النبى ) كان هذا المرض بمكة فى حجة الوداع، وعاش سعد
بعدها أزيد من أربعين سنة.
( فكان بعد. الثلث جائزا ) أى لم ينزل فى هذا قرآن، بل السنة قيدت القرآن، فى قوله ﴿مِنْ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنِ﴾ [ النساء: ١٢] فالوصية فى القرآن مطلقة، والسنة قيدتها بالثلث.
والموضوع مبسوط فَى كتاب الّوصية.
( فأتيتهم فى حش. والحش البستان ) بفتح الحاء وتشديد الشين.
(فإذا رأس جذور مشوى عندهم) ((مشوى)) بالرفع، صفة لرأس، والجذور ما يصلح لأن يذبح
من الإبل، ذكرا أو أنثى، ولفظه أنثى، يقال للبعير: هذه جذور سمينة، والجمع جزائر وجزر، والجزر
بفتح الجيم وسكون الزاى النحر، يقال: جزر الجزور نحرها، فهو جازر وجزار، وجزير.
(وزق من خمر) أى عندهم، فزق معطوف على ((رأس)) أو مبتدأ، خبره محذوف والجملة
معطوفة على الجملة، والزق بكسر الزاى وعاء من جلد، يجز شعره ولا ينتف، يستخدم إناء للشراب
وغيره، وجمعه أزقاق، وزقاق.
٣٤٣

( فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم ) بضم الذال وكسر الكاف وفتح الراء بالبناء
للمجهول، وفى بعض النسخ بفتح الذال والكاف وسكون الراء، وضمير المتكلم ((فذكرت الأنصار
والمهاجرين عندهم)) وفى رواية ((فتفاخرنا)) فقلت: المهاجرون خير من الأنصار.
( فقلت: المهاجرون خير من الأنصار) فى بعض النسخ ((المهاجرين خير من الأنصار))
والصحيح الأول.
( فأخذ رجل أحد لحيى الرأس، فضرينى به ) أى فأخذ رجل من الأنصار - يدافع عن
الأنصار - واللحاء بكسر اللام، ويقصر - من كل شيء قشره، ولحاء التمرة ما كسا النواة، وليس ما هنا
منه، بل تثنية لحى، بفتح اللام وسكون الحاء وتحريك الياء، وهو منبت اللحية من الإنسان وغيره،
وهما لحيان، واللحيان بفتح اللام حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم،
من كل جانب لحى، ويكون للإنسان والدابة، وهو المراد هنا.
(فجرح بأنفى) ((جرح)) تتعدى بنفسها، فالمفعول محذوف، والباء بمعنى ((فى)) أى جرحنى
فى أنفى، فى الرواية السابعة ((فضرب به أنف سعد، ففزه، وكان أنف سعد مفزورًا)) أى فشقه قال
الراوى: وكان أنف سعد مفزورا أى بقى أثر الضربة فى أنف سعد بقية حياته.
( فأنزل اللَّه تعالى فى - يعنى نفسه - شأن الخمر) ذكر العلماء هذا سببا لنزول الآية
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ وذكر بعضهم سببا أو أسبابا أخرى، وتعدد الأسباب لنازل واحد کثیر.
( فى نزلت ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] قال: نزلت
فى ستة. أنا وابن مسعود منهم، وكان المشَركون قالوا له: تدنى هؤلاء )؟ وفى الرواية
التاسعة عن سعد راه قال ((كنا مع النبى { ل ستة نفر، فقال المشركون للنبى ◌ُ ﴾: اطرد هؤلاء، لا
يجترئون علينا)» أى لئلا يجترءوا علينا، ويطمعوا فينا، ويلغوا الفوارق بيننا وبينهم، إن نحن أسلمنا،
فكانوا معنا، أى اطردهم لنسلم ((قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست
أسميهما)) وقد أخرج أحمد والطبرانى وغيرهما عن ابن مسعود ظ هاله قال ((مرالملاً من قريش على
النبى ، وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، رضيت
بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء من اللَّه عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلك إن
طردتهم أن نتبعك، فأنزل اللَّه تعالى فيهم القرآن)).
( فوقع في نفسٍ رسول اللّه ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز
وجل ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾) وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقى فى الدلائل
وغيرهم، عن خباب فيه قال ((جاء الأقرع بن حابس التميمى وعيينة بن حصن الفزارى، فوجدا النبى
قاعداً مع بلال وصهيب وعمار وخباب فى أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم،
فأتوه، فخلوا به، فقالوا: نحب أن تجعل لنا منك مجلسا، تعرف العرب له فضلنا، فإن وفود العرب
تأتيك، فنستحى أن ترانا قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك، فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا
فاقعد معهم إن شئت.
٣٤٤

قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة، ودعا عليا له ليكتب، ونحن قعود
فى ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ ... ﴾ إلخ، ثم دعانا، فأتيناه، وهو يقول: «سلام
عليكم. كتب ربكم على نفسه الرحمة)» فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، قام وتركنا، فأنزل الله تعالى
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [ الكهف: ٢٨] إلخ، فكان رسول اللَّه ◌ِ﴿ يقعد معنا بعد، فإذا
بلغ الساعة التى يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم)».
وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال: مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة وقرظة ابن عبد عمرو بن
نوفل والحارث بن عامر ومطعم بن عدى فى أشراف الكفار من عبد مناف، إلى أبى طالب، فقالوا: لو
أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد والحلفاء، كان أعظم له فى صدورنا وأطوع له عندنا، وأدنى
لاتباعنا إياه، وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبى {، فقال عمر بن الخطاب رضيله: لو فعلت يا رسول
اللَّه؟ حتى ننظر ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه من أمرهم؟ فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ
يَخَافُونَ﴾ إلى قوله ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ وكانوا بلالا وعمار بن ياسر، وسالما موَلَى أبى
حذيفة، وصبيحا مولى أسيد، والحلفاءَ بن مسعود والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد اللَّه الحنظلى،
وعمرو بن عبد عمرو، ومرثد بن أبى مرثد وأشباههم».
فقه الحديث
سعد بن مالك بن أهيب - ويقال له: وهيب -بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشى، أبو
إسحاق، ابن أبى وقاص، أحد العشرة، وآخرهم موتا، أحد فرسان الصحابة، وأول من رمى بسهم فى
سبيل الله وأحد الستة أهل الشورى، وقال عمر فى وصيته الماضية: إن أصابته الإمرة فذاك، وإلا
فليستعن به الوالى، وكان رأس من فتح العراق، وولى الكوفة لعمر سنة إحدى وعشرين، وهو الذی
بناها، وعزله عمر عنها، وأعاده عثمان إليها، ثم عزله، ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة، ولزم بيته، مات
بقصره بالعقيق على بعد عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها على الأعناق، ودفن بالبقيع، وصلى عليه
مروان بن الحكم مات سنة خمس وخمسين على الأشهر، ولما حضره الموت دعا بجبة له، خلقة، من
صوف، فقال: كفنونى فيها، فإنى لقيت المشركين فيها يوم بدر، وهى على، وإنما كنت أخبؤها لهذا،
وهو الذى فتح مدائن كسرى، وأكثر مدن فارس، وله كان فتح القادسية وغيرها.
وكان سابعٍ سبعة أسلموا، أسلم وهو ابن تسع عشرة سنة، وشهد بدراً والحديبية، وسائر المشاهد،
دعاله رسول الله ﴾: اللَّهم سدد سهمه، وأجب دعوته، فكان مجاب الدعوة، أخرج البخارى عن جابر
ابن سمرة قال: ((شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر ظله، شكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلى، فأرسل
إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلى، قال أبو إسحق. أما أنا واللَّه! فإنى
كنت أصلى بهم صلاة رسول اللَّه ﴿، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحق)) وقال أحد الشاكين: ((إن
سعداً لا يسير بالسرية)) أى لا يخرج للجهاد مع السرايا ((ولا يقسم السوية، ولا يعدل فى القضية)) فدعا
عليه سعد ثلاث دعوات، قال: ((اللّهم! إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل
فقره، وعرضه بالفتن)) فطال عمره، حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجوارى
فى الطريق يغمزهن، وكان يقول: شيخ كبير مفتون. أصابته دعوة سعد.
٣٤٥

ويؤخذ من أحاديث الباب
١- من الرواية الأولى والثانية جواز الاحتراس من العدو، والأخذ بالحزم، وترك الإهمال، فى موضع
الحاجة إلى الاحتياط. قال النووى: قال العلماء: وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ [المائدة: ٦٧] لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الاحتراس، حين نزلت الآية -
أى ترك الحراسة وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته، وقد صرح فى الرواية الثانية بأن هذا
الحديث الأول كان فى أول قدومه المدينة، ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان. اهـ وقال
الحافظ ابن حجر: وإنما عانى صلى الله عليه وسلم ذلك مع قوة توكله للاستنان به فى ذلك،
وأيضا فالتوكل لا ينافى تعاطى الأسباب، لأن التوكل عمل القلب، وتعاطى الأسباب عمل البدن،
وقد قال إبراهيم عليه السلام ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي﴾ وقال عليه الصلاة والسلام ((اعقلها وتوكل))
قال ابن بطال: نسخ ذلك، كما دل عليه حديث عائشة، وقال القرطبى: ليس فى الآية ﴿وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ ما ينافى الحراسة، كما أن إعلان اللَّه نصر دينه وإظهاره، لم يمنع الأمر
بالقتال وإعداد العدّة، وعلى هذا فالمراد من العصمة العصمة من الفتنة والإضلال.
٢ - وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم، خشية القتل.
٣- والثناء على من تبرع بالخير، وتسميته صالحا.
٤- وفيه جواز التفدية بالأبوين، قال النووى: وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب
والحسن البصرى، رضى الله عنهما، وكرهه بعضهم بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقا،
لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو كلام، وإلطاف، وإعلام بمحبته له، ومنزلته، وقد وردت
الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقا، وقد جمع رسول اللَّه ◌َ أبويه للزبير، ولغيره أيضا.
٥- وفيه فضيلة الرمى، والحث عليه.
٦- ومن قوله ((ليت رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى)» جواز التمنى، وقول لو.
والله أعلم
٣٤٦

(٦٣٧) باب من فضائل طلحة والزبير رضى الله عنهما
٥٤٣٢- ٤٧َ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عِ﴾(٤٧) قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فِي بَعْضِ ◌ِلْكَ الأَيَّامِ
الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿،ِ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ، عَنِ حَدِيثِهِمَا.
٥٤٣٣- الْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٤٨) قَالَ: نَدَبَ رَسُولُ اللّهِوَ النَّاسَ
يَوْمَ الْخَنْدَقِ. فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ. فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَهُمْ. فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ. فَقَالَ النّبِيُّ
*: « لَكُلِّنَبِيِّ حَوَارِيٌّ وَخَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ».
٥٤٣٤- ٤ْ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَ﴾(٤٩) قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، يَوْمَ الْخَنْدَقِ
مَعَ النِّسْوَةِ. فِي أُطُمٍ حَسَّانَ. فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةً فَأَنْظُرُ. وَأَطَأْطِئُ لَهُ مَرَّةً فَنْظُرُ. فَكُنْتُ
أَعْرِفُ أَبِي إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِي السِّلَاحِ، إِلَى بَنِي ◌ُرَيْظَةَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةً،
عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي. فَقَالَ: وَرَأَيْتِي يَا بُنِّيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا
وَاللَّهِ! لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿، يَوْمَئِذٍ، أَبَوَيْهِ. فَقَالَ: «فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي».
٥٤٣٥ - - وفِي رواية عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَ﴾ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ
ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي الْأُطُمِ الَّذِي فِيهِ النِّسْوَةُ يَعْنِي نِسْوَةَ الْبِيِّ:﴿. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَغْنَى
حَدِيثِ ابْنٍ مُسْهِرٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُرْوَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ أَدْرَجَ
الْقِصَّةَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
٥٤٣٦ - ١°ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٥٠)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ. فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿لَ: «اهْدَأُ. فَمَا
عَلَيْكَ إِلا نَبِيِّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ».
(٤٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالُوا حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ وَهُوَ ابْنُ
سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتٍّ أَبِي عِنْ أَبِي عُثَّمَانٌ
(٤٨) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ خَدَّثَنَا سُقْبَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ
- حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ حَ وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَّيَّبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَن وَكِيعٍ حَدَّثَنَا
سُفْيَّاكُ كِلاهُمَا عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكْدِرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النّبِّ :﴿ْ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُبَيْنَةً.
(٤٩) حَدَّثَّا إِسْمَعِيلُ بْنُّ الْخَلِيلِ وَسُوَيْدُ بْنَّ سَعِيدٍ كِلَّهُمَّا عَنِ ابْنٍ مُسْهِرٍ قَالَ إِسْمَعِينَّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
عَنْ أَبِيهِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزَّبَيْرِ
- وحَّدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ خَّدَّثَنَا أَبُوَ أُسَامَةَ عَنِ هِشَامٍ عَنِ أَبِيهِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبْرِ
(٥٠) وحَدَّثََّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِيّ ابْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ سُهَيْلٍ عَنَ أَبِيهِ ◌َعَن أَبِي هُرَيْرَةً
٣٤٧

٤٣٧ ٥ ٥٠ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرَ﴾(١٠)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ كَانَ عَلَى جَبْلِ حِرَاءٍ، فَتَحَرَّكَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ ﴾: «اسْكُنْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلا تَبِيٍّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ وَعَلَيْهِ النّبِيُّ نَ﴿ وَأَبُو
بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِي اللَّهِم عَنْهِمْ.
٥٤٣٨- ٢١ْ وفِي رواية عَنِ هِشَامٌ(٥١)، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: أَبَوَاكَ وَاللَّهِ مِنَ
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾.
٥٤٣٩ - - وفِي رواية عَنِ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ تَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ وَالزُّبَيْرَ.
٥٤٤٠- ٣ْ عَنْ عُرْوَةَ(٥٢) قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: كَانَ أَبَوَاكَ مِنَ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ
وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾.
المعنى العام
بطلان من أبطال الإسلام، عظيمان فى السلم، أسد عند اللقاء طلحة بن عبيد الله،
والزبير بن العوام، وهو من المهاجرين الأولين، ومن العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة
الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة من بعده، له مواقف مشهودة فى المعارك، وله
قصب السبق إلى الجهاد فى سبيل اللّه.
أما طلحة: فيكفيه فخراً ما كان منه يوم أحد، لقد أوجب واستحق الجنة، وفى رسولِ اللَّه ◌َ ﴿ من
المشركين الذين أحاطوا به بعد هزيمة أصحابه، وكان يقول له: لا تبرزيا رسول الله، فتصيبك
سهامهم، صدرى دون صدرك، ونحرى دون نحرك، كان يصد السهام عن رسول اللَّه ◌َ ﴿ بيده، حتى
قطعت إصبعه، ولم يتوقف عن رمى الكافرين، حتى نفدت سهام جعبته، فنثرله رسول اللَّه ◌َ ا﴾.
جعبته، ولما نفذت سهامهما كان رسول الله﴿ يقول لأصحابه: انثروا سهامكم لطلحة، حتى أجلى
الكافرين عن الموقع، وعن رسول اللَّه﴿، ولما أراد صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى صخرة يجلس
عليها بعد أن كسرت رباعيته وسال الدم من جبهته، ولم يستطع صعودها من الإجهاد حمله طلحة
على ظهره، فرفعه إلى الصخرة، فأجلسه عليها، وظل حامياً حارساً له مع بعض قادة المسلمين.
وأما الزبير بن العوام: فقد شارك طلحة فى حراسة النبى 8* وحمايته من الكافرين يوم أحد،
كان معهما أبوبكر وعمر وعلى، نحو العشرة من الرجال أحياناً، وأحياناً لا ترى حوله إلا طلحة
(١٠) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ فَالا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّقَبِي سُلَيْمَانُ
ابْنُ بِلالِ عَن يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ عَّن ◌َسُهَيْلَ بْنِ أَبِيِّ صَالِحٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٥١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْئَةً حَدَّثَنَا ابْنَّ نُمَيْرٍ وَعَبْدَةُ فُّلا حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ
- وحَدَّثَنَاهِ أَبُو بَكْرِ بَنْ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ
(٥٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدَّ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ عَنِ الْبَهِيِّ عَنِ عُرْوَةً
٣٤٨

والزبير، لانشغال الآخرين بالحركة ومتابعة الكافرين، وأحيانا ترى العدد الكبير الذى عاد حول قيادته
بعد الفرار.
لكن الزبير بن العوام امتاز بميزة أخرى يوم الأحزاب، وكان يهود بنى قريظة قد نقضوا العهد،
وتعاونوا مع الأحزاب، وطلب الرسول 203 من صحابته أن يتطوع أحدهم بالدخول فى بنى قريظة،
يتحسس أخبارهم وتحركاتهم، قال: من يأتينى بخبر القوم وله الجنة؟ فسكتوا خوفا من غدر اليهود،
والوقت وقت حرب، فقال الفارس الشجاع الزبير بن العوام: أنا يا رسول الله. وأعاد الرسول وَ ل﴾.
الطلب: من يأتينى بخبر القوم وله الجنة؟ فسكتوا إلا الزبير، فقال: أنا يا رسول الله. وأعاد الرسول
﴿ الطلب ثالثًا، فلم يجب إلا الزبير، قال: أنا يا رسول اللَّه. قال له صلى الله عليه وسلم: توكل على
اللّه، فداك أبى وأمى، وأخذ الفارس الشجاع يتجول بين المسلمين وبين بنى قريظة، يتظاهر
بالحراسة، وهو يتجسس للمسلمين، ويتحسس تحركات اليهود، ويأتى رسول اللّه ﴾ ﴿ بأخبارهم،
حينئذ قال صلى الله عليه وسلم ((لكل نبى حوارى)) أى ناصر ومخلص ((وحوارى الزبير)».
المباحث العربية
( لم يبق مع رسول اللَّهَ﴿ فى بعض تلك الأيام، التى قاتل فيهن رسول اللَّه ◌ُ ل، غير
طلحة وسعد ) أى طلحة بن عبيد الله، وستأتى قصته، وسعد بن أبى وقاص، وقد سقت قصته فى
الباب السابق، والمراد ببعض تلك الأيام هنا يوم أحد، وهو يوم من أيام القتال مع الكفار، أى غزوة
من الغزوات.
( عن حديثهما ) هذا قول أبى عثمان، يعنى به أن طلحة وسعداً هما اللذان حدثاه
بذلك، وهو تابعى، لم يشهد الواقعة، فمن أين له علم ذلك؟ يوضح ذلك ما عند أبى نعيم فى
المستخرج، فى هذا الحديث ((قال سليمان (الراوى عن أبى عثمان) فقلت لأبى عثمان:
وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما)).
( ندب رسول اللَّه الناس يوم الخندق) أى دعاهم للجهاد، وحرضهم عليه.
( فانتدب الزبير ) أى أجاب الزبير، فالزبير فاعل، يقال: ندبته فانتدب، أى دعوته فأجاب.
( ثم ندبهم فانتدب الزبير ) أى طلب منهم، فأجاب الزبير، وتشرح رواية البخارى الواقعة
فتقول: عن جابر ◌َ﴿له قال: ((قال رسول اللَّه * يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا.
ثم قال من يأيتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم
قال إن لكل نبى حواريا وإن حواريى الزبير» وكان بنو قريظة قد نقضوا العهد، وأيدوا الأحزاب، فأراد
صلى الله عليه وسلم أن يعلم أخبارهم وتحركاتهم، فطلب من الصحابة من يقوم بهذه المهمة، فخاف
الصحابة من غدر اليهود، فسكتوا وأجاب الزبير، وقام بفرسه يجوب المنطقة، ويدرس التحركات
فيها، وتحكى الرواية الثالثة هذه الطليعة.
( لكل نبى حوارى، وحوارى الزبير) ((لكل نبى حوارى)) بفتح الحاء والواو، وكسر
٣٤٩

الراء، وضم الياء مشددة. و((حوارى الزبير)) قال القاضى: اختلف فى ضبطه، فضبطه جماعة
من المحققين بفتح الياء مشددة، كمصرخى، وضبطه أكثرهم بكسرها، أى مشددة، وعن
الضحاك: الحوارى هو الغسال، وعن قتادة: الذى يصلح للخلافة، وقيل: هو الوزير، وقيل: هو
الناصر، وقيل: هو الخالص، وقيل: هو الخليل.
( كنت أنا وعمر بن أبى سلمة يوم الخندق مع النسوة ) فى ملحق الرواية ((يعنى نسوة
النبى ڭ)).
( فى أطم حسان ) الأطم بضم الهمزة والطاء الحصن، وجمعه آطام، كعنق وأعناق. قال
القاضى: ويقال فى الجمع أيضاً إطما بكسر الهمزة («وكان عبد الله بن الزبير وعمر بن أبى سلمة
صبيين صغيرين حول الرابعة.
( فكان يطئ لى مرة، فأنظر، وأطأطئ له مرة فينظر) أى فكان باب الحصن ضيقا، لئلا
يرى من بداخله، وفتحته للطريق منخفضة وكان الصبيان على بابه، بحيث لا يرى أحدهما المار
بالطريق إلا إذا طأطأ الآخر ظهره وخفض رأسه.
( فكنت أعرف أبى إذا مرعلى فرسه فى السلاح إلى بنى قريظة ) يعرفه بفرسه
ولباسه وسلاحه، حيث يكون ملثما فى هذه الحالة. وفى رواية للبخارى «فنظرت فإذا أنا بالزبير على
فرسه، يختلف إلى بنى قريظة، مرتين أو ثلاثا)».
( قال: فذكرت ذلك لأبى، فقال: ورأيتنى يا بنى؟) فى رواية البخارى ((فلما رجعت
قلت: يا أبت. رأيتك تختلف. قال: أو هل رأيتنى يا بنى؟)).
(كان على حراء، هو وأبوبكر وعمر وعثمان وعلىّ وطلحة والزبير، فتحركت
الصخرة ) هذا التواجد غير تواجده عليه / مع أبى بكر وعمر وعثمان. قال النووي: وقع فى معظم
النسخ بتقديم علىّ، على عثمان، وفى بعضها تقديم عثمان على على، كما فى الرواية الخامسة،
وترتيبها باتفاق النسخ.
(اهدأ، فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد) ((اهدأ ((بهمز آخره، أى اسكن وفى الرواية
الخامسة ((اسكن حراء)) وفيها ذكر سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، وهوليس صديقا، ولا شهيدا،
وأجاب القاضى بقوله: إنما سمى شهيدا لأنه مشهود له بالجنة.
( أبواك - واللَّه - من الذين استجابوا للَّه والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) فى
ملحق الرواية ((تعنى أبا بكر والزبير)) لأن أم عروة أسماء بنت أبى بكر، فأطلقت على الجد أبا،
ويحتمل أنه من قبيل التغليب، كقولهم القمران للشمس والقمر، والآية (١٧٢) من سورة آل عمران
وقبلها ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ فَرِحِينَ بمَا ءَاتَاهُمُ
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمَّ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَّحْزَنُونَ﴾
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضَل وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعَّ أَجْرَ الْمُؤْمِنِيَنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن
بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسُّنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧٢].
٣٥٠

فقه الحديث
طلحة بن عبيد الله بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن
غالب القرشى التيمى، يكنى أبا محمد، ويعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض، من
المهاجرين الأولين، بعثه رسول الله ﴿ وسعيد ابن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار،
قبيل بدر، فلم يشهدا بدراً، وجاءا عقبها، فضرب له رسول اللَّه ﴿ بسهمه، قال: وأجرى يا
رسول الله؟ قال: وأجرك، وشهد أحدا والمشاهد بعدها، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا، وفى
رسول اللَّه بنفسه، واتقى النبل عنه بيده، حتى قطعت إصبعه، وكان يقول له لا تظهريا
رسول اللَّه، تصبك سهامهم، صدرى دون صدرك، ونحرى دون نحرك، ولما نهض رسول اللّه
# ليستقل صخرة، ولم يستطع، حمله طلحة على ظهره حتى استقلها، وهو أحد العشرة
المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر الخلافة فيهم، قيل: إنه بايع عليا بعد
عثمان، ثم خرج عليه ليحاربه مع عائشة فى موقعة الجمل، لكنه اعتزل المعركة هو والزبير
عند الصفوف، فرماه مروان بن الحكم بسهم وكان فى حزبه فقتله، وفيما زعموا أنه كان
ممن حاصر عثمان.
وقتل طلحة رحمه الله وهوابن ستين سنة، سنة ست وثلاثين ويقال: إن طلحة تزوج أربع نسوة،
عند النبى * أخت كل منهن، أم كلثوم بنت أبى بكر، أخت عائشة، وحمنة بنت جحش أخت زينب،
والفارعة بنت أبى سفيان، أخت أم حبيبة، ورقية بنت أبى أمية، أخت أم سلمة، وكان بكفاحه غنيا،
قال عنه سفيان بن عيينة: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألف دينار كل يوم ه وأرضاه.
أما الزبير بن العوام بن خولد بن أسد بن عبد العزى بنى قصى بن كلاب القرشى أبو عبد الله،
فهو حوارى رسول اللَّه *، وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب، وهو أحد العشرة المشهود لهم
بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى.
أسلم وله اثنتا عشرة سنة، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد، وكان فى جيش عائشة يوم الجمل،
فالتقى به على، فذكره، فانصرف، فلقيه ابن حرموز فقتله غدراً، سنة ست وثلاثين وله سبع وستون
سنة، بمكان يقال له: وادى السباع.
وقد أوضح البخارى ثروة الزبير فى حديث طويل، تحت باب بركة الغازى فى ماله، حيا وميتا، مع
النبى # حيا وميتا، قال عبد الله بن الزبير «فقتل الزبير ظه، ولم يدع ديناراً ولا درهماً إلا أرضين،
منها الغابة، وإحدى عشرة داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة وداراً بمصر، وما ولى إمارة
قط، ولا جباية خراج، ولا شيئا، إلا أن يكون فى غزوة مع النبى 8₪، أو مع أبى بكر وعمر وعثمان رضى
الله عنهم، قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين، فوجدته ألفى ألف ومائتى ألف، وإنما
كان دينه الذى عليه، أن الرجل كان يأتيه بالمال، فيستودعه إياه على أنه سلف مأذون له فى
التصرف فيه، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قسم باقى التركة على الورثة وأنفذ وصيته، وكان
للزبير أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف.
٣٥١

ولوضوح الرؤية، وأن هذه الثروة الهائلة كانت نتيجة سعى وكفاح لبناء الحياة الدنيا، متوازنة مع
السعى والكفاح الأخروى نسوق حديث البخارى عن زوجته أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما
وكانت قد تزوجها بمكة، وهاجرت إلى المدينة، وهى حامل بابنها عبد الله، قالت: ((تزوجنى الزبير،
وما له فى الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء، غير ناضح)) أى جمل لسقى الماء، «وغير فرسه، فكنت
أعلف فرسه، وأستقى الماء، وأخرز غربه)) أى دلوه ((وأعجن، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التى
أقطعه رسول اللَّه ﴿ على رأسى، وهى منى على ثلثى فرسخ، قال: حتى أرسل لى أبوبكر بعد ذلك
بخادم يكفينى سياسة الفرس، فكأنما أعتقنى)).
(فائدة) جمع النووى فى تبويب شرحه لصحيح مسلم بين طلحة والزبير رضى الله عنهما تحت
باب واحد، وتبعناه فى ذلك، ولعله لاحظ ما جاء من أن النبى # لما آخى بين أصحابه بمكة قبل
الهجرة آخى بين طلحة والزبير، ولعله لاحظ اشتراكهما فى كثير من الفضائل، فكل منهما أحد
العشرة، وأحد الستة، وأحد السابقين وأحد أصحاب الدور البارز فى الجهاد، وفى الدفاع عن رسول
اللَّهِ وَل، بل وفى دورهما مع عثمان ومع على، وفى طريقة وأسباب مقتلهما رضى الله عنهما. وكان
من المقبول ضم طلحة إلى سعد بن أبى وقاص، لجمعهما فى الرواية الأولى، كما كان من المقبول
تخصيص باب لكل منهما.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١- فضيلة طلحة لدوره فى غزة أحد.
٢- فضيلة الزبير لدوره فى غزوة الخندق.
٣- من الرواية الثالثة قال النووى: وفى هذا الحديث دليل لحصول ضبط الصبى وتمييزه، وهو ابن أربع
سنين، فإن ابن الزبير ولد عام الهجرة فى المدينة، وكان الخندق سنة أربع من الهجرة على
الصحيح، فيكون له وقت ضبطه لهذه القضية دون أربع سنين، وفى هذا رد على ما قاله جمهور
المحدثين أنه لا يصح سماع الصبى حتى يبلغ خمس سنين، والصواب صحته، متى حصل
التمييز، وإن كان ابن أربع أو دونها. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: المقصود أن البلوغ ليس شرطا فى التحمل، وقال يحيى بن معين: أقل
سن التحمل خمس عشرة سنة، فبلغ ذلك أحمد، فقال: بل إذ عقل ما يسمع. وهذا هو المعتمد،
فالتحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء، ويلحق بالصبى فى ذلك العبد
والفاسق والكفار.
٤- وفى ضبط ابن الزبير وجودته لهذه القضية مفصلة، فى هذا السن منقبة لابن الزبير.
٥- وفى الرواية الرابعة إثبات التمييز فى الجماد.
٦ - وجواز التزكية والثناء على الإنسان فى وجهه، إذا لم يخف عليه فتنة، بإعجاب ونحوه.
٧- وفى الرواية السادسة جواز التعبير عن الجد بالأب.
والله أعلم
٣٥٢

(٦٣٨) باب من فضائل أبى عبيدة بن الجراح
رضوعنه
٥٤٤١ - ٣° عَنْ أَنَسِ ﴾(٥٣) قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ وَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِنَنَا، أَيَتُهَا
الأُمَّةُ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ».
٥٤٤٢ - شَدْ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٥٤)، أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿. فَقَالُوا: ابْعَثْ
مَعَنَا رَجُلا يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ وَالإِسْلامَ. قَالَ: فَأَخَذَّ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ».
٥٤٤٣- °°ْ عَنْ حُذَيْفَةَ رَ﴾(٥٥) قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَاهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ِ. فَقَالُوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلا أَمِينًا. فَقَالَ: «لابْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلا أَمِنًا حَقَّ أَمِينٍ. حَقَّ أَمِينٍ»
قَالَ فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ. قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ.
المعنى العام
أبو عبيدة بن الجراح أحد السابقين الأولين الذين حظوا بحب الرسول 18# ولهم دور بارز فى
قيادات الحروب والفتوح.
له مساجلة فى القضاء والقدر مع عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنهما ذكرناها فى باب الطاعون.
رضى الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
(إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح) ((أيتها الأمة))
صورته صورة النداء، لكن المراد فيه الاختصاص، أى أمتنا مخصوصون من بين الأمم، وعلى هذا فهو
بالنصب على الاختصاص، ويجوز الرفع، والأمين هو الثقة الرضى، وهذه الصفة، وإن كانت مشتركة
بينه وبين غيره، لكن السياق يشعر بأن له مزيداً فى ذلك، وقد خص النبى# كل واحد من الكبار
بفضيلة، ووصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره، كالحياء لعثمان، والقضاء لعلى، ونحو ذلك، وقد
(٥٣) حَدَِّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً عَنْ خَالِدٍ حَ وَ حَدَّثْنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا إِسْمَعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً أَخْبَرَّنَا
خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةً قَالَ: قَالَ أَنَسٌ
(٥٤) حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّقِدُ حَدَّثَنَا عَفَّهُ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةً عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنْسٍ
(٥٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارِ وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنِّى قَالا حَدَّثَنَا مَّحَمَّدُ بْنُ جَغْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَقَ
يُحَدِّثُ عَنِ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنِ حُذَيْفَةٌ
حَدْثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
٣٥٣

أورد الترمذى، وابن حبان ((أرحم أمتى بأمتى أبو بكر، وأشدهم فى أمر الله عمر، وأصدقهم حياء
عثمان، وأقرؤهم كتاب الله أبى، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة
أمينا .... )) الحديث.
( أن أهل اليمن قدموا على رسول اللَّه ◌َل) فى الرواية الثالثة ((جاء أهل نجران إلى رسول
اللَّهُ عَّ ((قال الحافظ ابن حجر: أهل نجران هم أهل بلد قريب من اليمن، وهم العاقب واسمه عبد
المسيح والسيد، ومن معهما، ذكر ابن سعد أنهم وفدوا على النبى * فى سنة تسع، وفى الرواية الثانية
((إن أهل اليمن، قدموا على النبى®، فقالوا)) قال الحافظ: فإن كان الراوى تجوز عن أهل نجران،
بقوله («أهل اليمن)) لقرب نجران من اليمن، فذاك، وإلا فهما واقعتان، والأول أرجح. اهـ
( لأبعثن إليكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين ) التكرير للتأكيد، و((حق أمين)) من
إضافة الصفة إلى الموصوف، أى أمين أمانة حقة، أى كاملة.
(فاستشرف لها الناس ) أى من حضر من الصحابة، ففى رواية ((فاستشرف لها أصحاب
رسول اللَّهَ﴾ ((أى تطلعوا للولاية، ورغبوا فيها، حرصا على تحصيل صفة الأمين الحق، لا حرصا على
الولاية من حيث هى.
( فبعث أبا عبيدة بن الجراح ) فى الرواية الثانية ((فأخذ بيد أبى عبيدة، فقال: هذا أمين
هذه الأمة)».
فقه الحديث
(أبو عبيدة) عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب، ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث
ابن فهر، القرشى، مشهور بكنيته، وبالنسبة إلى جده، وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيد بن
الحارث بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد فى ساعة واحدة، قبل دخول
النبى * دار الأرقم، وهو أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً وما بعدها،
ويقال: إنه هو الذى قتل أباه كافرا يوم بدر، فقد أخرج الطبرى ((جعل والد أبى عبيدة يتصدى لأبى
عبيدة يوم بدر، فيحيد عنه، فلما أكثر قصده فقتله)) فتح كثيراً من بلاد الشام وتولى جنداً من
أجنادها، ومات فى طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، عن عمر يناهز ثمانيا وخمسين سنة.
والله أعلم
٣٥٤

(٦٣٩) باب من فضائل الحسن والحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
٥٤٤٤- ٦ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٥٦)، عَنِ النَّبِيِّلَ﴿لَ، أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِيُّهُ.
فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ».
٥٤٤٥- ٧ْ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عِ﴾(٥٧) قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ.
لا يُكَلِّمُنِي وَلا أُكَلِّمُهُ. حَتَّى جَاءَ سُوقَ يَنِي قَيْنُقَاعَ. ثُمَّ انْصَرَفَ، حَتَّى أَتَّى خِيَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ:
«أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟» يَعْنِي حَسَنًا فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا. فَلَمْ
يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى. حَتَّى اغْتَبَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي
أُحِيُّهُ. فَأَحِيَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ.
٥٤٤٦- ٨°ْ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَ﴾ (٥٨) قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَائِقِ النَّبِيِّ
وَلّ. وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنّي أُحِبُّهُ. فَأَحِبَّهُ».
٥٤٤٧- ١٩ْ عَنِ الْبَرَاءِ وَ﴾ (٥٩)، قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى
عَائِقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ. فَأَحِبَّهُ».
٥٤٤٨- ٢٠ عَنِ إِيَاسٍ(٦٠)، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ﴿ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، بَغْلَتَهُ
الشَّهْبَاءَ. حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّنَ﴿ِ. هَذَا قُدَّامَهُ. وَهَذَا خَلْفَهُ.
٥٤٤٩- ٦١ْ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦١) قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َ﴿َ غَدَاةُ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ
مُرَحَّلٌ، مِن شَعْرِ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ ثُمَّ جَاءَتْ
فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾».
(٥٦) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ عَن نَافِعٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٥٧) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِّي يَزِيدَ عَن نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيَّرَةْ
(٥٨) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَّا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ عَدِيٌّ وَهُوّ ابْنُ ثَابِتَ حَدَّثْنَا الْبَرَاءُ بَُّ عَازِبٍ
(٥٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَأَبُوِ بَكْرِ بَنُ نَافِعٍ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرْ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ عَدِيٍّ وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ عَنِ الْرَاءِ
(٦٠) حَدََّتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الَّرُّومِيُّ الْيَمَّامِيُّ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبُرِيُّ قَالا حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةٌ وَهُوَ ابْنُ
عَمَّارِ حَدَّثَنَا إِيَاسٌ عَنِ أَبِيهِ
(٦١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شَِئَةَ وَمُجَمَّدُ بْنُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ فَلَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ زَكْرِيَاءَ عَنْ
مُصْعَبِ ابْنِ شَيْئَّةً عَنَ صَفِيَّةً بِنْتِ شَيْبَةً قَالَتْ : قَالَتْ عَائِشَةٌ
٣٥٥

المعنى العام
الحسن والحسين عاشا حياة الطفولة بين يدى ألطف الناس، وأرحم الناس بالناس،
كان إذا سجد فى صلاته صلى الله عليه وسلم وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أراد
الصحابة أن يمنعوهما أشار إليهم: أن دعوهما، فإذا قضى صلاته وضعهما فى حجره،
فقال: من أحبنى فليحب هذين.
عاش الحسن بالمدينة، حتى دعاه معاوية بعد أن قتل على ظه، وكان الحسن يكره القتال، فتنازل
لمعاوية وبايعه، وأعطاه معاوية من المال أربعمائة ألف، وأجرى عليه كل عام ألف ألف درهم، وأعطاه
عهدا، إن حدث لمعاوية حدث، والحسن حى، ليجعلن هذا الأمر إليه، فجمع الحسن رءوس أهل
العراق فى قصر المدائن، فقال: إنكم قد بايعتمونى على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من
حاربت، وإنى قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا، فكانوا يقولون: يا عار أمير المؤمنين، فيقول:
العارخير من النار، وأقنع أخاه الحسين بذلك، وعادا الى المدينة، وعاشا فيها، عاش الحسن بعد ذلك
نحو عشر سنين، ثم مات مسموما سنة خمسين على المشهور.
أما الحسين فقد استمر فى المدينة مع أخيه، حتى مات معاوية، فخرج إلى مكة، فأتته كتب أهل
العراق أن بايعوه، فتوجه إليهم، وكان يزيد بن معاوية قد عين عبيد الله بن زياد على الكوفة والبصرة،
فقتل بالشبهة، وذبح بالظنة وأرهب أهل العراق، والحسين لا يعلم ذلك، حتى كان بينه وبين القادسية
ثلاثة أميال، وكان عبيد الله قد جهز الجيش لملاقاته، على رأسه عمر بن سعد بن أبى وقاص، فالتقيا
عند كربلاء، فقتل الحسين وأصحابه وفيهم سبعة عشر شاباً من أهل بيته، وأتى برأس الحسين إلى
عبيد الله، فأرسله ومن بقى من أهل بيته إلى يزيد بن معاوية، ومنهم على بن الحسين، فأدخلهم على
عياله، ثم جهزهم إلى المدينة.
المباحث العربية
( أنه قال الحسن: اللَّهم إنى أحبه) اللام بمعنى ((عن)) أى قال عن حسن ...
( فأحبه وأحبب من يحبه) وفى الرواية الثالثة والرابعة ((فأحبه)) وليس فيهما
((وأحبب من يحبه)).
(فى طائفة من النهار) طائفة الشيء جزؤه، والمراد فى ساعة من نهار، وفى رواية ((صائفة))
بالصاد أی فی حر النهار.
( حتى جاء سوق بنى قينقاع ) السوق اسم لكل مكان يقع فيه التبايع بين من يتعاطى
البيع والشراء، و((قينقاع)) بفتح القاف وسكون الياء وضم النون، وضبط بكسرها، وحكى فتحها، اسم
لقبيلة من اليهود، نسب إليها السوق، فإذا أريد القبيلة. منع من الصرف للعلمية والتأنيث، وإذا أريد
الحى صرف، وهو أحد أسواق المدينة المشهورة، والظاهر أنه كان فى طريقه إلى بيت فاطمة، فمر به
ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
٣٥٦

( ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة) فى رواية البخارى «حتى أتى سوق بنى قينقاع،
فجلس بفناء بيت فاطمة)) قال الراوى سقط فى رواية البخارى بعض الحديث، لأن بيت فاطمة ليس
فى سوق بنى قينقاع، فرواية مسلم تثبت ما سقط، والفناء بكسر الفاء بعدها نون ممدودة، الموضع
المتسع أمام البيت، وفى مسلم ((خباء فاطمة)) بالخاء المكسورة بعدها باء، والمراد به بيتها.
( فقال: أثم لكع؟ أثم لكع؟ يعنى حسنا ) الهمزة للاستفهام، و((ثم)) بفتح الثاء وتشديد
الميم بمعنى ((هنا)» واللكع بضم اللام وفتح الكاف يراد به الصغير، يقال: لك فلان بفتح اللام،
والكاف، يلكع بفتح الكاف لكعا، بسكونها، أى أكل وشرب، ولكع الصبى إذا نهز فى الرضاع، ويقال:
لكع بكسر الكاف، يلكع بفتحها، ولكع يلكع بضم الكاف فيهما، لكعا بفتحها، ولكاعة إذا لؤم وحمق،
فهو ألكع، وهى لكعاء، ويقال فى سب المرأة بالحمق لك، بضم اللام وفتح الكاف، فقوله ((لكع)) فى
الحديث إن كان من فتح الكاف فهو الصغير، وإن كان من كسرها أوضمها فالمراد منه المداعبة
والتلميح بهذا الوصف، غير المراد حقيقته.
( فظننا أنه إنما تحبسه أمه، لأن تغسله وتلبسه سخابا ) الفاء عاطفة على محذوف،
أى فتأخر الجواب أو فتأخر مجيئه، فظننا أن أمه تؤخره، لتنظيفه، وإلباسه ما يجمله، وتغسله بضم
التاء وفتح الغين، وكسر السين، من غسل المشدد ((وتلبسه)) بضم التاء من ألبس، والسخاب بكسر
السين وبالخاء مفرد سخب بضمتين، قال النووى: والسخاب قلادة من القرنفل والمسك والعود
ونحوها من أخلاط الطيب، يعمل على هيئة السبحة، ويجعل قلادة للصبيان والجوارى، وقيل: هو
خيط فيه خرز، سمى بذلك لصوت خرزه عند حركته، من السخب، بفتح السين والخاء، ويقال: صخب
بالصاد، وهو اختلاط الأصوات.
( فلم يلبث أن جاء يسعى ) أى فلم يمكث مجيئه، ولم يتأخر. بل جاء يجرى نحو جده.
( حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه ) تعلق الحسن برقبة جده، واحتضنه جده، وفى
رواية البخارى ((فجاء يشتد، حتى عانقه وقبله)) وفى رواية ((فقال النبى ◌ُ 8# بيده هكذا - أى مدها،
والمراد يديه - فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه)).
(رأيت رسول اللَّه واضعا الحسن بن علي على عاتقه) العاتق ما بين
المنكب والعنق.
( لقد قدت بنبى اللَّه: ﴿ والحسن والحسين بغلته الشهباء ) يقال: قاد البغلة يقودها،
إذا أمسك بلجامها وسار بها، والشهباء ما خالط بياض شعرها سواد، وهذه البغلة هى التى أهداها له
المقوقس، وكانت له صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء، أهداها له صاحب أيلة.
(خرج النبى # غداة، وعليه مرط مرحل، من شعر أسود ) الغداة أول النهار، والمرط
بكسر الميم، وسكون الراء كساء، وجمعه مروط، والمرحل بضم الميم وفتح الراء وتشديد الحاء
المفتوحة الموشى المنقوش عليه صور رحال الإبل، ووقع لبعض رواة كتاب مسلم ((مرجل)) بالجيم، أى
المنقوش عليه صور المراجل، وهى القدور.
٣٥٧

( فجاء الحسن بن على، فأدخله، ثم جاء الحسين، فدخل معه، ثم جاءت فاطمة
فأدخلها، ثم جاء على، فأدخله ) وإنما دخل الحسين بنفسه، دون إدخال لصغره، وتغايرا من
أخيه، وإدلالا، على جده، بخلاف غيره.
( ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ )
((الرجس)) فى الأصَل الشيء القذر، وأريد به هنا الذنب مجازا، وقيل: الإثم، وقيل: الفسقَ، وقيل:
الشرك، وقيل: الشيطان، وقيل: الشك، وقيل: البخل والطمع، وقيل الأهواء والبدع، وقيل: ما يعم كل
ذلك، والمعنى: إنما يريد الله سبحانه وتعالى أن يذهب عنكم الرجس، ويصونكم من المعاصى صونا
بليغا، فيما أمرونهى، ونصب ((أهل البيت)) على النداء، و((أل)) فى ((البيت)) للعهد، أى بيت النبى
*، وجمهور المفسرين على أن المراد من ((أهل البيت)) أزواجه المطهرات، وتوحيد البيت لأن
بيوتهن باعتبار إضافتها إلى النبى 8# بيت واحد، وباعتبار إضافتها إليهن متعددات، كما فى قوله
تعالى ﴿وَقَّرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وأورد ضمير جمع المذكر ((عنكم .... ويطهركم)) رعاية للفظ الأهل، والعرب
كثيرا ما يستعملون صيغ المذكر فى مثل ذلك، فقد قال موسى لامرأته ﴿امْكُثُّوا إِنِّي ءَانَسْتُ نَارًا﴾
[طه: ١٠، القصص: ٢٩] والتذكير أدخل فى التعظيم، وسابق الآية ولاحقها يؤيد ذلك.
وقيل: المراد من البيت بيت النسب، وقيل: المراد بهم جميع بنى هاشم، ذكورهم وإناثهم، أى
المؤمنون من بنى هاشم عند الحنفية، وبنو المطلب عند الشافعية، وفى المسألة كلام كثير.
فقه الحديث
ولد الحسن فى نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة على المشهور، ومات مسموما، ودفن
بالبقيع سنة خمسين.
أما الحسين فولد فى شعبان سنة أربع من الهجرة على الصحيح، وقتل بكربلاء يوم عاشوراء سنة
إحدى وستين.
وقد أخرج البخارى بالإضافة إلى بعض أحاديث الباب - عن أبى بكرة به قال: سمعت النبى
* على المنبر - والحسن إلى جنبه - ينظر إلى الناس مرة، وإليه مرة، ويقول: ((ابني هذا سيد، ولعل
الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين».
وعن أنس بن مالك له أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن على، فجعل فى طست فجعل
ينكت - فى رواية ((بقضيب له فى أنفه)) وفى رواية فى عينه وأنفه)) - وقال فى حسنه شيئا فقال
أنس: كان أشبههم برسول اللَّه ◌ُ وفى رواية للطبرانى ((فقلت: ارفع قضيبك فقد رأيت فم رسول اللّه
۵﴾ فی موضعه)).
وعن عقبة بن الحارث قال: ((رأيت أبا بكر الله وحمل الحسن، وهو يقول: بأبى. شبيه بالنبى،
ليس بعلى، وعلى يضحك)».
وعن أنس ((لم يكن أحد أشبه بالنبى {﴾ من الحسن بن على)).
٣٥٨

وعن عبد الله بن عمر - وسأله سائل عن المحرم يقتل الذباب - فقال: أهل العراق يسألون عن
الذباب، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله :﴿، وقال النبى ﴿: ((هما ريحانتاى من الدنيا)).
وعند الترمذى من حديث أنس ((أن النبى / كان يدعو الحسن والحسين، فيشمهما
ويضمهما إليه)».
وعند الطبرانى عن أبى أيوب «دخلت على رسول اللّهلَ®، والحسن والحسين يلعبان بين يديه،
فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال: وكيف لا؟ وهما ريحانتاى من الدنيا أشمهما)).
ويؤخذ من أحاديث الباب
١- من الرواية الثانية جواز إلباس الصبيان القلائد والسخب، ونحوها من الزينة. قاله النووى.
٢- واستحباب تنظيفهم، لا سيما عند لقائهم أهل الفضل، واستحباب النظافة مطلقا.
٣- استحباب ملاطفة الصبى، ومداعبته، رحمة له ولطفا.
٤ - استحباب التواضع مع الأطفال وغيرهم.
٥- أن مماسة الأطفال، وأن رطوبات وجههم ونحوها طاهرة، حتى تتحقق نجاستها، قال النووي: ولم
ينقل عن السلف التحفظ منها، ولا يخلون منها غالبا.
٦- ومن الرواية الخامسة جواز ركوب ثلاثة على دابة واحدة، إذا كانت مطبقة، قال النووي: وهذا
مذهبنا ومذهب العلماء كافة، وحكى القاضى عن بعضهم منع ذلك مطلقا، وهو فاسد.
والله أعلم
٣٥٩

(٦٤٠) باب من فضائل زيد بن حارثة، وابنه أسامة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
٥٤٥٠- ٦٣َ عَن سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(٦٢)، عَن أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ
إِلا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ ﴿ادْعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ الشَّيْخُ
أَبُو أَحْمَدَ، مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: أَخْبُرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّجُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ
الدُّوَيْرِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ ابْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ، حَدًَّا
حَبَّاثُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَن عَبْدِ اللَّهِ. بِمِثْلِهِ.
٥٤٥١- ٣ٍ عَن ابْنِ عُمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٦٣) قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِلَّ بَعْثًا. وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ
أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ. فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: «إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ
كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِهِ مِن قَبْلُ. وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمْرَةِ. وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ
النّاسِ إِلَيَّ. وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، بَعْدَهُ».
٥٤٥٢- ثَّ عَنْ سَالِمٍ(٢٤)، عَنْ أَبِيهِ ظُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِن
تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ- يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةٍ أَبِيهِ مِن قَبْلِهِ. وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كَانَ
لَخَلِقًا لَهَا. وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كَانَ لِأَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ. وَايْمُ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا لَهَا لَحَلِيقٌ - يُرِيدُ أُسَامَةً
ابْنَ زَيْدٍ - وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كَانَ لأَحَبَّهُمْ إِلَيَّ، مِن بَعْدِهِ. فَأُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِن صَالِحِيكُمْ».
المعنى العام
كان رسول اللّه : ﴿ يحب فى الله، ويبغض فى اللّه، وهكذا شريعة الإسلام تجعل صلة الدين أقوى
من قرابة النسب، قانونها قوله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [ المجادلة: ٢٢].
ومن هنا أحب رسول اللَّه® زيد بن حارثة، أعتقه، ثم تبناه، ثم زوجه حاضنته أم أيمن، ثم زوجه
ابنة عمته زينب بنت جحش، ثم أمره على جيوش، من جنودها أبوبكر وعمر، وما بعثه فى بعث إلا
أمره عليهم، فكان حقا عند حسن ظن رسول الله ﴿ به، وكان حقا جديرا بالإمارة، وكيف لا؟ وهو
تربية محمد بن عبد الله؟.
(٦٢) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ عَنِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٦٣) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَيَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْتِى بْنُ يَخْتَى أَخْبُرَنَا وقَلَ الآخَرُونَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنُونَ
ابْنَ جَعْفَرِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمْرَ يَقُول
(٦٤) حَدَّثَّنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدَ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ عُمَرٌ يَعْنِي ابْنَ حَمْزَةً عَنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ
٣٦٠