النص المفهرس
صفحات 301-320
قال النووى: ((يرعنى)) بفتح الياء وضم الراء، ومعناه لم يفجأنى إلا ذلك، قال ((برجل)» هكذا هو فى
جميع النسخ، بالباء، أى لم يفجأنى الأمر فى الحال إلا برجل. اهـ.
وجملة ((قد أخذ بمنكبى)) صفة ((رجل)).
( فالتفت إليه، فإذا هو على، فترحم على عمر) أى دعاله بالرحمة، وفى رواية للبخارى
((فقال: يرحمك الله)).
(وقال: ما خلفت أحداً أحب إلى أن ألقى اللَّه بمثل عمله منك) ((ما خلفت)) بفتح
الخاء وتشديد اللام المفتوحة، والتاء للخطاب، والمعنى لا أحد أحب أن ألقى اللَّه بمثل عمله إلا أنت،
أى أتمنى أن ألقى الله بمثل عملك.
( وأيم اللَّه) ((أيم)) اسم، خبر لمبتدأ محذوف، أى يمين اللَّه قسمى، وجوز بعضهم جره
بحرف القسم.
( إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك) رسول اللّه﴿ وأبى بكر، وفى آخر رواية
((فإن كنت لأرجو - أو لأظن - أن يجعلك اللّه معهما)) وإعادة الجملة السابقة للتأكيد، و((إن)) مخففة
من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أى إن الحال والشأن أننى كنت أظن وأعتقد أن اللّه
سيجعلك فى صحبة صاحبيك فى الجنة وفى الفضل، بل وفى مكان الدفن، فقد استأذن - قبل أن
يموت- عائشة فى أن يدفن فى بيتها مع صاحبيه، فأذنت له.
ثم علل هذا الظن أنه فهمه من كثرة الملازمة فى أحاديث رسول اللّه {* بينه وبين أبى بكر وعمر.
( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون وعليهم قمص ) بضم القاف والميم، جمع قميص،
والرؤيا رؤيا منام، ((ويعرضون)) بضم الياء من العرض يوم القيامة، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضى
القسمة آحادًا، أى على كل واحد قميص.
( منها ما يبلغ الثدى، ومنها ما يبلغ دون ذلك) ((الثدى)) بضم الثاء وكسر الدال وتشديد
الياء، ومن المعروف أن القميص يلبس على الصدر إلى الركبة غالبا، فكونه إلى الثدى كناية عن
القصر والصغر، وكونه دون ذلك أى أعلى من الثدى أو تحت الثدى كناية عن القصر أيضا.
( ومرعمر بن الخطاب وعليه قميص يجره ) أى يلبسه، فيسبغ جسمه كله، حتى يجره
على الأرض لطوله.
( قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟) جاء فى بعض الروايات أن السائل عن
ذلك أبو بكر.
( قال: الدين ) قال أهل تعبير المنام: القميص فى المنام معناه الدين، وجره يدل على بقاء
آثاره الجميلة، وسنته الحسنة فى المسلمين بعد وفاته، ليقتدى به.
( بينا أنا نائم إذ رأيت قدحا، أتيت به، فيه لبن، فشربت منه) أى من
القدح، أو من اللبن.
٣٠١
(حتى إنى لأرى الرى يجرى فى أظفارى) ((إنى)) يجوز فتح الهمزة وكسرها، ورؤية الرى
على سبيل الاستعارة، كأنه لما جعل الرى جسما أضاف إليه ما هو من خواص الجسم، وهو كونه
مرئيًّا، وكان الأصل أن يقول: حتى رأيت الرى، بالفعل الماضى، لكنه عبر بالمضارع استحضارًا
للصورة، والرؤية بصرية، والرى بكسر الراء، ويجوز فتحها.
( ثم أعطيت فضلى عمر بن الخطاب ) فى رواية البخارى ((ثم ناولت عمر)) وفى رواية ((ثم
ناولت فضلى)» والفضل والفضيلة ما فضل.
( قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم) ((العلم)) بالنصب، أى أولته العلم،
وبالرفع، أى المؤول به هو العلم، وفى رواية ((فقالوا: هذا العلم الذى آتاكه الله، حتى إذا امتلأت
فضلت منه فضلة، فأخذها عمر، قال: أصبتم)» فإن صحت هذه الرواية احتمل أن يكون بعضهم أول،
وبعضهم سأل، ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم فى كثرة النفع، وكونها سببا للصلاح،
فاللبن للغذاء البدنى، والعلم للغذاء المعنوى.
(بينما أنا نائم رأيتنى على قليب) ((القليب)) البئر غير المطوية، أى غير المبينة،
وغير السقوفة.
( عليها دلو) ((الدلو)) يذكر ويؤنث، وفى الرواية الخامسة ((أريت أنى أنزع على حوضى، أسقى
الناس)) وفى الرواية السادسة ((أريت كأنى أنزع بدلوبكرة على قليب)) ((بكرة)) بفتح الباء وسكون
الكاف على المشهور، وحكى بعضهم تثليث أوله، والمراد الخشبة المستديرة التى يعلق فيها الدلو،
فتلف به، قيل: ويجوز إسكان الكاف على أن المراد بها الأنثى الشابة من الإبل، نسبت الدلو إليها،
لأنها التى يستقى بها.
(فنزعت منها ما شاء الله) استقيت بالدلو، وأخرجت من البئر ماء، ما شاء الله فى كثرته.
( ثم أخذها ابن أبى قحافة، فنزع بها ذنوباً أو ذنوبين) ((الذنوب)) بفتح الذال
الدلو المملوءة.
( وفى نزعه - والله يغفرله - ضعف) بسكون العين، مع فتح الضاد وضمها،
لغتان مشهورتان.
وفى الرواية الخامسة ((فجاءنى أبو بكر، فأخذ الدلومن يدى، ليروحنى)) بضم الياء وفتح الراء
وتشديد الواو المكسورة، أى ليريحنى من النصب والتعب ((فنزع دلوين، وفى نزعه ضعف)) وفى الرواية
السادسة ((فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين فنزع نزعا ضعيفا)».
( ثم استحالت غربا) ((الغرب)) بفتح الغين وسكون الراء، الدلو الكبيرة العظيمة، أى ثم
تحولت الدلو الصغيرة إلى كبيرة.
( فأخذها ابن الخطاب، فلم أرعبقريا من الناس، ينزع نزع عمر بن الخطاب )
((العبقرى)) بكسر الراء وتشديد الياء، قيل: السيد، وقيل: الذى ليس فوقه شىء، وقيل: النافذ الماضى
الذى لا شىء يفوقه، قال أبو عمر: عبقرى القوم سيدهم وقيمهم وكبيرهم، والمعنى: فلم أرعظيما من
٣٠٢
عظماء الرجال يسقى بدلو، ويخرج ماء من البئر، مثل عمر، وفى الرواية السادسة ورواية البخارى ((فلم
أر عبقريا من الناس يفرى فريه)) ((يفرى)) بفتح الياء وكسر الراء بينهما فاء ساكنة، و((فريه)) قال
النووى: روى بوجهين، أحدهما بإسكان الراء وتخفيف الياء، والثانية كسر الراء وتشديد الياء، وهما
لغتان صحيحتان، وأنكر الخليل التشديد، وقال: هو غلط، واتفقوا على أن معناه: لم أرسيدا يعمل
عمله، ويقطع قطعه، وأصل الفرى بالإسكان القطع، يقال: فريت الشىء أفريه فريا، قطعته للإصلاح،
فهو مفرى وفرى، وأفريته إذا شققته على جهة الإفساد. اهـ
وفى الرواية الخامسة ((فلم أر نزع رجل قط أقوى منه)).
( حتى ضرب الناس بعطن ) بفتح العين والطاء، وهو الموضع الذى تساق إليه الإبل بعد
السقى، لتسريح، والمعنى: حتى سقى الناس إبلهم، وذهبوا بها إلى مباركها، وزووها، وفى الرواية
الخامسة ((حتى تولى الناس)) أى حتى انصرفوا بإبلهم ((والحوض ملآن، يتفجر)» وكانوا يخرجون
الماء من البئر، ويصبونه فى حوض على حافته، لتشرب الإبل من الحوض، والمراد من تفجر الحوض
سيلان الماء من حافته بعد امتلائه.
يقال: ضرب الرجل فى الأرض إذا ذهب وأبعد، وضرب الشىء عليه ألزمه إياه، وضرب الشيء
بالشيء، خلطه به، وفى الرواية السادسة ((حتى روى الناس، وضربوا العطن)) قال النووى، قال
القاضى: ظاهره أنه عائد إلى خلافة عمر خاصة، وقيل: يعود إلى خلافة أبى بكر وعمر جميعا، لأن
بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح المسلمين تم هذا الأمر، وضرب الناس بعطن، لأن أبا بكر قمع
أهل الردة، وجمع شمل المسلمين وألفهم، وابتدأ الفتوح، ومهد الأمور، وتمت ثمرات ذلك، وتكاملت فى
زمن عمر بن الخطاب، رضى الله عنهما.
( دخلت الجنة، فرأيت فيها دارا أو قصرا، فقلت: لمن هذا؟ ) القصر وفى الرواية
الثامنة ((بينا أنا نائم، إذ رأتينى فى الجنة، فإذا امرأة توضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا)»؟ وفى
رواية للبخارى ((ورأيت قصرا، بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟)) وفى رواية ((لمن هذا القصر))؟ وفى
رواية للبخارى « فإذا أنا بالرميضاء، امرأة أبى طلحة)) وهى أم سليم، والرميضاء صفة لها، لرمض كان
بعينها، وقيل: هواسم أختها، أم حرام، وقيل: اسم أخت أم سليم من الرضاعة، وجوزابن التين أن
يكون المراد امرأة أخرى لأبى طلحة، وفى رواية للبخارى ((وسمعت خشفة)) بفتح الخاء والشين
والفاء، أى حركة، أو صوتاً خفيفاً ((فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال)) قال الحافظ ابن حجر: والظاهر
أن المخاطب بقوله ((لمن هذا؟)) جبريل أو غيره من الملائكة.
وقوله ((تتوضأ)» يحتمل أن يكون على ظاهره، ولا يذكر كونها تتوضأ حقيقة، لأن الرؤيا وقعت فى
زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها، فذاك فى زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله ((تتوضأ إلى
جانب قصر)) أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير الحقيقة، ورؤيا المنام لا تحمل دائما على
الحقيقة، بل تحتمل التأويل، فيكون معنى قوله ((تتوضأ)) أنها تحافظ فى الدنيا على العبادة، أو المراد
بقوله ((تتوضأ)» أى تستعمل الماء، لأجل الوضاءة، على مدلوله اللغوى، قال الحافظ ابن حجر: وزعم
ابن قتيبة والخطابى أن قوله ((تتوضأ)» تصحيف وتغيير من الناسخ، وإنما الصواب ((امرأة شوهاء))
٣٠٣
ولم يستند فى هذه الدعوى إلا إلى استبعاد أن يقع فى الجنة وضوء، لأنه لا عمل فيها، وعدم الاطلاع
على المراد من الخبر لا يقتضى تغليط الحفاظ، ثم فسر الخطابى ((شوهاء)) بمعنى حسناء، والكلمة
تستعمل فى النقيضين.
( فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخل، فذكرت غيرتك ) والخطاب لعمر، فقد
كان حاضرًا قص الرؤيا، وفى الرواية الثامنة ((فذكرت غيرة عمر، فوليت مدبرا)» وفى رواية للبخارى
((فأردت أن أدخله، فلم يمنعنى إلا علمى بغيرتك))
( فبكى عمر، وقال: أى رسول اللَّه، أو عليك أغار؟) ((أى)) حرف نداء، و)) أو)) بفتح الواو
حرف عطف، والهمزة للاستفهام الإنكارى، والعطف على محذوف، أى أأشك فيك وأغار منك؟ لا
يحصل شيء من ذلك، أى لا أشك فيك ولا أغار منك، فأنت عندى ثقة مأمون. وأصل التعبير: أعليها
أغار منك، فحصل قلب، وفى رواية الثامنة ((قال أبو هريرة: فبكى عمر، ونحن جميعا فى ذلك
المجلس، مع رسول الله﴿، ثم قال عمر: بأبى أنت يا رسول الله! أعليك أغار))؟ قال ابن بطال: وبكاء
عمر يحتمل أن يكون سرورا، ويحتمل أن يكون تشوقا، أو خشوعا، وزاد فى رواية ((قال عمر: وهل
رفعنى اللَّه إلا بك؟ وهل هدانى اللَّه إلا بك))؟
( استأذن عمر على رسول الله، وعنده نساء من قريش، يكلمنه، ويستكثرنه، عالية
أصواتهن ) قال الحافظ ابن حجر: هن من أزواجه، ويحتمل أن يكون معهن من غيرهن، لكن قرينة
قوله ((يستكثرنه)) أى يطلبن منه أكثر مما يعطيهن، يؤيد أنهن من أزواجه صلى اللَّه عليه وسلم، وزعم
الداودى أن المراد أنهن يكثرن الكلام عنده، وهو مردود بما وقع التصريح به ((أنهن يطلبن النفقة)) كذا
قال الحافظ ابن حجر، قلت: ومراد الداودى يكثرن الكلام فى طلب زيادة النفقة، فقوله ليس مردودا،
بدليل قوله ((عالية أصواتهن)) زاد البخارى ((على صوته)) و((عالية)) يجوز فيه الرفع على الصفة،
والنصب على الحال، ((وأصواتهن)) بالرفع فاعل ((عالية)).
( فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب ) يقال: ابتدر فلانا بكذا عاجله به، وابتدر القوم
الشيء تسارعوا إليه، والظاهر أن المراد من القيام البدء والإنشاء، لكن قوله ((عجبت من هؤلاء اللائى
كن عندى)» يشعر أنهن قمن من مجلسهن، لحجب شخوصهن، لكن خطاب عمر لهن بعد، يوحى
بأنهن رجعن إلى جلستهن.
( أضحك الله سنك ) قال الحافظ ابن حجر: لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه، وهو
السرور، أو نفى ضد لازمه، وهو الحزن.
( قال عمر: فأنت يا رسول الله، أحق أن يهبن ) أى أنت أحق منى بالهيبة
والاحترام والتوقير.
( ثم قال عمر: أى عدوات أنفسهن ) ((أى)) بسكون الياء، حرف نداء، ووصفهن بهذا الوصف
لأن الذى يفعل الخطأ عدو نفسه، فهو يوقعها فى الضرر.
٣٠٤
(أتهبننى ولا تهبن رسول اللّه؟) الاستفهام إنكارى توبيخى، أى ما كان ينبغى لكن أن
تفعلن ذلك، والإنكار ليس لابتدارهن الحجاب، وإنما لرفع الصوت والمطالبة والإلحاح.
( أنت أغلظ وأفظ من رسول و #) قال النووى: الفظ والغليظ بمعنى، وهو عبارة عن شدة
الخلق، وخشونة الجانب. قال العلماء: وليست لفظة ((أفعل)) هنا للمفاضلة، بل هى بمعنى ((فظ)) و
((غليظ)) أى فليست الصيغة هنا على أصلها، الذى هو مشاركة اثنين فى صفة وزيادة أحدهما عن
الآخر فى هذه الصفة، لأن الرسول ليس فيه أصل هذه الصفة، لقوله تعالى ﴿وَلَوْكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ
الْقَلْبِ لانْفَضُوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فهذه الصيغة هنا من قبيل قوله تعالى ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] - قال القاضى: وقد يصح حملها على المفاضلة،
وأن القدر الذى منها فى الرسول و8 هو ما كان من إغلاظه على الكافرين والمنافقين، كما قال
تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وكان يغضب ويغلظ عند
انتهاك حرمات الله. اهـ
وقوله تعالى ﴿وَلَوْكُنْتَ فَظَّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ نفى تلك الصفة كصفة
لازمة، فلا ينافى مجرد وجودها فى بعض الأحوال، فكان صلى الله عليه وسلم يغضب للحق
أحيانا، ولا يواجه بالعتاب أو المؤخذة أحيانا، أما عمر فكان يواجه بالمؤاخذة، ويبالغ فى
الزجر، حتى كان يضرب بالعصا.
( والذي نفسي بيده. ما لقيك الشيطان قط، سالكا فجاً، إلا سلك فجاً غيرفجك )
الفج الطريق الواسعة قال النووى: هذا محمول على ظاهره، وأن الشيطان يهرب إذا رآه، وقال
عياض: يحتمل أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل، وأن عمر فارق سبيل الشيطان، وسلك طريق
السداد، فخالف كل ما يحبه الشيطان. قال النووي: والصحيح الأول.
(قد كان يكون فى الأمم قبلكم محدثون) قال العلماء: اختلف فى المراد من ((محدثون))
بفتح الدال المشددة، اسم مفعول، أى يحدثهم الله، أو الملائكة، فقيل: ملهمون، قاله الأكثرون، قالوا:
المحدث هو الرجل الصادق الظن، وهو من ألقى فى روعه شيء من قبل الملأ الأعلى، فيكون كالذى
حدثه غيره به، وقيل: من يجرى الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل: مكلمون - بفتح اللام
المشددة، تتكلم الملائكة على لسانهم، وهو قريب من المعنى الأول، فهم مكلمون، لا يرون مكلما فى
الحقيقة، فيرجع إلى الإلهام، وفسره ابن التين بالتفرس، وفى مسند الحميدى: المحدث الملهم
بالصواب الذى يلقى على فيه، وقيل: المصيب بغير نبوة، وقيل: مفهمون، بفتح الهاء المشددة ، فعند
أحمد والترمذى ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)).
( فإن يكن فى أمتى منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم ) فى رواية للبخارى ((لقد
كان فيمن كان قبلكم من بنى إسرائيل رجال يكلمون - بفتح الياء، أى يتكلمون - من غير أن يكونوا
أنبياء، فإن يكن فى أمتى منهم أحد فعمر)).
وكان الظاهر أن يقول: إن عمر منهم، بدون شك أو ترديد أو تعليق، لأن أمته صلى اللّه عليه وسلم
أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وجد فى غيرهم، قإمكان وجوده فيهم أولى، وإنما أورده بهذا المورد
٣٠٥
للتأكيد، كما يقول الرجل: إن يكن لى صديق فإنه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصداقة، لا نفى
الأصدقاء. قال الحافظ ابن حجر: وهذا وإن جاز أن يقع، لكنه نادر ممن يكون أمره منهم مبيناً على
اتباع الكتاب والسنة، قال: وتمحضت الحكمة فى وجودهم وكثرتهم بعد العصر الأول، فى زيادة شرف
هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه، وقد تكون الحكمة فى تكثيرهم مضاهاة بنى إسرائيل فى كثرة الأنبياء
فيهم، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها، لكون نبيها خاتم الأنبياء، عوضوا بكثرة الملهمين. اهـ
وهكذا ينحو الحافظ نحو الأولياء والكرامات والإلهامات، ولسنا معه فى هذا النحو، بل نحن مع
الطيبى إذ يقول: المراد بالمحدث الملهم، البالغ فى ذلك مبلغ النبى فى الصدق، والمعنى لقد كان
فيمن قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون، فإن يكن فى أمتى أحد هذا شأنه فهو عمر، فكأنه حكم بانقطاع
قرينه فى ذلك، ويؤيده حديث ((لوكان بعدى نبى لكان عمر)) فلو فيه بمنزلة ((إن)) أى على سبيل
الفرض والتقدير، وقد أخرجه أحمد والترمذى وحسنه وابن حبان والحاكم والطبرانى فى الأوسط.
والسبب فى تخصيص عمر بذلك كثرة ما وقع له زمن النبى # من الموافقات التى نزل القرآن
مطابقاً لها، ووقع له بعد النبى 20 عدة إصابات.
(وافقت ربى فى ثلاث ) وقائع، قال الحافظ ابن حجر: والمعنى: وافقنى ربى، فأنزل القرآن
على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه، أو أشار بذلك إلى حدوث رأيه، وقدم
الحكم، قال: وليس فى تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفى الزيادة عليها، لأنه حصلت له الموافقة فى
أشياء غير هذه، من مشهورها قصة أسارى بدر، وقصة الصلاة على المنافقين، قال: وأكثر ما وقفنا
عليه منها بالتعيين خمس عشرة.اهـ
( فى مقام إبراهيم) بدل من ((ثلاث)) أى فى طلب الصلاة فى مقام إبراهيم، ومقام إبراهيم
معروف الآن فى المسجد الحرام، مواجه لباب الكعبة، على مسافة سبعة وعشرين ذراعا وقد أحيط
بمقصورة من الزجاج، وعن أصله قيل: إنه الحجر الذى قام عليه إبراهيم حين ارتفع به بناء الكعبة،
فأثرت فيه أصابع إبراهيم وعلمت وغاصت، ولكن الناس تماسحوا فيه حتى انمحى الأثر أو كاد، قيل:
وكان المقام فى زمن النبى 108 ملتصقا بالكعبة، ثم أخره عمر إلى مكانه الآن، لما رأى أن بقاءه يضيق
على الطائفين، أو على المصلى، فوضعه فى مكان يرتفع به الحرج، قالوا: وتهيأ له ذلك، لأنه الذى كان
قد أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل عليه المقصورة. و((المقام)) مفعل من القيام، يراد به المكان،
أى مكان قيامه، وذهب النخعى ومجاهد إلى أن المراد من ((مقام إبراهيم)» فى الآية الحرم كله،
وذهب ابن عباس وعطاء إلى أن المراد به مواقف الحج كلها، وذهب الشعبى إلى أن المراد به عرفة
ومزدلفة والجمار، ومعنى اتخاذها مصلى على هذه الآراء أن يدعى فيها، ويتقرب إلى الله تعالى
عندها. والصواب الذى عليه الجمهور هو القول الأول.
وموافقة عمر ظه فى مقام إبراهيم أخرج صورتها أبو نعيم من حديث ابن عمر ((أن النبى ◌ُ * أخذ
بيد عمر، فقال: يا عمر، هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا تتخذه مصلى؟ فقال: لم أومر بذلك، فلم
تغب الشمس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ والأمرِ فِيها للاستحباب،
وقيل: الأمر بصلاة ركعتى الطواف عنده، لما أخرجه مسلم عن جابر أن رسول اللّه لما فرغ من
٣٠٦
طوافه عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، وقرأ الآية ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا
وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرًا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: ١٢٥] والأمَرَ للوجوب على بعضَ الأقوال.
(وفى الحجاب ) أى حجاب أمهات المؤمنين، وقد أخرج البخارى عن أنس به قال: ((قال
عمر بن الخطاب وظه: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين
بالحجاب؟ فأنزل الله تعالى آية الحجاب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ
لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِيْنَ لِحَدِيثٍ
إِنَّ ذَلِّكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَّسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْبِيَ مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ
مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَرْوَاجَهُ
مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [ الأحزاب: ٥٣] - وكان رضى الله تعالى عنه حريصا على
حجابهن، وما ذاك إلا حبا لرسول اللّه ◌َ﴿)) وعن عائشة ((أن أزواج النبي # كن يخرجن بالليل، إذا
برزن إلى المناصع، وكان عمر ظه يقول للنبى وُل: احجب نساءك، فلم يكن رسول اللّهل﴿ يفعل،
فخرجت سودة بنت زمعة - رضى الله عنها، ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر
﴿له بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل اللَّه تعالى الحجاب))
وذلك إحدى موافقات عمر نظره. وأخرج نحوه مسلم وابن جرير.
وأخرج البخارى فى الأدب والنسائى من حديث عائشة رضى الله عنها أنها كانت تأكل معه عليه
الصلاة والسلام، وكان يأكل معهما بعض أصحابه، فأصابت يد رجل يدها، فكره النبى {$)، وقال عمر:
وكان الذى أصابت إصبعه إصبعها: أوه. لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، ونزل الحجاب، قال العلماء. ولا
يبعد أن يكون مجموع ما ذكر سببا للنزول، وعمر ظه فى جميعها سبب للنزول.
( وفى أسارى بدر) أسر المسلمون من كفار قريش يوم بدر سبعين رجلا، وقد روى الترمذى
والنسائى وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن على ه قال: ((جاء جبريل إلى النبى 8* يوم بدر،
فقال: خير أصحابك فى الأسرى، إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفداء، على أن يقتل منهم عاما مقبلا
مثلهم. قالوا: الفداء، وبقتل منا)) وأخرج مسلم هذه القصة مطولة من حديث عمر، ذكر فيها أنه مُ ث
قال: ما ترون فى هؤلاء الأسرى؟ فقال أبوبكر: أرى أن تأخذ منهم فدية تكون قوة لنا، وعسى الله أن
يهديهم، فقال عمر: أرى أن تمكنا منهم، فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، فهوى رسول اللّه ◌َ لا
ما قال أبوبكر)، فنزل قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُؤْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ
عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُريدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾َ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ -٦٨] فنزل القرآن برأى عمر.
ومن موافقات عمره أنه دخل على أمهات المؤمنين، حين تحزين على رسول { ®، فحذرهن
العواقب، وقال لهن: ((عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيراً منكن)) فنزلت الآية على وفق ما
قال. ومن موافقاته أيضا تحريم الخمر.
ومن أبرز موافقاته ه محاولة منع النبى و من الصلاة على المنافقين، وستأتى القصة فى
روايتنا الثانية عشرة.
٣٠٧
( لما توفى عبد الله بن أبى ابن سلول) ((أبى)) بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء، قال
النووى: هكذا صوابه، ويكتبِ ((ابن سلول)) بالألف، ويعرب بإعراب ((عبد الله)) فإنه وصف ثان له، لأنه
عبد الله بن أبى وهو عبد الله ابن سلول أيضا، فأَبَى أبوه، «وسلول)» أمه، فنسب إلى أبويه جميعا،
ووصف بهما، وكانت وفاته - كما ذكر الواقدى - بعد منصرفهم من تبوك، فى ذى القعدة سنة تسع،
وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزل قوله تعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا رَادُوكُمْ إِلا
خَبَالا﴾ [ التوبة: ٤٧].
(جاء ابنه عبد الله إلى رسول اللَّهِ :﴿) كان عبد الله بن عبد الله بن أبى من فضلاء
الصحابة، وشهد بدراً، وما بعدها، واستشهد يوم اليمامة، فى خلافة أبى بكر الصديق، ومن مناقبه أنه
بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبى 8# يستأذنه فى قتله، فقال له: ((بل أحسن صحبته))، ولما
بلغه قول أبيه ((لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)) يعنى ابن أبى بالأعز نفسه، وبالأذل
رسول اللَّهَ﴿ وقف عبد الله هذا على باب المدينة بسيفه، يمنع أباه من دخولها، حتى يقول: إنه
الأذل ورسول اللَّه ﴿ هو الأعز، فقالها.
( فسأله أن يعطيه قميصه، أن يكفن فيه أباه، فأعطاه) فى رواية البخارى ((أن يعطيه
قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه)) وعند الطبرى ((لما احتضر عبد الله جاء ابنه عبد الله إلى النبى { ل﴾
فقال: يا نبى الله! إن أبى قد احتضر، فأحب أن تشهده وتصلى عليه)) وقد ورد أن عبد الله هذا فعل
ذلك بعهد وطلب من أبيه، كما روى ((أن النبى 8 ذهب إليه ليشهده، فلما دخل عليه قال له: أهلكك
حب يهود، فقال: يا رسول الله! إنما أرسلت إليك لتستغفرلى، ولم أرسل إليك لتوبخنى، ثم سأله أن
يعطيه قميصه يكفن فيه، فأجابه)) وعند الطبرانى ((لما مرض عبد الله بن أبى، جاءه النبى ﴿ فكلمه،
فقال: قد فهمت ما تقول، فامنن على، فكفنى فى قميصك، وصل علىّ، ففعل)) ولم يكن ابن أبى مؤمنا،
بل منافقا كافرا من أهل النار، لكنه - كما يقول الحافظ ابن حجر: أراد بذلك دفع العار عن ولده
وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة فى صلاة النبى { *، ووقعت إجابته إلى سؤاله، بحسب ما ظهر من
حاله إلى أن كشف اللَّه الغطاء عن ذلك.
(فقامٍ رسول اللَّه ليصلى عليه، فِقام عمر، فأخذ بثوب رسول اللّه، فقال: يا
رسول اللّهٍ! أتصلى عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول اللّه﴾: إنما
خِيرني اللَّهِ تعالى، فقال ﴿اسْتَغْفِرْلَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْلَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً
فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾[ التوبة: ٨٠] وسأزيد على سبعين. قالَ: إنه منافق) وعند البخارى
عن عمره قال ((لما مات عبد الله بن أبى دعى له رسول الله﴾، ليصلى عليه، فلما قام رسول الله
﴿ وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله! أتصلى على ابن أبى، وقد قال كذا يوم كذا وكذا وكذا؟ قال: أُعَدِّد
عليه، فتبسم رسول اللَّه ﴿، وقال: أخر عنى يا عمر. فلما أكثرت عليه. قال: إنى خيرت فاخترت، ولو
أنى أعلم أنى إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها)».
والإشكال هنا قول عمر «وقد نهاك اللَّه أن تصلى عليه)) ولم تكن أية ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ
مَاتَ أَبَدًا ﴾ لم تكن نزلت، فمن أين لعمر هذا القول؟ وعلام استند؟ لقد أقدم بعض المحدثين فرد هذه
٣٠٨
الرواية، وقال إنها وهم من بعض الرواة، لكن القرطبى قال: لعل ذلك وقع فى خاطر عمر، فيكون من
قبيل الإلهام، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [ التوبة: ١١٣] ويؤيده رواية أخرى للبخارى، وفيها ((تصلى عليه وقد نهاك اللَّه أن تستغفر
لهم)) وعند ابن مردويه ((فقال عمر: أتصلى عليه وقد نهاك اللَّه أن تصلى عليه؟ قال: أين؟ قال: قال:
﴿اسْتَغْفِرْلَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْلَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فكأن عمر ◌َلُ فهم من
الآية المذكورة أن ((أو)) ليست للتخيير، بل للتسوية، أى إن الاستغفارلهم، وعدم الاستغفار لهم سواء،
وفهم عمر أيضا من قوله ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ أنها للمبالغة، وأن العدد المذكور لا مفهوم له، بل المراد نفى
المغفرة لهم، ولو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك أن الاستغفار لهم عبث نهى عنه، وفهم أيضا أن
المقصود الأعظم من الصلاة على الميت الاستغفارله، والشفاعه له، فالنهى عن الاستغفار له يستلزم
النهى عن الصلاة.
(فصلى عليه رسول اللَّه ◌ِ﴿، وأنزل اللَّه عز وجل ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا
وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرهِ ﴾ فترك الصلاة عليهم) وعند الواقدى ((ما رأيت رسول اللّهلم﴾ أطال على
جنازة قُط ما أطالَ على جنازة عبد الله بن أبى من الوقوف)) وفى رواية أن عمر رؤيته ترك رأيه، وصلى
مع رسول اللّه چ.
فقه الحديث
وفاة عمر
قصة وفاة عمره أخرجها البخارى تحت باب: قصة البيعة والاتفاق على عثمان ظ ◌ُبه، قال
البخارى: وفيه مقتل عمر بن الخطاب ظه، أخرجها عن عمرو بن ميمون قال: ((إنى لقائم ما بينى
وبينه - يقصد عمر - إلا عبد الله بن عباس، غداة أصيب)) - كان ذلك بعد عودته من الحج، سنة ثلاث
وعشرين - ((وكان إذا مربين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم يرفيهم خللا تقدم فكبر، وربما قرأ
سورة يوسف أو نحو ذلك فى الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول:
قتلنى - أو أكلنى - الكلب، حين طعنه، فطار العلج - بكسر العين وسكون اللام، الحمار ((بسكين ذات
طرفين، لا يمر على أحد، يميناً ولا شمالا، إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة،
فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه» وعند ابن
سعد بإسناد صحيح إلى الزهرى قال: كان عمر لا يأذن لسبى قد احتلم، فى دخول المدينة، حتى كتب
المغيرة بن شعبة - وهو على الكوفة - يذكر غلاما عنده صانعا، ويستأذنه أن يدخله المدينة، ويقول:
إن عنده أعمالا تنفع الناس، إنه حداد نقاش نجار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة،
فشكى إلى عمر شدة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير، فى جنب ما تعمل، فانصرف ساخطا، فلبث
عمر ليالى، فمربه العبد، فقال: ألم أحدث أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت
إليه عابسا، فقال: لأصنعن لك رحى، يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعدنى
العبد، فلبث ليالى، ثم اشتمل على خنجر ذى رأسين، نصابه وسطه، فكمن فى زاوية من زوايا المسجد
فى الغلس)) فى الفجر وقبله ((حتى خرج عمر يوقظ الناس: الصلاة. الصلاة. وكان عمر يفعل ذلك، فلما
٣٠٩
دنا منه عمر وثب إليه، فطعنه ثلاث طعنات [رواية البخارى ((أن الطعن كان بعد أن كبر)) أصح من
رواية ابن سعد التى فيها ((أن القتل كان وهو يسوى الصفوف))] إحداهن تحت السرة، وهى التى
قتلته، وفى رواية ((كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة، وكان يستغله أربعة دراهم - أى كل يوم - فلقى عمر،
فقال: إن المغيرة أثقل على، فقال: اتق الله، وأحسن إليه، ومن نية عمر أن يلقى المغيرة، فيكلمه،
فيخفف عنه، فقال العبد: وسع الناس عدله غيرى؟ وأضمر على قتله، فاصطنع له خنجرا، له رأسان،
وسمه، فتحرى صلاة الغداة، حتى قام عمر، فقال: أقيموا صفوفكم، فلما كبر طعنه، فسقط)) وعند مسلم
((أن عمر خطب، فقال: رأيت ديكا نقرنى ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلى)) زاد فى رواية ((فما
مرإلا تلك الجمعة، حتى طعن)) وفى رواية ((طعن أبو لؤلؤة نفرا، فأخذ أبا لؤلؤة رهط من قريش، منهم
عبد الله بن عوف فطرح عليه خميصة كانت عليه» وعند ابن سعد «أن عبد الله بن عوف أحتز رأس
أبی لؤلؤة، بعد أن نحر نفسه)».
ونعود إلى عمر فى حديث البخارى ((وتناول عمريد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، قال عمرو بن
ميمونة فمن كان يلى عمر، فقد رأى الذى أرى، وأما من فى نواحى المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم
فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله. فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة)) فى رواية
((بأقصر سورتين فى القرآن: إنا أعطيناك الكوثر، وإذا جاء نصر الله والفتح)» وزاد فى رواية ((ثم غلب
عمر النزف، حتى غشى عليه، فاحتملته فى رهط، حتى أدخلته بيته، فلم يزل فى غشيته حتى أسفر»
أى بدأ ضوء الصبح، فنظر فى وجوهنا، فقال: أصلى الناس؟ فقلت: نعم. قال: لا إسلام لمن ترك
الصلاة، ثم توضأ وصلى)) وفى رواية ابن سعد ((فتوضأ وصلى الصبح، فقرأ فى الأولى: والعصر، وفى
الثانية قل يا أيها الكافرون، قال: وتساند إلىَّ، وجرحه يثغب دما، إنى لأضع إصبعى الوسطى، فما
تسد الفتق)).
فى رواية البخارى: لما انتهى عبد الرحمن بن عوف من الصلاة، وقبل أن يغمى على عمر ((قال يا
ابن عباس. انظر من قتلنى؟ فجال ساعة - أى وقتا قصيرا - ثم جاء، فقال: غلام المغيرة. قال:
الصنع؟ -أى الصنايعى؟- قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً، الحمد لله الذى لم يجعل
ميتتى بيد رجل يدعى الإسلام» وفى رواية «الحمد لله الذى لم يجعل قاتلى يحاجنى عند الله بسجدة
سجدها له قط)) وفى رواية ((يحاجنى بلا إله إلا الله)) وفى رواية ((لا تعجلوا على الذى قتلنى. فقيل:
إنه قتل نفسه، فاسترجع عمر، فقيل له: إنه أبولؤلؤة، فقال: الله أكبر)) ثم قال لابن عباس: ((قد كنت
أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة)). وفى رواية ((فقال عمر: هذا من عمل أصحابك، كنت
أريد أن لايدخلها علج من السبى، فغلبتمونى)) وفى رواية ((قال عمر: من أصابنى؟ قالوا: أبو لؤلؤة،
واسمه فيروز، قال: قد نهيتكم أن تجلبوا عليها من علوجهم أحدا، فعصيتمونى» قيل: وكان العباس قد
قال لعمر: إن عمل المدينة شديد، لا يستقيم إلا بالعلوج، وكان العباس من أكثر الصحابة استخداما
لهم، فقال عبد الله بن عباس: إن شئت فعلت؟ أى قتلت علوجنا - قال: كذبت، بعد ما تكلموا
بلسانكم؟ وصلوا قبلتكم؟ وحجوا حجكم؟ ((وكان عمر ظه يخشى أن يكون وراء القاتل محرضون،
وأن يكون قد ظلم فى حكمه جماعة دون قصد فخططوا لهذا العمل، فقال لابن عباس - وكان يحبه
ويدنيه - يا عبد الله بن عباس. اخرج، فناد فى الناس: أعن ملأ منكم كان هذا؟ فقالوا: معاذ الله. ما
٣١٠
علمنا، ولا اطلعنا، وفى رواية ((فقال عمر لابن عباس. أحب أن تعلم. عن ملأ من الناس كان هذا؟
فخرج، لا يمر بملأ من الناس، إلا وهم يبكون، فكأنما فقدوا بكار أولادهم، فأخبر عمر بذلك، قال:
فرأيت البشر فى وجه.
(وقفة عند هذا الحديث)
من الصعب أن نقنع أنفسنا بأن دافع قتل عمر هو عدم إنصافه لهذا العبد من وجهة نظره، إذ كان
الأولى بأن يقتل سيده، الظالم له، حسب فهمه، وكانت هناك وسائل أخرى يسلكها العبد لرفع هذا
الظلم غير القتل، وأقلها رفض هذا التكسب، والاكتفاء بالخدمة والعبودية، كشأن الآلاف، ولكننا نعتقد
أن هناك ثأرا سابقا، من غزو المسلمين لبلاده، وقتلهم أباه أو عمه أو أخاه، أو أحب الناس إليه، وهو
وأمثاله لم يسلموا، ولم يدخل الإيمان فى قلوبهم، حتى يغسل أضغانهم، فكان الحذر منهم واجبا، كما
أشار عمر، ولكن لا يغنى حذر من قدر، ففى رواية ابن سعد ((فلما طعن قال: وكان أمر الله قدرا
مقدورا)). ونعود إلى رواية البخارى، وعمر الجريح فى بيته ((وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ))
يتوافدون عليه، ويحيطون به، ويدعون له، ويثنون عليه، وجاءوا له بالطبيب، فأتى بنبيذ، فشربه، فخرج
من جوفه، ثم أتى له بلبن، فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، ((وقال الطبيب: اعهد يا أمير
المؤمنين. فقال عمر: صدقنى، ولو قال غير ذلك لكذبته))
وكثر الثناء والدعاء والمواساة، فمن قائل: لا بأس، ومن قائل: نخاف عليك وعلى الإسلام، ومن
قائل يقول له: أبشر - يا أمير المؤمنين - ببشرى الله لك، من صحبة رسول اللَّه،﴿، وقَدَم فى الإسلام
ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال عمر: وددت أن ذلك كفاف، لا علىٍ، ولا لى، وعلى بن
أبى طالب ه يقول: يرحمك الله يا عمر، ما تركت أحدا أحب إلى أن ألقى الله بمثله منك، أى
ليتنى ألقى الله بمثل ما ستلقاه به، لقد كان رسول اللَّه * يجمع بينك وبينه وبين أبى بكر فى غالب
المناسبات، فيقول: خرجت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت كذا أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر
وعمر، وها هى عائشة قد أذنت لك بأن تدفن مع صاحبيك، وستكون معهما فى الجنة إن شاء الله.
فهنيئا لك. وهنيئا لك.
قال عمر: «يا عبد الله بن عمر، انظر ما علىَّ من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا، أو
نحوه قال: إن وفى له مال آل عمر، فأده من أموالهم، وإلا فسل فى بنى عدى بن كعب، فإن لم تفٍ
أموالهم فسل فى قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عنى هذا المال)» وفى رواية ((قال: يا عبد اللَّه،
أقسمت عليك بحق عمر، إذا مت، فدفنتنى أن لا تغسل رأسك، حتى تبيع من رباع آل عمر بثمانين
ألفا، فتضعها فى بيت مال المسلمين، فسأله عبد الرحمن بن عوف، أى عن أسباب هذا الدين -
فقال: أنفقتها فى حجج حججتها، وفى نوائب كانت تنوبنى)) قال ابن التين: قد علم عمر أنه لا
يلزمه غرامة ذلك، إلا أنه أراد أن لا يتعجل من عمله شيئا فى الدنيا.
ثم قال عمر ((يا عبد الله، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل لها: يقرأ عليك عمر السلام - ولا
تقل: أمير المؤمنين، فإنى لست اليوم للمؤمنين أميراً - وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع
صاحبيه، فسلم واستأذن ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكى، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب
٣١١
السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فقالت كنت أريده لنفسى، ولأوثرنه به اليوم على نفسى، فلما
أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعونى. فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذى
تحب يا أمير المؤمنين. أذنت. قال: الحمد لله. ما كان من شيء أهم إلى من ذلك ((وخشى عمر أن
تكون أذنت فى حياته، حياء منه، وأن ترجع عن ذلك بعد موته، فأراد أن لا يكرهها على ذلك، فقال
((فإذا أنا قضيت فاحملونى، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر ابن الخطاب فإن أذنت لى فأدخلونى، وإن
ردتنى فردونى إلى مقابر المسلمين)».
قال عبد الله بن عمر: وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، قال: فلما رأيناها قمنا،
فدخلت عليه، فبكت عنده ساعة، ثم دخلت داخلا، ودخل الرجال، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين.
استخلف. قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول اللَّه/ وهو عنهم راض،
فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر - وليس له
من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإنى لم أعزله عن
عجزولا خيانة.
وقال: ((أوصى الخليفة من بعدى بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم،
وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، وأن يُعفى عن
مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم
إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من
حواشى أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله ﴿، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن
يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم)).
قال عبد الله بن عمر: «فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشى، فسلم عبد الله بن عمر، قال:
يستأذن عمر ابن الخطاب قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هناك مع صاحبيه».
قال الحافظ بن حجر: اختلف فى صفة القبور المكرمة الثلاثة، فالأكثر على أن قبر أبى بكر وراء
قبر الرسول {*، وقبر عمر وراء قبر أبى بكر، وقيل: إن قبره # مقدم إلى القبلة، وقبر أبى بكر حذاء
منكبيه، وقبر عمر حذاء أبى بكر، وقيل قبر أبى بكر عند رأس النبى {®، وقبر عمر عند رجليه، وقيل: قبر
أبى بكر عند رجلى النبى ®، وقبر عمر عند رجلى أبى بكر، وقيل غير ذلك.
إسلام عمر طلخا
أخرج البخارى عن عبد الله بن مسعود ظله قال: ((مازلنا أعزة منذ أسلم عمر» وذلك لما كان فيه
من الجلد والقوة فى أمر الله، وروى ابن أبى شيبة والطبرانى، عن عبد الله بن مسعود رضا به قال: كان
إسلام عمر عزا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلى حول البيت ظاهرين، حتى
أسلم عمر.
وفى ملابسات إسلامه ه أخرج الدارقطنى، عن أنس راه قال: خرج عمر متقلدا السيف، فلقيه
رجل من بنى زهرة - فذكر قصة دخول عمر على أخته، وإنكاره إسلامها، وإسلام زوجها سعيد بن زيد،
٣١٢
وقراءته سورة طه، ورغبته فى الإسلام - فخرج خباب فقال: أبشريا عمر، فإنى أرجو أن تكون دعوة
رسول اللَّه وَ﴾ لك. قال: اللهم أعز الإسلام بعمر، أو بعمرو بن هشام.
زاد ابن شيبة فى تاريخه «فقلت: يارسول الله! ففيم الاختفاء؟ فخرجنا فى صفين، أنا فى
أحدهما، وحمزة فى الآخر، فنظرت قريش إلينا، فأصابتهم كآبة، لم يصبهم مثلها)» وأخرجه البزار
مطولا، وأخرج أبو خيثمة من حديث عمر نفسه بظلاله قال: «لقد رأيتنى وما أسلم مع رسول اللّه وَ لّ إلا
تسعة وثلاثون رجلا، فكملتهم أربعين، فأظهر اللَّه دينه، وأعز الإسلام)) وروى البزار نحوه من حديث
ابن عباس - رضى الله عنهما - وقال فيه «فنزل جبريل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الأنفال: ٦٤].
وأخرج الترمذى حديث ابن عمر، أن النبى ﴿ قال: ((اللَّهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك. بأبى
جهل أو عمر، قال: فكان أحبهما إليه عمر)) وروى ابن سعد من حديث صهيب قال: ((لما أسلم عمر
قال المشركون: انتصف القوم منا)) وروى البزار والطبرانى نحوه.
من فضائل عمر الظل.
وزاد البخارى عن أحاديث بابنا
(١) حديث الذئب والشاة السابق فى فضائل أبى بكر ىظُه.
(٢) وحديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، يواسى به عمره عند موته، ويخفف من جزعه،
فيقول: ((يا أمير المؤمنين. ولئن كان ذاك)) أى الموت ((لقد صحبت رسول اللّهل﴾، فأحسنت
صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر، فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك
راض، ثم صحبت صحابتهما، فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال:
أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﴿ ورضاه، فإنما ذاك مَنٌّ من اللَّه تعالى، مَنَّ به على، وأما ما
ذكرت من صحبة أبى بكر ورضاه، فإنما ذاك مَنٌّ من اللَّه تعالى، جل ذكره، مَنَّ به علىّ، وأما ما
ترى من جزعى، فهو من أجلك وأجلٍ أصحابك أى فيمن أستخلف عليهم، والله لو أن لى طلاع
الأرض ذهبا، لافتديت به من عذاب الله عز وجل، قبل أن أراه)».
(٣) وحديث أبى موسى ظه قال: «كنت مع النبى 8 فى حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل،
فاستفتحٍ، فقال النبى : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو أبوبكر، فبشرته بما قال
رسول الله)، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبى ﴾: افتح له وبشره بالجنة،
ففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبى ®، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لى: افتح
له، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول اللّه،﴿، فحمد الله، ثم
قال: اللَّه المستعان)).
(٤) وحديث أنس بن مالك رضيه قال ((صعد النبي ﴿ أُحُدا، ومعه أبوبكر وعمر وعثمان، فرجف بهم،
فضربه برجله، وقال: اثبت أُحُد، فما عليك إلا نبى، وصديق، وشهيدان)».
(٥) وحديث زيد بن أسلم عن أبيه أسلم، مولى عمر قال: سألنى ابن عمر عن بعض شأنه - أى عن
٣١٣
بعض أخبار أبيه عمر- قال: فأخبرته، فقال - أى ابن عمر - ما رأيت أحدا قط - بعد رسول اللّه
﴿، من حين قبض - كان أجد وأجود - حتى انتهى - من عمر بن الخطاب)).
ويؤخذ من أحاديث الباب، بعد ما تقدم
١- من الرواية الأولى تقدير على ه لعمر، ورضاؤه عنه، ودعاؤه له، خلافا لما يزعمه الرافضة من
الطعن فيه.
٢ - ومن الرواية الثانية فضيلة لعمر، وشدة أمره فى الدين.
٣- من طول قميصه أخذ بعضهم أن عمر أفضل من أبى بكر رضى الله عنهما، وتعقب باحتمال
تخصيص أبى بكر من عموم قوله ((رأيت الناس يعرضون)» فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم
أبو بكر، وكون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبى بكر قميص أطول منه وأسبغ،
والاقتصار فى ذاك الوقت كان لإرادة بيان فضلية عمر، على أن الخصوصية لا تقتضى الأفضلية.
٤- ومن الرواية الثالثة أن رؤيا اللبن فى المنام خير، ويؤول شربه بالعلم.
٥- ومن الرواية الرابعة صدق منامه صلى اللّه عليه وسلم. قال النووي: قال العلماء: هذا المنام مثال
واضح لما جرى لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما فى خلافتهما، وحسن سيرتها، وظهور آثارهما،
وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبى ، ومن بركته وآثار صحبته، فكان النبي { ل﴿ هو
صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقرر قواعد الإسلام، ومهد أموره، وأوضح أصوله وفروعه، ودخل
الناس في دين الله أفواجا، وأنزل اللَّه تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ثم توفى
رسول اللَّه فخلفه أبوبكرله سنتين وشهرا، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم ((ذنوبا أو
ذنوبين)) وهذا شك من الراوى، والمراد ذنوبان، كما صرح به فى الرواية الأخرى، وحصل فى
خلافته قتال أهل الردة، وقطع دابرهم، واتساع الإسلام، ثم توفى فخلفه عمر ظله، فاتسع الإسلام
فى زمنه، وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبر بالقليب عن أمر المسلمين، لما فيها من
الماء الذى به حياتهم وصلاحهم، وشبه أميرهم بالمستقى لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم، وتدبير
أمورهم، قال النووى: وأما قوله صلى الله عليه وسلم فى أبى بكر ((وفى نزعه ضعف)» فليس فيه
حط من فضيلة أبى بكر، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة
انتفاع الناس فى ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وبلاده، والأموال وغيرها، من الغنائم
والفتوحات وتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين.
قال: وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم ((واللَّه يغفر له)) فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذنب،
وإنما هى كلمة المسلمون يدعمون بها كلامهم، ونعمت الدعامة.
٦- قال العلماء: وفى كل هذا إعلام بخلافة أبى بكر وعمر، وصحة ولايتهما، وبيان صفتهما.
٧- وفى قوله ((فأخذ الدلو من يدى ليروحنى)) فيه إشارة إلى نيابة أبى بكر عنه، وخلافته بعده، وراحته
صلى الله عليه وسلم بوفاته، كما قال صلى الله عليه وسلم ((مستريح ومستراح منه)) و((الدنيا
سجن المؤمن)) و((لا كرب على أبيك بعد اليوم)».
٣١٤
٨- ومن الرواية السابعة، واعتماد غيرة عمر الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه.
٩- ومن علو أصوات الزوجات فى الرواية التاسعة أن مثل هذا يغتفر بين الأزواج، ولا يدخل فى قوله
تعالى ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض﴾
[الحجرات: ٢] وقال القاضى عياض: يحتمل أن هذا قبل النهى عَن رفع الصوتَ فوق صوته صلَّى
الله عليه وسلم، ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان باجتماعها، لا أن كلام كل واحدة بانفرادها
أعلى من صوته صلى الله عليه وسلم.
١٠- وفى هذا الحديث فضل لين الجانب والحلم والرفق، ما لم يفوت مقصودا شرعيا، قال تعالى
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] وقال ﴿ وَلَوْكُنْتَ فَظَّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِن
حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقال ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٢٨].
١١- وفيه تغلب عمر نظره على شيطانه، قال النووى: هذا الحديث محمول على ظاهره، وأن الشيطان
متى رأى عمر سالكا فجا، هرب هيبة من عمر، وفارق ذلك الفج، وذهب فى فج آخر، لشدة خوفه
من بأس عمر، أن يفعل فيه شيئا، قال القاضى: ويحتمل أنه ضرب مثلا لبعد الشيطان وإغوائه
منه، والصحيح الأول. اهـ. ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له، إذ الأمر محمول على الغالب.
١٢ - وفى الرواية العاشرة إثبات كرامات الأولياء، قاله النووى.
١٣- وفى الرواية الحادية عشرة بعض موافقات عمر نظره.
١٤ - ومن الرواية الثانية عشرة كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على من تعلق بطرف من الدين.
١٥ - تطبيب قلب المسلم، فقد فعل صلى الله عليه وسلم ما فعل مع ابن أبى تطييبا لخاطر ابنه عبد
الله، فإنه كان صحابياً جليلا، وقد سأل ذلك، فأجابه إليه، وقيل: مكافأة لعبد الله المنافق الميت،
لأنه كان ألبس العباس حين أسريوم بدر قميصًا.
١٦ - وفيه عظيم مكارم أخلاق النبى ®، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء، وقابله بالحسنى.
فألبسه قميصه كفنا، وصلى عليه، واستغفر له. قال تعالى ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٥].
١٧ - وفى الحديث والآية تحريم الصلاة على المنافقين والدعاء لهم بالمغفرة، والقيام على
قبرهم بالدعاء.
١٨ - وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبى، لكون النبى { ل صلى عليه
وذهل عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرحة فى حقه بما ينافى ذلك، فأقدم على الدعوى
المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره فى كتب
الصحابة مع شهرته، وذكر من هو دونه فى الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة.
١٩- استدل بعضهم بالحديث على التأليف بالوسائل الممكنة، فقد أخرج الطبرى «وما يغنى عنه
قميص عن الله؟ وإنى لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه)».
٢٠- وفيه جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيا وميتا، لقوله عمر: إن عبد الله منافق، ولم ينكر
النبى ◌ُ﴾ قوله.
٣١٥
٢١- وأن المنهى عنه من سب الأموات ما قصد به الشتم، لا التعريف.
٢٢- وأن المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة.
٢٣ - وأن الإعلام بوفاة الميت مجردا لا يدخل فى النعى المنهى عنه.
٢٤ - وفيه جواز سؤال الموسر من المال من ترجى بركته شيئا من ماله، لضرورة دينه.
٢٥ - وفيه رعاية الحى المطيع بالإحسان إلى الميت العاصى.
٢٦ - وفيه التكفين بالمخيط.
٢٧ - وجواز تأخير البيان عن وقت النزول، إلى وقت الحاجة.
٢٨- وفيه العمل بالظاهر إذا كان النص محتملا.
٢٩ - وفيه جواز تنبيه المفضول للفاضل على ما يظن أنه سها عنه.
٣٠ - وتنبيه الفاضل المفضول على ما يشكل عليه.
واللَّه أعلم
٣١٦
(٦٣٤) باب من فضائل عثمان
٥٤٠٣- ٣٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢٦) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ مُضْطَجِعًا
فِي بَيْتِي، كَاشِفًا عَنِ فَخِذَيْهِ. أَوْ سَاقَيْهِ. فَاسْتَأْذَنْ أَبُو بَكْرٍ. فَأَذِنَ لَهُ. وَهُوَ عَلَى تِلْكَ
الْحَالِ. فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ. فَأَذِنَ لَهُ. وَهُوَ كَذَّلِكَ. فَتَحَدَّثَ. ثُمَّ اسْتَأْذَنُ
عُثْمَانُ. فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ وَسَوَّى ثِيَابَهُ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلا أَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ
وَاحِدٍ- فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ
تُبَالِهِ. ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ. ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ
◌ِيَّابَكَ. فَقَالَ: أَلا أَسْتَجِي مِن رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ».
٥٤٠٤- ٣٧ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢٧)، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَعُثْمَانَ عَهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ
اسْتَأْذَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ، لابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لأَبِي بَكْرٍ
وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ،
فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ. قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ وَقَالَ لِعَائِشَةَ: «اجْمَعِي
عَلَيْكِ ثِيَّابَكِ» فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي ثُمَّ انْصَرَفْتُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَالِي لَمْ أَرَكَ
فَزِغْتَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِي اللَّهِم عَنْهِمَا كَمَا فَزِغْتَ لِعُثْمَانُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ: «إِنَّ
عُثْمَانُ رَجُلٌ حَبِيٌّ. وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، أَنْ لا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ».
٥٤٠٥ - - وفِي رواية عن أبى موسى، أَنَّ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ حَدََّاهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ
اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿. فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
٥٤٠٢- ثُمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيَِّ﴾(٢٨) قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ:﴿ فِي حَائِطٍ مِن
خَائِطِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُتْكِىٌّ يَرْتِكِزُ بِعُودٍ مَعَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، إِذَا اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ. فَقَالَ:
«افْتَحْ. وَبَشْرُهُ بِالْجَنَّةِ)» قَالَ: فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ. فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ
(٢٦) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى وَيَحْتَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَّنَا وقَالَ الآخَرُونُ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنُونٌ
ابْنَ جَعْفَرٍ عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنِ عَطّاءٍ وَسُلَيْمَانَ انْتِيْ يَسَارِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ
(٢٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ ◌َشُغَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَن ◌ْجَدِّي حَدَِّي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ الْبِيِّنَّهِ وَعُثْمَانَ حَدََّاهُ
- وحَدَّثْنَه عَمْزَّو النَّاقِدُ وَالْحَسَنُ بَنُ عَلِيِّ الْخُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ خُمَّيْدٍ كُلُّهُمْ عَنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَن
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبُرَبِي يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ أَنْ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصَِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَائِشَةٌ حَدَّثَاهُ
أَنَّ أَباً بَكْر
(٢٨) حَدََّا مُّحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى الْعَزِيُّ حَدََّنَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ عَن عُثْمَانَ بْنِ غِيّاثٍ عَن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ
٣١٧
آخَرُ. فَقَالَ: «افْتَحْ. وَبَشِرْهُ بِالْجَنَّةِ» قَالَ: فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ. فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ.
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ. قَالَ: فَجَلَسَ النِّبِيُّ :﴿ فَقَالَ: «افْتَحْ. وَبَشْرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تَكُونُ)»
قَالَ: فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ. قَالَ: فَفَتَحْتُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. قَالَ: وَقُلْتُ الَّذِي قَالَ.
فَقَالَ اللَّهُمَّ صَبْرًا. أَوِ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٥٤٠٧ - - وفِي رواية عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيَِّ﴾(٣)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ِ دَخَلَ حَائِطًا
وَأَمَرَنِي أَنْ أَخْفَظَ الْبَابَ. بِمَعْنَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عِيَاثٍ.
٥٤٠٨- ٩ ٣ِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيَُّ﴾(٢٤)، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ. فَقَالَ: لِأَلْزَمَنَّ
رَسُولَ اللَّهِلَ﴿، وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا. قَالَ: فَجَاءَ الْمَسْجِدَ. فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﴿ فَقَالُوا:
خَرَجَ. وَجَّةَ هَاهُنَا. قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِثْرَ أَرِيسٍ. قَالَ: فَجَلَسْتُ
عِنْدَ الْبَابِ. وَبَابُهَا مِن جَرِيدٍ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ. فَقُمْتُ إِلَيْهِ. فَإِذَا هُوَ
قَدْ جَلَسَ عَلَى بِثْرٍ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَنِ سَاقَيْهِ، وَدَلاهُمَا فِي الْبِئْرِ. قَالَ:
فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ. ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ. فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ّ الْيَوْمَ.
فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ. قَالَ: ثُمَّ
ذَهَبْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ. فَقَالَ: «ائْذَثْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» قَالَ:
فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ. ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ﴿ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ. قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ،
فَجَلَسَ عَنْ يَمِينٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِْرِ، كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ◌ِ﴿،
وَكَشَفَ عَنِ سَاقَيْهِ. ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ. وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي. فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدٍ
اللَّهُ بِفُلانِ - يُرِيدُ أَخَاهُ- خَيْرًا يَأْتِ بِهِ. فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ
ابْنُ الْخَطَّابِ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ. ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: هَذَا
عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ. فَقَالَ: «الْذَدْ لَهُ وَبَشْرُهُ بِالْجَنّةِ» فَجِئْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: أَذِنَ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ بالْجَنَّةِ. قَالَ: فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ﴿َ فِي الْقُفِّ، عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي
الْبِثْرِ. ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلانٍ خَيْرًا - يَعْنِي أَخَاهُ- يَأْتِ بِهِ. فَجَاءَ إِنْسَانٌ
فَحَرَّكَ الْبَابَ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَقَّادٌ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ. قَالَ: وَجِئْتُ
النّبِيَّ ◌َّ فَأَخْبَرُتُهُ فَقَالَ: «الْذَثْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ» قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ ادْخُلْ.
(-) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَن أَيُّوبَ عَن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ
(٢٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَنُ مِسْكِيْنِ الْيَمَامِيُّ حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ حَسَّالَ حَدََّا سُلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ بِلالٍ عَن شَرِيكِ بْنِ أَّبِي نَمِرٍ عَن سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيِّبِ أَخْرَبِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ
٣١٨
وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ. قَالَ: فَدَخَلَ. فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ. فَجَلَسَ
وِجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ شَرِيِكٌ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ."
٥٤٠٩- ١٠ عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِي ◌َ﴾(١٠) قَالَ: خَرَجْتُ أُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ .. فَوَجَدْتُهُ
قَدْ سَلَكَ فِي الأَمْوَالِ. فَتَبِعْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ دَخَلَ مَالا، فَجَلَسَ فِي الْقُفِّ، وَكَشَفَ عَن سَاقَيْهِ،
وَدَلاهُمَا فِي الْبِئْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ يَحْيَى ابْنِ حَسَّانَ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ سَعِيدٍ:
فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ.
٥٤١٠ - - وفِي رواية عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّبِطُ(٦) قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَوْمًا إِلَى
حَائِطٍ بِالْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ. فَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالِ.
وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ. اجْتَمَعَتْ هَاهُّنًا، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ.
المعنى العام
عثمان بن عفان ه أبو عمرو القرشى، هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس
ابن عبد مناف، يجتمع مع النبى { فى عبد مناف، قيل: إنه كان يكنى أبا عبد اللَّه، بابنه عبد الله،
الذى رزق به من رقية بنت رسول الله*، ومات عبد الله المذكور صغيرا، وله ست سنين، وحكى ابن
سعد أن موته كان سنة أربع من الهجرة، وماتت أمه رقية قبل ذلك سنة اثنّين.
وكان غنيا، لكنه أنفق كثيرا جدا من ماله فى سبيل اللّه، وكان ثالث الخلفاء الراشدين، وكان
مثلا فى صلة الرحم، وإكرام الأهل، مما أخذ عليه فى مدة حكمه، وكان لين الجانب، يثق فى القريبين
منه حتى سلم خاتم الدولة لقريبه، فكان يختم به على أشياء لا يقرها.
قال الحافظ ابن حجر فى الإصابة: وكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان
بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، ويمصر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وبخراسان
عبد الله بن عامر، وكان من حج من هذه الأمصار يشكو من أميره، وكان عثمان لين العريكة، كثير
الإحسان والحلم، وكان يستبدل ببعض أمرائه، فيرضى الشاكين، ثم يعيده، إلى أن رحل أهل مصر
يشكون من ابن أبى سرح، فعزله، وكتب لهم كتابا بتولية محمد بن أبى بكر الصديق، فرضوا بذلك،
فلما كانوا فى أثناء الطريق رأوا راكبا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان، ومعه أمر
باستقرار ابن أبى سرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا، وواجهوه به، فحلف
(١٠) وحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالِ حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ آَبِي
نَمِرْ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ هَاهُنَا وَأَثَّارَ لِي سُلَّيَّمَانُ إِلَى مَجْلِسٍ سَّعِيدٍ
نَاحِيَّةَ الْمَقْصُورَةِ قَالَ أَبُو مُوسَی
(-) حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخُلْوَاِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ قَالا حَدََّا سَعِيدُ بْنُ مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي
شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي نَمِرٍ عَن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ
٣١٩
أنه ما كتب ولا أذن، فقالوا: سلمنا كاتبك، فخشى عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم،
وهو ابن عمه، فغضبوا، فحصروه فى داره، واجتمع جماعة من الصحابة يحمونه منهم، فكان ينهاهم
عن القتال، إلى أن تسوروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعظم ذلك على أهل الخير من
الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، وكان ما كان، والله المستعان.
المباحث العربية
( كان رسول الله :﴿ مضطجعا فى بيتى) فى الرواية الثانية ((أن أبا بكر ظله استأذن على
رسول اللَّه﴿، وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة)) والمرط بكسر الميم وسكون الراء كساء
من صوف، وقيل: من صوف أو كتان أو غيره، وقيل: هو الإزار ففى هاتين الروايتين أن قصة كشف
الساق ودخول أبى بكر وعمر وعثمان وقعت فى بيت عائشة، أما الرواية الثالثة وما بعدها ففيها أن
ذلك كان فى حائط من حيطان المدينة، وعلى بئر أريس، ومن هنا قال الحافظ ابن حجر: أنكر
الداودى أن يكون كشف الساق وتغطيته قد وقع فى رواية البئر، وزعم أن ذكرها فى رواية البئر من
إدخال الرواة حديثا فى حديث، وقرر أن كشف الركبة وتغطيتها عند دخول الثلاثة إنما وقع فى بيت
عائشة فحسب، قال الحافظ: ولا مانع أن يتفق للنبى ® أن يغطى ذلك مرتين، حين دخل عثمان،
وأن يقع ذلك فى موطنين، ولا سيما مع اختلاف مخرج الحديثين، وإنما يقال ما قاله الداودى حيث
تتفق المخارج، فيمكن أن يدخل حديث فى حديث، لا مع افتراق المخارج، كما فى هذا، فلا يلزم منه
* تغليط الرواية.
( كاشفا عن فخذيه أو ساقيه ) بالشك، وفى قصة البئر ((عن ساقيه)) بدون شك، وعند
البخارى فى قصة البئر ((قد كشف عن ركبتيه، أو ركبته)) والفخذ ما فوق الركبة، والساق ما تحتها.
(فأذن له وهو على تلك الحال) أى أذن الرسولو ﴿ له فى الدخول عليه، وهو
كاشف عن ساقيه.
( فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، فتحدث ) فى الرواية الثانية انصرف
كل منهما قبل مجيء الآخر، ولفظها ((فقضى إليه حاجته، ثم انصرف)) وفى روايتنا يقول الراوى ((ولا
أقول: ذلك فى يوم واحد)) وكأن دخول كل واحد كان فى يوم غير يوم دخول الآخر، ومعنى قولها ((وهو
على تلك الحال)) أى على حالة مشبهة تلك الحال، وهذا بخلاف قصة البئر، فكانت جلسة واحدة،
وهيئة واحدة، اجتمعوا عليها، مما يدل على تعدد الواقعة.
( ثم استأذن عثمان، فجلس رسول اللَّه ﴿، وسوى ثيابه ) أى غطى ساقيه، زاد فى
الرواية ((وقال لعائشة: اجمعى عليك ثيابك)) ويحتمل أن يكون هذا قبل الحجاب، فقد دخل عمر، ولم
تؤمر عائشة بجمع ثيابها عليها.
( فلما خرج ) أى عثمان.
( قالت عائشة: دخل أبوبكر فلم تهتش له، ولم تباله ) قال النووى: هكذا هو فى جميع
نسخ بلادنا ((تهتش)) بالتاء بعد الهاء، وفى بعض النسخ الطارئة بحذفها، وفتح الهاء وكذا ذكره
٣٢٠