النص المفهرس

صفحات 281-300

«ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكٍ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَّنِّى مُتَمَنٌ وَيَقُولُ قَائِلٌ:
أَنَا أَوْلَى. وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَيَا بَكْرٍ».
٥٣٨٤- ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ
صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَاٍ قَالَ:
«فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟»
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَقَالَ: «رَسُولُ اللَّهِ﴿َّ مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَ دَخَلَ الْجَنَّةَ)».
٥٣٨٥ - ٣ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ﴿: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقْرَةً
لَهُ، قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْنَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا. وَلَكِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ
لِلْحَرْثِ» فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَعَجُّبًا وَفَرَعًا، أَبَقَرَةٌ تَكُلَّمُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴾: «فَإِنِّي
أُو مِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ، عَدَا عَلَيْهِ
الذّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةٌ. فَطَلَبَةُ الرَّاعِي حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذّئْبُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا
يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي؟» فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
«فَإِنِّي أُوْمِنُ بِذَلِكَ. أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ».
٥٣٨٦ - - وفِي رواية عَن ابْنِ شِهَابٍ (٣)، بِهَذَا الإِسْنَادِ قِصَّةَ الشَّاةِ وَالذّئْبِ. وَلَمْ
يَذْكُرْ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ.
٥٣٨٧ - - وفِي رواية عَن أَبِي هُرَيْرَةَرَ﴾(٦)، عَنِ النَّبِيِّ ﴿ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ عَنٍ
الزُّهْرِيِّ. وَفِي حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ مَعًا، وَقَالا فِي حَدِيثِهِمَا: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو
بَكْرٍ وَعُمَرُ» وَمَا هُمَا ثَمَّ.
(١٢) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ الأَشْجَعِيِّ عَن
أَبِي هُرَيْرَةً
(١٣) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى قَالا أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَِّي
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا سَمِعًا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول
(-) وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ جَدِّي حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
(-) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا سُفْيَّاهُ بْنُ عُبَيْنَةً ح وَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عَنِ سُفْيَانَ كِلاهُمَا عَن
أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِي سَلَّمَةً عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدْثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا ثُعْبَةُ حٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا سُفْيَادُ بْنُ
عُبَيْنَةَ عَن مِسْعَرٍ كِلاهُمَا عَن سَعْدِ بْنِ إِنْرَاهِيمَ عَن أَبِي سَلَمَةَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النِّ ◌ِ ﴾.
٢٨١

المعنى العام
إنما يعرف الفضل للناس ذووه، وذكر الفضائل، والثناء على من يستحق الثناء حق لأهل الخير،
وعلى من انتفع منهم، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إلا الإِحْسَانُ﴾؟ [الرحمن: ٦٠] «من أسدى إليكم معروفا
فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له))
إن تسجيل الفضائل، والتنوية بها نوع من أنواع شكرها، واللَّه تعالى يقول ﴿فَاذْكُرُونِي أَنْكُرْكُمْ
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] ويقول ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
وتسجيل الفضائل والتنويه بها رد لبعض جميل صاحبها، وحث وترغيب للاقتداء به، ومعرفة
قدره، ومن هنا عقد علماء الحديث كتابا لفضائل الصحابة، ومن هنا أثنى # على أصحابه، وذكر
مآثر لكثير منهم، ورفع من قدر أعمالهم وجهادهم.
فأثنى بالدرجة الأولى على أبى بكر الصديق ◌ُه، أول من أسلم من الرجال، وكان إيمانه تصديقاً
لا نظير له، حتى لقب بالصديق، وأنفق على الدعوة كل ماله، أسلم وهو يملك أربعين ألف درهم أنفقها
كلها فى سبيل الإسلام، اشترى العبيد الذين أسلموا، وأوذوا لإسلامهم، وأعتقهم، وأنفق على هجرة
الرسول:﴿ وزوج رسول اللّه ﴿ ابنته عائشة رضى الله عنها، فكانت بلسماً لجراحه، وأنساً وسعادة
لحياته فى بيته، وشاركه فى جميع غزواته، وجاهد فى الله حق جهاده، وكان كوزيره الأول فى إدارة
شئون أمته، وكان الأخ الأول فى أخوة الإسلام، وكان ثانى اثنين إذ هما فى الغار، وكان رفيق رحلة
الهجرة، بل كان خير من يرافق فى السفر، روى أنه كان فى هذه الرحلة يتقدم رسول اللّه# تارة،
ويتأخر عنه أخرى، فلما سئل قال: أخشى الرصد من أمامنا، فأتقدم لحماية الرسول ، # والصد عنه،
وأخشى الملاحقة والمتابعة من خلفنا، فأتأخر للدفاع عنه.
لقد كان أحب الرجال إليه و 2، وأول من يثق فيه من أصحابه، والمرشح الأول من جهته للخلافة،
ولقد همَّ صلى الله عليه وسلم أن يعينه خليفة من بعده، لكنه - وبالوحى- علم أنه سيكون كذلك عن
طريق الأمة، فقال: لقد هممت أن أكتب كتابا أوصى فيه بخلافة أبى بكر، ولكنى قلت: يأبى الله إلا
خلافة أبى بكر، كتبت أولم أكتب، ويدفع المؤمنون الطامعين فى الخلافة.
نعم. أعطى رسول الله ﴿ إشارات واضحة لاستخلاف أبى بكر، فأمر بسد فتحات البيوت
المحيطة بالمسجد، والتى يدخل منها الناس فى المسجد إلا فتحته صلى الله عليه وسلم وفتحة بيت
أبی بکر.
ويعد صلى الله عليه وسلم امرأة أن تأتيه بعد عام، فتقول المرأة: فإن لم أجدك بعد عام؟ فيقول
لها: فائت أبا بكر، ويعينه صلى الله عليه وسلم رئيسا وإماما للمسلمين فى حجتهم سنة تسع من
الهجرة، قبل أن يحج بهم صلى الله عليه وسلم، وأخيرا وفى مرضه صلى الله عليه وسلم حين عجزعن
إمامة الناس فى المسجد قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فصلى أبوبكر بالناس ثلاثة أيام أو
نحوها بدلا عن رسول اللَّهِوَ﴿، ولهذا قال قائل الصحابة: ائتمنه رسول اللَّه ◌َ على ديننا، أفلا
نأتمنه على دنيانا؟ رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
٢٨٢

المباحث العربية
( من فضائل أبى بكر) واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد
ابن تیم ابن مرة بن كعب بن لؤى القرشى التیمی، أبو بكر الصديق بن أبى قحافة، ولد بعد
الفيل بسنتين وستة أشهر.
صحب النبى * قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طول الإقامة بمكة، ورافقه فى
الهجرة وفى الغار، وفى المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم غزوة تبوك، وحج بالناس
سنة تسع، وأسلم على يديه كثير من الصحابة، وأعتق سبعة، كلهم كان يعذب فى اللّه، كان يشتغل
بالتجارة، كان يملك أربعين ألفا، أنفقها فى سبيل اللَّه، كانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنين
وعشرين يوما، توفي لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث
وستين سنة، وما ترك دينارا ولا درهما.
والفضائل جمع فضيلة، وهى الخصلة الجميلة، التى يحصل لصاحبها بسببها شرف وعلو منزلة،
إما عند الحق، وإما عند الخلق.
( نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن فى الغار) غارثور، ولما كان الغار
تجويفًا فى داخل جبل، أشعر هذا التعبير بأنه كان منخفضا، إلا أنه كان ضيقا.
( ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما) المراد ناصرهما ومعينهما، وإلا فاللَّه ثالث كل اثنين بعلمه.
( جلس على المنبر فقال عبد خيره اللَّه بين أن يؤتيه زهرة الدنيا، وبين ما عنده،
فاختار ما عنده ) كانت هذه الخطبة فى مرضه الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم، وفى رواية
لمسلم ((قبل أن يموت بخمس ليال)) وفى رواية للبخارى ((إن الله خير عبدا بين الدنيا، وبين ما عنده،
فاختار ما عند الله)) وفى رواية له عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: خرج رسول اللَّهِ﴾ فى مرضه
الذى مات فيه، عاصبا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال :... )) وزهرة الدنيا
نعيمها وأعراضها، شبهت بزهرة الروض.
( فبكى أبو بكر، وبكى) معناه: بكى كثيرا، وكان أبو بكر قد فهم أن النبى وَ₪ هو المقصود
بالعبد المخير، بقرينة مرضه فبكى حزنا على فراقه، وانقطاع الوحى، وغيره من الخير، وإنما قال صلى
اللَّه عليه وسلم «عبد)» وأبهمه، لينظر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق، كذا قال النووى.
والظاهر أن الإبهام لعدم إثارة العامة، وعدم إدخال الهم والحزن عليهم مبكراً، ليبقوا بين الشك فى
البلاء وعدمه فترة، فيهون عليهم عند وقوعه.
وفى رواية للبخارى، يقول أبو سعيد الخدرى ((فعجبنا لبكائه، أن يخبر رسول اللّه وَ لّ عن عبد
خير؟ فكان رسول اللَّه ﴿ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا)) وفى رواية ((فقلت فى نفسى)) وفى رواية
((فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله { عن عبد، وهو يقول: فديناك)»؟ زاد فى رواية
للبخارى ((فقال رسول اللَّه ﴿ يا أبا بكر. لا تبك))
٢٨٣

( إن أمن الناس علىّ فى ماله وصحبته أبوبكر) قال العلماء: معناه أكثرهم جودا
وسماحة لنا بنفسه وماله، قال النووى: وليس هو من المن، الذى هو الاعتداد بالصنيعة، لأنه أذى
مبطل للثواب، ولأن المنة للَّه ولرسوله وَلّ.
وقال القرطبى: هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكرله من الحقوق، ما لوكان لغيره نظيرها لامتن
بها، ويؤيده رواية ((ليس أحد أمن على)) أى يمكن أن يمن على لماله عندى من يد وفى رواية ((إن
من أَمَنّ الناس علىَّ أبا بكر)) وعند الترمذى ((ما لأحد عندنا يد، إلا كافأناه عليها، ما خلا أبا بكر، فإن
له عندنا يدًا، يكافئه الله بها يوم القيامة)) زاد فى رواية للطبرانى ((منة أعتق بلالا، ومنة هاجر بنبيه))
وفى رواية له أيضا (واسانى بنفسه وماله، وأنكحنى ابنته)»
( ولوكنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) فى الرواية الرابعة ((لو كنت متخذا من
أمتى أحدا خليلا لاتخذت أبا بكر)) وفى الرواية الخامسة ((لوكنت متخذا خليلا لتخذت ابن أبى
قحافة خليلا)» وفى الرواية السادسة ((لوكنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبى قحافة
خليلا)) قال أهل اللغة: الخلة أرفع رتبة من المودة والمحبة والصداقة، ولذلك نفى الخليل، وأثبت
المحب، فهو صلى الله عليه وسلم يحب أبا بكر وعائشة وفاطمة والحسنين وغيرهم وقال الزمحشرى:
الخليل هو الذى يوافقك فى خلالك، ويسايرك فى طريقك، أو الذى يسد خللك، وتسد خلله، أو يداخلك
خلال منزلك، وقيل: أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله، وقيل الخليل من يتخلله سرك، وقيل: من لا
يسع قلبه غيرك، وقيل: أصل الخلة الاستصفاء، وقيل: المختص بالمودة، قال الحافظ ابن حجر: وهذا
كله بالنسبة إلى الإنسان، أما خلة الله للعبد فبمعنى نصره له، ومعاونته، وفى الرواية الثالثة ((وقد
اتخذا اللَّه عز وجل صاحبكم خليلا» وفى الرواية السادسة ((ولكن صاحبكم خليل الله)) ولا ينافى هذا
قول أبى هريرة وأبى ذر وغيرهما ((أخبرنى خليلى صلى الله عليه وسلم)) فذلك جائزلهم، لأن
الصحابى يحسن فى حقه الانقطاع إلى النبى 8®، وفى الرواية السابعة ((ألا إنى أبرأ إلى كل خل من
خله)) قال النووى: هما بكسر الخاء، فأما الأول فكسره متفق عليه، والخل بمعنى الخليل، وأما قوله
((من خله)) فبكسر الخاء عند جميع الرواة فى جميع النسخ، والخل الصداقة، وصوب القاضى فتحها،
والمعنى على كل: أبرأ من خلة كل خليل أى أن يكون خليلى.
( ولكن أخوة الإسلام ) فى الرواية الثالثة ((ولكنه أخى وصاحبى)) وعند البخارى ((ولكن أخوة
الإسلام ومودته)) وعند الطبرانى ((ولكن أخوة الإيمان والإسلام أفضل)) ولا يعكر عليه اشتراك جميع
الصحابة فى هذه الفضيلة، لأن زيادة أبى بكر فى ذلك لا تخفى.
( لا تبقين فى المسجد خوخة إلا خوخة أبى بكر) المراد بالمسجد مسجده صلى اللّه
عليه وسلم بالمدينة، والخوخة باب صغير، قد يكون بمصراع، وقد لا يكون، وإنما أصلها فتح فى
حائط، كالطاقة تفتح لأجل الضوء، ولا يشترط علوها، وحيث تكون سفلى يمكن الانتقال منها
لتقريب الوصول من البيت إلى مكان مطلوب وهو المقصود هنا، ولهذا أطلق عليها- فى رواية
للبخارى ((باب))، وقيل: لا يطلق عليها ((باب)) إلا إذا كانت تغلق، وكان أصحاب البيوت المحيطة
بالمسجد النبوى، قد فتحوا فى بيوتهم خوخات فى المسجد، وكان لأبى بكربيت ملاصق، غير بيته
٢٨٤

الذى كان فى السنح من عوالى المدينة، وضواحيها، وقد جاء فى بعض الروايات ((وأمر بسد الأبواب
إلا باب على)) وسنتعرض لها فى فقه الحديث، ورواية مسلم ((لا تبقين)) بضم التاء مع نون التوكيد،
مبنى للمجهول، و ((خوخة)) بالرفع نائب فاعل، أى لا تبقى خوخة، أى لا تبقوا خوخة .
وفى رواية للبخارى ((لا يبقين)) بفتح الياء الأولى، مبنى للمعلومات أى لا تبقى خوخة،
كأنه قال: لا تبقوها حتى لا تبقى، فأضيف النهى إلى الخوخة، والمراد نهيهم عن إبقائها،
من إضافة الشىء إلى لازمه.
وفى رواية البخارى ((لا يبقين باب إلا سد، إلا باب أبى بكر)) وقد ادعى بعضهم أن الباب فى
الحديث كناية عن الخلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا
بكر، فإنه لا حرج عليه فى طلبها. وإلى هذا جنح ابن حبان.
( عن عمرو بن العاص # أن رسول الله:﴿ بعثه على جيش ذات السلاسل) ذكر
ابن سعد أن جمعا من قضاعة تجمعوا، وأراد أن يدنوا من أطراف المدينة، فدعا النبى { عمرو بن
العاص فعقد له لواء أبيض، وبعثه فى ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمده بأبى عبيدة بن
الجراح فى مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن لا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم، فمنعه عمرو، وقال:
إنما قدمت على مددا، وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة، فصلى بهم عمرو، وروى الحاكم ((أن عمرو بن
العاص أمرهم فى تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارا، وذلك فى ليلة باردة، فأنكر عمر ذلك، فقال له أبو بكر:
دعه، فإن رسول الله﴿ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه)) وروى ابن حبان نحو هذا، وفى
رواية ((فقال عمرو: لا يوقد أحد منكم نارا إلا قذفته فيها، فلقوا العدو، فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم،
فمنعهم، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي 83، فسأله، فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارا، فيرى
عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم، فيكون لهم مدد هناك. فحمد رسول اللَّه﴿ أمره، فقال: يا رسول
الله، من أحب الناس إليك؟ ... الحديث، وكانت الغزوة فى أوائل السنة الثامنة، عقب إسلام عمرو بن
العاص فعند أبى عوانة وابن حبان والحاكم ((قال عمرو بن العاص: بعث إلى النبى 8* يأمرنى أن
آخذ ثيابى وسلاحى، فقال: يا عمرو، إنى أريد أن أبعثك على جيش، فيغنمك الله ويسلمك. قلت: إنى
لم أسلم رغبة فى المال. قال: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)».
( فأتيته فقلت: أى الناس أحب إليك؟ قال عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها.
قلت: ثم من؟ قال: عمر. فعد رجالا ) كان هذا الإتيان بعد عودته من الغزوة، وبعد سؤاله صلى
الله عليه وسلم عما حدث فيها، وتبين رواية البيهقى دوافعه إلى هذا السؤال، ولفظها ((قال عمرو:
فحدثت نفسى أنه لم يبعثنى على قوم، فيهم أبو بكر وعمر، إلا لمنزلة لى عنده)» وقوله ((فعد رجالاً)) أى
ذكر أسماء بعد أبى بكر وعمر، ولم يذكره فى أحب الناس إليه، والظاهر أن ممن عدهم أبا عبيدة،
المذكور فى الرواية التاسعة، والذى جعلته عائشة ثالث وآخر من ذكر، زاد فى رواية على بن عاصم
((قال: قلت فى نفسى: لا أعود لمثلها، أسأل عن هذا)) وفى المغازى ((فسكت، مخافة أن يجعلنى فى
آخرهم» وقيل: إن علياً به كان ممن أبهمه عمرو بن العاص، وتقول الرافضة: إن إبهامه عليا كان لما
بينه وبينه، رضى الله عنهم.
٢٨٥

( أرأيت ) أى أخبرنى.
(إن جئت فلم أجدك؟ ) قال جبير الراوى: كأنها تعنى الموت، وفى رواية ((تعرض بالموت
ومرادها: إن جئت فوجدتك قد مت، ماذا أعمل؟ والظاهر أن هذه القصة كانت فى أثناء مرضه صلى
اللَّه عليه وسلم، وكان طلب عودتها له بعد زمن.
( ادعى لى أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا) فى رواية للبخارى ((لقد
هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبى بكروابنه)) وفى رواية ((أو آتيه)) قيل: يحتمل أنه
صلى الله عليه وسلم كان يستميل بذلك قلب عائشة، وكأنه يقول لها: كما أن الخلافة
ستفوض إلى أبيك، فإن ذلك يقع بحضور أخيك.
قال النووى: قال القاضى: صوب بعضهم رواية ((آتيه)) وليس كما صوب، بل الصواب ((وابنه)) وهو
أخو عائشة، وتوضحه رواية لمسلم ((أخاك)) ولأن إتيان النبى # كان متعذرا أو متعسرا، وقد عجز عن
حضور الجماعة، واستخلف الصديق، ليصلى بالناس، واستأذن أزواجه أن يمرض فى بيت عائشة.
ومعنى ((حتى أكتب كتابا)» أى أعهد فيه بالخلافة من بعدى.
( فإنى أخاف أن يتمنى متمن) الخلافة، وهو لا يستحقها، وفى رواية للبخارى ((أن يقول
القائلون، أو يتمنى المتمنون)) بضم النون، جمع متمنى بكسرها. أى كراهة أن يقول القائلون: الخلافة
لفلان، من غير استحقاق، أو يتمناها المتمنون ويطالبون بها من غير استحقاق.
(ويقول قائل: أنا أولى) قال النووى: فى بعض النسخ المعتمدة ((أنا، ولا))
بتخفيف النون واللام، أى يقول: أنا أحق بالخلافة، وليس كما يقول فأنا مبتدأ، خبره
محذوف، و((لا)) متضمنة معنى جملة حالية- وفى بعض النسخ ((أنا أولى)) أى أحق
بالخلافة. قال القاضى: هذه الرواية أجودها، ورواه بعضهم ((أنا ولى)) بتخفيف النون وكسر
اللام، أى أنا أحق، والخلافة لى- فأنا مبتدأ خبره محذوف، و((لى)) خبر لمبتدأ محذوف،
والجملة الثانية معطوفة على الأولى- وعن بعضهم ((أنا ولاه)) بتشديد اللام، أى أنا الذى ولاه
النبى ، وعن بعضهم ((أنى ولاه)) بتشديد النون المفتوحة، أى كيف ولاه.
(ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) فى رواية البخارى ((ثم قلت: يأبى اللَّه ويدفع المؤمنون،
أو يدفع الله ويأبى المؤمنون)) أى يأبى الله إلا خلافة أبى بكر، ويدفع المؤمنون خلافة غيره، أو يدفع
الله خلافة غير أبى بكر ويأبى المؤمنون إلا خلافته، أى سيكون ذلك بدون عهد، فلا داعى للعهد، علم
ذلك من الوحى.
( ما اجتمعن فى امرئ إلا دخل الجنة ) أى بدون عذاب، أو مع السابقين، وعند البخارى
((فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة. ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد.
ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الصيام،
باب الريان. فقال أبوبكر: ما على هذا الذى يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها
كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر)).
٢٨٦

( بينما رجل يسوق بقرة له، قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة، فقالت: إنى لم
أخلق لهذا، ولكنى إنما خلقت للحرث) فى رواية للبخارى ((بينما رجل راكب على بقرة،
التفتت إليه، فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة)) فتبين أن معنى قوله ((قد حمل عليها)) أى حمل
عليها نفسه، أو نفسه ومتاعه، وقوله فى روايتنا ((إنما خلقت للحرث)) فيه قصر ادعائى، أو إضافى،
قصر قلب، فقد اتفقوا على جواز أكلها، وفى رواية للبخارى ((بينما رجل يسوق بقرة، إذ ركبها
فضربها ... إلخ)).
( فقال الناس: سبحان الله ؟؟؟ تعجباً وفزعا، أبقرة تكلم ؟ ) أى تتكلم، فحذفت
إحدى التاءين تخفيفاً، والمراد من الناس الصحابة المستمعون لهذا الحديث من النبى وَ ل﴾.
والاستفهام تعجبى، والقصة مذكورة عن بنى إسرائيل.
( فإنى أومن به أنا وأبوبكر وعمر) وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم كان قد
أخبرهما بذلك، فصدقاه، أو أطلق ذلك لما علم عنهما من أنهما يصدقان بذلك، إذا علما بقوله، أو
سمعاه منه، ولا يترددان فيه، ففى ملحق الرواية ((وما هما ثم)) بفتح الثاء، أى وما هما هناك فى هذه
الجلسة، وهو من كلام الراوى، وفى رواية للبخارى ((قال أبو سلمة: وما هما يؤمئذ فى القوم)).
( عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعى حتى استنقذها منه، فالتفت إليه
الذِئب، فقال له من لها يوم السبع؟ يوم ليس لها راع غيرى؟ فقال الناس سبحان
الله!) الظاهر أنهما حديثان، حديث البقرة، وحديث الذئب، ذكرهما أبو بكر فى جلسة، وأخذهما
عن الرسول و8# فى جلستين، وفى ملحق الرواية اقتصار على أحدهما، وذكرهما البخارى مجتمعتين
فى رواية له، وفيها ((فقال له الذئب: هذا، استنقذتها منى)) أى هذا اليوم استطعت أن تغلبنى
وتنقذها منى)) فمن لها يوم السبع))؟ الاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى فلا أحد لها ينقذها منى
يوم السبع، بضم الباء وسكونها، ولكن الرواية بالضم، والمراد من السبع الحيوان المعروف، أى لا أحد
منكم يستطيع أن ينقذها يوم يأخذها السبع، أى أنك تهرب، وأكون أنا قرباً منه، أرعى ما يفضل لى
منها، ولا راعى لها حينئذ غيرى، وقيل: إنما يكون ذلك عند الاشتغال بالفتن، فتصير الغنم هملا،
فتنهبها السباع)» فيصير الذئب كالراعى لها، لانفراده بها، وقوله ((يوم ليس لها راع غيرى)) مبالغة فى
تمكنه منها، زاد البخارى فى رواية ((فقال الناس: سبحان الله! ذئب يتكلم؟)).
فقه الحديث
الصحابى، من هو؟ وما حقوقه؟
قال الحافظ ابن حجر: اسم صحبة النبى 8* مستحق لمن صحبه، أقل ما يطلق عليه اسم صحبة
لغة، وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة.
ويطلق أيضاً على من رآه رؤية، ولو على بعد. وهذا الراجح. إلا أنه هل يشترط فى الرائى أن يكون
بحيث يميز ما رآه؟ أو يكتفى بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظر، قال: وعمل من صنف فى الصحابة
٢٨٧

يدل على الثانى، فإنهم ذكروا محمد بن أبى بكر الصديق، وإنما ولد قبل وفاة النبى 8# بثلاثة أشهر
وأيام، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، والخلاف الجارى بين الجمهور وبين أبي إسحق
الأسفراينى ومن وافقه على رد المراسيل مطلقا، حتى مراسيل الصحابة، لا يجرى فى أحاديث هؤلاء،
لأن أحاديثهم ليست من قبيل مراسيل كبار التابعين ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من
النبى 24، وهذا مما يلغز به، فيقال: صحابى حديثه مرسل، لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة،
ومنهمٍ من بالغ، فكان لا يعد فى الصحابة إلا الصحبة العرفية، فقد جاء عن عاصم الأحول، قال ((رأى
عبد الله بن سرجس رسول الله﴿، غير أنه لم يكن له صحبة)) أخرجه أحمد، كذلك روى عن سعيد بن
المسيب أنه كان لا يعد فى الصحابة إلا من أقام مع النبي ◌ُ ◌ّ سنة فصاعداً، أو غزا معه غزوة فصاعدا.
قال الحافظ: والعمل على خلاف هذا القول، لأنهم اتفقوا على عد جمع جم فى الصحابة لم يجتمعوا
بالنبى ٣ إلا فى حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية، أو من اجتمع به، لكن
فارق عن قرب، كما جاء عن أنس ((أنه قيل له: هل بقى من أصحاب النبي { ₪ غيرك؟ قال: لا)) مع
أنه كان فى ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب.
ومنهم من اشترط أن يكون حين اجتماعه به بالغا، وهو مردود أيضا، لأنه يخرج مثل الحسن بن
على ونحوه من أحداث الصحابة. والبخارى يقول: من صحب النبى ₪ أورآه من المسلمين فهو من
أصحابه. وقيد ((من المسلمين)) قيد يخرج به من صحبه أورآه من الكفار، فأما من أسلم منهم بعد
موته، فإن كان قوله ((من المسلمين)) حالا، خرج من هذه صفته، وهو المعتمد.
قال: ويرد على التعريف، من صحبه أو رآه مؤمنا به، ثم ارتد بعد ذلك، ولم يعد إلى الإسلام، فإنه
ليس صحابيا اتفاقًا، فينبغى أن يزاد فيه ((ومات على ذلك)) فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام لكن لم يره
ثانيا بعد عودته، فالصحيح أنه معدود فى الصحابة، لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس
ونحوه، ممن وقع له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم فى المسانيد.
قال الحافظ: وهل يختص جميع ذلك ببنى آدم؟ أو يعم غيرهم من العقلاء؟.
أما الجن فالراجح دخولهم، لأن النبى * بعث إليهم قطعاً، وهم مكلفون، فيهم العصاة
والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغى التردد فى ذكره فى الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب
ذلك على أبى موسى، فلم يستند فى ذلك إلى حجة.
وأما الملائكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافاً بين الأصوليين، حتى
نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم.
وهذا كله فيمن رآه، وهو فى الحياة الدنيوية. أما من رآه بعد موته وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس
بصحابى، وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده المكرم وهو فى قبره المعظم، ولو فى هذه الأعصار، وكذلك
من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك عن طريق الكرامة، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل
دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية وإنما هى أخروية، لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن
الشهداء أحياء، ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على أحكام غيرهم من الموتى.
٢٨٨

ثم قال: وكذلك المراد بهذه الرؤية من اتفقت له ممن تقدم شرحه وهو يقظان، أما من رآه فى
المنام، وإن كان قد رآه حقاً، فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يعد
صحابياً، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به فى تلك الحالة.
هذا آخر ما ذكره الحافظ ابن حجر فى فتح البارى، وقد أحال بسط المسألة إلى ما جمعه من
علوم الحديث.
وخلاصة هذه الأقوال
أن من أسلم من بنى آدم وأقام مع النبى﴿ بالغا عاقلا، سنة فصاعداً، أو غزا معه غزوة فأكثر،
واستمر على إسلامه حتى مات فهو صحابى باتفاق. فإذا فقد وصفاً من هذه الأوصاف ففى
استحقاق وصف الصحبة خلاف بين المحدثين، من ذلك:
١- من اتصف بهذه الصفات من غير بنى آدم كالجن. ثم الملائكة.
٢- من رآه حياً لحظة، بالغا عاقلا مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٣- من رآه حيا لحظة - ولو طفلا مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٤- من رأى جسده الشريف بعد موته، مسلماً واستمر على إسلامه حتى مات.
٥- من كشف له عنه من الأولياء، فرآه بعد موته على سبيل الكرامة.
٦- من رآه مسلماً، ثم ارتد، ثم أسلم، ولم يره بعد عودته إلى الإسلام.
٧- من رآه مميزا غير بالغ مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٨- من رآه طفلا مسلما واستمر على إسلامه حتى مات.
٩- من عاش معه طويلا كافراً، ثم أسلم بعد وفاته.
وهناك أقوال أخرى لا تستحق الذكر فى هذا المقام.
والتحقيق أن وصف الصحبة ليس وصفا يمنح، وإنما هو شرف يستحق، له مؤهلات، وله حقوق،
فمن حقوقه:
( أ) صيانة صاحبه من السب والتجريح فوق صيانة المسلم، لحرمة فيه، فوق حرمة الإسلام، ففى
إذائه إيذاء لرسول اللَّه﴿، وفى ذلك يقول ((لا تؤذونى فى أصحابى)) ولا شك أن الإنسان يتأذى
بإيذاء صاحبه وحبيبه أكثر مما يتأذى بإيذاء غيره.
(ب) تقديره بتقدير ما قدم فى خدمة الإسلام من جهاد ونشر للدعوة، وإنفاق فى وقت الحاجة
والضيق، فقد بذل نفسه وماله فى سبيل الإسلام، وفى ذلك يقول صلى الله عليه وسلم ((لا تسبوا
أصحابى، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)» قال
ذلك لبعض أصحابه، وكأنه عنى البعض الذى قدم.
٢٨٩

(جـ) اعتماد رواياتهم عن النبى﴿ فهم الذين سمعوا ورأوا بدون واسطة، وهم الذين خوطبوا
بالشريعة، وهم حملتها إلينا، وهم الذين عنوا بها وحفظوها، وآراؤهم وفتاواهم وتفسيراتهم أقوى
وأهم وأحق قبولا من آراء غيرهم.
(د) وجوب الإمساك عن تنقيصهم، عند ذكر ما ينقصهم من الأعمال، فلعل ما قدموا من الخير يفوق
بكثير ما يؤخذ عليهم من قصور، وفى ذلك يقول صلى الله عليه وسلم عن حاطب بن أبى بلتعة -
وقد اتهم بتسريب أخبار المسلمين إلى كفار قريش - ((لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا
ما شئتم، فقد غفرت لكم)).
فإذا ما أريد بوصف الصحبة هذه المعانى، وهذه الحقوق، لم يستحقه إلا النوع الأول المتفق عليه،
وهو من أسلم من بنى آدم وأقام مع النبى{ ₪ بالغا عاقلا، سنة فصاعداً، أو غزا معه غزوة فأكثر،
واستمر على إسلامه، حتى مات. دون الأنواع التسعة الأخرى.
أما إذا أريد بوصف الصحبة مجرد الوصف، فلا مانع من إطلاقه على كل الأنواع، حتى على من
سيدخل النار، ممن شهد النبى # مسلماً، ففى الحديث الصحيح أن ناساً من أصحابه صلى اللّه
عليه وسلم يذادون عن حوضه يوم القيامة، فيقول: أصحابى. أصحابى؟ أين تذهبون بهم؟ فيقال: إلى
النار، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا، سحقا.
وقد اهتم الإمام النووى بالحق الرابع (د). وهو وجوب الإمساك عن تنقيصهم، فقال: وأما الحروب
التى جرت فكانت لكل طائفة شبهة، اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم عدول - رضى الله
عنهم- ومتأولون فى حروبهم وغيرها، ولم يخرج شىء من ذلك أحداً منهم عن العدالة، لأنهم مجتهدون،
اختلفوا فى محل الاجتهاد، كما يختلف المجتهدون بعدهم فى مسائل من الدماء وغيرها، ولا يلزم من
ذلك نقص أحد منهم.
قال: واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف
اجتهادهم، وصاروا ثلاثة أقسام:
قسم ظهر له بالاجتهاد أن الحق فى هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته، وقتال
الباغى عليه - فيما اعتقدوه - ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام
العدل فى قتال البغاة فى اعتقاده.
وقسم عكس هؤلاء، ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق فى الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته، وقتال
الباغى عليه.
وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية، وتحيروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا
الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب فى حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم، حتى يظهر
أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين، وأن الحق معه، لما جازلهم التأخر عن
نصرته فى قتال البغاة عليه، فكلهم معذورون. رضى الله عنهم، ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به فى
الإجماع على قبول شهاداتهم، ورواياتهم، وكمال عدالتهم. رضى الله عنهم أجمعين. اهـ
٢٩٠

ونحن نقدر مشاعر الإمام النووى فى تبرئة ساحتهم جميعاً رضى الله عنهم، لكنا لا نوافق على
تعميم هذه البراءة، فهم بشر، وليسوا معصومين، وكان فى جيوش النبى ® ومن أصحابه من يقاتل
للمغنم، ومن يقاتل حمية، ومن يقاتل للغضب، ومن يقاتل ليرى مكانه، ولا شك أن هذه الدوافع كانت
موجودة فى جيش عائشة وعلى رضى الله عنهما فى موقعة الجمل التى قتل فيها نحو عشرة آلاف من
خيرة الصحابة والتابعين، ثم موقعة صفين، وقبلهما الفتنة الكبرى ومقتل عثمان ◌َلُه. ومع أننا لا
نبرئ ساحة الجميع - لأن تبرئتهم تقربنا من السوفسطائية شعبة العندية، التى ترى أن الحق
يختلف باختلاف ما عند كل واحد - إلا أننا نمسك عن لوم وتعنيف وذم أحد منهم، فلهم من الفضل
ما يحملنا على التوقف عن الإساءة إليهم، وإن اعتقدنا أن الصواب كان فى هذا الجانب، دون هذا
الجانب. رضى الله عنهم أجمعين.
التفاضل بين الصحابة
والكلام فيه فى مقامين:
مقام التفاضل بين الخلفاء الأربعة، ومقام التفاضل بين أزواجه صلى اللّه عليه وسلم وبناته.
أما المقام الأول فقد روى البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: «كنا نخير بين الناس فى
زمن النبى ﴿، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، رضى اللَّهِ عنهم)» وفى رواية
له ((كنا لا نعدل بأبى بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول اللَّهِ *، فلا نفاضل
بينهم)) وله عند أبى داود ((كنا نقول -ورسول اللَّه ◌ُ ل﴾: حى- أفضل أمة النبى وُ ل بعده أبو بكر، ثم عمر،
ثم عثمان)» زاد الطبرانى ((فيسمع رسول اللَّه﴿ ذلك، فلا ينكره)» قال الحافظ ابن حجر: وتقديم
((عثمان)) على ((على)) رضى الله عنهما هو المشهور عند جمهور أهل السنة، وذهب بعض السلف إلى
تقديم ((على)) على ((عثمان)) وممن قال به سفيان الثورى، ويقال: إنه رجع عنه، وقال به ابن خزيمة
وطائفة قبله وبعده، وقال مالك فى المدونة: لا يفضل أحدهما على الآخر، وتبعه جماعة.
وقال ابن معين: من قال أبوبكر وعمر وعثمان وعلى، وعرف لعلى سابقتيه وفضله فهو صاحب
سنة، وأنكرابن معين رأى قوم - وهم العثمانية، الذين يغالون فى حب عثمان، ويستنقصون عليا،
وقال فيهم قولا غليظا.
قال الحافظ ابن حجر: ولا شك فى أن من اقتصر على ثلاثة، ولم يعرف لعلى بن طالب فضله فهو
مذموم، وادعى ابن عبد البر أنهم أجمعوا على أن عليا أفضل الخلق بعد الثلاثة، قال: ودل هذا الإجماع
على أن حديث ابن عمر [التوقف عند الثلاثة] غلط، وإن كان السند صحيحا، وتعقب بأنه لا يلزم من
سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله، عدم تفضيله على الدوام، وتعقب أيضا بأن الإجماع المذكور الذى ادعاه،
إنما حدث بعد الزمن الذى قيده ابن عمر، فيخرج حديثه عن أن يكون غلطا. قال الحافظ ابن حجر:
وأظن أن ابن عبد البر إنما أنكر الزيادة التى وقعت فى رواية ابن عمر، وهى قوله ((ثم نترك أصحاب
رسول اللَّه*، فلا نفاضل بينهم)) ولا يلزم من تركهم التفاضل إذ ذاك أن لا يكونوا اعتقدوا بعد ذلك
تفضيل ((على)» على من سواه.
٢٩١

وذهب قوم إلى أن أفضل الصحابة من استشهد فى حياة النبى ®، وذكر منهم جعفر بن أبى
طالب، ومنهم من ذكر العباس، قال الحافظ: وهو قول مرغوب عنه، ليس قائله من أهل السنة، ولا من
أهل الإيمان.
وذهب قوم، وهم الخطابية إلى أن أفضل الصحابة مطلقا عمر، متمسكا بالحديث الآتى فى
ترجمته، فى المنام الذى فيه فى حق أبى بكر ((وفى نزعه ضعف)) وهو تمسك واه.
وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم ((على)) على ((عثمان)».
وقال أبو منصور البغدادى: أصحابنا مجمعون على أن أفضل الصحابة الخلفاء الأربعة على
الترتيب، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان، وممن له مزية أهل العقبتين
من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون، وهم من صلى إلى القبلتين.
قال النووى: واختلف العلماء فى أن التفضيل المذكور، قطعى؟ أم لا، وهل هو فى الظاهر
والباطن؟ أم فى الظاهر خاصة، وممن قال بالقطع أبو الحسن الأشعرى، قال: وهم فى الفضل على
ترتيبهم فى الإمامة، وممن قال: إنه اجتهادی ظنى أبو بكر الباقلانى.
ثم قال النووى: وأما عثمان ه فخلافته صحيحة بالإجماع، وقتل مظلوما، وقتلته فسقة، لأن
موجبات القتل مضبوطة، ولم يجر منه رضي الله عنه ما يقتضيه، ولم يشارك فى قتله أحد من
الصحابة، وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف والأراذل، تحزبوا، وقصدوه من
مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم، فحصروه، حتى قتلوه رضي الله عنه. قال: وأما على
ظُه فخلافته صحيحة بالإجماع، وكان هو الخليفة فى وقته، لا خلافة لغيره.
وأما معاوية ظُه فهو من العدول الفضلاء، والصحابة النجباء رضى اللَّه عنهم.
أما عن المقام الثانى، وهو التفاضل بين أمهات المؤمنين وبنات النبى 18# فيقول النووى: اختلف
العلماء فى عائشة وخديجة، أيتهما أفضل؟ وفى عائشة وفاطمة رضى الله عنهما. اهـ وسيأتى مزيد
لهذه المسألة فى باب فضائل خديجة وباب فضائل عائشة، وباب فضائل فاطمة رضى الله عنهن
جمعاء.
من فضائل أبى بكر تظل ئه
أما عن فضائل أبى بكر له فقد ذكر البخارى زيادة عما ذكر فى بابنا حديث ابن عمر الذى
ذكرناه وحديث عمار ه قال ((رأيت رسول الله ﴿، وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر)) أما
الأعبد فهم: بلال، وزيد بن حارثة، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر، فإنه أسلم قديما مع أبى بكر، وكان
ممن يعذب فى اللّه، فاشتراه أبوبكر وأعتقه، وأبو فكيهة، مولى صفوان بن أمية بن خلف، أسلم حين
أسلم بلال، فعذبه أمية، فاشتراه أبوبكر، فأعتقه، وأما الخامس فقيل: بشقران، وقيل عمار بن ياسر،
وأما المرأتان فخديجة وأم أيمن.
كما ذكر البخارى حديث أبى الدرداء ه، قال: كنت جالسا عند النبى {*، إذ أقبل أبو بكر، آخذاً
بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبى وَ﴾: أما صاحبكم فقد غامر)) أى حصلت له خصومة
٢٩٢

ومغامرة ((فسلم، وقال: يا رسول الله، إنى كان بينى وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه)» فى
رواية ((فأغضب أبوبكر عمر، فانصرف عنه مغضبا، فاتبعه أبو بكر»
((ثم ندمت، فسألته أن يغفرلى، فأبى على، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر، ثلاثا، ثم
إن عمر ندم، فأتى منزل أبى بكر، فسأل: أثم أبوبكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبى وَ﴾، فجعل وجه النبى
﴿# يتمعر)» أى تذهب نضارته من الغضب، وفى رواية ((فجلس عمر، فأعرض عنه - أى النبى {ل - ثم
تحول، فجلس إلى الجانب الآخر، فأعرض عنه، ثم قام، فجلس بين يديه، فأعرض عنه، فقال: يا رسول
الله، ما أرى إعراضك إلا لشيء بلغك عنى، فما خير حياتى وأنت معرض عنى؟ فقال: أنت الذى اعتذر
إليك أبو بكر فلم تقبل منه؟ يسألك أخوك أن تستغفرله فلا تفعل؟ ((((وأشفق أبوبكر، فجثًا على
ركبتين، فقال: يا رسول اللَّه! والله أنا كنت أظلم - مرتين)) ((قال عمر: والذي بعثك بالحق، ما من
مرة يسألنى إلا وأنا أستغفرله، وما خلق الله من أحد أحب إلى منه بعدك، فقال أبوبكر: وأنا والذى
بعثك بالحق كذلك)) ((فقال صلى الله عليه وسلم يخاطب عمر: فهل أنتم تاركوا لى صاحبى))؟ مرتين
((فما أوذى بعدهما)).
كما ذكر حديث أبى هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: ((بينا أنا نائم رأيتنى على
قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة، فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين، وفى
نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أرعبقريا من الناس .
ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن)» أى حتى رويت الإبل فأناخت.
ثم ذكر حديث وفاة النبى *، ثم حديث خطبته فى سقيفة بنى ساعدة عند البيعة له بالخلافة ثم
حديث تبشير أبى بكر بالجنة، ثم حديث ((أثبت أحد، فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان)).
ويؤخذ من الأحاديث
١- من الرواية الأولى عظيم توكل النبى 8﴾، حتى فى هذا المقام.
٢- وفيها مدى خوف أبى بكر بعالله على رسول اللَّه عَ له
٣- من قوله ((ماظنك باثنين، اللَّه ثالثهما)) منقبة ظاهرة لأبى بكر تَّ ◌ُه.
٤- ومن الرواية الثانية من قول أبى بكر: فديناك بآبائنا وأمهاتنا جواز التفدية.
٥- والترغيب فى اختيار الآخرة على الدنيا.
٦- والإشارة بالعلم الخاص، دون التصريح، لإثارة أفهام السامعين.
٧- وتفاوت العلماء فى الفهم.
٨- وشكر المحسن والتنويه بفضله، والثناء عليه.
٩- من أحاديث الأمر بسد الخوخات واستثناء خوخة أبى بكر خصوصية عظيمة لأبى بكر تظله.
١٠ - قال ابن بطال: فيه أن المرشح للإمامة يخص بكرامة تدل عليه، كما وقع فى حق الصديق فى
هذه القصة.
١١ - وقال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ منه أن للخليل صفة خاصة، تقتضى عدم المشاركة فيها.
٢٩٣

١٢ - وأن المساجد تصان عن التطرق إليها لغير ضرورة.
١٣ - جاءت بعض الأحاديث بالأمر بسد الأبواب إلا باب على ظه، فعند أحمد والنسائى بإسناد
قوى، عن سعد بن أبى وقاص، قال: أمرنا رسول اللّه ه بسد الأبواب الشارعة فى المسجد، وترك
باب على)) وعند الطبرانى فى الأوسط برجال ثقات زيادة ((فقالوا: يا رسول اللَّه! سددت أبوابنا؟
فقال: ما أنا سددتها، ولكن الله سدها)) وعن زيد بن أرقم قال: «كان لنفر من الصحابة أبواب
شارعة فى المسجد، فقال رسول اللَّه﴿: سدوا هذه الأبواب، إلا باب على، فتكلم ناس فى ذلك،
فقال رسول اللّه ﴿: إنى واللّه! ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكن أمرت بشىء، فاتبعته))
أخرجهما أحمد والنسائى والحاكم، ورجاله ثقات، وعن ابن عباس قال: ((أمر رسول اللّه ◌ِ﴾
بأبواب المسجد، فسدت، إلا باب على)) وفى رواية ((وأمر بسد الأبواب غير باب على، فكان يدخل
المسجد وهو جنب، ليس له طريق غيره)) أخرجها أحمد والنسائى، ورجالهما ثقات، وعن جابر بن
سمرة قال ((أمرنا رسول الله ﴿ بسد الأبواب كلها، غير باب على، فربما مرفيه وهو جنب))
أخرجه الطبرانى، وعن ابن عمر قال: ((كنا نقول فى زمن رسول اللّه ◌َ﴾: رسول اللّه ◌ِ ﴿ خير
الناس، ثم أبوبكر، ثم عمر، ولقد أعطى على بن أبى طالب ثلاث خصال، لأن يكون لى واحدة
منهن أحب إلى من حمر النعم: زوجه رسول اللّه ◌َ ابنته، وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه فى
المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر)) أخرجه أحمد، وإسناده حسن، وعند النسائى نحوه، وقال فيه:
((وأما على فلا تسأل عنه أحداً، وانظر إلى منزلته من رسول اللّه ﴿، قد سد أبوابنا فى المسجد،
وأقربابه)» ورجاله رجال الصحيح، إلا العلاء، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج به،
فضلا عن مجموعها. قال: وقد أورد ابن الجوزى هذا الحديث فى الموضوعات، أخرجه من حديث
سعد بن أبى وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر، مقتصرا على بعض طرقه عنهم، وأعله ببعض من تكلم
فيه من رواته، قال الحافظ: وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضا بأنه
مخالف الأحاديث الصحيحة الثابتة فى باب أبى بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة، قابلوا به
الحديث الصحيح فى أبى بكر. اهـ
قال الحافظ: وأخطأ فى ذلك خطأ شنيعا، فإنه سلك فى ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه
المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار فى مسنده، فقال: ورد من
روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان فى قصة على، وورد من روايات أهل المدينة فى قصة أبى
بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبى سعيد الخدرى، الذى
أخرجه الترمذى ((أن النبى { قال: ((لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبا غيرى وغيرك))
والمعنى أن باب على كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسده،
ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففى الأولى استثنى باب على، لما ذكره، وفى
الثانية استثنى باب أبي بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما فى قصة ((على)) على الباب
الحقيقى، وما فى قصة أبى بكر على الباب المجازى، والمراد به الخوخة، كما صرح به فى بعض
طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخا، يستقربون بها الدخول إلى المسجد،
٢٩٤

فأمروا بعد ذلك بسدها. فهذه طريقة لا بأس بها فى الجمع بين الحديثين، وبها جمع بين
الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاوى فى مشكل الآثار، وأبوبكر الكلاباذى فى معانى الأخبار،
وصرح بأن بيت أبى بكر كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت على
لم يكن له باب إلا من داخل المسجد. والله أعلم. هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر فى هذه المسألة.
وأميل إلى ما ذهب إليه ابن الجوزى، ففى أحاديث باب ((على)) له رائحة الوضع، والجمع الذى
جمعوا به بين الحديثين بعيد جدا، من وجوه: الأول أنه يفرق بين الباب والخوخة وهما واحد من
حيث الغرض، الذى هو قرب الوصول من البيت إلى المسجد، فكيف ينهى عن أحدهما مرة؟ وعن
الثانى أخرى؟ الثانى لوصح أن الأبواب سدت، وبقى باب على، واستحدثت خوخات بدل
الأبواب، وسدت الخوخات إلا خوخة أبى بكر. ما مصير باب ((على)) المستثنى؟ لم يقل أحد إنه
ظل مفتوحا بعد سد الخوخات، وإن كان قد سد مع الخوخات سلم لأبى بكر الاختصاص ببقاء
خوخته، دون الأبواب والخوخات، الثالث لو كان هذا الجمع واقعا لنقل إلينا فى رواية من
الروايات لتبقى فضيلة أبى بكر وتثبت معها - فى الخصلة نفسها فضيلة لعلى، الرابع أن الجمع
فى الوقائع والأحداث لا يكون بالاحتمال بل بإثبات الواقعة. والله أعلم.
١٤- ومن الرواية التاسعة، من قول السائل: ((من كان مستخلفا لواستخلفه)) أن النبى * لم يعين
الخليفة بعده، إذ لوكان هناك نص لما اختلفوا فى اجتماع السقيفة، ولا تفاوضوا فيه، قال
الحافظ ابن حجر: وهذا قول جمهور أهل السنة، واستند من قال: إنه نص على خلافة أبى بكر
بأصول كلية، وقرائن حالية، تقتضى أنه أحق بالإمامة وأولى بالخلافة. اهـ. من ذلك إمامته
للصلاة فى مرض الرسول #، وروايتنا العاشرة والحادية عشرة.
١٥ - ومن الرواية الحادية عشرة إشارة إلى أن نزاعا سيقع، ووقع.
١٦ - وفيه إخبار بما سيقع فى المستقبل بعد وفاته، وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره
١٧- وفيه استمالة قلب الزوجة، والإفضاء إليها بما يستره عن غيرها.
١٨ - وفى الرواية الثانية عشرة، من فضائل أبى بكر، وأعماله الصالحات.
١٩ - وفضيلة أعمال الخير المذكورة.
٢٠- ومن الرواية الثالثة عشرة خرق العادات، وكرامات الأولياء، قال النووى: وهو مذهب أهل الحق.
٢١ - وجواز التعجب من خوارق العادات.
٢٢ - وتفاوت الناس فى المعارف.
٢٣ - وفضيلة ظاهرة لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما.
(فائدة) قال الزبيربن بكار: مات أبوبكر ه بمرض السل، وقال الواقدى: إنه اغتسل فى يوم
بارد، فحم، خمسة عشر يوما، وقيل: بل بالسم فى طعام دسته له اليهود، ومات لثمان بقين من
جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، ولم يختلفوا أنه استكمل سن النبى و ﴿، فمات وهو ابن
ثلاث وستين، رضي الله عنه.
والله أعلم
٢٩٥

(٦٣٣) باب من فضائل عمر
٥٣٨٨- ثُلٍعَنِ ابْن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٤) قَالَ: وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ.
فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُثْنُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ. قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَأَنّا فِيهِمْ. قَالَ فَلَمْ يَرُغْنِي إِلا
بِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِن وَرَائِي، فَالَْفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ. فَتَرَخَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا
خَلَّفْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلٍ عَمَلِهِ مِنْكَ. وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كُنْتُ لِأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ
اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ. وَذَاكَ أَنّي كُنْتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «جِئْتُ أَنّا وَأَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ. وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» فَإِنْ كُنْتُ لِأَرْجُو، أَوْ
لأَظُنُّ، أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا.
٥٣٨٩- ١ عن أبى سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ
النَّاسَ يُعْرَضُونَ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ. مِنْهَا مَا يَبْلُغُ النِّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ. وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ» قَالُوا: مَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «الدِّينَ».
٥٣٩٠- ◌َّ عَن حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ رَ﴾(١٦)، عَن رَسُولِ اللَّهِ
﴿ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، إِذْ رَأَيْتُ قَدَحًا أُتِيتُ بِهِ، فِيهِ لَبَنٌ. فَشَرِئْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ
يَجْرِي فِي أَظْفَارِي. ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ؟ يَا رَسُولَ
اللَّهِ! قَالَ: «الْعِلْمَ)».
٥٣٩١- ٣ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٧) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي
عَلَى قَلِيبٍ، عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذُنُوبًا أَوْ
(١٤) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَنِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَنَكِيُّ وَأَبُوِ كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدًَّا
وقَالَ الآخَرَانِ أَخْبُرَنَا أَبْنُ الْمُبَارّكِ عَنِ عُمَّرَ بَّنِ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنِ ابْنِ أَبِيٍ مَّلَيْكَةً قَالَ سَّمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولٌ
- وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنَّ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ فِيَ هَّذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ
(١٥) حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِيَ مُزَاحِمٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ صَالِحٍ بَّنِ كَيْسَانْ حِ وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٌ
الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ خَّمَيْدٍ وَاللَّفْظُ لَهُمْ قَالُوا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَّاهِيَّمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَن صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةً
ابْنُ سَهْلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ
(١٦) حَدَّثَبِيْ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبِى أَخْبُوَنَا ابَنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
عَن أَبیهِ
- وحَدْثَنَاهَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا لَيْثٌ عَنِ عُقَيْلٍ ح و حَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ صَالِحٍ بِإِسْنَادٍ يُونُسَ نَحْوَ خَّدِيثِهِ.
(١٧) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَىِّ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْيَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةً يَقُول
٢٩٦

ذُنُوبَيْنِ. وَفِي نَزْعِهِ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ضَعْفٌ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ. فَلَمْ أَرَ
عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَّرَ ابْنِ الْخَطَّابِ، حَتّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ».
٥٣٩٢ - - وفِي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٦) قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي
قُحَافَةً يَنْزِعُ» بِنَحْوِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ.
٥٣٩٣- ١٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٨)، عَن رَسُولِ اللَّهِ﴿ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُرِيتُ أَنّي أَنْزِعُ
عَلَى حَوْضِي أَسْقِي النَّاسَ. فَجَاءَتِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَّذَ الدَّلْوَ مِن يَدِي لِيُرَوِّجَنِي. فَنَرَعَ دَلْوَيْنٍ. وَفِي
نَزْعِهِ ضَعْفٌ. وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ. فَجَاءَ ابْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنْهُ: فَلَمْ أَرَ نَزْعَ رَجُلٍ قَطُّ أَقْوَى مِنْهُ.
حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ، وَالْحَوْضُ مَلَآنُ يَتَفَجَّرُ».
٥٣٩٤- ◌َّإِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٩)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَالَ: «أُرِيتُ
كَأَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَمَّزَعَ ذُنُوبًا أَوْ ذُنُوبَيْنٍ. فَنَزَعَ تَزْعًا ضَعِيفًا.
وَاللَّهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَقَى. فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيَّا مِنَ
النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ. حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَّبُوا الْعَطَنَ».
٣٠٥٣٩٥ عَن جَابِرٍعَ﴾(٢٠)، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا أَوْ قَصْرًا.
فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ» فَبَكَى عُمَرُ
وَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ! أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ؟.
٥٣٩٦- ٢١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ (٢١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ٍ، أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُنِي
(-) وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي أَبِيٍ عَنِ جَدِّي حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ح وحَدَّثَنَا عَمْرٌو النّاقِدُ وَالْحُلْوَانِيُّ
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَّاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثْنَا أَبِي عَنِ صَالِحٍ بِإِسْنَادٍ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةً
- حَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ خَّمَّيْدٍ قَالا حَدَّثَا يَعْقُوبُ خَّدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَّالِحٍ قَالَ قَالَ الأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ
(١٨) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي
هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِي شَيْئَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ حَدَّثَنِي أَبُوَ بَكْرِ بْنُ سَالِمٍ عَنِ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَّنْ يُونُسَ خَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَن رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ
﴿ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهممّا بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
(٢٠) حَدَّثَنَا مَّحَمَّدُ بُّنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَنَّا سُفْيَانُ عَنٍ عَمْرٍو وَّابْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَا جَابِرًا يُخْبِرُ عَنِ النِّّ ◌ِ﴿ ح وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ
ابْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنِ ابْنِ الْمُنْكِّدِرِ وَغَمْرِو عَن جَابِرٍ
- وحَدَّثْنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنَ عَمَّرِو وَابْنِ الْمُنْكَّدِّرِ عَنْ جَابِرِ حٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِيٍ شَيْئَةً حَدَّثَا
سُفْيَانُ عَن غَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا ح وحَدَّثْنَه عَمْرٌو النَّفِدُ حَدَثْنَا سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكْدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا عَنِ النُّبِيِّ ﴿ُ بِمِثْلٍ
حَدِيثِ ابْنِ نُمِيْرٌ وَزُهْرٍ.
(٢١) حَدَّثَنِي خَرْمَلَةٌ بْنُ يَحْتِّى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدَّثَبِهِ عَمْرٌوِ النّاقِدُ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالُوا حَدَّثَّا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنَ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٢٩٧

فِي الْجَنْةِ. فَإِذَا امْرَأَةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ. فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
م
فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ. فَوَلَّيْتُ مُذْبِرًا» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ
الْمَجْلِسِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ. بِأَبِي أَنْتَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟.
٥٣٩٧- ٢٢ عَن مُحَمَّدٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَ﴾(٢٢)؛ أَنَّ أَبَاهُ سَعْدًا قَالَ: «اسْتَأْذَنَ عُمَرُ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ِ. وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِن قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ. فَلَمَّا
اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿. وَرَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَضْحَكُ. فَقَالَ
عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: «عَجِبْتُ مِن هَؤُلاءِ اللاِي
كُنَّ عِنْدِي؟ فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنُ الْحِجَابَ﴾ قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَقُّ أَنْ
يَهَيْنَ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّا أَتَهَبْنِي وَلا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ﴿؟ قُلْنَ: نَعَمْ. أَنْتَ
أَغْلَظُ وَأَفَظُّ مِن رَسُولِ اللَّهِفَ﴿ِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ
قَطَّ سَالِكًا فَجَّا إِلاَ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ)).
٥٣٩٨ - - وفى رواية عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣)، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
﴿ّ. وَعِنْدَهُ نِسْوَّةٌ قَدْ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ :﴿ .. فَلَمَّا اسْتَأْذَنْ عُمَرُ ابْتَدَرْنَ
الْحِجَابَ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ.
٥٣٩٩- ٣٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا(٢٣)، عَنِ النَّبِيِّ ﴿ِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «قَدْ كَانَ يَكُونُ
فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ. فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّنِي مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ» قَالَ
ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونٌ مُلْهَمُونَ.
٥٤٠٠- ٢٤ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٤) قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ: فِي
مَقَامِ إِْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدٍْ.
(٢٢) حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ ح و حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْبَرَنِي
وقَالَ حَسَنٌ حَدَّثَّا يَعَّقُوبُ وَهُّوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ بَّنٍ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنْ أَبَاهُ سَعْدًا
(-) حَدَّثََّا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبُرَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٣) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمَّرِو بْنِ سَرْحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ عَن إِنْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَن أَبِهِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَن
أَبِي سَلَمَةً عَنِ عَائِشَةً
تَ حَدَّثَنَا قَيَِّةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ حٍ وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ عُبَيْنَةَ كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عَجْلانَ
عَن سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٢٤) حَدَّثَنَا عُقْبَةٌ بْنُ مُكْرَّمِ الْعَمِّيَّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ أَخْبُرَنَا عَن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
٢٩٨

٥٤:١-٢ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٥) قَالَ: لَمَّا تُؤْفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَبَيِّ، ابْنُ
سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿. فَسَأَلَهُ أَن يُعْطِيَةُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ
فِيهِ أَبَاهُ. فَأَعْطَاهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ لِيُّصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ
◌ِقَوْبِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتْصَّلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة/٨٠] وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ» قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَ﴾.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
٥٤٠٢ - - وفِي رواية عَنِ عُبَيْدٍ، اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ:
قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ.
المعنى العام
عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، مناقبه كثيرة، وفضائله جمة، فهو مؤسس دولة الإسلام كدولة
ذات أجهزة إدارية وفنية.
وتعداد المناقب لا يستلزم الحصر، ولا يستلزم أن المذكور أفضلها، فقد تثيرك الفضيلة الكبرى
اعتمادًا على شهرتها، ولقد كان له فضل حسم موضوع الخلافة لأبى بكر رضى الله عنهما، يوم أن مد
يده إليه فى سقيفة بنى ساعدة، وقال له: امدد يدك نبايعك بالخلافة، فتتابع الصحابة يبايعون،
وكان من أزهد زهاد الدنيا فى خلافته، وأعدل الخلفاء والحكام على الإطلاق.
إن ذكر بعض فضائله فى كتب الحديث كشاهد على غيرها، وكمصباح ينير جوانب الحياة، ومن
يشهد له رسول الله ﴿ لا يحتاج شهيدا آخر، فكيف إذا كانت الشهادة عن قرب، وعن طول صحبة،
لقد كان عمر من السابقين إلى الإسلام، كان إسلامه مكملا الأربعين من المسلمين، ولم يكن إسلامه
إسلام فرد، بل كان إسلام أمة، كان الإسلام يتمناه على لسان رسول اللَّه * حيث كان يدعوربه:
اللَّهم أعز الإسلام بعمر، وأعز الله به الإسلام حقا. لقد كان المسلمون قبل إسلام عمر يعبدون الله
خفية، ويسلم المسلم منهم سرًا عن صناديد قريش. فلما أسلم قال لرسول اللَّه ﴿: يا رسول الله! أنحن
على الحق أم على الباطل؟ قال: نحن على الحق. قال: فعلام نخفى ديننا ونحن على الحق وهم على
الباطل؟ والذي بعثك بالحق. لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه معلنا الإيمان، وخرج
بالصحابة المسلمين صفين من دار أخته إلى المسجد الحرام، والكفار ينظرون، لا يجرءون على
الاعتراض، ومن هنا لقب الفاروق، لأنه بإسلامه فرق بين الإسرار بالدعوة والإيمان، وبين الجهر بهما.
(٢٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا أَبُوِ أُسَامَةٌ حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
- وحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنَّ الْمُثَنِّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالا حَدَّثَنَا يَحْبَى وَهُوَ الْقَطََّنَ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٢٩٩

ولقد مدحه رسول الله﴿ كثيرًا، وأثنى عليه كثيرًا، وكان من استمرار صحبته له يقول: ذهبت إلى
كذا أنا وأبو بكر وعمر، ودخلنا كذا أنا وأبو بكر وعمر، ورجعنا من كذا أنا وأبو بكر وعمر، وآمنت بكذا
أنا وأبو بكر وعمر، حتى استقر فى نفوس الصحابة اتصالا فريدًا بين الثلاثة، يوحى بصحبتهم بعد
الموت، وقد كان، حيث دفنوا فى مقابر ثلاث فى حجرة واحدة.
كما أشار صلى الله عليه وسلم إلى علم عمر وإيمان عمر، وغيرة عمر بما رآه فى منامه صلى اللّه
عليه وسلم. وموافقات عمر لأحكام شرعية قبل تشريعها كثيرة منها قول عمر لرسول اللَّه { ل: لو
اتخذنا مقام إبراهيم مصلى، فنزل قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [ البقرة: ١٢٥]
وقال للرسول ◌َ﴾: احجب نساءك، حيث يدخل عليك البر والفاجر، فنزلت آية حجاب أمهات
المؤمنين، وحاول منع الرسول / من الصلاة على عبد الله بن أبى المنافق، لكن الرسول صل صلى
عليه فنزل قوله تعالى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
وهكذا كان عمره ينطق بالحق، وهكذا جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه ره وأرضاه ورضى
عن الصحابة أجمعين
المباحث العربية
( وضع عمر بن الخطاب على سريره ) أى على نعشه، لما مات، وعمر بن الخطاب بن نفيل
- بضم النون، مصغرا ابن عبد العزى بن رياح - بكسر الراء وبالياء، ابن عبد اللّه بن قرط بن رزاح -
بفتح الراء، ابن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب، يجتمع مع النبى ®® فى كعب، وعدد ما بينهما من
الآباء إلى كعب متفاوت بواحد، بخلاف أبى بكر، فبين النبى 8 وكعب سبعة آباء، وبين عمروبين
كعب ثمانية، وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، ابنة عم أبى جهل والحارث ابنى هشام بن
المغيرة، كنيته أبو حفص، كناه بها رسول اللّه ﴾، وكانت حفصة أكبر أولاده، ولقبه الفاروق، قيل:
لقبه بذلك رسول اللَّه ◌َ ﴿، وقيل: أهل الكتاب، وقيل: جبريل.
( فتكنفه الناس ) أى أحاطوا به، وأصله جعلوه فى كنفهم، وكنف الإنسان جانبه، وكنفا الرجل
حضناه، وكنفا الطائر جناحاه، والمراد من الناس بعض الصحابة وكبارهم.
( يدعون، ويثنون، ويصلون عليه ) أى يدعون له بخير، ويثنون عليه ثناء جميلا، ويصلون
عليه، أى يدعون له بلفظ الصلاة، والصلاة من الله الرحمة.
( قبل أن يرفع ) فى نعشه إلى قبره.
( وأنا فيهم ) من كلام ابن عباس، أى وأنا محيط به معهم.
( فلم يرعنى إلا برجل قد أخذ بمنكبى من ورائى ) أى لم يفزعنى إلا رجل، فالباء زائدة،
وفى رواية البخارى ((فلم يرعنى إلا رجل آخذ منكبى)) أى واضع يده على كتفى، والمراد أنه رآه بغتة،
وهو منشغل بالمنظر، ففزع.
٣٠٠