النص المفهرس

صفحات 221-240

يختلف بالطول والقصر، قاسوا ما وقعت فيه القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارا
لاستحقاق الأول فالأول. وسيأتى توضيح هذا الحكم فى فقه الحديث.
( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ) وفى الرواية
الثالثة ((ذرونى ما تركتكم)) وفى ملحقها ((ما تركتم)) بالبناء للمجهول، وفى رواية للبخارى ((دعونى))
والكلمتان أمات العرب ماضيهما، واسم الفاعل منهما، واسم مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع والأمر،
فقالوا: يدع، دع، ويذر. ذر. و ((ما)) فى ((ما تركتكم)) مصدرية ظرفية زمانية، أى مدة تركى إياكم بغير
أمر بشيء، ولا نهى عن شيء، قال: ولم يقل: اتركونى ما تركتكم، على سبيل التفنن فى العبارة، وأطلق
فى النهى، ولم يقيده بالاستطاعة، كما قيد الأمر، لأن المقصود النهى العام عن جميع المناهى، قال
الفاكهى: لا يتصور امتثال اجتناب المنهى حتى يترك جميعه، فلو اجتنب بعض شرب الخمر أو
بعض الزنا لم يعد متمثلا، بخلاف الأمر المطلق، فإن من أتى بأقل ما يصدق عليه الاسم كان متمثلا.
وقد أخرج مسلم سبب هذا الحديث، عن أبى هريرة رضيه قال: خطبنا رسول اللّه،﴿، فقال: يا أيها
الناس قد فرض الله عليكم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال
رسول اللَّه ول: لوقلت: نعم، لوجبت، ولما استطعم، ثم قال: ذرونى ما تركتكم ... )) الحديث.
( فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم ) يريد بالذين
من قبلهم بنى إسرائيل، ويريد أن كثرة التنقيب قد تفضى إلى المشقة، فقد أمروا أن يذبحوا بقرة، فلو
ذبحوا أى بقرة كانت، لامتثلوا، ولكنهم شددوا فشدد عليهم.
وسيأتى فى فقه الحديث أقوال العلماء فى المراد من المسائل المشار إليها.
( إن أعظم المسلمين فى المسلمين جرماً من سأل عن أمرلم يحرم، فحرم على
الناس)، قال القاضى عياض: والمراد بالجرم هنا الحرج على المسلمين، لا أنه الجرم الذى هو الإثم
المعاقب عليه، لأن السؤال كان مباحا. اهـ
ورده النووى، فقال: وهذا الذى قاله القاضى ضعيف، بل باطل، والصواب ما قاله الخطابى
وجماهير العلماء فى شرح هذا الحديث، وأن المراد بالجرم الإثم والذنب، قال: ويقال منه جرم بالفتح
واجترم وتجرم إذا أثم. اهـ
وسيأتى فى فقه الحديث تفصيل القول فى نوعية السؤال.
(ورجل سأل عن شيء، ونقر عنه ) أى بالغ فى البحث والاستقصاء عنه.
(بلغ رسول اللّه عن أصحابه شيء فخطب، فقال) يحتمل أن يكون الشيء هو
الرغبة فى أسئلة لا حاجة إليها.
( عرضت على الجنة والنار) أى وما فيهما من نعيم وعذاب، وفى الرواية الثامنة ((إنى
صورت لى الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط))
٢٢١

( فلم أر كاليوم فى الخير والشر) أى لم أرخيرا أكثر مما رأيته اليوم فى الجنة، ولا شرا أكثر
مما رأیته الیوم فى النار.
( ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا ) أى ولو رأيتم ما رأيت، وعلمتم ما
علمت لأشفقتم على أنفسكم إشفاقا بليغا، ولقل ضحككم، وكثر بكاؤكم.
( فما أتى على أصحاب رسول اللَّه ﴿ يوم أشد منه ) أى من هذا اليوم الذى أنذرهم فيه
بهذا الإنذار، والمراد ما حصل لهم ساعتها من الخوف.
(غطوا رءوسهم، ولهم خذين) قال النووى ((خنين)) بالخاء فى معظم النسخ ولمعظم الرواة،
ولبعضهم بالحاء، قالوا: ومعناه بالخاء صوت البكاء، وهو نوع من البكاء، دون الانتحاب، قالوا: وأصل
الخنين خروج الصوت من الأنف، والحنين خروجه من الفم، وقال الخليل: الخنين بالخاء صوت فيه
غنة، وقال الأصمعى: إذا تردد البكاء فصار فيه غنة فهو خنين، وقال أبو زيد: الخنين مثل الحنين،
شدة البكاء.
( فقام عمر، فقال: رضينا بالله ربا) هذا معطوف على محذوف، مطوى، أبرزته الرواية
السابعة وفيها ((خرج حين زاغت الشمس، فصلى لهم صلاة الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر
الساعة، وذكر أن قبلها أموراً عظاماً، ثم قال: من أحب أن يسألنى عن شيء فليسألنى عنه، فواللَّه لا
تسألونىٍ عن شيء، إلا أخبرتكم به، ما دمت فى مقامى هذا، فأكثر الناس البكاء، حين سمعوا ذلك من
رسول اللَّه ◌َ﴿، وأكثر رسول اللّه ◌َ ﴿ أن يقول: سلونى)) فلما أكثر رسول اللَّه ◌ُ ﴿ من أن يقول: سلونى،
برك عمر، فقال: ((رضينا بالله رباً)) وفى الرواية الثامنة ((أن الناس سألوا نبى اللَّه ◌ُ ﴾، حتى أحفوه
بالمسألة)) أى أكثروا فى الإلحاح والمبالغة فيه، يقال: أحفى وألحف، وألح بمعنى ((فخرج ذات يوم،
فصعد المنبر، فقال: سلونى، لا تسألونى عن شيء إلا بينته لكم)) قال القاضى: وظاهر الحديث أن قوله
((سلونى)) إنما كان غضبا، كما قال فى الرواية التاسعة ((سئل النبى وَ ﴾ عن أشياء كرهها، فلما أكثر
عليه غضب، ثم قال للناس: سلونى عم شئتم)) قال: وكان اختياره صلى الله عليه وسلم ترك تلك
المسائل، لكن وافقهم فى جوابها، لأنه لا يمكن رد السؤال، ولما رآه من حرصهم عليها، قال: وأما بروك
عمر ناه، وقوله ((رضينا ... إلخ)) فإنما فعله أدبا وإكراما لرسول اللَّه ﴾، وشفقة على المسلمين، لئلا
يؤدوا النبى ®، فيهلكوا.
وفى الرواية الثامنة ((فلما سمع ذلك القوم أرموا)) بفتح الهمزة والراء وتشديد الميم المضمومة، أى
سكتوا، وأصله من المرمة، وهى الشفة، أى ضموا شفاههم، بعضها على بعض، فلم يتكلموا، ((ورهبوا))
أى خافوا ((أن يكون بين يدى أمرقد حضر)) أى أن يكون الرسول * عنده أمر خطير، كالساعة
وبوادرها، قد آن أوانه، «قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا، فإذا كل رجل لاف رأسه» أى قد لف
رأسه « فی ثوبه یبکی».
( رضيت باللَّه ريا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا) أى رضينا بما عندنا من كتاب الله
تعالى، وسنة نبينا ®®، واكتفينا به عن السؤال، ففيه أبلغ كفاية.
٢٢٢

(قال: فسكت رسول اللَّه ﴿، حين قال عمر ذلك) أى سكت عن قول ((اسألونى)).
( أولى ) بفتح الهمزة وسكون الواو، وفتح اللام، وهى لفظة تهديد ووعيد، وقيل: كلمة تلهف، فعلى
هذا يستعملها من نجا من أمر خطير، والصحيح المشهور أنها للتهديد، ومعناها قرب منكم ما
تكرهونه، ومنه قول تعالى ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [ القيامة: ٣٤] أى قاريك ما تكره، فاحذره، مأخوذ من
الولى، وهو القرب.
( آنفا ) أى قريبا، أى هذه المسألة، والمشهور فيها المد، ويقال بالقصر، وقرئ بهما فى السبع،
والأکثرون بالمد.
( فى عرض هذا الحائط ) عرض الحائط بضم العين جانبه.
(فقام ذاك الرجل، فقال: من أبى؟ قال: أبوك فلان) فى الرواية السابعة ((فقام عبد الله
بن حذافة، فقال: من أبى؟ يا رسول الله، قال: أبوك حذافة)) وفى الرواية الثامنة ((فأنشأ رجل من
المسجد)) أى بدأ رجل الكلام من المسجد ((كان يلاحى)) بضم الياء، وفتح الحاء، أى كان يخاصم
ويجادل ((فيدعى لغير أبيه)) بضم الياء وسكون الدال وفتح العين، أى ينسب لغير أبيه، زاد فى الرواية
التاسعة ((فقام آخر، فقال: من أبى؟ يا رسول الله. قال: أبوك سالم، مولى شيبة)» هذا الرجل هو سعد
ابن سالم مولى شيبة بن ربيعة، وزاد الطبرى فى رواية عن أبى هريرة له، قال: خرج رسول اللّهِ عَ ﴿
غضبان محمارا وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل، فقال أين أنا؟ قال: فى النار» وعند
أحمد ((فقال رجل: يا رسول اللَّه، فى الجنة أنا أو فى النار؟ قال: فى النار)).
( ما سمعت بابن قط أعق منك ) أى أنت أكثر الأبناء عقوقا لأمك.
( أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية الزنا
فتفضحها على أعين الناس؟ ) ((قارفت)» أى ارتكبت، والمراد بما تقارف نساء أهل الجاهلية
الزنا، والجاهلية من كانوا قبل النبوة، ومعنى ((فتفضحها)) أى لوكنت من زنا، فنفاك عن أبيك
حذافة فضحتنى.
( والله لو ألحقنى بعبد أسود للحقته ) وآمنت بصدق كلامه، فإنه لا ينطق عن الهوى.
فقه الحديث
يؤخذ من أحاديث الباب
١- من الرواية الأولى حق الأعلى فى الشرب قبل الأسفل، قال العلماء: الشرب من نهر أو
مسيل غير مملوك، يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغنى الأعلى، وحدُّه أن
يغطى الماء الأرض، حتى يظهر على سطحها، ويرجع إلى الجدار، ثم يطلق، وقد أمر
صلى الله عليه وسلم الزبير أولا أن يسامح ببعض حقه، إيثارا لحسن الجوار، فلما جهل
الخصم واعترض استوفى لصاحب الحق حقه.
٢٢٣

والمراد بالأول هنا عند الجمهور من يكون مبدأ الماء من ناحيته، وقال بعض المتأخرين من
الشافعية: المراد به من لم يتقدمه أحد فى الغراس، بطريق الإحياء، والذى يليه من أحيا بعده،
وهلم جرا. اهـ ويمكن قبول هذا الترتيب إذا كانوا متساوين فى القرب من مصدر الماء، أو كان
مصدره فى وسط أراضيهم، وقضيتنا فى ماء يخترق أرضا، ليصل إلى أخرى.
قال ابن التين: الجمهور على أن الحكم أن يمسك الأول الماء حتى يصل فى الأرض إلى الكعبين،
الحد الواجب فى الوضوء، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، قال: وأما الزروع فإلى الشراك - أى
السير الذى فوق القدم من النعل - وقال الطبرى: الأراضى مختلف، فيمسك لكل أرض ما يكفيها،
لأن الذى فى قصة الزبير واقعة عين.
واختلف أصحاب مالك: هل يرسل الأول جميع الماء بعد أن يبلغ الكعبين - فتصفى الأرض؟ أو
يرسل ما زاد على الكعبين؟ والأول أظهر، إذا لم يبق له به حاجة.
٢- وفى الحديث إشارة الإمام بالصلح بين المتخاصمين، قبل أن يحكم، فما أشار به صلى الله عليه
وسلم أولا كان على سبيل الصلح، ولا يلزم الخصم به إلا إذا رضی.
٣- وأن الحاكم يستوفى لصاحب الحق حقه، ولو لم يسأله صاحب الحق.
٤- وحكى الخطابى أن فيه دليلا على جواز فسخ الحاكم حكمه، لأنه صلى الله عليه وسلم حكم أولا
بالإحسان إلى الجار، فلما اعترض الخصم، رجع عن حكمه الأول إلى الحقوق، ليكون ذلك أبلغ فى
زجر الخصم، وتعقب بأن الحكم الأول لم يثبت، حتى يرجع عنه، فقد كان إشارة إلى المصالحة.
٥- قيل: إن الحكم والحق هو الحكم الأول، أما الثانى فكان عقوبة على ما بدر منه، وكان ذلك لما
كانت العقوبة بالأموال جائزة، حكاه ابن الصباغ من الشافعية، ووافق عليه، وهو بعيد، وسياق
طرق الحديث يأباه، لا سيما قوله ((واستوفى للزبير حقه» فى صريح الحكم، فمجموع الطرق دال
على أنه أمر الزبير أولا أن يترك بعض حقه، وثانيا أن يستوفى جميع حقه.
٦- وفيه أن من سبق إلى شيء من مياه الأودية والسيول التى لا تملك، فهو أحق به، لكن ليس له إذا
استغنى أن يحبسه عن الذى يليه.
٧- وفيه توبيخ من جفا على الحاكم ومعاقبته.
٨- ويمكن أن يستدل به على أن للإمام أن يعفوعن التعزير المتعلق به، لكن محل ذلك ما لم يؤد إلى
هتك حرمة الشرع، وإنما لم يعاقب النبى # صاحب القصة، لما كان عليه من تأليف الناس، قال
القرطبى: فلو صدر مثل هذا من أحد فى حق النبى (، أو فى حق شريعته قتل قتلة زنديق، ونقل
النووى نحوه عن العلماء.
٩- وفيه صحة حكم الحاكم وهو غضبان، إذا أمن الخطأ والغلط، والنبى 28 مأمون، لعصمته من ذلك
حال السخط.
١٠ - وفيه ما تحمله رسول الله:﴿ من إيذاء، والحث على الصبر على الأذى.
٢٢٤

١١- وفيه وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، والرضا بحكمه، والتسليم لأمره.
١٢- وفيه إدلال الرسول و على بعض أصحابه، فإن ما أشار به صلى الله عليه وسلم على الزبير كان
إدلالاً عليه، لعلمه بأنه يرضى بذلك، ويؤثر الإحسان.
١٣ - ومن الرواية الثانية والثالثة النهى عن كثرة الاستفصال، وعن كثرة التنقيب الذى قد يفضى إلى
مثل ما وقع لبنى إسرائيل.
١٤ - استدل قوم بإطلاق النهى، وتقييد الأمر بالاستطاعة على عموم النهى، وقالوا: الإكراه على ارتكاب
المعصية لا يبيحها. قال الحافظ ابن حجر: والصحيح عدم المؤاخذة، إذا وجدت صورة الإكراه
المعتبرة، واستثنى بعض الشافعية من ذلك الزنا، فقال: لا يتصور الإكراه عليه، وكأنه أراد
التمادى فيه، وإلا فلا مانع أن ينتشر الرجل بغير سبب، فيكره على الإيلاج حينئذ، فيولج فى
الأجنبية، فإن مثل ذلك ليس بمحال، ولو فعله مختارا كان زانيا، فتصور الإكراه على الزنا فى
الرجل، أما فى المرأة فإكراهها على الزنا ممكن.
١٥- واستدل به من قال: لا يجوز التداوى بشيء محرم كالخمر، ولا دفع العطش بالخمر، ولا
إساعة الغصة بالخمر، قال الحافظ ابن حجر: والصحيح عند الشافعية جواز الثالث،
حفظا للنفس، فصار كأكل الميتة لمن اضطر، بخلاف التداوى، فإنه ثبت النهى عنه
نصا، ففى مسلم ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء)) وعند أبى داود ((ولا تداووا بحرام)) و((إن
اللَّه لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها)» وأما العطش، فإنه لا ينقطع بشربها، ولأنه
فى معنى التداوى. والتحقيق أن الأمر باجتناب المنهى على عمومه، ما لم يعارضه إذن
فى ارتكاب منهى، كأكل الميتة للمضطر، وقال الفكهانى: لا يتصورامتثال اجتناب
المنهى، حتى يترك جميعه، فلو اجتنب بعضه لا يعد متمثلا، بخلاف الأمور.
وقال هنا ابن فرج إن النهى يقتضى الأمر، فلا يكون متمثلا لمقتضى النهى حتى لا يفعل واحدا
من آحاد ما يتناوله النهى، بخلاف الأمر، فإنه على عكسه، ومن ثم نشأ الخلاف، هل الأمر بالشيء
نهى عن ضده؟ وهل النهى عن الشيء أمر بضده؟ والتفاصيل فى كتب الأصول.
١٦- وعن قوله ((وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم)) قال النووى: هذا من جوامع الكلم، وقواعد
الإسلام، ويدخل فيه كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط، فيأتى بالمقدور،
وكذا الوضوء، وستر العورة، وحفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض الزكاة لمن لم يقدر على الكل،
والإمساك فى رمضان لمن أفطر بالعذر، ثم قدر فى أثناء النهار، إلى غير ذلك من المسائل التى
يطول شرحها. وقال غيره: إن من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبر عنه بعض
الفقهاء بأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
١٧ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على أن من أمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور، أنه
يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدل المزنى على أن ((ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه)) ومن ثم
كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد.
٢٢٥

١٨ - واستدل بالحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات، لأنه أطلق
الاجتذاب فى المنهيات، ولو مع المشقة فى الترك، وقيد فى المأمورات بقدر الطاقة.
فإن قيل: إن الاستطاعة معتبرة فى النهى أيضا، إذ يقول اللَّه تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا
وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين. قال الحافظ ابن حجر: كذا قيلَ،
والذى يظهر أن التقييد فى الأمر بالاستطاعة لايدل على اعتناء الشرع بالنهى، بل هو من جهة أن
النهى كف، وكل واحد قادر على الكف، لولا داعية الشهوة مثلا، فلا يتصور عدم الاستطاعة عن
الكف، بل كل مكلف قادر على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن هنا
قيد فى الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهى، قال: وعبر الطوفى فى هذا الموضع بأن ترك المنهى
عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه
من العدم إلى الوجود. وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم النهى عنه قد تتخلف، وقال
الماوردى: أن الكف عن المعاصى ترك والترك سهل، وعمل الطاعة فعل، وهو يشق.
فالحكمة فى تقييد الحديث بالاستطاعة فى جانب الأمر، دون النهى، أن العجز يكثر تصوره فى
الأمر، بخلاف النهى، فإن تصور العجز فيه محصور فى الاضطرار.
١٩ - واستدل به على أن المكروه يجب اجتنابه، لعموم الأمر باجتناب المنهى عنه، فشمل الواجب
والمندوب، وأجيب بأن قوله ((فاجتنبوه)) يعمل به فى الإيجاب والندب بالاعتبارين ويجيء مثل
هذا الجواب فى الجانب الآخر، وهو الأمر.
٢٠- واستدل به على أن المباح ليس مأموراً به، وأجيب بأن من قال: المباح مأمور به لم يرد الأمر
بمعنى الطلب، وإنما أراد المعنى العام، هو الإذن.
٢١- واستدل بقوله ((فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم)) النهى عن إكثار السؤال، والسؤال
أنواع، ولكل نوع منه حكمة.
أ- فالسؤال عما لم يحدث تكلفا أو تعنتا، فيما لا حاجة إليه منهى عنه، فقد يؤدى إلى المشقة
بالمسلمين، ويكون سببا لتحريم شيء عليهم، لم يكن ليحرم، لولا السؤال، كما أشير إليه فى
الرواية الرابعة والخامسة، وهذا النوع قد يكون مأمونا اليوم، بعد أن ثبت التحليل والتحريم،
واستقرت الشريعة، وأكمل الله الدين، لكنه قد يتصور فى المنقبين المشددين المتنطعين،
الذين يسألون أمثالهم، فيجيبونهم بما يشق عليهم، وقد أخرج البزار ((ما أحل الله فى كتابه
فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من اللَّه عافيته، فإن اللَّه لم
يكن ينسى شيئا، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وأخرج الدارقطنى «إن
اللَّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء، رحمة بكم، غير
نسيان، فلا تبحثوا عنها)» ومن أمثلة ما وقع من الصحابة ه من هذا النوع قبل نزول الآية،
سؤالهم عن وجوب طاعة الأمراء، إذا أمروا بغير طاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة، وما
قبلها من الملاحم والفتن، وسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر، والقتال فى الشهر الحرام،
واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، فكثير من هذه الأسئلة كانت سببا للتكليف بما يشق.
٢٢٦

ب- وقد يؤدى إلى الإساءة إلى السائل، كالذى سأل: أين أنا؟ فقيل له: فى النار.
جـ- وقد يؤدى السؤال إلى فتح باب الإلحاح والإلحاف والكثرة التى تعنى ولا تعنى، وتضر أكثر
مما تنفع، فتحرج المسئول وتؤذيه، كما تشير إلى ذلك الرواية السادسة وما بعدها، وكسؤال
الرجل تضل ناقته: أين ناقتى؟.
د- وقد يكون السؤال من منطلق التقعر والتشدق والتظاهر بالعلم والتعمق فيه، مما يسيء إلى
العلم والعلماء، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود عند مسلم، رفعه ((هلك المتنطعون)).
هـ- وقد يكون السؤال جرياً وراء أمور غيبية، ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، كالسؤال
عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل
الصرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث فى تفصيله، وصرف
الزمان فى غيره مما ينفع أولى.
و- وقد يؤدى السؤال إلى الإضرار بالسائل، أو وقوعه فى الشك والحيرة، ومثلوا له بسائل يسأل عن
السلع المجهول مصدرها فى الأسواق، فيجاب بجواز شرائها ممن هى فى يده، من غيره
بحث عن طريق مصيرها إليه، فيعود ويسأل: أخشى أن تكون هذه السلعة من نهب حصل
قريبا، فيجاب بكراهة أو تحريم الشراء، من ذلك ما يحكى أن ماء سقط على عالم من نافذة
بيت، فنادى العالم صاحبة النافذة. أهذا الماء طاهر أم نجس؟ فقالت له: نجسته بسؤالك
أيها الفقيه.
أما الممدوح من الأسئلة فهو ما كان فى العلم للعلم، وبقدر الحاجة، وبدون إضرار أو إيذاء، أو
مضايقة أو رياء، وبالجملة أن يجر نفعا، ولا يشوبه ضرر.
٢٢ - ومن الرواية السادسة من عرض الجنة والنار، أن الجنة والنار مخلوقتان. قاله النووى.
٢٣ - ومن قوله ((لو تعلمون ما أعلم)) عدم كراهة استعمال لفظة ((لو)) فى مثل هذا.
٢٤- وقد يؤخذ من قول عبد الله بن حذافة ((لو ألحقنى بعبد للحقته)) أن الزنا يثبت به نسب، مع أنه
ليس كذلك، وأجيب بأنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن ابن حذافة ما كان بلغه هذا الحكم، وكان
يظن أن ولد الزنا يلحق بالزانى، قال النووي: وقد خفى هذا على أكبر منه، وهو سعد بن أبى
وقاص، حين خاصم فى ابن وليدة زمعة، فظن أنه يلحق أخاه بالزنا، والثانى أنه يتصور الإلحاق
بعد الوطء بشبهة، فيثبت النسب منه.
٢٥ - ومن بروك عمر ظه جواز بروك الطالب، كمظهر من مظاهر الانزعاج والاهتمام، فقد فهم عمر أن
تلك الأسئلة قد تكون على سبيل التعنت أو الشك، فخشى أن تنزل العقوبة بسبب ذلك، فقال:
رضينا بالله ربا: إلخ.
٢٦- وفيه فضيلة لعمر وذكائه وإدلاله على رسول اللَّه لَ﴿، إذ رضى النبى{ * بقول عمر. فسكت.
٢٧ - وفيه جواز الغضب عند الموعظة والتعليم.
٢٢٧

٢٨ - وفيه دقة ملاحظة الصحابة لأحوال النبى ◌َّ فى الرضا والغضب.
٢٩ - وحرصهم على رضاه، وخوفهم من غضبه.
٣٠ - وقد يتمسك القدرية بالرواية الرابعة والخامسة فى أن اللَّه تعالى يفعل شيئا من أجل شيء، قال
المهلب: وليس كذلك، بل هو على كل شيء قدير، وهو فاعل السبب والمسبب، كل ذلك بتقديره،
ولكن الحديث محمول على التحذير مما ذكر، فعظم جرم من فعل ذلك، لكثرة الكارهين لفعله،
وقال غيره: أهل السنة لا ينكرون إمكان التعليل، وإنما ينكرون وجوبه، فلايمتنع أن يكون المقدر:
الشيء الفلانى تتعلق به الحرمة إن سئل عنه، فقد سبق القضاء بذلك، لا أن السؤال علة التحريم.
٣١- ويؤخذ منه أن من عمل شيئا أضربه غيره كان آثما، وإن كان العمل فى أصله مباحا، فالسؤال
عن تكرير الحج فى أصله مباح، لكن لما كان سببا لمشقة الآخرين حرم ومنع .
واللَّه أعلم
٢٢٨

(٦٢٧) باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً، دون ما ذكره
صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأى
٥٣٣٣- ١٣٩ عَن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ رضِ﴾(١٣٩) قَالَ: مَرَرْتُ مَحَ رَسُولِ اللَّهِ
﴿: بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ. فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ؟» فَقَالُوا: يُلَقْحُونَهُ. يَجْعَلُونَ
الذِّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَلْقَحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿َ: «مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا» قَالَ:
فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ. فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ٌ بِذَلِكَ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ
فَلْيُصْنَعُوهُ. فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنْتُ ظَنَّا، فَلا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ. وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ
شَيْئًا، فَخُذُوا بِهِ. فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
٥٣٣٤ - ١٢٠ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍَ(١٤٠) قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﴿ِ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُون
النَّخْلَ. يَقُولُونَ: يُلَفِّحُونَ النَّخْلَ. فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُونٌ؟ قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ. قَالَ: «لَعَلَّكُمْ لَوْلَمْ
تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا» فَتَرَكُوهُ. فَنَفَضَتْ أَوْ فَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: إِنْمَا أَنَا بَشَرٌ.
إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِن دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ. وَإِذَا أَمَرَّتُكُمْ بِشَيْءٍ مِن رَأْيٍ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» قَالَ
عِكْرِمَةُ: أَوْ نَحْوَ هَذَا. قَالَ: الْمَعْقِرِيُّ: فَنَفَضَتْ. وَلَمْ يَشُكَّ.
٥٣٣٥ - لَّا عَنْ أَنَسِ عَ﴾(١٤١) أَنَّ النّبِيَّ ◌َ﴿ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقْحُونَ فَقَالَ: «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا
لَصَلُحَ» قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا. فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: «مَا لِنَخْلِكُمْ» قَالُوا: قُلْتَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ:
«أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».
المعنى العام
جاءت الرسالة المحمدية رسالة وسطاء تحرص على خيرى الدنيا والآخرة، بدرجة لا تطغى
إحداهما على الأخرى، جاءت تأخذ بالأسباب بالدرجة التى تعتمد فيها على القضاء والقدر ((أعقلها
(١٣٩) حَدَّثَّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَفِيُّ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ وَهَذَا حَدِيثُ فَيْبَةً قَالا حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِ سِمَاكٍ
عن مُوسَی بْنِ طَلْحَةً عَن أَبیهِ
(١٤٠) حَدَّثَنَا عَبْدَ اللّهِ بْنُ الرُّوَمِيِّ الْيَمَامِيُّ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبُرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا النَّصْرُ بْنُ
مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ حَدََّنَا أَبُو النِّجَاشِيِّ حَدَّقِّي رَافِعُ بْنُ خدِیجٍ
(١٤١) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَمِّرٌو النَّاقِدُ كِلِهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ قَالُّ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ
ابْنُ سَلَمَّةَ عَنِ هِشَامِ بْنَ عُرْوَةً عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ ثَابِتٍ عَن أَنَسٍَ
٢٢٩

وتوكل)» يستعد صلى الله عليه وسلم للَّهجرة، ويخفى أمرها، ويخرج بليل، ويختبئ فى الغار، فى الوقت
الذى يقول فيه ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما)».
لقد جاء الإسلام والناس على عنصر واحد، هو عنصر الأسباب المادية، والمتطرف إذا أريد له
الوسطية شد إلى الطرف الآخر، ليعود برغبة منه إلى الوسط، وهذا هو ما وقع فى قصتنا.
كان صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا وخمسين سنة، حوله جبال وصحراء، وهاجر إلى المدينة،
بلاد نخل وزروع، وبينما هو يمشى فى طرقاتها بين النخيل، ومعه بعض أصحابه، رأى رجالا تسلقوا
النخل، حتى وصلوا إلى سعفها، ورأى شيئا فى أيديهم، يتحركون به، ولم يتبين ماذا يعملون، فسأل
من معه: ماذا يصنع هؤلاء؟ قالوا: يلقحون النخل. لأن النخل فى موسم معين يخرج طلعا، قوالب
بداخلها فروع بيضاء على جانبيها بروز الثمر، ومليئة بما يشبه الدقيق، يخرج هذا فى النخل الذكر ولا
يثمر، ويخرج فى الأنثى وهو أصل التمر، لكن بشرط أن يوضع شيء من طلع الذكر فى طلع الأنثى،
فأراد صلى اللّه عليه وسلم أن يربطهم بالقضاء والقدر، فقال: لا أظن أن ذلك ينفعهم إلا بإرادة الله
وقدرته، وأظن أنهم لولم يفعلوا ذلك واعتمدوا على اللَّه وسألوه لصلح، وكان من الممكن أن تحمل
الريح طلع الذكر إلى الأنثى، وتقوم مقامهم، كما يحصل فى كثير من الفواكه، مصداقا لقوله تعالى
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] لكن اللَّه تعالى أراد أن يربط المسببات بالأسباب فى هذه
القصة، فلما سمعوا كلام الرسول :* ، ولم يلقحوا، خرج البلح شيصا، فلم رآه كذلك صلى الله عليه
وسلم قال لهم: ما لتمركم هذا العام خرج شيصا؟ قالوا: لأننا لم نلقحه، استجابة لقولك كذا وكذا،
قال: إنما قلت لكم ذلك من عند نفسى ظنا، ولست فى ذلك مبلغا عن اللَّه، فإذا أمرتكم بأمر مبلغا
فالتزموه، وإذا أمرتكم بأمر من نفسى فأنتم وشأنكم، فأنتم أعلم بأمور دنياكم، وما دام فى ذلك خير
لكم فافعلوه.
فعادوا إلى تلقيح نخلهم، وعادت المدينة خير بلد، وتمرها خير تمر.
المباحث العربية
( مررت مع رسول اللّه# بقوم على رءوس النخل) مقابلة الجمع بالجمع تقتضى
القسمة آحادا، أى على كل نخلة رجل، والمراد من رأس النخلة أعلاها.
( فقال: ما يصنع هؤلاء )؟ أى سأل طلحة ومن معه عما يفعلون؟ وقد رآهم لا يقطعون سعفا
كما يعهد، وكان ذلك أول قدومه المدينة، التى هى ذات نخل، ولم تكن مكة ذات نخل، ففى الرواية
الثانية ((قدم نبى الله﴿ المدينة، وهم يأبرون النخل)» فسر ذلك بقوله ((يقولون: يلقحون النخل))
وليس المراد أنه رأى ذلك فى طريق قدومه، بل المراد أنه رأى ذلك فى أوائل وصوله، حين خرج إلى
المزارع، و((يأبرون)» بسكون الهمزة، وكسر الباء وضمها، يقال: أبريأبر، ويأبر، كبذر يبذر ويبذر، ويقال:
أبر بتشديد الباء يؤبر تأبيرا، والمراد به التلقيح، ومعناه إدخال شيء من طلع الذكر، فرع أو دقيق، فى
طلع الأنثى، فتعلق الأنثى، ويصلح ثمرها، بإذن الله تعالى، ((فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر فى
الأنثى، فيلقح)».
٢٣٠

(فقال: ما أظن يغنى ذلك شيئا ) أى ما أظن أن ذلك العمل يغنى عن قدر اللَّه شيئا إذا
أراد عدم صلاحه ((لولم تفعلوا)) التأبير وأراد اللَّه صلاحه ((لصلح)) ولعله أراد صلى الله عليه وسلم أن
يوجههم إلى الاعتماد على الله بدلا من الاعتماد الكلى على الأسباب.
(فأخبروا بذلك ) أى أخبر الذين على رءوس النخل بما قاله صلى الله عليه وسلم،
وكانوا مسلمين.
( فتركوه ) أى تركوا التأبير، اعتماداً على إشارته صلى الله عليه وسلم.
(فأخبر رسول اللّه #) معطوف على محذوف، أبرزته الرواية الثانية والثالثة، والأصل:
((فتركوه، فنفضت - أو فنقصت - فذكروا ذلك له)) ((فنفضت)) بالفاء والضاد، أى أسقطت النخل
ثمرها، ويقال لذلك المتساقط: النفض، بفتح النون والفاء، بمعنى المنفوض، كالخبط، بمعنى
المخبوط، وأنفض القوم فنى زادهم، وأما ((نقصت)) بالقاف والصاد فمعناه نقص صلاحها وهو المعبر
عنه فى الرواية الثالثة بقوله ((فخرج شيصا، فمربهم، فقال ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا))
والشيص بكسر الشين هو البسر الردىء، الذى إذا يبس صار حشفا.
( فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذونى
بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن اللّه شيئا، فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله عز وجل )
فى الرواية الثانية ((قال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم، فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من
رأيى، فإنما أنا بشر)) وفى الرواية الثالثة ((قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم)).
قال النووى: قال العلماء: قوله ((من رأيى)) أى فى أمر الدنيا ومعايشها، لا على التشريع، فأما ما
قاله باجتهاده صلى الله عليه وسلم، ورآه شرعا، يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل
من النوع المذكور قبله، قال: مع أن لفظة ((الرأى)) إنما أتى بها عكرمة على المعنى، لقوله فى آخر
الحديث: قال عكرمة أو نحو هذا، فلم يخبر بلفظ النبى 8 محققا، قال العلماء: ولم يكن هذا القول
خبرًا، وإنما كان ظنا، كما بينه فى هذه الروايات، قالوا: ورأيه صلى الله عليه وسلم فى أمور المعايش،
وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص فى ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها. اهـ
فقه الحديث
هذا الحديث يتعلق به كل من يحاول التحلل من كثير من أحكام الشرع، مما يتعلق بالحياة،
والمعاملات ويتمسك بقوله صلى الله عليه وسلم ((أنتم أعلم بشئون دنياكم)) فبعضهم يدخل تحته كل
ما يتعلق بالأكل والشرب والنوم واللبس والجلوس والمشى، وغير ذلك من الأمور الخاصة بالحاجة
والطبيعة البشرية.
فالشيخ شلتوت يقول: ما ورد عن النبى ®، ودون فى كتب الحديث من أقواله وأفعاله وتقريراته
على أقسام: أحدها ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب والنوم والمشى والتزاور
والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية، والشفاعة والمساومة فى البيع والشراء.
٢٣١

ثانيها: ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذى ورد فى شئون الزراعة
والطب وطول اللباس وقصره.
ثالثها: ما سبيله التدبير الإنسانى، أخذا من الظروف الخاصة، كتوزيع الجيش على المواقع
الحربية، والكمون والفر، وما إلى ذلك مما يعتمد على وحى الظروف الخاصة.
وكل ما نقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعا، يتعلق به طلب الفعل والترك، وإنما هو من
الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول فيها تشريعا، ولا مصدر تشريع(١).
والتحقيق أنه من الخطأ أن نطلق هذا الإطلاق، فكل من هذه الأمور منها الواجب شرعا، ومنها
المحرم شرعا، ومنها المكروه والمندوب والمباح.
والدكتور عبد المنعم النمر يدخل مع ذلك كل المعاملات، على أنها تدخل تحت قوله ((أنتم أعلم
بشئون دنياكم)) ويؤكد أن الرسول 8* لم يصدر عنه ذلك بوحى، ولم يكن فى ذلك محروسا بوحى
مباشر أو وحى سكوتى أو إقرارى (٢).
وقد رددت عليهما فى بحثين منشورين: بعنوان السنة والتشريع، والسنة كلها تشريع.
والذى يعنينا فى هذا المقام: الحديث، تحليله، وفهمه الفهم الصحيح.
فمن غير المعقول فهمه على إطلاقه، بمعنى أنتم معشر مؤبرى النخل أعلم من محمد 83 بشئون
دنياكم كلها، فالإسلام نصف تشريعاته للدنيا، ونصفه للدين، بل المصالح الدنيوية هى من الدين،
ومرتبطة بالدين، يثاب عليها، كما يثاب على الصلاة، فالرجل الذى سقى الكلب، والرجل الذى أنظر
معسرًا، والرجل الذى أزال غصن شوك، غفرلهم، والمرأة التى حبست قطة دخلت النار.
والرجل يزرع زرعا أو يغرسا غرسا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة له بكل ذلك صدقة، والرجل
. يأتى شهوته حلاله، له أجر، والبائع الغاش، والمشترى الغاش، والحاكم الغاش، كل هؤلاء عليهم وزر،
ومحمد أعلم بالصالح فيها، عن غيره من البشر، فلا بد من تقييد ((أمور دنياكم)) ببعض أمور
دنياكم، وهذا البعض هو ما وقعت القصة فيه ((تلقيح النخل)) وكأنه قال: أنتم أعلم بكيفية وفائدة
تلقيح النخل منى، وهذه حقيقة لا تضر بالرسالة، ومع أن العلماء يقولون: إن واقعة العين كهذه
الواقعة، يقتصر الحكم عليها، ولا ينقل إلى غيرها، أولا يكون حجة لغيرها، مع هذا لونقلناها نقلناها
إلى ما يشبهها، من الأعمال التى تكتسب عن طريق العلم والتدريب والممارسة والتجارب والخبرة،
كالزراعة والنجارة والحدادة والغزل والنسيج والحياكة، والصناعات الأخرى. فهذه ليست من مهمة
الرسالة، وليس من مهمة الرسول #، ولا من مؤهلاته أن يكون ماهراً فيها، ولا خبيرا بدقائقها.
فإذا تكلم مع الخبراء فيها فكلامه مبنى على الظن الذى قد يخطئ، كأى إنسان غير متخصص،
وحديث تأبير النخل من هذا القبيل، ومحاولة تطبيقه - حتى على جميع شئون الزراعة - خطأ، فقد
(١) الإسلام عقيدة وشريعة ص ٥٠٨ وما بعدها، للشيخ شلتوت. نشر مكتبة وهبة بالقاهرة ١٩٨٥.
(٢) السنة والتشريع للدكتور عبد المنعم النمر - دار الكتاب المصرى بالقاهرة.
٢٣٢

تدخل صلى اللّه عليه وسلم فى كيفية سقى الأشجار، وتقديم الأعلى فالأعلى، فى قصة الزبير
والأنصارى، التى شرحناها فى الباب السابق، بل بمناسبتها نزل قوله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقد يتساءل المرء: هل من حكمة نلتمسها من الإشارة بغير الصواب، ويقبولها وتنفيذها من
الصحابة دون مناقشة مع أنهم ناقشوا فى كثير غيرها، كالإذخر، وشهود الزنا، والسلم، وغير ذلك كثير،
وما الحكمة فى عدم تعديل هذه المشورة من قبل الوحى، وتدارك الثمرة حتى لا تصير شيصا، وقد
تلمسنا لذلك حكما وضحناها فى بحثنا، نذكر منها:
أولاً: هناك من الأمور ما نحسبه شراً لنا، وهو فى الحقيقة خير لنا، كحديث الإفك الذى استمر
أياما وأياما دون حسم، وقال اللَّه فيه ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌلَكُمْ﴾ [النور: ١١] وكخرق
السفينة، يحسب لأول وهلة أنه شر لأصحابها، فلما اتضحت الحقيقة إذا هو خير لهم، وبالقياس على
هذا، فإن المشورة وقعت فى أوائل الهجرة، وكان من الجائز جدا أن يطمع الكافرون فى تمر المدينة،
فيهاجموها حربا لمحمد وطمعا فى تمرها، فخروج التمر شيصا يجعلهم لا يطمعون فى غير مطمع،
وكأن اللَّه يصرف بذلك هجوم الكافرين، حتى يستعد المؤمنون للدفاع.
ثانيا: من المعروف أن الدرس العملى أشد أثراً من الوعظ النظرى، ولا شك أن هذا الدرس كان
قاسيا عليهم، ومنه حرصوا وتنافسوا بعده فى الرقى بأسباب الحياة.
ثالثاً: إن الابتلاء بمثل هذا امتحان واختبار ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [ الأنبياء: ٣٥].
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالَأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ﴾
[البقرة: ١٥٥] فقوى الإيمان يظل متمسكا بالإيَّمان مهما أصابه، وضعيف الإيمان يظهر ضعفَهُ، فلا
ينخدع به غيره ﴿ وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌاطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ
انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَاَ وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: ١١] فَكانَت هذه الحادثة
ابتلاء واختبارا لَهم، وهى حتى اليوم فى هذا الشرح ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة رضوان اللَّه
عليهم فى هذا الاختبار القاسى - وهم فى أول الإيمان - نجاحا باهرا، فقد استمروا على طاعة أوامره
والبعد عن كل ما نهى عنه، بالدرجة نفسها، التى كانت قبل مشورته، ولم يصل إلينا أن أحدا ارتد
بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول اللّه وَ ج عليها، على الرغم من خسارتها الكبرى، رضى الله
عنهم أجمعين.
والله أعلم
٢٣٣

(٦٢٨) باب فضل النظر إليه صلى الله عليه وسلم
٥٣٣٦ - ١٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾ (١٤٢) عَنِ رَسُولِ اللَّهِمَ﴿ِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيَدِهِ! لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلا يَرَانِي. ثُمَّ لأَنْ يَرَانِي
أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ». قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي، لأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبُّ
إِلَيْهِ مِن أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّمٌ وَمُؤَخِّرٌ.
المعنى العام
للإنسان حواسه الخمسة، وله شعوره ووجدانه، وعن طريق الحواس الظاهرة والباطنة يتمتع
الإنسان بالنعيم، ويشقى بالآلام والكروب، وحب الإنسان لشيء لا يكون لذاته، بل لصفة فيه، ولا شك
أن العقل والوجدان والروح والشعور الداخلى للمؤمن الحق سعيد بالإسلام وبرسول الإسلام صلى اللّه
عليه وسلم، أما الحواس الظاهرة فهى طريق أيضا لسعادة المؤمن، وقد مربنا من صفات خلقته صلى
الله عليه وسلم طيب ريحه، وجوامع كلمه، والتبرك بفضلات طعامه وشرابه، ولين ملمسه، وهذا
الحديث فى متعه النظر إليه صلى الله عليه وسلم، فرؤيته صلى الله عليه وسلم خير من الأهل والمال
والولد، لأنه أساس فى إثبات الصحبة، والصحبة من أفضل خصال الإسلام، وخير القرون قرنه صلى
اللَّه عليه وسلم، ولقد أتى زماننا متأخراً، فلم يكتب لنا أن نسعد برؤيته، فهل شوقنا لرؤيته، وحنيننا
إلى رؤيته صلى الله عليه وسلم يقوم مقام رؤيته؟ أو يسد - ولو جزئيا - مسد رؤيته؟ نسأل اللّه تعالى
أن يمنحنا وصال الروح، حيث حرمنا وصال الأجساد، وأن يجمعنا به صلى الله عليه وسلم فى الآخرة
وأن يجعلنا من أهل شفاعته.
المباحث العربية
( ليأتين على أحدكم يوم ولا يرانى ) الخطاب للصحابة السامعين له، أى ستشغلكم الدنيا
وأمور الحياة عن ملازمتى فى مسجدى وفى حلى وترحالى، وسيأتى على بعضكم يوم، بل أيام لا يرانى
فيها، وقد وقع ذلك من أقرب الناس إليه، عمر بن الخطاب، فقد كان يزرع فى أرض الأنصار فى
أطراف المدينة، وينزل يوماً لرسول اللّه﴿، وينزل جاره يوما، بل كانت التجارة والأسواق تشغله
أياما عن النزول أحيانا، حتى قال: ألهانى عنه الصفق بالأسواق.
( ثم لأن يرانى أحب إليه من أهله وماله معهم ) يقول أبو إسحاق الراوى: هو عندى،
مقدم ومؤخر، مراده أن كلمة ((ثم)) أخرت، وأصلها مقدم على ((لا يرانى)) و((ثم لا يرانى)) مقدم من
(١٤٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُبَّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ
٢٣٤

تأخير، وأصل الجملة ليأتين على أحدكم يوم، لأن يرانى فيه أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله
(ثم لا يرانى) أى رؤيته إياى أفضل عنده، وأحظى من أهله وماله، ولفظة ((معهم)) فى موضعها. أى
يأتى على أحدكم يوم، لأن يرانى فيه لحظة، ثم لا يرانى بعدها، أحب إليه من أهله وماله جميعا.
فقه الحديث
مقصود الحديث الحث على ملازمة الصحابة مجلس الرسول*، حضراً وسفراً، ففى ذلك
مشاهدة آداب الشرع فى حركاته وسكناته، وتعلم الشرائع وحفظها عنه مباشرة دون وساطة، والتبرك
بمجلسه، والانتفاع بالرحمة التى تغمر هذا المشهد العظيم.
واللَّه أعلم
٢٣٥

(٦٢٩) باب فضائل عيسى عليه السلام
٥٣٣٧- ١٩٣ عن أبي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٤٣) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ
بِابْنِ مَرْيَمَ. الأَنْبِيَاءُ أَوْلادُ عَلاَتٍ. وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ».
٥٣٣٨- ١٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٤٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى.
الأَنْيَاءُ أَبْنَاءُ عَلاَّتٍ. وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى نَبِيٌّ)».
٥٣٣٩- ١٤٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ(١٤٥)، عَن رَسُولِ اللَّهِ،﴿. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ» قَالُوا: كَيْفَ؟ يَا
رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِن عَلَّتٍ. وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى. وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ. فَلَيْسَ بَيْنَا نَبِيِّ».
٥٣٤٠- ١١٢٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِّ(١٤٩)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَ﴿ قَالَ: «مَا مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا
نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ. فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِن تَخْسَةِ الشَّيْطَانِ. إِلَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ» ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً:
اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾.
٥٣٤١ - - وفي رواية عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالا: «يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ
صَارِحًا مِن مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ» وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ «مِن مَسِّ الشَّيْطَانِ».
٥٣٤٢- ١٤٧ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ضِ﴾(١٤٧)، عَن رَسُولِ اللَّهِع ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّبَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ
الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، إِلا مَرْيَمَ وَابْنَهَا».
٥٣٤٣- ١٤٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٤٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «صِيَاحُ الْمَؤُلُودِ حِينَ
يَقَعُ، نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ».
(١٤٣) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَخْتَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عن أَبًا
هُرَيْرَةَ قَالَ
(١٤٤) وحَّدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَن سُفْيَانَ عَن أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَن أَبِي
سَلّمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَّةً
(١٤٥) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ
(١٤٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي ◌ُشَيْيَةً حَدْقَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَن مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن سَعِيدٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدٌ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرَّحْ وَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ جَمِيعًا عَنِ الْزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(١٤٧) حَدَِّي أَبُو الطّاهِرِ أَخْبِرَنَا اِبَّنُ وَّهْبٍ خَّدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُسَ سُلَيْمًا مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةً حَدَّثَهُ.
(١٤٨) حَدَثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوعٌ أَخْيَرَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ سُهَيْلٍ عَن أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٢٣٦

٥٣٤٤- ١٤٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(١٤٩)، عَن رَسُولِ اللَّهِ:﴿ِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ مَ: «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلا يَسْرِقُ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلا.
وَالَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَا فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللّهِ. وَكَذِّبْتُ نَفْسِي».
المعنى العام
تحكى سورة مريم قصة حمل مريم لعيسى من غير أب، وتعجبها من هذا الحمل وهى
غير بغى، وانتباذها بحملها مكانا قصيا، وكيف رزقها اللّه بطعامها وشرابها مدة حملها،
وكيف جاءها المخاض إلى جذع النخلة، وقولها: يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا،
وكيف بشرها ربها بغلام ذكى، يكون آية للناس ورحمة من اللّه، وكيف أمرت أن تقابل
قومها ولا تتكلم معهم، وأن تطلب من طفلها أن يرد عليهم ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ
مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيَّارِ﴾ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَّبِيَّاهُ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا
أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاَنِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩-٣١] كان عيسى عليه
السلام معجزة فى ميلاده، معجزة فى كلامه فى المهد، على يديه فى حياته ظهرت
معجزات إحياء الموتى بإذن اللَّه، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن اللَّه، فى رسالته اختلف
الأحزاب فيما بينهم - كما هو الشأن مع الأنبياء، طلب حواريوه مائدة من السماء، فدعا بها
عيسى فنزلت، وعاداه آخرون، واتهموه بأنه ابن زنا. نعم كانت حياته معجزة، مغالاة
وتطرف فى الحب والتقديس، ومغالاة وتطرف فى البغضاء والشحناء، عبده بعضهم وقالوا:
إنه ابن اللَّه، ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [ التوبة: ٣٠] وحاربه آخرون، حتى وضعوا
ونصبوا له الصليب ليقتلوه، وكان موته معجزة ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ
الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكِّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِن عِلْمٍ إِلاَ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَّا* بَلْ رَفَعَهُ
اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧-١٥٨] وما بعد موته معجزة، ينزل حاكما
عادلاً فى آخر الزمانَ، كمسلم من أمة محمد®، يقيم العدل، ويحارب الشرك والظلم،
ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، فأى علاقة هذه بينه وبين أخيه محمد بن عبد الله عليهما
الصلاة والسلام، ومن أولى به من رسول اللَّه رسول الإسلام؟
لقد عاش مثالا للزهد والإعراض عن الدنيا، مثالا للرحمة والتسامح والتواضع، مثالا للعفو والرفق،
رأى سارقا يسرق مال غيره، رآه بعيني رأسه، طلبه فجاء، قال له: أنت سرقت ساعة كذا من مكان
كذا. قال الرجل: لا. لم أسرق. والذى لا إله إلا هو.
فغلب التسامح العقوبة، وارتفع حسن الظن على السوء، وعلا الرفق والإحسان على
المحاسبة والانتقام، فقال للرجل: آمنت بالله، وعظمته وقدسته، واستسلمت لحلفك به،
(١٤٩) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمُرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنٍ مُنَّهِ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَا أَبُو هُرَيْرَةَ
٢٣٧

وكذبت نفسى وبصرى وعينى، وكانت دعوته دائما ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ ﴾ إِنَّاللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥٠-٥١].
المباحث العربية
( أنا أولى الناس بابن مريم ) فى الرواية الثانية ((أنا أولى الناس بعيسى)) وفى الرواية
الثالثة ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الأولى والآخرة)» أى أخص الناس به، وأقربهم إليه، لأنه
بشر عليه السلام برسول يأتى من بعده اسمه أحمد، فالاختصاص على هذا سببه معرفة الفضل لأهل
الفضل، لكن الرواية الثالثة جعلت سبب هذا الاختصاص قرب العهد مع جامع الرسالة، فلفظها ((أنا
أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الأولى والأخرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: الأنبياء إخوة من
علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبى)) ولا مانع من تعدد أسباب الاختصاص.
وقد استشكل على هذه الولاية بما جاء فى القرآن الكريم، من قوله تعالى ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاس بإِبْرَاهِيمَ
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] قال الكرمانى: التوفيق أن الحديث وارد فى كونه صلى
الله عليه وسلم متبوعا، والآية واردة فى كونه تابعا. اهـ
ولم يرتض الحافظ ابن حجر هذا التوفيق، فقال: إن مساق الحديث كمساق الآية، فلا دليل على
هذه التفرقة، والحق أنه لا منافاة، ليحتاج إلى الجمع، فكما أنه أولى الناس بإبراهيم، كذلك هو أولى
الناس بعيسى، ذاك من جهة قوة الاقتداء به، وهذا من جهة قوة قرب العهد به.
( الأنبياء أولاد علات ) قال العلماء: أولاد العلات، بفتح العين وتشديد اللام هم الإخوة لأب
من أمهات شتى، أما الإخوة من الأبوين فيقال لهم: أولاد الأعيان، فالعلات الضرائر، وأصله أن من
تزوج امرأة، ثم تزوج أخرى، كأنه عل منها، والعلل الشرب بعد الشرب، وفى الرواية الثالثة ((الأنبياء
إخوة من علات، أى إخوة من أب، أى إخوة من ضرائر، وقد فسرته الرواية بقولها ((وأمهاتهم شتى،
ودينهم واحد)) فهو من باب التفسير، كقوله تعالى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعَا﴾
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩-٢١] ومعنى الحديث: إن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن
اختلفت الفروع، وقيل المراد أزمنتهم مختلفة، فالمراد من وحدة الدين وحدة أصول التوحيد، وأصل
طاعة اللّه تعالى.
( وليس بينى وبينه نبى ) هذا ما أورده كالشاهد لقوله: إنه أقرب الناس إليه.
( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان ) وفى
ملحق الرواية الرابعة ((ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسة
الشيطان إياه)) وفى الرواية الخامسة ((كل بنى آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه)) وفى الرواية
السادسة ((صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان)) والنخس والنزغ الطعن، ومعنى حين يقع ((أى
حين يسقط من بطن أمه، والاستهلال الصياح، أى يصيح صارخا من الألم الناتج من مسة الشيطان،
٢٣٨

وقد فسرت رواية البخارى هذا المس، ولفظها ((كل بنى آدم يطعن الشيطان فى جنبيه بإصبعه، حين
يولد)» قال القرطبى: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط.
(إلا ابن مريم وأمه) وفى الرواية الخامسة ((إلا مريم وابنها)) وفى رواية للبخارى ((غير عيسى
ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن فى الحجاب)» والمراد من الحجاب الجلدة التى فيها الجنين أى
المشيمة، أو الثوب الملفوف على الطفل، والاقتصار على عيسى فى هذه الرواية دفع بعضهم أن يقول
عن روايات مريم وابنها: إنه من عطف التفسير، والمقصود الابن، كقولك: أعجبنى زيد وكرمه، وحمل
الحافظ ابن حجر على هذا القول: وقال: إنه تعسف شديد، وقال: يحتمل أن يكون هذا بالنسبة إلى
المس، وذلك بالنسبة إلى الطعن فى الجنب. اهـ وهذا الاحتمال مستبعد، لأن الرواية التى اقتصرت
على عيسى نفت الطعن، والتى ذكرتهما نفت المس عنهما، ونفى المس نفى للطعن، وكون مريم
طعنت ولم تمس مستبعد.
قال: ويحتمل أن يكون ذاك قبل الإعلام بما زاد - يعنى أعلم أولا بنفى الطعن والمس لعيسى، ثم
أعلم آخرًا بنفيهما عنه وعن أمه - قال: وفيه بعد، لأنه حديث واحد، وقد روى بلفظ ((كل بنى آدم قد
طعن الشيطان فيه حين ولد، غير عيسى وأمه، جعل الله دون الطعنة حجابا، فأصاب الحجاب، ولم
يصبهما)» قال: والذى يظهر أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، والزيادة من الحافظ مقبولة.
(اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦])
هذه الجملة موقوفة على أبى هريرة، يستدلَ بها على حفظ اللَّه مريم وابنَها منَ الشيطان، ببركة دعوة
أمها، ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى.
( فقال له: سرقت)؟ بحذف همزة الاستفهام، ليقر فيحاسبه، وقيل: خبر وإثبات.
( قال: كلا. والذى لا إله إلا هو) وفى رواية للبخارى ((قال: كلا، والذى لا إله إلا اللَّه)) وفى
رواية ((قال: لا. والذى لا إله إلا هو)).
( فقال عيسى: آمنت بالله، وكذبت نفسى) وفى رواية للبخارى ((وكذبت عينى)) بالتثنية،
وبالإفراد، وفى رواية ((وكذبت بصرى))، و((كذبت)) بتشديد الذال و((نفسى)) و((عينى)) مفعول، وفى
رواية بتخفيف الذال وفتح الباء، و ((نفسى)) فاعل.
قال ابن التين: قال عيسى ذلك على المبالغة فى تصديق الحالف، ولم يرد حقيقة تكذيب النفس
أو العين فى هذا، أى والعين قد تكذب.
وقيل: إنه أراد بالتصديق والتكذيب ظاهر الحكم، لا باطن الأمر، وإلا فالمشاهدة أعلى اليقين،
فكيف يكذب عينه؟ ويصدق قول المدعى؟ أى وإن كنت موقنا باطنا بأنك سرقت، لكنى أصدقك
ظاهرا من أجل يمينك.
ويحتمل أنه رآه مد يده إلى الشيء، ولم يسرقه، فظن عيسى أنه سرقه، فلما حلف له أنه ما سرقه
رجع عن ظنه، وصدقه.
٢٣٩

وقال القرطبى: ظاهر قول عيسى للرجل: ((سرقت)) أنه خبر جازم عما فعل الرجل من السرقة،
لكونه رآه أخذ مالا من حرز فى خفية، وقول الرجل: كلا. نفى لذلك، وأكده باليمين، وقول عيسى:
آمنت بالله، وكذبت عينى. أى صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لى من كون الأخذ المذكور
سرقة ،فإنه يحتمل أن يكون الرجل قد أخذ شيئا له فيه حق، أو شيئا أذن له صاحبه فى أخذه، أو
أخذه ليقلبه، وينظر فيه، ولم يقصد الغصب والاستيلاء، قال: ويحتمل أن يكون عيسى كان غير جازم
بذلك، وإنما أراد استفهامه، بقوله: سرقت؟ وتكون أداة الاستفهامٍ محذوفة، وهو سائغ كثيراً. اهـ قال
الحافظ ابن حجر: واحتمال الاستفهام بعيد، مع جزمه صلى الله عليه وسلم بأن عيسى رأى رجلا
يسرق، قال: واحتمال كونه يحل له الأخذ بعيد أيضا، بهذا الجزم بعينه.
قال ابن القيم: والحق أن اللَّه كان فى قلب عيسى أجل من أن يحلف أحد كاذبا، فدار الأمر بين
تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم صدق إبليس لما حلف له أنه له
ناصح. قال الحافظ ابن حجر: وهذا متكلف أيضا. اهـ
واستبعاد الحافظ ابن حجر للاستفهام مستبعد، لأن الاستفهام المجازى فى استعمال العربية
أكثر من الحقيقى، فقد يكون للتقرير، وقد يكون للتعجب، ولا يتعارض ذلك مع جزمه صلى اللّه عليه
وسلم بأنه سرق، ولا مع إنكار الرجل، فكثيرا ما ينكر المتهم الواقع ويحلف، ولا مع تصديق عيسى له
ظاهرا، وتسليمه له، فالقاضى لا يحكم بعلمه، ولم يظهرلى ما رجح عند الحافظ ابن حجر من
الاحتمالات، وقد ردها جميعا، وعندى أن ما قاله ابن التين، وما قاله القرطبى محتمل، والله أعلم.
فقه الحديث
يؤخذ من أحاديث الباب
١- تواضع الرسول و﴿، وإعلان ارتباطه بإخوانه عليهم السلام.
٢- فضيلة عيسى ابن مريم وأمه، وظاهر الأحاديث اختصاص هذه الميزة بهما، واختار القاضى عياض
أن جميع الأنبياء يتشاركون فيها.
٣- تسليط اللّه تعالى إبليس على ابن آدم من اللحظة الأولى فى حياته.
٤- أن صراخ الطفل عند ولادته من نخسة الشيطان.
٥- أن السرقة محرمة فى الديانات الأخرى.
٦- أن بعض النصارى كانوا موحدين، لا يقولون بالتثليث.
٧- استدل بموقف عيسى من السارق على درء الحدود بالشبهات.
٨- واستدل به على منع القضاء بالعلم، قال الحافظ ابن حجر: والراجح عند المالكية والحنابلة منعه
مطلقا، وعند الشافعية جوازه إلا فى الحدود، وهذه الصورة من ذلك.
٢٤٠