النص المفهرس
صفحات 161-180
(٦١٥) باب حيائه صلى الله عليه وسلم
٥٢٥٥- ٦٧ّ عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(٦٧) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ
الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَكَانَ إِذَا كَرِةٍ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ.
٥٢٥٦- ٨ٍ عَن مَسْرُوقِ(٦٨) قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مُعَاوِيَةُ إِلَى
الْكُوْفَةِ فَذَكَّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا وَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَتْ إِنَّ
مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا قَالَ عُثْمَاهُ حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَّةً إِلَى الْكُوفَةٍ.
المعنى العام
يراجع المعنى العام لأبواب الحياء فى كتاب الإيمان.
المباحث العربية
(كان رسول اللَّه أشد حياء من العذراء فى خدرها) العذراء البكر، وجمعه عذارى
بفتح الراء، وعذار، ويقال: درة عذراء، أى لم تثقب، ورملة عذراء، أى لم توطأ، والعذرة بضم العين
وسكون الذال البكارة، وعذر الطبيب الغلام والجارية عذرا بفتح العين وسكون الذال ختنها، والخدر
بكسر الخاء، وسكون الدال الستر يجعل للبكر جنب البيت، وقوله ((فى خدرها)) من باب التتميم لما
قبلها، لأن العذراء فى الخلوة يشتد حياؤها، أكثر مما تكون خارجة عنه، لكون الخلوة مظنة وقوع
الفعل بها، فالظاهر أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها فى خدرها، لاحيث تكون منفردة فيه،
( وكان إذا كره شيئا عرفناه فى وجهه ) أى لا يتكلم به لحيائه، بل يتغير وجهه، فنفهم
نحن كراهيته.
وقد ساق البخارى هذه الجملة كحديث مستقل، وهى إشارة إلى تصحيح أنه لم يكن يواجه أحداً
بما يكرهه، بل يتغير وجهه، وعند أبى داود ((كان رسول الله ﴿ إذا بلغه عن الرجل الشيء، لم يقل: ما
بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولونه؟ »
(٦٧) حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ قَتَادَةَ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةً يُحَدِّثُ عَنٍ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ح
وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ عَنْ شُعْبَةً عَنْ قَتَادَةً قَالَ
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ عنِ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولا
(٦٨) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَن شَقِيقٍ عَنِ مَسْرُوقٍ
- وحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوِّكِيعٌ حٍ وخَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي ح وَ حَدَّثَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشْجُّ حَدًَّا
أَبُو خَالِدٍ يَعْنِي الأَخَمَرَ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَاَ الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
١٦١
هذا وللحياء باب، بل أبواب مضت فى كتاب الإيمان.
( لم يكن رسول اللَّه فاحشا، ولا متفحشا) أى ناطقا بالفحش، وهو الزيادة على الحد
فى الكلام السيئ، والمتفحش المتكلف لذلك، أى لم يكن الفحش له خلقا، ولا مكتسبا، وعند الترمذى
((سئلت عائشة عن خلق النبى 88.؟ فقالت: لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا سخابا فى الأسواق، ولا
يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح)) والبخارى فى الأدب المفرد ((لم يكن رسول الله ﴾
سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا)».
(إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا) فى رواية البخارى ((أحسنكم أخلاقا)) وحسن الخلق
اختيار الفضائل، وترك الرذائل، وقد سبق قبل ثلاثة أبواب باب حسن خلقه صلى الله عليه وسلم.
فقه الحديث
سبق فى كتاب الإيمان شرح الحياء اللغوى والشرعى والممدوح منه والمذموم بما يغنى
عن الشرح والإعادة.
والله أعلم
١٦٢
(٦١٦) باب تبسمه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته
٥٢٥٧ - ٦١٩ْ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ(٢٩) قَالَ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمْرَةَ أَكُنْتَ تُجَالِسُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ نَعَمْ كَثِيرًا كَانٌ لا يَقُومُ مِن مُصَلاهُ الْذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى
تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ وَكَانُوا يَتْحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ
فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] أى خلق فى الإنسان الضحك والبكاء،
فالضحك خاصة من خواص الإنسان، قد يشاركه فيه بقدر ضعيف بعض الحيوانات، وهو تعبير عن
وجدان داخلى بالسرور أو الإعجاب أو الدهشة أو الرضا.
وكلما كان تعبيراً دقيقا عن درجة هذا الوجدان، وكلما كان صادقا مطابقا لهذا الشعور الداخلى
كان مقبولا شرعا وعرفا فإن زاد، أو انحرف، بأن تكرر من غير سبب، كان علامة على قلة الأدب، وإن
كثر وزاد - ولو بسبب - أمات القلب، وصار عادة تغلب صاحبها عند عدم السبب.
وللضحك والابتسامة آداب وحدود، يحكم بها العرف والشرع، فالضحك استهزاء وسخرية ذميم،
وضحك المرأة وابتسامتها للأجنبى مطمح فيها، والضحك فى وقت الجد وأمام الكبراء غير حميد،
والضحك فى مواقف الحزن كريه ومعيب وزيادة الضحك عن حدودها، برفع الصوت واستمرار
القهقهة كما يفعل الحشاشون والسكارى أمر مشين.
وما أحسن ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، إذ كان يضحك فى المناسبة وبقدر الحاجة، ولا
يزيد على التبسم.
المباحث العربية
( قال: نعم. كثيرا ) صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير: كنت أجالسه جلوسا كثيرا.
( وكانوا يتحدثون، فيأخذون فى أمر الجاهلية ) الضمير للصحابة الجالسين معه بعد
الصلاة، والمراد بأمر الجاهلية أخبارها وأحوالها التى يمجها العقل، كمن صنع إلهاً له من عجوة، فلما
جاع أكله.
(٦٩) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَن سِمَّاكِ بْنِ حَرْبٍ
١٦٣
(فيضحكون، ويبتسم صلى الله عليه وسلم ) قال أهل اللغة: التبسم مبادئ الضحك،
والضحك انبساط الوجه، وانفراج الفم حتى تظهر الأسنان، فإن كان بصوت بحيث يسمع من بعد
فهو القهقهة، وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، وتسمى الأسنان فى مقدم الفم
الضواحك، وهى الثنايا والأنياب وما يليها، وتسمى النواجذ جمع ناجذة، وهى الأضراس.
فالضحك يطلق على مراحل إظهار السرور فى الوجه، وتبدأ بانبساط الأسارير، وانبساط الشفتين
دون فتحهما، وبدون صوت يسمعه من بجوارك، المرحلة الثانية تزيد على الأولى انفتاح الشفتين دون
ظهور الأسنان، المرحلة الثالثة كالثانية مع ظهور الرباعيات، أى الأسنان الأربع الأمامية علويا
وسفليا، المرحلة الرابعة ظهور الأنياب، المرحلة الخامسة ظهور الأضراس، المرحلة السادسة ظهور
اللَّهوات، جمع لهاة، وهى اللحمة المشرفة على الحلق، وتطلق على الجزء الأخير من سقف الحلق،
المطبق على الفك الأسفل، وكل هذه المراحل الست تدخل فى التبسم، ما دامت بلا صوت يسمع، فإن
صاحبها صوت ضحك فهى القهقهة، ولو كانت بدون فتح الشفتين، فكل ابتسامة ضحك، وليس كل
ضحك ابتساما.
وكل ما حصل منه صلى الله عليه وسلم ابتسام بمراحله الست، كما سنوضح ذلك فى فقه
الحديث، ولم يحصل منه قهقهة أصلا، ففى البخارى ((وما يزيد رسول اللَّه:﴿ على التبسم)).
فقه الحديث
كان الأغلب فى أحواله صلى الله عليه وسلم التبسم بالمراحل الثلاث الأوليات، وقلما استعمل
المرحلة الرابعة والخامسة وندر استعماله للمرحلة السادسة، ويحمل وصفه صلى الله عليه وسلم
بالضحك أو التبسم على المرحلة الأولى والثانية والثالثة، كل حسب المقام، كما فى حديث الأعرابى
الذى جذبه من ثوبه، حتى أثر الجذب فى صفحة عنقه صلى الله عليه وسلم، وقال له: أعطنى من مال
الله الذى عندك، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم، فضحك، ثم أمر له بعطاء)) وكما فى حديثنا، وحين
المبالغة فى التبسم تذكر المرحلة، وينص عليها غالبا، ففى حديث الرجل الذى جامع فى رمضان،
حين قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، ((ضحك النبى# حتى بدت نواجذه)) وفى رواية
((حتى بدت أنيابه)) نعم فى حديث لعائشة رضى الله عنها قالت: ما رأيه صلى اللّه عليه وسلم
مستجمعا قط ضاحكا، حتى أرى منه لهواته)) فنفت عنه المرحلة السادسة، لكن قال ابن بطال:
المثبت مقدم على النافى.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر من مجموع الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان فى معظم
أحواله لا يزيد على التبسم - أى فى مراحله الثلاث الأخيرة - قال: والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار
منه، أو الإفراط فيه، لأنه يذهب الوقار، قال ابن بطال: والذى ينبغى أن يقتدى به من فعله، ما واظب
عليه من ذلك، فقد روى البخارى فى الأدب المفرد وابن ماجه من وجهين عن أبى هريرة، رفعه ((لا
تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب))
١٦٤
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- استحباب الذكر بعد صلاة الصبح.
٢- وملازمة مجلس صلاة الصبح ما لم يكن عذر، قال القاضى: هذه سنة، كان السلف وأهل العلم
يفعلونها، ويقتصرون فى ذلك الوقت على الذكر والدعاء، حتى تطلع الشمس.
٣- جواز الحديث بأخبار الجاهلية وغيرها من الأمم.
٤- وجواز الضحك المحدود، فقد أقر صلى الله عليه وسلم صحابته على ضحكهم، والمكروه إكثاره، وهو
فى أهل المراتب والعلم أقبح.
٥- حسن عشرته صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم
١٦٥
(٦١٧) باب رحمته صلى الله عليه وسلم بالنساء، والرفق بهن
٥٢٥٨- ٣٠ عَنْ أَنَسِ﴾(٧٠) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، وَغُلامٌ أَسْوَدُ
يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ يَحْدُو. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ: «يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ، سَوْقًا بِالْقَوَارِيِ».
٥٢٥٩- ٣١ عَنْ أَنَسٍ﴾(٧١) أَنَّ النّبِيَّ ◌َ﴿ أَتَى عَلَى أَزْوَاجِهِ، وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ:
أَنْجَشَةُ. فَقَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ! رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيِ» قَالَ: قَالَ أَبُو قِلابَةَ: تَكَلَّمَ رَسُولُ
اللّهِ وَ﴿ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكُلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ.
٥٢٢٠- ٣٣ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٧٢) قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَ نِسَاءِ النَّبِيِّنَ﴿َ، وَهُنَّ
يَسُوقُ بِهِنَّ سَوَّاقٌ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ﴾: «أَيْ أَنْجَشَةُ! رُوَّيْدًا سَوْفَكَ بِالْقَوَارِيِ».
٥٢٦١- ٣٣ عَنْ أَنَسٍ﴾(٧٣) قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ْ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ. فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «رُوَيْدًا يَا أَنْجَشَةُ! لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ! يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ».
٥٢٦٢ - :: عَنْ أَنَسٍ ﴿ه(١١) عَنِ النّبِيِّ ﴾. وَلَمْ يَذْكُرْ: حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ.
المعنى العام
يقول صلى الله عليه وسلم ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى)) ويقول ((اتقوا الله فى النساء،
فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء فى الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل
أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً)).
ومن مسلمات الحياة أن المرأة ضعيفة البنية، ناعمة الصوت والملمس، رقيقة الحس، مرهفة
العواطف، كالزجاجة الرقيقة، بل كزجاجة المصباح، فائدتها فى شفافيتها وصفائها، وفى وقايتها
والحفاظ عليها، وفى صيانتها وحمايتها من أدناس البيئة وعواصف الأهواء، ولذا شبهوها بالزجاجة
(٧٠) حَدَّثَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ جَمِيعًا عَنِ حَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنَ أَبِي قِلَابَةً عَنْ أَنَسِ
- وحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيَعِ الْعَتَكِيُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَّرَ وَأَبُو حَامِلٍ قَالُوا حَدَّثَنَا حَمَّدٌ عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنّسِ بِنَحْوِهِ.
(٧١) وحَدَّثَنِي عَمْرٌو اَلْنَقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبٍّ عَنِ أَبِي قِلَابَةً عَنْ أَنَسِ
(٧٢) وِحَدَّثَنَا يَحِى بْنُ يَحْيَى أَخْبُرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ سُلَيْمَّانَ التِّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ح وحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا
التَّيْمِيُّ عَنْ أَنَسِ.
(٧٣) وحَدَّثَا ابْنُ الْمُثِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَبِي هَمَّمٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ
(١٠) وحَدَّثْنَاه ابْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدّ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَن قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ
١٦٦
والقارورة، يقول صلى اللَّه عليه وسلم فى الوصاية بها ((رفقا بالقوارير)) والقوارير يضرب بها المثل فى
سرعة الكسر، وعدم قبول الإصلاح والجبر، يقول الشاعر:
ارفق بعمرو إذا حركت نسبته
فإنه عربی من قوارير
والإسلام يعتز بالمرأة، ويصونها، ويعتبر حصانتها أساس حياتها، من هنا أحاطها بسياج من
وسائل الحفظ والتكريم، حتى فى الجنة، وصفها القرآن الكريم بقوله ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾
[الرحمن: ٧٢]، ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴾ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٨-٤٩]،
﴿وَحُورٌ عِينٌ ﴾ كَأَمْثَال اللَّؤْلُؤُ الْمَكْنُون﴾ [الواقعة: ٢٢-٢٣] حرص الإسلام على راحتها إن هى أقامت،
فأوجب لها على الرجَل السكنى والنفقة والكسوة والمعاشرة بالمعروف وإن هى سافرت، حتى لا
تسافر مسافة قصر بدون زوج أو محرم، تركب ويمشى الرجل، وعليه أن يهيئ لها فى مركبها ما
يريحها من هودج وفراش وثير، ومشى وئيد، بل وأن يحدولها الحادى، ويغنى لها لينعشها فى سفرها،
كالطفل تغنى له أمه، وتحذنه، وتهدهده، وها هو رسول الله﴿، يسافر ببعض نسائه، فيهيئ لهن
الركائب، ويعد لهن الهوادج، ويخصص لهن عبدا خادما، يقودهن، ويراعى مصالحهن، ويحدولهن، ولا
يكتفى صلى اللّه عليه وسلم بذلك، بل يرعى بنفسه شئونهن، ويتعهد أحوالهن، فيذهب إلى رحلهن
بنفسه، يطمئن عليهن، ويوصي بهن وبراحتهن، فيقول للخادم: يا أنجشة، ارفق بهن فى سوقك، وارفق
بهن فى حدوك وغنائك، فإنهن كالقوارير. فهل رأيت حنانا ورقة وعطفاً على النساء مثل هذا؟ صلى
الله عليه وسلم.
المباحث العربية
( كان رسول اللَّه :﴿ فى بعض أسفاره، وغلام أسود، يقال له: أنجشة، يحدو) فى
الرواية الثانية ((أن النبى ﴿ أتى على أزواجه، وسواق يسوق بهن، يقال له: أنجشة)) وفى الرواية
الثالثة ((كانت أم سليم مع نساء النبى (*، وهن يسوق بهن سواق)) وفى الرواية الرابعة ((كان الرسول
اللَّه ◌َ﴿ حاد حسن الصوت)) وفى رواية البخارى ((أتى النبي(﴿ على بعض نسائه)) وفى رواية ((وكان
معهم سائق وحاد)) وفى أخرى ((كان أنجشة يحدو بالنساء، وكان البراء يحدو بالرجال)) وفى رواية
((وأنجشة غلام النبى {0* يسوق بهن)) وفى رواية ((وكان يحدو بأمهات المؤمنين ونسائهم)) أى نساء
المؤمنين.
فمن هذه الروايات يتبين أن الرحلة كانت رحلة سفر، وفيها رجال ونساء، من غير اختلاط،
فللرجال حاد، وللنساء حاد، وكان فى ركب النساء بعض أزواج النبي ® ®، كل واحدة فى هودج على
بعير، وأن أنجشة كان سائق ركب النساء وحاديه، وكان غلاما أسود، حبشيا حسن الصوت، قيل:
كان يكنى أبا مارية، وأنه كان ممن نفاهم النبى ﴾ من المخنثين.
وأن أم سليم، أم أنس، كانت مع نساء النبى و وأن النبى - أراد أن يطمئن على ركب النساء،
فأتى عليهن، والظاهر أنه أحس بركبهن ما يشغله عليهن، ففى رواية ((فاشتد عليهن السياق)) أى
أسرع بركبهن بسبب انسجام الإبل بالحداء، وفى رواية ((فإذا أعنقت الإبل)) أى أسرعت.
١٦٧
(فقال له رسول اللّه *: يا أنجشة. رويدك، سوقا بالقوارير) فى الرواية الثانية
((فقال: ويحك يا أنجشة، رويدا، سوقك بالقوارير)) وفى الرواية الثالثة ((أى أنجشة: رويداً، سوقك
بالقوارير)) وفى الرواية الرابعة ((رويدا يا أنجشة، لاتكسر القوارير)) يعنى ضعفة النساء.
وفى رواية ((يا أنجش)) على الترخيم، وفى رواية ((ارفق)) وفى رواية ((رويدك ارفق)) وفى رواية
((كذلك سوقك)) أى كفاك سوقك، وفى رواية ((رويدك سوقك، ولا تكسر القوارير)» والقواير جمع قارورة،
وهى الزجاجة، قيل: سميت بذلك لاستقرار الشراب فيها، كنى عن النساء بالقوارير، لرقتهم وضعفهن
عن الحركة، والنساء يشبهن بالقوارير فى الرقة واللطافة وضعف البنية، والكناية لفظ أطلق، وأريد منه
لازم معناه، فكأنه قال: رفقا بالضعيفات المحمولات على الإبل، وقيل: شبهن بالقوارير لسرعة
انقلابهن عن الرضا، وقلة دوامهن على الوفاء، کالقوارير، يسرع إليها الكسر ولا تقبل الجبر، والأول أولى
فى هذا المقام، وقيل: أراد بالقوارير الإبل، وكان فى سوق أنجشة لها عنف، فأمر أن يرفق بالمطايا،
وهذا أبعد من سابقه، والهدف من الأمر بالرفق أحد احتمالين أوهما معا، الأول أن الحداء دفع الإبل
إلى الإسراع، أو أن سوقه العنيف دفع الإبل إلى الإسراع، مما يقلق الراكبات، ويزعزعهن، ويحول دون
راحتهن، فأمر بالعمل على راحة الراكبات، والرفق بهن، والثانى أن أنجشة كان حسن الصوت، وأكثر
من الحداء، وحسن صوته يحرك نفوس النساء، ويضعف عزائمهن، فخشى من سماعهن النشيد أن
يقع بقلوبهن منه شىء، فأمر بالكف عن الحداء.
قال عياض: وقوله ((رويدا» منصوب على أنه صفة لمحذوف، دل عليه اللفظ السابق، أى سق
سوقاً رويدا، أو احد حدوا رويدا، أو منصوب على المصدر، أى أورد رويدا، مثل ارفق رفقا، أو على
الحال، أى سررويدا، و((رويدك)) منصوب على الإغراء، أو مفعول بفعل مضمر، أى الزم رفقك، وقيل:
((رويدك)) إما مصدر، والكاف فى محل خفض، وإما اسم فعل والكاف حرف خطاب، وقال الراغب:
يقال: أورد، يورد كأمهل يمهل لفظا ومعنى، وهو من الرود بفتح الراء، وسكون الواو، وهو التردد فى
طلب الشيء برفق ويقال: راد، وارتاد، والرائد طالب الكلأ، ورادت المرأة، ترود، إذا مشت على هنيتها،
وقال الرامهرمزى: رويدا تصغير رود، وهو مصدر فعل الرائد، وهو المبعوث فى طلب الشيء، ولم
يستعمل فى طلب المهلة، إلا مصغرا، وقال السهيلى: قوله ((رويدا)) أى أرفق، جاء بلفظ التصغير لأن
المراد التقليل، أى ارفق قليلا.
و((سوقك)) منصوب على نزع الخافض، أى ارفق فى سوقك، أو سقهن كسوقك، وقال القرطبى فى
المفهم: ((سوقك)) مفعول به، وفى الرواية الأولى ((سوقا)) وهو منصوب على الإغراء، أو على المصدر.
وجاء فى الرواية الثانية ((ويحك يا أنجشة، رويدا سوقك بالقوارير)) قال النووى: هكذا
وقع فى مسلم ((ويحك)) ووقع فى غيره ((ويلك)) قال سيبويه ((ويل)) كلمة تقال لمن وقع فى
هلكة، و((ويح)) زجر لمن أشرف على الوقوع فى هلكة، وقال الفراء: ويح، وويك، وويس
بمعنى، وقيل: ((ويح)) كلمة لمن وقع فى هلكة لا يستحقها، أى فيرثى له، ويترحم عليه، و
((ويل)) ضده، قال القاضى: قال بعض أهل اللغة: لا يراد بهذه الألفاظ حقيقة الدعاء، وإنما
يراد بها المدح والتعجب، اهـ ولا يصلح هذا القول فى هذا المقام.
١٦٨
(قال أبو قلابة: تكلم رسول الله * بكلمة، لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه) كذا
ورد فى الرواية الثانية، وأبو قلابة الرواى عن أنس، وأراد بالكلمة، قوله صلى الله عليه وسلم
((بالقوارير)» وهى كلمة تشبه النساء بالقوارير، وقد يفهم منها الغزل والهزل، وقد تعاب على قائلها عند
المتنطعين، وكان أهل العراق كذلك فى زمن أبى قلابة، يميلون إلى التكلف وكثرة الجدل والمراء
ومعارضة الحق بالباطل، فلو قال كبير مثلها لعابوها عليه، وقيل: مراد أبى قلابة أن هذه الكلمة غير
واضحة الدلالة على المراد، لأن وجه الشبه بين القارورة والمرأة ليس جليا، فلو قالها أحد من أهل
العراق، لعابها العراقيون، معترضين عليها من حيث البلاغة، وقيل: إن مراد أبى قلابة أن هذا التعبير
مثل فى البلاغة، ومن أرقى أساليبها التى لا يمسها أهل العراق، ولا يفهمونها، فيدفعهم جهلهم إلى
عيبها، لو صدرت من أحدهم.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- جواز الحداء، والحداء شعر، يجرى عليه من الأحكام ما يجرى على الشعر، وقد بوب البخارى لهذا
الحديث بباب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء، والشعر فى الأصل اسم لما دق، واستعمل فى ا
لكلام المقفى الموزون قصدا، والرجز بفتح الراء والجيم نوع من الشعر عند الأكثر، والحداء بضم
الحاء، وتخفيف الدال، يمد، ويقصر، سوق الإبل بضرب مخصوص من الغناء، ويكون فى الغالب
بالرجز، وقد يكون بغيره من الشعر، وقد جرت عادة الإبل أنها تسرع السير، إذا حدى بها.
ونقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء، وفى كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه،
قال الحافظ ابن حجر: ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، ويلتحق بالحداء هنا الحجيج
المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرض أهل الجهاد
على القتال، ومنه غناء المرأة، لتسكين الولد فى المهد، أقول: ومثله غناء عمال البناء
وملاحى السفن الشراعية وغيرهم، وأخرج الطبرى من طريق ابن جريج، قال: سألت عطاء عن
الحداء والشعر والغناء؟ فقال: لا بأس به ما لم يكن فاحشا.
٢- وفيه جواز السفر بالنساء.
٣- واستعمال المجاز
٤- وفيه مباعدة النساء من الرجال، قال النووى: ومن سماع كلامهم إلا الوعظ ونحوه.
٥- ذكر البخارى هذا الحديث تحت باب: المعاريض مندوحة عن الكذب، والمعاريض جمع معراض
من التعريض بالقول، وهو خلاف التصريح، وهو التورية بالشيء عن الشيء، قال الراغب:
التعريض كلام له وجهان فى صدق وكذب، أو باطن وظاهر، قال الحافظ ابن حجر: والأولى أن
يقال: كلام له وجهان، يطلق أحدهما ويراد لازمه، والمراد هنا قوله ((رفقا بالقوارير)» فإنه كنى
بذلك عن النساء.
والله أعلم
١٦٩
(٦١٨) باب قربه صلى الله عليه وسلم من الناس،
وتبرکهم به، وتواضعه لهم
٥٢٢٣ - ٤َ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَ﴾(٧٤) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءً
خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يُؤْثَى بِنَاءٍ إِلا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا. فَرُبَّمَا جَاءُوهُ فِي الْغَدَاةِ
الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا.
٥٢٦٤- ١٥ عَنْ أَنَس ◌َ﴾(٧٥) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ وَالْحَلاقُ يَحْلِقُهُ. وَأَطَّافَ بِهِ
أَصْحَابُهُ. فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلا فِي يَدِ رَجُلٍ.
٥٢٦٥ - ٣٦ عَنْ أَنَسِ ﴾(٧٢)، أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي
إِلَيْكَ حَاجَةٌ. فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ. حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ» فَخَلا
مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِن حَاجَتِهَا.
المعنى العام
كان صلى الله عليه وسلم متواضعا، قريبا من الناس، يمشى بين أصحابه كواحد منهم، ويجلس
بينهم لا يكاد يعرف عنهم، يدخل الداخل الغريب فيقول: أيكم محمد؟ يضع يده فى يد رفيقه فى
الطريق، ويردف على ناقته هذا تارة، وهذا تارة، يأكل معهم من إناء واحد، ويشرب معهم من كوب
واحد، بل كان يشرب بعد أن يشرب الناس، إذا صافح مسلما لم ينزع يده من يده حتى ينزع صاحبه،
إذا طلب منه شيء أجاب، ولم يقل: لا، مهما شق عليه المطلب، لقد كان الصحابة يتبركون بالماء
الذى يلامس أصابعه صلى الله عليه وسلم، فكانوا فى الفجر يبعثون بمائهم فى أوانيهم مع خدمهم إلى
رسول اللَّهِ *، ليضع يده فى مائهم، فما تذمر، ولا تكبر على الخدم، ولا رفض لهم مطلبهم، بل لم
يتأفف، ولم يتضجر من برد الماء فى شدة الشتاء.
ولقد كانوا بتبركون بالاحتفاظ بشعره صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءه الحلاق أسرعوا إليه،
يحيطون به، يتلقفون شعره قبل أن يسقط على الأرض، ويحتفظون بما يلتقطون من شعره تبركا به
فى بيوتهم.
(٧٤) حَدَّثَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي النَّصْرِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّقْنَا
أَبُو النَّصْرِ يَعْنِي هَاشِمَ بْنَ الْقَاسِمِ خَّدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بَّنَ الْمُغِيرَةِ عِنْ ثَابِتٍ عَنِ أَنَسٍ
(٧٥) حَدَّثَنَا مَّحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا أَبُّو النّضْرِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ
(٧٦) و حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمََّدٍ بْنِ سَلَّمَةً عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
١٧٠
والعجب أن توقفه امرأة فى الطريق تسأله، فيقف دون مصاحبيه ويناديها بكنيتها، ويستمع لها،
فتطلب منه أن تختلى به بعيدا عن مسامع أصحابه، لتسر إليه بمسألتها، فلا يختار المكان، بل
يطلب إليها أن تختار هى المكان الذى تحبه، فيذهب معها إليه، ويقف معها طويلا، لا يمل، ولا
يتضجر، وهو يعلم أن فى عقلها ضعفاً، ومع ذلك يظل يتكلم معها فى حاجتها حتى تكتفى هى،
وتنصرف راضية شاكرة، وصدق الله العظيم إذ يقول فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [ التوبة: ١٢٨].
المباحث العربية
( كان رسول اللَّه﴿ إذا صلى الغداة) أى إذا صلى الفجر، وهذا الأسلوب يفيد التكرار
والاستمرار والشأن والعادة والغالب.
( جاء خدم المدينة بآنيتهم ) فى الكلام حذف مضافين، والأصل: خدم أهل المدينة، بآنية
آسيادهم، والمراد من الآنية الجنس، الصادق بالجمع، فالمراد بأوانيهم، فيتقابل الجمع بالجمع،
فيقتضى القسمة أحاداً، فيئول المعنى إلى: جاء خدم المدينة كل واحد بإناء سيده، والمراد المجموع
والكثيرون، وليس كل خادم.
( فيها الماء ) جملة حالية.
( فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها ) أعاد الضمير مؤثناً باعتبار أن الإناء والآنية شيء
واحد، و((يؤتى)) بضم الياء، بالبناء للمجهول، والمعنى فما يطلب منه وضع يده فى إناء به ماء تبركاً
بيده، إلا وأجاب.
( فريما جاءوه فى الغداة الباردة، فيغمس يده فيها ) أى فى الأوانى، وهذه الجملة تصوير
للمبالغة فى الإجابة، أى حتى ولو صاحبت الإجابة مشقة شديدة، والغداة الباردة وقت الفجر والصبح
فى الشتاء.
( وأطاف به أصحابه ) يقال: طاف به، وأطاف به أصحابه، أى أحاطوا به، والجملة حال
بتقدير ((قد)» عند من يشترطها.
( فما يريدون أن تقع شعرة إلا فى يد رجل ) أى فيسارعون إلى التقاط شعره صلى اللَّه
عليه وسلم الذى يتساقط من الحلاق، قبل أن يصل إلى الأرض، ونفى الإرادة، ولم ينف وقوع شعرة إلى
الأرض، لأن الموجود الكائن فعلا الحرص، وقد يفلت من حرصهم شعرات، تقع فيرفعونها.
( أن امرأة كان فى عقلها شيء ) من الخفة والضعف، يقصد بذلك بيان عذرها فى مطلبها
من رسول اللَّهَ حَلّ.
( فقالت: يارسول اللَّه، إن لى إليك حاجة) أى أريدك فى خلوة، بعيداً عن الناس وعن
أصحابك الذين هم معك الآن.
١٧١
( فقال: يا أم فلان) منطوقه صلى الله عليه وسلم كنيتها الحقيقية، وهو ظاهر فى أنه كان
يعرفها جيدًا.
( انظرى أى السكك شئت ) أى اختارى مكانا فى أى طريق من الطرق.
( حتى أقضى لك حاجتك ) أى حتى أجيبك إلى طلبك بعيدا عن سماع الناس.
( فخلا معها فى بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها ) معطوف على محذوف، أى
فاختارت مكانا، فوافقها عليه، فخلا معها، والتعبير بـ ((معها)» فيه إشارة أنه لم يقصد الخلوة بها.
فقه الحديث
قال النووى فى هذه الأحاديث
١- بيان بروزه صلى الله عليه وسلم للناس، وقربه منهم، ليصل إليه أهل الحقوق، ويرشد مسترشدهم،
وليشاهدوا أفعاله وحركاته، فيقتدى بها، وهكذا ينبغى لولاة الأمور.
٢- وفيها صبره صلى اللّه عليه وسلم على المشقة فى نفسه لمصلحة المسلمين، وإجابته من سأله
حاجة، أو تبريكا بمس يده، وإدخالها فى الماء.
٣- وفيه التبرك بآثار الصالحين.
٤- وبيان ماكانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره صلى اللّه عليه وسلم.
٥- وتبركهم بإدخال يده الكريمة فى أوانيهم.
٦- وتبركهم بشعره الكريم.
٧- وإكرامهم إياه أن يقع شيء منه إلا فى يد رجل منهم.
٨- وبيان تواضعه صلى الله عليه وسلم، بوقوفه مع المرأة الضعيفة، ليقضى لها حاجتها، قال: ولم يكن
ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان فى ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون
كلامها، لأن مسألتها كانت مما لا تظهرها الناس.
هذا. ومن التبرك بآثاره حديث أبى أيوب الأنصارى (رقم / ٢١) فى باب أكل التمر والثوم.
ومن التبرك بشعره صلى اللّه عليه وسلم حديث حلقه صلى اللّه عليه وسلم فى الحج وتوزيع شعره
على الصحابة وقد سبق فى كتاب الحج.
والله أعلم
١٧٢
(٦١٩) باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام، واختياره من
المباح أسهله، وانتقامه لله تعالى عند انتهاك حرماته.
٥٢٦٦ - ٣٧ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧٧)، زَوْجِ النَّبِيِّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ بَيْنَ أَمْرَيْنٍ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. فَإِنْ كَانَ إِنْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا
انْقَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ لِنَفْسِهِ، إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
٥٢٦٧ - ثُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٧٨) قَالَتْ: مَا خُسيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ بَيْنَ
أَمْرَيْنٍ، أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ إِلا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. فَإِنْ كَانَ إِثْمًّا
كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.
٥٢٦٨- ١١ْ عَنِ هِشَامٍ(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: أَيْسَرَهُمَا. وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ.
٥٢٦٩- ٣٩ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٧٩) قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿وَ شَيْئًا قَطُّ بِيْدِهِ.
وَلا امْرَأَةً وَلا خَادِمًا. إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَمَا لِيلَ مِنْهُ شَيْءٍ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِن صَاحِبِهِ،
إِلا أَن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِن مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
المعنى العام
نعم. دين الإسلام يسر، قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ ﴾ [الحج: ٧٨] ويقول صلى
اللَّه عليه وسلم ((يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)» وقال لمعاذ له لما أطال القراءة فى الصلاة، وهو
إمام: قال له: أفتان أنت يا معاذ؟ من أمَّ الناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة،
(٧٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ح وحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْبَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ عَائِشَةً
- وحَدْثَنَا زَّهَيْرُ بْنَ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَن جَرِيرٍ ح وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةً حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ كِلاهُمَا
عَن مَنْصُورٍ عَن مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةٍ فُضَيْلَ بْنُ شِهَابٍ وَفِي رِوَايَةٍ جُرِيرٍ مُحَمَّدٌ الزُّهْرِيُّ عَنِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةً.
- و حَدَّثَِّيَّهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحَْىَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُوَنُسُ عَنِ أَبْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ.
(٧٨) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِهِ عَن عَائِشَةً
(١٠) وحَدَّثَنَهُ أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ نُمَيْرِ جَمِيعًا عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ
(٧٩) حَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ هِشَامٍ عَن أَبِهِ عَنِ عَائِشَةً
- وِحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَابْنُ ثُمَيْرٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَوَكِيعٌ حَ وَحَدََّنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كُلُهُمْ عَنْ هِشَامٍ
بِهَذَا الإِسْنَادِ يَزِيدُ بَّعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
١٧٣
ولما أراد جماعة التشديد على أنفسهم فى العبادة وقال أحدهم: أما أنا فأصلى الليل أبداً، وقال الآخر:
وأما أنا فأصوم الدهر أبداً، وقال الثالث: وأما أنا فسأتبتل، وأعتزل النساء غضب صلى الله عليه وسلم،
وخطب فى الناس، وقال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا؟ أما واللَّه إنى لأخشاكم للَّه وأتقاكم
له، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى.
ومن هذا المنطلق كان صلى الله عليه وسلم فى عباداته ومعاملاته يميل إلى اليسر، ويتباعد عن
العسر، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن هذا الأيسر إثما، أو يؤدى إلى الإثم، فإن كان
إثما أو يؤدى إلى الإثم بعد عنه، بل كان أبعد الناس عنه، وعمل بغير اليسر مهما كان صعبا وشاقا.
وكان صلى الله عليه وسلم - من باب التخفيف على الأمة، والتسامح معها - يعفو عمن ظلمه، ولا
ينتقم ممن أذاه حين القدرة عليه، ولقد قال لأهل مكة بعد أن فتحها ونصره الله عليهم: ما تظنون أنى
13
فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم. قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء ..
فما انتقم لنفسه صلى الله عليه وسلم ممن آذاه، وما ضرب بيده الكريمة امرأة ولا خادما قط، وما
آذى إلا للَّه، وإلا ما انتهكت حرمات الله، صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
( ما خير رسول اللَّه* بين أمرين) ((خير)) بضم الخاء وكسر الياء المشددة، مبنى
للمجهول، وأبهم الفاعل، ليعم ما كان من قبل اللَّه، وما كان من قبل المخلوقين، والأمران إما أن يكونا
من أمور الدنيا، وإما أن يكونا من أمور الآخرة، وإما أن يكون أحدهما من أمور الدنيا، والثانى من
أمور الآخرة.
( إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما ) أى ما لم يكن الأيسر إثما.
( فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ) أى فإن كان الأيسر إثما تركه وبعد عنه، وأخذ
الأصعب الذى لا إثم فيه، وعند الطبرانى فى الأوسط ((إلا اختار أيسرهما ما لم يكن للَّه فيه سخط)).
قال العلماء: وقوع التمييز بين ما فيه إثم، وبين ما لا إثم فيه من العباد واضح وواقع كثيرا،
وخصوصا إذا وقع من الكفار، كما وقع فى الحديبية، بين أن يرجع من عام، ثم يعود العام القابل
معتمرا، وبين القتال، فاختار الأول. وبين أن يمحو من الوثيقة كلمة ((رسول الله)) وبين أن يرفض
الصلح، فاختار الأول.
أما وقوع التمييز من اللَّه فلا يكون بين ما فيه إثم، وما لا إثم فيه، وإنما يكون التمييز منه تعالى
بين جائزين، ويصير المعنى ما خيره اللَّه بين أمرين جائزين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما،
فالمستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فالاستثناء منقطع، ومثل له بعضهم بالفطر للصائم
المسافر، وصلاة الفرض قاعدا للعاجز الذى يشق عليه القيام، وبول الأعرابى فى المسجد، صب ذنوب
١٧٤
من ماء، أو إزالة التراب المتنجس، لكن إذا حملناه على ما يفضى إلى الإثم، أمكن أن يخير الشارع
بين ما لا يفضى إلى الإثم وبين ما يفضى إلى الإثم غالبا، ومثلوا له بأن يخير بين أن يفتح عليه من
كنوز الأرض، وما يخشى من الاشتغال به عن العبادة مثلا، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف،
فيختار الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبى، لا يراد منه معنى الخطيئة،
لثبوت العصمة له صلى الله عليه وسلم، بل هو من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ويكون
المراد ما لم يكن إثما أو يخشى منه أن يفضى إلى خلاف الأولى، فيختار الأشق حينئذ، ويترك
الأيسر، والاستثناء على هذا متصل، فالمستثنى من جنس المستثنى منه.
وقال ابن التين: المراد التمييز بين أمرين من أمور الدنيا، وأما أمر الآخرة، فكلما صعب كان أكثر
ثوابا، كذا قال. وفيه نظر، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم ويفطر ويصلى ويرقد، ويتزوج النساء.
( ما انتقم رسول اللَّه# لنفسه) فى بعض الروايات ((ما نيل منه شيء قط، فينتقم من
صاحبه)) و((نيل)) بكسر النون، مبنى للمجهول، أى ما أصيب بأذى من قول أو فعل، وقد استشكل عليه
أمره بقتل عقبة ابن أبى معيط وعبد الله بن خطل، وغيرهما ممن كان يؤذيه، ولتفادى هذا الإشكال
وضع بعضهم قيدا، فقال: وما انتقم لنفسه خاصة، أما هؤلاء فقد كانوا ينتهكون محارم الله مع إيذائه،
أو أن إيذاءه كان من حيث هو رسول اللَّه، فهو انتهاك لمحارم اللَّه، لذا لم ينتقم لنفسه من الأعرابى
الذى جفا فى رفع صوته عليه، ولا من الذى جذبه بردائه، حتى أثر فی کتفه.
وحمل الداودى عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه،
قال: واقتص ممن لده فى مرضه، بعد نهيه عن ذلك، حيث أمر بلدهم، مع أنهم كانوا فى ذلك متأولين،
بأنه إنما نهاهم بسبب كراهة النفس للدواء، بحكم العادة البشرية. كذا قال: وفيه نظر.
فقه الحديث
ويؤخذ من الحديث
١- الحث على ترك الأخذ بالعسير من الأمور.
٢- والاقتناع باليسير.
٣- وترك الإلحاح فيما لا يضطر إليه.
٤- والندب إلى الأخذ بالرخص، ما لم يظهر الخطأ.
٥- والحث على العفو، إلا فى حقوق اللَّه تعالى.
٦- والندب إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، قال الحافظ ابن حجر: ومحل ذلك ما لم يفض إلى
ما هو أشد منه.
١٧٥
٧- وفيه ترك الحكم للنفس، وإن كان الحاكم متمكنا من ذلك، بحيث يؤمن منه الحيف على المحكوم
عليه، لكن لحسم المادة.
٨- وفيه الحث على الحلم واحتمال الأذى.
٩- والانتصار لدين اللَّه تعالى ممن فعل محرما أو نحوه.
١٠ - ومن الرواية الثالثة أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحا للأدب، فتركه أفضل.
والله أعلم
١٧٦
(٦٢٠) باب طيب رائحته صلى الله عليه وسلم،
ولين مسه وطيب عرقه، والتبرك به
٥٢٧٠- ١٠ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَ﴾(٨٠) قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ صَلاةَ الأُولَى. ثُمَّ
خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ. فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَادٌ. فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا.
قَالَ: وَأَمَّ أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي. قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِن جُوْنَةٍ عَطَّارٍ.
٥٢٧١- ١ُ عَنْ أَنَسِ عِ﴾(٨١) قَالَ: مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ وَلا مِسْكًا وَلا شَيْئًا أَطْيُبَ مِن
رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ. وَلا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ دِيبَاجًا وَلا حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسَّا مِن رَسُولِ اللَّهِ وَلَ.
٥٢٧٢ - ٣ٍ عَنْ أَنَسِ ﴾(٨٢) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَزْهَرَ اللَّوْنِ. كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ. إِذَا
مَشَى، تَكَفَّأَ. وَلا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِن كَفِّ رَسُولِ اللَّهِلَ﴾. وَلا شَمِمْتُ
مِسْكَةً وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِن رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾.
٥٢٧٣- ٣ٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾(٨٣) قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا النِّيُّ ◌َ﴿ فَقَالَ عِنْدَنَا، فَعَرِقَ.
وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ، فَجَعَلَتْ تَسْلِتُ الْعَرَقَ فِيهَا. فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ﴿ فَقَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمِ! مَا
هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟» قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ تَجْعَلُهُ فِي طِئًا وَهُوَ مِن أَطْيَبِ الطِّيبِ.
٥٢٧٤- ٤َُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِّ ◌َ﴾ (٨٤) قَالَ: كَانَ النّبِيُّ :﴿ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ،
فَيَّنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ. قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأَتِيَتْ
فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبِيُّ﴿ْ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ. قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ،
وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةٍ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ. فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنْشِفُ ذَلِكَ
الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا. فَفَزِعَ النَّبِيُّفَ﴿ّ: «فَقَالَ مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمِ؟»
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: «أَصَبْتٍ».
(٨٠) حَدَّثَنَا عَمْرُوِ بْنُ حَمَّدٍ بْنِ طَلْحَةَ الْقَتَّدُ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ وَهُوَ ابْنُ نَصْرِ الْهَمْدَانِيُّ عَنِ سِمَاكٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً
(٨١) وحَدّْثَنَا قُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَن ثَّابِتٍ عَنِ أَنَسِّ ح و حَدَّثَّنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاَللَّفْظُ لَهُ حَدََّنَا هَاشِمٌ يَعْنِي
ابْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثْنَا سُلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَن ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ
(٨٢) وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنًا حَبَّهُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدْثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ
(٨٣) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا هَاشِمٌ يَعْنِي أَبْنَ الْقَاسِمِ عَن سُلَيْمَانَ عَنِ ثَابِتٍ عَنَ أَنَسِ بْنِ مَّالِكٍ
(٨٤) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَّ ابْنُ أَبِي سَلَّمَةَ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي
طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
١٧٧
٥٢٧٥- °ٍ عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٨٥)؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ كَانَ يَأْتِيهَا، فَقِيلُ عِنْدَهَا،
فَتَبْسُطُ لَهُ نِطْعًا، فَيَقِيلُ عَلَيْهِ. وَكَانٌ كَثِيرَ الْعَرَقِ. فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ، فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ
وَالْقَوَارِيرِ. فَقَالَ النِّيُّ ◌َ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! مَا هَذَا؟» قَالَتْ: عَرَفُكَ أَدُوفُ بِهِ طِيبِي.
٥٢٧٦- ٨٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٨٦) قَالَتْ: إِنْ كَانَ لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِعَلِ فِي
الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَفًا.
٥٢٧٧ - ٨٧ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٨٧)، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ لَ ﴾: كَيْفَ
يَأْتِيكَ الْوَحْيُّ؟ فَقَالَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلٍ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ. ثُمَّ يَفْصِمُ عَنِّي
وَقَدْ وَعَيْتُهُ. وَأَحْيَانًا مَلَكٌ فِي مِثْلٍ صُورَةِ الرَّجُلٍ. فَأَعِي مَا يَقُولُ».
٥٢٧٨- الج عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَ﴾ (٨) قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ﴿ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُّ،
كُرِبَ لِذَلِكَ، وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ.
٥٢٧٩- ١٩ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَ﴾(٨٩) قَالَ: كَانَ النّبِيُّلِ﴿ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ نَكْسَ
رَأْسَهُ، وَنَكَسَ أَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ. فَلَمَّا أَتْلِيَ عَنْهُ، رَفَعَ رَأْسَهُ.
المعنى العام
مجموعة من صفاته الخلقية والخلقية صلى الله عليه وسلم، فقد كان لون بشرته أبيض بياضا
مشوباً بحمرة أو سمرة، وخاصة الوجه واليدين والقدمين، بسبب المهنة والتعرض للشمس والهواء،
وكان جلده ناعم الملمس كالحرير، وكان طيب الرائحة من غير طيب، وكان عرقه أبيض صافيا
كاللؤلؤ، وأطيب ريحا من المسك، حتى كانت أم سليم تجمعه وتتطيب به، وكانت مشيته موجهة إلى
الجهة التى يقصدها، لا يتوجه ولا يتلفت يمينا ولا شمالا، وكان ينام على فراش غيره، من غير أنفة أو
غضاضة، وكان رحيما بالصبيان، يمسح خدودهم بيده الكريمة، إذا تعرضوا له فى الطريق، يطلبون
برکة يده وملامسته.
(٨٥) حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَفّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُوبُ عَنِ أَبِي قِلَابَةً عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ
(٨٦) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيَّبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَّةَ عَنِ هِشَامٍ عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
(٨٧) وحَدّْثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَ وَ حَدَّثَنَا أَبُوَ كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُوِ أُسَامَةً وَابْنُ بِشْرٍ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نُمَّيْرِ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
(٨٨) وحَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنَ الْمُثَنِّىَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَثَنَا سَعِيدَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسِّنِ عَنْ حِطّانُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ
عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
(٨٩) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ فَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَن حِطّانُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَائِيِّ عَنِ عُبَادَةَ
ابْنِ الصَّامِتِ
١٧٨
وكان جميل الوجه، منفرج الأسارير، لكن إذا أتاه الوحى ثقل عليه، فتغير وجهه، وتصبب العرق
من جبينه، وأخذه غطيط كغطيط النائم، فإذا ذهب الوحى عاد كما كان. صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
( صليت مع رسول اللَّه# صلاة الأولى) قال النووى: يعنى صلاة الظهر.اهـ
وهو من إضافة الموصوف إلى صفته وقد أجازه النحويون الكوفيون وتأوله البصريون، على أن فيه
محذوفا، تقديره: صلاة الساعات الأولى.
( ثم خرج إلى أهله ) أى خرج من المسجد نحو بيوت أزواجه.
( فاستقبله ولدان ) بكسر الواو، وسكون اللام، وتنوين النون، جمع وليد، بفتح الواو، وكسر
اللام، وهو المولود حين يولد، والمراد هنا وصف الصبية بالصغر، والتعبير باستقبله يشعر بأنهم تعمدوا
استقباله، ليمسح عليهم تبركا، وصاهم بذلك آباؤهم.
( فجعل يمسح خدى أحدهم واحداً واحداً) ((خدى)) بفتح الخاء والدال المشددة، مثنى
خد، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يمسح الخدين بكفيه، أو كان يمسح الخدين باليمنى، وواحداً
واحداً يشعر بأنه كان يستوعبهم جميعا.
( وأما أنا فمسح خدى ) بالإفراد، وكان جابر إذ ذاك صبيا، ومات سنة ست وستين.
( فوجدت ليده بردا أوريحا) ((برداً)) بفتح الباء وسكون الراء، ضد الحر، والظاهر أن هذا
المسح كان فى الصيف، وفى شدة الحر، وقد يراد من البرد الراحة والسكون، والمراد من الريح هنا
الطيب و ((أو)) بمعنى الواو.
( كأنما أخرجها من جؤنة عطار) قال النووى: هى بضم الجيم والهمزة بعدها،
ويجوز ترك الهمزة، بقلبها واوا، كما فى نظائرها، وقد ذكرها كثيرون أو الأكثرون فى الواو،
قال القاضى: هى مهموزة، وقد يترك همزها، وقال الجوهرى: هى بالواو، وقد تهمز، وهى
السفط الذى فيه متاع العطار، هكذا فسره الجمهور، وقال صاحب العين: هى سليلة
مستديرة، مغشاة أدماً. أى جلداً، والمراد هنا إناء الطيب.
( ما شممت عنبراً قط، ولا مسكاً، ولا شيئاً أطيب من ريح رسول اللَّه ﴿) ((شممت))
بكسر الميم الأولى، وفتحها لغة، حكاها الفراء، ويقال فى مضارعه أشمه بالفتح على الأفصح، وبالضم
على اللغة المذكورة.
والعنبر طيب معروف، وكذا المسك ((وشيئاً)) أى من الطيب، من ذكر العام بعد الخاص، وفى
رواية للبخارى «ولا شممت ريحاً قط- أو عرفاً قط - أطيب من ريح - أو عرف النبى{®)) وفى روايه له
((مسكة ولا عنبرة أطيب رائحة من ريح رسول اللَّه ◌َ ﴾ ((قال الحافظ ابن حجر: وقوله ((عنبرة)» ضبط
بوجهين، أحدهما بسكون النون، بعدها باء، والآخر ((عبيرا)) بكسر الباء بعدها ياء، والأول معروف،
١٧٩
والثانى طيب معمول من أخلاط، يجمعها الزعفران، وقيل: هو الزعفران نفسه، وعند البيهقى ((ولا
شممت مسكًا، ولا عنبرًا، ولا عبيرًا)) ذكرهما جميعا، والعرف بفتح العين وسكون الراء، الريح
الطيب، ووقع فى بعض الروايات ((عرقا)) بفتح العين والراء والقاف، و ((أو)) فى روايات ((أو)) للتنويع.
( ولا مسست شيئا قط، ديباجاً، ولا حريراً، ألينّ مسًّا من رسول اللَّه ◌َ﴿) فى الرواية
الثالثة ((ولا مسست ديباجة، ولا حريرة ألين من كف رسول اللَّه ◌َ ﴿)) ((مسست)) السين الأولى
مكسورة، ويجوز فتحها، والثانية ساكنة، وقد استشكل هذا بما جاء فى البخارى ((إنه كان ضخم
اليدين)) وفى رواية ((والقدمين)) وفى رواية ((شئن القدمين والكفين)) فسره الأصمعى بغليظهما فى
خشونة، قال الحافظ ابن حجر: والجمع بينهما أن المراد اللين فى الجلد، والغلظ فى العظام، فيجتمع
له نعومة البدن، وقوته، أو حيث وصف باللين واللطافة، أريد حيث لا يعمل بهما شيئا، أو بالنسبة إلى
أصل الخلقة، وحيث وصف بالغلظ والخشونة فهو بالنسة إلى امتهانهما بالعمل، فإنه كان يتعاطى
كثيرًا من أموره بنفسه، صلى اللَّه عليه وسلم.اهـ
ولم يوافق كثير من اللغويين الأصمعى على تفسير ((شئن)) بالخشونة، وفسروه بالغلظ فقط، وقال
ابن بطال: كانت كفه صلى اللّه عليه وسلم ممتلئة لحماً، غير أنها مع خضامتها كانت لينة، اهـ. وقد
نقل ابن خالويه أن الأصمعى لما فسر الشئن بما مضى، قيل له: إنه ورد فى صفة النبى {َ﴾؟ فآلى على
نفسه أنه لا يفسر شيئا فى الحديث. اهـ
وعندى أن حديث أنس يصف كفه صلى اللَّه عليه وسلم باللين والنعومة، وهذا الوصف أمر نسبى،
يرتبط بكف من يمس كفه صلى اللّه عليه وسلم، فإن كان خشنا أحس فى المقابل بنعومة ولين، كما
يرتبط بالأكف التى يمسها أنس، فإن كانت خشنة - كما هي العادة فى العرب الأوائل - أحس
بنعومة كفه صلى الله عليه وسلم - والظاهر أن كفه صلى الله عليه وسلم كانت بين النعومة
والخشونة، فالنعومة واللين بإطلاق وصف حسن فى النساء، والخشونة بإطلاق وصف امتهان،
والممدوح فى الرجال الوسطية بين النعومة والخشونة. والله أعلم.
والديباج نوع من الحرير، فعطف الحرير عليه هنا من عطف العام على الخاص. وفى رواية
للبخارى ((حريرًا ولا ديباجًا)).
(كان رسول اللّه أزهر اللون) أى أبيض مشربا بحمرة، فعند الترمذى والحاكم ((كان
أبيض، مشرياً بياضه بحمرة)) وعند البيهقى فى الدلائل ((كان رسول اللَّه ﴿ أبيض، بياضه إلى
السمرة)) وعند أحمد والبزار بإسناد صحيح ((إن النبى (8 كان أسمر)) وفى الروايات الصحيحة إطلاق
كونه أبيض، فعند البزار بإسناد قوى ((كان شديد البياض)) وعند الطبرانى «ما أنسى شدة بياض
وجهه، مع شدة سواد شعره)) وفى شعر أبى طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه. وعند أحمد
((فنظرت إلى ظهره، كأنه سبيكة فضة)) قال الحافظ ابن حجر: وتبين من مجموع الروايات أن المراد
بالسمرة الحمرة التى تخالط البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما يخالطه الحمرة. وجمع البيهقى
بأن المشرب بحمرة وسمرة من جلده صلى الله عليه وسلم ما تعرض للشمس، وأما تحت الثياب فهو
أبيض أزهر. اهـ يريد أبيض خالصا، غير مشرب بسمرة، فمن معانى الأزهر الأبيض الصافى المشرق.
١٨٠