النص المفهرس
صفحات 81-100
كتاب الفضائل
٦٠٣ - باب فضل نسب النبى 13 وتسليم
الحجر عليه قبل النبوة وتفضيل نبينا ﴾
على جميع الخلائق.
٦٠٤ - باب فى معجزات النبى {آل*
٦٠٥ - باب توكله صلى الله عليه وسلم على
اللَّه تعالى وعصمة اللّه تعالى له من
الناس.
٦٠٦ - باب بيان مثل ما بعث به صلى الله
عليه وسلم من الهدى والعلم.
٦٠٧ - باب شفقته صلى الله عليه وسلم على
أمته ومبالغته فى تحذيرهم مما يضرهم
وإذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها.
٦٠٨ - باب إثبات حوض نبينا® / وصفاته.
٦٠٩ - باب إكرامه صلى اللّه عليه وسلم بقتال
الملائكة معه.
٦١٠ - باب من شجاعته صلى الله عليه وسلم.
٦١١ - باب جوده صلى الله عليه وسلم.
٦١٢ - باب حسن خلقه صلى الله عليه وسلم.
٦١٣ - باب فى سخائه صلى اللّه عليه وسلم.
٦١٤- باب رحمته صلى الله عليه وسلم
الصبيان والعيال، وتواضعه وفضل ذلك.
٦١٥ - باب حيائه صلى الله عليه وسلم.
٦١٦ - باب تبسمه صلى الله عليه وسلم وحسن
عشرته.
٦١٧ - باب رحمته صلى اللّه عليه وسلم
بالنساء والرفق بهن.
٦١٨ - باب قربه صلى الله عليه وسلم من
الناس وتبرکهم به، وتواضعه لهم.
٦١٩ - باب مباعدته صلى الله عليه وسلم
للآثام واختياره من المباح أسهله،
وانتقامه لله تعالى عند انتهاك حرماته.
٦٢٠ - باب طيب رائحته صلى الله عليه وسلم،
ولين مسه وطيب عرقه، والتبرك به.
٦٢١ - باب فى صفاته الخلقية، وصفة شعره
وشيبته.
٦٢٢ - باب إثبات خاتم النبوة، وصفته،
ومحله من جسده صلى الله عليه وسلم.
٦٢٣- باب قدر عمره صلى الله عليه وسلم،
وإقامته بمكة والمدينة.
٦٢٤ - باب فى أسمائه صلى الله عليه وسلم.
٦٢٥ - باب علمه صلى الله عليه وسلم بالله،
وشدة خشيته له.
٦٢٦ - باب وجوب اتباعه صلى الله عليه
وسلم، وتوقيره، وترك إكثار سؤاله عما لا
ضرورة إليه.
٦٢٧ - باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا، دون
ما ذكره صلى اللّه عليه وسلم من معايش
الدنيا على سبيل الرأى.
٦٢٨ - باب فضل النظر إليه صلى الله عليه
وسلم.
٦٢٩ - باب فضائل عيسى عليه السلام.
٦٣٠ - باب من فضائل إبراهيم الخليل، ولوط،
عليهما السلام.
٦٣١ - باب من فضائل موسى عليه السلام،
ويونس، ويوسف، وزكريا، والخضر، عليهم
السلام.
٨١
(٦٠٣) باب فضل نسب النبى {ل، وتسليم الحجر عليه قبل
النبوة وتفضيل نبينا على جميع الخلائق
٥١٧٨- ١٢ عَن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ بَ﴾ (١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسْمَعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِن كِبَانَةَ، وَاصْطَفَى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ،
وَاصْطَفَانِي مِن بَنِي هَاشِمٍ».
٥١٧٩- ٣ عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَّةَ﴾(٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: «إِنِّي لأَغْرِفُ حَجَرًا بِمَكّْةً
كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لأَغْرِفُهُ الآلِ».
٥١٨٠ ٣ّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَأَوَّلُّ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
المعنى العام
كان العرب فى الجاهلية يتفاخرون بالأنساب بالدرجة الأولى، ثم تأتى الفضائل فى الدرجة
الثانية، فلما جاء الإسلام كانت الفضيلة الأولى، التى يفاخر بها هى الإسلام والتقوى، ونحيت
الأنساب عن التفاخر، واعتبرت وسيلة لا غاية، وتابعة لا أصلية، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ﴾ [ الحجرات: ١٣] وأكد هذا المعنى رسول الله صل﴾، حين خطب يوم فتح مكة، فقال: ((يا أيها
النّاسِ، إن اللَّه قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها، يا أيها الناس، الناس رجلان مؤمن تقى كريم
على اللَّه، وفاجر شقى هين على اللَّه)) وحين مرعليه ومعه أصحابه رجل غنى ذو حسب، قال لهم: ما
تقولون فى هذا الرجل؟ قالوا: جدير إن خطب بنت أحدنا أن ينكح ويقبل ولا يرد، وجدير إن شفع
وتوسط فى أمر من الأمور أن يشفع، ولا يرفض له طلب، وجدير إن تكلم وسط جماعة أن يسكتوا حتى
يتكلم، وأن يستمع لكلامه، فسكت صلى الله عليه وسلم. فمربهم رجل فقير، غير ذى حسب لكنه مسلم
تقى، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ما تقولون فى هذا الرجل؟ قالوا: جدير إن خطب أن لاينكح،
وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع. فقال لهم صلى الله عليه وسلم هذا الفقير خير من ملء
الأرض من ذلك الغنى.
(١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ جَمِيعًا عَنِ الْوَلِيدِ قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ
حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ أَنْهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ يَقُول
(٢) وحّدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عن جابر بن سمرة.
(٣) حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوَسَى أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنَا هِقْلَّ يَعْنِي أَبْنَ زِيَادٍ عَنِ الْأَوَّزَاعِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُوخَ
حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ
٨٣
نعم. حول الإسلام مقاييس الناس، لكنه لم يغفل الحسب فى الموازين، وإنما جعله
مكملا مجملا لفضيلة الإسلام. فقال صلى الله عليه وسلم ((تجدون الناس معادن، خيارهم
فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا)) ولما كان الزواج من أهم الأحداث التى يطلب
فيها ميزان الرجال والنساء، قال صلى الله عليه وسلم «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها،
وحسبها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)).
ولما استقر مبدأ التفاضل بالدين، وأمن من عدم مزاحمة الأنساب له، أعطيت قدرها، وظهرت فى
ساحة التفاخر، فالناس معادن، شعوب لها أصالة ومكارم متوارثة من جيل إلى جيل تفضل شعوبا،
ومن داخل كل شعب قبائل أو بطون، لها أخلاق وعادات حميدة متوارثة من جيل إلى جيل تفضل
قبائل أو بطونا، فقال صلى الله عليه وسلم ((الناس تبع لقريش، كافرهم تبع لكافرهم، ومسلمهم تبع
لمسلمهم)» وقال «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من
قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشمٍ)) وقال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق
عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)) فضله الله تعالى بالرسالة، كما فضله بالنسب، فهو أفضل بنى
آدم وسيدهم، وهو أفضل المرسلين وخاتمهم، أكرمه الله تعالى قبل البعثة بتسليم الجماد عليه، وأكرمه
بعد البعثة بمعجزات كثيرة، نتعرض لها فى الباب القادم. يقول صلى اللّه عليه وسلم ((إنى لأعرف
حجراً بمكة، كان يسلم على قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن)».
المباحث العربية
(إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل) ((كنانة)» بن خزيمة بن مدركة (واسمه عمرو)
ابن إلياس بن مضربن نزار بن معد بن عدنان. قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن بين عدنان وبين
إسماعيل أربعة آباء أو خمسة، وقيل: أربعين أبا، وقد وقع فى ذلك اضطراب شديد، واختلاف
متفاوت، حتى أعرض الأكثر عن سياق النسب بين عدنان وإسماعيل.
(واصطفى قريشا من كنانة) «قريش)» ولد النضر بن كنانة، وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن
النضر، قال الحافظ ابن حجر: وهذا قول الأكثر، وبه جزم مصعب،قال: ومن لم يلده فهر فليس قرشيا،
بل كنانى، وقيل: أول من نسب إلى قريش قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر،
روى ابن سعد أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متى سميت قريش قريشا؟ قال: حين
اجتمعت إلى الحرم بعد تفرقها، فقال: ما سمعت بهذا، ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له: القرش،
ولم يسم أحد قريشا قبله، وروى ابن سعد، من طريق المقداد ((لما فرغ قصى من نفى خزاعة من الحرم،
تجمعت إليه قريش، فسميت يومئذ قريشا، لحال تجمعها، والتقرش التجمع، وقيل: لتلبسهم بالتجارة،
وقيل: من التقرش، وهو أخذ الشيء أولا فأولا، وقيل: سميت قريش قريشا بدابة فى البحر، هى سيدة
الدواب البحرية، وكذلك قريش سادة الناس، ولعله مصغر حوت القرش المعروف، وقيل: سموا بذلك
لمعرفتهم بالطعان، والتقريش وقع الأسنة، وقيل: التقرش التنزه عن رذائل الأمور، وقيل غير ذلك، وقد
أكثر ابن دحية من نقل الخلاف فى سبب تسمية قريش قريشا، وأول من تسمى به، قال الحافظ ابن
حجر: وإلى النضر تنتهى أنساب قريش، وإلى كنانة تنتهى أنساب أهل الحجاز.
٨٤
( واصطفى من قريش بنى هاشم ) واسمه عمرو بن عبد مناف (واسمه المغيرة) بن قصى
(واسمه زيد) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهربن مالك بن النضر، وعند ابن سعد
((ثم اختار بنى هاشم من قريش، ثم اختار بنى عبد المطلب من بنى هاشم)».
(واصطفانى من بنى هاشم) قال الحافظ ابن حجر: ونسب النبى 8# إلى عدنان متفق
عليه، وهو: من محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب، بن مرة
ابن كعب بن لؤى ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن
مضر بن نزاربن معد بن عدنان.
( إنى لأعرف حجراً بمكة، كان يسلم على قبل أن أبعث ) قال النووى: فى هذا إثبات
التمييز فى بعض الجمادات، وهو موافق لقوله تعالى فى الحجارة ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِن خَشِيَةٍ
اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وقوله تعالى ﴿وَإِنْ مِن شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَفَى هذه الآية
خلاف مشهور، والصحيح أنه يسبح حقيقة، ويجعلَ اللَّه تعالى فيه تمييزاً بحسبه، ومنه الحجر الذى
فربثوب موسى عليه الصلاة والسلام.
( إنى لأعرفه الآن ) من بين أحجار مكة، أى أعرف مكانه وصفاته.
( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) قال الهروى: السيد هو الذى يفوق قومه فى الخير، وقال
غيره: هو الذى يفزع إليه فى النوائب والشدائد، فيقوم بأمرهم، ويتحمل منهم مكارههم.
قال النووى: وأما قوله ((يوم القيامة)) مع أنه سيدهم فى الدنيا والآخرة، فسبب التقييد أنه فى يوم
القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى معاند، بخلاف الدنيا، فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار،
وزعماء المشركين.
قال: وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]
مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك، لكن كان فى الدنيا من يدعى الملك، أو من يضاف إليه مجازا،
فانقطع كل ذلك فى الآخرة.
( وأول شافع، وأول مشفع ) لم يكتف بالجملة الأولى عن الثانية، لأنه قد يشفع اثنان، فيشفع
الثانى منهما قبل الأول، قاله النووى: أى لا يشفع ولا يؤذن بالشفاعة لأحد قبله ولا معه، ولا يقوم
بالشفاعة قبله ولا معه أحد.
فقه الحديث
قال النووى: عن الرواية الأولى: استدل بهذا الحديث أصحابنا على أن غير قريش من العرب ليس
بكفء لهم، ولا أحد من غير بنى هاشم كفء لهم، إلا بنى المطلب، فإنهم هم وبنو هاشم شيء واحد،
كما صرح به فى الحديث الصحيح. اهـ
٨٥
والحديث الذى أشار إليه النووى أخرجه البخارى عن جبير بن مطعم ظه قال: ((مشيت أنا
وعثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله، أعطيت بنى المطلب، وتركتنا؟ وإنما نحن وهم منك بمنزلة
واحدة؟ فقال النبى ( 1: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)) أى نحن فى درجة بنى المطلب،
فعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشی. وجبير بن مطعم بن عدى بن نوفل
ابن عبد مناف القرشى، فهما من حيث الآباء، والأجداد فى درجة واحدة، لكنهما ليسا من بنى هاشم
ولا من بنى عبد المطلب.
وقال الحافظ ابن حجر: قال عياض: استدل الشافعية بحديث البخارى ((الناس تبع لقريش)) على
إمامة الشافعى، وتقديمه على غيره، ولا حجة فيه، لأن المراد به هنا الخلفاء، وقال القرطبى: صحبت
المستدل بهذا غفلة مقارنة لصميم التقليد، وتعقب بأن مراد المستدل أن القرشية من أسباب الفضل
والتقدم، كما أن من أسباب التقدم الورع مثلا، فالمستويان فى خصال الفضل إذا تميز أحدهما
بالورع مثلا كان مقدما على رفيقه، فكذلك القرشية، فثبت الاستدلال بها على تقدم الشافعى وميزته
على من ساواه فى العلم والدين، لمشاركته فى الصفتين، وتميزه بالقرشية، وهذا واضح، ولعل الغفلة
والعصبية صحبت القرطبى فللَّه الأمر.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((أنا سيد ولد آدم)) فى روايتنا الثالثة فليس من قبيل الفخر المنهى
عنه، بل صرح صلى الله عليه وسلم بنفس الفخر فى غير مسلم فى الحديث المشهور «أنا سيد ولد آدم
ولا فخر)) قال النووى: وإنما قاله لوجهين:
أحدهما: امتثال قوله تعالى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [ الضحى: ١١].
والثانى: أنه من البيان الذى يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه،
ويوقروه صلى الله عليه وسلم بما تقتضى مرتبته، كما أمرهم الله تعالى.
قال: وهذا الحديث دليل على تفضيله صلى اللّه عليه وسلم على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل
السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة (أى المؤمنين المتقين منهم) وهو صلى اللَّه عليه وسلم أفضل
الآدميين وغيرهم.
قال: وأما الحديث الآخر ((لا تفضلوا بين الأنبياء)) (وسيأتى فى ملحق الرواية ١٦٠) فجوابه من
خمسة أوجه:
أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما علم أخبر به.
والثانى: قاله تأدبا وتواضعا.
والثالث: أن النهى إنما هو عن تفضيل يؤدى إلى نقص المفضول.
والرابع: إنما نهى عن تفضيل يؤدى إلى الخصومة والفتنة، كما هو المشهور فى سبب الحديث.
والخامس: أن النهى مختص بالتفضيل فى نفس النبوة، فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل
٨٦
بالخصائص وفضائل أخرى، ولابد من اعتقاد التفضيل، فقد قال اللّه تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وعند الترمذى وحسنه ((إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين
%
وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غير فخر)) وعنده أيضاً ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدى لواء الحمد
ولا فخر، ما من نبى يومئذ -آدم فمن سواه - إلا تحت لوائى، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر))
قال الترمذى: حديث حسن صحيح.
وعنده أيضا ((إن بمكة حجرًا، كان يسلم على ليالى بعثت، إنى لأعرفه الآن)».
والله أعلم
٨٧
(٦٠٤) باب فى معجزات النبى ◌ّ
٥١٨١- ٤ عَنِ أَنَسِ عَ﴾(٤) أَنَّ النّبِيِّل:﴿ْ دَهَا بِمَاءٍ، فَأَتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فَجَعَلَ
الْقَوْمُ يَتَوَضِّفُونَ، فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِِّّيْنَ إِلَى الْثّمَانِينَ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ
يَنْبُعُ مِن بَيْنِ أَصَابِعِهِ.
٥١٨٢-٢ْ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍَّ﴾(٥) أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ،
فَالْتَمَسَ النّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَأَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ ◌ِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِعَ لَّ فِي
ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّنُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِن تَحْتِ أَصَابِعِهِ،
فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّنُوا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ.
٥١٨٣- ٣ّ عَنِ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رِ﴾ (٢) أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَ﴿ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ قَالَ:
وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ) دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ
فِيهِ، فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِن بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ. قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا يَا أَبَا
حَمْزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلاثِمِائَةِ.
٥١٨٤- بَ عَنِ أَنَسٍ تَ﴾(٧) أَنَّ النَّبِيَّ﴿ّ كَاَ بِالزَّوْرَاءِ، فَأَنِيَ بِنَاءِ مَاءٍ لَا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ، أَوْ
قَدْرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ.
٥١٨٥- ﴿ عَنِ أُمِّ مَالِكِ رَضِيَ اللّهِ عَنْهَا (٨) كَانَتْ تُهْدِي ◌ِّبِيِّ:﴿ْ فِي عُكَّةٍ لَّهَا سَمْنًا.
فَأْتِهَا بُنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الأُدْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ
﴿، فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ. فَأَتَتِ النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَ:
«عَصَرْتِيهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا».
(٤) وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُّ دَاوُدَ الْعَتْكِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنِ أَنَسِ
(٥) وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بَنَّ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ حَ وَ حَدَّتِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ
إِسْحَقَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةٌ عَن أَتَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٦) حَدَّثَنِي أَبُوَ غَسَّانَ الْمِسْمَّعِيُّ حَدْثَنَا مُعَاذٌ يَغَنِي أَبْنَ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِيٍ عَنِ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
(٧) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَاْ سَعِيدٌ عَنَ فَتَادَةَ عَن أَنَسٍ
(٨) وحَدَّثِّي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنٌّ حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنَّ جَابِرٍ أَنْ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي
٨٨
٥١٨٦-٥ْ عَنِ جَابِرٍ﴾(٩) أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَسْتَطْعِمُهُ. فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ.
فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأْتُهُ وَضَيْفُهُمَا، حَتَّى كَالَهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَ: «لَوْ لَمْ تَكِلْهُ
لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ».
٥١٨٧- ١ عَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَ﴾(١٠) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ عَامَ غَزْوَةِ تُبُوكَ.
فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلاةَ. فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. حَنِّى إِذَا كَانَ
يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى
الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ
تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ. فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلا يَمَسَّ مِن مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ» فَجِتْنَاهَا وَقَدْ
سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلانِ. وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِن مَاءِ، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِوَلِ:
«هَلْ مَسَسْتُمَا مِن مَائِهَا شَيْئًا؟» قَالا: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ فَ﴿ِ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ
يَقُولَ. قَالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ. قَالَ وَغَسَلَ
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَّاءٍ مُنْهَمِرٍ. أَوْ قَالَ غَزِيٍ -
شَكَّ أَبُو عَلِيٍّ أَيُّهُمَا قَالَ - حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ. ثُمَّ قَالَ: «يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ،
أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا».
٥١٨٨- ١ عَنِ أَبِي حُمَيْدٍعَ﴾(١١) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ غَزْوَةَ تَبُوكَ. فَأَتَيْنَا
وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لامْرَأَةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ: «اخْرُ صُوهَا» فَخَرَصْنَاهَا. وَخَرَصَهَا
رَسُولُ اللَّهِلِ﴿َّ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ. وَقَالَ: أَخْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» وَانْطَلَقْنَا حَتَّى
قَدِمْنَا تَبُوكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ: «سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ. فَلا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ
مِنْكُمْ. فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ» فَهَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ. فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلْهُ الرِّيحُ حَتَّى
أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ. وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ صَاحِبِ أَيْلَةَ. إِلَى رَسُولِ اللَّهِ،فَ﴿ِه ◌ِكِتَابٍ، وَأَهْدَى
لَهُ بَغْلَةٌ بَيْضَاءَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا. ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى.
فَسَأَلَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا: «كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟» فَقَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ. فَقَالَ
(٩) وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْیَنَ حَدَّثَّا مَعْقِلٌ عَن أَبِي الزُّبْرِ عَن جَابِ
(١٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ الْحَنَفِيُّ خَدَّثَنَا مَالِّكٌ وَهُوَ أَبْنُ أَنَسٍ عَن أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ أَبَا
الطَّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَّعَاذَ بَنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ قَالَ
(١١) حَدَّثَنَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَغْنَبِ حَدْقَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَن عَمْرِو بْنِ يَحَْى عَن عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ عَن
أبي حُمَيْدٍ
٨٩
رَسُولُ اللَّهِلَ: «إِنِّي مُسْرِعٌ. فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِيَ، وَمَنْ شَاءً فَلْيَمْكُثْ» فَخَرَجْنَا
حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةُ. وَهَذَا أُحُدٌ. وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ثُمَّ قَالَ: إِنَّ
خَيْرَ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ
الْخَزْرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ» فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقَالَ أَبُو
أُسَيْدٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿َ خَيَّرَ دُورَ الأَنْصَارِ فَجَعَلَنَا آخِرًا، فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَيَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا. فَقَالَ: «أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ
تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ».
٥١٨٩- ٣ّ! وَفِي رواية عَنٍ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى(١٢) بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ «وَفِي كُلِّ دُورٍ
الأَنْصَارِ خَيْرٌ» وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِن قِصَّةٍ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: فَكَتَّبَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿َ بِبَحْرِهِمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِع ◌َلَ.
المعنى العام
المعجزة أمر خارق للعادة، تظهر على يد من يدعى النبوة والرسالة، تأييدا له.
وفى بداية البشرية، حيث كانت العقول ضيقة المعلومات، قليلة الثقافة، قريبة العهد بالفطرة
والبداهة، بعيدة عن عمق الفكر، وعن غور البحث والنظر كانت معجزات الرسل مادية حسية، فى
ميدان ما برع فيه أقوامهم فعهد موسى كان السحر، فكانت معجزته اليد والعصا، ثم فرق البحر.
ومعجزة عيسى فى عهد الطب كانت إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله. ومعجزة إبراهيم
أن كانت النار برداً وسلاماً عليه، ومعجزة صالح ناقة تسقى الناس جميعهم من لبن لا ينضب، لهم
يوم تروى القوم كلهم، ولها يوم تشرب هى فيه.
وكان عصر الرسول محمد * عصر الرقى العقلى والبلاغى، فكانت معجزته الكبرى القرآن الكريم
الذى تحدى به فحول البلاغة أن يأتوا بمثل سورة منه، وهو الأمى الذى لا يقرأ ولا يكتب فعجزوا.
نعم كان فريق كبير من العرب أميين، فكانت حاجتهم شديدة إلى المعجزة الحسية المادية،
يوثقون بها إيمانهم، ويزيدون عن طريقها يقينهم، فأجرى الله تعالى على يدى محمد # مجموعة من
المعجزات الحسية، بل أجرى له بعض الخوارق قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، إعدادًا وتمهيدًا
للنبوة، فجعل حجراً من حجارة مكة يسلم عليه كلما مرصلى الله عليه وسلم به، حتى أصبح صلى اللّه
عليه وسلم يميزه من بين الأحجار، ويعرفه حق المعرفة، معرفة ظلت تلازمه بعد الهجرة وحتى لقاء
(١٢) وحَدََّهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَفَّاهُ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَّمَةَ الْمَخْزُومِيُّ قَالا حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُوَ بْنُ يَّخْتَى بِهَذَا الإِسْنَاهِ
٩٠
ربه، ومن تلك المعجزات الحسية حنين الجذع الذى كان يخطب عليه، وتسبيح الحصى فى يده،
وتكليم الذراع المسمومة فى غزوة خيبر، وتكثير الطعام ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم، وقد تعرضنا
لهذه المعجزة فى كتاب الأطعمة والأشربة، باب الضيف يستتبعه غيره واستحباب الاجتماع على
الطعام، كما تعرضنا لفوران عين الحديبية بعد أن نضب ماؤها.
وهذا باب يتعرض لنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم وفوران عين تبوك لسد حاجة
المسلمين، ومعجزات مادية أخرى، صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
( أن النبى # دعا بماء ) بينت الرواية الثانية سبب الحاجة إلى الماء، فى هذه الحادثة،
ففيها ((رأيت رسول اللَّه ﴿، وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء (بفتح الواو الماء الذى
يتوضأ به) فلم يجدوه، وبينت الرواية الثالثة مكان هذه الحادثة، وفيها ((أن نبى اللّه ◌ُل﴾ وأصحابه
بالزوراء) قال الراوى: والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمه.
قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((ثمة)) قال أهل اللغة ((ثم)) بفتح الثاء، و((ثمة)» بالهاء
بمعنى هناك، وهنا، فثم للبعيد، وثمة للقريب. اهـ والزوراء مكان معروف بالمدينة، عند السوق.
(فأتى بقدح رحراح) ((أتى)) بضم الهمزة، مبنى للمجهول، والرحراح بفتح الراء، وإسكان
الحاء، ويقال له: رحرح، بحذف الألف، وهو الواسع القصير الجدار، وفى الرواية الثانية ((فأتى رسول
اللَّهِ وَ﴿ بوضوء (بفتح الواو، أى بماء) وفى ملحق الرواية الثالثة ((فأتى بإناء ماء، لا يغمر أصابعه، أو
قدر ما يوارى أصابعه)» وعند أبى نعيم عن أنس أنه هو الذى أحضر الماء، وأنه أحضره إلى النبى وَ ل
من بيت أم سلمة، وأنه رده بعد فراغهم إلى أم سلمة، وفيه قدر ما كان فيه أولا.
( فجعل القوم يتوضئون ) فى الكلام طى، والفاء عاطفة على محذوف، بينته الرواية الثانية،
وفيها ((فوضع رسول الله﴿ فى ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه)).
( فحرزت ما بين الستين إلى الثمانين ) أى فقدرت العدد ما بين الستين إلى الثمانين،
وفى الرواية الثالثة ((فتوضأ جميع أصحابه، قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء
الثلاثمائة)) قال النووى: قال العلماء: هما قضيتان، جرنا فى وقتين، ورواهما أنس. اهـ ويحتمل أن
تكون قضية واحدة، وأنه أخذ يعد حتى وصل إلى الثمانين، وترك العد منشغلا بالنظر إلى الماء ينبع
من بين أصابعه، فلما سئل عن عدد القوم قدرهم بثلاثمائة، ((وزهاء)) بضم الزاى، وبالمد، أى قدر
ثلثمائة، مأخوذ من زهوت الشيء إذا حصرته، وهى تفيد تقريب العدد، لا تحديده، وفى رواية
بالتحديد، ((قال: ثلاثمائة)) بدون ((زهاء)» قال النووى: ((الثلاثمائة)» بالألف واللام. هكذا هو فى جميع
النسخ وهو صحيح.
( فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه) ((ينبع)) بضم الباء وفتحها وكسرها،
٩١
ثلاث لغات، قال النووى: وفى كيفية هذا النبع قولان: أحدهما: أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه
صلى الله عليه وسلم، وينبع من ذاتها ويؤيد هذا رواية ((فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه)).
والثانى: يحتمل أن اللَّه كثر الماء فى ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، لا من نفسها، فهو يفور
من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائى، وهو فى نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر، وكفه
صلى الله عليه وسلم فى الماء فرآه الرائى نابعا من أصابعه، وكلاهما معجزة، والأول أبلغ فى المعجزة،
وليس فى الأخبار ما يرده، قال الحافظ ابن حجر: وهو أولى.
وفى الرواية الثانية ((فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم)) قال النووى: هكذا هو فى
الصحيحين، وهو صحيح، و((من)) هنا بمعنى ((إلى)) وهى لغة. اهـ. وهى بمعنى ما جاء فى الرواية
الثالثة بلفظ «فتوضأ جميع أصحابه».
( أنٍ أم مالك ) الأنصارية، وعند ابن أبى عاصم ((أن أم مالك الأنصارية جاءت بعكة سمن إلى
رسول اللَّه، فأمر بلالا بعصرها، ثم دفعها إليها، فإذا هى مملوءة، فجاءت، فقالت: أنزل فى شيء،
قال: وما ذاك؟ قالت: رددت على هديتى. فدعا بلالا، فسأله، فقال: والذي بعثك بالحق. لقد عصرتها،
حتى استحييت، فقال: هنيئا لك هذه البركة يا أم مالك. هذه بركة عجل اللَّه لك ثوابها)).
( كانت تهدى للنبى ٪ - فى عكة لها - سمنا) أى فيأخذ رسول اللَّه لم﴿ السمن، ولا
يستأصلها، بل يبقى فى العكة بقايا، لا يغسلها ولا يمسحها، ثم يعيدها. والعكة بتشديد الكاف وبضم
العين، وتفتح، وعاء صغير من جلد، يجز شعره ولا ينتف، يحفظ فيه السمن والشراب.
( فتعمد إلى الذى كانت تهدى فيه للنبى ) أى فتذهب إلى الإناء الراجع من عند رسول
اللَّه ◌َلْ﴿، فتمد يدها فيه، فتجد فيه سمنا، فتأخذ منه أدماً لأولادها.
( حتى عصرته ) يقال عصر الشيء، بفتح الصاد، يعصره بكسرها، إذا استخرج ما فيه من دهن
أو ماء، ونحوه.
( فأتت النبى ) أى فأخبرته بما حصل.
( لوتركتيها ما زال قائما ) أى لو تركت العكة بدون عصر لظل السمن فيها باقيا
موجودًا حاضرًا.
( يستطعمه، فأطعمه شطروسق شعير) أى يطلب منه طعامًا له ولأهله، فأعطاه شعيرا،
قدر كيلة، جزءًا من وسق. والوسق بفتح الواو وكسرها، وسكون السين، ستون صاعًا.
( حتى كاله ) أى كال ما بقى منه ليعرف مقداره، فذهبت البركة بالكيل.
( لولم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم ) أى لأكلتم منه زمنا طويلا، ولقام عندكم طعاما لكم.
( عام غزوة تبوك ) وهى غزوة العسرة، وكانت فى شهر رجب، سنة تسع من الهجرة،
قبل حجة الوداع.
٩٢
وتبوك مكان معروف، فى نصف المسافة بين المدينة ودمشق، واللفظ ممنوع من الصرف للعلمية
والتأنيث على المشهور به.
(حتى إذا كان يوما، أخر الصلاة) أى جمع جمع تقديم فى يوم، وجمع جمع تأخير فى
اليوم الثانى.
( وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار) حدد لهم ساعة الوصول، وأنها بعد الضحى.
( فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى ) النهى عن المس نهى عن
الشرب منها أو لمس مائها عموما.
(والعين مثل الشراك، تبض بشيء من ماء) ((الشراك)) بكسر الشين سير النعل، ويضرب
به المثل فى القلة، أى ماؤها قليل جدا، وقال النووى ((تبض)) هكذا ضبطناه هنا بفتح التاء وكسر
الباء، وتشديد الضاد، ومعناه تسيل. قال: ونقل القاضى اتفاق الرواة هنا على أنه بالضاد، واختلفوا فى
ضبطه هناك، فضبطه بعضهم بالضاد، وبعضهم بالصاد المهملة، أى تبرق وتلمع، قال الحافظ ابن
حجر: وهذا المعنى مستبعد، فإن فى نفس الحديث ((تكاد تبض من الملء)) بكسر الميم وسكون اللام
بعدها همزة، فكونها تكاد تسيل من الملء ظاهر، وأما كونها تلمع من الملء فبعيد.
(فسألهما رسول اللَّه ◌َ﴿) معطوف على مطوى محذوف، تقديره: وعلم الرسول - فجيء
بهما، فسألهما.
( هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم ) يحتمل أنهما فهما النهى عن
التنزيه، وكانا فى حاجة شديدة للماء، والظاهر أنه لم يكن ثمة عذر يعتذران به، فيقبل، لهذا
سبهما صلى الله عليه وسلم.
(وقال لهما ما شاء الله أن يقول ) من ألفاظ اللوم والتعنيف.
( ثم غرفوا بأيديهم من العين، قليلا قليلا ) بناء على أمره صلى الله عليه وسلم.
( حتى اجتمع فى شيء ) أى حتى تجمع هذا القليل فى الإناء.
( ثم أعاده فيها ) أى ثم أعاد الماء الذى غسل به وجهه ويديه مع ما بقى فى الإناء إلى البئر.
( فجرت العين بماء منهمر - أو قال غزير - شك أبو على. أيهما قال ) أصل السند:
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى حدثنا أبو على الحنفى حدثنا مالك عن أبى الزبير أن أبا
الطفيل أخبره أن معاذ بن جبل ظه، قال ... الحديث. فالقائل: شك أبو على، هو عبد الله بن عبد
الرحمن الدارمى.
والمنهمر كثير الصب والرفع.
( يوشك يا معاذ - إن طالت بك حياة - أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا ) أى بساتين
وعمرانا جمع جنة.
٩٣
( فأتينا وادى القرى ) بضم القاف، مدينة قديمة، بين المدينة والشام.
( على حديقة لامرأة) كانت حديقة من نخل، وفى رواية البخارى ((إذا امرأة فى حديقة لها))
( فقال رسول اللَّه﴿: اخرصوها) بضم الراء وكسرها، والضم أشهر أى اخرصوا بالحديقة،
أى قدروا ثمرها وخمنوا كم وسقا يكون؟ وذلك امتحان لهم، وتمرين وتعليم.
( فخرصناها، وخرصها صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق ) والظاهر أن خرصهم وافق
خرص رسول اللّه آل﴾.
( وقال: أحصيها حتى نرجع إليك ) أى قال للمرأة صاحبة الحديقة: أحصى وعدى كيلها
واجمعى ما تأكلينه وما تهدينه وما تبيعينه حتى نرجع إليك، لنعرف صحة خرصنا وتقديرنا، فلما
رجعوا، وسألها تبين صحة خرصهم.
( فمن كان له بعير فليشد عقاله ) لئلا ينفلت، فيحتاج صاحبه إلى القيام فى طلبه، فيلحقه
ضرر الريح، وفى وراية البخارى ((ومن كان معه بعير فليعقله)).
(فقام رجل ) مخالفا أمر رسول اللَّهل:﴿، وفى رواية ابن إسحق ((ففعل الناس ما أمرهم، إلا
رجلين من بنى ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج آخر فى طلب بعير له، فأما الذى ذهب لحاجته
فإنه خنق على مذهبه، أى خنقه الريح فى طريقه، وأما الذى ذهب فى طلب بعيره فاحتملته الريح
حتى ألقته بجبل طيّئَ، فأخبر رسول اللَّه ﴿، فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا وصاحب له معه))؟
ثم دعا للذى أصيب على مذهبه، فشفى، ولعل قيامه كان لضرورة قضاء الحاجة، أو غير ذلك، وأما
الآخر فإنه وصل إلى رسول اللَّه * حين قدم من تبوك.
( فحملته الريح ) أى دفعته دفعا لا يستطيع مقاومته.
( حتى ألقته بجبلى طيّئ) جبلان مشهوران، يقال لأحدهما أجاء بفتح الهمزة
والجيم به وبالهمز، والآخر سلمى بفتح السين، وطيّئ بياء مشددة بعدها همزة، على وزن
سيد، وهو أبو قبيلة من اليمن، وهو طيئ بن أدربن زيد بن كهلان بن سبأ. وقال صاحب
التحرير: ((طيئ)» يهمزولا يهمز، لغتان.
( وجاء رسول ابن العلماء، صاحب أيلة إلى رسول اللّه # بكتاب) ((العلماء)) بفتح
العين وإسكان اللام وبالمد، و((أيلة)) بفتح الهمزة واللام، بلدة قديمة بساحل البحر، وفى رواية
البخارى ((وأهدى ملك أيلة"(*).
(وأهدى له بغلة بيضاء) قال النووى: هذه البغلة هى ((دلدل)) بغلة رسول اللَّه ◌َ ﴿، لكن ظاهر
لفظه هنا أنه أهداها للنبى { فى غزوة تبوك، وقد كانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وقد كانت
(*) وفى مغازى ابن إسحق «ولما انتهى رسول اللّه ﴿ إلى تبوك، أتاه يوحنا بن. روية، صاحب أيلة، فصالح رسول اللّه ◌ُ﴾،
وأعطاه الجزية».
٩٤
هذه البغلة عند رسول اللَّه* قبل ذلك، وحضر عليها غزوة حنين، كما هو مشهور فى الأحاديث
الصحيحة، وكانت حنين عقب فتح مكة، سنة ثمان، قال القاضى: ولم يروأنه كان للنبى وَ ل بغلة
غيرها، قال: فيحمل قوله على أنه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجىء بالواو، وهى لا
تقتضى الترتيب، اهـ. فالمعنى: وكان ابن العلماء قد أهدى له بغلة بيضاء. (فكتب إليه رسول الله
﴿) ردًا على كتابه، وسلمه رسوله، وفى ملحق الرواية ((فكتب له رسول اللّه﴾ ببحرهم)) أى ببلدهم
أى بأهل بحرهم، أى أنه أقره عليهم بما التزموه من الجزية.
( وأهدى إليه بردًا ) ظاهره أنه فى مقابل إهداء البغلة، مما يبعد كلام القاضى السابق، ولا
مانع من أن يكون أهدى إليه ابن العلماء بغلة بيضاء فى تبوك، فأهداها النبى # فى الحال لأحد
أصحابه، وعدم رواية ذلك لا يدل على عدم وقوعه.
( إنى مسرع، فمن شاء منكم فليسرع معى، ومن شاء فليمكث ) فى رواية البخارى
((إنى متعجل إلى المدينة، فمن أراد منكم أن يتعجل معى فليتعجل)) أى إنى سالك الطريق القريبة،
الشاقة، فمن أراد فليأت معى، يعنى ممن له اقتدار على ذلك، دون بقية الجيش.
(إن خير دور الأنصار دار بنى النجار) قال القاضى: المراد أهل الدور، والمراد القبائل،
وإنما فضل بنى النجار لسبقهم فى الإسلام، وآثارهم الجميلة فى الدين. ومناسبة هذه المفاضلة عودته
صلى الله عليه وسلم من سفر، وغربة عن المدينة، فحين أشرف عليها ذكرها، وذكر جبلها، وحبه لها
وله، فناسب ذكر محبته لأهلها، ومحبة أهلها له وجهادهم فى سبيل الإسلام.
والمراد من المفاضلة بين الدور المفاضلة بين أهل الدور، ففى رواية للبخارى ((خير
الأنصار بنو النجار)» وبنو النجارهم الخزرج، قيل سمى الجد بالنجار لأنه ضرب رجلا،
فنجره، وهو ابن ثعلبة بن عمرو.
وبنو النجارهم أخوال جد رسول الله :﴿، لأن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لما قدم
المدينة، فلهم مزية على غيرهم.
( ثم دار بنى عبد الأشهل ) فى رواية للبخارى ((ثم بنوعبد الأشهل)) وهم من الأوس، وهو عبد
الأشهل من جشم بن الحارث بن الخزرج الأصفر بن عمود بن مالك بن الأوس بن حارثة، وهم رهط
سعد بن معاذ، وجاء فى رواية تقديم بنى عبد الأشهل على بنى النجار قال الحافظ ابن حجر: رواية
أنس فى تقديم بنى النجار لم يختلف عليه فيها، وكان أنس منهم، فله مزية عناية بحفظ فضائلهم.
( ثم دار بنى عبد الحارث ) قال النووى: هكذا هو فى النسخ ((بنى عبد الحارث)) وكذا نقله
القاضى، قال: وهو خطأ من الرواة، وصوابه ((بنى الحارث)) بحذف لفظة ((عبد)).
( ثم دار بنى ساعدة ) ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر، وسعد بن عبادة من بنى ساعدة،
وكان كبيرهم يومئذ.
( وفى كل دور الأنصار خير) ((خير)) الأولى أفعل تفضيل، والثانية اسم، أى الفضل حاصل
فى جميع الأنصار، وإن تفاوتت مراتبه.
٩٥
( فقال أبو أسيد ) لسعد بن عبادة، وهما من بنى ساعدة.
(ألم ترأن رسول اللَّه خير دور الأنصار) أى فاضل بينها.
(فجعلنا آخرا) فى رواية البخارى ((أخيرا)» فى رواية ((فوجد سعد بن عبادة فى نفسه، فقال:
خلفنا، فكنا آخر الأربعة)».
(فأدرك سعد رسول اللَّه ﴿، فقال: يا رسولِ اللَّه، خيرت دور الأنصار، فجعلتنا
آخرا؟) فى رواية «وجد فى نفسه، وأراد كلامٍ رسول اللَّه ◌َ ﴿ فى ذلك، فقال له ابن أخيه سهل:
أتذهب لترد على رسول الله﴿ أمره؟ ورسول اللَّه أعلم؟ أوليس حسبك أن تكون رابع أربعة؟ فرجع))
قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عند قصده رسول اللّه * لذلك خاصة، ثم إنه
لما لقى رسول اللّه ﴿ فى وقت آخر ذكر له ذلك، أو الذى رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار،
والذى صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة.
( أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟) أى من الأفاضل؟ لأنهم بالنسبة إلى من دونهم
أفضل، وكأن المفاضلة وقعت بينهم بحسب السبق إلى الإسلام، ويحسب مساعيهم فى إعلاء كلمة
الله، ونحو ذلك، قاله الحافظ بن حجر.
فقه الحديث
ترجم الإمام النووى لهذا الحديث بقوله: باب فى معجزات النبى {®، وترجم الإمام البخارى له
بقوله: باب علامات النبوة فى الإسلام، وقال الحافظ ابن حجر: العلامات جمع علامة، وعبر بها
المصنف لكون ما يورده من ذلك أعم من المعجزة، بما يشمل الكرامة، والفرق بينهما أن المعجزة
أخص، لأنه يشترط فيها أن يتحدى النبى و من يكذبه، بأن يقول: إن فعلت كذلك أتصدق بأنى
صادق؟ أو يقول من يتحداه: لا أصدقك حتى تفعل كذا، ويشترط أن يكون المتحدى به مما يعجز عنه
البشر فى العادة المستمرة، وقد وقع النوعان للنبى 8 فى عدة مواطن، وسميت المعجزة معجزة لعجز
من يقع عندهم ذلك عن معارضتها.
ثم قال: وما عدا القرآن، من نبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونطق
الجماد، فمنه ما وقع التحدى به ومنه ما وقع دالا على صدقه من غير سبق تحد، قال: ومجموع ذلك
يفيد القطع بأنه ظهر على يده صلى الله عليه وسلم من خوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بجود
حاتم، وشجاعة على، وإن كانت أفراد ذلك ظنية، وردت مورد الآحاد مع أن كثيرا من المعجزات
النبوية قد اشتهر وانتشر، ورواه العدد الكثير والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم
بالآثار، والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه الرتبة، لعدم عنايتهم بذلك، بل لو
ادعى مدع أن غالب هذه الوقائع مفيدة للقطع بطريق نظرى، لما كان مستبعدا، وهو أنه لا مرية أن
رواة الأخبار فى كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار فى الجملة، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة ولا من
بعدهم مخالفة الراوى، فيما حكاه من ذلك، والإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق،
٩٦
لأن مجموعهم محفوظ من الإغضاء على الباطل، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار، أو طعن على
بعض من روى شيئا من ذلك فإنما هو من جهة توقف فى صدق الراوى، أو تهمته بكذب، أو توقف فى
ضبطه، ونسبته إلى سوء الحفظ أو جواز الغلط، ولا يوجد من أحد منهم طعن فى المروى.
وذكر النووى فى مقدمة شرح مسلم أن معجزات النبى * تزيد على ألف ومائتين، وقال البيهقى
فى المدخل: بلغت ألفا، وقال الزاهرى من الحنفية: ظهر على يديه ألف معجزة، وقيل: ثلاثة آلاف،
وقد اعتنى بجمع ما وقع من ذلك قبل البعثة، بل قبل المولد الحاكم فى الإكليل، والنيسابورى فى
شرف المصطفى، وأبو نعيم، والبيهقى فى دلائل النبوة، وغيرهم.
قال القرطبى: ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم معجزة لم يسمع بمثلها من غير
نبينا ﴾، حيث نبع الماء من بين عظمه ولحمه وعصبه ودمه.
وقد نقل ابن عبد البرعن المزنى أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم أبلغ فى
المعجزة من نبع الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا، فتفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لأن
خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم.
وبالإضافة إلى روايتنا فى نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ذكر البخارى روايات
أخرى فعن أنس به قال: ((خرج النبى ﴿﴿ فى بعض مخارجه، ومعه ناس من أصحابه، فانطلقوا
يسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجدوا ماء يتوضئون، فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح من ماء
يسير، فأخذه النبى {2، فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع - أى ما عدا الإبهام - على القدح، ثم قال: قوموا
فتوضئوا، فتوضأ القوم، حتى بلغوا ما يريدون من الوضوء، وكانوا سبعين أو نحوه)».
وعن أنس ظُله قال: ((حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقى قوم،
فأتى النبي # بمخضب من حجارة، فيه ماء، فوضع كفه، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فضم
أصابعه، فوضعها فى المخضب، فتوضأ القوم كلهم أجمعون)».
وعن عبد الله بن مسعود رضيالله قال: «كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول
اللَّه﴿ فى سفر، فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناء، فيه ماء قليل، فأدخل يده فى
الإناء ثم قال: حى على الطهور المبارك، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول
الله له، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)».
قال القرطبى: قضية نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم تكررت منه فى عدة
مواطن، فى مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعى، المستفاد
من التواتر المعنوى.
قال الحافظ ابن حجر: وحديث نبع الماء من بين أصابعه جاء من رواية أنس عند الشيخين
وأحمد وغيرهم من خمسة طرق، وعن ابن مسعود عند البخارى والترمذى، وعن ابن عباس عند أحمد
والطبرانى، وعن ابن أبى ليلى عند الطبرانى، وفى ذلك رد على ابن بطال، حيث قال هذا الحديث
شهده جماعة كثيرة من الصحابة، إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس ثم قال الحافظ ابن حجر: وأما
٩٧
تكثير الماء، بأن يلمسه بيده، ويتفل فيه، أو يأمر بوضع شيء فيه، كسهم من كنانته فجاء فى حديث
عمران بن حصين فى الصحيحين، وعن البراء ابن عازب عند البخارى وأحمد من طريقين، وعن أبى
قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقى فى الدلائل، فالطرق كثيرة من حيث الراوى الأعلى، وأما من
رواها من أهل القرن الثانى فهم أكثر عددا.
ثم ساق الحافظ ابن حجر حديث جابر عند أحمد، ولفظه «سافرنا مع رسول اللّه ، فحضرت
الصلاة، فقال رسول اللّه: أما فى القوم من طهور؟ فجاء رجل بفضلة فى إداوة، فصبه فى قدحٍ،
فتوضأ رسول الله ﴿، ثم إن القوم أتوا ببقية الطهور، فقالوا: تمسحوا. تمسحوا. فسمعهم رسول الله
*، فقال: على رسلكم، فضرب بيده فى القدح، فى جوف الماء، ثم قال: أسبغوا الطهور. قال جابر:
فوالذى أذهب بصرى، لقد رأيت الماء يخرج من بين أصابع رسول اللَّه *، حتى توضئوا أجمعون.
قال: حسبته قال: كنا مائتين وزيادة)) وجاء عن جابر قصة أخرى، أخرجها مسلم، من وجه آخر عنه
فى أواخر الكتاب، فى حديث طويل، فيه ((أن الماء الذى أحضروه له، كان قطرة فى إناء من جلد، لو
أفرغها لشربها يابس الإناء- أى لشربها سطح الإناء الجاف- وأنه لم يجد فى الركب قطرة ماء غيرها،
قال: فأخذه النبى *، فتكلم، وغمز بيده، ثم قال: ناد بجفنة الركب، فجيء بها، فقال بيده فى الجفنة،
فبسطها، ثم فرق أصابعه، ووضع تلك القطرة فى قعر الجفنة، فقال: خذ يا جابر، فصب على، وقل: بسم
الله. ففعلت، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، ودارت حتى امتلأت، فأتى
الناس، فاستقوا، حتى رووا، فرفع يده من الجفنة وهى ملأى)».
قال الحافظ ابن حجر: وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدم، لاشتمالها على قلة الماء، وعلى كثرة
من استسقى منه، اهـ
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١- ما كان عليه الرسول وصحابته من قلة الماء.
٢- وأنهم كانوا يقدمون الوضوء بما تيسر لهم منه على بقية حاجاتهم إليه.
٣-ومن الرواية الرابعة ((المرأة التى عصرت العكة)) والخامسة ((الرجل الّذى كال الشعير)) قال النووى:
ومثله حديث عائشة، حين كالت الشعير ففنى، قال العلماء: الحكمة فى ذلك أن عصرها وكيله
مضاد للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة. وتكلف
الإحاطة بأسرار حكم الله تعالى وفضله، فعوقب فاعله بزواله.
٤- وفيهما بركة النبى# فيما يعطى، وبركة فضلته.
٥- ومن الرواية السادسة، من قوله ((فكان يجمع الصلاة ... ((الجمع بين الصلاتين فى السفر.
٦- ومن الإخبار عن موعد وصولهم تبوك قبل حصوله معجزة.
٧- ومن الإخبار عن مائها وحاله قبل وصولهم إليها معجزة.
٨- ومن سبه الرجلين تأنيبه صلى الله عليه وسلم للمخطئ، وبخاصة إذا فعل ما يضر المجتمع،
ويخالف أمر رسول اللَّه عَ ل﴾.
٩٨
٩- ومن الإخبار عن تحول تلك الصحراء إلى جنات، وقد حصل، معجزة.
١٠- ومن الرواية السابعة، من طلبه صلى الله عليه وسلم أن يخرص أصحابه ثمر نخل الحديقة
استحباب امتحان العالم أصحابه بمثل هذا التمرين.
١١- ومن خرصه صلى الله عليه وسلم وصحته ودقته ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من
العلم وبعد النظر.
١٢ - ومن إخباره بالريح قبل هبوبها معجزة.
١٣- وفيه خوف المؤمن من هبوب الريح، وما تحدث من ضرر.
١٤ - وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من شفقته على أمته، والرحمه لهم، والاعتناء بمصالحهم،
وتحذيرهم مما يضرهم فى دين أو دنيا.
١٥ - ومن قبول البغلة جواز قبول هدية الكافر.
١٦ - ومن إهدائه صلى الله عليه وسلم البرد مكافأة الهدية.
١٧ - وميزة جبل أحد، وفضيلة المدينة.
١٨ - وتفاضل قبائل الأنصار، ومناقبهم.
١٩ - ومن سؤال سعد تنافسهم فى الخير.
٢٠- قال الحافظ ابن حجر: ولا يعد هذا التفاضل من قبيل الغيبة أصلا، إلا إن أخذ من أن المفضل
عليهم يكرهون ذلك، فيستثنى ذلك من عموم قوله ((ذكرك أخاك بما يكره)» ويكون محل الزجر إذا
لم يترتب عليه حكم شرعى، فأما ما يترتب عليه حكم شرعى فلا يدخل فى الغيبة، وإن كرهه
المحدث عنه، ويدخل فى ذلك ما يذكر بقصد النصيحة، من بيان غلط من يخشى أن يقلد، أو يغتر
به فى أمر ما، فلا يدخل ذكره بما يكره من ذلك فى الغيبة المحرمة.
٢١ - قال ابن التين: وفى الحديث دليل على جواز المفاضلة بين الناس، لمن يكون عالما بأحوالهم
لينبه على فضل الفاضل، ومن لا يلحق بدرجته فى الفضل، فيتمثل أمره صلى الله عليه وسلم
بتنزيل الناس منازلهم.
٢٢ - وترجم البخارى للرواية السابعة بباب خرص التمر، قال الحافظ ابن حجر: أى مشروعيته،
وحكى الترمذى عن بعض أهل العلم أن تفسير الخرص أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب،
مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصا، ينظر، فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبا، وكذا
وكذا تمرا، فيحصيه، وينظر مبلغ العشر، فيثبته عليهم، ويخلى بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت
الجذاذ أخذ منهم العشر. اهـ
وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار، فى التناول منها، والبيع من زهوها، وإيثار الأهل
والجيران والفقراء، لأن فى منعهم منها تضييقا لا يخفى.
٩٩
وقال الخطابي: أنكر أصحاب الرأى الخرص، وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخوينا للمزراعين،
لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم، لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار، وتعقبه
الخطابى بأن تحريم الربا، والميسر متقدم، والخرص عمل به فى حياة النبى 8 حتى مات، ثم أبو
بكروعمرومن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه، إلا عن الشعبى، قال: وأما
قولهم: إنه تخمين وغرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد فى معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص
الذى هو نوع من المقادير.
وحكى أبو عبيد عن قوم منهم أن الخرص كان خاصا بالنبى ®، لأنه كان يوفق من الصواب ما لا
يوفق له غيره، وتعقبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يسدد لما كان يسدد له سواء، أن تثبت بذلك
الخصوصية، ولو كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد فيه، كتسديد الأنبياء
لسقط الاتباع، وترد هذه الحجة أيضا بإرسال النبى 8 الخراص فى زمانه.
واعتل الطحاوى بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفة، فتتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذا
بدلا مما لم يسلم له، وأجيب بأن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص، قال
ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان. و
ذكر الحافظ ابن حجر تعريفات الفقهاء فى مسألة الخرص لا يتسع لها المقام، فمن أرادها
فليرجع إليها.
والله أعلم
١٠٠