النص المفهرس
صفحات 541-560
يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)) وأخرج أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم ((إن الرقى والتمائم
والتولة شرك)» فهذه الأحاديث يتعارض ظاهرها مع جواز الرقية، وقد أجاب العلماء بأجوبة، منها:
أ- قال النووى: المدح فى ترك الرقى، المراد به الرقى التى هى كلام الكفار، والرقى المجهولة،
والرقى بغير العربية، والرقى بما لا يعرف معناه، فهذه مذمومة، لاحتمال أن يكون معناها كفرا، أو
قريبا من الكفر، أو مكروها. اهـ وحاصل الجواب تخصيص لفظ ((الرقى)) بالمذكورات، أى نهى عن
الرقية التى صفتها كذا وكذا، والذين لا يسترقون بالرقى الممنوعة، وإن الرقى بكذا وكذا شرك.
ب- أن النهى لقوم يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها، كما كانت الجاهلية تزعمه فى أشياء
كثيرة، قاله الطبرى والمازرى وطائفة، وحاصل الجواب تقييد لفظ ((الرقى)) أيضا، أى نهى عن الرقية
المعتقد فيها أنها تنفع بذاتها، وأجاز الرقي التى يعتمد فيها على الله تعالى، والذين لا يسترقون
معتقدين نفعها لذاتها.
ج- قال الداودى وابن قتيبة وطائفة: واختاره ابن عبد البر، المنهى عنه الرقى فى الصحة، خشية
وقوع الداء، والمرخص به الرقى بعد وقوع الداء، وهو معترض بثبوت الاستعاذة فى حديث البخارى
عن عائشة رضى الله عنها قالت ((كان النبى ﴿ إذا أوى إلى فراشه، تفل فى كفه، ويقرأ: قل هو الله
أحد والمعوذتين، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يده من جسده)) وكان رسول اللَّه لا يعوذ الحسن
والحسين بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة.
د- قال النووى: كان النهى أولا، ثم نسخ ذلك، وأذن فيها، وفعلها، واستقر الشرع على الإذن.
هـ - أن المدح فى ترك الرقى للأفضلية، وبيان التوكل، والإذن فيها لبيان الجواز، مع أن تركها
أفضل، فالأفضل الاعتماد على اللَّه فى دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح فى جواز ذلك، لثبوت وقوعه
فى الأحاديث الصحيحة، وثبوته عن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطى
الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابى ومن تبعه، قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن
الدنيا وأسبابها وعلاقتها، وهؤلاء هم خواص الأولياء، ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبى ، فعلا
وأمرا، لأنه كان فى أعلى مقامات العرفان، وأعلى درجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان
الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله، لأنه كان كامل التوكل يقينا، فلا يؤثر فيه تعاطى
الأسباب شيئا، بخلاف غيره، ولو كان كثير التوكل، لكن من ترك الأسباب، وفوض وأخلص فى ذلك
كان أرفع مقاما، قال الطبرى: قيل: لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة،
حتى السبع الضارى والعدو العادى.
قال الحافظ ابن حجر: والحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح فى توكله
تعاطى الأسباب، اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم فى الحرب بين درعين،
ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن فى الهجرة إلى
الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن
٥٤١
ينزل عليه من السماء، وكان هو أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذى سأله: أعقل ناقتى؟ أو
أدعها؟ قال: ((اعقلها وتوكل)) فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل. واللَّه أعلم.
٤- وقد ذكرت الأحاديث حالات الرقى، ومواضع رخص فيها بالرقى، ففى الرواية ٣°، ٣°
((رخص رسول اللَّه ﴿ لأهل بيت من الأنصار فى الرقية من كل ذى حمة)) أى ذات سم، وفى الرواية
٤°® («أو كانت به قرحة أو جرح» وفى الرواية ٣°، ٥° «رخص فى الحمة والنملة والعين» من هنا
قال بعض العلماء: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة، أخذا من حديث البخارى ((لا رقية إلا من
عين أوحمة» وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين
جواز رقية من به خبل، أو مرض نفسى أو عصبى، ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن، من قرح وغيره،
وقيل: المراد بالحصر معنى الأفضل، أى لا رقية أنفع من الرقية فى كذا وكذا، وقال النووى: الاقتصار
فى الأحاديث على أمور فى مواضع الرقية ليس معناه تخصيص جوازها بهذه الأمور، وإنما معناه أنه
سئل عن هذه الثلاثة فأذن فيها ولو سئل عن غيرها لأذن فيه، وقد رقى صلى الله عليه وسلم فى غير
هذه الأمور.اهـ
والتحقيق أن الرقبة التجاء إلى اللَّه تعالى، وهو مطلوب عند كل نازلة، وأعظم النوازل المرض، ولا
شافى فى الحقيقة إلا اللَّه، كما قال على لسان إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينَ﴾
[الشعراء: ٨٠] أى هو لا غيره، وفى الرقي ((اشف أنت الشافى، لا شفاء إلا شفاؤك)) ولا يقتصر فى
اللجوء إلى اللَّه على حالة دون حالة، وفى أحاديث الباب كثير من العموم، فالرواية الأولى ((كان إذا
اشتكى)) والشكوى أعم من الحالات المذكورة، وفى الرواية ٤٦ ((كان إذا اشتكى منا إنسان)» وفى
الرواية (٤١٧ ((كان إذا عاد مريضا)) وفى الرواية°® ((كان إذا مرض أحد من أهله)) ففى كل ذلك دليل
على أن الرقية لا تختص بمرض، دون مرض، وعلى الله قصد السبيل.
٥- أما ألفاظ الرقى الواردة فى الأحاديث، ففى الرواية الأولى ((باسم اللَّه يبريك، ومن كل داء
يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشركل ذى عين)) وفى الرواية الثانية ((باسم الله أرقيك، من كل
شيء يؤذيك، من شرنفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك)) وفى الرواية ٤٦ ((أذهب
الباس، رب الناس، واشف أنت الشافى، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما)) وفى الرواية ١٦
((بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت)) وفى الرواية ٥٠، ٥١ المعوذات، وفى الرواية ٤° ((باسم اللَّه.
تربة أرضنا، بريقة بعضنا، ليشفى سقيمنا، بإذن ربنا)) وفى الرواية الرابعة والعشرين والخامسة
والعشرين فاتحة الكتاب، وفى الرواية ٦٧ ((باسم اللَّه. ثلاثا، أعوذ باللّه وقدرته من شرما أجد
وأحاذر سبعا)).
أمام هذا ذهب بعض العلماء إلى كراهة الرقية بغير المعوذات - سورة الفلق وسورة الناس، وما
فى القرآن الكريم من التعوذ، كقوله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بكَ مِن هَمَرَاتِ الشَّيَاطِين ﴾ وَأَعُوذُ بكَ رَبِّ
أَنْ يَحْضُرُون﴾ [المؤمنون: ٩٨،٩٧] و﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] واستدل هذا
الفريق بما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى وصححه ابن حبان والحاكم من رواية عبد الرحمن بن
٥٤٢
حرملة عن ابن مسعود ((أن النبى ## كان يكره عشرة خصال .. )) فذكر منها ((الرقى إلا بالمعوذات)»
قال البخارى: عبد الرحمن بن حرملة لا يصح حديثه، وقال الطبرى: لا يحتج بهذا الخبر، لجهالة
راويه، وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن فى الرقية بفاتحة الكتاب، ودافع المهلب عن هذا القول،
فقال: إن فى الفاتحة معنى الاستعاذة، وهو الاستعانة، فعلى هذا يختص الجواز، بما يشتمل على هذا
المعنى، وقد أخرج الترمذى وحسنه والنسائى، من حديث أبى سعيد ((كان رسول اللَّه : # يتعوذ من
الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذات فأخذ بها، وترك ما سواها)» قال الحافظ ابن حجر: وهذا
لا يدل على المنع من التعوذ بغيرهاتين السورتين بل يدل على الأولوية، ولا سيما مع ثبوت التعوذ
بغيرهما، وإنما اكتفى بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه، جملة وتفصيلا.
وذهب بعض العلماء إلى قصر الرقية على ما جاءت به الأحاديث.
وذهب فريق من العلماء إلى كراهة الرقى، ما لم تكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربى،
وبالذى يعرف معناه، ليكون بريئا من الشرك، قال الحافظ ابن حجر: وعلى كراهة الرقى بغير كتاب
اللَّه علماء الأمة.اهـ وقال الربيع: سألت الشافعى عن الرقية؟ فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وما
يعرف من ذكر الله.
وذهب فريق من العلماء إلى جواز عموم الرقى ما لم يكن فيها شرك، وأجازوا كل رقية جريت
منفعتها، ولو لم يعقل معناها، واستدلوا بقوله فى الرواية ٦٣، ١٦٤((اعرضوا على رقاكم، فعرضوها
عليه، فقال: لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك)».
قال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند تحقق ثلاثة شروط: أن يكون
بكلام اللَّه تعالى، أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربى، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن
الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى.
وقال القرطبى: الرقى ثلاثة أقسام: أحدها ما كان يرقى به فى الجاهلية، مما لا يعقل معناه،
فيجب اجتنابه، لئلا يكون فيه شرك، أو يؤدى إلى الشرك، الثانى ما كان بكلام اللَّه أو بأسمائه
فيجوز، فإن كان مأثورا فيستحب، الثالث ما كان بأسماء غير الله، من ملك أو صالح، أو معظم من
المخلوقات كالعرش والكعبة، قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذى يتضمن
الالتجاء إلى اللَّه والتبرك به، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به، فينبغى أن يجتنب
کالحلف بغير الله.
أما رقية أهل الكتاب للمسلمين فقد قال عنها المازرى: اختلف فى أسترقاء أهل الكتاب،
فأجازها قوم، وكرهها مالك، لئلا يكون مما بدلوه، وأجاب من أجاز، بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه، لأنه
كالطب فغير الحاذق لا يحسن أن يقول، والحاذق يأنف أن يبدل، حرصا على استمرار وصفه
بالحذق، لترويج صناعته. اهـ، وفى الموطأ أن أبا بكرقال لليهودية، التى كانت ترقى عائشة: ارقيها
بكتاب اللَّه.
٥٤٣
وسأل الربيع الشافعى: أيرقى أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب
اللَّه، وبذكر اللَّه.
أما ما يعرف عند أهل التعزيم بالنشرة، وهى تعاويذ وأدعية مخصوصة، وأفعال تشبه أفعال
السحرة والعقد، فقد قال النووى: وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها، أى تخلى عنه، وقال جاء
حديثها فى غير مسلم، وقد أضافها صلى الله عليه وسلم إلى الشيطان حين سئل عنها، وقال الحسن:
هى من السحر، قال القاضى: وهذا محمول على أنها أشياء خارجة عن كتاب الله تعالى وأذكاره، وعن
المداواة المعروفة التى هى من جنس المبرح، وقد اختار بعض المتقدمين هذا، فكره حل المعقود عن
امرأته، وقد حكى البخارى فى صحيحه عن سعيد بن المسيب عن رجل به طب - أى ضرب من
الجنون، أو رجل يؤخذ عن امرأته، أيخلى عنه؟ أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الصلاح، فلم
ينه عما ينفع، وممن أجاز النشرة الطبرى، وهو الصحيح، اهـ وسيأتى مزيد عنها فى باب السحر.
أما الحروف المقطعة فقد قال عنها ابن عبد السلام: يمنع منها ما لا يعرف، لئلا يكون فيها كفر.
واللَّه أعلم.
وأما كيفية استعمال هذه الرقى فالرواية ٤° صورت بعض الصور، ووضحناها فى
المباحث العربية، وفى الرواية ٤٦ يمسح الراقى المريض بيده، أو بيمينه، وفى الرواية®.
لك ينفث الراقى على المريض، ويمسحه بيده، وفى الرواية ١٣ يضع الراقى يده على مكان
الألم من الجسد، وفى الرواية لقد تفل المستعيذ على يساره ثلاثا، وكل هذه صور جائزة أو
مستحبة، قال النووى: أجمعوا على جواز النفث فى الرقية، واستحبه الجمهور من الصحابة
والتابعين، ومن بعدهم، قال القاضى: وفائدة التفل أو النفث التبرك بتلك الرطوبة، والهواء
والنفس، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى اهـ
وكره الأسود بن زيد، أحد التابعين، النفث مطلقا، تمسكا بقوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَاثَّاتِ فِي
الْعُقَدِ﴾ وكره إبراهيم النخعى النفث عند قراءة القرآن خاصة، ورد الجمهور على الأسود بأنه لا حجة
له فى الآية لأن المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذم النفث مطلقا، ولا
سيما بعد ثبوته فى الأحاديث الصحيحة، ورد الجمهور على النخعى بما جاء فى ملحق الرواية ٦٥.
ولفظه ((فجعل الرجل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقة، ويتفل)) وقد قصوا على النبى 8* القصة، ولم يذكر
ذلك صلى اللَّه عليه وسلم، فكان ذلك حجة.
أما الرقية بالبخور والفسوخة والشبة وخرز الورقة بالإبرة والنار والملح، وعقد العقد، وكتابة خاتم
سليمان وأمثال ذلك مما يفعله العامة، فمكروه أشد الكراهية.
بقى ما أشارت إليه الرواية الرابعة بلفظ ((وإذا استغسلتم فاغسلوا)» وقد أفاض فى وصف غسل
العائن، أو وضوئه، أو غسل بعض أعضائه، وإلقاء الغسالة على المصاب بالعين مع الرقية، فقال
النووى والحافظ ابن حجر وغيرهما فى صفة وضوء العائن: أن يؤتى بقدح ماء، ولا يوضع القدح فى
الأرض، فيأخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يمجها فى القدح، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه، ثم
٥٤٤
يأخذ بشماله ماء، يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ماء، يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين
المرفقين والكفين، ثم يغسل قدمه اليمنى، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة، وكل ذلك فى القدح، ثم
داخلة إزاره، وهو الطرف المتدلى منه، فإذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه، وذكروا صورا
أخرى لوضوئه أو لغسله، نسب بعضها إلى الزهرى، وبعضها إلى غيره من العلماء، لا أجد طائلا من
ذكرها، فهى تأليفات وتوليفات أشبه ما تكون بعمل السحرة والمشعوذين، بل إن العلماء الذين
يعتقدونها ويسوقونها يحسون - بينهم وبين أنفسهم - بعدها وعدم قبولها، فهذا النووى بعد أن ساقها
يقول: وهذا المعنى لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه، وليس فى قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع
المعلومات، فلا يدفع هذا بأن لا يعقل معناه. اهـ أقول: بل يدفع غير المعقول ما لم يرد عن المعصوم
بطريق قطعى، ومثل هذا لا أصل له فى حديث صحيح، والحديث الذى اعتمدوا عليه حديث سهل بن
حنيف، أخرجه مالك في الموطأ، بلفظ: عن محمد بن أبى أمامة بن سهل بن ضيف، أنه سمع أباه
يقول: اغتسل أبى سهل ابن حنيف بالخرار، فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان
سهل رجلا أبيض، حسن الجلد، قال: فقال له عامر: ما رأيت كاليوم، ولا جلد عذراء، قال: فوعك سهل
مكانه واشتد وعكه، فأتى رسول الله: ﴿، فأخبر سهل بالذى كان من شأن عامر، فقال رسول الله ﴾.
(«علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول
الله ټ﴾، ليس به بأس.
وفى رواية ((ألا بركت؟ اغتسل له، فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه
وداخلة إزاره - وهى الطرف المتدلى الذى يضعه المؤتزر أولا على حقوه الأيمن - فى قدح، ثم صب
علیه، فراح سهل مع الناس، ليس به بأس.
وظاهر هذا الإسناد أنه منقطع، فأبو أمامة لم يحضر الواقعة، ولم يذكر عمن أخذ الحديث، وعلى
فرض اتصاله وصحته فهى واقعة عبن، لا يثبت بها حكم، ويحتمل أن تكون تلك خصوصية له *، كما
كان يجمع قليل الماء، فيدعو بالبركة، فيسقى القوم.
أما حديث عائشة عند أبى داود ((كان يؤمر العائن، فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين)» فلم
ينص فيه عن الآمر، وعائشة عاشت أكثر من أربعين سنة بعد رسول الله*، ثم إن الاتفاق
على أن الوضوء أو الغسل المطلوب من العائن ليس وضوءا ولا غسلا شرعيا، ولا بد من
التأويل البتة، ومثل هذا لا يثت به غير المعقول، وما لا يمكن تعليله، وكم أصابت العين فى
عهد الرسول 0 2؟ وقد رتب القائلون بهذا الضوء أمورا عليه، فقال النووى: وقد اختلف
العلماء فى العائن، هل يجبر على الوضوء للمعين؟ أم لا.؟ واحتج من أوجبه بقوله صلى اللّه
عليه وسلم ((وإذا استغسلتم فاغسلوا)) وبرواية الموطأ التى ذكرناها، أنه صلى الله عليه وسلم
أمره بالوضوء، والأمر للوجوب، قال المازري: والصحيح عندى الوجوب، ويبعد الخلاف فيه
إذا خشى على المعين الهلاك إلا بوضوء العائن، فإنه يصير من باب من تعين عليه أحياء
نفس مشرفة على الهلاك، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر، فهذا أولى. اهـ
وهكذا بنى المازرى حكمه وتقديره على مقدمات لم نثبت، ومن المستبعد أن تثبت. واللَّه أعلم.
٥٤٥
٦- واستدل الجمهور بالرواية ٦٥، ٦، من قوله صلى الله عليه وسلم ((خذوا منهم، واضربوا لى
بسهم معكم)) على جواز أخذ الأجرة على الرقى، وعلى تعليم القرآن، وخالف الحنفية، فمنعوه فى
التعليم وأجازوه فى الرقى، كالدواء، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة، والأجرفيه على الله، وهو القياس
فى الرقى، إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الحديث، وحمل بعضهم الأجر فى هذا الحديث على الثواب،
وسياق القصة، التى فى هذا الحديث يأبى ذلك التأويل، وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة فى
الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد رواه أبو داود وغيره، وتعقب بأن إثبات النسخ
بالاحتمال مردود، وبأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هى وقائع أحوال
محتملة التأويل، لتوافق الأحاديث الصحيحة التى فى الباب، قال البخارى: وقال ابن عباس عن
النبى* («أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللَّه)) وقال الحكم: لم أسمع أحدا كره أجر المعلم.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم:
١- أن للرقى سرا، يعلمه الله، ولها آثار عجيبة، تتقاعس عنها العقول، ولما كان اللَّه هو الشافى، وقد
أودع سبحانه وتعالى آثار قدرته، فى مباشرة أسباب معينة كالقرآن والأذكار والأدوية.
٢- من الرواية الثانية، وتكرير («باسم الله أرقيك)) توكيد الرقية وتكريرها، وتكرير الدعاء.
٣- ومن الرواية الرابعة إثبات القدر، قال النووى: وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه أن
الأشياء كلها بقدر اللَّه تعالى، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى، وسبق بها علمه، فلا يقع
ضرر العين، ولا غيره من الخير والشر، إلا بقدر اللَّه تعالى.
٤- ومن إثبات العين وأثرها وأضرارها استحباب الابتعاد عن عرف بذلك، قال القاضى عياض: قال
بعض العلماء: ينبغى إذا عرف أحد بالإصابة بالعين أن يجتنب، ويتحرز منه، وينبغى للإمام
منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيرا أجرى عليه من الرزق ما يكفيه، ويكف
أذاه عن الناس، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل، الذى منعه النبى 8 دخول المسجد، لئلا
يؤذى المسلمين، ومن ضرر المجذوم الذى منعه عمر هذه والعلماء بعده الاختلاط بالناس، ومن
ضرر المؤذيات من المواشى التى يؤمر بتغريبها، إلى حيث لا يتأذى بها أحد.اهـ
وعلى العائن أن يقاوم من نفسه الشره والإعجاب الزائد بالنعمة، وأن يبرك، فعند
النسائى ((أن النبى - قال: إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه شيئاً يعجبه،
فليدع بالبركة، فإن العين حق)) فواجب على كل من أعجبه شيء أن يبرك، فإنه إذا دعا
بالبركة صرف المحذور، إن شاء اللَّه.
والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين. اللَّهم بارك فيه، ومن التبريك أن يقول: باسم الله
ما شاء اللَّه. لا قوة إلا بالله.
وعلى المسلم إذا لاقى عائنا، أوخاف عينا، أو حسدا، أن يحصن نفسه، بقراءة المعوذتين
والفاتحة، وبعض الأدعية، ومنها: حصنت نفسى بالحى القيوم الذى لا يموت أبدا، ودفعت عنها
السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وأحاذر.
٥٤٦
٥ - ومن الرواية ٤٦ وما بعدها استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له.
٦- ومن قوله ((أنت الشافى)) فى الرواية ـ2وما بعدها جواز تسمية الله تعالى بما ليس فى القرآن إذا
کان له أصل فيه، وأن لا یکون فى ذلك ما يوهم نقصا.
٧- ومن الرواية °، ٩١٠ جواز رقية المرأة للرجل.
٨- ومن الرواية ٦٥، ٦٦ مشروعية الضيافة على أهل البوادى.
٩- والنزول على مياه العرب، وطلب ما عندهم على سبيل القرى أو الشراء.
١٠- وإمضاء ما يلزمه المرء على نفسه، لأن أبا سعيد التزم أن يرقى، وأن يكون الجعل له ولأصحابه،
وأمره النبى / بالوفاء بذلك.
١١ - والاشتراك فى الموهوب إذا كان أصله معلوما.
١٢ - وطلب الهدية ممن يعلم رغبته فى ذلك، وإجابته إليه.
١٣ - وفى قوله ((اقسموا واضربوا لى معكم بسهم)) قسمة التبرعات.
١٤ - ومواساة الأصحاب والرفاق، لأن جميع الشباه كانت ملكا للراقى، مختصة به، لاحق للباقين
فيها عند التنازع، فقاسمهم تبرعا وجودا ومروءة.
١٥- وتطييب النبى # لقلوب أصحابه.
١٦ - وتعليمه لهم الحلال بالفعل بعد القول.
١٧- وجواز قبض الشيء الذى ظاهره الحل، وترك التصرف فيه إذا عرضت فيه الشبهة.
١٨ - وفيه الاجتهاد عند فقد النص.
١٩- وعظمة القرآن فى صدور الصحابة، خصوصا الفاتحة، قال ابن القيم: إذا ثبت أن لبعض الكلام
خواص ومنافع، فما ظنك بكلام رب العالمين، ثم بالفاتحة التى لم ينزل في القرآن ولا غيره من
الكتب مثلها، لتضمنها جميع معانى الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء اللّه،
ومجامعها وإثبات المعاد، وذكر التوحيد، والافتقار إلى الرب فى طلب الإعانة به، والهداية منه،
وذكر أفضل الدعاء، وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، المتضمن كمال معرفته وتوحيده
وعبادته بفعل ما أمربه، واجتناب ما نهى عنه، والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف
الخلائق، وقسمتهم إلى منعم عليه، لمعرفته الحق والعمل به، ومغضوب عليه، لعدوله عن الحق بعد
معرفته، وضال لعدم معرفته له، مع ما تضمنته من إثبات القدر والشرع والأسماء والمعاد والتوبة
وتزكية النفس، وإصلاح القلب، والرد على جميع أهل البدع، وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن
یستشفى بها من کل داء.
٢٠- وفيه أن الرزق المقسوم، لا يستطيع من هو فى يده، منعه ممن قسم له، لأن أولئك منعوا الضيافة،
٥٤٧
وكان اللّه قد قسم للصحابة فى مالهم نصيبا، فمنعوهم، فسبب لهم لدغ العقرب، حتى سيق لهم ما
قسم لهم.
٢١ - وفيه الحكمة البالغة، حيث اختص بالعقاب من كان رأسا فى المنع، ولأن من عادة الناس
الائتمار بأمر كبيرهم، فلما كان رأسهم فى المنع، اختص بالعقوبة دونهم، جزاء وفاقا، وكأن
الحكمة فيه أيضا إرادة الإجابة إلى ما يلتمسه المطلوب منه الشفاء، ولو كثر، لأن الملدوغ لوكان
من آحاد الناس، لعله لم يكن يقدر على القدر المطلوب منهم.
٢٢- ومن الرواية ٦٧ استحباب وضع اليد على مكان الألم عند الدعاء بالشفاء.
٢٣ - ومن الرواية ٦٨ استحباب التعوذ من الشيطان الرجيم عند الوسوسة.
٢٤ - والتفل عن اليسار ثلاثا، كمظهر من مظاهر إرغام الشيطان.
والله أعلم
٥٤٨
(٥٩٣) باب السحر
٤٩٧٧ - ٤٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٤٣) قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِلَ يَهُودِيٌّ
مِن يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ، يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَتْ: حَتَّى كَانُ رَسُولُ اللَّهِعَل
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنْهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَنْى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَقْتَانِي فِيمًا
اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ. جَاءَِّي رَجُلانٍ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ
الْذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْذِي عِنْدَ رِجْلَيّ، أَوْ الْدِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلْدِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجْعُ
الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟
قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. قَالَ: وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِثْرِ ذِي
أَرْوَانٌ» قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ْ فِي أُنَاسٍ مِن أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ
وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا أَخْرَفْتَهُ؟ قَالَ: «لا، أَمَّا أَنّا فَقَدْ عَافَائِي اللَّهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أَثِيرَ عَلَى
النَّاسِ شَرًّا فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُقَِّتْ».
٤٩٧٨- ٤ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٤٤) قَالَتْ: سُجِرَ رَسُولُ اللّهِ:﴿ وَسَاقَ أَبُو كُرَيْبٍ
الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ ثُمَيْرٍ، وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ إِلَى الْبِْرِ فَنْظَرَ إِلَيْهَا
وَعَلَيْهَا تَخْلٌ. وَقَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْرِجْهُ، وَلَمْ يَقُلْ: أَفَلا أَخْرَقْتَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ:
فَأَمّرْتُ بِهَا فَدُفِيَتْ.
المعنى العام
كان السحر علما يعلم منذ قدماء المصريين، وقد برعوا فيه، حتى جاءت معجزة موسى عليه
السلام بإبطاله، وإظهار زيفه، وأبان للمشاهدين أن حبال السحرة وعصيهم لم تنقلب إلى حيات،
وأنها مازالت حبالا وعصيا، وكان السحر يعتمد على أحد أمور: الأمر الأول: التعمق فى العلم وأسرار
(٤٣) حَدْقَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدََّا ابْنُ ثُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَى أَبِهِ عَنْ عَائِشَةٌ
(٤٤) حَدََّا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّْا أَبُو أُسَامَةَ حَدََّا هِشَامٌ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةً
٥٤٩
الأشياء وخواصها، بدرجة ينفرد بها الساحر عمن عداه، فيستغل هذه الظواهر أمام من لا يعلمها، على
أنها خرق العادة، وتحويل للمادة، ونغيير لحقائق الأشياء، وهذا ما حصل من سحرة فرعون، فقد قال
المفسرون: أنهم ملئوا حبالهم وعصيهم بمادة الزئبق الذى يتمدد بسرعة وبدرجة عالية بالحرارة، وألقوا
حبالهم وعصيهم على أرض ساخنة، فتمدد الزئبق، وتحركت الحبال والعصى كأنها حيات تسعى، ولو
أن رجلا فى عصرنا استخدم ما يعرف ((بالريموت كنترول)» فى قرى الريف أو فى مجاهل أفريقيا،
فحرك السيارة من بعد، أو شغل التليفزيون وأطفأه من بعد، أو فجر قنبلة من بعد، لآمن المشاهدون
بأنه ساحر عظيم. الأمر الثانى: تعلم خفة اليد، وشغل المشاهدين بأشياء جانبية وتحويل انتباههم
عن خديعته، وإيهامهم والإيحاء إليهم بغير الحقيقة، والسيطرة عليهم بقوة شخصيته وخفة حركاته،
فيخرج لهم حمامة من علبة مفرغة مفتوحة من الجانبين، يمرر فيها يده على أنها خالية، والحقيقة
أن الحمامة فى جانب منها، أو ينام صبى فوق لوح ممدداً، فيغطيه، فينكمش الصبى فى جانب،
فيضرب الرجل اللوح بالسيف، فيقطعه نصفبن، ويتوهم المشاهد أن الصبى قطع نصفين، فيقوم
الصبى واقفا، فيصفق المشاهدون إعجاباً بالسحر والساحر، الأمر الثالث: استغلال صاحب
الشخصية القوية موهبته فى السيطرة على صاحب الشخصية الضعيفة عن طريق الإيهام والإيحاء
الخارجى، فيتأثر الموحى إليه بما يريده الموحى، ويخيل إليه ما ليس بحق حقا، وما ليس بواقع
واقعا، ونشاهد فى حاضرنا سليما يذهب إلى الطبيب، فيقول له الطبيب: ما لك أصفر اللون، خائر
الأعصاب، لا تكاد تقف على رجليك، فيخرج من كان سليما من عند الطبيب يتساند على مرافقيه،
ويكثر هذا الأسلوب فى التأثير على الزوج مع زوجته، بما يعرف بالربط والحل، ومن المعروف أن
النشاط الشهوانى يرتبط إلى حد كبير بالعوامل النفسية.
وهذه الأمور الثلاثة لها أصولها وقواعدها التى تعلم لتؤثر، وما أنزل على الملكين، هاروت وماروت،
بمدينة بابل، لم يكن يخرج عنها، يعلمان الناس ما يفرقون به بين المرء وزوجه.
فإذا أضفنا إلى ذلك كيد الشيطان ووسوسته، واستغلاله لهذه الحيل الشيطانية ليفسد فى الأرض
استطعنا فهم هذه الظاهرة، ظاهرة السحر وتأثيره، وبخاصة فى البيئات البدائية واستطعنا فهم
حديث سحر الرسول / فهما صحيحا.
لقد حاول اليهود والمشركون أن يسحروا لرسول اللّه*، ليوقفوا دعوته النورانية الزاحفة على
ظلماتهم، ففشلوا، فذهبوا إلى لبيد بن الأعصم، أشهرهم فى السحر، وأقدرهم على استخدام طقوسه،
فطلبوا منه أن يقوم بهذه المهمة، وله ثلاثة دنانير، وهو مبلغ كبير، له قيمته فى ذلك الزمان، يشترى
به ما لا يقل عن ستين شاة، وحصلوا بأسلوبهم على شعر من شعر رسول اللَّه *، وعلى مشطه الذى
يسرح به شعره، وضفر الشعر والمشط فى حبل من تيل، وخرز فيه إبرا، وعقد الحبل عقدا، وقرأ عليه
من الطلاسم ما قرأ، ووضعه فى قالب، من قوالب طلع النخل الذكر، وأودعه تحت صخرة فى قاع بئر
مهجور، ولا نستبعد أن يكون الرسول وقد أحس بهذه العمليات، ولو عن طريق الوسوسة الشيطانية،
وأعوان لبيد الساحر، فأخذ عن إتيان النساء بقدرة الله تعالى.
٥٥٠
المباحث العربية
(سحر رسول اللَّه يهودى) ((سحر)) بفتح السين والحاء، ولفظ «رسول اللَّه)) منصوب،
ولفظ ((يهودى)) بالرفع فاعل، وفى الرواية الثانية ((سحر)» بالبناء للمجهول، وفى رواية للبخارى ((كان
رسول اللّه ﴿ سحر)).
(من بنی زريق) بزاى قبل الراء، مصغر.
(يقال له: لبيد بن الأعصم) ((لبيد)) بفتح اللام وكسر الباء، و((الأعصم)) بفتح الهمزة وسكون
العين وفتح الصاد، وفى رواية للبخارى ((لبيد بن أعصم، رجل من بني زريق، حليف ليهود، وكان
منافقا)» ويجمع بينهما بأن من أطلق أنه يهودى نظر إلى ما فى نفس الأمر، فهو فى الباطن يهودى،
ومن أطلق عليه منافقا نظر إلى ظاهر أمره، فقد كان أسلم ظاهرا، قال ابن الجوزى: هذا يدل على أنه
كان أسلم نفاقا، ويحتمل أنه قيل له: يهودى، لكونه كان من حلفائهم، لا أنه كان على دينهم، وبنو
زريق بطن من الأنصار، مشهور، من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار، وبين كثير من اليهود قبل
الإسلام حلف وإخاء وود، فلما جاء الإسلام، ودخل الأنصار فيه، تبرءوا منهم.
وذكر الواقدى أن هذا السحر وقع بعد أن رجع صلى الله عليه وسلم من الحديبية، فى آخر ذى
الحجة وأوائل المحرم سنة سبع، وقال: جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفا فى
بنى زريق، وكان ساحراً، فقالوا له: ياأبا الأعصم. أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدا، فلم نصنع شيئا،
ونحن نجعل لك جعلا - أى أجرا كبيرا - على أن تسحره لنا، سحرا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير.
وعن مدة السحرجاء فى رواية ((أربعين ليلة)) وفى رواية عند أحمد ((ستة أشهر)) قال الحافظ ابن
حجر: ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعين يوما من استحكامه.
(كان رسول اللّه # يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله) وفى رواية للبخارى ((يخيل
إليه أنه كان يفعل الشيء، وما فعله)) قال بعضهم: معداه أنه كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته، ولم
يكن وطأهن، وفى رواية للبخارى ((حتى كان يرى - أى يظن - أنه يأتى النساء، ولا يأتيهن)» وفى
رواية الحميدى ((أنه يأتى أهله، ولا يأتيهم)) وفى رواية لعبد الرزاق ((حتى أنكر بصره)) أى حتى أنكر
ما رأى ببصره، وعند ابن سعد ((فقالت أخت لبيد بن الأعصم: إن كان نبيا فسيخبر، وإلا فسيذهله هذا
السحر، حتى يذهب عقله)) وقولها ((يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله)) يحتمل معنين، الأول:
يخيل إليه ما لم يحصل أنه حصل، الثانى: يخيل إليه أنه يستطيع فعل الشيء، ويحاول فلا يستطيع،
قال عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه، ما ألفه من سابق
عادته، من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فترعن ذلك، كما هو شأن المعقود، وسيأتى فى فقه
الحديث مزيد لهذه المسألة.
(حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة) شك من الراوى، وذات بالنصب على الظرفية، ويجوز
الرفع على الفاعلية، ولفظ ((ذات)) هنا قيل: مقحم، وقيل: من إضافة الشيء لنفسه على رأى من
يجيزه، وفى رواية للبخارى زيادة ((وهو عندى)).
٥٥١
(دعا رسول اللَّهَ﴿، ثم دعا، ثم دعا) على ما هو المعهود منه، أنه كان يكرر الدعاء ثلاثا.
(ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه) أى إنه صلى الله عليه
وسلم بعد طول معاناة وتحمل التجأ إلى الله بالدعاء، فاستجاب الله دعاءه، وأرسل له الملكين،
فأخبراه، فأخبر عائشة بالخبر.
قال الحافظ ابن حجر: سلك النبى # فى هذه القصة مسلكى التفويض وتعاطى الأسباب ففى
أول الأمر فوض وسلم لأمرربه، فاحتسب الأجر فى صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك، وخشى من
تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته، جنح إلى التداوى، ثم إلى الدعاء.
وقوله ((أشعرت)) من الشعور، أى ((أعلمت)) كما جاء فى رواية للبخارى، والاستفهام إنكارى
بمعنى النفى، أى لم تعلمى، فاعلمى، والمراد من الإفتاء الإجابة على الدعوة، فأطلق على الدعاء
استفتاء، لأن الداعى طالب، والمجيب مفت، والمعنى أجابنى بما سألته عنه، لأن دعاءه كان أن
يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه، لما اشتبه عليه الأمر، وفى رواية ((أن الله أنبأنى بمرضى)» زاد فى
رواية ((قلت: وما ذاك؟ قال:)).
(جاءنى رجلان) فى رواية للبخارى ((أتانى رجلان)) وعند أحمد والطبرانى ((أتانى ملكان))
وسماهما ابن سعد بجبريل وميكائيل.
(فقعد أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى) بفتح اللام على التثنية، والظاهر أن جبريل -
لشرفه هو الذى كان عند الرأس.
(فقال الذى عند رأسى للذى عند رجلى، أو الذى عند رجلى للذى عند رأسى: ما وجع
الرجل؟) فى رواية للبخارى ((فقال أحدهما لصاحبه)) وفى رواية له ((فقال الذى عند رأسى للآخر))
وفى رواية الحميدى ((فقال الذى عند رجلى للذى عند رأسى)) قال الحافظ: وكأنها الصواب، فمجموع
الطرق يدل على أن المسئول هو جبريل، والسائل ميكائيل، وعند النسائى وابن سعد وصححه الحاكم
((سحر النبى 8 رجل من البهود، فاشتكى لذلك أياما، فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود
سحرك، عقد لك عقدا فى بئركذا)) وفى رواية للبخارى ((ما بال الرجل))؟ وهل كان ذلك فى المنام؟
أو فى اليقظة؟ الظاهر أنه كان مناما، إذ لو كان فى اليقظة لخاطباه، وسألاه، وفى رواية ((فانتبه من
نومه ذات يوم».
(قال: مطبوب) أى مسحور، يقال: طب الرجل، بضم الطاء، مبنى للمجهول، أى سحر، ويقال:
كنوا عن السحر بالطب تفاؤلا، كما قالوا للديغ سليم، وقال القرطبى: إنما قيل للسحر: طب، لأن أصل
الطب الحذق بالشىء، والتفطن له، فلما كان كل من علاج المرض والسحر إنما يتأتى عن فطنة وحذق
أطلق على كل منهما هذا الاسم.
(فى أى شيء؟) هذا السحر؟ أو المعمول للسحر؟
(فى مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر) ((المشط)) بضم الميم وسكون الشين، وأثبت أبوعبيد
كسر الميم، وأنكره بعضهم، وبسكون الشين فيهما، وقد يضم الشين مع ضم الميم فقط، وهو الآلة
٥٥٢
المعروفة التى يسرح بها شعر الرأس، هذا هو المشهور، وقد يطلق على العظم العريض، وسلاميات ظهر
القدم، والمراد هنا الأول، ففى رواية ((فإذا فيها مشط رسول اللَّهُ﴾، ومن مراطة رأسه)) وفى رواية
((من شعر رأسه، من أسنان مشطه)) وفى رواية ((فمد إلى مشط، وما مشط من الرأس، من شعر، فعقد
بذلك عقدا)) و((جف الطلع)) قال النووى: فى أكثر نسخ بلادنا بالباء، أى فى أكثر نسخ مسلم ((جب
طلعة ذكر» وفى بعضها بالفاء، وهما بمعنى واحد، وهو الغشاء الذى يكون على الطلع، ويطلق على
الذكر والأنثى، فلهذا قيده بالذكر، فى قوله ((طلعة ذكر)) وهو بالإضافة، اهـ وفى رواية للبخارى ((وجف
طلع نخلة ذكر)» ولفظ ((ذكر)) صفة لجف، زاد البخارى ((تحت رعوفة)) وفى رواية ((تحت راعوفة)) وفى
رواية ((تحت أرعوفة)) وفى رواية ((تحت زاعوبة)) والمراد تحت صخرة كبيرة فى أسفل البئر.
(فى بئرذى أروان) فى رواية البخارى ((فى بئر ذروان)) بفتح الذال وسكون الراء، وفى نسخة
((فى ذروان)) بغير بئر، وذروان بئر فى بنى زريق، فقوله ((بئر ذروان)) من إضافة الشيء لنفسه، قيل: إن
الأصل: بئرذى أروان، ثم لكثرة الاستعمال سهلت الهمزة، فصارت ذروان.
(فأتاها رسول اللَّه ﴿ فى أناس من أصحابه) عند ابن سعد ((فدعا جبير بن إياس الزرقى
- وهو ممن شهد بدرا - فدله على موضعه، فى بئر ذروان، فاستخرجه)) ويقال: إن الذى استخرجه
قبس بن محصن الزرقى، ويجمع بينهما بأنه أعان جبيرا على ذلك، وباشره بنفسه، فنسب إليه وعند
ابن سعد ((أن الحارث بن قيس قال: يارسول الله، ألا يهور البئر؟ ويجمع بين هذه الروايات وبين
روايتنا بأن النبي # بعثهم أولا، ثم توجه مع بعض أصحابه، فشاهدها بنفسه، وفى الرواية الثانية
((فذهب رسول اللَّه ﴿ إلى البئر، فنظر إليها، وعليها نخل .. )) أى وحولها نخل، زاد البخارى ((فقال:
هذه البئر التى أريتها)) وفى رواية ((وجد فى الطلعة تمثالا من شمع، تمثال رسول اللَّه *، وإذ فيه إبر
مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، منزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة)» وفى
رواية ((فاستخرج)).
(ثم قال: يا عائشة) فى رواية للبخارى ((ثم رجع إلى عائشة، فقال .... )) وفى رواية له
((فجاء، فقال ... ؟.
(والله لكأن ماءها نقاعة الحناء) بضم النون وتخفيف القاف، والحناء معروف، أى إن
لون ماء البئرلون الماء الذى ينقع فيه الحناء، قال ابن التين: يعنى أحمر، وقال الداودى: المراد الماء
الذى يكون من غسالة الإناء الذى تعجن فيه الحناء، وعند ابن سعد وصححه الحاكم (فوجد الماء وقد
اخضر)» قال القرطبى: كأن ماء البئر قد تغير، إما لرداءنه بطول إقامته، وإما لما خالطه من الأشياء
التى ألقيت في البئر.
(ولكأن نخلها رءوس الشياطين) وفى رواية للبخارى ((وكأن رءوس نخلها رءوس
الشياطين)» والتشبيه على كلا الروايتين إنما وقع على رءوس النخل، وفى رواية ((فإذا نخلها
الذى يشرب من مائها قد التوى سعفه، كأنه رءوس الشياطين)) ووقع فى القرآن الكريم
تشبيه طلع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، قال الفراء وغيره: يحتمل أن يكون شبه الطلع
فى قبحه برءوس الشياطين، لأنها موصوفة بالقبح، وقد تقرر فى اللسان العربى أن من قال:
٥٥٣
فلان شيطان أراد أنه خبيث أو قبيح، ويحتمل أن يكون المراد بالشياطين الحيات،
والعرب تسمى بعض الحيات شيطانا، وهو ثعبان قبيح الوجه.
(قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أفلا أحرقته؟ قال: لا) فى رواية للبخارى: ((أفلا
استخرجته؟ فقال: لا)) وفى رواية ((قلت: يا رسول اللَّه، فأخرجه للناس)) وفى رواية ((أفلا أخرجته؟
قال: لا)» وقد سبق أنه روى فى الصحيح أنه أخرجه، فالمراد من الإخراج المثبت إخراج الجف،
والمنفى استخراج ما حواه، ففى رواية ((فأخرجوه فرموا به)) ويحتمل أن مرادها من طلب إخراجه
نشره بين الناس، وبقاؤه حتى يروه، وفى رواية للبخارى ((أفلا؟ - أى تنشرت))؟ فيحتمل أن يكون من
النشر، بمعنى الإخراج والإظهار، فيوافق رواية ((أخرجته)) وروايتنا ((أفلا أحرقته)»؟ قال النووي: كل
من الروايتين صحيح، كأنها طلبت أن يخرجه ثم يحرقه. اهـ
وأغرب القرطبى، فجعل الضمير فى ((أحرقته)) للبيد بن الأعصم، قال: واستفهمته عائشة من ذلك،
عقوبة له على ما صنع من السحر، فأجابها بالامتناع، ونبه على سببه، وهو خوف وقوع شربينهم وبين
اليهود، لأجل العهد، فلو قتله لثارت فتنة. كذا قال. قال الحافظ ابن حجر: ولا أدرى ما وجه تعيين
قتله بالإحراق؟ لوسلم أن الرواية ثابتة، وأن الضمير له؟
(أما أنا فقد عافانى الله، وكرهت أن أثير على الناس شرا، فأمرت بها
فدفنت) فى رواية للبخارى: «أما واللَّه فقد شفانى، وأكره أن أثير على أحد من الناس
شرا)» وفى رواية ((سوءا)) وفى رواية ((فكرهت أن أثير على الناس فيه شرا)) والمراد من
الناس عموم الموجودين آنذاك، قال النووى: خشى من إخراجه وإشاعته ضررا على
المسلمين من تذكر السحر وتعلمه ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوفا من
المفسدة، وفى رواية ((على أمتى)) وقيل: المراد بالناس هنا لبيد بن الأعصم، لأنه كان
منافقا، فأراد صلى الله عليه وسلم أن لا يثير عليه شرا، لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يظهر
الإسلام، ولو صدر منه ما صدر، وفى بعض الروايات ((فقيل: يا رسول اللَّه، لوقتلته؟ قال: ما
وراءه من عذاب الله أشد)) وفى رواية ((فأخذه النبى { فاعترف، فعفا عنه)) وفى رواية ((فما
ذكر رسول اللّه لذلك اليهودى شيئا مما صنع به، ولا رآه فى وجهه)) وفى رواية ((فقال له:
ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير)» قال الزهرى: إن النبى لم يقتله، ونقل عن
الواقدى أن ذلك أصح من رواية من قال: إنه قتله، والضمير فى قوله ((فأمرت بها فدفنت)»
للبئر، وقد تقدم أن الحارث بن قيس هورها ودفنها.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان: أحدها ما لطف ودق، ومنه
سحرت الصبى خادعته واستملته، وكل من استمال شيئا فقد سحره، ومنه قولهم: الطبيعة ساحرة،
ومنه حديث ((إن من البيان لسحرا)» الثانى: ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله
المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن
٥٥٤
سِحْرِهِمْ أَنْهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] وقوله تعالى ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦] ومن
هناك سموا موسى ساحرا، وقد يستعان فى ذلك بما يكون فيه خاصية، كالحجر الذى يجذب الحديد،
ويسمى المغنطيس، الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين، بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك
الإشارة بقوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلَّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] الرابع: ما يحصل
بمخاطبة الكواكب، واستنزال روحانياتها بزعمهم، قال ابن حزم: ومنه ما يوجد من الطلسمات،
كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب، فى وقت كون القمر فى العقرب، فينفع إمساكه من لدغة
العقرب. وكالمشاهد ببعض بلاد المغرب، وهى - سرقسطة - فإنها لايدخلها ثعبان قط، إلا إن كان
بغير إرادته، وقد يجمع بعضهم بين الأمرين الأخيرين، كالاستعانة بالشياطين ومخاطبة الكواكب،
فيكون ذلك أقوى بزعمهم، قال أبوبكر الرازى فى الأحكام له: كان أهل بابل قوما صابئين، يعبدون
الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أنها الفعالة لكل ما فى العالم، وعملوا أوثانا على
أسمائها، ولكل واحد هيكل، فيه صفحة، يتقرب إليه بما يوافقه - بزعمهم - من أدعية وبخور، وهم
الذين بعث إليهم إبراهيم عليه السلام، وكانت علومهم أحكام النجوم، ومع ذلك فكان السحرة منهم
يستعملون سائر وجوه السحر، وينسبونها إلى فعل الكواكب، لئلا يبحث عنها، وينكشف تمويههم.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: واختلف فى السحر، فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له. قال النووي:
والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع جمهور العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة.
قال الحافظ: لكن محل النزاع. هل يقع بالسحر انقلاب عين؟ أولا؟ فمن قال: إنه تخييل فقط
منع ذلك، ومن قال: إن له حقيقة اختلفوا. هل له تأثير فقط، بحيث يغير المزاج، فيكون نوعا من
الأمراض، أو ينتهى إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟ فالذى عليه الجمهور هو
الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثانى، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم - كما فى عصا
موسى عليه السلام- وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرا من يدعى ذلك لا
يستطيع إقامة البرهان عليه، ونقل الخطابى أن قوما أنكروا السحر مطلقا، وكأنه عنى القائلين بأنه
تخييل فقط، وذهب بعضهم إلى أن تأثير السحر لا يزيد على ما ذكر الله تعالى فى قوله ﴿فَيَتَعَلْمُونَ
مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَرَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] (أى بالبغض والكره، عن طريق الوسوسة،
وشياطين الإنس والجن بالوشايَة ونحوها) لكون المقام مقام تهويل، فلوجاز أن يقع به أكثر من ذلك
لذكره، قال المازري: والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست
نصا فى منع الزيادة، ولو قلنا إنها ظاهرة فى ذلك، ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة، والكرامة أن
السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال، حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما
تقع غالبا اتفاقا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدى، ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن
السحر لا يظهر إلا من فاسق، وقال القرطبى: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالتعلم والاكتساب،
غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير
ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك.
قال النووى: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبى 18 من السبع الموبقات،
ومنه ما يكون كفرا، ومنه ما لا يكون كفرا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضى الكفر،
٥٥٥
فهو كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضى الكفر كفر، واستتيب منه، ولا
يقتل، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضى الكفر عزر، وعن مالك: الساحر كافر، يقتل
بالسحر، ولا يستتاب، بل يتحتم قتله، كالزنديق. قال عياض: وبقول مالك قال: أحمد وجماعة من
الصحابة والتابعين.اهـ
وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين، إما لتمييز ما فيه كفر عن غيره، وإما لإزالته عمن
وقع فيه، فأما الأول فلا محذور فيه، إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا
تستلزم منعا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هى
حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به، وأما الثانى: فإن كان لا يتم - كما زعم بعضهم - إلا
بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلا، وإلا جاز للمعنى المذكور.
وذهب بعض العلماء إلى كفر تعلم السحر، فالعمل به كفر من باب أولى، مستدلين بقوله تعالى
﴿وَمَا كَفَّرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وجملة ﴿يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السِّحْرَ﴾ تعليلية، أى لأنهم يعلمون الناس السحر، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر،
كما استدلوا بقوله تعالى على لسان الملكين ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] فإن فيه إشارة
إلى أن تعلم السحر كفر، فيكون العمل به كفراً، كما استدلوا بقوله تعالى ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ
أَتَى﴾ [طه: ٦٩] ففيه نفى الفلاح عن الساحر، ونفى الفلاح وإن لم يكن نصا فى الكفر، لكنه كثر فى
القرآن إثبات الفلاح للمؤمن، ونفيه عن الكافر، فهو قرينة على كفر الساحر، وإذا كان السحر كفرا
كان تعلمه كذلك.
والتحقيق أن السحر خداع، وغش، وغرس أوهام وأمراض نفسية، فتعلمه حرام والعمل به حرام
ومن الكبائر، بل من أكبر الكبائر، لاخلاف فى ذلك، ولكن الحكم بالكفر إذا لم تكن وسيلته كفرا فى
النفس منه شيء والله أعلم.
وأختم هذه الجولة بقول ابن القيم: من أنفع الأدوية، وأقوى مقاومة للسحر - الذى هو من تأثيرات
الأرواح الخبيثة - الأدوية الإلهية - من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من اللّه، معمور!
بذكره كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان السحر هو فى القلوب
الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر، فى النساء والصبيان والجهال. اهـ والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، فى مسند
أحمد، وأطنب الطبرى فى إيراد طرقها؛ بحيث يقضى بمجموعها على أن للقصة أصلا، خلافا لمن
زعم بطلانها، کالقاضى عياض، ومن تبعه، ومحصلها أن اللّه ركب الشهوة فى ملكين من الملائكة،
اختبارا لهما، وأمرهما أن يحكما فى الأرض فنزلا على صورة البشر، وحكما بالعدل مرة، ثم افتتنا
بامرأة جميلة، فعوقبا بسبب ذلك، بأن حبسا فى بئر ببابل، منكسين، وابتليا بالنطق بعلم السحر،
فصار يقصدهما من يطلب ذلك، فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصرتكلما بذلك،
ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قص الله عنهما.اهـ
وموضوع حديث الباب السحر الذى وقع لرسول اللّه*، ونحصر الكلام فى نقطتين أساسيتين:
٥٥٦
النقطة الأولى: ما فعله لبيد بن الأعصم والنقطة الثانية: أثر هذا الفعل على رسول اللَّه ◌ِ﴾.
أما ما فعل لبيد من المشط والمشاطة وجف نخل ذكر وتمثال وأبر وخلافه فهذا شأنه، ومثله يقع
من كتير من المشعوذين والدجالين، وكذا إخراجه من البئر، فهذا أمر عادى، ولا يحتاج إلى نفى أو
تحقق أو تأويل أو توجيه، ولا يثبت بوقوعه حكم أو خلاف فى الرأى والفقه.
والمشكلة الرئيسية فى أثر هذا الفعل فى رسول الله﴿، وللعلماء فى ذلك توجهان:
التوجه الأول: رد الحديث أو التوقف بشأنه، لأنه بظاهره يتعارض مع مهمة الرسول {#. يعبر
المازرى: عن هذا التوجه بقوله: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة،
ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز ذلك يعدم الثقة بما شرعه الرسول { #
من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل، وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء،
ولم يوح إليه بشيء.
التوجه الثانى: عدم رد الحديث، وفهمه على وجه لا يؤدى إلى المحذور السابق، وهذه الوجوه:
أ- قبول ظاهر الحديث، ونفى الاحتمال الذى زعموه، لأنه احتمال قام الدليل على خلافه، يقول
المازرى: الدلبل قد قام على صدق النبى# فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته فى التبليغ،
والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.
ب- قبول ظاهر الحديث، واستبعاد الاحتمال الذى زعموه، لأن قضبة الحديث أمر دنيوى،
والاحتمال الذى ذكروه أمر دينى، ولا يقاس الأمر الدينى على الأمر الدنيوى، يقول المازرى: ما يتعلق
ببعض أمور الدنيا، التى لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو فى ذلك عرضة لما يعترض
البشر، كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه فى أمر من أمور الدنيا، ما لا حقيقة له، مع عصمته عن
مثل ذلك فى أمور الدين.اهـ
ويحسن بنا هنا أن نستعرض ما قيل من احتمالات، فى فهم أثر سحر لبيد فى رسول اللَّه #
الوارد فى عبارات الحديث، ففى روايتنا الأولى ((يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله)) فى رواية
للبخارى ((يخيل إليه أنه صنع شيئا، ولم يصنعه)) وفى رواية أخرى له ((يخيل إليه أنه يفعل الشيء
وما فعله)) وفى ثالثة له («يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله)) وفى رواية رابعة له ((حتى كان يرى أنه
يأتى النساء، ولا يأتيهن)».
ويوضح المازرى الوجه السابق ذكره، فيقول: قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان صلى
الله عليه وسلم يخيل إليه أنه وطئ زوجاته، ولم يكن وطأهن، وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان فى
المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه فى اليقظة.
ج- قبول ظاهر الحديث، لكن هناك فرق بين تخيل ما ليس فى الواقع واقعا، وبين اعتقاد ما ليس
فى الواقع واقعا، ولا يلزم من أنه كان يتخيل أنه فعل الشيء، ولم يكن فعله، أن يجزم بأنه فعله، وإنما
يكون ذلك من جنس الخاطر، يخطر، ولا يثبت، ولا يرد على هذا الاحتمال الذى ذكروه، فالخواطر على
قسمين: خواطر لا تستقر، وهى التى يطلق عليها الوسوسة، وهى المرادة بالتخيل هنا، وخواطر
٥٥٧
مستقرة، تصل إلى الظن والاعتقاد، وهى غير مرادة هنا، فقول عائشة فى رواية عبد الرزاق ((حتى كاد
ينكر بصره» معناه أنه صار كالذى أنكر بصره، بحيث إنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير
صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته، ويؤكد هذا المراد أنه لم ينقل عنه فى خبر من الأخبار أنه قال قولا،
فكان بخلاف ما أخبر به.
د- قال القاضى عياض: إن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على تمييزه وقلبه
ومعتقده، وكل ما جاء فى الروايات، من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله، ونحوه، فمحمول على
التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس فى ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة، ولا طعنا لأهل
الضلالة.اهـ وقال المهلب: ما ناله من ضرر السحر لا يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من
جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض، من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، واستدل
ابن القصار على أن الذى أصابه كان من جنس المرض بقوله فى آخر الحديث ((أما أنا فقد عافانی
الله)) وفى رواية للبخارى ((فقد شفانى اللَّه)) وعن عائشة عند البيهقى فى الدلائل ((فكان يدور، ولا
يدرى ما وجعه)) وفى حديث ابن عباس عند ابن سعد ((مرض النبى ، وأخذ عن النساء والطعام
والشراب، فهبط عليه ملكان)).
هـ- وقال القاضى عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما
ألفه من سابق عادته، من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود.
وهذا فهم قريب من سابقه، باعتباره عجزا جسديا، ناشئا من تغير المزاج فهو نوع من الأمراض،
ومن المعروف عند أهل السنة أن اللَّه نعالى خالق الأسباب والمسببات جميعا، وقد شاءت إرادته أن
يربط المسببات بأسبابها، وأن يخلق المرض فى السليم إذا لاقى مريضا، قال النووى: فلا يستنكر فى
العقل أن اللَّه سبحانه وتعالى يخرق العادة، عند النطق بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين
قوى، على ترتيب لا يعرفه إلا الساحراهـ
المناقشة والتحقيق:
أولاً: جميع روايات هذا الحديث عن عائشة - رضى الله عنها -، فيما عدا رواية ابن عباس عند
ابن سعد وهى ضعيفة جدا من حيث الإسناد، فضلا عن أن مثل هذا الأمر لا يعلمه ابن عباس إلا من
طريق مخبر له، إما عائشة وإما إحدى الزوجات وإما الرسول /، ولم يسند إلى أى منهم، وكونه فى
هذه الرواية ممن ذهب لإخراج السحر فى روايته لا يعطى شيئا عن حال مرضه صلى الله عليه وسلم
مع أزواجه.
وقد نتساءل: إذا كان التأثير فى إتيان النساء، وعائشة رضى الله عنها حينئذ واحدة من سبع، لها
ليلة من كل أسبوع، وقد استمرت الحالة أربعين يوما أو ستة أشهر، فماذا كان الحال عند غيرها من
نسائه صلى الله عليه وسلم؟ هل تخيل عندهن كما تخيل عندها؟ أم كان الحال خاصا بها؟ وإذا كان
الأول فلماذا لم يرد عن إحداهن مثل ما ورد عنها؟ وإذا كان الثانى احتمل أن يكون لحالة نفسية
وتغير مزاجه منها لأمر من أمور الحياة، فهو انصراف يحدث كثيرا، ولا يرد عليه أى اعتراض
بالتقصير فى التبيلغ، وكذا لوكان انصرافا عاما عن جميع نسائه، وتخيلا خاصا بالعلاقة الزوجية، فلا
٥٥٨
يرد هذا الاعتراض، ويرد هذا الاعتراض من أساسه أنه لم يؤثر عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من
أعدائه أنه رآه وقد خيل إليه فى هذه المدة الطويلة أنه فعل الشيء ولم يفعله، ومثل هذا أمر لايخفى
ولا يكتم ممن يتلمسون له الهفوات، وحيث كان هذا التأثير مكنيا عنه فى الحديث، بقولها ((يخيل
إليه أنه يفعل الشيء وما فعله)) وليس محددا مصرحا بالأثر جاز أنها تقصد أمرا لا يضر، وأنه أمر
عادى فى تغير المزاج، ولهذا اختلف العلماء فى تفسيره، سواء كان ناشئا من تأثير السحر، أو كان
مصادفة واتفاقا مع وقت عمل لبيد ما عمل، فإنه لا يؤثر فى الرسالة ولا فى التبليغ.
ثانياً: هذا الحديث مضطرب فى أحداثه اضطرابا يجعل الجمع بينها عسيرا أو تمحلا، ففى
بعض روايته أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى البئر من يخرج آلة السحر، وفى بعضها أنه صلى الله
عليه وسلم أتاها بنفسه ومعه بعض أصحابه، وفى بعضها أن الذى استخرجه جبير بن إياس، وفى
بعضها أن الذى استخرجه قيس بن محصن الزرقى، وفى بعض الروايات أن الملكين أتياه فى
اليقظة، وفى بعضها فى المنام، وفى بعضها بين اليقظة والمنام، وفى بعض الروايات قالت عائشة
بعد أن استخرج السحر ((أفلا استخرجته؟ قال: لا)) وفى بعضها ((أفلا أحرقته))؟ قال: ((لا)) أى إنه لم
يخرج ولم يحرق.
ثم ماذا حصل مع لبيد بن الأعصم؟ أقتل؟ أم عفى عنه؟ فى رواية ((فأخذه النبى*، فاعترف،
فعفا عنه))، وفى رواية ((فما ذكر رسول اللَّه * لذلك اليهودى شيئاً مما صنع، ولا رآه فى وجهه)) وفى
رواية ((فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير)) وفى رواية ((فقتله)) روايات ضعيفة، لا تمثل
حقيقة مع أن القتل أو عدم القتل، فى مثل هذه الحالة لا يخفى ولا يكتم.
هذا الاضطراب يجعل الاستدلال بعبارة من عباراته محل نظر.
ثالثاً: موضوع السحر، وسحر رسول الله # موضوع عقيدة، وليس موضوع حكم فرعى
وليس موضوع وعظ وترغيب وترهيب، وأحاديث الآحاد لا يجب العمل بها فى العقائد حتى
ولولم تكن مضطربة.
رابعاً: الاحتمالات الكثيرة فى هذا الحديث تجعله غير صالح للاستدلال على تأثير السحر، عملا
بقاعدة: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
والذى أميل إليه، وأدين اللَّه عليه التوقف بشأن هذا الحديث، أورده لما ذكرنا من
المحاذير. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١- من قوله ((دعا .. ثم دعا، ثم دعا)) استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهة.
٢ - وتكرير الدعاء.
٣- وحسن الالتجاء إلى اللَّه تعالى.
٤- ومن كراهته صلى الله عليه وسلم شراء ترك المصلحة لخوف مفسدة أعظم منها.
٥٥٩
٥- ومن استخراجه السحر من البئر جواز استخراج السحر.
٦- وجواز ذهاب المسحور إلى الساحر، ليفك عنه السحر كذا قبل. وقد ذكر البخارى: قال قتادة قلت
لسعيد بن المسيب: رجل به طب - أو يؤخذ عن امرأته - أيحل عنه؟ أو ينشر؟ قال: لا بأس به،
إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه.اهـ أى كان سعيد بن المسيب لا يرى بأسا، إذا
كان بالرجل سحر، أن يمشى إلى من يطلق عنه، وكان يرى أن ذلك صلاح، ومثل ذلك عن أحمد،
فقد سئل عمن يطلق السحر عن المسحور؟ فقال: لا بأس به. وكان الحسن البصرى يكره ذلك،
ويقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر، ولا يجوز إتيان الساحر، لحديث ((من مشى إلى ساحر أو كاهن،
فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد {#)) وقال الطبرى: نهيه صلى الله عليه وسلم عن
إتيان الساحر، إنما هو على التصديق له فيما يقول، فأما إذا أتاه لغير ذلك، وهو عالم به، وبحاله،
فليس من المنهى عنه، ولا عن إتيانه.اهـ وفى هذا القول نظر، لأن هذا القول يصح فيمن أتاه
لزراعة أو لبيع أو شراء أو غير ذلك، مما لا علاقة له بالسحر، أما من أتاه ليحل سحرا، فقد أتاه
مصدقا أنه ساحر، وأنه قادر على حل السحر، فهو مصدق له فى قوله هذا وفى فعله.
٧- وجواز النشرة، والنشرة ذكر وأدعية وطلاسم وأفعال، يقصد بها حل السحر عن المسحور وفى
وصفها صور، أنقل منها عن الحافظ ابن حجر، قال: أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبى، قال:
((لا بأس بالنشرة العربية، التى إذا وطئت لا تضره، وهى أن يخرج الإنسان فى موضع عضاه -
العضاه بالهاء فى آخره مع كسر العين، كل شجرله شوك، صغر أو كبر - فيأخذ عن يمينه، وعن
شماله، من كل - أى من كل شجرة فرعا أو ورقا - ثم يدقه، ويقرأ فيه، ثم يغتسل به )) وذكر ابن
بطال أن فى كتب وهب بن منبه ((أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فبدقه بين حجرين، ثم
يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسى، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه
كل ما به)).
وفى كتاب الطب النبوى للمستغفرى. قال حماد بن شاكر: إن المبتلى بعدم القدرة على مجامعة
أهله يأخذ حزمة قضبان، وفأسا ذا قطارين، ويضعه فى وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج نارا فى تلك
الحزمة، حتى إذا حمى الفأس استخرجه من النار، وبال عليه، فإنه يبرأ وتحل عقده، وأما النشرة
فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة، وورد البساتين، ثم يلقيها فى إناء نظيف،
ويجعل فيها ماء عذبا، ثم يغلى ذلك الورد فى الماء غليا يسيرا، ثم يمهل، حتى إذا فتر الماء،
أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله.اهـ
وفى اعتقادى أن هذه أمور شعوذة لا أصل لها، تستساغ عند البسطاء والجهلاء، وقد يقع لهم
الشفاء بالإيحاء، واللَّه أعلم.
٨- وقد فرَّع العلماء على السحر وتأثيره خلافا حول حد الساحر، وقد استدل بحديث الباب
من يقول: إن الساحر لا يقتل حداً، إذا كان له عهد، قال ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل
الكتاب عند مالك والزهرى، إلا أن يقتل بسحره، فيقتل، وهو قول أبى حنيفة والشافعي،
وعن مالك: إن أدخل بسحره ضررا على مسلم لم يعاهد عليه، نقض العهد بذلك، فيحل
٥٦٠