النص المفهرس

صفحات 521-540

٢- وفيه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن.
٣- قال الحافظ ابن حجر. هذا الحديث أصل فى إبعاد من يستراب به، فى أمر من الأمور.اهـ فيبعد
عن المجلس مثلا الجاسوس والنمام ونحوهما.
٤- قال المهلب: وفيه حجة لمن أجاز بيع العين الموصوفة، بدون الرؤية، لقيام الصفة مقام الرؤية، فى
هذا الحديث، وتعقبه ابن المنير بأن من اقتصر فى بيع الجارية على ما وقع فى الحديث من
الصفة لم يكف اتفاقا فى صحة البيع، فلا دلالة فيه، قال الحافظ ابن حجر: إنما أراد المهلب أنه
يستفاد منه أن الوصف يقوم مقام الرؤية، فإذا استوعب الوصف، حتى قام مقام الرؤية المعتبرة
أجزأ، هذا مراده، وانتزاعه من الحديث ظاهر.
٥- قال الحافظ ابن حجر: وفى الحديث أيضًا تعزير من تشبه بالنساء، بالإخراج والنفى، إذا تعبن
ذلك طريقاً لردعه.
والله أعلم
٥٢١

(٥٩٠) باب جواز إرداف المرأة الأجنبية
٤٩٦٨ - ٣٢٤ عَنْ أَسْمَاءً بِنْتٍ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمّا (٣٤) قَالَتْ: تَزَوَّجَيِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي
الأَرْضِ مِن مَالٍ وَلا مَمْلُوكٍ وَلا شَيْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَكْفِيهِ مَكُونَتَهُ
وَأَسُوسُهُ وَأَدُقُّ الّوَى لِنَاضِجِهِ وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرُزُ غَرَبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُخْسِنُ
أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِرُ لِي جَارَاتٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ. قَالَتْ: وَكُنْتُ أَلْقُلُ النَّوَى مِن
أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ﴿ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ عَلَى قُلُفَيْ فَرْسَخٍ. قَالَتْ: فَجِئْتُ
يَوْمًا وَالنِّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِفَ﴿ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِن أَصْحَابِهِ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: «إِخْ
إِخْ» لِيَحْمِلَِّي خَلْفَهُ. قَالَتْ: فَاسْتَحْتَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى
وَأْسِكِ أَشَدُّ مِن رَكُوبِكٍ مَعَهُ. قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ فَكَفْتِي سِيَاسَةً
الْفَرَسِ، فَكَأَنْمَا أَعْتَقَّتِي.
٤٩٦٩ - ٣٥٠ عَن أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣٥) قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ، وَكَانَ لَهُ
فَرَسٌ وَكُنْتُ أَسُوسُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيَّ مِن سِيَاسَةِ الْفَرَسِ، كُنْتُ أَخْتَشُّ لَهُ
وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا، جَاءَ النَّبِيَّفَ سَبِيّ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا. قَالَتْ:
كَفِْي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَأَلْقَتْ عَنِّي مُفُولَئَهُ. فَجَاءَلِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ
أَوَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلٌ دَارِكِ. قَالَتْ: إِنِّي إِنْ رَخْصْتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ، فَتَعَالَ فَاطْلُبْ إِلَيٍّ
وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ. فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَن أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكٍ.
فَقَالَتْ: مَا لَكَ بِالْمَدِينَةٍ إِلا دَارِي؟ فَقَالَ لَّهَا الزُّبَيْرُ: مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلا فَقِيرًا يَبِيعُ. فَكَان
يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبّ فَبِعْتُهُ الْجَارِيَّةَ. فَدَخَلَّ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي، فَقَالَ: هَبِيهَا لِي.
قَالَتْ: إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا.
المعنى العام
خلق اللَّه تعالى حواء من آدم، ولآدم، تعينه وتساعده على الحياة الشاقة فى الدنيا، التى كتبت
عليه فى الأزل، هبطت معه من الجنة، بعد أن بدت لهما سوآتهما فى الجنة، وطفقا يخصفان عليهما
من ورق الجنة معا، وناداهما ربهما نداءً واحداً، وحاسبهما على معصيتهما معا، وحكم عليهما معا:
(٣٤) حَذَّْا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنِ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنِ أَسْمَاءٌ
(٣٥) حَدَّنَا مُحَمِّدُ بْنَ عُبَيْدِ الْغُبْرِيُّ حَدَّقْنَا حَمَّاذُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنٍ أَبِّي مُلَيْكَةُ أَنْ أَسْمَاءٌ قَالَتْ
٥٢٢

اهبطا إلى الأرض معا، فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون. ومنذ اللحظة الأولى على الأرض
تساعد حواء آدم على المعيشة، يتحمل هو الأعمال الشاقة، وتتحمل هى ما تطيق، وكانت مهمتها
الأساسية -لضعفها - أمور البيت، وتوالت العصور، وجاءت الرسالات وحاجات البيت من مهام
حواء، حتى الإسلام بشريعته السمحة، وبإنصافه للمرأة، بل وبمحاباته لها، أقر عملها بالمنزل، تخبز،
وتطبخ، وتغسل للزوج ولأطفالها، فها هى فاطمة بنت سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنها
تعمل فى بيت زوجها على، وتطحن الحب على الرحى، لتصنعه خبزاً، حتى مجلت يدها من الرحى،
ذهبت تشكو إلى أبيها متاعبها، وتكشف له يدها، فلا يرفع عنها عملها، ولا يوصى علياً أن يعفيها، بل
يطلب منها مواصلة العمل، والصبر، وذكر الله، وهذه أسماء بنت أبى بكر، وأخت عائشة، وقد تزوجت
الزبير بن العوام بمكة، وأسلمت مثله فى أوائل المسلمين تعين زوجها على الحياة بكل ما تستطيع،
هاجرت إلى المدينة، وهاجر، وكان له فرس وجمل، لم تكتف بالطبخ فى البيت والكنس والغسل
وإعداد الطعام وتربية الأطفال، بل خرجت إلى المزارع، تحش الحشيش، وتجمع النوى من الأرض،
وتحمله فوق رأسها إلى البيت، ثلاثة كيلو مترات ونصفا، وهى ابنة من؟ ابنة الوزير الأول فى الدولة،
وعلى مسمع ومرأى من رئيس الدولة، لقد رآها صلى الله عليه وسلم يوماً، وعلى رأسها مكتل النوى،
تئن بحمله، وتلهث من ثقله، وكان على ناقته ومعه بعض أصحابه، فأشار عليهم أن يتقدموا، وأناخ
ناقته، وناداها، وطلب منها أن تركب خلفه بما تحمل، وغمرها الحياء، فاعتذرت فى أدب، إن باعث
النداء عليها الشفقة والرحمة، وهى أخت زوجته، محرمة عليه تحريما مؤقتا، ثم هو الرسول {﴿.
مأمون الفتنة، لكنها امرأة، وليست كأية امرأة إنها ابنة أبى بكر، وزوجة رجل من أغير الناس على
زوجته، فاعتذرت فى حياء ورقة، إنه صلى الله عليه وسلم الذى قال عنه ربه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن
أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وهى التى تحترم
زوجها فى غيبته، وتحفظ مشاعره وهو بعيد عنها، فاعتذرت شاكرة مقدرة، إنه مع ركب من أصحابه،
إن سار وسارت معهم ريما ظهر منهم أو منها ما يحرجها، وإن تخلف عنهم من أجلها ربما قذف
الشيطان شيئاً فى قلوبهم، كل هذا خطر فى نفسها فى لحظات، فاعتذرت، وهى مازالت تحمل
المكتل بالنوى، ولم يكن بد من أن يقدر صلى الله عليه وسلم موقفها، ويعذرها، ويركب ناقته، ويدرك
أصحابه، أما هى فاستعانت بالله على حملها، حتى وصلت متثاقلة به، ككل يوم، وجاء زوجها من
سفره، فأخبرته بما جرى، فتقطع قلبه شفقة عليها، وكاد يذرف الدمع رحمة بها، وتحشرجت فى
صدره كلمات العطف والحنان: إن حملك النوى يا أسماء أصعب وأشق على نفسى من الركوب معه
صلى الله عليه وسلم.
هكذا ربى الإسلام التعاون والتعاطف بين الزوجين، شركة لا تهتم بالحقوق والواجبات، ولا
محاسبة بين طرفيها عن هذا لك، وهذا لى، شركة يبذل كل من طرفيها ما يقدر عليه، لإقامة حياة
مستقرة، شركة ينتج منها ومن دم طرفيها أولاد، يصبحون أغلى نتائجها، ويرثون جهادها وكفاحها.
لا تقل: هل عمل الزوجة فى بيت زوجها واجب عليها؟ أو كرم أخلاق منها؟ إن هذا السؤال من
أحد طرفيها يفسدها، وإن التدخل الخارجى بالقوانين والمحاسبات هو الشرارة التى تحرقها، وإن
حرص كل منهما على أن يأخذ من الآخر يزعزعها، بل يدمرها، وقانون هذه الشركة فى السماء قوله
٥٢٣

تعالى: ﴿وَ مِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِن أَنْفُسِكُمْ أَرْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْتَكُمْ مَوَدَّةٌ وَرَحْمَةً إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
المباحث العربية
(عن أسماء بنت أبى بكررضى الله عنهما قالت: تزوجنى الزبير) بن العوام بن أسد
ابن عبد العزى بن قصى بن كلاب القرشى، أبو عبد الله، ابن عمه رسول اللّه /3، أمه صفية بنت عبد
المطلب، أسلم وهو ابن اثنتى عشرة سنة، وهاجر الهجرتين ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول اللَّه وَل﴾.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر الخلافة فيهم من بعده، كان تاجراً،
بارك اللَّه له فى أمواله فى أواخر حياته، كان فى جيش عائشة وانسحب من القتال، فاغتاله رجل
وهو فى طريقه عائداً، وتوفى وسنه ست وستون.
أما أسماء بنت أبى بكر - رضى الله عنهما- فهى أخت عائشة لأبيها، وأمها قتيلة بنت عبد العزى،
أسلمت قديماً بمكة، بعد سبعة عشر نفساً، وتزوجها الزبير بن العوام، وهاجرت وهى حامل منه، بولده
عبد الله، وعاشت إلى أن ولى ابنها الخلافة، ثم إلى أن قتل، وماتت بعده بقليل، وكانت نلقب بذات
النطاقين، لدورها فى هجرة النبى {9%.
(وما له فى الأرض من مال ولا مملوك ولا شىء غير فرسه) «فى الأرض» أى على ظهر
الأرض، أى فى الدنيا، و((من مال)) ((من ((زائدة))، و((مال)) اسم ((ما)) بمعنى ((ليس)) و((المملوك))
الرقيق من العبيد والإماء، وهوهنا من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ ابن حجر: المراد
بالمال هنا الإبل، أو الأراضى التى تزرع، وهو استعمال معروف للعرب، يطلقون المال على كل من
ذلك. اهـ فهو من عطف المغاير، وقولها بعد ذلك ((ولا شىء)) من عطف العام على الخاص، يشمل كل
ما يتملك، أو يتمول، لكن الظاهر أنها لم ترد ما لابد منه فى المعيشة، من مسكن وملبس ومطعم،
ورأس مال تجارة، وهى هنا لم تستثن الناضح - وهو الجمل الذى يستقى عليه، مع أنها تقول فى
الرواية نفسها ((وأدق النوى لناضحه))، ووقع استثناؤه فى رواية الدخارى، ولفظها ((ولا شىء غير
ناضح، وغير فرسه)) وقولها ((تزوجنى الزبيروما له فى الأرض ... غير كذا)» يفيد أنه لم يكن يملك حين
زواجه بها سوى هذا، فالجملة حال مقارنة، واستشكل الدودى على هذا، فقال: لم يكن له بمكة فرس
ولا ناضح، ففى استثنائها لهما نظر، وأجاب الحافظ ابن حجر بأنه لا مانع من أن يكون الفرس
والجمل كانا له بمكة، قبل أن يهاجر، فقد ثبت أنه يوم بدركان على فرس، ولم يكن قبل بدر غزوة
يحصل من غنيمتها على فرس، والجمل يحتمل أن يكون كان له بمكة، ولما قدم به المدينة، وأقطع
الأرض، أعده لسقيها، وكان ينتفع به قبل ذلك فى غير السقى، فلا إشكال.
(فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه) يقال: ساس الدواب، يسوسها، إذا راضها
وأدبها، والمراد من كفاية مؤنة الفرس أنها كانت تقوم بحش الحشائش له، وجمع النوى المتساقط
على الأرض من آكلى التمر والبلح، وتحمله فوق رأسها من الأرض المزروعة إلى البيت، وتدق الذوى،
وتقدمه علفاً للفرس والناضج، وتحمل الماء من البئر من خارج الدار، فتسقى الفرس والناضج، ومن فى
٥٢٤

البيت، وفى الرواية الثانية ((وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شىء أشد على من
سياسة الفرس، كنت أحتش له، وأقوم عليه وأسوسه)».
(وأدق الذوى) أى أكسره بالدق، عن طرق حجر أو نحوه، على حجر منقور أو نحوه، كالذى
يعرف بالهاون وقد يكون عن طريق الرحى، وإن غلب على عملها الطحن.
(وأخرز غربه) ((أخرز)) بخاء بعدها راء ثم زاى، يقال: خرز الجلد ونحوه، خاطه، والغرب بفتح
الغين وسكون الراء بعدها باء الدلو الكبير.
(وأعجن) الدقيق للخبز.
(ولم أكن أحسن أخبز) يقال: خبز بفتح الباء، يخبز بكسرها، خبزاً بسكونها، إذا صنعه، بأن
أخذ قطعة العجين وبسطها، ورققها، وأدخلها الفرن أو النار، حتى تنضج، وفعل ((أخبز)) مسبوك
بمصدر من غير سابك، مفعول («أحسن» أى لم أكن أحسن وأتقن صنعة خبز الخبز.
(وكان يخبزلى جارات من الأنصار) هذا محمول على أن فى كلامها شيئاً محذوفاً مطلوباً،
تقديره: تزوجنى الزيبر بمكة، وهو بالصفة المذكورة، واستمر على ذلك حتى قدمنا المدينة، وفيها كنت
أصنع كذا وكذا، لأن النسوة من الأنصار، إنما جاورنها بعد قدومها المدينة، وكذا ما سيأتى من نقل
النوى من أرض الزبير.
(وكن نسوة صدق) الوصف بالمصدر وإضافة الصفة إلى الموصوف يفبد المبالغة، والمراد من
الصدق هنا حسن العشرة والإخلاص فى المودة.
(وكنت أنقل النوى من أرض الزبير، التى أقطعه رسول اللّه ﴾﴿، على رأسى) على
رأس ستة أشهر من غزوة بدر حاصر رسول اللّه بنى النضير، فكان جلاؤهم إلى الشام، وتركوا
أرضهم، فكانت فيئاً لرسول اللَّه *، فقال صلى الله عليه وسلم الأنصار: إن شئتم قسمت بينكم ما
أفاء الله على، وبقى المهاجرون على ماهم عليه من السكنى فى منازلكم ومشاركتكم أموالكم، وإن
شئتم أعطيتهم، وخرجوا عنكم، فاختاروا الثانى، فأقطع رسول اللَّه ◌َ ل المهاجرين بعض الأرض، فكان
للزبير بن العوام منها نصيب.
(وهى على ثلثى فرسخ) وفى رواية الدخارى ((وهى منى على ثلثى فرسخ)) أى تبعد عن مكان
سكنى بثلثى فرسخ والفرسخ ثلاثة أميال، فهى على مسافة ميلين من مسكنها، أى نحو ثلاثة كيلو
مترات، ونصف الكيلو متر.
(فدعانى، ثم قال: إخ. إخ) أى قال لناقته: إخ. إخ. بكسر الهمزة وسكون الخاء، كلمة تقال
للبعير، لمن أراد أن ينيخه.
(ليحملنى خلفه) كأنها فهمت ذلك من قرينة الحال، وإلا فيحتمل أن يكون صلى الله عليه
وسلم قد أراد أن يركبها وما معها على ناقته، ويركب هو شيئاً آخر.
(قالت: فاستحييت، وعرفت غيرتك) فهى قد قالت ذلك لزوجها الزبير بعدما
٥٢٥

وصلت، ولم تركب، ففى رواية البخارى ((فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت - أى
تذكرت- الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول اللَّه ◌َ أنى قد استحييت، فمضى،
فجئت الزبير، فقلت: لقينى رسول اللَّهِ فَ﴿، وعلى رأسى النوى، ومعه نفر من أصحابه،
فأناخ لأركب، فاستحييت منه، وعرفت غيرتك».
(والله لحملك النوى على رأسك أشد من ركوبك معه) سقطت من هذه الرواية لفظ
((على)) وهى فى رواية البخارى ((أشد على)) ووجه المفاضلة التى أشار إليها الزبير أن ركوبها مع
النبى ** لا ينشأ عنه كبير أمر من الغيرة لأنها أخت امرأته، فهى فى تلك الحالة لا تحل له أن
يتزوجها لوكانت خلية من الزوج، أما أنها كانت تخشى أن ينكشف منها حالة السير ما لا تريد
انكشافه، أو أن يقع لها من الرجال مزاحمة بغير قصد، فهذا كله أخف مما تحقق من تبذلها، بحمل
النوى على رأسها من مكان بعيد، لأنه قد يوهم خسة النفس، ودناءة الهمة، ولكن كان السبب الحامل
على ذلك شغل زوجها وأبيها بالجهاد وغيره، وكانوا لا يتفرغون للقيام بأمور البيت، بأن يتعاطوا ذلك
بأنفسهم، ولضيق ما بأيديهم على استخدام من يقوم بذلك عنهم فانحصر الأمر فى نسائهم، فكن
يكفينهم مؤنة المنزل ومن فيه، ليتوافروا هم على ما هم فيه، من نصر الإسلام مع ما ينضم إلى ذلك من
العادة المانعة من تسمية ذلك عاراً محضاً. ذكره الحافظ ابن حجر.
(حتى أرسل إلىّ أبوبكر بخادم) الخادم يطلق على الذكر والأنثى، والمراد هنا أنثى، وفى
الرواية الثانية ((جاء النبى ( * سبى، فأعطاها خادما)) قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين الروايتين
بأن السبى لما جاء إلى النبي - أعطى أبا بكر منه خادما، ليرسله إلى ابنته أسماء، فصدق أن النبى
هو المعطى، ولكن وصل ذلك إليها بواسطة.
(إنى إن رخصت لك، أبى ذلك الزبير) أى إنى إن رخصت لك قبل استشارة الزبير
وموافقته رفض الزبير موافقتی.
(مالك بالمدينة إلا دارى)؟ الاستفهام إنكارى توبيخى، أى ما ينبغى أن نلجأ إلى دارى وفى
المدينة دور كثيرات، فالجأ لغير دارى. قالت ذلك تتظاهر بعدم الموافقة لتكون الموافقة من الزبير.
(مالك أن تمنعى رجلا فقيرا يبيع) أى ما ينبغى لك أن تمنعى ....
(فكان يبيع إلى أن كسب) أى إلى أن كان غير فقير، لدرجة قدرته على شراء الإماء والخدم.
(فبعته الجارية) وهو محمول على أنها استغنت عنها بغيرها.
(فقال: هبيها لى) الظاهر أنه لم يكن يعلم أنها باعتها.
(قالت: إنى قد تصدقت بها) أى إنى بعتها، وهذا ثمنها، وسأتصدق به.
فقه الحديث
المسألة الفقهية الأساسية فى هذا الحديث هى عمل المرأة فى بيت زوجها، وظاهر الحديث يدل
٥٢٦

على أن على المرأة القيام بجميع ما يحتاج إليه زوجها من الخدمة، وإليه ذهب أبو ثور، ويؤيده
حديث فاطمة رضى الله عنها، حين شكت ما تلقى يدها من الرحى، وسألت أباها خادما، فدلها على
خير من ذلك، وهو ذكر اللَّه تعالى.
وقال النووى: ما قامت به أسماء - رضى الله عنها- كله من المعروف والمروءات، التى أطبق
عليها الناس، وهو أن المرأة تخدم زوجها هذه الأمور المذكورة ونحوها، من الخبز والطبخ وغسل
الثياب وغير ذلك، وكله تبرع من المرأة، وإحسان منها إلى زوجها، وحسن معاشرة، وفعل معروف معه،
ولا يجب عليها شىء من ذلك، بل لو امتنعت من جميع هذا لم تأثم، ويلزمه هو تحصيل هذه الأمور لها،
ولا يحل له إلزامها بشىء من هذا، وإنما تفعله المرأة تبرعا، وهى عادة جميلة استمر عليها النساء، من
الزمن الأول، إلى الآن، وإنما الواجب على المرأة شيئان، تمكينها زوجها من نفسها، وملازمة بيته. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن هذه الواقعة وأمثالها كانت فى حال ضرورة، فلا يطرد
الحكم فى غيرها، مما لم يكن فى مثل حالهم، والذى يترجح حمل الأمر فى ذلك على عوائد البلاد،
فإنها مختلفة فى هذا الباب.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- جواز الإرداف على الدابة، إذا كانت مطيقة.
٢- وجواز إرداف المرأة التى ليست محرما، إذا وجدت فى طريق وقد أعيت، ولا سيما مع جماعة
رجال صالحين. ولا شك فى جواز مثل هذا. كذا قال النووى، وقال القاضى عياض: هذا خاص
للنبى :* ، بخلاف غيره، فقد أمرنا بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء، وكانت عادته صلى اللّه
عليه وسلم مباعدتهن، لتقتدى به أمته، قال: وإنما كانت هذه الخصوصية له لكونها بنت أبى بكر،
وأخت عائشة، وامرأة للزبير، فكانت كإحدى أهله ونسائه، مع ما خص به صلى الله عليه وسلم
من أنه أملك لإربه، وأما إرداف المحارم فجائز بلا خلاف، بكل حال.
٣- وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على المؤمنين والمؤمنات، ورحمتهم ومواساتهم
فيما أمكنه.
٤- ومن التقاطها النوى قال القاضى عياض: فيه جواز التقاط المطروحات رغبة عنها، كالنوى
والسنابل وخرق المزابل وسقاطتها، وما يطرحه الناس من ردىء المتاع وردىء الخضر وغيرها،
مما يعرف أنهم تركوه، رغبة عنه، فكل هذا يحل التقاطه، ويملكه الملتقط، وقد لقطه الصالحون
وأهل الورع، ورأوه من الحلال المحض، وارتضوه لأكلهم ولباسهم.
٥- ومن إقطاع النبى / الأرض للزبير جواز إقطاع الإمام، قال النووى: فأما الأرض المملوكة لبيت
المال فلا يملكها أحد إلا بإقطاع الإمام، ثم تارة يقطع رقبتها، ويملكها الإنسان، حيث يرى فى
ذلك مصلحة، فيجوز، ويملكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنانير وغيرها، وتارة يقطعه
منفعتها، فيستحق الانتفاع بها مدة الإقطاع.
٥٢٧

وأما الموات فيجوز لكل أحد إحياؤه، ولا يفتقر إلى إدن الإمام، هذا مذهب مالك والشافعى
والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يملك الموات بالإحياء إلا بإذن الإمام.
٦ - ومن قصة الفقير الذى استأذنها أن يبيع فى ظل دارها، وذكرها الحيلة فى استرضاء الزبير، حسن
الملاطفة فى تحصيل المصالح، ومداراة أخلاق الناس فى تتميم ذلك.
٧- وفى الحديث مدح الغيرة على الزوجة.
٨- ومنقبة للزبير بن العوام.
٩- ومنقبة لأسماء بنت أبى بكر.
١٠- وما كان علبه نساء الأنصار من التعاون والتواد وحسن العشرة.
١١- وما كان عليه الصحابة من ضيق العيش وقلة ذات اليد.
١٢- قال المهلب: وفيه أن المرأة الشريفة إذا تطوعت بخدمة زوجها بشىء لا يلزمها لم يذكر عليها
ذلك أب ولا سلطان، قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأنه بناه على أصله، من أن ذلك كان تطوعاً،
ولخصمه أن يعكس، فيقول: لولم يكن لازما ما سكت أبوها مثلا على ذلك، مع ما فبه من المشقة
عليه وعليها.
١٣- أخذ منه بعضهم أن الحجاب إنما هو فى حق أزواج النبي * خاصة، فليس فى الحديث أنها
استترت، ولا أن النبى - أمرها بذلك. وتعقب بأن ذلك كان قبل نزول الحجاب.
١٤ - قال المهلب: وفيه غيرة الرجل عند ابتذال أهله، فيما يشق من الخدمة، وأنفة نفسه من ذلك، لا
سيما إذا كانت ذات حسب.
١٥ - ومن بيعها الجارية بدون علمه دليل على أن الزوجة أن تتصرف فى مالها وأملاكها، دون علم
زوجها، وقد يقال: إنها كانت مأذونا لها إذنا عاما.
١٦- وعن استئذان الرجل الفقير قال السنوسى: هذا يدل على أن أصحاب الأفنية أحق بها، فلا يقعد
فيها للبيع إلا بإذن، وبشرط أن لا يضيق على الماريين.
والله أعلم
٥٢٨

(٥٩١) باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث
٤٩٧٠ - ٣٦ عَن ابْنِ عُمَّرَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُمَا (٣٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ فَلا
يَتْنَاجَی اثْنَان دُونَ وَاحِدٍ».
٤٩٧١ - ٣٧ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٣٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «إِذَا كُمْ ثَلاَةٌ فَلَا يَتْتَاجَى
الْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِن أَجْلٍ أَنْ يُحْزِنْهُ».
٤٩٧٢- ٣٨ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ صَ﴾(٣٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «إِذَا كُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتْنَاجَى
اثْنَانِ دُونٌ صَاحِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ».
المعنى العام
إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، وهو حريص على أن يوقع العداوة والبغضاء فى
نفوس الناس، ليفرقهم ويشغلهم بالشحناء والتدابر والتقاطع، ويلهيهم عن العبادة وعن ذكر اللَّه، لا
يجد لذلك وسيلة إلا اتبعها، وأهم وسائله ظن السوء، فكان على المؤمنين أن يغلقوا فى وجهه الأبواب
التى يتسرب منها إلى غرس ظن السوء فى القلوب، وكان الحديث الشريف ((إذا كنتم ثلاثة فلا
يتناجى اثنان، دون الثالث)) فإن ذلك يوقع فى نفسه الوحشة والخوف والحقد والحزن.
وقان القرآن الكريم ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ
اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] نزلت هذه الآية فى المنافقين واليهود، كانوا إذاً
خرج المسلمون للغزو، أَو سافروا لمهام أمورهم، جلس كل اثنين منهم بجوار مسلمين، وأسر أحدهما
للآخر، وتكلفا المناجاة، ينظران إلى من بجوارهما من المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، عليهم،
(٣٦) حَدََّا يَحَى بْنُ يَحْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَن ابْنِ عُمَرَ
- وحَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَ بِشْرٍّ وَابْنُ لُّغْرِ حٍ وَحَدَّثَا ابْنُ نُمَّيْرِ حَدَّنَا أَبِي حِ وَ حَدَقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى
وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيَدٍ قَالاَ حَدَّثََّا يَحْتِى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ كُلَّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حٍ وَحَدَّقْنَا قُتَنِيَةُ وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ح
وحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِعِ وَأَبُو كَامِلٍ قَالا حَدَّثََّا حَمَّدٌ عَنْ أَيُّوبَ حْ وَ حَدََّا ابْنُ الْمُثَنِى حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنٌ جَعْفَرٍ حَدَّقْنَا شَعْبَةٌ قَالَ
سَمِعْتُ أَيُّوبَ بَّنَ مُوسَى كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ تَافِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.
(٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَّهَنَّادُ بْنُّ السَّرِيَّ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو الأُخْوَصِ عَنِ مَنْصُورِ حِ وِ حَدَّثَنَا ؤُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِيَ شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ وَاللَّفْظُ لِزُّهَيْرٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالُّ الْآخَرَانِ حَدَّقْنَا جَرِيرٌ عَن
مَنْصُورٍ عَنْ أَبِيَ وَائِلٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٣٨) وحَدَّثًَّا يَحْتَىَ بْنِّ يَحْتَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى قَالَ يَحْتِى أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرُونَ حَدَّثْنَا
أَبُو مُعَاوِيَةٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَن شَقِيقَ عَنِ عَبْدِ اللّهِ
- وحَدَّثَنَاهُ إِسْحَقُ بِْنَّ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرْنًا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حِ وَحَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي عُمَّرَ حَدَّثْنَا سُفْيَاهُ كِلَاهُمَا عَن
الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٥٢٩

يوهمونهم عن أقاربهم المسافرين، أنهم أصابهم شر، فيخاف المؤمنون ويحزنوا، ويعيشون فى نكد
حتى يقدم أقاربهم سالمين. تكرر منهم ذلك وكثر، فشكا المؤمنون إلى الرسول *، فأنزل الله تعالى
هذه الآية لئلا يكترث المؤمنون بتناجى المنافقين وأعدائهم، ولا يحزنوا، ونصح صلى الله عليه وسلم
المؤمنين بذلك، ونصح المنافقين واليهود بعدم استخدام هذا الأسلوب الحقير، فلم يستجيبوا، وعادوا،
وكرروا، وأكثروا، فنزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ
وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بَمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي
أَنْفُسِهِمْ لَوْلاً يُقَّذِّبَنَا اللَّهُ بِمَّا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمَّ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨].
إن القرآن الكريم فى هذه الآيات، وإن عنى بموضوع النجوى، لكنه يهتم أولا وبالذات بالأثر
المترتب عليها، وهو حزن الذى يراها، وخوفه منها، وتوقعه شرها، هذا ما يقع فى نفسه، وإن كان
موضوعها لا يتعلق به، ولا يتصل به من قريب أو بعيد، وأقل أثر يقع فى نفسه أن المتناجيين بينهما
من الود ما ليس عنده، وبينهما من السر ما لا يصح له أن يعلمه، وأنهما أقرب لبعضهما منه، فيقع فى
نفسه من البغض والحقد عن كليهما ما لم يكن، وإن كثيراً من الناس يتعمدون صورة المناجاة بدون
مطلب لها، وبدون حاجة إليها، ليغيظوا بهذا المظهر بعض الجالسين، فكان التوجيه القرآنى عاماً،
المنافقين والكافرين والمؤمنين ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ وكان نهى الرسول
عنها بصفة عامة ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دونَ الثالث، من أجل أن ذلك يحزنه)».
المباحث العربية
(إذا كان ثلاثة) بالرفع فاعل ((كان)) التامة، أى إذا اجتمع ثلاثة، وفى الرواية الثانية والثالثة
((إذا كنتم ثلاثة)) وفى رواية للبخارى ((إذا كانوا ثلاثة)) وكلها بنصب ((ثلاثة)) خبر (كان)).
(فلا يتناجى اثنان دون واحد) وفى الرواية الثانية ((فلا يتناجى اثنان دون الآخر)» وفى
الرواية الثالثة ((فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما)) وفى رواية للبخارى ((فلا يتناجى اثنان دون
الثالث)) وفى رواية أخرى له ((فلا يتناجى رجلان دون الآخر)) وكلها بألف مقصورة ((لا يتناجى)) ثابتة
فى الخط ياء صورة، وتسقط فى اللفظ، لالتقاء الساكنين، وهو بلفظ الخبر، ومعناه النهى، وفى بعض
نسخ البخارى ((فلا يتناج)» بجيم فقط، فتكون طلبية لفظاً ومعنى، والمناجاة قيل: المسارة، يقال:
انتجى القوم، وتناجوا، أى سار بعضهم بعضاً، وقيل: إن المسارة يعتبر فيها من يلقى السرومن يلقى
إليه، والمناجاة وقوع الكلام سراً من الجانبين.
(من أجل أن يحزنه) بضم الياء من ((أحزن)) قال النووى: قال أهل اللغة: يقال: حزنه وأحزنه
وقرئ بهما فى السبع، أى لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك التناجى يحزن الثالث، لأنه
قد يتوهم أن نجواهما إنما هى لسوء رأيهما فيه، أولدسيسة غائلة له، وفى الرواية الثالثة ((فإن ذلك
يحزنه)) وفى رواية للبخارى ((أجل أن ذلك يحزنه)) بإسقاط ((من)).
٥٣٠

فقه الحديث
قال النووى: النهى نهى تحريم، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم، إلا أن يأذن،
ومذهب ابن عمر رضى الله عنهما ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهى عام فى كل الأزمان،
وفى الحضر والسفر، وقال بعض العلماء: إنما المنهى عنه المناجاة فى السفر، دون الحضر، لأن السفر
مظنة الخوف حكاه القاضى عياض بلفظ: قيل: إن المراد بهذا الحديث السر والمواضع التى لا يأمن
فيها الرجل رفيقه، أو لا يعرفه، أو لا يثق به، ويخشى منه، قال: وقد روى فى ذلك أن النبى {* قال
((ولا يحل لثلاثة نفر، يكونون بأرض فلان أن يتناجى اثنان، دون صاحبهما ((قال ابن العربى: الخبر
عام، اللفظ والمعنى، والعلة الحزن، وهى موجودة فى السفر والحضر، فوجب أن يعمهما النهى جميعاً،
وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ، وأن هذا كان فى أول الإسلام، فلما فشا الإسلام، وأمن الناس،
سقط النهى، وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، وتعقبه القرطبى بأن هذا
تحكم وتخصيص، لا دليل عليه.
ثم قال: أما إذا كانوا أربعة، فتناجى اثنان، دون اثنين فلا بأس، بالإجماع.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: إذا كانوا أربعة لم يمتنع تناجى اثنين، لإمكان أن يتناجى الاثنان
الآخران، وقد ورد ذلك صريحاً فيما أخرجه البخارى فى الأدب المفرد وأبو داود وصححه ابن حبان
عن ابن عمر، رفعه «قلت: فإن كانوا أربعة؟ قال: لا يضره)» وفى رواية مالك عن عبد الله بن دينار
((كان ابن عمر إذا أراد أن يسارر رجلا، وكانوا ثلاثة، دعا رابعاً، ثم قال للاثنين: استريحا شيئاً، فإنى
سمعت ... )) فذكر الحديث، وفى رواية أخرى ((فكان ابن عمر إذا أراد أن يناجى رجلا دعا آخر، ثم
ناجی الذی أراد.
قال الحافظ ابن حجر: وقوله ((حتى تختلطوا بالناس)) يؤخذ منه أن الزائد على الثلاثة يستوى
أن يكون قد جاء اتفاقاً، أو جاء عن طلب، كما كان يفعل ابن عمر.
ثم قال: ويؤخذ من التعليل ((أجل أن ذلك يحزنه)) استثناء صورة مما تقدم عن ابن عمر، من
إطلاق الجواز إذا كانوا أربعة، وهى ما لو كان بين الواحد وبين الاثنين مقاطعة، بسبب يعذران به، أو
أحدهما، فإنه يصير فى معنى المنفرد، وأرشد هذا التعليل إلى أن المناجى إذا كان ممن إذا خص
أحداً بمناجاته أحزن الباقين امتنع ذلك، إلا أن يكون فى أمر مهم لا يقدح فى الدين.
وقد نقل ابن بطال عن أشهب عن مالك قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد، ولا عشرة دون واحد، لأنه
قد نهى أن يترك واحداً، قال: وهذا من حسن الأدب، لئلا يتباغضوا ويتقاطعوا، وقال المازرى ومن
تبعه: لا فرق فى المعنى بين الاثنين والجماعة، لوجود المعنى فى حق الواحد، زاد القرطبى، بل
وجوده فى العدد الكثير أمكن وأشد، فليكن المنع أولى؟.
واختلف فيما إذا انفرد جماعة بالتناجى، دون جماعة. قال ابن التين: وحديث عائشة فى قصة
فاطمة دال على الجواز -وحديث عائشة الذى أشار إليه ابن التين رواه البخارى، ولفظه ((عن عائشة -
رضى الله عنها - قالت: إنا كنا أزواج النبي عنده جميعاً، لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة عليها
٥٣١

السلام تمشى، ولا واللَّه ما تخفى مشيتها من مشية رسول اللّهل: ﴿، فلما رآها رحب. قال: مرحبا
يابنتى، ثم أجلسها عن يمينه - أو عن شماله- ثم سارها، فبكت بكاء شديداً، فلما رأى حزنها سارها
الثانية، فإذا هى تضحك. فقلت لها: أنا من بين نسائه - خصك رسول اللّه بالسر من بيننا، ثم
أنت تبكين، فلما قام رسول اللَّه* سألتها عما سارك؟ قالت: ما كنت لأفشى على رسول اللَّه ◌َلاّ
سره، فلما توفي قلت لها: عزمت عليك - بما لى عليك من الحق- لما أخبرتنى. قالت: أما الآن فنعم.
فأخبرتنى، قالت: أما حين سارنى فى الأمر الأول، فإنه أخبرنى أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل
سنة مرة، وإنه قد عارضه به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقى الله واصبرى، فإني نعم
السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائى الذى رأيت، فلما رأى جزعى سارنى الثانية، قال: يا فاطمة، ألا
ترضين أن تكونى سيدة نساء المؤمين؟ أو سيدة نساء هذه الأمة؟)).
وكذلك يدل على الجواز حديث ابن مسعود أخرجه البخاري، قال: ((قسم رسول اللَّهل # يوما
قسمة، فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، قلت: أما والله لآتين النبى { *.
فأتيته، وهو فى ملأ، فساررته، فغضب حتى احمر وجهه، ثم قال: رحمة اللَّه على موسى، أوذى بأكثر
من هذا فصبر)).
قال ابن التين: فإن فى ذلك دلالة على أن المنع يرتفع إذا بقى جماعة لا يتأذون بالسرار،
ويستثنى من أصل الحكم ما إذا أذن من يبقى - سواء كان واحداً أم أكثر - للاثنين فى التناجى دونه
أو دونهم، فإن المنع يرتفع، لكونه حق من یبقی.
وأما إذا انتجى اثنان ابتداء، وثم ثالث، كان بحيث لا يسمع كلامهما، لو تكلما جهرا، فأتى
ليستمع عليهما، فلا يجوز، كما لو لم يكن حاضراً أصلا معهما، وقد أخرج البخارى فى كتاب الأدب
المفرد، عن سعيد المقبرى، قال: ((مررت على ابن عمر، ومعه رجل يتحدث، فقمت إليهما، فلطم
صدرى، وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان، فلا تقم معهما، حتى تستأذنها)) زاد أحمد فى رواية ((وقال:
أما سمعت أن النبى ولا قال: إذا تناجى اثنان فلا يدخل معهما غيرهما، حتى يستأذنهما)»؟.
قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين فى حال تناجيهما، قال الحافظ ابن
حجر: ولا ينبغى لداخل القعود عندهما، ولو تباعد عنهما، إلا بإذنهما، فقد افتتحا حديثهما سراً، وليس
عندهم أحد، فدل على أن مرادهما ألا يطلع أحد على كلامهما، ويتأكد ذلك إذا كان صوت أحدهما
جهورياً، لا يتأتى له إخفاء كلامه ممن حضره، وقد يكون لبعض الناس قوة فهم، بحيث إذا سمع بعض
الكلام استدل به على باقيه، فالمحافظة على ترك ما يؤذى المؤمن مطلوبة، وإن تفاوتت المراتب.
والله أعلم
٥٣٢

كتاب الطب والمرض
٥٩٢- باب العين والحسد والرقى.
٥٩٣- باب السحر.
٥٩٤- باب السم.
٥٩٥- باب عود إلى الرقی.
٥٩٦- باب لكل داء دواء واستحباب التداوى.
٥٩٧- باب الطاعون.
٥٩٨- باب العدوى والطيرة والكهانة والهامة وصفر.
٥٣٣

(٥٩٢) باب العين والحسد والرقى
٤٩٧٣ - ٣٩ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيِّ﴾َ رَضِيَّ اللّهُ عَنْهَا(٣٩) أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَّى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ رَقَاهُ جِبْرِيلُ، قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا
حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ.
٤٩٧٤ - ٣٠ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (٤٠) أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ:
«تَعَمْ» قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِن شَرِّ كُلِّنَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ،
اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ.
٤٩٧٥ - لٍ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَّهٍ قَالَ: هَذَا ما حَدَّنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾ (٤١) عَن رَسُولِ اللَّهِع ◌ِ
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَلِ: «الْعَيْنُ حَقٌّ)».
٤٩٧٦- ٢٣ٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُمَا (٤٢) عَنِ الْبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَان
شَيْءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُفْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا».
المعنى العام
لله فى خلقه شئون، وقد شاءت حكمته أن يؤدع الأسباب صلاحية إيجاد المسببات، والسبب
والمسبب من خلقه جميعا، لا شريك له، فهو الفاعل الحقيقى، وهو المدبر الوحيد للكائنات، فى كل
لحظة من اللحظات، وتأثير الأسباب فى مسبباتها قانون خلق اللَّه، مرتبط بإرادة الله ومشيئته، خلق
الحرارة والإحراق فى النار، تفعل فعلها بإرادته وقدرته وإذنه لها، فإن شاء أن تكون بردا وسلاما
کانت بأمر کن فیکون.
وفى إطار قانون الأسباب والمسببات خلق نفوساً من ذرية آدم، تنفث سما، كما ننفث الحيات،
قلوبها مملوءة بالحقد على عباد الله، وتتمنى زوال النعمة عمن أنعم الله عليه، قلوب تكاد تتميز من
(٣٩) حَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِيٍ عُمَّرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّوَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ وَهُوّ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلْمَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ عَائِشَةٌ
(٤٠)َ حَدَّثَّا بِشْرُ بَنَّ هِلالِ الصَّوَّافُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدْقَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةً عَن أَبِي سَعِيدٍ
(٤١) حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَّا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَّهٍ قَالَ هَذَا مَا خَدْقَا أَبُوِ هُرَيْرَةً
(٤٢) وحَدَّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَأَخْمَدُ بْنُ خِرَاشِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَخْبُرَنَا وقَالَ الآخْرَانِ حَدَّقًّا
مُسْلِمُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا وُقَيْبٌ عَنَ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِهِ عَنَ ابْنٍ عَبَّاسٍ
٥٣٥

الغيظ، حين ترى نعمة فى يد آخرين، تتمنى لنفسها الحصول عليها وإن كان عندها مثلها، أو تتمنى
زوالها عن صاحبها وإن لم تقبلها لنفسها، أو تتمنى بقاء المحروم محروما لا ينعم عليه بشيء، نار فى
تلك القلوب تتأجج كلما رأت نعمة عند الغير، لا يطفئها إلا زوال هذه النعمة، وقديماً قيل: كل الأعداء
أستطيع إرضاءهم إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال نعمتى. نعم أودع اللَّه نفوسا هذا الشر، وجعل
لهذا التوجه منها أثرا يصيب المحسود بالأذى، امتحانا للحاسد، وقد أعطاه الله سلاحاً للشر، وطلب
منه عدم استعماله، وامتحانا للمحسود، وقد أمر باللجوء إلى الله ودعائه، ليثاب بعبادة الدعاء،
وليشعر بالفضل حين رفع البلاء، فيشكر على السراء، بعد أن صبر على الضراء، قال تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ الْفَلَقْهِ مِن شَرِّمَا خَلَقَ﴾ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وَمِنْ شَرِّالنَّفَّئَاتِ فِي الْعُقَدِهِ وَمِنْ شَرِّ
حَاسِدٍ إِذَاَ حَسَدَ﴾، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بكَ مِن هُمَّزَّاتِ الشَّيَاطِين﴾ وَأَعُوذُ بكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُون﴾
[المؤمنون: ٩٧، ٩٨] وكما أودع فى بعض النفوس هذه القوة المعنوية من الشر، أودع فى عيون بعضَ
الناس سهاما شريرة تصل إلى النعم فتهلكها، أو إلى الأشخاص فتقتلها، حتى قال فيها صلى اللّه
عليه وسلم ((علام يقتل أحدكم أخاه))؟ و((العين حق)). ((ولو كان شيء يسبق القدر فى إنجاز الشر
لكانت العين)). («وأكثر من يموت، بعد قضاء الله وقدره، بالنفس)) أى بإصابة العين، والعين تدخل
الجمل القدر، والرجل القبر.
وعلمنا رسول اللَّه أدعية وتعاويذ، نحصن بها أنفسنا من الحسد والعين، وأدعية وتعاويذ تشفى
من آثار الحسد والعبن، وعلمنا أن اللجوء إلى اللَّه عند الأمراض هو أساس الشفاء، ولا شافى إلا هو،
ولا شفاء إلا شفاؤه.
وقد كانت الرقى والتعاويذ معروفة عند العرب وغيرهم قبل الإسلام، لكنها كانت بطلاسم
وبعبارات كفر وبالتجاء إلى غير ملجأ، فقال صلى الله عليه وسلم: اعرضوا على رقاكم، فعرضوها، فأقر
ما ليس بشرك ونهى عما فيه شرك.
وعرف المسلمون الرقى الجائزة شرعا فرقوا أنفسهم وغيرهم بها، وعرفوا الرقى الممنوعة شرعا
فاجتنبوها، وخير الرقى ما كان بكتاب الله، وبما ورد فى الحديث الصحيح من ذكر الله.
وها هو أبو سعيد الخدرى ه يرقى لديغا من حية أو عقرب بقراءته فاتحة الكتاب على مكان
اللدغ مرات، فيبرأ المريض، ويشفى من سم العقرب بإذن اللَّه.
وللَّه أسرار فى كلامه، وللَّه أسرار فى خلقه، وللَّه أسرار فى الأمراض، وللَّه أسرار فى الشفاء، وما
شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
المباحث العربية
(العين والحسد والرقى) المراد من العين هنا النظر باستحسان شديد، إلى النعمة،
مع الانبهار والشهوة، والتوجه إليها بمشاعر الإعجاب، وقد يحصل من الأعمى، بتوجه نفسه
هذا التوجه، وإنما نسب إلى العين لأن أغلب هذا يكون بها، يقال: عان الحاسد فلانا،
٥٣٦

أصابه بعين، فالمصيب عائن، ويقال له: معيان، للمبالغة، والمصاب معين بفتح الميم
ومعيون، والمضارع يعين والمصدر عينا.
أما الحسد فهو تمنى زوال نعمة الغير، سواء تمناها أن تعود إليه هو، أو تمنى زوالها من عند
صاحبها فقط، فقد يحسد الأمير الخفير على عشته، فيتمنى زوالها، فالعين والحسد يجتمعان، إذا نظر
العائن الحسود إلى النعمة بانبهار وشهوة، وتمنى زوالها، وقد يوجد الحسد، دون العين، إذا لم ينبهر
بالنعمة، وتمنى زوالها، حقدا على صاحبها، وقد توجد العين وحدها، إذا انبهر بها، وإن لم يتمن زوالها،
فقد يصيب الإنسان ماله أو ولده بعينه، كصاحب الجنتين حيث دخل جنته وهو ظالم لنفسه:
فيقولون: لا يحسد المال إلا صاحبه، والعامة يطلقون العين على الحسد، والحسد على العين تساهلا،
واللغة والحديث قد يذكرانهما، ويراد كل منهما، فى مفهومه الخاص، كما فى الرواية الأولى ((ومن شر
حاسد إذا حسد، وشركل ذى عين)) وقد يذكر أحدهما، ويراد هو وحده، كالرواية الرابعة، وقد يذكران
ويراد حالة اجتماعهما، كالرواية الثانية ((من شرعين حاسد))
و ((الرقى)) بضم الراء وفتح القاف مقصور، جمع رقبة، بضم الراء وسكون القاف، يقال: رقى
المريض بفتح القاف فى الماضى، يرقيه بكسرها رقيا بفتح الراء وسكون القاف، ورقيا بضم الراء
وكسر القاف وتشديد الياء، ورقية بضم الراء وفتحها، مع سكون القاف، إذا عوذه، ويقال: ((باسم الله
أرقيك)» كما فى الرواية الثانية، ورقيت فلانا بفتح القاف، واسترقيت، أى طلبت الرقية، واسترقوا من
العين، أى اطلبوا أو تكلفوا الرقية منها.
أما رقى بفتح الراء وكسر القاف وفتح الياء، يرقى بفتح القاف مقصورا فمعناه صعد.
(كان إذا اشتكى) أى إذا تألم من المرض، وفى الرواية الثانية ((أشتكيت)) بهمزة الاستفهام.
(قال: بسم اللّه يبريك) بضم الياء، يقال: أبرأ اللَّه المريض، أى شفاه، وأصله هنا ((يبرئك))
وسهلت الهمزة للتخفيف والسجع، والتقدير يبرئك اللَّه باسمه، أو ((باسم اللَّه)) جملة تقديرها باسم
الله أرقيك، كما فى الرواية الثانية، و((يبرئك)) جملة مستأنفة استئنافا تعليليًا، وجملة ((قال: بسم الله
يبريك» بيان لقوله «رقاه جبريل».
(ومن كل داء يشفيك) بفتح الياء، والجار والمجرور متعلق بالفعل المعطوف على ((يبريك))
أى يبرئك، ويشفيك من كل داء، فهو من عطف التفسير.
(ومن شر حاسد إذا حسد) معطوف على ((من كل داء)) أى يبرئك ويشفيك من كل داء، ومن
شر الحسد، فهو من عطف الخاص على العام، وقوله ((إذا حسد)» مضاهاة لما فى القرآن الكريم،
ومعناه إذا أظهرما فى نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، بترتيب مقدمات الشر، ومبادئ الإضرار
بالمحسود قولا وعملا، كتوجيه النفس الخبيثة نحوه على وجه تمنى إزالة النعمة.
(وشر كل ذى عين) أى كل عائن يصيب بعينه النعمة، فيؤثر فيها هلاكا.
(بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شركل نفس أوعين حاسد، اللَّه
يشفيك، باسم الله أرقيك)
٥٣٧

ذكر ((بسم الله أرقيك)) فى الأول وتكرارها فى الآخر، يعرف فى البديع بالاحتباك، وهو عود العجز
على الصدر، وجملة ((يؤذيك)) صفة الشيء، والجار والمجرور ((من كل شيءٍ)). ((من شرنفس)) يصح أن
يتعلق بيشفيك، أو بأرقيك.
وقوله ((من شركل نفس أوعين حاسد)» قال النووي: قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس
الآدمى، وقيل: يحتمل أن المراد بها العين، فإن النفس تطلق على العين، يقال: رجل نفوس، إذا كان
يصيب الناس بعينه، كما قال فى الرواية الأخرى ((من شركل ذى عين)) ويكون قوله ((أوعين حاسد)»
من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو شكا من الراوى فى لفظه.
(العين حق) أى الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وهو من جملة ما تحقق كونه، زاد أحمد
(((ويحضرها الشيطان، وحسد ابن آدم)) وسيأتى فى فقه الحديث نفصيل الكلام فى كيفية إصابتها.
(ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين) هذا تأكيد وتنبيه على سرعة نفوذها وتأثيره فى
الشيء، قال القرطبى: حاصله لوفرض أن شيئا له قوة، بحيث يسبق القدر، لكان العين، لكنها لا
تسبق، فكيف غيرها؟
(وإذا استغسلتم فاغسلوا) ((استغسلتم)) بضم التاء، مبنى للمجهول، أى إذا طلب من العائن
أن يغتسل، ليصيب المعيون من ماء غسله، رجاء الشفاء، فلا يمتنع، وسيأتى مزيد لهذه المسألة فى
فقه الحديث.
فقه الحديث
(ملحوظة) ساق الإمام مسلم - رحمه الله - بعد هذه الأحاديث الأربعة، والأحاديث الخاصة
بالسحر، وعقبها بالحديث الخاص بالسم، ثم عاد إلى أحاديث رقية المريض من رقم ٤٢٦ إلى رقم ٢/٢،
وللترابط سنتكلم عن فقه حديثها هنا، أما مباحثها العربية فستكون فى موضعها.
ويمكن حصر شتات مسائل الموضوع فى سبع نقاط:
١- العين والحسد، وتأثيرهما، والوقاية منهما، وعلاجهما.
٢ - حكم الرقبة بالآيات القرآنية، وبالأحاديث النبوية، والأذكار، وغيرها.
٣- الجمع بين الأحاديث المرخصة بالرقية، والناهية عنها.
٤ - المواضع المرخص فيها بالرقى عند من يقول بشرعيتها.
٥- ألفاظ الرقى الواردة، وكيفية استعمالها.
٦- أخذ الأجرة على الرقية.
٧- ما يؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم.
٥٣٨

وهذا هو التفصيل:
١- فى الرواية الأولى ((من شر حاسد إذا حسد، وشركل ذى عين)) وفى الرواية الثانية ((من شركل
نفس، أو عين حاسد)) وفى الرواية الثالثة ((العين حق)) وفى الرواية الرابعة ((العين حق، ولو كان شيء
سابق القدر، سبقته العين)) وفى الرواية ٦،٩٥°® ((كان يأمرها أن تسترقى من العين)) وفى الرواية
١٣ «رخص فى الرقية من العين)» وفى الرواية /٢ «ولكن العين تسرع إليهم» وعند البزار بإسناد
حسن ((أكثر من يموت من أمتى بعد قضاء الله وقدره بالأنفس)) قال الراوى: يعنى بالعين، وأحاديث
إثبات العين وتأثيرها كثيرة مشهورة، لا تجحد ومحاولة تأويلها وإخراجها عن مفهومها الظاهر فاسد
وغير مقبول، لأن كل معنى ليس مخالفاً للمعقول ولا يؤدى إلى قلب الحقيقة، ولا يؤدى إلى معارضة
دليل ثابت، كل معنى هذا شأنه فهو من مجوزات العقول، وكل معنى هذا شأنه إذا أخبر الشرع
بوقوعه وجب اعتقاده، ولا يجوز تكذيبه، فإنكار بعض الطبائعيين لتأثير العين وادعاؤهم أنه لا شيء
إلا ما تدرك الحواس، وما عدا ذلك لا حقيقة له، إنكار لكثير من الواقع، كما سنبين بعد.
قال الإمام المازرى: أخذ جماهير العلماء بظاهر هذه الأحاديث، وقالوا: العين حق، وأنكره
طوائف من المبتدعة، وهو قول فاسد، وليس من فرق بين تكذيبهم بهذه الأحاديث وبالعين وتأثيرها،
وبين تكذيبهم بما يخبر به رسول اللَّه # من أمور الآخرة.
ونحن إلى اليوم ندرك أثر العين ولا ندرك - على الحقيقة القاطعة - كيفية تأثير العائن فى
المصاب، ولا كيف تعمل العين من بعد، حتى يحصل الضرر للمعيون، وقد ذهب بعض المسلمين من
أصحاب الطبائع إلى أن العين قد ترسل جواهر لطيفة، غير مرئية، تنبعث من العائن، فتتصل
بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه فيخلق البارئ الهلاك عندها، كما يخلق سبحانه وتعالى الهلاك عند
شرب السموم، وقال بعضهم: إنما هو سم فى عين العائن، يصيب بلفحه، عند التحديق إليه، كما
يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به من غير نلامس، فهناك جنس من الأفاعى، اشتهر بأنها إذا وقع
بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن يرسل من عينه أشعة جوهرية، غير مرئية، فتنتقل فى الهواء،
إلى بدن المعيون، وقد نقل عن بعض من كان معيانا، أنه قال: إذا رأيت شيئا يعجبنى وجدت حرارة
تخرج من عينى.
وقد حاول المازرى أن يرد هذا الاتجاه، فقال: هذا غير مُسلَّمٌ، لأننا بينا فى كتاب علم الكلام أنه لا
فاعل إلا اللَّه تعالى، وبينا فساد القول بالطبائع، وبينا أن المحدث لا يفعل فى غيره شيئا، وإذا تقرر
هذا بطل ما قالوه، ثم نقول: هذا المنبعث من العين، إما جوهر، وإما عرض، فباطل أن يكون عرضا،
لأنه لا يقبل الانتقال، وباطل أن يكون جوهرا، لأن الجواهر متجانسة، فليس بعضها بأن يكون مفسدا
لبعضها، بأولى من عكسه، فبطل ما قالوه.اهـ
قال النووى: ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند نظر العائن بفعل اللّه تعالى،
أجرى اللَّه سبحانه وتعالى العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر، وهل هناك
جواهر خفية؟ أم لا؟ هذا مما تجوزه العقول، ولا يقطع فيه بواحد من الأمرين، وإنما يقطع بنفى
٥٣٩

الفعل عنها، وبإضافته إلى الله تعالى، فمن قطع من أمة الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ فى
قطعه، وإنما هو من الجائزات.اهـ
وهكذا نجد النووى ينفى الفعل والتأثير عن الأسباب عامة - كما هو مذهب أهل السنة - ويجعل
الفاعل الحقيقى هو الله وحده لجميع الأفعال الاختيارية، وليس للمخلوقات إلا مقارنة قدرة المخلوق
للفعل، دون أى تأثير، حتى النار، إذا حرقت فالحارق هو الله تعالى وحده عند ملامستها، ولذلك كانت
بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام، أما كون الأسباب مؤثرة بذاتها، بقدرة وصلاحية وقوانين
أودعها الله فيها، وبإرادة الله تعالى، فهذا رأى آخر، ليس فقط فى العين والحسد، ولكن فى عموم
المخلوقات والأسباب.
قال الحافظ ابن حجر: وقد أجرى اللَّه تعالى العادة بوجود كثير من القوى والخواص فى الأجسام
والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل، فيرى فى وجهه حمرة شديدة، لم تكن
قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم، وتضعف قواه، بمجرد النظر إليه،
وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى فى الأرواح من التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل
إلى العين، وليست هى المؤثرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة فى طبائعها وقواها وكيفياتها
وخواصها، فمنها ما يؤثر فى البدن، بمجرد الرؤية، من غير اتصال به، لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها
الخبيئة، والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الانصال الجسمانى، بل
يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذى يحدث من الأدعية
والرقى واللجوء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذى يخرج من عين العائن سهم معنوى
(غير مسلم) إن صادف البدن، حيث لا وقاية له، أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما رد على صاحبه،
كالسهم الحسى سواء بسواء. اهـ وما يقال فى تأثير العين، يقال فى تأثير الحسد بكل حال ..
أقول: وقد وصل العلم الحديث إلى اختراع آلة (ريموت كنترول) صغيرة، تحرك بها سيارة من
بعد، وتسير بها طائرة وأنت على الأرض، بل تصلح بمثلها خللا وعطبا حصل فى سفينة الفضاء، وأنت
لا ترى جوهراً ولا عرضا بين الآلة وبين المتأثر بها، هذا فى الخلق، فكيف يستبعد فى صنعه الخالق؟
فتبارك الله أحسن الخالقين.
٢- النقطة الثانية من فقه الحديث حكم الرقية، وعنها يقول النووى: وقد نقلوا الإجماع على جواز
الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى.اهـ والرواية الأولى ((كان إذا اشتكى رسول الله ﴾ رقاه جبريل»
والرواية ٤٢٦ ((كان رسول الله﴿ إذا اشتكى منا إنسان، مسحه بيمنيه، ثم قال: أذهب الباس، رب
الناس)) والرواية ٤٧ وخمس بعدها بنحو ذلك والرواية ٥°، ٦°((كان رسول اللّه يأمر عائشة أن
تسترقى)» وفى الرواية ٢٦ أمر بالرقية. وبقية الروايات ترخص أو تأمر بالرقية، مما يؤكد نقل الإجماع
بجوازها.
لكن ثبت أن الرسول 8# نهى عن الرقى، والرواية ٦٣ تشير إلى ذلك، وروى البخارى ((أن سبعين
ألفا من أمة الإسلام يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا
٥٤٠