النص المفهرس

صفحات 461-480

طلب الإذن صريحاً والمشهور فى ذلك لفظ ((أأدخل))؟ وجوز أن يكون بما يفهم منه ذلك مطلقاً،
وجعلوا منه التسبيح والتكبير ونحوهما، مما يحصل به إيذان أهل البيت، فقد روى عن أبى أيوب
الأنصارى ه أنه قال: قلنا: يا رسول الله، ما الاستئناس؟ فقال: «يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة
والتحميدة، يتنحنح، يؤذن أهل البيت)) ثم قال النووى: واختلفوا فى أنه هل يستحب تقديم السلام
على الاستئذان؟ أو تقديم الاستئذان على السلام؟ والصحيح الذى جاءت به السنة، وقاله المحققون
أنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟
والقول الثانى: يقدم الاستئذان، والثالث، وهو اختيار الماوردى من أصحابنا، التفصيل: إن وقعت
عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله، قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، وصح عن النبى
حديثان، فى تقديم السلام.اهـ
بل أكثر من حديثين فقد أخرج الترمذى عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما - قال: قال
رسول الله ((السلام قبل الكلام)) وأخرج ابن أبى شيبة والبخارى فى الأدب المفرد، عن أبى هريرة،
فيمن يستأذن قبل أن يسلم، قال: ((لا يؤذن له حتى يسلم)) وأخرج ابن أبى شيبة، وابن وهب فى
كتاب المجالس، عن زيد بن أسلم قال: أرسلنى أبى إلى ابن عمر - رضى الله عنهما - فجئته، فقلت:
أألج؟ فقال: ادخل، فلما دخلت قال: مرحبا يا ابن أخى. لا تقل: أألج؟ ولكن قل: السلام عليكم، فإذا
قيل: وعليك، فقل: أأدخل؟ فإذا قالوا: ادخل فادخل)) وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البرفى
التمهيد، عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: «استأذن عمر على النبى صل، فقال: السلام على
رسول اللَّه. السلام عليكم. أيدخل عمر))؟.
والحكمة فى الاستئذان أن المستأذن لودخل بغير إذن لرأى بعض ما يكره، واطلع على ما لم
يحب صاحب البيت الاطلاع عليه، قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد التصريح بذلك فيما أخرجه
البخارى فى الأدب المفرد وأبو داود والترمذى وحسنه من حديث ثوبان، رفعه «لا يحل لامرئ مسلم
أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل» أى صار فى حكم الداخل. اهـ
وروايتانا الثامنة والتاسعة توضحان الحكمة صراحة، وفيهما ((إنما جعل الإذن من أجل البصر)»
وأخرج الطبرانى عن أبى أمامة له عن النبى {، قال ((من كان يشهد أنى رسول الله فلا يدخل على
أهل بيت، حتى يستأذن ويسلم، فإذا نظر فى قعر البيت، فقد دخل)».
وفى الكشاف: إنما شرع الاستئذان لئلا يقف على الأحوال التى يطويها الناس فى العادة عن
غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولم يشرع لئلا يطلع الداخل على العورة فقط، ولا إلى ما لا
يحل النظر إليه فقط، وعليه فقوله صلى الله عليه وسلم ((إنما جعل الاستئذان من أجل النظر)) خارج
مخرج الغالب، فعلى الأعمى أن يستأذن، كراهة اطلاعه - بواسطة السمع أو غيره على ما لا يحب أهل
البيت أن يطلع عليه.
وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم، وقد أخرج مالك فى الموطأ، عن
عطاء بن يسار ((أن رجلا قال للنبى : أأستأذن على أمى؟ قال: نعم. قال: ليس لها خادم غيرى؟
أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا قال: فاستأذن عليها))
٤٦١

وسأل رجل حذيفة ((أستأذن على أمى؟ قال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره)) والاستئذان أيضاً
مشروع للنساء، إذا أردن الدخول على نساء، والحكمة حماية أسرار أهل البيت من أن يطلع عليها من
لا يحبن الاطلاع عليها.
وهل يحتاجه المرء فى دخوله منزله الذى لا يسكنه غيره؟ قيل: لا، لفقد العلة التى من أجلها شرع
الاستئذان، وقيل: إن احتمل أن يتجدد فيه ما يحتاج معه إلى الإذن شرع له.
والحكمة فى كون الاستئذان ثلاثاً جاءت فى حديث أخرجه البيهقى فى الشعب وابن أبى حاتم
عن قتادة أنه قال: «كان يقال: الاستئذان ثلاث، أما الأولى فليسمع أهل البيت، وأما الثانية فليأخذوا
حذرهم ويستعدوا، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا لم يأذنوا )).
واختلف العلماء فى الزيادة على الثلاث، قال ابن عبد البر: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا تجوز
الزيادة على الثلاث، وقال بعضهم: إذا لم يسمع فلا بأس أن يزيد، وروى عن مالك لا أحب أن يزيد على
الثلاث إلا من علم أنه لم يسمع، قال الحافظ ابن حجر: وهو الأصح عند الشافعية. قال ابن عبد البر:
وقيل: تجوز الزيادة مطلقاً، بناء على أن الأمر بالرجوع بعد الثلاث للإباحة والتخفيف عن المستأذن،
فمن استأذن أكثر فلا حرج عليه، قال النووى: إذا استأذن ثلاثاً، فلم يؤذن له، وظن أنه لم يسمعه،
ففيه ثلاثة مذاهب: أشهرها أنه ينصرف، ولا يعيد الاستئذان، والثانى يزيد فيه، والثالث إن كان
بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر، فحجته قوله صلى الله عليه
وسلم فى هذا الحديث ((فلم يؤذن له فليرجع)) ومن قال بالثانى حمله على من علم، أو ظن أنه سمعه،
فلم یأذن.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١ - من أحاديث أبى موسى وعمر - رضى الله عنهما- أخذ بعضهم أنه لا يحتج بخبر الواحد، وزعم أن
عمره رد حديث أبى موسى هذا، لكونه خبر واحد. قال النووي: وهذا مذهب باطل، وقد أجمع
من يعتد به على الاحتجاج بخبر الواحد، ووجوب العمل به، ودلائله من فعل رسول اللّه ولا.
والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم أكثر من أن تحصر.
قال: وأما قول عمر لأبى موسى: أقم عليه البيئة، فليس معناه رد خبر الواحد، من حيث هو خبر
الواحد، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبى 8*، حتى يتقول عليه بعض
المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم ما لم يقل، وأن كل من وقعت له قضية وضع فيها
حديثاً على النبى :﴿، فأراد سد الباب، خوفاً من غير أبى موسى، لا شكاً فى رواية أبى موسى،
فإنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبى8# ما لم يقل، بل أراد زجر غيره بطريقه،
فإن من دون أبى موسى، إذا رأى هذه القضية، أو بلغته، وكان فى قلبه مرض، أو أراد وضع
حديث، خاف من مثل قضية أبى موسى، فامتنع من وضع الحديث والمسارعة إلى الرواية بغير
يقين، ومما يدل على أن عمر لم يرد رد خبر أبى موسى لكونه خبر واحد أنه طلب منه إخبار رجل
آخر، حتى يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خير من خبر واحد، وكذا ما زاد، حتى يبلغ
التواتر، فما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد، ومما يؤيده أيضاً ما ذكره مسلم فى الرواية الخامسة
٤٦٢

((أن أبياه قال: يا ابن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول اللَّه{ *، فقال: سبحان
الله !! إنما سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبت)).اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: وقد استشكل ابن العربى إنكار عمر على أبى موسى حديثه المذكور، مع
كونه وقع له مثل ذلك، مع النبى 8 .. وذلك فى حديث ابن عباس الطويل، فى هجر النبي #
نساءه فى المشرية، فإن فيه أن عمراستأذن مرة بعد مرة، فلما لم يؤذن له فى الثالثة رجع، حتى
جاءه الإذن، قال: والجواب عن ذلك أنه لم يقض فيه بعلمه، أو لعله نسى ما كان وقع له، ويؤيده
قوله ((شغلنى الصفق بالأسواق)) قال الحافظ ابن حجر: والصورة التى وقعت لعمر ليست مطابقة
لما رواه أبو موسى، بل استأذن فى كل مرة، فلم يؤذن له، فرجع، فلما رجع فى الثالثة استدعى،
فأذن له.
٢- واستدل به من ادعى أن خبر العدل بمفرده لا يقبل، حتى ينضم إليه غيره، كما فى الشهادة، قال
ابن بطال: وهو خطأ من قائله، وجهل بمذهب عمر، فقد جاء فى بعض طرقه أن عمر قال لأبى
موسى: أما إنى لم أتهمك، ولكنى أردت أن لا يتجرأ أحد على الحديث عن رسول الله :
٣- أخذ منه الجمهور التثبت من خبر الواحد، لما يجوز عليه من السهو وغيره.
٤- ويؤخذ منه أن لصاحب البيت - إذا سمع الاستئذان -أن لا يأذن، سواء سلم مرة أو مرتين أو
ثلاثاً، إذا كان فى شغل له، دينى أو دنيوى، أو كان له مقصد صحيح فى عدم الإذن، فقد قيل: "إن
عمر تعمد أن يقف أبو موسى على بابه طويلاً، إيلاماً له، وتأديباً، لما بلغه أن أبا موسى
يحبس الناس على بابه، فى حال إمرته، وقد كان عمر استخلفه على الكوفة، فعند البخارى فى
الأدب المفرد ((فقال عمر: يا عبد الله اشتد عليك أن تحتبس على بابى؟ اعلم أن الناس كذلك،
يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك».
٥- وفيه أن العالم المتبحر، قد يخفى عليه من العلم مايعلمه من هو دونه، ولا يقدح ذلك فى وصفه
بالعلم والتبحر فيه.
٦- ومن ضحكهم فى الرواية الثالثة أن من تحقق من براءة الشخص مما يخشى منه، وأنه لا يناله
بسبب ذلك مكروه، له أن يمازحه، ولو كان قبل إعلامه بما يطمئن به خاطره مما هو فيه، لكن
بشرط أن لا يطول الفصل، لئلا يكون سببا فى طول تأذى الغير.
٧- ومن إنكار أبى سعيد لضحكهم المبادرة إلى إزالة ما يقع من الهم بالممازحة.
٨- استدل بالرواية الرابعة، بعبارة ((إنا كنا نؤمر بهذا)) أن قول الصحابى مثل ذلك يحمل على الرفع،
ويقوى ذلك إذا ساقه مساق الاستدلال.
٩- ومن قول عمر ((ألهانى عنه الصفق بالأسواق)) فى الرواية الرابعة إطلاق اللهو على الاشتغال
بالتجارة، لأنها ألهته عن طول ملازمته النبى ®، حتى سمع غيره منه ما لم يسمعه، وأصل اللهو
فى اللغة ما يلهى، سواء كان حراماً أو حلالا، وفى الشرع ما يحرم فقط.
١٠- ومن حالة أبى موسى بعد إنذاره من عمر رهبة الصحابة من عمر -رضى الله عنهم- أجمعين.
٤٦٣

١١- ومن قول أبى بن كعب لعمر: ((فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول اللّه {®)) فى الرواية
الخامسة قوة الصحابة فى الحق، ولو فى نصح عمر -رضى الله عنهم أجمعين.
١٢- ومن الرواية السادسة والسابعة كراهة قول ((أنا)) فى جواب ((من))؟ قال النووى: الكراهة لهذا
الحديث ولأنه لا يحصل بقوله ((أنا)) فائدة. بل ينبغى أن يقول: فلان، باسمه، ولا بأس أن يقول:
أنا أبو فلان، أو أنا القاضى فلان، أو أنا الشيخ فلان، إذا لم يحصل التعريف بالاسم المجرد، قال:
والأحسن أن يقول: أنا فلان، المعروف بكذا.
١٣- ومن الرواية الثامنة والتاسعة استحباب الترجيل قال النووي: قال العلماء: فالترجيل مستحب
للنساء مطلقاً، وللرجل بشرط ألا يفعله كل يوم، أو كل يومين، ونحو ذلك. اهـ وهو غير مسلم، ولا
دلیل له.
١٤ - وجواز استعمال المدری.
١٥ - وإبقاء شعر الرأس وتربيته، واتخاذ آلة يزيل بها عنه الهوام، ويحك بها لدفع الوسخ.
١٦- ومشروعبة الاستئذان على من يكون فى بيت مغلق الباب.
١٧ - ومنع التطلع عليه من خلل الباب.
١٨ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه دليل على جواز رمى من يتجسس، ولولم يندفع بالشىء الخفيف
جاز بالثقيل، وأنه إن أصيب نفسه أو بعضه فهو هدر، وذهب المالكية إلى القصاص وأنه لا يجوز
قصد العين ولا غيرها، واعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه
-إذا ثبت الإذن - لا يسمى معصية، وإن كان الفعل لو تجرد عن هذا السبب يعد معصية، وقد
اتفقوا على جواز دفع الصائل، ولو أتى على نفس المدفوع، وهو بغير السبب المذكور معصية، فهذا
ملحق به، مع ثبوت النص فيه. وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ والإرهاب، قال
بعضهم: لعل مالكا لم يبلغه الحديث.
ثم قال: وهل يشترط الإنذار قبل الرمى؟ وجهان، وأصحهما لا، لقوله فى الرواية العاشرة
((يختله)) وقال: وفى حكم المتطلع من خلل الباب الناظر من فتحة فى الدار، وكذا من
وقف فى الشارع، فنظر إلى حريم غيره، أو إلى شىء فى دار غيره، وقيل: المنع مختص
بمن كان فى ملك المنظور إليه.
ثم قال: وهل يلتحق الاستماع بالنظر؟ وجهان، الأصح لا، لأن النظر إلى العورة أشد من استماع
ذكرها، وشرط القياس المساواة، أو أولوية المقيس، وهنا بالعكس.
١٩ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على اعتبار قدر ما يرمى به بحصى الخذف، المقدم بيانها فى
كتاب الحج، لقوله فى حديث الباب ((فخذفته)) فلو رماه بحجريقتل، أو سهم، تعلق به
القصاص، وفى وجه: لا ضمان مطلقاً، ولولم يندفع إلا بذلك جاز.
٤٦٤

ثم قال: ولو قصر صاحب الدار، بأن ترك الباب مفتوحاً، وكان الناظر مجتازاً، فنظر غير قاصد، لم
يجزرميه، فإن تعمد النظر فوجهان، أصحهما لا.
قال: ويلتحق بهذا من نظر من سطح بيته، ففيه الخلاف.
٢٠- واستدل بقوله ((إنما جعل الإذن من أجل البصر» فى الروايتين الثامنة والتاسعة على مشروعية
القياس والعلل، فإنه دل على أن التحريم والتحليل يتعلق بأشياء، متى وجدت فى شىء وجب
الحكم عليه.
٢١- ومن الرواية الثالثة عشرة أن من وقع منه النظر من غير قصد لا حرج عليه، وأن النهى إنما هو عن
النظر المتعمد، وعن إطالة النظر الذى كان من غير قصد، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعلى ضـ
((لاتتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الثانية».
٢٢- قال القاضى: وفى هذا الحديث حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستروجهها فى طريقها، وإنما
ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها فى جميع الأحوال، إلا لغرض صحيح
شرعى، كما فى حالة الشهادة والمداواة وإرادة الخطبة أو المعاملة بالبيع والشراء ونحو ذلك،
وإنما يباح فى جميع هذا قدر الحاجة، دون ما زاد.
والله أعلم
٤٦٥

كتاب السلام
٥٨١- باب يسلم الراكب على الماشى والقليل على الكثير.
٥٨٢- باب حق الجلوس على الطريق وحق المسلم على المسلم.
٥٨٣- باب السلام على أهل الكتاب والرد عليهم.
٥٨٤ - باب استحباب السلام على الصبيان.
٥٨٥- باب جواز جعل الإذن رفع حجاب أو غيره من العلامات.
٥٨٦- باب خروج النساء لقضاء حاجة الإنسان.
٥٨٧- باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها ودفع ظن السوء إذا خلال بامرأة حلال.
٥٨٨- باب من أتى مجلساً فوجد فرجة جلس فيها وتحريم إقامة الإنسان من موضعه، وإذا قام ثم
عاد فهو أحق به.
٥٨٩- باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب.
٥٩٠- باب جواز إرداف المرأة الأجنبية.
٥٩١- باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث.
٤٦٧

(٥٨١) باب يسلم الراكب على الماشى والقليل على الكثير
٤٩٣٢ - ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي،
وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ».
المعنى العام
شرع الله السلام بين عباده ليستأنسوا، فلا يستوحش مسلم من مسلم، ولينمو الود،
وتزداد المحبة والتآلف، وقد بين صلى الله عليه وسلم المطالب بالبدء بالسلام، لئلا يكون
للناس حجة، ولئلا يلقى بعضهم التبعة على بعض، ولئلا يتكاسل البعض فى انتظار ابتداء
البعض، فقال: ليبدأ الصغير سناً بالسلام على الكبير، والمار ماشياً أو راكباً على القاعد
والمضطجع، والقليل عدداً على الكثير، وكانوا يقولون فى الجاهلية: أنعم صباحاً، وأنعم
مساء، فلما جاء الإسلام نهوا عن ذلك، وأبدلهم اللَّه السلام تحية بينهم، والسلام تحية
الملائكة، قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]
وهو تحية اللَّه لأنبيائه، قال تعالى ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] وهو
تحية أهل الجنة بعضهم لبعض قال تعالى ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيَّهَا سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠].
المباحث العربية
(يسلم الراكب على الماشى، والماشى على القاعد، والقليل على الكثير) وفى رواية
للبخارى ((يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد» والمار أعم من أن يكون راكباً، أو ماشياً، وعند
الترمذى وصححه، والنسائى وصحيح ابن حبان ((يسلم الفارس على الماشى، والماشى على القائم»
والقائم هذا أعم من أن يكون جالساً أو واقفاً أو متكئاً أو مضطجعاً، وسيأتى تفصيل الصور والأحكام
فى فقه الحديث.
فقه الحديث
يمكن حصر نقاط الحديث فى خمس نقاط:
١ - حكم إلقاء السلام، والرد عليه.
٢- لفظهما المطلوب شرعاً، وحكم ألفاظ التحيات الجارية.
(١) حَدَّثَتِي عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ حَدََّا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنٍ جُرَيْجٍ حِ وَحَدَّثَنِيٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ حَدََّا رَوْحٌ حَدَّقْنَا ابْنُ جُرِّجٍ أَخْبُرَنِي
زِيَادٌ أَنْ ثَابًِ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَّدٍ أَخْبَرَةً أَنَّهُ سَمِعٌ أَا هُرَيْرَةً يَقُولُ
٤٦٩

٣- المواطن التى لا يشرع فيها السلام، بدءاً، ورداً.
٤- المطالبون بالبدء بالسلام، وحكمة مطالبتهم بالبدء.
٥- متفرقات.
١- فحكم إلقاء السلام وإفشائه سنة عينية للواحد، سنة كفائية للجماعة، على من يعرف، وعلى
من لا يعرف، وقد سبق فى كتاب الإيمان، فى باب إطعام الطعام وإفشاء السلام ((وتقرأ السلام على
من عرفت ومن لم تعرف».
نعم ذكر الماوردى: أن من مشى فى الشوارع المطروقة والسوق، لا يطلب منه أن يسلم إلا على
بعض من لقى، لأنه لوسلم على الكل لتشاغل عن المهم الذى خرج من أجله، ولشغل الناس عن
مصالحهم، ولخرج بذلك عن العرف والمألوف، قال الحافظ ابن حجر: ولا يعكر على هذا ما أخرجه
البخارى فى الأدب المفرد عن الطفيل بن أبى بن كعب، قال: «كنت أغدو مع ابن عمر إلى السوق، فلا
يمر على بياع، ولا على أحد، إلا سلم عليه، فقلت: ما تصنع بالسوق؟ وأنت لا تقف على البيع؟ ولا
تسأل عن السلع؟ قال: إنما نغدو من أجل السلام على من لقينا)» لأن مراد الماوردى من خرج فى
حاجة له، فتشاغل عنها بما ذكر، والأثر المذكور ظاهر فى أنه خرج لقصد تحصيل ثواب السلام. اهـ
وربما كانت هذه الحالة خاصة بابن عمر وأمثاله، ممن يتبرك بهم وبالسلام عليهم وبرؤيتهم والقرب
منهم، ويحتمل أنهم -أو أكثرهم- كانوا ممن يعرفونه ويعرفهم، ويعتزون به، ويعتز بهم، وكلام الماوردى
عن الطرق العامة فى المدن الكبرى، وفى الأسواق الكبيرة الجامعة، فحالة ابن عمر تصلح فى شوارع
القرية الصغيرة، وفى سوقها المتواضع، دون المدن والأسواق الكبيرة. وكذلك الأمر إذا دخل الشخص
مجلسا، فيه جمع كبير، مئات أو آلاف، لا يطلب منه أن يسلم عليهم واحدا واحدا، بل إن كان الجمع
قليلا، يعمهم سلام واحد، فسلم، كفاه، ولو كان الجمع كثيراً، لايعمهم سلام واحد، سلم عند دخوله على
من شاهدهم، وهل يستحب أن يسلم على من جلس عندهم، ممن لم يسمعه؟ وجهان. ويدخل فى عموم
إفشاء السلام، السلام على النفس لمن دخل مكانا ليس فيه أحد، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ يُيُوتًا
فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ولأن المكان لا يخلو من مخلوقات الله، من ملائكة وجن وغير ذلك،
وقد أخرج البخارى فى الأدب المفرد وابن أبى شيبة بسند حسن، عن ابن عمر ((فيستحب إذا لم يكن
أحد فى البيت أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)).
ويدخل فى عموم إفشاء السلام أيضاً من مرعلى من ظن أنه إذا سلم عليه لا يرد عليه، فإنه يشرع
له السلام، ولا يتركه لهذا الظن، لأنه قد يخطئ، قال النووي: وأما قول من لا تحقيق عنده أن ذلك
يكون سببا لتأثيم الآخر، فهو غباوة، لأن المأمورات الشرعية لا تترك بمثل هذا، ولو أعلمنا هذا البطل
إنكار كثير من المنكرات، ورجح ابن دقيق العيد فى شرح الإلمام المقالة التى زيفها النووى، وقال: إن
توريط المسلم فى المعصية أشد من ترك مصلحة السلام عليه، ولا سيما وامتثال إفشاء السلام قد
حصل مع غيره.
ويدخل فى عموم إفشاء السلام أيضاً عدم تخصيص أحد الحاضرين بالسلام، ففى التخصيص ما
يوقع الغير فى الاستيحاش، وقد أورد الطحاوى فى مشكل الآثار حديث أبى ذر، فى قصة إسلامه،
٤٧٠

وفيه ((فانتهيت إلى النبى -وقد صلى هو وصاحبه- فكنت أول من حياه بتحية الإسلام)) قال
الطحاوى: وهذا لا ينافى حديث ابن مسعود فى ذم السلام للمعرفة، لاحتمال أن يكون أبو ذر سلم على
أبى بكر قبل ذلك، أو لأن حاجته كانت عند النبى {8®، دون أبى بكر، قال الحافظ ابن حجر:
والاحتمال الثانى لا يكفى فى تخصيص السلام، وأقرب منه أن يكون ذلك قبل تقرير الشرع بتعميم
السلام، ويحتمل أن يكون أبو بكر توجه بعد الصلاة إلى منزله، ودخل النبى 8 منزله، فدخل عليه أبو
ذر، وهو وحده، ويؤيده ما أخرجه مسلم والبخارى فى قصة إسلام أبى ذر «أنه قام يلتمس النبى ◌َ﴿،
ولا يغرفه، ويكره أن يسأل عنه، فرآه على، فعرف أنه غريب، فاستتبعه - أى عرف حاجته، فطلب منه
أن يتبعه إليه- حتى دخل به على النبى 8*، فأسلم)».
ويدخل فى عموم إفشاء السلام أيضاً سلام الرجال على النساء، وسلام النساء على الرجال،
والجمهور على جوازه، عند أمن الفتنة، فعند البخارى عن سهل به، قال: «كنا نفرح يوم الجمعة، قيل
لسهيل: ولم؟ قال: كانت لنا عجوز، تأخذ من أصول السلق، فتطرحه فى قدر، وتكركر حبات من شعير،
فإذا صلينا الجمعة انصرفنا، ونسلم عليها، فتقدمه إلينا، فنفرح من أجله)» وعنده أيضاً ((قال رسول
اللَّهِ* ((يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله. ترى ما لا نرى)).
وجبريل -عليه السلام- كان يأتى فى صورة رجل، وفى مسلم حديث أم هانئ ((أتيت النبي { 4}.
وهو يغتسل، فسلمت عليه)» وعند الترمذى وحسنه حديث أسماء بنت يزيد ((مرعلينا النبى 8 فى
نسوة، فسلم علينا)) قال الحليمى: كان النبى للعصمة مأموناً من الفتنة، فمن وثق من نفسه
بالسلامة فليسلم، وإلا فالصمت أسلم.
وفرق المالكية بين الشابة والعجوز، فأجازوا السلام على العجوز، ومنعوا السلام على الشابة، سداً
للذرائع، وحجتهم حديث سهل الماضى قريباً، فإنها كانت عجوزاً.
ومنع ربيعة سلام الرجال على النساء، وسلام النساء على الرجال مطلقاً، ويستند إلى ما أخرجه
عبدالرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير («بلغنى أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء، والنساء
على الرجال)» قال الحافظ ابن حجر: وهو مقطوع أو معضل.
وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال، لأنهن منعن من الأذان والإقامة والجهر
بالقراءة، قالوا: ويستثنى المحرم، فيجوزلها السلام على محارمها، وتعقب بأن الرجال الذين كانوا
يزورون المرأة بعد الجمعة وتطعمهم فى حديث سهل، لم يكونوا من محارمها.
وقال المتولى: السلام على الأجنبية، إن كانت جميلة، يخاف الافتتان بها لم يشرع السلام، لا
ابتداء، ولا جوابا، ولو ابتدأ أحدهما كره للآخر الرد، وإن كانت عجوزاً، لايفتتن بها جاز.
ولو اجتمع فى المجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة.
وهذا كله عن السلام مشافهة، دون مصافحة، وسيأتى الكلام عنها.
ويدخل فى عموم إفشاء السلام أيضاً السلام على الصبيان، وسيأتى فى مسلم عما قريب عن أنس
له ((أن رسول اللَّه # مرعلى غلمان، فسلم)) قال النووى: فيه استحباب السلام على الصبيان
٤٧١

المميزين، وقد اتفق العلماء على استحباب السلام على الصبيان، ولو سلم على رجال وصبيان، فرد
السلام صبى منهم، هل يسقط فرض الرد عن الرجال؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما يسقط، ومثله
الخلاف فى صلاة الجنازة، هل يسقط فرضها بصلاة الصبى؟ الأصح سقوطه، ونص عليه الشافعى، ولو
سلم الصبى على رجل لزم الرجل رد السلام، وهذا هو الصواب الذى أطبق عليه الجمهور، وقال بعض
أصحابنا: لا يجب، وهو ضعيف أو غلط.
وهل يدخل فى عموم إفشاء السلام السلام على الكافرين؟ ذهبت طائفة إلى جواز بدئهم
بالسلام، فأخرج الطبرى من طريق ابن عيينة، قال: يجوز ابتداء الكافر بالسلام، لقوله
تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] وقول إبراهيم لأبيه ﴿َسَلامٌ عَلَيْكَ﴾.
[مريم: ٤٧] وأخرج ابن أبى شيبة عن عون بن عبد اللَّه عن محمد بن كعب، أنه سأل عمربن
عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: نرد عليهم ولا نبدؤهم. قال عون لمحمد بن
كعب: فكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم. قلت: لم؟ قال؟ لقوله تعالى:
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] وقال البيهقى: عن أبى أمامة أنه كان يسلم على
كل من لقيه، فسئل عن ذلك، فقال: إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأمانا لأهل ذمتنا.
وقال النووى: روى جواز ابتدائنا لهم بالسلام عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبى محيريز، وهو
وجه لبعض أصحابنا، حكاه الماوردى، لكنه قال: يقول: السلام عليك، ولا يقول: عليكم بالجمع، واحتج
هؤلاء بعموم الأحاديث، وبإفشاء السلام، وهى حجة باطلة، لأنه عام مخصوص، بحديث ((لا تبدءوا
اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم فى طريق فاضطروه إلى أضيقه)) أخرجه مسلم وسيأتى
قريباً، وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد، وأخرج النسائى ((أن النبى وقال: ((إنى راكب غداً إلى
اليهود، فلا تبدءوهم بالسلام)» ثم قال النووى: وقال بعض أصحابنا: يكره ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرم،
وهذا ضعيف أيضاً، لأن النهى للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم. اهـ ويجيب المانعون على أدلة
المجوزين بأن العموم فى الأحاديث مخصوص، وأن قوله تعالى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ ليس صريحا فى رخصة السلام، وأن قول إبراهيم
لأبيه ليسَ القصد منه سلام التحيّة، بل القصد منه المتاركة والمباعدة، وصرح بعض السلف بأن قوله
تعالى ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ نسخت بآية القتال، وللطبرى رأى يحاول به الجمع والتوسط بين
الرأيين، فيقول: لا مخالفة بين حديث أسامة فى سلام النبى 8 على الكفار، حيث كانوا مع
المسلمين، وبين حديث أبى هريرة ((لاتبدءوا اليهود ولا النصارى)» فى النهى عن السلام على الكفار،
لأن حديث أبى هريرة عام، وحديث أسامة خاص، فيختص حديث أبى هريرة بما إذا كان الابتداء
لغير سبب ولا حاجة، من حق الصحبة أوحق المجاورة، أو حق المكافأة، أو نحو ذلك، قال النووي:
وحكى القاضى عن جماعة أنه يجوزابتداؤهم بالسلام لضرورة أو حاجة أو سبب، وهو قول علقمة
والنخعى. اهـ وقيل فى المراد من حديث أبى هريرة منع ابتدائهم بالسلام المشروع، فأما لوسلم عليهم
بلفظ يقتضى خروجهم عنه، كأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فهو جائز، كما كتب
النبى # إلى هرقل وغيره ((سلام على من اتبع الهدى)) وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال: السلام على
٤٧٢

أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم: السلام على من اتبع الهدى. وأخرج ابن أبى شيبة عن محمد بن
سيرين ((إذا سلمت على المشركين فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيحسبون أنك
سلمت عليهم، وقد صرفت السلام عنهم)» والتحقيق أن السلام له معان متعددة، وجملة السلام عليكم
يمكن أن تكون خبرية لفظا ومعنى، وأن تكون إنشائية دعائية، فالسلام بمعنى أمان اللَّه فى الدنيا
والآخرة لا يقال لهم ابتداء ولا جواباً، إن كانت الجملة خبرية فهو كذب، وإن كانت دعائية فلا يجوز
الدعاء لهم بذلك، ولكن يدعى لهم بالهداية والإسلام، وهذه وجهة نظر من يمنع أن يقال لهم (ورحمة
الله وبركاته)) والسلام على أنه اسم الله تعالى يراد مع حذف مضاف تقديره ((أمان اللَّه، أو رحمة
اللَّه، أو إحسان اللَّه، أو جنة الله، ونحو ذلك، وهو فى المنع كسابقه.
والسلام بمعنى الأمان من المتكلم للمخاطب، وتأمين المسلم المسلم عليه من أذاه جائز أن يقال
لهم على أنه خبر، أى أنت فى أمان من أذاى، فأعطنى الأمان من أذاك، وعلى هذا ينبغى للمسلم أن
يقصد هذا المعنى، ولا غضاضة فى ذلك، فالإسلام دين الأمان والمسالمة، وإن لم يقصده وقصد التحية
العادية فلا بأس، وبخاصة أن الحاجة فى مجتمعنا إلى الترابط ونبذ الطائفية شديدة، والمسلمون
ضعاف فى أوطانهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ويعجبنى قول الأوزاعى: إن سلمت فقد
سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون أما السلام على جمع فيه مسلمون وكفار، أو مسلم
وكافر، فيجوزابتداؤهم بالسلام، ويقصد المسلمين، فقد سلم صلى الله عليه وسلم على مجلس فيه
أخلاط من المسلمين والمشركين.
وهل يدخل فى عموم إفشاء السلام أيضاً السلام على الفساق وأهل المعاصى؟ الجمهور على أنه لا
يسلم على الفاسق، ولا على المبتدع، قال عبد الله بن عمرو («لا تسلموا على شرب الخمر» وأخرج سعيد
ابن منصور بسند ضعيف وابن عدى بسند أضعف عن ابن عمر « لاتسلموا على من شرب الخمر، ولا
تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا)) قال النووى: المبتدع ومن اقترف ذنباً عظيماً، ولم
يتب منه، لا يسلم عليهم، ولا يرد عليهم السلام، وقال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء، وقال المهلب:
ترك السلام على أهل المعاصى سنة ماضية. قال النووي: فإن اضطر إلى السلام، بأن خاف ترتيب
مفسدة فى دين، أو دنيا، إن لم يسلم، سلم، زاد ابن العربى: وينوى أن السلام اسم من أسماء الله
تعالى، فكأنه قال: اللَّه رقيب عليكم. اهـ وقصة كعب بن مالك، حين تخلف عن غزوة تبوك، ونهى
النبى و الصحابة عن كلامه، عمدة فى هذه المسألة.
أما رد السلام فقد قال النووى: إنه واجب، فإن كانوا جماعة كان الرد فرض كفاية فى حقهم،
فإذا رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، والأفضل أن يرد الجميع، وعن أبى يوسف أنه لا بد أن
يرد الجميع.اهـ واتفقوا على أن من سلم على جماعة، فرد عليه واحد من غيرهم، لا يجزئ عنهم،
واختلفوا فى حكم الرد على من سلم عند قيامه من المجلس، إذا كان قد سلم حين دخل، فقال
القاضى حسين: لا يجب الرد، ووافقه المتولى، وخالفه المستظهرى، فقال: السلام سنة عند
الانصراف، فيكون الجواب واجباً. قال النووي: هذا هو الصواب.
ونقل ابن عبد البروغيره إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سنة، وأن رده فرض، وقال
٤٧٣

الحليمى: إنما كان الرد واجباً لأن السلام معناه الأمان، فإذا ابتدأ به المسلم أخاه، فلم يجبه، فإنه
يتوهم منه الشر، فيجب عليه دفع ذلك التوهم عنه.اهـ ولا يكفى السلام سراً، بل يشترط الجهر، وأقله
أن يسمع، فى الابتداء وفى الجواب، ومن كان بعيداً، بحيث لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه
إشارة، ويتلفظ مع ذلك بالسلام، ويشترط كون الرد على الفور، ولو أتاه سلام من غائب فى ورقة وجب
الرد على الفور. قاله النووى. وإرسال السلام مع آخر مشروع، ويجب على الرسول تبليغه، لأنه أمانة، أو
وديعة، فإن التزمه الرسول أشبه الأمانة، والأمانة واجبة الأداء، وإن لم يلتزمه أشبه الوديعة، والودائع
إذا لم تقبل لم يلزمه شىء، لكن يستحب تبليغها وإذا أتاه شخص بسلام من شخص استحب أن يرد
على المرسل والمبلغ، فيقول: وعليك وعليه السلام.
٢- أما لفظهما المطلوب شرعاً فيقول النووى: أقل السلام أن يقول: السلام عليكم، فإن كان
المسلم عليه واحداً فأقله: السلام عليك، والأفضل أن يقول: السلام عليكم، ليتناوله وملكيه، وأكمل منه
أن يزيد ((ورحمة الله)) وأيضاً((وبركاته)) ولو قال: سلام عليكم أجزأه.
قال: واستدل العلماء لزيادة ((ورحمة الله وبركاته)) بقوله تعالى، إخباراً عن سلام الملائكة، بعد
ذكر السلام ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] ويقول المسلمين كلهم فى التشهد:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
قال: ويكره أن يقول المبتدئ: عليكم السلام، فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور،
وقيل: لا يستحقه وقد صح أن النبى 8# قال: «لاتقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى».
قال: وأما صفة الرد، فالأفضل والأكمل أن يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيأتى بالواو
((وعليكم)) فلو حذفها جاز، وكان تاركا للأفضل، ولو اقتصر على ((وعليكم السلام)» أو على ((عليكم
السلام)) أجزأه، ولو اقتصر على ((عليكم)) لم يجزه بلا خلاف، ولو قال: ((وعليكم)) بالواو، ففى إجزائه
وجهان لأصحابنا.
قال: وإذا قال المبتدئ: سلام عليكم، أو السلام عليكم، فقال المجيب مثله، سلام عليكم،
أو السلام عليكم كان جوابا وأجزاه، قال تعالى ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] ولكن
بالألف واللام أفضل. اهـ
وقد روى البخارى عن أبى هريرة عن النبى 8 قال: خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً،
فلما خلقه قال: اذهب، فسلم على أولئك، نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك
وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللَّه، فزادوه ((ورحمة الله)) وفى هذا
الحديث تأييد لمن قال: لا يقدم على لفظ السلام شىء، بل يقول فى الابتداء والرد: السلام عليك،
وتأييد الاقتصار على الإفراد، وتأييد لمن قالها فى الرد بدون الواو.
ولو قال المبتدئ: السلام عليكم، بالجمع، فقال المجيب: وعليك السلام، فغير محسن، لأنه لم يرد
التحية بمثلها فضلا عن أحسن منها، ولوزاد المبتدئ ((ورحمة اللَّه)) زاد المجيب حتى يرد بمثلها أو
أحسن منها.
٤٧٤

قالوا: ولو زاد المبتدئ ((ورحمة الله وبركاته)) أوزاد عليها ((ومغفرته)) فهل تشرع الزيادة فى الرد
على ما زاد؟ أخرج مالك فى الموطأ عن ابن عباس قال: انتهى السلام إلى البركة، وأخرج البيهقى فى
الشعب («جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: حسبك إلى
((وبركاته)) انتهى إلى ((وبركاته)).
وجاء عن ابن عمر الجواز، فعند مالك في الموطأ عنه أنه زاد فى الجواب ((والغاديات
والرائحات)» وأخرج البخارى فى الأدب المفرد عن سالم مولى ابن عمر قال: كان ابن عمر يزيد إذا رد
السلام، فأتيته مرة، فقلت: السلام عليكم، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم أنيته، فزدت «وبركاته)»
فرده وزاد ((وطيب صلواته)) ونقل ابن دقيق العيد عن أبى الوليد بن رشد أنه يؤخذ من قوله تعالى
﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] جواز الزيادة على البركة، إذا انتهى إليها المبتدئ.
وأخرج أبو داود والترمذى والنسائى بسند قوى، عن عمران بن حصين قال: ((جاء رجل إلى النبى
** فقال: السلام عليكم، فرد عليه، وقال: عشر)» -أى عشر حسنات، كما صرح بها فى رواية البخارى
فى الأدب المفرد وصححه ابن حبان - «ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه،
وقال: عشرون، ثم جاء آخر، فزاد: وبركاته، فرد عليه، وقال: ثلاثون)) وأخرج الطبرانى بسند ضعيف
((من قال: السلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن زاد: ورحمة الله كتب له عشرون حسنة، ومن زاد:
وبركاته كتب له ثلاثون حسنة» قال الحافظ ابن حجر: «وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت، قوى
ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على ((وبركاته)) واتفقوا على أن من سلم، بقوله: السلام عليكم
لم يجزئ فى جوابه إلا السلام، ولا يجزئ فى جوابه: صبحك الله بالخير، أو صبحك اللّه بالسعادة
ونحو ذلك.
واختلف فيمن أتى فى التحية بغير لفظ السلام، كأن قال: مساء الخير مثلا، هل يجب
جوابه، بمثل تحيته؟ فيقول: ومساكم اللَّه بالخير؟ أو بأحسن منها؟ فيقول: عليكم السلام
ورحمة الله وبركاته؟ فيكون فى ذلك تعليماً له لما كان ينبغى؟ أو يجمع بينهما؟ وهو
الأفضل، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومساكم اللَّه بالخير؟ وقال ابن دقيق
العيد: الذى يظهر أن التحية بغير لفظ السلام من باب ترك المستحب، وليس بمكروه، إلا
إن قصد به العدول عن السلام، إلى ما هو أظهر فى التعظيم من أجل أكابر أهل الدنيا. ولو
أتى بالسلام بغير اللفظ العربى، هل يستحق الجواب؟ ثلاثة أقوال للعلماء: يجب، لا يجب،
يجب الرد على من لا يحسن العربية، لعذره، ولا يجب الرد على من يحسن العربية لتقصيره،
وحين الرد يكون باللغة الأجنبية، بمثل المبتدئ لمن يقدر عليها.
٣- أما المواطن التى لا يشرع فيها السلام فقد قال النووى: يستثنى من العموم بابتداء السلام من
كان مشتغلا بأكل أو شرب أو جماع، أو كان فى الخلاء، أو الحمام، أو نائماً، أو ناعساً، أو مصلياً، أو
مؤذنا ما دام متلبسا بشىء مما ذكر، فلولم تكن اللقمة فى فم الآكل مثلا شرع السلام عليه، ويشرع
فى حق المتبايعين، وسائر المعاملات، واحتج له ابن دقيق العيد، بأن الناس غالباً يكونون فى
٤٧٥

اشتغالهم، فلوروعى لم يحصل امتثال الإفشاء، وقال ابن دقيق العيد: احتج من منع السلام على من
فى الحمام بأنه بيت الشيطان، وليس موضع التحية، لاشتغال من فيه بالتنظيف، قال: وليس هذا
المعنى بالقوى فى الكراهة، بل يدل على عدم الاستحباب. قال الحافظ ابن حجر: وقد ثبت فى
صحيح مسلم عن أم هانئ ((أتيت النبي {®، وهو يغتسل، وفاطمة تستره، فسلمت عليه)).
قال النووى: وأما السلام حال الخطبة فى الجمعة فيكره، للأمر بالإنصات، ولو سلم لم يجب الرد،
عند من قال: الإنصات واجب، ويجب عند من قال: إنه سنة، وعلى الوجهين لا ينبغى أن يرد أكثر من
واحد، وأما المشتغل بقراءة القرآن، فقال الواحدى: الأولى ترك السلام عليه، فلوسلم عليه كفاه الرد
بالإشارة، وإن رد لفظاً استأنف الاستعاذة وقرأ، قال النووى: وفيه نظر، والظاهر أنه يشرع السلام عليه،
ويجب عليه الرد.
ولو سلم على المصلى جاز أن يرد السلام بالإشارة، فقد وردت أحاديث جيدة أنه صلى الله عليه
وسلم رد السلام وهو يصلى، إشارة، منها حديث أبى سعيد ((أن رجلا سلم على النبى {®، وهو يصلى،
فرد عليه، إشارة )».
قال النووي: وأما من كان مشتغلا بالدعاء، مستغرقاً فيه، مستجمع القلب، فيحتمل أن يقال: هو
كالقارئ، والأظهر عندى أنه يكره السلام عليه، لأنه يتذكد به، ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل، وأما
الملبى فى الإحرام، فيكره أن يسلم عليه، لأن قطعه التلبية مكروه، ويجب عليه الرد مع ذلك لفظاً أن لو
سلم عليه، قال: ولو تبرع واحد من هؤلاء برد السلام، إن كان مشتغلا بالبول ونحوه فيكره، وإن كان
آكلا، ونحوه فيستحب فى الموضع الذى لا يجب فيه، وإن كان مصليا لم يجزأن يقول بلفظ
المخاطبة، كعليك السلام، أو عليك فقط، فلوفعل بطلت، إن علم التحريم، لا إن جهل فى الأصح، فلو
أتى بضمير الغيبة لم تبطل، ويستحب أن يرد بالإشارة، وإن رد بعد فراغ الصلاة لفظاً فهو أحب، وإن
كان مؤذناً أو ملبياً لم يكره له الرد لفظاً، لأنه قدر يسير، لا يبطل الموالاة.اهـ
وتعقب بأن التعليل الذى ذكره فى تؤكد الداعى يأتى مثله فى القارئ، وما ذكره فى بطلان الصلاة
إذا رد السلام بالخطاب، ليس متفقا عليه، فعن الشافعى نص فى أنه لا تبطل، لأنه لا يرد حقيقة
الخطاب بل الدعاء، وإذا عذرنا الداعى والقارئ بعدم الرد، فرد بعد الفراغ، كان مستحبا. وذكر بعض
الحنفية أن من جلس فى المسجد للقراءة، أو للتسبيح، أو لانتظاره الصلاة، لا يشرع السلام عليهم، وإن
سلم عليهم لم يجب الجواب، قال: وكذا الخصم إذا سلم على القاضى لا يجب عليه الرد، وكذلك
الأستاذ إذا سلم عليه تلميذه لا يجب الرد عليه. كذا قال، وهذا الأخير لا يوافق عليه.
ولا يسلم على مكشوف العورة، ولا على درس العلم، ولا على رجل معه امرأة شابة، ولو سلم على
هؤلاء لم يجب الرد. والله أعلم.
٤- وحديث الباب يحدد المطالبين بالبدء بالسلام ((يسلم الراكب على الماشى، والماشى على
القاعد، والقليل على الكثير» وعند البخارى ((يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد)».
٤٧٦

وقد تكلم العلماء على الحكمة فيمن شرع لهم الابتداء، فقال المهلب: تسليم الصغير لأجل حق
الكبير، لأنه أمر بتوقيره، والتواضع له، وتسليم القليل لأجل حق الكثير، لأن حقهم أعظم، وتسليم المار -
راكبًا أو ماشياً - لشبهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه، فيرجع إلى
التواضع، وقال ابن العربى: حاصل ما فى هذا الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل. اهـ. ولا
يتأتى هذا فى الراكب والماشى.
وقال المازري: أما أمر الراكب، فلأنه له مزية على الماشى، بأن يبدأه الراكب بالسلام، احتياطاً
على الراكب من الزهو، أن لوحاز الفضيلتين، وأما الماشى فلما يتوقع القاعد منه من الشر، ولا سيما
إذا كان راكباً، فإذا ابتدأه بالسلام أمن منه ذلك، وأنس إليه، أو لأن فى التصرف فى الحاجات
امتهانا، فصار للقاعد مزية، فأمر بالابتداء، أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين، مع كثرتهم،
فسقطت البداءة عنه للمشقة، بخلاف المار، فلا مشقة عليه، وأما القليل فلفضيلة الجماعة، أو لأن
الجماعة لوابتدءوا لخيف على الواحد الزهو، فاحتيط له.
قال المازري وغيره: هذه المناسبات لا يعترض عليها بجزئيات تخالفها، لأنها لم تنصب نصب
العلل الواجبة الاعتبار، حتى لا يجوز أن يعدل عنها، حتى لوابتدأ الماشى، فسلم على الراكب لم
يمتنع، لأنه ممتثل للأمر بإفشاء السلام وإظهاره، غير أن مراعاة ما ثبت فى الحديث أولى، ويستحب
ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة، بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء، فبدأه الآخر،
كان المأمور تاركاً للمستحب، والآخر فاعلا للسنة، إلا إن بادر، فيكون تاركاً للمستحب أيضاً، وقال
المتولى: لو خالف الراكب، أو الماشى ما دل عليه الخبر كره، قال: والوراء يبدأ بكل حال، وقال
الكرمانى: لوجاء فى الحديث أن الكبير يبدأ الصغير، والكثير يبدأ القليل لكان مناسباً، لأن الغالب
أن الصغير يخاف من الكبير، والقليل يخاف من الكثير، فإذا بدأ الكبير أمن الصغير، وإذا بدأ الكثير
أمن القليل، لكن لما كان من شأن المسلمين أن يأمن بعضهم بعضاً اعتبر جانب التواضع.اهـ
وخلاصة القول إن الحكمة فى هذا الترتيب متلمسة، ولغير هذا الترتيب حكم تتلمس، وللمشرع حكمته
التى قد لا نعلمها، فالاتباع أولى.
وهناك صور لم يتعرض لها المشرع، منها:
(أ) إذا تلاقى ماران، راكبان، أو ماشيان؟ قال المازري: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قدراً فى الدين،
إجلالا لفضله، لأن فضيلة الدين مرغب فيها فى الشرع، وعلى هذا لو التقى راكبان، ومركوب أحدهما
أعلى من مركوب الآخر، كالجمل والفرس، فيبدأ راكب الفرس؟ أو ينظر إلى أعلاهما قدراً فى الدين،
فيبدؤه الذى هو دونه؟ هذا الثانى أظهر، لكن لا نظر إلى من يكون أعلاهما قدراً من جهة الدنيا،
كموظف ومديره، إلا أن يكون سلطاناً أو نحوه يخشى بأسه.
(ب) إذا تعارضت جهات طلب البدء، كأن يكون المشاة كثيراً، والقعود قليلا؟ قيل: يرجح جانب
المشاة، وقيل: إذا تعارضا تساقطا، ويقدر أنهم فى حكم اثنين متساويين التقيا.
(جـ) إذا تعارض الصغر المعنوى بالصغر الحسى، كأن يكون الأصغر سناً أعلم، أو أتقى،
٤٧٧

أو أحكم، قال الحافظ ابن حجر: الذى يظهر اعتبار السن، لأنه الظاهر، من قبيل تقديم
الحقيقة على المجازاهـ
(د) ومثل ذلك إذا كان الكبير راكبا، والصغير ماشيا؟ قال ابن دقيق العيد: يبدأ الراكب، لأن
محل بدء الصغير السلام على الكبير إذا التقيا، راكيين، أو ماشيين.
(هـ) إذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام،
كما فى المتهاجرين، وقد أخرج البخارى فى الأدب المفرد، بسند صحيح، من حديث جابر، قال:
((الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل)) وأخرج الطبرانى من حديث أبى الدرداء ((قلنا:
يا رسول اللَّه، إنا نلتقى، فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: أطوعكم للَّه».
٥- أما المتفرقات فمنها:
(أ) من سمع سلاماً فى المذياع الصوتى أو المرئى أو قرأ سلاماً فى خطاب، هل يجب عليه الرد؟
الظاهر وجوب الرد، لأن السلام - على المشهور- دعاء بالأمن والرحمة، فإذا حيا المذيع السامعين، أو
حيا المرسل المرسل إليه، بهذه التحية، لزمهم أن يحيوه بمثلها، أو بأحسن منها، وأن يدعوا له بمثلها
أو أحسن منها، أما اشتراط إسماع الرد فهو حيث أمكن، لما فى ذلك من تطييب الخاطر، وشرح
الصدر، ومقابلة الإحسان بالإحسان، أما إذا لم يمكن الإسماع فالخير الدعاء بظهر الغيب.
(ب) المصافحة وأخذ اليد فى اليد حين السلام، أخرج البخارى. قال ابن مسعود: ((علمنى رسول
اللَّهِ:﴿ التشهد، وكفى بين كفيه)) وقال كعب بن مالك: ((دخلت المسجد، فإذا برسول اللَّهل:﴿، فقام
إلى طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحنى، وهنأنى)» وعن قتادة: قلت لأنس: أكانت المصافحة
فى أصحاب النبى /#؟ قال: نعم)) وأخرج الترمذى بإسناد حسن، عن أنس به، قال ((قيل: يا رسول
الله، الرجل يلقى أخاه، أينحنى له؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده، ويصافحه؟ قال: نعم)) قال ابن بطال:
المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبها مالك، بعد كراهته. وقال النووى المصافحة سنة
مجمع عليها عند التلاقى، وقد أخرج أحمد وأبوداود والترمذى، عن البراء، رفعه ((ما من مسلمين
يلتقيان فيتصافحان، إلا غفر لهما قبل أن يتفرقاً)).
قال النووي: وأما تخصيص المصافحة بما بعد صلاتى الصبح والعصر فقد مثل بها ابن
عبد السلام البدعة المباحة، قال النووى: وأصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها فى
بعض الأحوال، لا يخرج ذلك عن أصل السنة. قال الحافظ ابن حجر: ويستثنى من عموم
الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية.
(جـ) تقبيل اليد، وأجازه جمهور العلماء، واحتجوا بما روى عن عمر، أنهم ((لما رجعوا
من الغزو - حيث فروا - قالوا: نحن الفرارون، فقال: بل أنتم العكارون - أى الكرارون
الراجعون - إنا فئة المؤمنين، قال: فقبلنا يده)) ((وقبل أبولبابة وكعب بن مالك وصاحباه
يد النبى®، حين تاب اللَّه عليهم)) أخرجه ابن المقرى والبيهقى فى الدلائل، وذكره
٤٧٨

الأبهرى، ((وقبل أبو عبيدة يد عمر، حين قدم)) أخرجه سفيان فى جامعه، ((وقبل زيد بن
ثابت يدابن عباس، حين أخذ ابن عناس بركابه)) أخرجه الطبرى وابن المقرى، وذكر
الترمذى من حديث صفوان بن عسال ((أن يهوديين أتيا النبى ، فسألاه عن تسع آيات ...
الحديث، وفى آخره ((فقبلا يده ووجله)) قال الترمذى: حسن صحيح وأخرجه أيضاً للنسائى
وابن ماجه وصححه الحاكم، وأخرج أبو داود حديث الزارع العبدى، وكان فى وفد عبد
القيس قال ((فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبى ®®، فقبلنا يده)» قال الحافظ ابن
حجر: وسنده قوى، وأخرج أيضاً من حديث بريدة، فى قصة الأعرابى والشجرة، فقال: يا
رسول الله، ائذن لى أن أقبل رأسك ورجليك، فأذن له)) وأخرج البخارى فى الأدب المفرد،
من رواية عبد الرحمن بن رزين قال: ((أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفاً له ضخمة، كأنها كف
بعير، فقمنا إليها، فقبلناها)) وعن ثابت ((أنه قبل يد أنس)) وأخرج أيضاً ((أن عليا قبل يد
العباس ورجله)) وأخرج ابن المقرى من طريق أبى مالك الأشجعى، ((قال: قلت لابن أبى
أوفى: ناولنى يدك التى بايعت بها رسول اللَّه ﴿، فناولنيها، فقبلتها)).
قال النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه، أو علمه، أو شرفه، أو صيانته، أو نحو ذلك،
من الأمور الدينية، لا يكره، بل يستحب، فإن كان لغناه، أو شوكته، أو جاهه عند أهل الدنيا،
فمكروه شديد الكراهة. اهـ
وكرهها مالك، وأنكر ما ورد فيه. قال الأبهرى: وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر
والتعظم، وأما إذا كانت على وجه القرية إلى اللّه، لدينه، أو لعلمه، أو لشرفه، فإن ذلك جائز.
(د) والمعانقة والتقبيل، وعند أحمد من حديث أبى ذر، ((قال رجل لأبى ذر: هل كان رسول اللّه
# يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحنى، وبعث إلى ذات يوم، فلم أكن فى أهلى،
فلما جئت أخبرت أنه أرسل إلى، فأتيته، وهو على سريره، فالتزمنى، فكان أجود وأجود)) قال الحافظ
ابن حجر: ورجاله ثقات، وأخرج الطبرانى فى الأوسط، من حديث أنس «كانوا إذا تلاقوا تصافحوا،
وإذا قدموا من سفر تعانقوا )).
قال ابن بطال: اختلف الناس فى المعانقة، فكرهها مالك، وأجازها ابن عيينة.
وأخرج الترمذى عن عائشة، قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول اللَّه ® فى بيتى، فقرع
الباب، فقام إليه النبى 18®. يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله «قال الترمذى: حديث حسن.
(هـ) والقيام للقادم على وجه البر والإكرام جائز، بل مستحب، فقد أخرج البخارى عن أبى سعيد
اله قال ((إن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبى 8 إليه، فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم -
أو قال: خيركم- فقعد عند النبى وَل، فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإنى أحكم أن نقتل
مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فقال: لقد حكمت بما حكم به الملك)).
قال ابن بطال: فى هذا الحديث أمر الإمام الأعظم بإكرام الكبير من المسلمين، ومشروعية إكرام
٤٧٩

أهل الفضل فى مجلس الإمام الأعظم، والقيام فيه لغيره من أصحابه، واحتج ابن بطال لجواز القيام
للقادم، تكريماً له بما أخرجه النسائي، عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: «كان رسول اللّه ﴿، إذا
رأى فاطمة بنته قد أقبلت رحب بها، ثم قام، فقبلها، ثم أخذ بيدها، حتى يجلسها فى مكانه)»
وأخرجه أيضاً أبو داود والترمذى وحسنه، وصححه ابن حبان والحاكم، وترجم له أبو داود بباب
القيام، وكذلك صنع البخارى فى الأدب المفرد، وزاد حديث كعب بن مالك فى قصة توبته، وفيه
((فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول)).
وذهب آخرون إلى منع القيام، وأجابوا عند هذه الأدلة، واستدلوا بأدلة أخرى كثيرة، وقد بسطها
الحافظ ابن حجر، ولا يسمح به مقام شرح حديثنا. وخير ما قيل فى ذلك ما قاله الغزالى: القيام على
سبيل الإعظام مكروه، وعلى سبيل الإكرام لا يكره. قال الحافظ ابن حجر: وهو تفصيل حسن.
والله أعلم
٠
٤٨٠