النص المفهرس
صفحات 201-220
(قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث) ((فالأكل)) الفاء فصيحة، وما
بعدها جواب شرط محذوف، والأكل خبر لمبتدأ محذوف، أى إذا كان الشرب قائماً منهياً عنه فما
حكم الأكل قائماً؟.
قال النووى: هكذا وقع فى الأصول ((أشر)) بالألف، والمعروف فى العربية ((شر)» بغير ألف، وكذلك
خير، قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ
هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥] ولكن هذه اللفظة ((أشر أو أخبث)) وقعت هنا على الشك، فشك قتادة فى
أن أنساً قال: ((أشر)) أو قال ((أخبث)) فلا يثبت عن أنس بهذه الرواية ((أشر)) فإن جاءت هذه اللفظة
من غير شك، وثبتت عن أنس، فهى لغة وإن كانت قليلة الاستعمال، لأنه عربى فصيح، ولهذا نظائر
مما لا يكون معروفاً عن النحويين، ومما لا يكون جارياً على قواعدهم، وقد صحت به الأحاديث، فلا
ينبغى رده إذا ثبت، بل يقال: هذه لغة قليلة الاستعمال، ونحو هذا من العبارات، وسببه أن النحويين
لم يحيطوا إحاطة كاملة قطعية بجميع كلام العرب، ولهذا يمنع بعضهم ما ينقله غيره عن العرب،
كما هو معروف. اهـ
(سقيت رسول الله:# من زمزم، فشرب وهو قائم) فى الرواية السابعة عشرة ((شرب من
زمزم من دلومنها وهو قائم)) وفى الرواية التاسعة عشرة («سقيت رسول اللّه من زمزم، فشرب
قائما، واستسقى وهو عند البيت أى طلب أن يشرب، وهو عند الكعبة، وفى ملحقها ((فأتيته بدلو)).
وعند البخارى وابن ماجه عن عاصم عن الشعبى أن ابن عباس - رضى الله عنهما- حدثه، قال:
سقيت رسول اللَّه ◌ِ * من زمزم، فشرب وهو قائم. قال عاصم: فذكرت ذلك لعكرمة، فحلف بالله ما
فعل - أى ما شرب قائما - ما كان يومئذ إلا على بعير)) قال ابن العربى: لا حجة فى هذا على الشرب
قائما، لأن الراكب على البعدر قاعد، غبر قائم، وقيل: إن عكرمة قال: إن مراد ابن عباس بقوله: إنه
شرب قائما، إنما أراد به وهو راكب، والراكب يشبه القائم من حيث كونه سائراً، ويشبه القاعد، من
حيث كونه مستقراً على الدابة، قال الحافظ ابن حجر: لكن عند أبى داود عن ابن عباس أنه صلى الله
عليه وسلم أناخ، فصلى ركعتين، فلعل شربه من زمزم كان بعد ذلك، ولعل عكرمة إنما أنكر شربه
قائماً لنهيه عنه.اهـ
(نهى أن يتنفس فى الإناء) فى الرواية الواحدة والعشرين ((كان يتنفس فى الإناء ثلاثاً)»
وفى الرواية الثانية والعشرين ((كان يتنفس فى الشرب ثلاثاً)) والرواية المتممة للعشرين صريحة فى
النهى عن التنفس فى الإناء، والرواية الواحدة والعشرون صريحة فى التنفس فى الإناء، فبين ظاهرها
التعارض، فحملهما العلماء على حالتين: حالة التنفس بالفعل على من تنفس خارج الإناء، وحالة
النهى عن التنفس داخل الإناء، قال الإسماعيلى: المعنى أنه كان يتنفس: أى على الشراب، لا فيه
داخل الإناء. قال: وإن لم يحمل على هذا صار الحديثان مختلفين، وكان أحدهما منسوخاً لا محالة،
والأصل عدم النسخ، والجمع مهما أمكن أولى، ثم أشار إلى حديث أبى سعيد عن الترمذى وصححه
الحاكم ((أن النبى - نهى عن النفخ فى الشراب، فقال رجل: القذاة أراها فى الإناء؟ قال: أهرقها.
٢٠١
قال: فإنى لا أروى من نفس واحد؟ قال: فأبن القدح إذن عن فيك)» وعند ابن ماجه ((إذا شرب أحدكم
فلا يتنفس فى الإناء، فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء، ثم ليعد، إن كان يريد» وسيأتى مزيد للمسألة فى
فقه الحديث.
(إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ) ((إنه)) أى إن التنفس فى الشرب ثلاثاً أكثرريا، يقال: روى من الماء
ونحوه، بفتح الراء وكسر الواو وفتح الباء، يروى بفتح الواو، ريا بفتح الراء وكسرها، وروى بفتح الواو
مقصوراً، إذا شرب وشبع، فهوريان، وهى ريا، وريانة، والمعنى أن قليل الماء مع تجزئته فى الشرب
على نفسين أو ثلاثة يشعر الشارب بالشبع، وهو أيضاً ((أبرأ)) يقال: برئ المريض، بكسر الراء، يبرأ
بفتحها، برءا، بفتح فسكون، وبرءا، بضم فسكون، شفى، وتخلص مما به، فالمعنى أن التنفس عند
الشرب أكثر تخلصا من ألم العطش، وقيل: أكثر وقاية من الأمراض، أو أكثر وقاية من الأذى الذى
يحصل بسبب الشرب فى نفس واحد، وهو أيضاً ((أمرأ)) أى أكثر انسيابا وانسياغاً فى المرىء، الذى
هو مجرى الطعام والشراب من الحلقوم إلى المعدة، أى فهو أهناً، حميد العاقبة، قال تعالى: ﴿فَكُلُوهُ
هَنِيْئًا مَرِيثًا﴾ [النساء: ٤].
(أتى بلبن قد شيب بماء) يقال: شاب الشىء بالشىء، يشوبه، شوباً بفتح الشين، إذا خلطه
به، وفى القرآن الكريم ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] وفى الرواية الرابعة
والعشرين يقول أنس ((فدخل علينا دارنا، فحلبنا له من شاة داجن -أى أليفة، أغلب تربيتها وعلفها
فى البيت، قليلة الخروج للرعى، وهذا الوصف يشير إلى حسن مرعاها، وطيب لبنها -وشيب له من بئر
فى الدار)) أى وخلط لبنها بماء من بئر فى دارنا، وتبين الرواية الخامسة والعشرون شخص الذى
شاب اللبن، وأنه أنس، فعيها ((أتانا رسول اللَّه ◌ُ فى دارنا، فاستسقى -أى عطش، فطلب الشرب -
فحلبنا له شاة، ثم شبته - بضم الشين، والضمير يرجع إلى اللبن، المفهوم من الحلب - من ماء بئرى
هذه)» وتبين رواية البخارى أن أنسا هو الذى باشر حلب الشاة، ولفظها ((فحلبت شاة)).
(وعن يمينه أعرابى، وعن يساره أبوبكر) فى الرواية الخامسة والعشرين ((وأبو بكر عن
يساره، وعمر وجاهه، وأعرابى عن يمينه)) يقال: وجاهه، بكسر الواو وضمها لغتان ويقال تجاهه، أى
تلقاء وجهه.
(فشرب، ثم أعطى الأعرابى) فى الرواية الرابعة والعشرين ((فشرب رسول اللّه ﴿، فقال له
عمر: يا رسول اللَّه، أبا بكر - أى أعط أبا بكر - فأعطاه أعرابيا عن يمينه» وفى الرواية الخامسة
والعشرين)) فلما فرغ رسول اللَّه ﴿ من شربه، قال عمر: هذا أبو بكريا رسول الله - يريد إياه- أى يريد
أن يعطى القدح إياه - فأعطى رسول اللَّه ﴿ الأعرابى، وترك أبا بكر وعمر» وفى رواية للبخارى فقال
عمر - وخاف أن يعطيه الأعرابى - أعط أبا بكر» فإشارة عمر بناها على مشاهدته ميل رسول اللّه ل*
بالقدح نحو الأعرابى، وقصد بها التذكير، لا التعديل خوفاً من النسيان، وإعلاما للأعرابى وغيره بجلالة
أبى بكر، وفى رواية البخارى ((فأعطى الأعرابى فضله)) أى اللبن الذى فضل منه بعد شربه، وحكى
٢٠٢
ابن التين أن الأعرابى خالد بن الوليد، وتعقب بأن مثله لا يقال له: أعرابى قال الحافط ابن حجر:
وكأن الحامل لصاحب هذا القول على ذلك أنه رأى فى حديث ابن عباس الآتى قريباً ذكر خالد، فظن
أن القصة واحدة، وليس كذلك، فإن قصة ابن عباس فى بيت ميمونة، وقصة أنس فى دار
أنس، فافترقا.
(وكن أمهاتى يحتثننى على خدمته) هذا على لغة: أكلونى البراغيت، أى الجمع بين
الضمير الفاعل والاسم الظاهر، والأصل وكانت أمهاتى، يقصد أمه - أم سليم وخالته أم حرام وغيرهما
من محارمه، وأطلق لفظ الأم عليهن من قبيل استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه، وهذا على مذهب
يجيزه، كالشافعى والباقلانى وغيرهما. والحث على خدمة النبى 8# فى بيت أنس كان تمهيداً لتعيينه
خادماً له صلى الله عليه وسلم.
(الأيمنون. الأيمنون. الأيمنون) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، أى الأحق الأيمنون، أو مبتدأ،
خبره محذوف، وفى الرواية الرابعة والعشرين ((الأيمن فالأيمن)) وقد ضبط بالنصب والرفع، وهما
صحيحان فالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أى أعطوا - أو قدموا - الأيمن فالأيمن، والرفع كما
سبق، وعند البخارى ((الأيمن والأيمن)) بالواو، وفى رواية له ((ألا فيمنوا)).
(وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ) فى رواية للبخارى وعن يمينه غلام هو أحدث
القوم)) وفى رواية له ((هو أصغر القوم)) وقد حكى ابن بطال أن الغلام كان الفضل بن عباس، وحكى
ابن التين أنه أخوه عبد الله، قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب، وقد روى ابن أبى حازم عن أبيه
فى حديث سهل بن سعد ذكر أبى بكر الصديق، فيمن كان عن يساره صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن
عبد البر، وخطأه، وقد أخرج الترمذى عن ابن عباس قال: ((دخلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة،
فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول اللَّه ◌َ﴿، وأنا على يمينه، وخالد على شماله، فقال لى: الشربة
لك، فإن شئت آثرت بها خالداً؟ فقلت: ما كنت أوثر على سؤرك أحدا)» فصح أن يعد خالد من
الأشياخ، وليس فى حديث ابن عباس ما يمنع أن يكون مع خالد فى بيت ميمونة غيره.
(فقال الغلام: أتأذن لى أن أعطى هؤلاء) الأشياخ؟ قال ابن الجوزى: إنما استأذن الغلام،
ولم يستأذن الأعرابى - فى روايتنا الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين والخامسة والعشرين - لأن
الأعرابى لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه ، بترك استئذانه، بخلاف الغلام، وقال النووى: السبب
فيه أن الغلام كان ابن عمه، فكان له عليه إدلال، وكان من على اليسار أقارب الغلام أيضاً، وطيب
نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم، وأن السنة تقديم الأيمن ولو كان مفضولا بالنسبة إلى من على
اليسار، وجاء فى السنن أن النبى # تلطف به، حيث قال له: ((الشربة لك، وإن شئت آثرت بها
خالدا)»؟ وفى لفظ لأحمد ((وإن شئت آثرت بها عمك)) وإنما أطلق عليه عمه لكونه أسن منه، ولعل
سنه كان قريباً من سن العباس، وإن كان من جهة أخرى من أقرانه، لكونه ابن خالته، وكان خالد مع
رياسته فى الجاهلية وشرف فى قومه قد تأخر إسلامه، فلذلك استأذن له، بخلاف أبى بكر، فإن
٢٠٣
رسوخ قدمه فى الإسلام وسبقه يقتضى طمأنينته بجميع ما يقع من النبى {8#، ولا يتأثر لشىء من
ذلك، ولهذا لم يستأذن الأعرابى له، ولعله خشى من استئذانه أن يتوهم إرادة صرفه إلى بقية
الحاضرين بعد أبى بكر، دونه، فربما سبق إلى قلبه، من أجل قرب عهده بالإسلام شىء، فجری صلى
الله عليه وسلم على عادته فى تأليف من هذا سبيله، وليس ببعيد أنه كان من كبراء قومه، ولهذا جلس
عن يمين النبى ®، وأقره على ذلك. اهـ
(فتله رسول اللَّه ◌ِ﴿ فى يده) ((تله)) بفتح التاء وتشديد اللام المفتوحة، أى وضعه، وفى
ملحق الرواية ((فأعطاه إياه)) وقال الخطابى: تله وضعه بعنف؛ وأصله من الرمى على التل، وهو المكان
العالى المرتفع، ثم استعمل فى كل شىء يرمى به وفى كل إلقاء، وقيل: هو من التلتل، بلام ساكنة بين
التاءين المفتوحتين، وهو العنق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أى صرعه،
والتفسير الأول أليق بمعنى الحديث.
فقه الحديث
ثمانية من آداب الطعام والشراب تتعرض لها هذه الأحاديث:
تقديم الكبير، والتسمية، والأكل والشرب باليمين، والأكل مما يلى الآكل، وعدم اختناث الأسقبة،
وعدم الشرب قائما، وعدم التنفس فى الإناء، وإدارة الشراب على يمين المبتدئ. وإليك تفصيل
الأحكام:
١- أما تقديم الكبير فى الطعام والشراب ليبدأ قبل أن يبدأ الآخرون، فيقول عنه حذيفة مد فى
الرواية الأولى ((كنا إذا حضرنا مع النبى * طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول اللّه﴾، فيضع
يده)) ثم يحكى قصة الجارية التى حاولت أن تضع يدها فى الطعام متسرعة قبل رسول اللَّه ◌ُ ﴾.
فأمسك رسول اللَّه ◌َ بيدها، ومنعها، وقصة الأعرابى الذى حاول أن يضع يده فى الطعام قبل كبار
الحاضرين، فأمسك رسول اللَّه * بيده، ومنعه، وسيأتى تفصيل القول إذا تعارض تقديم الكبير مع
التقديم لأسباب أخرى، كالأيمن، سيأتى هذا التفصيل فى أدب إدارة الشراب على يمين المبتدئ.
٢- الأدب الثانى التسمية عند بدء الطعام والشراب، وعند الدخول، وعند البدء فى أى أمر مهم،
وفى ذلك تقول الرواية الأولى ((إن الشيطان يستحل الطعام، أن لا يذكر اسم الله عليه)) وتقول الرواية
الثانية ((إذا دخل الرجل ببته، فذكر اللَّه عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا
عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر اللَّه عند طعامه
قال: أدركتم المبيت والعشاء)) وأخرج أبو داود والترمذى ((إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: بسم اللّه،
فإن نسى فى أوله فليقل: بسم اللَّه فى أوله وآخره)».
قال النووى: فى هذا الحديث استحباب التسمية فى ابتداء الطعام، وهذا مجمع عليه، قال
الحافظ ابن حجر: وفى نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا إن أريد بالاستحباب رجحان الفعل،
٢٠٤
وإلا فقد دهب جماعة إلى وجوب ذلك. ثم قال النووى: وكذا يستحب حمد الله فى آخره، وكذا
تستحب التسمية فى أول الشراب، بل فى أول كل أمر ذى بال، قال العلماء: ويستحب أن يجهر
بالتسمية، ليسمع غيره، وينبهه عليها، ولو ترك التسمية فى أول الطعام، عامداً أو ناسياً أو جاهلا أو
مكرهاً أو عاجزاً أو لعارض آخر، ثم تمكن منها فى أثناء أكله، يستحب أن يسمى، ويقول: بسم اللّه
أوله وآخره.
ثم قال: والتسمية فى شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية على
الطعام فى كل ما ذكرناه.
وتحصل التسمية بقول: بسم اللَّه، فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم كان حسنا.
وسواء فى استحباب التسمية الجنب والحائض وغيرهما.
وينبغى أن يسمى كل واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصل أصل السنة، نص عليه
الشافعى ، ويستدل له بأن النبى ل أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله
عليه، ولأن المقصود يحصل بواحد، ويؤيده أيضاً حديث الذكر عند دخول البيت.
ثم قال: والصواب الذى عليه جماهير العلماء من السلف والخلف، من المحدثين والفقهاء
والمتكلمين أن هذا الحديث وشبهه، من الأحاديث الواردة فى أكل الشيطان محمولة على ظاهرها،
وإن الشيطان يأكل حقيقة، إذ العقل لا يحيله، والشرع لم ينكره، بل أثبته، فوجب قبوله واعتقاده.اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وأما قول النووى فى أدب الأكل والشرب، من «الأذكار»: والأفضل أن يقول
بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه، وحصلت السنة فلم أرلما ادعاه من الأفضلية دليلا
خاصا. اهـ ولكن الدليل العام بأفضلية بسم الله الرحمن الرحيم بجعل الحق مع النووى رحمه الله. ثم
قال الحافظ ابن حجر: وأما ما ذكره الغزالى فى آداب الأكل، من «الإحياء)» أنه لو قال فى كل لقمة:
بسم الله. كان حسنا، وأنه يستحب أن يقول مع الأولى: بسم الله، ومع الثانية بسم الله الرحمن، ومع
الثالثة: بسم الله الرحمن الرحيم. فلم أر لاستحباب ذلك دليلا، والتكرار قد بين هو وجهه، بقوله: حتى
لا يشغله الأكل عن ذكر الله.اهـ
٣- وأما الأكل والشرب باليمين فعنه تقول الرواية الثالثة ((لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل
بالشمال)» وتقول الرواية الرابعة ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن
الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله)» وتقول الرواية الخامسة ((لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن
بها)) وفى ملحقها ((ولا يأخذ بها، ولا يعطى بها)) وفى الرواية السادسة ((أن رجلاً أكل عند رسول اللَّه
** بشماله، فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت - ما منعه إلا الكبر- قال: فما
رفعها إلى فيه)) وفى الرواية السابعة والثامنة فى قصة عمر بن أبى سلمة ((كل بيمينك)).
قال النووى: فى هذه الأحاديث استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهة ذلك بالشمال، وكذلك
كل أخذ وعطاء، وهذا إذا لم يكن عذر، من مرض أو جراحة، فإن كان فلا كراهة. اهـ
٢٠٥
وقال القرطبى: هذا الأمر على جهة الندب، لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال، لأنها أقوى
فى الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن فى الأشغال، وهى مشتقة من اليمن، وقد شرف اللَّه أصحاب
الجنة، إذ نسبهم إلى اليمين، وعكسه فى أصحاب الشمال، قال: وعلى الجملة فاليمين وما نسب إليها
وما اشتق منها محمود لغة وشرعاً وديناً، والشمال على نقيض ذلك، وإذا تقرر ذلك فمن الآداب
المناسبة لمكارم الأخلاق والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال
النظيفة، وقال أيضاً: كل هذه الأوامر من المحاسن المكملة، والمكارم المستحسنة، والأصل فيما كان
من هذا الترغيب والندب.اهـ
وذهب جماعة من العلماء أن الأكل باليمين واجب، نص الشافعى عليه فى الرسالة وفى
الأم، قال الحافظ ابن حجر: ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد فى الأكل
بالشمال، واستدل بالرجل الذى دعا عليه صلى الله عليه وسلم، روايتنا السادسة، ولا يدعى
على من ترك مندوباً قال: وثبت النهى عن الأكل بالشمال، وأنه من عمل الشيطان، من
حديث ابن عمرومن حديث جابر عند مسلم - روايتنا الخامسة والرابعة والثالثة- وقد صرح
ابن العربى بإثم من أكل بشماله، واحتج بأن كل فعل ينسب إلى الشيطان حرام، ويؤيد
القول بالوجوب قوله فى الرواية السادسة ((ما منعه إلا الكبر)» والكبر معصية.
٤- وأما الأكل مما يلى فقد أمر به فى روايتنا السابعة والثامنة، قال النووى: لأن الأكل من موضع
يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءة، فقد يتقذره صاحبه، لا سيما فى الأمراق وشبهها. اهـ
وقد ترجم البخارى بباب من تتبع حوالى القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية، فذكر
حديث أنس ((أن خياطاً دعا رسول اللَّه* لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول اللَّه ◌ُ﴾.
فرأيته يتبع الدباء من حوالى القصعة)» وسيأتى فى مسلم هذا الحديث بعد أبواب، تحت باب جواز
أكل المرق، واستحباب أكل اليقطين، وإيثار أهل المائدة بعضهم بعضاً، وإن كانوا ضيفانا، إذا لم
يكره ذلك صاحب الطعام.
ومن هنا حمل بعضهم حديث الأمر بالأكل مما يلى على ما إذا لم يعلم رضا صاحبه بتحرك يده،
وأجاز بحديث الخياط إذا علم رضا من يأكل معه. قال النووي: والذى ينبغى تعميم النهى، حملا للنهى
على عمومه، حتى يثبت دليل مخصص، ومال إلى حمل حديث الخباط على الخصوصية لرسول الله
*، فقال: إنما نهى عن ذلك لئلا يتقذره جليسه، ورسول اللّه * لايتقذره أحد، بل يتبركون بآثاره
صلى الله عليه وسلم، مما هو معروف من عظيم اعتنائهم بآثاره صلى الله عليه وسلم، التى يخالفه فيها
غيره.اهـ ومال مالك إلى ما ذهب إليه البخارى فقد نقل ابن بطال عنه قوله: إن المؤاكل لأهله وخدمه
يباح له أن يتتبع شهوته حيث رآها، إذا علم أن ذلك لا يكره منه، فإذا علم كراهتهم لذلك لم يأكل إلا
مما يليه، وقال أيضاً: إنما جالت يد رسول اللَّه * فى الطعام لأنه علم أن من معه لا يتكره ذلك منه،
ولا يتقذره، بل كانوا يتبركون بريقه ومماسة يده، فكذلك من لم يتقذر من مؤاكلته، يجوزله أن تجول
يده فى الصحفة. اهـ والنووى يحكى اختلاف العلماء فى جواز تحريك الأيدى، وبعدها عما يلى إذا
٢٠٦
كان على المائدة أصناف متعددة، فيقول: فإن كان تمراً أو أجناساً فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدى
فى الطبق ونحوه، لكنه يميل إلى التعميم فيقول: والذى ينبغى تعميم النهى حملا للنهى على عمومه،
حتى يثبت دليل مخصص.اهـ
والذين يخصصون يستندون إلى ما رواه الترمذى عن عكراش ه قال ((بعثنى بنو مرة بصدقات
أموالهم إلى رسول الله: ﴿، فقدمت المدينة، فوجدته جالسا بين المهاجرين والأنصار، قال: ثم أخذ
بيدى، فانطلق بى إلى بيت أم سلمة، فقال: هل من طعام؟ فأتتنا بجفنه كثيرة الثريد والودك -
الدسم- فأقبلنا نأكل منها، فخطت بيدى فى نواحيها، وأكل رسول اللَّه { * من بين يديه، فقبض بيده
اليسرى على يدى اليمين، ثم قال: يا عكراش، كل من موضع واحد، ثم أتتنا بطبق فيه ألوان التمر،
فجعلت آكل من بين يدى، وجالت يد رسول اللَّه / فى الطبق، قال: يا عكراش، كل من حيث شئت،
فإنه غير لون واحد)» والذى ترتاح إليه النفس أن يقال: إن كان الطعام الجاف أنواعا متعددة، سواء
أكانت فى إناء واحد، أو فى أوان متعددة جاز التنقل، وإن كان الأولى تركه، لأن الأدب يتطلب عدم
مد الأيدى إلى البعيد، لما فى ذلك من مظاهر الشره والحرص والأنانية، وإن كان نوعاً واحداً فلا يجوز،
أما حديث الترمذى فهو محمول على ما إذا علم رضا من يأكل معه، على أنه ضعيف، قال الترمذى
عنه: هذا حديث غريب، وقال ابن حبان فى راويه: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: مجهول.
نعم الكراهة فى الأطعمة السائلة أشد منها فى الأطعمة الجافة، للفرق بين التقزز فى
كل. والله أعلم.
٥- وأما النهى عن اختناث الأسقية فقد قال عنه النووى: اتفقوا على أن النهى عن
اختناث الأسقية نهى تنزيه، لا تحريم، ويؤيده أحاديث الرخصة فى ذلك، ومنها ما رواه
الترمذى وغيره عن كبشة بنت ثابت، أخت حسان بن ثابت - رضى الله عنهما - قالت:
دخل على رسول الله:﴿، فشرب من قرية معلقة قائماً، فقمت إلى فيها، فقطعته، قال
الترمذى: هذا حديث حسن صحيح، وقطعها لفم القرية فعلته لوجهين، أحدهما: أن تصون
موضعاً أصابه فم رسول اللَّه * عن أن يبتذل، ويمسه كل أحد، والثانى أن تحفظه للتبرك
به والاستسقاء، قال النووى: فهذا الحديث يدل على أن النهى ليس للتحريم. اهـ
وقد ورد لعلة النهى أمور منها:
(أ) أنه لا يؤمن دخول شىء من الهوام مع الماء فى جوف السقاء، فيدخل فم الشارب،
وهو لا يشعر، فعند ابن ماجه ((أن رجلا قام من الليل بعد النهى إلى سقاء، فاختنثه،
فخرجت عليه منه حية)).
قال الحافظ ابن حجر: وهذا يقتضى أنه لو ملأ السقاء، وهو يشاهد الماء يدخل فيه، ثم ربطه ربطاً
محكماً، ثم أراد أن يشرب حله، فشرب منه، لا يتناوله النھی.
(ب) ومنها ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة بسند قوى، بلفط ((نهى أن يشرب من
٢٠٧
فى السقاء، لأن ذلك ينتنه)) قال الحافظ ابن حجر: وهذا يقتضى أن يكون النهى خاصًا
بمن يشرب، فيتنفس داخل الإناء، أو باشر بفمه باطن السقاء، أما من صب من القرية
داخل فمه، من غير مماسة، فلا.
(جـ) ومنها أن الذى يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء، فينصب منه أكثر من حاجته، فلا يأمن
أن یشرق به، أو تبتل ثيابه.
قال ابن العربى: واحدة من الثلاثة تكفى فى ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جداً، وقال
ابن أبى جمرة: اختلف فى علة النهى، فقيل: يخشى أن يكون فى الوعاء حيوان، أو ينصب بقوة،
فيشرق به، وقيل: لما قد يعلق بم السقاء، من بخار النفس، أو بما يخالط الماء من ريق الشارب،
فيتقذره غيره، أو لأن الوعاء يفسد بذلك فى العادة، فيكون من إضاعة المال، قال: والذى يقتضيه الفقه
أنه لا يبعد أن يكون النهى لمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضى الكراهة، وفيها ما يقتضى التحريم،
والقاعدة فى مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم.
وقد جزم ابن حزم بالتحريم، لثبوت النهى، وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو
بكر الأثرم، صاحب أحمد، أن أحاديث النهى ناسخة للإباحة، لأنهم كانوا يفعلون ذلك، حتى وقع
دخول الحية فى بطن الذى شرب من فم السقاء، فنسخ الجواز.
وجمع الحافظ ابن حجر بين أحاديث النهى وأحاديث الرخصة بقوله: لم أرفى شىء
من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز، إلا من فعله صلى اللّه عليه وسلم، وأحاديث
النهى كلها من قوله، فهى أرجح، إذا نظرنا إلى علة النهى عن ذلك، فإن جميع ما ذكره
العلماء فى علة النهى يقتضى أنه صلى الله عليه وسلم مأمون منها: أما أولا فلعصمته،
ولطيب نكهته، وأما ثانيا فلرفقه فى صب الماء.
وقال شارح الترمذى: لو فرق بين ما يكون لعذر، كأن تكون القربة معلقة، ولم يجد المحتاج إلى
الشرب إناء متيسرا، ولم يتمكن من التناول بكفه، فلا كراهة حينئذ، وعلى ذلك تحمل أحاديث
الرخصة، وبين ما يكون لغير عذر، فتحمل عليه أحاديث النهى. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد هذا
الجمع أن أحاديث الجواز كلها، فيها أن القرية كانت معلقة، والشرب من القربة المعلقة أخص من
الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة فى أخبار الجواز على الرخصة مطلقاً، بل على تلك الصورة وحدها،
وحملها على حال الضرورة، جمعا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ، وقد سبق ابن العربى بهذا
التوجيه، فقال: يحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وسلم فى حال ضرورة، إما عند الحرب، وإما عند
عدم الإناء، أو مع وجوده لكن لم يتمكن من التفريغ من السقاء فى الإناء، لشغله.
هذا. وقد نقل ابن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب، وقال: لم يبلغنى فيه
نهى، وبالغ ابن بطال فى رد هذا القول، والحجة قائمة على من بلغه النهى. والله أعلم.
٦- الأدب السادس عدم الشرب قائماً، وعنه تقول الرواية الحادية عشرة والثالثة عشرة أن النبى
٢٠٨
* زجر عن الشرب قائما» وتقول الرواية الثانية عشرة ((نهى أن يشرب الرجل قائما» وقال أنس عن
الأكل: ((ذاك أشر أو أخبث)) وتقول الرواية الخامسة عشرة ((لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسى
فليستقئ)» وتثبت الروايات السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة أن النبى
* شرب قائماً، وفى البخارى ((أتى على ﴾، على باب الرحبة بماء، فشرب قائماً، فقال: إن ناسا
يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإنى رأيت النبى * فعل كما رأيتمونى فعلت)) وفى رواية أخرى له
((عن على ه أنه صلى الظهر، ثم قعد فى حوائج الناس فى رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر،
ثم أتى بماء، فشرب، وغسل وجهه ويديه، وذكر رأسه ورجليه، ثم قام، فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال:
إن ناسا يكرهون الشرب قائماً، وإن النبى ** صنع مثل ما صنعت)) وقد ترجم البخارى لهذه
الأحاديث بباب الشرب قائماً، ولم يخرج أحاديث النهى عن الشرب قائماً، وكأنه أشار بذلك إلى أنه
لم يصح عنده الأحاديث الواردة فى كراهة الشرب قائماً، كذا قال ابن بطال، وتعقبه الحافظ ابن
حجر، فقال: ولبس بجيد، بل الذى يشبه صنيعه أنه إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يثبت الحكم.اهـ
والجيد كلام ابن بطال، وكلام الحافظ ابن حجر إنما يتوجه لو أن البخارى ذكر أحاديث النهى
وأحاديث الإثبات وترجم بدون إثبات الحكم لتعارص الأحاديث عنده، أما أنه لم يخرج أحاديث
النهى فالوجه ما قاله ابن بطال.
وأخرج أحمد عن على ﴿ه أنه شرب قائماً، فرأى الناس كأنهم أنكروه، فقال: ما
تنظرون أن أشرب قائما؟ فقد رأيت رسول اللَّه * يشرب قائماً، وإن شربت قاعداً فقد
رأيته يشرب قاعداً)) وصحح الترمذى من حديث ابن عمر ((كنا نأكل على عهد رسول اللّه
﴿*، ونحن نمشى، ونشرب، ونحن قيام)) وفى الموطأ ((أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشريون
قیامًا، وکان سعد وعائشة لا یرون بذلك بأسًا ».
أمام هذا سلك العلماء مسالك:
المسلك الأول: مسلك الترجيح، واعتماد أحاديث الجواز، وتضعيف أحاديث النهى،
وهذه طريقة أبى بكر الأثرم، فقال: حديث أنس -يعنى فى النهى - روايتنا الحادية عشرة
والثانية عشرة - جيد الإسناد، ولكن قد جاء عنه خلافه، يعنى فى الجوان، قال: ولا يلزم من
كون الطريق إليه فى النهى أثبت من الطريق إليه فى الجواز، أن لا يكون الذى يقابله
أقوى، ثم أسند أنس عن أبى هريرة قال: ((لا بأس بالشرب قائماً)) قال الأثرم: فدل على أن
الرواية عنه فى النهى ليست ثابتة، وإلا لما قال: لا بأس به، قال: ويدل على وهاء أحاديث
النهى أيضا اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب قائماً أن يستقىء. اهـ
وقال عياض: لم يخرج مالك ولا البخارى أحاديث النهى، وأخرجها مسلم من رواية قتادة عن
أنس، ومن روايته عن أبى عيسى عن أبى سعيد، وهو معنعن، وكان شعبة يتقى من حديث قتادة ما لا
يصرح فيه بالتحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قتادة فيه مما يعله، مع مخالفة الأحاديث
الأخرى والأئمة له، وأما حديث أبى هريرة ففى سنده عمر بن حمزة، ولا يحتمل منه مثل هذا المخالفة
٢٠٩
غيره له، والصحيح أنه موقوف، وأكد القاضى عياض تضعيف أحاديث النهى بقوله: ولا خلاف بين
أهل العلم فى أن من شرب قائماً، ليس عليه أن يتقيأ. اهـ
وقد حمل النووى على هذا القول وعلى قائليه حملة عنيفة، لكنه لم يتشاغل بالجواب عن وجهات
النظر، وتعرض لها الحافظ ابن حجر، فقال: إن الإشارة إلى تضعيف حديث أنس بكون قتادة مدلسا،
وقد عنعنه، فيجاب عنه بأنه خرج فى نفس السند بما يقتضى سماعه له من أنس، فإن فيه «قلنا
لأنس: فالأكل ... )) [انظر روايتنا الثانية عشرة] وأما تضعيفه حديث أبى سعيد بأن أبا عيسى غير
مشهور فهو قول سبق إليه ابن المدينى، لأنه لم يرو عنه إلا قتادة، لكن وثقه الطبرى وابن حبان، ومثل
هذا يخرج فى الشواهد، ودعواه اضطرابه مردودة، لأن لقتادة فيه إسنادين، وهو حافظ، وأما تضعيفه
لحديث أبى هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف فى توثيقه، ومتله يخرج له مسلم فى المتابعات، وقد
تابعه الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة، كما أشرت إليه عند أحمد وابن حبان، فالحديث بجميع
طرقه صحيح. اهـ
ومن الواضح أن دفاع الحافظ ابن حجر فى حاجة إلى دفاع. والله أعلم.
المسلك الثانى: دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم وابن شاهين، فقررا أن أحاديث النهى -على
تقدير ثبوتها - منسوخة بأحاديث الجواز، بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين
بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهى، متمسكاً بأن الجواز
على وفق الأصل، وأحاديث النهى مقررة لحكم الشرع، فمن ادعى الجواز بعد النهى فعليه البيان، فإن
النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأجاب بعضهم عن إشكال ابن حزم بأن أحاديث الجواز متأخرة، لما وقع
منه صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع [انظر روايتنا السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة
والتاسعة عشرة] وإذا كان ذلك الأخير من فعله صلى الله عليه وسلم دل على الجواز، ويتأيد بفعل
الخلفاء الراشدين بعده.
وقد حمل النووى على هذا القول مع سابقه، فقال: اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على
بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالا باطلة، وزاد حتى تجاسر، ورام أن يضعف بعضها، وادعى فيها
دعاوى باطلة، لا غرض لنا فى ذكرها، وليس فى الأحاديث إشكال، ولا فيها ضعيف، بل الصواب أن
النهى فيها محمول على التنزيه، وشربه قائماً لبيان الجواز، وأما من زعم نسخاً أو غيره فقد غلط، فإن
النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع لو ثبت التاريخ، وأما قول عياض: لا خلاف بين أهل العلم فى
أن من شرب قائماً ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته، وكون
أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع من استحبابه، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو
مجازف، وكيف تترك السنة الصحيحة بالتوهمات والدعاوى والترهات؟.
المسلك الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل:
(أ) قال أبو الفرج الثقفى: المراد بالقيام فى أحاديث النهى المشى، يقال: قام فى
٢١٠
الأمر إذا مشى فيه، وقمت فى حاجتى إذا سعيت فيها وقضيتها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلا مَا
دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أى مواظباً بالمشى.
(ب) وجنح الطحاوى إلى تأويل آخر، وهو حمل النهى على من لم يسم عند شربه، وهذا إن سلم له
فى بعض ألفاظ الحديث لم يسلم له فى بقيتها.
(جـ) وسلك آخرون فى الجمع مسلكاً جيداً، بحمل أحاديث النهى على كراهة التنزيه، وأحاديث
الجواز على بيانه، وهى طريقة الخطابى وابن بطال والنووى وآخرين، وهذا أحسن المسالك، وأسلمها،
وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم أخيراً إلى ذلك، فقال: إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد
والتأديب، لا على التحريم، وبذلك جزم الطبرى، وأيده بأنه لوكان جائزاً ثم حرمه، أو كان حراماً ثم
جوزه لبين النبى * ذلك بيانا واضحاً، فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا. والله أعلم.
الأدب السابع: عدم التنفس فى إناء الشراب، والكلام فيه على حالتين:
الحالة الأولى عدم إخراج الشارب نفسه فى داخل الإناء، لأنه ريما حصل للإناء، أو للسائل فيه
تغير من ريح النفس، إما لكون المتنفس متغير الفم بمأكول ونحوه، أو لبعد عهده بالسواك
والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة وريحها، والنفخ فى هذه الأحوال كلها أشد من
التنفس، فالنهى عنه آكد من باب أولى، فقد يزيد النفخ خروج رذاذ من الريق، مما يتقذر غالباً، وقد
ورد النهى عن النفخ فى الطعام والشراب فى أحاديث كثيرة، فعند أبى داود والترمذى ((أن النبى و *
نهى أن يتنفس فى الإناء، وأن ينفخ فيه)) قال المهلب: النهى عن التنفس فى الشرب كالنهى عن
النفخ فى الطعام والشراب، من أجل أنه قد يقع فيه شىء من الريق، فيعافه الشارب ويتقذره، إذا
كان التقذر فى مثل ذلك عادة غالبة على طباع أكثر الناس، ومحل هذا إذا أكل أو شرب مع غيره، وأما
لو أكل وحده أو مع أهله، أو مع من يعلم أنه لا يتقذر فلا بأس. قال الحافظ ابن حجر: والأولى تعميم
المنع، لأنه لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة، أو يحصل التقذر من الإناء، أو نحو ذلك، قال ابن العربى:
قال علماؤنا: هو من مكارم الأخلاق.
الحالة الثانية: التنفس خارج الإناء، أثناء الشرب، بأن يشرب على نفسين أو ثلاثة أو أكثر،
وروايتنا الواحدة والعشرون والثانية والعشرون تصرحان بأن الرسول # كان يتنفس فى الشرب ثلاثاً،
وعند البخارى ((كان أنس يتنفس فى الإناء مرتين أو ثلاثاً)).
وجواز الشرب بنفس واحد ورد به الأمر عند الحاكم، وهو محمول على الجواز، وأخرج الترمذى
بسند ضعيف عن ابن عباس رفعه «لا تشربوا واحدة، كما يشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث)»
قال الحافظ ابن حجر: فالنهى عن الشرب فى نفس واحد للتنزيه.
الأدب الثامن: إدارة الشراب على يمين المبتدئ، وفى روايتنا الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين
والخامسة والعشرين أن رسول اللّه * أعطى الأعرابى الذى على يمينه قبل أبى بكر وعمر، وقال:
الأيمن فالأيمن، وفى الرواية السادسة والعشرين استأذن الغلام الذى عن يمينه ليعطى الأشياخ الذين
هم عن شماله، فلما لم يتنازل الغلام لهم أعطاه.
٢١١
قال الخطابي: كانت العادة جارية لملوك الجاهلية ورؤسائهم بتقديم الأيمن فى الشرب، حتى
قال عمرو بن كلثوم، فى قصيدة له:
وكان الكأس مجراها البمينا ..
فبين النبى * بفعله أن تلك العادة لم تغيرها السنة، وأنها مستمرة، وأن الأيمن يقدم على الأفضل
فى ذلك، ولا يلزم من ذلك حط رتبة الأفضل، وكان ذلك لفضل اليمين على اليسار، وقال الحافظ ابن
حجر: إن تقديم الذى على اليمين ليس لمعنى فيه، بل لمعنى فى جهة اليمين، وهو فضلها على جهة
اليسار، فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحاً لمن هو على البمين، بل هو ترجيح لجهته.
وقد يتعارض ظاهر هذا مع الأمر بتقديم الأفضل، وهو المسألة الأولى التى تعرضنا لها فى أول فقه
الحديث، فعند البخارى فى القسامة حين تكلم الصغير بحضور الكبير قال له صلى الله عليه وسلم
((الكبر الكبر)) وفى رواية ((كبر. كبر)) وفى رواية ((يبدأ الأكبر)) وفى الطهارة أمر رسول اللَّه# بمناولة
السواك الأكبر، وأخرج أبو يعلى بسند قوى، عن ابن عباس قال: ((كان رسول اللّه ** إذا سقى قال:
ابدءوا بالكبير» ويجمع بأنه محمول على الحالة التى يجلسون فيها متساويين، إما بين يدى الكبير، أو
عن يساره كلهم، أو خلفه، فتخص هذه الصورة من عموم الأيمن، أو يحمل على أن الابتداء يكون
بالأكبر، كرسول اللّه ، وأحاديث الأيمن فى إدارة الشراب بعد الأكبر.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من الرواية الأولى، من قوله ((والذي نفسي بيده)) جواز الحلف من غير استحلاف.
٢- من قوله ((إن يده فى يدى مع يدها)) ومن قوله فى الرواية الثالثة ((فإن الشيطان يأكل بالشمال))
أن للشيطان یدین.
٣- وأنه ينبغى اجتذاب الأفعال التى تشبه أفعال الشياطين والكفار.
٤- وأن الشيطان يأكل ويشرب.
٥- ومن الرواية السادسة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى كل حال، حتى فى حال الأكل.
٦- جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعى بلا عذر.
٧- ذم الكبر، وما يترتب عليه.
٨- استحباب تعليم الآكل آداب الأكل، إذا خالفها.
٩- ومن الرواية السابعة والثامنة تدريب الصبيان وتعليمهم آداب الطعام.
١٠ - وفيها منقبة لعمر بن أبى سلمة، وحرصه على اتباع سنة رسول اللَّه ﴿، لما ورد عند البخارى، من
قوله ((فما زالت تلك طعمتی بعد».
١١- استنبط بعضهم من قوله ((الأيمن فالأيمن)) فى الرواية الثالثة والعشرين أن السنة إعطاء من على
الیمین، ثم الذی یلیه، وهلم جرا.
٢١٢
١٢- ومن الرواية الثالثة والعشرين وما بعدها أن من سبق إلى مجلس علم، أو مجلس رئيس لا ينحى
منه لمن هو أولى منه بالجلوس فى الموضع المذكور، بل يجلس الآتى حيث انتهى به المجلس،
لكن إن آثره السابق جاز.
١٣- وأن من استحق شيئا لم يدفع عنه إلا بإذنه، كبيراً كان أو صغيراً، إذا كان ممن يجوز إذنه.
١٤- وأنه إذا تعارضت فضيلة شخص مع فضيلة وظيفة آخر قدمت فضيلة الوظيفة، فيقدم رئيس
العمل على من هو أفضل منه من العاملين معه لوظيفته، كما قدم الأعرابى لوظيفة اليمين على
أبی بکر مع سابق وآكد فضله.
١٥- وأن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم، على سبيل الفضل، لا اللزوم، للإجماع على أن المطالبة
بذلك لا تجب، قاله ابن عبد البر. قال الحافظ ابن حجر: ومحله إذا لم يكن فيهم الإمام أو من
يقوم مقامه، فإن كان فالتصرف فى ذلك له.
١٦ - ومن الرواية الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين دخول الكبير بيت خادمه وصاحبه، ولو كان
صغير السن.
١٧ - وتناوله مما عنده من طعام وشراب، من غير بحث، بل وطلبه منه طعاما أو شرابا.
١٨ - وجواز شرب اللبن مشوبا بالماء، قال ابن المنير: وذلك لا يدخل فى النهى عن الخليطين، فإنه
مقيد بالمسكر، أى إنما ينهى عن الخليطين إذا كان كل واحد منهما من جنس ما يسكر، وإنما
كانوا يمزجون اللبن بالماء لأن اللبن عند الحلب يكون حاراً، وتلك البلاد فى الغالب حارة، فكانوا
يكسرون حر اللبن بالماء البارد.
١٩ - ومن الرواية السادسة والعشرين، استنبط بعضهم جواز استئذان صاحب الحق فى أن
يتنازل عن حقه.
٢٠- وأنه يجوز إعطاء ماليس بحق إذا أذن صاحب الحق، فمن الواضح أنه لو أذن الغلام
لأعلى الأشياخ.
٢١ - وأنه يجوز الإيثار فى مثل ذلك، إذ لولم يجزلم يستأذن، قال الحافظ ابن حجر: وهو مشكل على
ما اشتهر من أنه لا إيثار بالقرب، وعبارة إمام الحرمين فى هذا: لا يجوز التبرع فى العبادات،
ويجوز فى غيرها، وقد يقال: إن القرب أعم من العبادة، وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب
واحد من الصف الأول، ليصلى معه، ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليا خلف الصف وحده،
لثبوت الزجر عن ذلك، ففى مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقرية كانت له، وهى تحصيل
فضيلة الصف الأول، ليحصل فضيلة تحصل للجاذب، وهى الخروج من الخلاف فى بطلان صلاته،
قال: ويمكن الجواب بأنه لا إيثار، إذ حقيقة الإيثار إعطاء ما استحقه لغيره، وهذا لم يعط
الجاذب شيئاً، وإنما رجح مصلحته على مصلحته، لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصوده
ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لولم يوافقه. اهـ وتفسير الحافظ -رحمه الله- للإيثار
٢١٣
بما فسره اصطلاح مضيق، إذ تقديم مصلحة الغير على مصلحة نفسه إيثار، والقاعدة التى ذكرها
غير متفق عليها، فقد أجازوا تنازل الأحق بالإمامة لمن هو دونه فى الأحقية، وهو إيثار بالقرب.
والله أعلم.
٢٢ - واستدل بالحديث على جواز هبة الواحد للجماعة شيئاً على سبيل المشاع.
٢٣ - قال بعضهم: وفى الحديث أنه يجوزهبة الشىء المملوك مشاعاً لجماعة، وهو قول الجمهور،
خلافاً لأبى حنيفة فى هية ما يقبل القسمة، قال: والحديث ظاهر فى ذلك، لأن النبى {8# سأل
الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مشاعاً غير متميز، فدل على صحة هبة المشاع.
كذا قال الحافظ ابن حجر، مؤيداً بذلك ابن بطال، والتحقيق أن النبى 8* لم يسأل الغلام هبة
نصيبه من اللبن، فنصيبه من اللبن مشاعا باق له، وإنما سأله التنازل عن حق الترتيب، وعن حق
اتصال شريه بسؤر النبى # ولذلك كان اعتذاره رفض التنازل عن هذا الحق «لا أوثر بنصيبى
منك أحداً)) فليس فى الحديث هبة المملوك مشاعاً لآخرين، لكن فيه هبة المملوك على التعيين،
نعم فيه هبة صاحب اللبن لبنه لجماعة على سبيل المشاع.
والله أعلم
٢١٤
(٥٦١) باب لعق الأصابع والإناء بعد الأكل
والأكل بثلاث أصابع والتقاط اللقمة الساقطة
٤٦٣٥ - ٩ ٣ ١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٢٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ِ «إِذَا أَكَلّ
أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا».
٤٦٣٦ - ١٣٠ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٣٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ «إِذَا أَكَلَ
أَحَدُكُمْ مِنَ الطَّعَامِ فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَّهَا أَوْ يُلْعِقَّهَا».
٤٦٣٧ - ١ ٣ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِهِ﴾ (١٣١) قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ وَ يَلْعَقُّ أَصَابِعَهُ
الثّلاثَ مِنَ الطَّعَامِ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ حَاتِمِ الثّلاثَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْئَةَ: فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِهِ.
٤٦٣٨- { وفي رواية عَنِ ابْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ ﴾(١) قَالَ: كَانٌ رَسُولُ اللَّهِعَل
يَأْكُلُ بِثَلاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحْهَا.
٤٦٣٩ - ٢ ١٣ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٣٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلاثِ أَصَابِعَ،
فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا.
٤٦٤٠- ١٣٣ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٣٣) أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ «إِنَّكُمْ لا
تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ».
(١٢٩) حَدْقَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَّرَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْرَنَا وَقَالَ الآخْرُونْ حَدَّثْنَا
سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِوَ عَنْ عَطَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(١٣٠)حدّیی ھَارُونُ بنُ عَبْدِ اللهِ خَدْقًا حجاً جُ بنُ مُحمَّدٍ ح وحَدْقًا عَبْدُ بْنُ خُمْدٍ أُخْبُرَبِي أَبُو عَاصِمٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ ◌ُرِئچٍ ح
وحَّدََّا زُهَيْرُ بْنُّ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّقَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّقْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءٌ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَّ عَبَّاسٍَ يَقُولٌ
(١٣١) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالُوا خُّدَُّنَا ابْنُ مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمٌ عَنِ
ابْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ
(١) حَدَّثَنَا يَحْتِى بَّنُ يَخْتِى أَخْبُرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنٍ سَعْدٍ عَنِ ابْنٍ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ
(١٣٢) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدََّا أَبِيُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَّنِ سَعْدٍ أَنَّ عَبَّدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبُرَهُ عَنْ أَبِهِ كَعْبٍ أَنْهُ خَدَّقَهُمْ
- وحَدََّه أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّقْنَا ابْنُ نُمَيْرِ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ سَعْدٍ أَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَّالِكٍ وَعَبْدَ اللَّهِ
ابْنَ كَعْبٍ حَدْقَاهُ أَوْ حِدَّله أَحَدُهُمَا عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ :﴿َ بِمِثْلِهِ.
(١٣٣) وَحَدََّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّقَا سَّفْيَانُ بْنُ عُيَّنَةً عَنْ أَبِيَ الرَّبَيْرِ عَنْ جَابٍِ
٢١٥
٤٦٤١- ١٣٤ عَنْ جَابِرٍ ﴾(١٣٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ،
فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذِى، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ. وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ
بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ)».
٤٦٤٢ -- وفي رواية عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَفِي حَدِيثِهِمَا «وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ
بِالْمِنْدِيلٍ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» وَمَا بَعْدَهُ.
٤٦٤٣- ١٣٥ عَنْ جَابِرٍ عَظِ(١٣٥) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َ يَقُولُ «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ
أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْيِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَّعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللَّقْمَةُ،
فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذِّى، ثُمَّ ◌ِيَأْكُلُهَا، وَلا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ. فَإِذَا فَرَغَ، فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ
لا يَدْرِي فِي أَيِّ طَّعَامِهٍ تَكُونُ الْبَرَّكَةُ».
٤٦٤٤ -- وفي رواية عَنِ الأَعْمَشِ بِهِذَا الإِسْنَادِ «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ» إِلَى آخِرٍ
الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ «إِنَّ الشَّيْطَانِ يَحْصُرُ أَحَدَكُمْ)».
٤٦٤٥ - ١٣٦ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٣٢) أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ
الثّلاثَ. قَالَ: وَقَالَ «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأَذَى وَلْيَأْكُلُهَا، وَلا يَدَعْهَا
لِلشَّيْطَانِ» وَأَمَرَنَا أَن نَسْلُتّ الْقَصْعَةَ. قَالَ «فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ».
٤٦٤٦- ١٣٧ عن أبي هُرَيْرَةَ﴾(١٣٧) عَنِ النَّبِيَِّ ﴿ قَالَ «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَلْعَقْ
أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي فِي أَيْتِهِنَّ الْبَرَكَةُ».
٤٦٤٧ -- وفي رواية عَنْ حَمَّادٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ»
وَقَالَ «فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ، أَوْ يُبَارَكُ لَكُمْ».
(١٣٤) حَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثْنَا أَبِي حَدَّثَنًا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيِ الزُّبِيْرِ عَنْ جَابِرٍ
- وحَّدَّثَّاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَناً أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ح وِحَدَِّيهِ مُحَمَّدُ بَّنُ رَافِعٍ خٌدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ
(١٣٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِيَ شَيْبَةٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِْ عَنْ آَبِي سِفْیَانَ عِنْ جَابِرٍ
- وحَدَّثَّهِ أَبُو كُرّيْبٍَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَّةً عَنِ الأَعْمَشِ
- وحَدَّثََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي هَيْيَةً حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلَ عَنِ الْأَعْمِشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الْبِيِّل ◌ْ فِي
ذِكْرِ اللَّعْقِ وَعَنْ أَبِي سُفْيَانُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ وَذَّرَ اللَّقْمَّةَ نَخْوَ حَدِيْهِمَا.
(١٣٦) وَحَدَِّيَ مُحَمَّذَّ بْنُ حَائِمٍ وَأَبُوِ بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ قَالا حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدََّا حَمَّاذُ ابْنُ سَلَمَةٌ حَدَقْنَا قَابِتٌ عَنْ أَنْسٍ
(١٣٧) وَحَدَّثِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمُ حَدَّثَنَا بَهَّرْ حَدَّقْنَا وُهَيْبٌّ حَدَّقْنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي مُرَيْرَةً
- وحَدَّلَيِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِّعٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيّ) فَالاَ حَدَّقَا خَمَّدٌ
٠٢١٦
المعنى العام
إن الحكم الشرعى يرتبط بظروفه وملابساته ارتباطا كاملا، يرتبط بالزمان والمكان والأشخاص
والإمكانات والأحوال، وكأنه يقول: هذا الحكم لهذه الحادثة وما شابهها فى جميع ملابساتها، وهذا
معنى قولهم: إن الخطاب الشرعي للحاضرين وقت الخطاب، ويكلف به من يأتى بعدهم عن طريق
القياس، فإذا قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾ [النور: ١١] فالخطاب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ونحن فى القرن العشرين مكلفون
بهذا عن طريق القياس، فإذا وقع إفك مشابه، وخاض فيه بعضنا وجب علينا أن لا نحسبه شراً لنا،
وأن نؤمن بأنه خير لنا، وعلبنا إذا سمعناه قلنا: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ
عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
وهذا معنى أن الإسلام وشرائعة صالح لكل زمان ومكان، أى إذا وقعت واقعة مشابهة من جميع
الوجوه لواقعة صدر فيها حكم شرعى أمام نزول الوحى، نقل إلى الأخيرة حكم الأولى.
خذ مثلا حديث ((من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وعنده منه شىء)» هذا الحكم العام فهم
منه الصحابة أنه مرتبط بظروفه، وأنه صدر فى عام مجاعة، فلما كان العام المقبل سألوا رسول اللّه
*: نفعل فى أضحيتنا مافعلنا فى العام الماضى؟ قال: لا. كلوا وأطعموا، وادخروا، فإن ذاك العام
كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيه.
وعلى هذا فنحن مطالبون شرعاً فى أضحبتنا بما طولب به الصحابة فى أضحيتهم إذا وقعت
الظروف المشابهة وقد ربطت بعض الأحكام الشرعية بظروفها صراحة، كما فى الحديث السابق،
وكما فى قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] فقد بين فى الآية أن التيمم وجوازه
مرتبط بعدم وجود الماء فعلا أو حكما، كالمريض.
لكن الكثير من الأحكام الشرعية ارتبط بظروفه قطعاً دون تصريح بهذا الارتباط.
خذ مثلا حديث ((كان رسول اللّه* يتوضأ بالمد - أى بحفنة واحدة من الماء- ويغتسل
بالصاع)» - أى بأربع حفنات، أى كان يغتسل بأقل من لتر، ويتوضأ بأقل من ربع لتر، وكان يغتسل هو
وعائشة من إناء صغير، يغترفان منه سوياً، حتى تقول له: دع لى. دع لى. فهل نغتسل مثل هذا
الاغتسال وصنابير المياه ((والدش)» تملأ البيوت؟ والماء كثبر يفيض عن الحاجات؟ اللَّهم. لا، لكن إن
وقعنا فى ظروف اغتسال الرسول 8# اغتسلنا مثل اغتساله، وتوضأنا مثل وضوئه.
هذه الظروف نفسها هى التى جعلت الاستجمار بالأحجار - أى مسح أثار البول والغائط،
بالأحجار، بعد التبرز مغنيا عن غسل تلك الآثار بالماء، مع أن الآثار يقينا تبقى بعد المسح بالأحجار،
مهما تصورنا حصول النقاء. فهل نفعل اليوم مع وجود الماء وتيسر استعماله كما كان يفعل رسول
اللَّه* وصحابته؟ عند ندرة الماء وقلته؟ اللهم. لا. لكن إن وقعنا فى ظروف استجمار الرسول *
٢١٧
وصحابته استجمرنا متل استجمارهم، وفى هذه الحالة نكون قد التزمنا بأكبر قدر ممكن من النظافة،
حسب الظروف المتاحة، و﴿لا يُكُلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وآداب الأكل التى معنا فى هذا الباب من هذا القبيل، لعق الأصابع التى يؤكل بها، ولعق القصعة
بعد الأكل، والأكل بثلاث أصابع، وأكل اللقمة الساقطة.
يروى البخارى وغيره أن بعض الصحابة كانوا يحملون معهم النوى، يمصونه عند
الجوع، ويشربون عليه جرعة من ماء، فلما قيل لهم: وما كان يغنى عنكم النوى؟ قالوا: عرفنا
قيمته حين فقدناه.
ويروى البخارى وغيره عن أنس بن مالك أن خياطا دعا رسول الله :# لطعام
صنعه، فذهب أنس خادم رسول اللّه معه، فماذا كانت الوليمة المعدة للقائد والحاكم
الأعلى للدولة؟ كانت طبقاً صغيراً فيه ماء، تسبح فيه قطع قليلة من القرع، ولم يأكل معهما
الخياط لقلة الطعام فكانت أصابع رسول الله # تتبع قطعة القرع فى الإناء، وكان أنس
يجمع قطع القرع، ويدنيها من أصابع رسول اللَّه ل﴾.
تلك كانت حياتهم وطعامهم وشرابهم، فما هى أرقى صورة حضارية فى مثل هذه الظروف؟ لا
ملاعق، ولا شوك، ولا سكاكين، ولا ماء للغسل، ولا مناديل ورقية للمسح، كيف يعمل المسلم ليكون فى
أعلى درجات النظافة الممكنة؟ والإمكانات المتاحة؟.
الأكل بثلاث أصابع، الإبهام والسبابة والوسطى، فبها يحصل أقل درجات التمكن من الأكل، ولا
يأكل بأربع أو بخمس أو بالكف، لتقل درجة التلوث بالطعام قدر الإمكان.
ثم لعق الأصابع الثلاث بعد الأكل، ولا يمسها بثيابه، ولا يلمس بها نظيفاً بجواره، ولا غضاضة فى
هذا اللعق، فما عليها من طعام هو نفسه من جنس ما ابتلعه منه، ولم يختلط بقذر، والريق الذى
سيختلط به باللعق قد اختلط بما ابتلعه من قبل من الطعام، فماذا فى ذلك؟
العرف فى هذه الأيام، فى بيئة حضارية يستقبح هذا المنظر وينفر منه فى حين يلعق الملعقة
التى دخلت فم آخرين، واختلطت بلعاب الآخرين، والعرف كثيراً ما يستقبح الحسن، ويستحسن
القبيح، وإذا تعارض العرف والشرع قدم الشرع على العرف، لكنه فى مثل هذه المسألة يمكن لعق
الأصابع لمن أكل بها، وأصابتها زهومة الطعام، ثم يغسلها الآكل بما شاء، وكيف شاء، فهو خير من أن
يغسلها ملوثة بالدهون، عملا بالحديث الذى رواه أبو داود بسند صحيح، بلفظ «من بات وفى يده
غمر» -أى من بات وعلى يده رائحة طعام- «ولم يغلسه، فأصابه شىء، فلا يلومن إلا نفسه)».
المباحث العربية
(إذا أكل أحدكم طعاما) وفى الرواية الثانية ((إذا أكل أحدكم من الطعام)) والطعام فى
٢١٨
الأصل كل ما يؤكل، وكل ما به قوام البدن، والمراد منه هنا ما يبقى أثره على اليد من الأطعمة،
كالدهون والحموضة والملوحة والروائح غير المحبوبة.
(فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها) ((يلعقها)) الأولى بفتح الياء، والثانية
بضم الياء وكسر العين، بينهما لام ساكنة، قال النووى: معناه - والله أعلم - لا يمسح يده
حتى يلعقها، فإن لم يفعل فحتى يلعقها غيره ممن لا يتقذر ذلك، كزوجة وجارية وولد وخادم
يحبونه، ويلتذون بذلك، ولا يتقذرون، وكذا من كان فى معناهم، كتلميذ يعتقد بركته، ويود
التبرك بلعقها، وكذا لو ألعقها شاة ونحوها. اهـ
واليد فى الأصل من الإنسان من المنكب إلى أطراف الأصابع، والمراد هنا جزؤها الذى يلامس
الطعام من الكف والأصابع، ففى الرواية الخامسة ((أن رسول اللَّه كان يأكل بثلاث أصابع، فإذا
فرغ - من الأكل- لعقها)) وفى الرواية السادسة ((أمر بلعق الأصابع)) وفى الرواية العاشرة ((إذا أكل
أحدكم فليلعق أصابعه)) وفى الرواية التاسعة ((كان إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث)) وفى الرواية
الرابعة ((كان رسول الله يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده -أى أصابعه- قبل أن يمسحها)).
والمراد من الأصابع الثلاث الإبهام، والتى تليها، والوسطى، فعند الطبرانى فى الأوسط ، عن كعب
بن عجرة، قال: «رأيت رسول اللَّه يأكل بأصابعه الثلاث، بالإبهام والتى تليها والوسطى، ثم رأيته
يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، الوسطى، ثم التى تليها، ثم الإبهام» قال فى شرح الترمذى:
كأن السرفيه أن الوسطى أكثر تلويثاً، لأنها أطول، فيبقى فيها من الطعام أكثر من غبرها، ولأنها
لطولها أول ما تنزل فى الطعام، والمراد بلعق الأصابع لحسها باللسان، ومصها بالشفتين، والمراد
بمسحها بعد اللعق إمرارها على قطعة من القماش ونحوها كالمنديل، أو إمرار القماش عليها، لإزالة
ما بقى عليها، وذلك حيث لم يكن ماء ولا صابون للغسل.
(عن ابن كعب بن مالك) هكذا فى الرواية الخامسة، وفى ملحقها ((عن عبد الرحمن بن كعب
ابن مالك أو عبد الله بن كعب بن مالك» بأو وفى ملحقها الآخر «عن عبد الرحمن بن كعب وعبد الله
أبن كعب)) بالواو، ((أو أحدهما)) قال النووى: ولا يضر الشك فى الراوى إذا كان الشك بين ثقتين، لأن
ابنی کعب هذين ثقتان.
(إنكم لا تدرون فى أيه البركة) الجملة مستأنفة استئنافاً تعليلياً، أى لأنكم لاتدرون والضمير
فى ((أيه)) للطعام المفهوم من الكلام السابق، و((أى)) تضاف إلى متعدد، والمراد فى أى أجزائه
البركة، فربما كانت بركة الطعام كله فى جزئه الذى على الأصابع، فيحرمها من لم يلعق أصابعه، وفى
الرواية السابعة («فإنه لا يدرى فى أى طعامه البركة)) وفى الرواية الثامنة ((فإنه لا يدرى فى أى
طعامه تكون البركة)) وفى الرواية التاسعة ((فإنكم لا تدرون فى أى طعامكم البركة)) وفى الرواية
العاشرة ((فإنه لا يدرى فى أيتهن البركة)) قال النووى: هكذا هو فى معظم الأصول، وفى بعضها ((لا
يدرى أيتهما» وكلاهما صحيح، أما رواية ((فى أيتهن)» فظاهره -أى فى أية جزئية من جزئيات
٢١٩
الأطعمة - وأما رواية ((لايدرى أيتهن البركة)) فمعناه أيتهن صاحبة البركة، فحذف المضاف، وأقام
المضاف إليه مقامه، وقال: أصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به، والمراد هنا -والله أعلم- ما
يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويقوى على طاعة الله تعالى، وغير ذلك.
وقد جاء الحديث الصحيح بهذا التعليل، فلا يعدل عنه، لكن ذكر علة لا يمنع من أن تكون هناك
علة أخرى، فقد يكون للحكم علتان فأكثر، والتنصيص على واحدة لا ينفى غيرها، وقد أشارت الرواية
السابعة والثامنة إلى علة أخرى، وأن الشيطان يحضر الطعام، فإذا سقطت لقمة - أو تركت بقايا
الأطعمة على الأيدى أو فى القصعة، سهلت للشيطان طعامه وشرابه وإقامته، وقد أضاف القاضى
عياض علة أخرى، فقال: إنما أمر بذلك لئلا يتهاون بقليل الطعام.
(إذا وقعت لقمة أحدكم) من يده على الأرض، فأصابها أذى.
(فليمط ما كان بها من أذى) ((يمط)) بضم الياء، أى يزيل وينحى، وحكى بعضهم:
ماطه وأماطه، فيصح فى المضارع فتح الياء، وقال الأصمعى: أماطه لا غبر، ومنه إماطة
الأذى، والثلاثى لازم، يقال: مطت أنا عنه، أى تنحيت، والمراد بالأذى هنا المستقذر، من
غبار وتراب وقذی ونحو ذلك.
(ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه) مما علق بها من طعام، ليقلل من
تدنيس المنديل، والمنديل معروف، وهو بكسر الميم، قال أهل اللغة: لعله مأخوذ من الندل،
وهو النقل، وقيل: مأخوذ من الندل وهو الوسخ، لأنه يندل به، يقال: تندلت بالمنديل،
وتمندلت به، وأنكر الكسائى تمندلت.
وذكر القفال فى محاسن الشريعة أن المراد بالمنديل هنا المنديل المعد لإزالة الزهومة، لا المنديل
المعد للمسح بعد الغسل.
(وأمرنا أن نسلت القصعة) أى أمرنا رسول اللَّه:﴿، و((نسلت)) بفتح النون، وضم اللام،
ومعناه نمسحها ونتتبع ما بقى فيها من الطعام، ومنه سلت الدم عن جبهته، إذا مسحه.
(وقال: فى أى طعامكم البركة، أو يبارك لكم) أى قال: فإنكم لا تدرون فى أى طعامكم
البركة، أو قال: فإنكم لا تدرون فى أى طعامكم يبارك لكم. شك من الراوى فى أى اللفظين سمع.
فقه الحديث
قال النووى: فى هذه الأحاديث أنواع من سنن الأكل، منها:
١- استحباب لعق اليد محافظة على بركة الطعام، وتنظيفا لها.
٢- واستحباب الأكل بثلاث أصابع، ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر.
٠٢٢٠