النص المفهرس

صفحات 61-80

يُضَحَيَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ» قَالَ رَجُلٌ: عِنْدِي عَنَاقُ لَبْنٍ هِيَ خَيْرٌ مِن شَاتَيْ لَحْمٍ. قَالَ: فَضْحٌ
بِهَا، وَلا تَجْزِي جَذَّعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
٤٤٣٩- ١, عَنِ الْبَرّاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾(٩) قَالَ: ذَبَحَ أَبُو بُرْدَةً قَبْلَ الصَّلاةِ. فَقَالَ النّبِيِّ ◌َلّ:
«أَبْدِلْهَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ عِنْدِي إِلا جَذَعَةٌ. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَظُنَّهُ قَالَ: وَهِيَ خَيْرٌ مِن
مُسِنَّةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَّ «اجْعَلْهَا مَكَانَهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
٤٤٤٠ -- وفي رواية عن شُعْبَة بِهَذَا الإِسْنَادٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ فِي قَوْلِهِ هِيَّ خَيْرٌ مِن مُسِنَّةٍ.
٤٤٤١- ١١ عَنْ أَنَسٍ﴾(١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿، يَوْمَ النَّحْرِ: «مَنْ كَانٌ ذَبَحَ قَبْلٌ
الصَّلاةِ، فَلْيُعِدْ» فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ. وَذَكَرَ هَنّةٌ مِن
جيرَانِهِ. كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ّ صَدَّقَهُ. قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن شَاتَيْ لَحْمٍ.
أَفَأَذْبَحُهَا؟ قَالَ: فَرَخْصَ لَهُ. فَقَالَ: لا أَدْرِي أَبَلَغَتْ رُخْصَتُهُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لا؟ قَالَ: وَانْكَفَأَ
رَسُولُ اللَّهِ﴿ إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَّبَحَهُمَا. فَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّغُوهَا، أَوْ قَالَ: فَتَجَرَّعُوهَا.
٤٤٤٢- ١١ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١١) أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ِ صَلَّى. ثُمَّ خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ كَانَ
ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أَنْ يُعِيدَ ذِيْحًا، ثُمَّ ذَكَرَ، بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنٍ عُلَيَّةً.
٤٤٤٣- ١٣ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٢) قَالَ: خَطَبًَّا رَسُولُ اللَّهِ لَ يَوْمَ أَضْحَى. قَالَ: فَوَجْدَ
رِيحَ لَحْمٍ. فَتَهَاهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا. قَالَ: «مَنْ كَانَ ضَحَّى، فَلْيُعِدْ» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمَا.
٤٤٤٤- ١٣ عَن جَابِرٍ﴾(١٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً، إِلا أَن يَغْسُرَ
عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الصَّأْنِ».
٤٤٤٥- ١١ عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٤) قَالَ: صَلَى بِنَا النَّبِيُّ : ﴿ يَوْمَ النَّحْرِ
(٩) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ سَلَمَّةً عَنِ أَبِي جُحَيْفَةً عَنِ الْبَرَاءِ
-وحّدَّثْنَاه ابْنُ الْمُثَتِى حَدَّتِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حِ وَحَدَّقَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَّنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقْدِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ
(١٠) وحّدََّتِي يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزَّهَيَّرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍوَ قَالَ حَدََّا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
عَن أَيُّوبَ عَن مُحَمَّدٍ عَنِ أَنْسِ
(١١) حَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّقْنَا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ
(١٢) وحَدَّثَتِي زِيَادُ بْنُ يَحِى الْحَسَّانِيُّ حَدََّا حَاتِمٌ يَعْنِي ابْنَ وَرْدَانَ حَدَّقًَا أَيُوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ
(١٣) حَدْقَنَا أَحْمَّدُ بْنُ يُونُسَ حَدَثَا زُهَيْرٌ حَدََّا أَبُوِ الزُّبْرِ عَن جَابِرِ
(١٤) وحَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ حَائِمٍ حَدْقَا مُحَمَّدُ بْنٌ بَكْرٍ أَخْيَرْنَا ابْنُ جَّرَّيْجٍ أَخْبُرَنِي أَبُو الرُّبْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
٦١

بِالْمَدِينَةِ. فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَتَحَرُوا. وَظَنُوا أَنَّ النَّبِيِّ :﴿ قَدْ نَحَرَ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﴿ مَنْ كَانَ نَحَرَ
قَبْلَهُ، أَنْ يُعِيدَ بِتَخْرٍ آخَرَ، وَلا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ الْبِيُّ ◌َ﴾.
٤٤٤٦-١٥ عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾(١٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ أَغْطَاهُ غَنَمًا يَفْسِمُهَا عَلَى أَصْحَابِهٍ
ضَحَابًا. فَبَقِيَ عُنُودٌ. فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِعَ ﴿ِ. فَقَالَ: «صَحِّ بِهِ أَنْتَ» قَالَ قُتِبَةُ: عَلَى صَحَابَتِهِ.
٤٤٤٧- ١٣٦ عَن عُقْبَةَ بْنٍ عَامِرِ الْجُهَيِيِّ عَ﴾(١٦) قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َ فِينَا ضَحَابًا،
فَأَصَابَتِي جَدَعْ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَصَابَِّي جَذٌَ. فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ».
المعنى العام
شاءت حكمة الله أن ييسر على بعض خلقه، وأن يعسر على آخرين، وأن يطلب من الموسرين
مساعدة المعسرين، ليبلو الفريقين، ليختبر الموسرين، أيشكرون أم يكفرون؟ أيحسنون، أم يبخلون؟
وليبلو المعسرين، أيصبرون أم يجزعون؟ ويشكرون المحسنين أم يكفرون؟
وفى مواسم الخير خاصة تزداد أهمية هذا التشريع، فتجب زكاة الفطر عند عيد الفطر، وتشرع
الأضحية فى عيد الأضحى.
وللَّه أوقات يتجلى فيها برحمته على عباده، تضاعف فيها الحسنات، ويتجاوز فيها عن السيئات،
وله سبحانه وتعالى فى تحديد أوقات خاصة للعبادات حكمة يعلمها، فقد حدد أوقات الصلوات،
وأوقات الصيام، وأوقات الحج، ولهذا التحديد فائدة كبرى فى نظام المجتمع، من حبث الالتزام
الواحد، والأداء الواحد، والاتجاه الواحد، وإدخال السرور على النفوس فى وقت واحد.
وتحقيقا لهذا الهدف السامى حددت الشريعة وقت ذبح الأضحية، وجعلته بعد صلاة العيد، وبعد
سماع خطبتيه، ليتفرغ الذابح لذبحه، وتوزيعه، وليتفرغ الفقير الآخذ لطهيه والانتفاع به، وكان على
المسلمين حين شرعت الأضحية أن يلتزموا بالتأسى بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وأن لا يتعجلوا أمرا
دعا إليه حتى يروا فعله مادام سيفعله، مهما كان هذا الفعل خيرا، ففى التأسى به صلى الله عليه
وسلم أجر وثواب، وتعلم وتوجيه وإرشاد، وللأضحية مواصفات، وللذبح نفسه قواعد ومستحبات،
ورسول اللَّه * سيذبح أضحيته فى الصحراء، فى ساحة الصلاة، بحيث يراه من يرغب فى الاقتداء
به، والتعلم على يديه، ومتابعته صلى الله عليه وسلم خير من سبقه على كل حال.
(١٥) وحَّدَّثَنَا فُقَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدُقّا لَيْثٌ ح وحَدْقَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخُْرَّا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْغَيْرِ عَنِ عُقْبَةً
ابْنِ عَامِرٍ
(١٦) حَدَّقَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي غَيْئَةٌ حَدََّا يَزِيدُ بْنُ هَارُونُ عَنِ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ يَحْتِى بْنِ أَيِي كَثِيرٍ عَنْ بَعْجَةُ الْجُهَبِيِّ عَنْ عُقْبَةً
ابْنِ عَامِرٍ
- وَحَدَقِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ حَدْثََّا يَحْتِى يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ أَخْبُرَنَا مُعَاوِيَّةُ وَهُوَ ابْنُ سَلامٍ حَدََّتِي يَحْبَى بْنُ
أَبِي ◌َِّيرٍ أَخْبُرَبِي بَعْجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ عُقْبَّةَ بْنَ عَامِرِ الْجُهْبِيِّ أَخْرَهُ أَنْ رَسُولَ اللّهِ﴿لَقَسَمَ ضَحَايَا بَيْنَ أَصْحَابِ بِمِثْلٍ مَعْنَاهُ.
٦٢

لم يكن يخفى كل هذا على الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- لكن بعضهم فى أوائل تشريع
الأضحية ظن أن الغرض منها التوسعة على الأهل والجيران والفقراء يوم العيد، فذبح قبل صلاة العيد،
وقبل أن يذبح رسول اللَّه﴿، وبعضهم ظن أن رسول اللَّه * قد ذبح، فذبح قبل أن يتبين أنه لم يذبح،
وصلى رسول اللَّه # بالناس صلاة العيد، فلما سلم شم رائحة لحم مذبوح، فنظر إلى ساحة الذبح،
فرأى غنما مذبوحة، كان يمكن أن يرشد من فعل هذا إلى ما كان ينبغى، ليلتزم العام القابل،
ويتفادى خطأ ما فعل هذا العام، والذبيحة قد وقعت، وفائدتها قد حصلت، والإساءة فى التعجيل قد
تغتفر، لكن لما كان للحم شهوة، وللنفس فيه رغبة، قد تدفع إلى التهاون فى الالتزام شيئا فشيئا، من
حيث الوقت تارة، ومن حيث مواصفات الأضحية تارة أخرى، أراد المشرع أن يفطم النفوس عن
التهاون، فأمر صلى الله عليه وسلم من ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبح أضحية أخرى، واعتبر الذبيحة
التى سبقت صلاته وخطبته وذبحه لحما كأى لحم يقدم للأهل، ليس من ثواب الأضحية فى شىء،
وليس من العبادة فى شىء، لم يصب به صاحبه السنة، ولم يقم بما شرعه الله له.
أمر بذلك صلى الله عليه وسلم فى خطبة العيد، عقب الصلاة، وكان بعض من ذبح أضحيته خطأ
لا يملك ما يصلح لأضحية أخرى، فسأل رسول الله﴿، وهو قائم يخطب. قال: يا رسول الله، ذبحت
أضحيتى قبل أن أصلى معك، وتعجلت الخير لأهلى وجيرانى والفقراء؟ قال صلى الله عليه وسلم: لحم
قدمته لأهلك، أعد ذبحا، اذبح مكان التى ذبحتها أضحية أخرى، اذبح أخرى، فلم تقع الأولى موقعها،
لأنها سبقت وقتها. قال: يا رسول الله، ليس عندى شاة أخرى، وكل ماعندى عنز، ابنة سنة، لكنها
سمينة، تعدل فى نظرى شاتين، وهى عندى أحب إلى من شاتين، وقد علمتنا أن مثلها لا يصلح
أضحية، فهل أذبحها؟ قال: اذبحها، ولا يصلح مثلها أضحية لأحد غيرك، فقد قبل عذرك.
وهكذا أكد رسول اللّه﴿ على تشريع الأضحية، وقتا، ووصفا، وإلزا ما، حتى إنه صلى الله عليه
وسلم كان يوزع من بيت مال المسلمين ضحايا حية على فقراء المسلمين. ليذبحوها فى يوم العيد.
المباحث العربية
(كتاب الأضاحى) جمع أضحية، بضم الهمزة، وتشديد الياء، ويجوز كسر الهمزة، ويجوز
حذفها، فتفتح الضاد، وقد تكسر، مع تشديد الياء، وجمع ضحية ضحايا، كعطية وعطايا، ويقال:
أضحاة، وجمعها أضحى، بفتح الهمزة، كأرطاة وأرطى، كل ذلك للشاة التى تذبح ضحوة هذا اليوم،
وكأن تسميتها اشتقت من اسم الوقت الذى تشرع فيه، وبه سمى يوم الأضحى، أى اليوم الذى تذبح
فيه الشاة فى الضحى، والضحى ضوء الشمس، وارتفاع النهار وامتداده، والضحاء والضحوة والضحو
والضحية الضحى.
يقال: ضحا يضحوضحوا بفتح الضاء وسكون الحاء، وضحوا بضم الضاء وضم الحاء مخففة،
وضحيا بضم الضاد وكسر الحاء وتشديد الياء، إذا برز للشمس، وضحا يضحى بفتح الحاء، ضحوا
بفتح الضاد وسكون الحاء، وضحوا بضم الضاد والحاء وتشديد الواو، وضحيا بضم الضاد وكسر الحاء،
٦٣

أصابه حر الشمس، وضحى بفتح الضاد وكسر الحاء وفتح الياء، يضحى بفتح الحاء، ضحوا، وضحوا،
وضحيا، كسابقه، أصابه حر الشمس، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَّأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩].
قال النووي: وفى ((الأضحى)) لغتان: التذكير لغة قبس، والتأنيث لغة تميم.
(شهدت الأضحى) أى حضرت صلاة الأضحى، وفى الرواية الثالثة ((شهدت رسول اللَّه ﴿ يوم
أضحى)) أى حضرت صلاته يوم الأضحى، والمراد صلاة العيد فى يوم الأضحى.
يقال: شهد الوقعة، وشهد اليوم، بكسر الهاء، إذا حضره، ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وشهد الشيء عاينه، ومنه قوله تعالى ﴿مَا شَهِدْنًا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩].
(فلم يعد أن صلى، وفرغ من صلاته سلم، فإذا هو يرى لحم أضاحى، قد ذبحت قبل
أن يفرغ من صلاته) وهذا لا يتنافى مع ما جاء فى ملحق الرواية الثانية عشرة بلفظ ((فوجد ريح
لحم)) فقد رأى وقد شم صلى الله عليه وسلم، ((فلم يعد)) بفتح الياء وسكون العين، أى فلم يجاوز
صلاته، وهو كناية عن سرعة اتصال الشىء المتأخر بالمتقدم، وإلا فما رأى كان بعد انتهاء الصلاة
والتسليم، أى فعند مجاوزته صلاته، وفراغه من صلاته مسلما، فاجأه رؤيته للحم أضاحى، بكسر الحاء
وتشديد الياء، ((قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته)»، أى ذبحها أناس أثناء صلاته، فأدركوه فى
الصلاة، أو قبل أن يصلى، وكان الذبح فى المصلى، فقد روى البخارى عن ابن عمر - رضى الله عنهما
- قال: ((كان النبى # يذبح وينحر بالمصلى)» قال مالك: إنما كان يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله، زاد
غيره: وليذبحوا بعده على يقين، وليتعلموا منه صفة الذبح.
وفى الرواية الثانية ((فلما قضى صلاته بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت)) والغنم يشمل
الضأن والمعز.
(فقال: من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلى - أو نصلى - فليذبح مكانها أخرى)
((يصلى أو نصلى)» الأول بالياء، والثانى بالنون، والظاهر أنه شك من الراوى. وفى الرواية الثانية ((من
ذبح قبل الصلاة فليدبح شاة مكانها)) وهذا القول كان فى خطبته صلى الله عليه وسلم، ففى الرواية
الثالثة ((ثم خطب، فقال: من كان ذبح قبل أن يصلى، فليعد مكانها)» وفى الرواية السادسة ((لا
يذبحن أحد حتى يصلى)» وفى الرواية السابعة ((من صلى صلاتنا، ووجه قبلتنا)) أى واستقبل قبلتنا،
والمراد بذلك من كان على دين الإسلام ((ونسك نسكنا)) أى وأراد أن ينسك نسكنا، ففيه مجاز
المشارفة، والمراد من النسك هنا الذبيحة، يقال: نسك فلان، بفتح النون والسين، ينسك بضم السين،
نسكا بسكون السين مع ضم النون وفتحها وكسرها، ونسكة بفتح النون ومنسكا بفتح السين وكسرها،
إذا تزهد وتعبد، أو إذا ذبح ذبيحة يتقرب بها إلى الله، والمنسك طريقة الزهد والتعبد، وموضع ذبح
النسيكة، ومناسك الحج عبادته ((فلا يذبح حتى يصلى)) صلاة العيد.
وفى الرواية الثامنة ((إن أول ما نبدأ به فى يومنا هذا نصلى)) صلاة العيد، ونسمع خطبتها ((ثم
٦٤

نرجع)) إلى مكان الذبح، ((فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا)) والمراد بالسنة هنا الطريقة، التى
هى أعم من أن تكون للوجوب أو الندب، وليس المراد بها السنة فى الاصطلاح الفقهى، التى تقابل
الوجوب، وفى الرواية التاسعة ((لا يضحين أحد حتى يصلى)) وفى الرواية الحادية عشرة ((من كان
ذبح قبل الصلاة فليعد)) وفى الثانية عشرة ((فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحا)). قال
النووى: اتفقوا على ضبط ((ذبحا)) بكسر الذال، أى حيوانا يذبح، كقوله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحِ عَظِيمٍ﴾
[الصافات: ١٠٧] وأما قوله ((أن يعبد)) فكذا هو فى بعض الأصول المعتمدة، بالياء، من الإعادة، وفى
كثير منها ((أن يعد)) بحذف الياء، ولكن بتشديد الدال، من الإعداد، وهو التهيئة.اهـ
وفى الرواية الرابعة عشرة ((فأمر النبى ® من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى
ينحر النبى {*)) والظاهر أن كل هذا حصل فى خطبته صلى الله عليه وسلم فى واقعة واحدة، وأن
سؤال أبى بردة كان فى نفس الواقعة، وأثناء الخطبة، بعد طلبه صلى الله عليه وسلم أن يكون الذبح
بعد الصلاة، لكن قال الحافظ ابن حجر: والذى فى معظم الروايات أن هذا الكلام من النبى 86# وقع
فى الخطبة بعد الصلاة، وأن خطاب أبى بردة بما وقع له كان قبل ذلك، وهو المعتمد.اهـ والظاهر أن
العبارة وقع فيها خطأ من النساخ، وأن أصلها وصحتها ((وأن خطاب أبى بردة بما وقع له كان بعد
ذلك)) أى فى أثناء الخطبة، والأحاديث التى ساقها الحافظ ابن حجر كدليل على قوله تفيد البعدية،
لا القبلية، ولفظها ((يخطب فيقول كذا فقال أبو بردة ... )) ((خطبنا فقال كذا وكذا، فقال أبو بردة ... ))
الحديث.
(ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله) فى الرواية الثانية ((ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم
اللَّه)) قال النووى: هو بمعنى رواية ((فليذبح باسم اللَّه)) أى قائلا: باسم اللَّه. هذا هو الصحيح فى
معناه، وقال القاضى: يحتمل أربعة أوجه: أحدها أن يكون معناه: فليذبح للَّه، والباء بمعنى اللام،
والثانى معناه: فليذبح بسنة اللَّه، والثالث: بتسمية اللَّه على ذبيحته، إظهاراً للإسلام، ومخالفة لمن
يذبح لغيره، وقمعا للشيطان، والرابع: تبركا باسمه، وتيمنا بذكره، كما يقال: سر على بركة الله، وسر
باسم الله. وكره بعض العلماء أن يقال: فعل كذا على اسم الله، قال: لأن اسمه سبحانه على كل شىء.
قال القاضى: وهذا ليس بشيء، قال: وهذا الحديث يرد على هذا القائل.
وقال النووى: قال الكتاب من أهل العربية: إذا قيل: باسم الله، تعين كتبه بالألف، وإنما تحذف
الألف إذا كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، بكمالها.اهـ
(ضحى خالى أبو بردة قبل الصلاة) أى صلاة العيد، وفى الرواية الخامسة، عن البراء أن
خاله أبو بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبى 8# و«أبو بردة)) بضم الباء وسكون الراء، واسمه هانئ
ابن نيار، بكسر النون، وتخفيف الياء، البلوى بفتح الباء واللام، من حلفاء الأنصار، شهد العقبة وبدرا
والمشاهد، وعاش إلى سنة خمس وأربعين.
(فقال رسول اللَّه ﴿: تلك شاة لحم) معناه: ليست بضحية، بل هى لحم لك، تنتفع به، قال
٦٥

الحافظ ابن حجر: وقد استشكلت الإضافة فى ((شاة لحم)) وذلك أن الإضافة قسمان، معنوية ولفظية،
فالمعنوية إما مقدرة بمن، كخاتم حديد، أو باللام، كغلام زيد، أو بفى، كضرب اليوم، معناه ضرب فى
اليوم، وأما اللفظية فهى صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد، وحسن الوجه، ولا يصح شىء من
الأقسام الخمسة فى ((شاة لحم)) قال الفاكهى: والذى يظهرلى أن أبا بردة لما اعتقد أن شاته شاة
أضحية، أوقع صلى الله عليه وسلم فى الجواب قوله ((شاة لحم)) موقع قوله ((شاة غير أضحية)) اهـ قال
العينى: هذا جواب غير مقنع، لظهور الإشكال فيه، وبقائه أيضا، ويمكن أن يقال: إن الإضافة فيه
بمعنى اللام، والتقدير: شاة واقعة لأجل اللحم، لا لأجل أضحية، لوقوع ذبحها فى غيروقتها، وفى
الرواية الخامسة ((فقال رسول اللّه *: أعد نسكا)) وفى الرواية السابعة ((ذاك شيء عجلته لأهلك))
وفى الرواية الرابعة ((من ضحى قبل الصلاة: فإنما ذبح لنفسه)) أى وليس أضحية، وفى الرواية الثامنة
«فإنما هو لحم، قدمه لأهله: ليس من النسك فى شىء)».
(فقال: يا رسول الله، إن هذا يوم، اللحم فيه مكروه) قال النووى: قال القاضى: كذا روينا
فى مسلم ((مكروه)) بالكاف والهاء، وكذا ذكره الترمذى، قال: ورويناه فى مسلم من طريق العذرى
((مقروم)» بالقاف والميم، قال: وصوب بعضهم هذه الرواية، وقال: معناه يشتهى فيه اللحم، يقال:
قرمت إلى اللحم، وقرمت اللحم إذا اشتهيته، قال: وهى بمعنى قوله فى غير مسلم («عرفت أنه يوم
أكل وشرب، فتعجلت وأكلت، وأطعمت أهلى وجيرانى)) وكما جاء فى الرواية الأخرى [روايتنا
الحادية عشرة] ((هذا يوم يشتهى فيه اللحم)) وكذا رواه البخارى. قال القاضى: وأما رواية ((مكروه))
فقال بعض شيوخنا: الصواب ((اللحم فيه مكروه)) بفتح الحاء، أى ترك الذبح والتضحية وبقاء أهله
فيه بلا لحم، حتى يشتهوه مكروه، واللحم بفتح الحاء اشتهاء اللحم. قال القاضى: وقال لى الأستاذ
عبد الله بن سليمان: معناه: ذبح ما لا يجزئ فى الأضحية مما هو لحم مكروه، لمخالفته السنة. هذا
آخرما ذكره القاضى، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهانى: معناه هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه
شاق. وهذا حسن. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وبالغ ابن العربى، فقال: الرواية بسكون الحاء هنا غلط، وإنما هو اللحم،
بالتحريك، يقال: لحم الرجل، بكسر الحاء، يلحم بفتحها، إذا كان يشتهى اللحم، وأما القرطبى فى
المفهم فقال: تكلف بعضهم ما لايصح رواية - أى اللحم بالتحريك - ولا معنى، وهو قول الآخر: معنى
المكروه إنه مخالف للسنة، قال: وهو كلام من لم يتأمل سياق الحديث، فإن هذا التأويل لا يلائمه، إذ
لا يستقيم أن يقول: إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة، وإنى عجلت لأطعم أهلى. قال: وأقرب ما
يتكلف لهذه الرواية أن معناه: اللحم فيه مكروه التأخير، فحذف لفظ ((التأخير)» لدلالة قوله ((عجلت)».
قال الحافظ ابن حجر: ووقع فى رواية منصور عن الشعبى («وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب،
فأحببت أن تكون شائى أول ما يذبح فى بيتى)) قال الحافظ: ويظهرلى أنه بهذه الرواية يحصل
الجمع بين الروايتين المتقدمتين، وأن وصفه اللحم بكونه مشتهى، ويكونه مكروها لا تناقض فيه،
وإنما هو باعتبارين، فمن حيث إن العادة جرت فيه بالذبح فالنفس تتشوق له يكون مشتهى - ومن
٦٦

حيث توارد الجميع عليه، حتى يكثر، يصير مملولا، فأطلقت عليه الكراهة لذلك، فحيث وصفه بكونه
مشتهى أراد ابتداء حاله، وحيث وصفه بكونه مكروها أراد انتهاءه، ومن ثم استعجل بالذبح، ليفوز
بتحصيل الصفة الأولى عند أهله وجيرانه.اهـ والتحقيق أن الذى صدر من أبي بردة إلى رسول الله 0 4*
عبارة واحدة، إما أنها ((هذا يوم اللحم فيه مكروه)) كما جاء فى الرواية الخامسة والسادسة، وإما أنها
((هذا يوم يشتهى فيه اللحم)) كما جاء فى الرواية العاشرة، والأخيرة هى التى تتفق مع السياق، فلا
حرج من جعل الأولى غير صواب، ولا داعى للتعسفات فى توجيهها، وبخاصة أن المسألة لا تتعلق
بحكم شرعى تختلف فيه وجهات النظر. والله أعلم.
(وإنى عجلت نسيكتى) أى ذبيحتی.
(لأطعم أهلى وجيرانى وأهل دارى) عند البخارى ((وذكر جيرانه)) والمراد من ((أهل دارى))
ما عنده من خدم وعمال، وفى الرواية السابعة ((قد نسكت عن ابن لى)) قال الحافظ ابن حجر: ظهرلى
أن مراده أنه ضحى لأجله، للمعنى الذى ذكره فى أهله وجيرانه، فخص ولده بالذكر لأنه أخص بذلك
عنده، حتى يستغنى ولده بما عنده من التشوف إلى ما عند غيره. اهـ وحاصل كلامه أن ((عن)) للتعليل،
والمعنى قد نسكت متعجلا لأجل إطعام ابن لى، وفى الرواية الحادية عشرة («وذكر هنة من جيرانه)»
بفتح الهاء وفتح النون مخففة، أى حاجة جيرانه إلى اللحم وفقرهم ((كأن رسول اللَّه# صدقه))
بتشديد الدال، وفى رواية البخارى ((فكأن رسول اللَّه# عذره)) بفتح الذال مخففة، أى قبل عذره.
(فقال: يا رسول الله: إن عندى جذعة من المعز؟ فقال: ضح بها، ولا تصلح لغيرك)
قال النووي: الجذع من الضأن ما له سنة تامة، هذا هو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل
اللغة وغيرهم، وقيل: ما له ستة أشهر، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة. حكاه القاضى، وهو
غريب، وقيل: إن كان متولدا من بين شابين فستة أشهر، وإن كان من هرمين فثمانية أشهر.اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: الجذعة بفتح الجيم والذال هو وصف لسن معينة، من بهيمة الأنعام، فمن
الضأن ما أكمل السنة، وهو قول الجمهور، وأما الجذع من المعز فهو ما دخل فى السنة الثانية، ومن
البقر ما أكمل الثالثة، ومن الإبل ما دخل فى الخامسة.
وفى الرواية الخامسة والتاسعة ((إن عندى عناق لبن)) بفتح العين، وهى الأنثى من المعز، إذا
قويت، ما لم تستكمل سنة، وجمعها أعنق وعنوق، ومعنى («عناق لبن)) أى أنثى معز صغيرة قريبة من
الرضاع، ((هى خير من شاتى لحم)) أى أطيب لحما، وأنفع، لسمنها، ونفاستها، وفى الرواية السابعة
((إن عندى شاة خير من شاتين))؟ فأطلق الشاة على العنز، وفى الرواية الثامنة ((عندى جذعة خير من
مسنة)» أى جذعة من المعز، والمسنة هى الثنية، وهى أكبر من الجذعة بسنة، وفى الرواية العاشرة
((ليس عندى إلا جذعة)) أى من المعز، وهل معنى ((ضح بها، ولا تصلح لغيرك)) أنها رخصة عند
الضرورة؟ أو خصوصية لأبى بردة؟ سيأتى التفصيل فى فقه الحديث، وفى الرواية الخامسة ((هى خير
نسيكتيك، ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك)) قال النووى: ((ولا تجزى)) بفتح التاء، هكذا الرواية فيه فى
٦٧

جميع الطرق والكتب، ومعناه لا تكفى، من نحو قوله تعالى ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾
[لقمان: ٣٣] ومعنى «هى خير نسيكتيك» أنك ذبحت صورة نسيكتين، وهما هذه، والتى ذبحتها قبل
الصلاة، وهذه أفضل، لأن هذه حصلت بها التضحية، والأولى وقعت شاة لحم، لكن لك فيها ثواب، لا
بسبب التضحية، فإنها لم تقع أضحية، بل لكونك قصدت بها الخير، وأخرجتها فى طاعة الله، فلهذا
دخل أفضل التفضيل، فقال: هذه خير النسيكتين، فإن هذه الصيغة تتضمن أن فى الأولى
خيرا أيضا.اهـ
وفى الرواية التاسعة ((فضح بها، ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك)). أى جذعة من المعز، وفى
الرواية العاشرة ((ولن تجزى عن أحد بعدك)) وفى الرواية الحادية عشرة ((أفأذبحها؟ قال: فرخص له،
فقال: لا أدرى؟ أبلغت رخصته من سواه؟ أم لا؟)) قال النووى: هذا الشك بالنسبة إلى علم أنس ظه.
وقد صرح النبى فى حديث البراء بن عازب [الرواية الثامنة والتاسعة والعاشرة] بأنها لا تبلغ غيره،
ولا تجزى أحدا بعده.اهـ قال الحافظ ابن حجر: كأن أنسالم يسمع ذلك، ولعله استشكل الخصوصية
بذلك، لما جاء من ثبوت ذلك لغير أبى بردة، فقد حصل لعقبة، كما فى الرواية الخامسة عشرة.
(وإنكفأ رسول اللَّه :﴿ إلى كبشين، فذبحهما) أى مال وانعطف إلى كبشين، يقال: كفأت
الإناء، إذا أملته، والمراد أنه رجع عن مكان الخطبة، إلى مكان الذبح، وستأتى صفة ذبحه صلى اللّه
عليه وسلم وصفة الكبشين فى الباب التالى.
(فقام الناس إلى غنيمة، فتوزعوها، أو قال: فتجزعوها) ((غنيمة)) تصغير ((غنم)) ويشمل
الضأن والمعز، والتصغير لتقليل العدد، لا لتقليل الوزن، و«فتوزعوها)» من التوزيع، وهو التفرقة، أى
فتفرقوها، وأما ((فتجزعوها)) من الجزع، وهو القطع، أى اقتسموها حصصا، وليس المراد أنهم
اقتسموها حصصاً بعد الذبح، فأخذ كل واحد قطعة من اللحم، وإنما المراد أخذ حصة من الغنم،
واحدة أو اثنتين، والقطعة تطلق على الحصة من كل شىء، فيهذا التقرير يكون المعنى واحدا، بين
((فتوزعوها)) و((فتجزعوها)) والشك من الراوى.
(أعطاه غنما يقسمها على أصحابه، ضحايا) كذا في الرواية الخامسة عشرة، وفى الرواية
السادسة عشرة ((قسم رسول اللَّه فينا ضحايا)) ففى الرواية الأولى أن الذى قسم هو عقبة بن عامر،
وفى الثانية أن الذى قسم هو رسول اللّه®، ولما كان عقبة وكيلا عن النبى 28 فى القسمة، أسندت
القسمة مرة إلى الوكيل، ومرة إلى الموكل، ووضع البخارى هذا الحديث تحت باب وكالة الشريك
للشريك فى القسمة، وأشار إلى أن عقبة كان له فى تلك الغنم نصيب، باعتبار أنها كانت من الغنائم،
وكذا كان للنبى 8# فيها نصيب، ومع هذا فوكله فى قسمتها، لكن قوله ((ضحايا)» يشكل مع كونها
غنائم، ووجهه ابن المنير بأنه يحتمل أنه أطلق عليها ضحايا باعتبار ما يؤول إليه الأمر، ويحتمل أن
يكون عينها للأضحية، ثم قسمها بينهم، ليحوز كل واحد نصيبه.
والضمير فى ((على أصحابه)) يحتمل أن يكون للنبى 8*، ويحتمل أن يكون لعقبة، وعلى الأول
٦٨

يحتمل أن تكون الغنم ملكا للنبى {*، وأمر بقسمتها بينهم تبرعا، ويحتمل أن تكون من الفىء، وإليه
جنح القرطبى، حيث قال: فى الحديث إن الإمام ينبغى له أن يفرق الضحايا على من لم يقدر عليها
من بيت مال المسلمين، وقال ابن بطال: إن كان قسمها بين الأغنياء فهى من الغىء، وإن كان خص
بها الفقراء فهى من الزكاة.
(فبقى عقود) بفتح العبن وضم التاء المخففة، وهو من أولاد المعز خاصة، وهو ما قوى ورعى،
وأتى عليه حول، والجمع أعتدة، وعتدان، وتدغم التاء فى الدال، فيقال: عدان. وقال ابن بطال: العقود
الجذع من المعز، ابن خمسة أشهر، وهذا يبين المراد بقوله فى الرواية السادسة عشرة ((فأصابنى
جذع)) وزعم ابن حزم أن العتود لا يقال إلا للجذع من المعز، وتعقبه بعض الشراح بما وقع فى كلام
صاحب المحكم أن العقود الجدى الذى استكرش، وعبارة الداودى أنه الجذع.
(ضح به أنت) وفى الرواية السادسة عشرة ((ضح به)) ويروى ((ضح أنت به)) زاد فى رواية
البيهقى ((ولا رخصة لأحد فيها بعدك)).
فقه الحديث
تتلخص النقاط فى أربع:
١- وقت الأضحية.
٢- ما يجزى من الأضحية.
٣- حكم الأضحية.
٤- ما يؤخذ من الأحاديث.
١- أما وقت الأضحية
فقد قال النووى: ينبعى أن يذبحها بعد صلاته مع الإمام، وحينئذ تجزيه بالإجماع. قال ابن
المنذر: وأجمعوا على أنها لا نجوز قبل طلوع الفجر يوم النحر، واختلفوا فيما بعد ذلك، فقال الشافعى
وداود وابن المنذر وآخرون: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإن
ذبح بعد هذا الوقت أجزأه، سواء صلى الإمام أم لا، وسواء كان من أهل الأمصار، أو من أهل القرى
والبوادى والمسافرين، وسواء صلى الضحى أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا [واستدلوا بأن
روايات الحديث تربط أول وقت الأضحبة بالصلاة، ولما كان بعض المسلمين لا صلاة عليه، وهو
مخاطب بالأضحية حملوا الصلاة على وقتها، وإنما شرطوا فراغ الخطيب لأن الخطبتين مقصودتان
مع الصلاة فى هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزى بعد طلوع الشمس].
وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها فى حق أهل القرى والبوادى إذا طلع الفجر الثانى، لأنهم
ليس عليهم صلاة عيد، ولا يدخل فى حق أهل الأمصار حتى يصلى الإمام ويخطب بالفعل، فإن ذبح
قبل ذلك لم يجزه.
٦٩

واستدلوا بروايتنا الأولى، «قبل أن نصلى)» بالنون، قالوا: فإن إطلاق لفظ الصلاة، وإرادة وقتها
خلاف الظاهر، ويرد الشافعية أن الرواية ((يصلى)) بالياء، والشك من الراوى، وبأن شرط صلاة الإمام
بالفعل تسقط الضحية إذا لم يصل الإمام.
وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه، واستدلوا بما استدل به الحنفية،
وزادوا شرط ذبح الإمام استدلالاً بروايتنا الرابعة عشرة، وهى صريحة فى التعليق على نحر الإمام، ورد
بالروايات الأخرى، وفيها ربط الذبح بالصلاة، لا بنحر الإمام، وبأن ربط الذبح بنحر الإمام لا يتفق مع
طلب النحر وعدم سقوطه عن الناس لولم ينحر الإمام، أو نحر قبل أن يصلى، فلم يجزه نحره، فدل
على أن وقت نحر المسلمين لا يرتبط بنحر الإمام.
وقال أحمد: لا يجوز ذبحها قبل صلاة الإمام بالفعل، ويجوز بعدها، قبل ذبح الإمام، وسواء عنده
أهل الأمصار والقرى، ونحوه عن الحسن والأوزاعى وإسحق بن راهويه.
وقال النووى: يجوز بعد صلاة الإمام، قبل خطبته، وفى أثنائها.
وقال ربيعة فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لا يجزيه، وبعد طلوعها يجزيه.
أما آخروقت التضحية فقال الشافعى: تجوز فى يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة بعده. وممن
قال بهذا على بن أبى طالب وجبير بن مطعم وابن عباس وعطاء والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز
وسليمان بن موسى الأسدى فقيه أهل الشام ومكحول وداود الظاهرى وغيرهم. وقال أبو حنيفة ومالك
وأحمد: تختص بيوم النحر ويومين بعده، وروى هذا عن عمر بن الخطاب وعلى وابن عمر وأنس -رضى
اللَّه عنهم.
وقال سعيد بن جبير: تجوز لأهل الأمصار يوم النحر خاصة، ولأهل القرى يوم النحر
وأيام التشريق.
وقال محمد بن سرين: لا يجوز لأحد إلا فى يوم النحر خاصة،
وحكى القاضى عياض عن بعض العلماء أنها تجوز فى جميع ذى الحجة.
واختلفوا فى ذبح الأضحية ليلا، فى ليالى أيام الذبح، فقال الشافعى، تجوز ليلا مع الكراهة، وبه
قال أبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور والجمهور
وقال مالك فى المشهور عنه وعامة أصحابه ورواية عن أحمد: لا يجزيه فى الليل، بل
تكون شاة لحم.
وليس فى أحاديث الباب ما يشير إلى آخروقت التضحية، ولا إلى ذبحها ليلا.
٢- وأما ما يجزئ فى الأضحية
فقد قال النووى: أجمع العلماء على أنه لا تجزئ التضحية بغير الإبل والبقر والغنم، إلا ما حكاه
٧٠

ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبى عن واحد،
وبه قال داود فى بقرة الوحش.
ثم قال: ومذهبنا ومذهب الجمهور أن أفضل الأنواع البدنة، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم المعز، وقال
مالك: الغنم أفضل، لأنها أطيب لحما، وحجة الجمهور أن البدنة تجزئ عن سبعة، وكذا البقرة، وأما
الشاة فلا تجزئ إلا عن واحد بالاتفاق، فدل ذلك على تفضيل البدنة والبقرة، واختلف أصحاب مالك
فيما بعد الغنم؟ فقيل: الإبل أفضل من البقرة، وقيل: البقرة أفضل من الإبل، وهو الأشهر عندهم.
وقال: أما الجذع من الضأن فمذهبنا ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ، سواء وجد غيره أم لا،
وحكوا عن ابن عمر والزهرى أنهما قالا: لا يجزئ، وقد يحتج لهما بظاهر روايتنا الثالثة عشرة ((لا
تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن)» قال: قال الجمهور: هذا الحديث
محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم ألا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة
ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة على أنه ليس
على ظاهره، لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره، وعدمه، وابن عمر والزهرى يمنعانه
مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من الاستحباب.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ويدل للجمهور الأحاديث الماضية قريبا، وكذا حديث أم هلال بنت هلال
عن أبيها رفعه «يجوز الجذع من الضأن أضحية» أخرجه ابن ماجه، وحديث مجاشع أن النبى ◌َ ا
قال ((إن الجذع يوفى ما يوفى منه الثنى)) أخرجه أبو داود وابن ماجه وحديث عقبة بن عامر
((ضحينا مع رسول اللَّه* بجذع من الضأن)) أخرجه النسائي بسند قوى، وحديث أبى هريرة رفعه
((نعمت الأضحية الجذعة من الضأن)) أخرجه الترمذى، وفى سنده ضعف، ثم قال الحافظ: واختلف
القائلون بإجزاء الجذع من الضأن - وهم الجمهور - فى سنه، على آراء: أحدها أنه ما أكمل سنة،
ودخل فى الثانية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو الأشهر عند أهل اللغة، ثانيها نصف سنة، وهو قول
الحنفية والحنابلة، ثالثها سبعة أشهر، وقد حكى عن الحنفية، رابعها ستة أو سبعة، حكى عن وكيع،
خامسها التفرقة بين ما تولد بين شايين، فيكون له نصف سنة، أوبين هرمين، فيكون ابن ثمانية،
وقال صاحب الهداية: إنه إذا كانت الجذعة عظيمة بحيث لواختلطت بالثنيات اشتبهت على
الناظر من بعيد أجزأت، وقال العبادى من الشافعية: لو أجذع قبل السنة، أى سقطت أسنانه أجزأ،
كما لو تمت السنة قبل أن يجذع، ويكون ذلك كالبلوغ، إما بالسن، أو بالاحتلام.
أما الجذعة من المعز، فإن الرواية الرابعة والخامسة تخصصان أبا بردة بإجزائها فى الأضحية،
وكذا عقبة بن عامر فى الرواية الخامسة عشرة، وقد استشكل الحافظ ابن حجر وقوع الرخصة الثانية،
باعتبار أن كلا منهما صيغة عموم ((ولا تصلح لأحد بعدك)) فأيهما تقدم على الآخراقتضى انتفاء
الوقوع للثانى، قال: وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صدر لكل منهما فى وقت واحد، أو تكون خصوصية
الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثانى، ولا مانع من ذلك، لأنه لم يقع فى السياق استمرار المنع
لغيره صريحا، قال: وقد انفصل ابن التين - وتبعه القرطبى - عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون
٧١

العقود كان كبير السن، بحيث يجزئ، لكنه قال ذلك بناء على أن الزيادة التى فى آخره لم تقع له
[يقصد قوله لعقبة: ولا رخصة فيها لأحد بعدك] ولا يتم مراده مع وجودها، مع مصادمته لقول أهل
اللغة فى العقود، وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين، فضعف الزيادة، وليس بجيد، فإنها
خارجة من مخرج الصحيح.
ثم قال: وقد وقع فى كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة، واستشكل الجمع،
وليس بمشكل، فإن الأحاديث التى وردت فى ذلك ليس فيها التصريح بالنفى، إلا فى قصة أبي بردة
فى الصحيحين، وفى قصة عقبة بن عامر فى البيهقى، وأما ما عدا ذلك فلا، فقد أخرج أحمد وأبو داود
وصححه ابن حبان، من حديث زبير بن خالد ((أن النبى # أعطاه عتودا جذعا، فقال: ضح به،
فقلت: إنه جذع أفأضحى به؟ قال: نعم. ضح به، فضحيت به)).
وفى الطبرانى فى الأوسط، من حديث ابن عباس ((أن النبى 8 أعطى سعد بن أبى وقاص جذعا
من المعز، فأمره أن یضحی به».
ولأبى يعلى والحاكم من حديث أبى هريرة ((أن رجلا قال: يا رسول الله، هذا جذع من
الضأن مهزول، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما، أفأضحى به؟ قال: ضح به، فإن اللَّه
الخير)» قال الحافظ: وأما ما أخرجه ابن ماجه، من حديث أبى زيد الأنصارى ((أن رسول
اللَّهِ ﴿ قال لرجل من الأنصار: اذبحها، ولن تجزى جذعة عن أحد بعدك» فهذا يحمل على
أنه أبو بردة ابن نيار، فإنه من الأنصار.
ثم قال الحافظ ابن حجر: والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث، وبين حديثى أبي بردة وعقبة،
لاحتمال أن يكون ذلك فى ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزى، واختص أبو بردة
وعقبة بالرخصة فى ذلك.
قال الفاكهى: ينبغى النظر فى اختصاص أبى بردة بهذا الحكم، وكشف السرفيه، وأجيب بأن
الماوردى قال: إن فيه وجهين: أحدهما أن ذلك كان قبل استقرار الشرع، فاستثنى، والثانى أنه علم
من طاعته، وخلوص نيته ما ميزه عمن سواء. قال الحافظ: وفى الأول نظر، لأنه لوكان سابقا لامتنع
وقوع ذلك لغيره، بعد التصريح بعدم الإجزاء لغيره، والغرض ثبوت الأجزاء لعدد غيره، كما تقدم.
قال النووي: وفى الحديث أن جذعة المعز لا تجزى فى الأضحية، وهذا متفق عليه. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: فى الحديث أن الجذع من المعز لا يجزى، وهو قول الجمهور، وعن عطاء
وصاحبه الأوزاعى أنه يجوز مطلقاً، وهو وجه لبعض الشافعية، حكاه الرافعى، قال النووي: وهو شاذ أو
غلط، وأغرب عياض، فحكى الإجماع على عدم الإجزاء، قيل: والإجزاء مصادر للنص، ولكن يحتمل أن
يكون قائله قيد ذلك بمن لم يجد غيره، ويكون معنى نفى الإجزاء عن غير من أذن له فى ذلك محمولا
على من وجد.اهـ
٧٢

٣- وأما حكم الأضحية
فقد قال النووى: اختلف العلماء فى وجوب الأضحية على الموسر، فقال جمهورهم: هى سنة فى
حقه، إن تركها بلا عذر لم يأثم، ولم يلزمه القضاء، وممن قال بهذا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب
وبلال وأبو مسعود البدرى وسعيد بن المسبب وعلقمة والأسود وعطاء ومالك وأحمد وأبو يوسف
وإسحاق وأبو ثور والمزنى وابن المنذر وداود وغيرهم.
وقال ريبعة والأوزاعى وأبو حنيفة والليث: هى واجبة على الموسر، وبه قال بعض المالكية، وقال
بعضهم: تجب بشرائها بنية الأضحية، وبالتزام اللسان، وبنية الذبح.
وقال النخعى: واجبة على الموسر، إلا الحاج بمنى.
وقال محمد بن الحسن: واجبة على المقيم بالأمصار.
والمشهور عن أبى حنيفة أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصابا. اهـ
قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عند الجمهور، ولا
خلاف فى كونها من شرائع الدين.
وهى عند الشافعية والجمهور سنة مؤكدة على الكفاية، وفى وجه للشافعية من فروض الكفاية.
وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه وعن محمد بن الحسن: هى سنة، غير مرخص فى تركها،
قال الطحاوى: وبه نأخذ، وليس فى الآثار ما يدل على وجوبها.
قال الحافظ ابن حجر: وأقرب ما يتمسك به للوجوب حديث أبى هريرة، رفعه ((من وجد سعة،
فلم يضح، فلا يقربن مصلانا)) أخرجه ابن ماجه وأحمد، ورجاله ثقات، لكن اختلف فى رفعه ووقفه،
والموقوف أشبه بالصواب، ومع ذلك فليس صريحا فى الإيجاب. ثم قال: وقد احتج من قال بالوجوب
بما أخرجه أحمد والأربعة بسند قوى عن مخنف بن سليم، رفعه ((على أهل كل بيت أضحية» ولا
حجة فيه، لأن الصيغة ليست صريحة فى الوجوب المطلق.
واستدلوا بالأمر بالإعادة لمن ذبح قبل الصلاة، فى رواياتنا، ورد بأنه لوكان الأمر بالإعادة
للوجوب لتعرض إلى قيمة الأولى، ليلزم بمثلها، فلما لم يعتبر ذلك دل على أن الأمر بالإعادة كان على
جهة الندب. ولا يقال: إن لفظ ((مكانها)) فى روايتنا الأولى والثانية والثالثة، يشير إلى المماثلة، فإنه
ليس نصا فى ذلك.
وقد يستدل لهم بحرص الصحابة عليها، وحرص الشارع عليها، حتى وزعها عليهم، وأمرهم بذبحها،
كما فى روايتنا الخامسة عشرة، وأجيب بأن ذلك دليل على تأكدها، وندبهم إليها، وإلا فقد تركها كثير
منهم، وقال ابن عمر: هى سنة ومعروف، وتعمد بعضهم تركها، وهو موسر، فقد روى عن أبى مسعود
الأنصارى أنه قال: إنى لأدع الأضحى، وأنا موسر، مخافة أن يرى جيرانى أنه حتم على، وروى عن
علقمة أنه قال: لأن لا أضحى أحب أن أراه حتما على. قال ابن بطال: وهكذا ينبغى للعالم الذى
٧٣

يقتدى به، إذا خشى من العامة أن يلتزموا السنن التزام الفرائض أن يتركها، لئلا يتأسى به، ولئلا
يختلط على الناس أمر دينهم، فلا يفرقوا بين فرضهم ونفلهم.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من قوله فى الرواية الثالثة ((صلى يوم أضحى، ثم خطب)) أن الخطبة للعيد بعد الصلاة، قال
النووى: وهو إجماع الناس اليوم.
٢- فى قوله فى الرواية الخامسة ((عندى عناق لبن، هى خير من شاتى لحم)) وإقرار النبى وقال له،
بقوله ((هى خير نسيكتيك)) إشارة إلى أن المقصود فى الضحايا طيب اللحم، لا كثرته، فشاة
نفيسة أفضل من شاتين غير سمينتين، قال النووى: وأجمع العلماء على استحباب سمينها
وطيبها.
٣- وفى الأحاديث أن المرجع فى الأحكام إنما هو النبى لل﴾.
٤- وأنه قد يخص بعض أمته بحكم، ويمنع غيره منه، ولو كان بغير عذر.
٥- وأن خطابه للواحد بعم جميع المكلفين، حتى يظهر دليل الخصوصية، قال الحافظ ابن حجر: لأن
السياق يشعر بأن قوله لأبى بردة: ((ضح به» أى بالجذع، ولو كان يفهم منه تخصيصه بذلك لما
احتاج إلى أن يقول له: ((ولن تجزى عن أحد بعدك)) قال: ويحتمل أن تكون فائدة ذلك قطع
إلحاق غيره به فى الحكم المذكور، لا أن ذلك مأخوذ من مجرد اللفظ.
٦- وفيه أن الإمام يعلم الناس فى خطبة العيد أحكام النحر.
٧- وفيه جواز الاكتفاء بالشاة الواحدة فى الأضحية، عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور، وعن
أبى حنيفة والثورى: يكره، وقال الخطابى: لا يجوز أن يضحى بشاة واحدة عن اثنين، وادعى نسخ
ما دل عليه الحديث.
٨- قال ابن أبى جمرة: وفيه أن العمل، وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع.
٩- ومن قوله ((إنما هو لحم قدمه لأهله)) جواز أكل اللحم يوم العيد، من غير لحم الأضحية.
١٠ - وفيه كرم الرب سبحانه وتعالى، لكونه شرع لعبيده الأضحية، مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل
والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر فى الذبح، ثم من تصدق أثيب، وإلا لم يأثم.
١١- وفى الرواية الحادية عشرة إجزاء الذكر فى الأضحية، وهو مجمع عليه.
١٢- وأن الأفضل أن يذبحها بنفسه، وهو مجمع عليه.
١٣ - وجواز التضحية بحيوانين.
١٤- واستحباب التضحية بالأقرن.
١٥- ومن الرواية الخامسة عشرة قسمة الإمام الأضاحى بين الناس، بنفسه، أو بأمره.
والله أعلم.
٧٤

(٥٤٦) باب استحباب ذبح الأضحية بنفسه والتسمية
والتكبير عند الذبح، والذبح بكل ما أنهر الدم ليس السن والظفر
٤٤٤٨ - ١٣ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٧) قَالَ: ضَحَّى النّبِيُّ ◌َ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَلَيْنِ. ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ.
وَسَمَّى وَكَبِّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا.
٤٤٤٩- شُ عَن أَنَسٍ ﴾(١٨) قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللّهِ ﴿َ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنٍ أَقْرَلَيْنٍ. قَالَ:
وَرَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ. وَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَّمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. قَالَ: وَسَمَّى وَكَبِّرَ.
٤٤٥٠ -- وفي رواية عَن أَنَسٍ﴿ه عَنِ النّبِيِّ :﴿أَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَيَقُولُ: «بِاسْمِ اللَّهِ
وَاللَّهُ أَكْبَرُ».
٤٤٥١ - ثَبٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٩) أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَكٌ، يَطَأُ فِي
سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأْتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ. فَقَالَ لَهَا يَا عَائِشَةُ: «هُلُمِّي
الْمُدَّةَ» ثُمَّ قَالَ «اشْحَدِهَا بِحَجَرٍ» فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ. ثُمَّ
قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِن مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضَحَّى بِهِ.
٤٤٥٢ - ٣٠ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ﴾(٢٠) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لأقُو الْعَدُوِّ غَدًا. وَلَيْسَتْ
مَعَنَا مُدّى، قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْجِلْ أَوْ أَرْنِي. مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ.
لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَسَأَحَدِّثُكَ. أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌّ. وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)) قَالَ: وَأَصَبْنًا
نَهْبَ إِيلٍ وَغَنَمٍ. فَنَدَ مِنْهَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِعَ: «إِنْ لِهَذِهِ
الإِيلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشٍ. فَإِذَا غَلَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكّذًا».
(١٧) حَدْثَّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَالَةَ عَنْ قَتَادَةً عَنِ آَنْسِ
(١٨) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَخْتِى أَخْبُوَنَا وَكِيعٌ عَنِ شُعْبَةً عَنِ قَّادَةَ عَنِ آَنْسِ
- وحَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ حَدَّقَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حَدْقَاً شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي قَتَادَةٌ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ ضِّحَى رَسُولُ
اللّهِ ﴾ِ بِمِثْلِهِ قَالَ قُلْتَّ الْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنْسٍ قَالَ نَعَمّ.
- حَدَّثْنَا مُحَمِّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدََّا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ عَنِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسِ
(١٩) حَدََّا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ حَدََّا عَبْدُ الََّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالْ حَيْوَةُ أَخْبُرَنِي أَبُوْ صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنٍ فُسَيْطٍ عَنْ عُرْوَةٌ بْنِ الزُّبَيْرِ
عَنِ عَائِشَةَ
(٢٠) حَدََّا مُحَمِّدُ بْنُ الْمُنِى الْعَزِيُّ حَدََّا يَخْتَى بْنُ سَعِيدٍ عَن سُفْيَانٌ حَدَّقَتِي أَبِي عَنْ عَبَايَةٌ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنٍ خَدِيجٍ عَن
رافع ابْنِ حَدِيجٍ
٧٥

٤٤٥٣ - ٢١ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ صَ﴾(٢١) قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ :﴿ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِن
◌ِهَامَةَ. فَأَصَبْهَا غَمًا وَإِيلًا. فَعَجِلَ الْقَوْمُ، فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ. فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا
مِنَ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ.
٤٤٥٤- ٣ ٣ عَن عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ عَن جَدِّهِ(٢٢) قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا
لأقُو الْعَدُوِّ غَدًا. وَلَيْسَ مَعَنًا مُدَى. قَتُذَكِّي بِالْلِيطِ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَقَالَ: فَتَدَّ عَلَيْنَا
بَعِيرٌ مِنْهَا. فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ حَتَّى وَهَصْنَاهُ.
٤٤٥٥ -- وفي رواية عَن سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ بِتَمَامِهِ. وَقَالَ
فِيهِ: وَلَيْسَتْ مَعَنًا مُدَى. أَقْتَذْبَحُ بِالْقَصّبِ؟.
٤٤٥٦ - ٣٣ عَن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﴾(٢٣) أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لاقُو الْعَدُوِّ غَدًا. وَلَيْسَ
مَعَنًا مُدِّى. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَلَمْ يَذْكُرْ فَعَجِلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ فَأَمَرّ بِهَا فَكُفِتْ.
وَذَكَّرَ سَائِرَ الْقِصَّةِ.
المعنى العام
كان صلى اللَّه عليه وسلم معلما وهاديا، بالفعل والقول، كان بشراء يأكل الطعام، ويمشى فى
الأسواق، كان فى بيته فى مهنة أهله، يقطع اللحم بنفسه، وبالاشتراك مع زوجه، كان يذبح ذبيحته
بنفسه، وبخاصة إذا كانت هديا، أو أضحية، فقد ذبح عددا كبيرا من الإبل والبقر بيده الشريفة، من
الهدى الذى ساقه إلى الحرم، فى حجة الوداع، وهو صلى الله عليه وسلم فى هذه الأحاديث يباشر
بنفسه ذبح الأضحية بكبشين، متكاملى الخلقة، أقرنين، أملحين، سمينين، حرص أن يكونا على
أحسن حال الغنم، من حيث طيب اللحم وكثرته، ومن حيث جمال المنظر، عملا بقوله تعالى ﴿لَنْ
تَنَّالُوا الْبِرَّحَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
إن الأضحية - وإن كان المقصود منها بالدرجة الأولى التوسعة على الأهل فى يوم العيد - هى
(٢١) وحَدَّثَّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْهُرَّنَا وَكِعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِهِ عَن عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ نْنٍ خَدِيجٍ
عن رائع بن حديجٍ
(٢٢) وَذَكّرَ بَانِيَ الْحَدِيْثِ كَنَحْرٍ حَدِيثٍ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ وَحَدََّا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثْنَا سُفْيَاهُ عِنِ إِسْمَعِيلَ بْنٍ مُسْلِمٍ عَن سَعِيدٍ بْنٍ
مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ ثُمَّ حَدَّثَبِيهِ عُمَّرُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ مَسَّرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَن عَبَايَةً
- وحَدَّثُِيهِ الْقَامِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ خَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ عَنْ زَائِدَةً عَن سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقِ
(٢٣) وحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَنٍ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدًَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَّةُ عَن سَعِيدٍ بْنٍ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةً بْنِ
رَافِعٍ عَنِ رَافِعٍ
٧٦

شعيرة من شعائر الإسلام، كهدى الحرم، الذى يقول اللَّه فيه ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ
فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُغْتَرَّ كَذَلِك
سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا
لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧،٣٦].
كان من السهل أن يأمر صلى اللّه عليه وسلم بعض أصحابه بأن يذبح له، وكم يكون مثل هذا الأمر
حبيبا إلى نفوس أصحابه، كان من السهل أن يريح نفسه من جهد الذبح، وأن يحمى بدنه وثيابه من
التعرض لدم الذبيحة، ولكنه صلى الله عليه وسلم يضرب المثل فى التواضع، وفى مباشرة أموره
بنفسه، وبخاصة إذا كان فيها جانب من جوانب الشرع، ليثاب على مباشرته، وليعلم أمته، لقد طلب
المدية من عائشة - رضى الله عنها- لتشاركه فى أجر الذبح، فلما جاءته بها قال لها: اشحذيها،
وحدديها، وسنيها بحجر، لتقطع سريعا، فتخفف على الدبيحة الذبح وآلامه، وجاء بالكبش، فأضجعه
على جانبه الأيسر، ووضع قدمه على صفحة عنقه، وأمسك السكين بيمينه، ورأس الكبش بشماله، ثم
سمى وكبر، وقال: اللَّهم تقبل منى، ثم ذبح.
ولقد كانت المدية - أو السكين - آلة الذبح، وكانت معروفة شائعة، لكن القوم على سفر كثير،
وعرضة لعدم تيسر السكين فى أسفارهم وغزواتهم، كما هم عرضة لأن يغنموا إبلا وغنما، وتدفعهم
الحاجة والجماعة إلى ذبحها، وما كانوا ليفعلوا شيئا إلا بعد أن يتبينوا حكمه الشرعي من رسول الله
*. فسأل سائلهم: يا رسول الله، إنا سنخرج معك غدا للغزو، وقد لا تتيسرلنا المدى، فبماذا نذبح غدا
إذا لم نجد السكين المعتاد؟ قال صلى الله عليه وسلم: اذبحوا بأى محدد، كل ما أنهر الدم، وجرح
الذبيحة فى حلقها، وقطع حلقومها ومريئها وأوداجها فهو يحل لحمها، حديدا كان كالسبف وسن
الرمح، أو حجرا، أو خشبا، أو زجاجا، أو قشر قصب، أو خزفا، أو نحاسا، لكن لا تذبحوا بالسن، لأنه
عظم، ولا تذبحوا بالظفر، لأن الحبشة الكافرين يخنقون بأظفارهم الحيوان.
وخرج بهم صلى اللّه عليه وسلم فى غزوة، وكان فى آخر القوم، حماية لهم، وراعيا لضعيفهم، وطال
بهم السفر، حتى نفد زادهم، وأصابتهم المجاعة، وغنمت مقدمة الجيش إبلا وغنما من الأعداء، فنزلوا
منزلا، وذبحوا منها، ووضعوها فى قدرهم، وأوقدوا عليها نيرانهم، ورأى رسول اللَّه :# نيرانهم وقدورهم،
فسألهم، فأخبروه، فغضب صلى الله عليه وسلم على فعلهم هذا، دون إذن منه، وهو معهم، فأمرهم
بإكفاء القدور، وطرح ما فيها من المرق واللحم الذى لم ينضج بعد، فاستجابوا فورا، وأكفئت القدور.
وساروا بما غنموا من الإبل والغنم، فشرد بعير ونفر نفور الوحش، وجروا خلفه، فلم يدركوه، وكان
الخيل معهم قليلا، حتى يمكنهم الإحاطة به ومحاصرته، فأدركه فارس بفرسه، فأرسل عليه سهما،
جرحه، وأعجزه، وأوقعه على الأرض، يجرى دمه، فمات، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: كلوه،
فالحيوان المستأنس إذا توحش شأنه شأن المتوحش، يحل أكله بجرحه حيث قدر عليه، فى أى
مكان من جسمه، وإذا حصل لكم مثل هذا مستقبلا، فافعلوا به مثل ما فعلتم اليوم، إن لهذه الإبل
صدمات تصبح بها متوحشة كالوحش الأصلى، وإن المستأنس من الحيوان قد يصاب فى مخه،
فيبدو وحشا، فعاملوها فى هذه الحالة معاملة الوحوش، فى صيدها، وحل لحمها.
٧٧

المباحث العربية
(ضحى النبى # بكبشين) أى ذبح أضحيتين فى المدينة بكبشين، والكبش فحل الضأن فى
أی سن کان.
(أملحين) قال ابن الأعرابى وغيره: الأملح هو الأبيض الخالص البياض، وقال الأصمعى: هو
الأبيض، يشوبه شيء من السواد، وقال أبو حاتم: هو الذى يخالط بياضه حمرة، وقال بعضهم: هو
الأسود، يعلوه حمرة، وقال الكسائى: هو الذى فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، وقال الخطابى: هو
الأبيض الذى فى خلل صوفه طبقات سود، وقال الداودى: هو المتغير الشعر بسواد وبياض، وفى كتب
اللغة: ملح الشىء بضم اللام، ملاحة، وهو مليح بهج وحسن منظره، فهو مليح، والمقصود بالأملح هنا
جميل الشعر حسنه، وأذواق الناس تختلف من حيث تناسق الألوان، وهذه التضحية غير التضحية
الواردة فى الرواية الثالثة، إذ فيها ((أمر بكبش أقرن، يطأ فى سواد، ويبرك فى سواد، وينظر فى سواد))
قال النووى: معناه أن قوائمه، وبطنه، وما حول عينيه أسود.اهـ يقال: وطئ الشىء، بكسر الطاء، يطؤه
بفتحها، وطئا داسه برجله، فالمعنى يدوس الأرض بأرجل سوداء، ويقال: برك البعير، بفتح الراء، وقع
على بركه، بسكون الراء، والبرك مقدم صدر البعير الذى يلى الأرض و ((فى)» هنا مرادفة للباء، أى يطأ
بسواد، ويبرك بسواد، وينظر بسواد.
(أقرنين) أى لكل منهما قرنان معتدلان حسنان.
(ذبحهما بيده) أى بنفسه، دون توكيل، بأن أخذ المدية فى يده، ومررها، وفى الرواية الثانية
«ورأيتە پذبحهما بيده».
(وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما) أى على صفاح كل منهما، عند ذبحه، والصفاح
بكسر الصاد وتخفيف الفاء، الجوانب، جمع صفح بسكون الفاء والمراد أنه صلى الله عليه وسلم وضع
رجله على صفحة العنق، ليكون أثبت له وأمكن، ولئلا تضطرب الذبيحة، فتمنعه من إكمال الذبح، أو
تؤذيه، ولما كان صلى الله عليه وسلم قد وضع رجله على صفحة واحدة من كل من الكبشين كان
الأصل أن يقول: ووضع رجله على صفحتيهما ليكون من إضافة المثنى إلى المثنى، المفيدة للتوزيع
والقسمة الآحادية، كما فى مقابلة الجمع بالجمع المقتضية للقسمة أحادا، كقولنا: أعطيت الطلاب
أقلاما، لكنه جمع المضاف إلى المثنى لكراهتهم اجتماع نثنيتين عند ظهور المراد، كما فى قوله
تعالى ﴿إِنْ تَتُوبًا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُّكُمًا﴾ [التحريم: ٤] والجمع فى مثل هذا أكثر استعمالا من
التثنية، ومن الإفراد، بل منع أبو حيان الإفراد إلا فى الشعر، كقوله: حمامة بطن الواديين ترنمی.
ووجهه بعضهم على مذهب من قال: إن أقل الجمع اثنان، فجعله من مقابلة الجمع
بالجمع، وهذا بعيد.
٧٨

(هلمى المدية) أى أحضرى المدية، و((هلم)) اسم فعل أمر، لا يتصرف، ويلزم حالة واحدة للمفرد
والمفردة والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث عند أهل الحجاز، وبنوتميم يلحقون به الضمائر، تأنيثا،
وتثنية وجمعا، فهوهنا على لغة تميم.
و)) المدية)) بضم الميم وسكون الدال السكين، وقد تكسر الميم، وقد تفتح.
(اشحذيها بحجر) بفتح الحاء، بعدها ذال، أى حدديها.
(ثم أخذها، وأخذ الكبش، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله. اللَّهم تقبل من
محمد وآل محمد ومن أمة محمد. ثم ضحى به) قال النووي: هذا الكلام فيه تقديم وتأخير،
وتقديره: فأضجعه، وأخذ فى ذبحه، قائلا: باسم الله، اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد وأمته، مضحيا
به، قال: ولفظه ((ثم)) هنا متأولة على ما ذكرته بلا شك. اهـ
والذى حمل النووى على هذا التأويل أن التسمية مشروعة عند بدء الذبح، وليست متراخية عنه،
و((ثم)) للترتيب والتراخى، فأشار إلى أن فى قوله ((ثم ذبحه)) مجاز المشارفة، كما فى قولنا: توضأ،
فغسل وجهه، ويديه وشعره وقدميه، أى أشرف على الوضوء، وأراد الوضوء، فغسل إلخ. وهنا: أشرف
على ذبحه وأراد ذبحه، ثم قال: باسم الله ..... إلخ، وكذلك قوله ((ثم ضحى به)) فجعله حالا، قيدا فى
العامل، وهو الأفعال السابقة، أى فعل كل ذلك على سبيل الأضحية، ويمكن أن تكون ((ثم)) للترتيب
والتراخى فى الذكر فقط، كقول الشاعر:
أنا من ساد ثم ساد أبوه ...
وأما ما جاء فى الرواية الأولى من عدم ترتيب الأفعال فلا يضر، لأن العطف فيه بالواو، وهى لا
تقتضى ترتيبا ولا تعقيبا ولا تراخيا.
(إنا لاقو العدوغدا وليست معنا مدى) اسم فاعل، من لقى بكسر القاف يلقى بفتحها، وهو
من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، و((غدا)» يراد به يوم بعد يومك، ليس شرطا أن يكون التالى،
ويحتمل أن يكون مراده أنهم إذا لقوا العدو صاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه، ويحتمل أن
يكون مراده أنهم سيحتاجون إلى ذبح ما يأكلونه، ليتقووا به على العدو، إذا لقوه، وكرهوا أن يذبحوا
بسيوفهم، لئلا يضر ذلك بحدها، فسأل عن الذى يجزئ فى الذبح.
(أعجل) بكسر الجيم وهمزة قطع، فعل أمر، أى أعجل ذبحها بكل ما ينهر الدم، لئلا تموت خذقا،
وعند البخارى ((اعجل)) بهمزة وصل وفتح الجيم.
(أو أرنى) شك من الراوى، هل قال: أعجل؟ أو قال ((أرن)). قال النووي: ((أرن)) بفتح الهمزة
وكسر الراء، وإسكان النون، وروى بإسكان الراء، وكسر النون، وروى ((أرني)) بإسكان الراء، وزيادة ياء،
وكذا وقع هنا فى أكثر النسخ،
٧٩

قال الخطابي: صوابه ((أأرن)) بهمزة مفتوحة بعدها همزة ساكنة مع كسر الراء، على وزن
((أعجل)) وهو بمعناه، وهو من النشاط والخفة، [لأن الذبح إذا كان بغير الحديد احتاج إلى خفة يد
صاحبه، وسرعة إمرارها، قبل أن تهلك]، وقد يكون ((أرن)) على وزن ((أطلع)) أى أهلكها ذبحا، من
((أران القوم)) إذا هلكت مواشيهم، قال: ويكون ((أرن)) على وزن ((أعط)) بمعنى أدم الحز والقطع، ولا
تفتر، من قولهم: «رنوت)) إذا أدمت النطر. قال القاضى عياض: وقد رد بعضهم على الخطابى قوله:
من ((أران القوم)) إذا هلكت مواشيهم، لأن هذا لا يتعدى، والمذكور فى الحديث متعد، على ما فسره،
ورد عليه أيضا قوله: إنه ((أأرن)) إذ لا نجتمع همزتان إحداهما ساكنة فى كلمة واحدة، وإنما يقال فى
هذا ((أيرن)» قال القاضى: وقال بعضهم: معنى ((أرني)) بالياء سيلان الدم. اهـ
(ما أنهر الدم، وذكر اسم الله، فكل) أى ما أسال الدم بكثرة، وجعله كالنهر يجرى فكل،
ورابط جملة الخبر بالمبتدأ محذوف، والتقدير ((فكله)) وفيه مضاف محذوف، أى فكل ذبيحته، و«ذكر
اسم اللَّه)) بضم الذال، مبنى للمجهول، والرابط محذوف أيضا، أى وذكر اسم الله عليه، ورواية أبى داود
((وذكر اسم اللَّه عليه))، والجملة حال بتقدير ((قد)) عند من يشترطها، أى مذكورا عليه اسم اللَّه.
قال القاضى: وذكر الخشبى فى شرح هذا الحديث ((ما أنهز)) بالزاى، والنهز بمعنى الدفع. قال:
وهذا غريب، والمشهور بالراء المهملة. كذا ذكره العلماء كافة.
قال بعض العلماء: والحكمة فى اشتراط الذبح، وإنهار الدم تمييز حلال اللحم والشحم من
حرامهما، وتنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها.
(ليس السن والظفر) أداة استثناء، و((السن)) منصوب على الاستثناء مما أنهر الدم، كأنه قال:
ما أنهر الدم إلا السن والظفر، أو خلا السن والظفر فكل ذبيحته، والسن والظفر مطلقان، فهل هما على
إطلاقهما؟ وعلى عمومهما؟ يشملان سن وظفر الآدمى وغيره؟ الطاهر والنجس؟ المتصل والمنفصل؟
أو لا؟ وهل يلحق بهما سائر العظام؟ أم لا؟ خلاف فقهى سيأتى.
(وسأحدثك) أى عن سبب استثناء السن والظفر.
(أما السن فعظم) قال النووى: معناه فلا تذبحوا به، فإنه يتنجس بالدم، وقد نهيتم عن
الاستنجاء بالعظام لئلا تتنجس، لكونها زاد إخوانكم من الجن.اهـ وفى هذا التوجبه نظر، فقد يمكن
تطهيرها بعد الذبح بها، ولهذا قال ابن الصلاح: ولم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم
معنى يعقل. اهـ
(وأما الظفر فمدى الحبشة) قال: معناه أنهم كفار، وقد نهيتم عن التشبه بالكفار، وهذا شعار
لهم. اهـ وفيه نظر أيضا، لأنه لوكان كذلك لامتنع الذبح بالسكين وسائر ما يذبح به الكفار.
(وأصبنا نهب إبل وغنم) يقال: نهب الشىء ينهبه، بفتح الهاء فيهما، أخذه قهرا، والنهب
بسكون الهاء المنهوب، والمعنى أخذنا قهرا وغنيمة إبلا وغنما من أعدائنا فى حرب وغارة عليهم، وفى
رواية البخارى ((وتقدم سرعان الناس فأصابوا من المغانم)).
٨٠