النص المفهرس

صفحات 601-620

تبارك وتعالى رفبق، يحب الرفق، ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم
هذه الدواب العجم، فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جدية فانجوا عليها بنقيها)»، أى
اطلبوا السرعة من ذلك الأرض بسرعة السير علبها، مادامت الإبل بنقيها وشحمها.
(وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق) قال أهل اللغة: التعريس النزول فى أواخر الليل،
للنوم والراحة. هذا قول الخليل والأكثرين، وقال بعضهم: هو النزول، أى وقت كان، من ليل أو نهار،
ويقال: أعرس المسافرون، وعرسوا بتشديد الراء، إذا نزلوا للراحة آخر الليل، وهو المراد هنا.
(فإنها مأوى الهوام بالليل) الهوام بتشديد الميم جمع هامة، وهى كل ذى سم يقتل سمه،
وتطلق على الدابة، أى لا تضربوا خيامكم فى آخر الليل على الطريق، لأن الحشرات ودواب الأرض من
ذوات السموم والسباع تمشى فى الليل على الطرق، لسهولتها، ولتلتقط منها ما يسقط من المسافرين
من مأكول ونحوه، وما تجد فيها من رمة وبقايا لحم، فإذا عرس الإنسان فى الطريق ربما مربه منها
ما يؤذيه، فينبغى أن يتباعد فى نزوله عن الطريق، وفى رواية أبى داود ((وإذا أردتم التعريس فتنكبوا
عن الطريق)) أى اجتنبوه، يقال: نكب عنه بفتح النون والكاف ينكب بضم الكاف نكبا بسكونها إذا
مال عنه واعتزله، وتنكب فلان فلانا، إذا أعطاه منكبه وأعرض عنه.
(السفر قطعة من العذاب) أى جزء منه، والمراد من العذاب الألم الناشئ عن المشقة.
(يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه) أى يمنعه كما لها ولذيذها، لا أصلها، فعند الطبرانى
((لا يهنأ أحدكم بنومه ولا طعامه ولا شرابه))، والجملة تعليل لما قبلها، أى استئناف تعليلى، كأنها
جواب عن سؤال بلفظ ((لم))؟ وقد جاء بصيغة التعليل فى رواية سعيد المقبرى، ولفطها ((السفر قطعة
من العذاب، لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه)) وعند ابن عدى ((وأنه لبس له دواء إلا سرعة
السير)). وذلك لما فى السفر من المشقة والتعب، ومقاساة الحر والبرد والسير بالليل، والخوف على
الأموال والأهل، ومفارقة الوطن والأصحاب، ومألوف الراحة.
(فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله) ((نهمته)) بفتح النون وسكون
الهاء، أى حاجته ((من وجهه)) أى من مقصده، وعند ابن عدى ((إذا قضى أحدكم وطره من سفره)» وفى
رواية ((فإذا فرغ أحدكم من حاجته)) وفى رواية ((فليعجل الرجوع إلى أهله)) وفى رواية ((فليعجل الكرة
إلى أهله)) وفى رواية ((فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه أعظم لأجره)) والمقصود نعجيل الرجوع إلى
الأهل بعد قضاء الشغل، ولا يتأخر بما ليس له بمهم.
(كان لا يطرق أهله ليلا) أى فى الليل.
(وكان يأتيهم غدوة أو عشية) أى أول النهار، أو آخره، أوائل الليل، والعشى والعشية من الزوال
إلى المغرب، أو من صلاة المغرب إلى العتمة، ولهذا فسر قوله فى الرواية الخامسة ((أمهلوا حتى
ندخل ليلا» بقوله: أى عشاء. قال أهل اللغة: الطروق بضم الطاء المجىء بالليل من سفر أو غيره على
٦٠١

غفلة، ويقال لكل آت بالليل طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازا، وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق
الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق، لأن المارة ندقها بأرجلها، وسمى الآتى بالليل طارقا، لأنه
يحتاج غالبا إلى دق الباب، وقيل: أصل الطروق السكون، ومنه أطرق رأسه، فلما كان الليل يسكن فيه
سمى الآتى فيه طارقا، وأيا كان أصل الطروق فالمراد به هنا الدخول على الأهل بغتة على غفلة بعد
غيبة، ففى الرواية السابعة نهى رسول اللّه وَ ﴿ ((إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتى أهله طروقا)) قال
الحافظ ابن حجر: والتقييد بطول الغيبة يشير إلى علة النهى، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما،
فلما كان الذى يخرج لحاجته مثلا نهارا، ويرجع ليلا، لا يتأتى له ما يحذر، من الذى يطيل الغبية،
كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذى يهجم بعد طول الغيبة غالبا ما يكره، إما أن يجد
أهله على غير أهبه، من التنظف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وإما
أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع يحرص على الستر، وإلى ذلك أشار بقوله ((يتخونهم ويتطلب
عثراتهم)) فعلى هذا من أعلم أهله بوصوله، وأنه يقدم فى وقت كذا، مثلا، لا يتناوله هذا النهى، وقد
صرح بذلك ابن خزيمة فى صحيحة، ثم ساق حديث ابن عمر، قال: قدم النبى 88 من غزوة، فقال: ((لا
تطرقوا النساء، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون)).
وضمير الجمع فى ((كان يأتيهم)) للأهل، وكان حقه أن يقول ((كان يأنيهن)) ولعله غلب
عليهن جماعة الذكور، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
(كى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة) يقال: مشط الشعر بفتح الشبن، يمشط بضمها، إذا
رجله، ويقال: مشطت الماشطة المرأة إذا سرحت شعرها بالمشط، وامتشطت المرأة، أى مشطت
شعرها، و((الشعثة)) بفتح الشين وكسر العين وفتح الثاء التى تغير شعرها واتسخ وتلبد، والاستحداد
استفعال، من استعمال الحديدة، وهى الموسى، أى الحلق بآلة حادة، و((المغيبة)) بضم الميم وكسر
الغين التى غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة إذا غاب عنها زوجها، فهى مغيب ومغيبة، والمراد
أن تزيل المرأة التى غاب عنها زوجها شعر سوأتيها بأية طريقة، استعدادا لزوجها.
(يتخونهم أو يلتمس عثراتهم) أى يكتشف هل خانوا؟ أم لا؟ شكا فيهم، أو ظنا سيئا بهم،
وفى رواية ((أو يطلب عثرانهم)) والعثرات بفتح العين والثاء جمع عترة، وهى الزلة، وعند أحمد ((لا
تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)).
وكان الظاهر أن يقول ((يتخونهن، أو يلتمس عثراتهن)» بضمير غيبة جماعة الإناث، لكن الوارد
فى الصحيح بضمير جمع الذكور الغائبين، وله توجيهه، لكن قال ابن التين: الصواب بالنون فيهما.
وهذه الجملة مختلف فى رفعها، قيل: مدرجة، وقيل مرفوعة، لذا شك سفيان فى رفعها، كما جاء
فى ملحق الرواية الثامنة.
٦٠٢

فقه الحديث
فى هذه الأحاديث جملة من آداب السفر، وهى:
١- استحباب تعجيل الرجوع إلى الأهل، بعد قضاء المصلحة، فالسفر غالبا فيه مشقة وخشونة
عيش، ومقاساة شدائد، وبعد عن الأهل والمال والأوطان.
وقد ذكر البخارى حديث ((السفر قطعة من العذاب)) فى أواخر أبواب الحج والعمرة، قال ابن
المنير: أشار البخارى بذلك إلى أن الإقامة فى الأهل أفضل من المجاهدة. قال الحافظ ابن حجر:
وفيه نظر لا يخفى، لكن يحتمل أن يكون البخارى أشار بإيراده فى الحج إلى حديث عائشة،
بلفظ ((إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله )».
قال الحافظ: وفى الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، لما فى الإقامة فى الأهل من
الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما فى الإقامة من تحصيل الجماعات، والقوة على
العبادة.
قال ابن بطال: ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعا «سافروا تصحوا)» فإنه لا
يلزم من الصحة بالسفرلما فيه من الرياضة، أن لا يكون قطعة من العذاب، لما فيه من المشقة،
فصار كالدواء المر، المعقب للصحة، وإن كان فى تناوله الكراهة.
واستنبط منه الخطابى تغريب الزانى، لأنه قد أمر بتعذيبه، والسفر من جملة العذاب. قال
الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه.
٢- وفى الرواية الأولى والثانية جملة من آداب السير والنزول، والحث على الرفق بالدواب، ومراعاة
مصلحتها، وفى معنى ذلك السيارات ونحوها.
٣- وفى الرواية الرابعة وما بعدها أنه يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلا بغتة، لتتأهب له،
ولئلا يرى منها ما يكره، وفى ذلك الحث على التواد والتحاب، خصوصا بين الزوجين، لأن الشارع
راعى ذلك بين الزوجين، مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد
منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شىء فى الغالب، ومع ذلك نهى عن الطروق ليلا، لئلا يطلع
على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك فى غير الزوجين بطريق الأولى.
قال الحافظ: ويؤخذ منه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة ليس داخلا فى النهى عن
تغيير الخلقة.
قال: وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب ظن السوء بالمسلم.
والله أعلم
٦٠٣

كتاب الصيد والذبائح
٥٣٨ - باب الصيد بالكلاب المعلّمة.
٦٠٥

(٥٣٨) باب الصيد بالكلاب المعلَّمة
٤٣٥٦ - ١ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ رِ(١) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرْسِلُ الْكِلابَ الْمُعَلَّمَةَ،
فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهِ، فَكُلْ)). قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ. مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌّ لَيْسَ مَعَهَا». قُلْتُ لَهُ:
فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ. فَقَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ، فَخَزَقَ، فَكُلْهُ. وَإِنْ
أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْهُ».
٤٣٥٧ - ٣ عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ ظ﴾(٢) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ
الْكِلابِ. فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ
عَلَيْكَ وَإِنْ قَلْنَ، إِلا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ. فَإِنْ أَكَلَ، فَلا تَأْكُلْ. فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ
عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِن غَيْرِهَا، فَلا تَأْكُلٌ».
٤٣٥٨- ٣ عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَظ﴾(٣) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِّ عَنِ الْمِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: «إِذَا
أَصَابَ بِحَدِّهِ، فَكُلْ. وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيدٌ فَلا تَأْكُلْ». وَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّ
عَنِ الْكَلَّبِ؟ فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ. فَإِن أَكَّلَ مِنْهُ، فَلا تَأْكُلْ،
فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ». قُلْتُ فَإِنْ وَجَدْتُ مَعَ كَلْبِي كَلْبَا آخَرَ، فَلا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ؟
قَالَ: «فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ».
٤٣٥٩- ١٤ِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَ﴾(٤) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِمَّعَنِ صَيْدٍ
الْمِعْرَاضِ؟ فَقَالَ مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ، فَكُلْهُ. وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَهُوَ وَقِيذٌ». وَسَأَلْتُهُ
عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ؟ فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَكُلْهُ. فَإِنَّ ذَكَتَهُ أَخْذُهُ.
(١) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَن مَنْصُورٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ
(٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ بَيّانِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ
(٣) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنَ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّتَنَا أَبِيَ حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ
- وحَدََّا يَحْتَى بْنُ أَيُّوبَ حَدْثًَا ابْنُ عُلَيَّةً قَالَ وَأَخْبُرَنِي شُعْبَةُ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بَّنٍ أَبِي السَّفَرِ قَالَ سَمِعْتُ الشَّغِيَّ يَقُولٌ سَمِعْتُ
عَدِيَّ بْنِ حَاتِمٍ يَقُولُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ل ◌َنِ الْمِعْرَاضِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
- وحَدَّثَنِي أَبُوْ بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ حَدَثَا غُنْدَّرِّ حَدَّثَنَا شَعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ وَعَنْ نَاسٍ ذَكَرَ شُعْبَةُ عَنِ الشَّغِيِّ
قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بَّنَ حَاتِمٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ عَنِ الْمِعْرَاضِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
(٤) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثََّا زَكّرِيَّاءُ عَنِ عَامِرٍ عَنَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ
- وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بَّنْ يُونُسَ حَدَّثْنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُّ أَبِي زَائِدَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٦٠٧

فَإِنْ وَجَدْتَ عِنْدَهُ كَلْبًا آخَرَ، فَخَشِيْتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلّهُ، فَلا تَأْكُلْ،
إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ».
٤٣٦٠-٥ْ عَنِ الشَّعْبِيِّ(٥) قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمِ - وَكَانَ لَنَا جَارًا وَدَخِيلا وَرَبِطًا
بِالنَّهْرَيْنِ - أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَ كَلْبِي كَلْبًا قَدْ أَخَذَ، لا أَدْرِي أَيُّهُمَا
أَخَذَ. قَالَ: «فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ».
٤٣٦١ - ٦ عَنِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ◌َُ(٦) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ،
فَاذْكُرِ اسْمَ. اللَّهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا، فَاذْبَحْهُ. وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ،
فَكُلْهُ. وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًّا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ. وَإِنْ
رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلا أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ
شِئْتَ. وَإِنْ وَجَدَّتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ، فَلا تَأْكُلْ».
٤٣٦٢- ٣ عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ حَقِّ(٧) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ْ عَنِ الصَّيْدِ؟ قَالَ: «إِذَا
رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ. فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ، فَكُلْ، إِلا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ،
فَإِنَّكَ لا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ».
٤٣٦٣ - ٨ُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةُ الْخُشَبِيِّ ◌َه(٨) قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ. وَأَرْضٍ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكُلْبِي
الْمُعَلَّمِ أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ. فَأَخْبِرْنِي مَا الْذِي يَحِلُّ لَنَا مِن ذَلِكَ. قَالَ: «أَمَّا مَا
ذَكَرْتَ أَنْكُمْ بِأَرْضٍ قَوْمٍ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا
تَأْكُلُوا فِيهَا. وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا
أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرٍ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ. وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلِّمٍ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ:
وَمَا أَصَبْتَ بِكُلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ».
(٥) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ
- وحَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَّا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ الشَّعْبِيُّ عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ
النَّبِيِّ ◌َ مِثْلَ ذَلِكَ.
(٦) حَدَّقْبِي الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ السَّكُونِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ
(٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَّنَا عَاصِمٌ عَنِّ الشَّعْبِيِّ عَنِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ
(٨) حَدَّثَّا هَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنٍ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ سَمِعْتَّ رَبِعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَبُو إِذْرِيسَ
عَائِذُ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ
٦٠٨

٤٣٦٤ - - وفي رواية عَن خَيْوَةً(٦) بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ
ابْنِ وَهْبٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَيْدَ الْقَوْسِ.
٤٣٦٥ - ١° عَن أَبِي ثَعْلَبَةَ وَ﴾(٤) عَنِ النّبِيِّ ﴿ قَالَ: «إِذَا رَمَّيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ
فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ».
٤٣٦٦- ١٦ عَن أَبِي تَعْلَبَةَ ◌َُ(١٠) عَنِ النَّبِيِّ﴿ِ، فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلاثٍ فَكُلْهُ مَا
لَمْ يُنْتِنْ.
٤٣٦٧ - لإوفي رواية عَن أَبِي ثَغْلَبَةَ الْخُشَهِيِّ ◌َُّ(١١) بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ
نْتُونَتَهُ وَقَالَ فِي الْكَلْبِ: كُلَّهُ بَعْدَ ثَلاثٍ إِلا أَدْ يُنْتِنَ فَدَعْهُ.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] وكانت للعرب مع الأنعام عادة وهمية خيالية، فكانوا يشقون أذن
الناقة التى أبطنت خمسة أبطن، ويخلونها بلا راع، ويوهب لبنها للطواغيت، فلا يحتلبها
أحد من الناس، ولا يركب ظهرها، ولا يجزوبرها، ويطلقون عليها بحيرة، وكانوا يسيبون
الناقة المنذورة فى الخلاء، ويسمونها سائبة، وكانوا يسيبون الفحل من الإبل فى الصحراء،
ويجعلون عليه ريش الطواويس، ويطلقون علبه الحامى، وكانوا يطلقون الشاة إذا ولدت
سبعة أبطن، فلا نذبح، ويجعلون لحمها حراماً على النساء، فأنزل الله تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ
مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ
لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] والأنعام الإبل والبقر والغنم الشاة والماعز، ومن كل ذكر وأنثى،
فهى ثمانية أزواج، وحرم اللَّه على اليهود كل ذى ظفر، كالإبل والنعام والأوز والبط، أى ما
ليس منفرج الأصابع، وحرم عليهم من البقر والغنم شحومهما، جزاء لبغيهم، وأحل اللّه
للمسلمين الأنعام، واستثنى بعضها بقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَّا
(٢) وحَدِقَتِي أَبُوِ الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ حٍ وَحَدَّثَنِيٍ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّتْنَا الْمُقْرِئُ كِلاهُمَا عَنِ حَيْوَةً
(٩) حَدَّتْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَمَّاذُ بْنُ خَالِدِ الْخَيَّطُ عَنْ مُعَاوِيَّةَ بْنِ صَالِحٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَن
أَبِيهِ عَنِ أَبِي ثَعْلَبَةً
(١٠) وَحَدَِّيٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ حَدْثَنَا مَعْنُ بْنْ عِيسَى حَدَِّي مُعَاوِيَةُ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِهِ عَن
أَبِي ثَعْلَبَةٌ
(١١) وَحَدَِّي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَّةَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَن مَكْحُولٍ عَنِ أَبِي ثَعْلَةَ الْخُشْسِيِّ
عَنِ النّبِّ ◌َ حَدِيثَهُ فِي اْلِصِّيْدِ ثُمْ قَالَ ابْنْ خّاتِمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٌّ عَنَ مُعَاوِيَّةً عَنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبْرٍ وَأَبِي الرَّاهِرِيَّةِ عَنْ
جُبِيِّرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةً
٦٠٩

أُهِلَّلِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ أى التى تموت خنقا ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ التى تموت بضرب منقل
كالحجر والعصا والحديد ﴿وَالْمُتَرَدِّيَّةُ﴾ التى تتردى من علو إلى أسفل فتموت ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾
التى تموت بنطح دون أن تذكى ﴿وَمَا أَكَلِ السَّبُعُ﴾ أى بقايا ما أكله الأسد والنمر والذئب
وغيرها ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أى إلا ما أدركتموه حيا، فذبحتموه ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾
[المائدة: ٣] أى ما ذبح عند الأصنام، وأهل به لغير الله. وأنزل جل شأنه ﴿قُلْ لا أَجدُ فِي مَا
أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمِ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خَنْزِيرٍ فَإِنَّهُ
رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ولما كانت الحبوانات مستأنسَةً وغَير
مستأنسة شرعت الذكاة والذبح للمستأنسة المقدور على ذبحها، وشرع الصيد لغير
المستأنس، وأنزل اللَّه تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِن
الْجَوَارِحِ مُكَلِّبينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤] وأخذ الصائدون يستفسرون عن حل ما
يعملون، وعلى رأسهم عدى بن حاتم الطائى، سأل رسول الله : عن صيد الكلب، فأرشده
إلى شرط أن يكون معلما وأن يرسله صاحبه ويسمى على الصيد، وأن لا يأكل الكلب من
الصيد، فإن أكل منه لم يحل الصيد، فإن شارك كلبه كلب آخر لم يعرف أنه معلم وأنه
مرسل من أهل الذكاة لم يحل الصيد إن قتله، فإن أدرك حيا وذكى حل. سأله عن صيد
المعرض وهو خشبة مدبب طرفاها، غليظ وسطها تقذف على الصيد، فتصيبه، فتقتله،
وأجيب بأن هذه الخشية لو أصابت بالطرف المدبب ونفذ الطرف فى جسم الصيد، فقتله،
فهو حلال، فإن كان القتل بالعرض وبالجزء الغليظ فالقتل بمثقل، لا يحل، سأله عن رمی
القوس، وعن قتل السهم، فأجيب بأنه إذا ذكر اسم الله عند إطلاقه فهو حلال، فإن غاب
الصيد بعد ضربه بالسهم، ووجده مقتولا بعد يوم أو يومين أو أكثر وفيه أثر سهمه حل، فإن
وجده غريقا، ولم يعلم أقتل بالسهم أم بالغرق لم يحل، ويسأل الأسئلة نفسها أبو ثعلبة
الخشنى، ويجاب بالإجابة نفسها، ويزيد سؤالا عن استعمال المسلمين لأوانى أهل الكتاب،
ويجاب بأن لا يأكل فيها المسلم إذا وجد غيرها، فإن لم يجد غبرها غسلها وأكل فيها.
المباحث العربية
(الصيد والذبائح) الصيد مصدر صاد يصيد، فهو صائد، وذلك مصيد، وقد يطلق الصيد على
المصيد، تسمية بالمصدر، ومنه قوله تعالى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] والذبائح جمع
ذبيحة، بمعنى مذبوحة.
(عدى بن حاتم) بن عبد الله بن سعد الطائى، الجواد ابن الجواد، أسلم سنة الفتح، وثبت هو
وقومه على الإسلام، نزل الكوفة، وشهد الفتوح بالعراق، ثم كان مع على بن أبى طالب، ومات بالكوفة
سنة ثمان وستين، وهو ابن عشرين ومائة سنة.
٦١٠

(إنى أرسل الكلاب المعلمة) أى أرسلها نحو الصيد، وأحرضها عليه، والمراد بالمعلمة التى
إذا أغراها صاحبها على الصيد طلبته، وإذا زجرها انزجرت، وإذا أخذت الصيد حبسته على صاحبها،
وفى هذا الوصف الثالث خلاف بين الفقهاء، واختلف متى يعلم ذلك منها، فقيل: أقله ثلاث مرات،
وعن أبى حنيفة وأحمد يكفى مرتين، والجمهور على عدم تحديد المرات، لاختلاف العرف، واختلاف
طباع الكلاب وذكائها.
وفى الرواية الثانية ((إنا قوم نصيد بهذه الكلاب)) أى المعلمة.
(وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن) جواب الشرط فيهما محذوف للعلم به.
(ما لم يشركها كلب ليس معها) قال النووي: المراد كلب آخر استرسل بنفسه، أو أرسله من
ليس من أهل الذكاة، أو شككنا فى ذلك. اهـ وفى الرواية الثانية)) وإن خالطها كلاب من غيرها فلا
تأكل)) لأنك لا تدرى. أهى مرسلة من أهل الدكاة؟ أم لا؟ وفى الرواية الثالثة ((فإن وجدت مع كلبى
كلبا آخر، فلا أدرى أيهما أخذه؟ قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك)) وأرسلته ((ولم تسم على
غيره)» ولم ترسله، ولم تعلم حاله. وفى الرواية الرابعة ((فإن وجدت عنده كلبا آخر، فخشيت أن يكون
أخذه معه، وقد قتله، فلا تأكل)).
(فإنى أرمى بالمعراض الصيد) ((المعراض)) بكسر الميم وسكون العين، قال النووى: هى
خشبة ثقيلة، أو عصا فى طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح فى تفسيره، وقال
الهروى: هوسهم لا ريش له ولا نصل، وقال ابن دريد: هوسهم طويل، له أربع قذذ رقاق - القذة بضم
القاف وتشديد الذال ريش كريش الطائر يركب فى السهم - فإذا رمى به اعترض، وقيل: هو عود رقيق
الطرفين، غليظ الوسط، إذا رمى به ذهب مستويا.
(إذا رميت بالمعراض فخزق فكله) ((خزق)) بفتح الخاء والزاى، بعدها قاف،
ومعناه نفذ، وقد تبدل الزاى سينا، وقيل: معناه خدش، ولم يثبت فى الصيد، أى إذا أصاب
المعراض الصيد بحده حل.
(وإن أصابه بعرضه فلا تأكله) ((عرضه)) بفتح العين وسكون الراء، أى وسطه غير الطرف
المحدد، وفى الرواية الثالثة ((إذا أصاب بحده)) أى طرفه المدبب ((فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتل))
المعراض الصيد ((فإنه وقيد، فلا تأكل)) والوقيذ بمعنى موقود، وهو الذى يقتل بغير محدد، من عصا أو
حجر أو غيرهما، وأصل الوقد الكسر والرض، والتقييد فى هذه الرواية بقوله ((فقتل)) احتراز من إدراكه
حيا فيذكى.
(فكل مما أمسكن عليك، وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإنى
أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) يقول اللَّه تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أى وإن
٦١١

كانت معلمة، وفى الرواية الثالثة ((فإن أكل منه فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه)) وسيأتى
الخلاف فى ذلك فى فقه الحديث.
(فإن ذكاته أخذه) وفى رواية البخارى ((فإن أخذ الكلب ذكاة)) أى حكمه حكم التذكية، فيحل
أكله، كما يحل أكل المذكاة.
(وكان لنا جارا ودخيلا وربيطا بالنهرين) قال أهل اللغة: الدخيل والدخال الذى يداخل
الإنسان ويخالطه فى أموره، والربيط هنا بمعنى الرابط، وهو الملازم، والرباط هنا الملازمة، قالوا:
والمراد هنا أنه ربط نفسه على العبادة، وعلى الزهد فى الدنيا.
(عن أبى ثعلبة الخشنى) اختلف فى اسمه، فقيل: جرثوم، وهو قول الأكثر، وقيل: جرهم،
وقيل: جرثم، وقيل: جرثومة، وقيل: غرنوق، وقيل: ناشر، وقيل: لاثر، واختلف فى اسم أبيه، فقيل:
عمرو، وقيل: ناشب، وقيل: ناسب، وقيل: لاشن، وقيل: حمير، وتجمع من اسمه واسم أبيه بالتركيب
أقوال كثيرة جدا، وكان إسلامه قبل خيبر، وشهد بيعة الرضوان ونوجه إلى قومه، فأسلموا.
(إنا بأرض قوم من أهل الكتاب) يعنى بالشام، وكان جماعة من قبائل العرب قد سكنوا
الشام، وتنصروا، منهم آل غسان، وتنوخ، وبهز، وبطون من قضاعة، منهم بنوخشين، آل أبي ثعلبة.
(نأكل فى آنيتهم؟) بحذف همزة الاستفهام، وهى مذكورة فى رواية البخارى، والآنية جمع
إناء، والأوانى جمع آنية، قال النووى: والمراد بالآنية فى حديث أبى ثعلبة آنية من يطبخ فيها لحم
الخنزير، ويشرب فيها الخمر، كما وقع التصريح به فى رواية أبى داود ((إنا نجاور أهل الكتاب، وهم
يطبخون فى قدورهم الخنزير، ويشربون فى آنيتهم الخمر)».
(فكله ما لم ينتن) قال أهل اللغة: نتن بفتح النون والتاء، ينتن بكسر التاء، نتنا بسكونها،
خبثت رائحته، فهو نتن بفتح النون وكسر التاء، ويقال: نتن بفتح النون وضم التاء، ينتن بضم التاء،
نتنا بسكونها، ونتانة، ويقال: أنتن ينتن بمعنى نتن، فهو منتن وعليه روايتنا، ويقال: نتن بتشديد
التاء بمعنى نتن، ويتعدى فيقال نتن الشيء جعله منتنا.
فقه الحديث
تنحصر نقاط الحديث فى أربع:
١- صيد الكلب، وما يلحق به من الجوارح.
٢- صيد المعراض والسهام، وما يلحق بها من البندقية ونحوها.
٣- آنية أهل الكتاب.
٤- مستخرجات على هذه النقاط.
٦١٢

وهذا هو التفصيل:
١- أما صيد الكلب فيه مسائل
الأولى: أن يكون معلما، فإن أرسل كلبا غير معلم لم يحل ما قتله. قال النووي: وهذا مجمع عليه،
وذكر الكلب مطلقا يتناول أى لون كان، أبيض أو أسود أو أحمر، فيجوز بأى لون كان، ففيه حجة على
أحمد وإسحق، حيث قالا: لا يحل الصيد بالكلب الأسود، لأنه شيطان.
الثانية: أن يرسله من هو أهل للتذكية، قال النووى: لو استرسل المعلم بلا إرسال فلا يحل ما قتله
عندنا وعند العلماء كافة، إلا ما حكى عن الأصم من إباحته، وإلا ما حكاه ابن المنذر عن عطاء
والأوزاعى، أنه يحل إن كان صاحبه أخرجه للاصطياد.
وظاهر قوله فى الرواية الأولى))إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل» اشتراط
تسمية المرسل على الصيد، وكذا فى الروايات الأخرى ((فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره))
قال النووى: فى هذا الأمر بالتسمية على إرسال الصيد، وقد أجمع المسلمون على التسمية عند
الإرسال على الصبد، وعند الذبح والنحر، واختلفوا فى أن ذلك واجب أم سنة؟ فمذهب الشافعى
وطائفة أنها سنة، فلو تركها سهوا أو عمدا حل الصيد والذبيحة، وهى رواية عن مالك وأحمد، وقال
أهل الظاهر: إن تركها عمدا أو سهوا لم يحل، وهو الصحيح عن أحمد فى صيد الجوارح، وهو مروى عن
ابن سيرين وأبى ثور، واستدلوا بجعلها شرطا فى حديث عدى، ولإيقاف الإذن فى الأكل عليها، فى
حديث أبى ثعلبة، والمعلق بالوصف ينتفى عند انتفائه عند من يقول بالمفهوم، ويتأكد القول
بالوجوب بأن الأصل تحريم الميتة، وما أذن فيه منها تراعى صفته. فالمسمى عليها وافق الوصف،
وغير المسمى عليها باق على التحريم، وقال أبو حنيفة ومالك والثورى وجماهير العلماء: إن تركها
سهوا حلت الذبيحة والصيد، وإن تركها عمداً فلا، وعلى مذهب أصحابنا: يكره نركها، وقيل: لا كراهة،
بل هو خلاف الأولى، والصحيح الكراهة.
قال: واحتج من أوجبها بقوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْاسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾
[الأنعام: ١٢١] وبهذه الأحاديث، واحتج أصحابنا بقوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اَلْمَيْتَةُ .... ﴾
إلى قوله ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فأباح بالتذكية من غير اشتراط التسمية ولا وجوبها،
فإن قيل: التذكية لا تكون إلا بالتسمية. قلنا: هى فى اللغة الشق والفتح. وبقوله تعالى
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥] وهم لا يسمون، وبحديث عائشة ((أنهم
قالوا: يا رسول الله، إن قوما حديث عهدهم بالجاهلية، يأتوننا بلحمان، لا ندرى أذكروا اسم
اللَّه؟ أم لم يذكروا؟ أفنأكل منها؟ فقال رسول اللَّه لم﴿: سموا وكلوا)) رواه البخارى، فهذه
التسمية هى المأمور بها عند أكل كل طعام، وشرب كل شراب، وأجابوا عن قوله تعالى ﴿وَلا
تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْاسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أن المراد ما ذبح للأصنام، كما قال تعالى فى الآية
الأخرى ﴿وَمَا ذُبحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ و﴿مَا أُهِلَّ بهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أى ما ذبح على اسم غير اللّه من
صنم أووثن أو طاغوت أو غير ذلك من سائر المخلوقات، ولأن اللَّه تعالى قال ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾
٦١٣

وقد أجمع المسلمون على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، فوجب حملها على ما
ذكرناه، ليجمع بينها وبين الآيات السابقات وحديث عائشة، وحملها بعض أصحابنا على
كراهة التنزيه، وأجابوا عن الأحاديث فى التسمية أنها للاستحباب.
الثالثة: إذا أكل الكلب من الصيد. قال النووي: اختلف العلماء فيه، فقال الشافعى فى أصح
قوليه: إن قتلته الجارحة المعلمة من الكلاب والسباع، وأكلت منه فهو حرام، وبه قال أكثر العلماء،
منهم ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والشعبى والنخعى وعكرمة وقتادة وأبو
حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثوروابن المنذر وداود. اهـ
وقال سعد بن أبى وقاص وسلمان الفارسى وابن عمر ومالك: يحل، وهو قول ضعيف للشافعى،
واحتج هؤلاء بحديث أبي ثعلبة الخشنى عند أبى داود، ولفظه ((أن النبى { قال له: كل وإن أكل
منه)) قال ابن حزم: هذا حديث لا يصح، وإن سلم به فهو لا يقاوم الذى فى الصحيح، ولا يقاربه، وقيل:
إن حديث أبي ثعلبة محمول على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا
يضر، ومنهم من حمله على الجواز، وحديث عدى على التنزيه، لأنه كان موسعاً عليه، فأفتاه بالكف
تورعا وأبو ثعلبة كان محتاجا، فأفتاه بالجواز.
واحتج الأولون بروايات عدى، وهى صريحة مقرونة بالتعليل، ففى الرواية الثانية ((إلا أن يأكل
الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإنى أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)) وفى الرواية الثالثة ((فإن
أكل منه فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه)).
كما احتجوا بقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولو كان مجرد الإمساك كافيا لما احتيج
إلى زيادة ((عليكم)) ويرد ابن القصار على هذا بأن مجرد إرسال الكلب إمساك علينا، لأن الكلب لا نية
له، ولا يصح منه ميزها، فإذا كان الاعتبار بأن يمسك علينا أو على نفسه، واختلف الحكم فى ذلك
وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية، وهو مرسله، فإذا أرسله فقد أمسك عليه، وإذا لم يرسله لم يمسك
عليه. كذا قال، وهو بعيد، ومصادم لسياق الحديث الصحيح. وقد قال الجمهور: إن معنى قوله
﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ صدق لكم، وقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسك لنفسه، لا لصاحبه، فلا
يعدل عن ذلك، فعند ابن أبى شيبة ((إن شرب من دمه فلا تأكل، فإنه لم يعلم ما علمته)» ففى هذا
الحديث إشارة إلى أن الأكل دليل على أنه ليس بمعلم التعليم المشترط، ثم إن الأصل التحريم، وشرط
الإباحة أن نعلم أنه أمسك علينا. قال النووى: وأما جوارح الطير إذا أكلت مما صادته فالأصح عند
أصحابنا، والراجح من قول الشافعى تحريمه، وقال سائر العلماء بإباحته، لأنه لا يمكن تعليمها ذلك،
بخلاف السباع، قال: وأصحابنا يمنعون هذا الدليل.
الرابعة: إذا شارك الكلب المعلم المرسل كلب أو كلاب غير معلمة، أو معلمة غير
مرسلة، أو مرسلة ممن ليس من أهل الذكاة، أو شككنا فى شىء من ذلك فإنه لا يحل، أما
إذا تحققنا أن الكلاب المشاركة معلمة مرسلة ممن هو أهل للذكاة فإنه يحل، ثم ينظر، فإن
أرسلاهما معا فهو لهما، وإلا فللأول.
٦١٤

وهذا كله فيما إذا وجد الصيد مقتولا، أما إذا وجد به رمق، وبه حياة مستقرة، وأدرك ذكاته، لم
يحل إلا بالتذكية، فلولم يذبحه مع الإمكان حرم، سواء كان عدم الذبح اختيارا أو اضطرارا، كعدم
وجود آلة الذبح.
الخامسة: يلحق بالكلب فيما ذكر ما علم من الباز والصقور والعقاب والباشق والشاهين ونحوها
من الطيور. قال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم. والله أعلم.
٢- وأما صيد المعراض
فقال النووى: مذهب الشافعى ومالك وأبى حنيفة وأحمد والجماهير أنه إذا اصطاد بالمعراض،
فقتل الصيد بحده حل، وإن قتله بعرضه لم يحل، لهذا الحديث، وقال مكحول والأوزاعى وغيرهما من
فقهاء الشام: يحل مطلقا، وكذا قال هؤلاء وابن أبى ليلى: أنه يحل ما قتله بالبندقة، وحكى أيضا عن
سعيد بن المسيب، وقال الجماهير: لا يحل صيد البندقة مطلقا، لحديث المعراض، لأنه كله رض
ووقذ، وهو معنى قوله فى الرواية الثالثة والرابعة ((فإنه وقيذ)) أى مقتول بغير محدد، والموقوذة
المقتولة بالعصا ونحوها. اهـ
قال البخارى: وقال ابن عمر فى المقتولة بالبندقة: تلك الموقودة، وكرهه سالم والقاسم
ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن، وكره الحسن رمى البندقية فى القرى والأمصار، ولا يرى
به بأسا فيما سواه.اهـ
ولمالك فى الموطأ أنه بلغه أن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق كان يكره ما قتل
بالمعراض والبندقة.
أما الحسن البصرى فقال - فيما رواه ابن أبى شيبة - إذا رمى الرجل الصيد بالجلاهقة فلا نأكل،
إلا أن تدرك ذكاته، والجلاهقة بضم الجيم وتشديد اللام وكسر الهاء، بعدها قاف، هى البندقة
بالفارسية، والجمع جلاهق.
وأما صيد القوس والسهام فعنه تقول الرواية السادسة ((وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن
غاب عنك يوما، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا فى الماء فلا تأكل»
وتقول الرواية السابعة ((إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل، فكل، إلا أن تجده قد
وقع فى ماء، فإنك لا تدرى. الماء قتله؟ أم سهمك؟)) وتقول الرواية التاسعة ((إذا رميت بسهمك فغاب
عنك، فأدركته، فكله، ما لم ينتن؟ وقد تمسك بالرواية السادسة والسابعة من أوجب التسمية على
الصيد وعلى الذبيحة، وقد مر البحث فى ذلك قريبا.
وعند أبى داود ((وأفتنى فى قوس؟ قال: كل ما ردت عليك قوسك، ذكيا وغير ذكى. قال
وإن تغيب عنى؟ قال: وإن تغيب عنك، ما لم يصل)) بكسر الصاد وتشديد اللام، أى ينتن ((أو
تجد فيه أثرا غير سهمك».
وعند البخارى عن عدى أنه قال للنبى #: يرمى الصيد، فيفتقر أثره اليومين والثلاثة، ثم يجده
ميتا، وفيه سهمه؟ قال: يأكل إن شاء)).
٦١٥

وعند الترمذى والنسائى ((إذا وجدت سهمك فيه، ولم تجد به أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله،
فكل منه)) قال الرافعى: يؤخذ منه أنه لوجرحه، ثم غاب، ثم جاء، فوجده ميتا، أنه لا يحل، وهو ظاهر
نص الشافعى فى المختصر، قال النووي: الحل أصح دليلا.
أما عدم الأكل مما وقع فى الماء فقد بينت الرواية السابعة علة هذا الحكم، وهى التردد فيما قتل،
أهو السهم؟ أم الغرق؟ قال النووى: إذا وجد الصيد غريقا فى الماء حرم بالانفاق. اهـ فالحل بعد
الغياب مبنى على ما إذا علم أن سهمه هو الذى قتل.
والرواية التاسعة والعاشرة تجعل الغاية أن ينتن الصيد، ولبس الغياب يومين أو ثلاثة، فلو وجده
مثلا بعد ثلاث ولم ينتن حل، وإن وجده قبل الثلاث وقد أنتن فلا، هذا ظاهر الحديث. وقد حرم
المالكية أكل اللحم النتن مطلقا، وقال النووى: إن النهى عن أكل اللحم النتن للتنزيه، لا للتحريم، وكذا
سائر الأطعمة المنتنة، يكره أكلها، ولا يحرم، إلا أن يخاف منها الضرر خوفا معتمدا. قال: وقال بعض
أصحابنا: يحرم اللحم المنتن مطلقا. وهو ضعيف.
٣- أما آنية أهل الكتاب
فظاهر الرواية الثامنة «فإن وجدنم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، وكلوا
فيها)» ظاهر هذا أن جواز استعمال آنية أهل الكتاب موقوف على شرطين، أن لا يجد غيرها، وأن
يغسلها. فإن وجد غيرها لم يجزاستعمالها ولو غسلها، وإن لم يجد غيرها لا يجوز استعمالها قبل
غسلها، وبهذا الظاهر قال ابن حزم.
والفقهاء يقولون: الأصل أن آنية أهل الكتاب وكذا المجوس طاهرة، حتى يثبت استعمالها فى
النجاسة، فى الخمر والخنزير والذبائح المحرمة وغيرها، فإن سحبنا الحكم عليها جميعها مطلقا -
كما قال بعض الفقهاء - فقد رجحنا الظن الغالب على الظن المستفاد من الأصل، وعليه فالمراد من
آنية أهل الكتاب فى الحديث جميعها. فمجهولة استعمالهم لها يكره استعمالها إذا وجد غيرها، ولا
يرفع الكراهة غسلها، لا لأنها نجسة، ولكن لاستقذارها، وكونها معدة غالبا للنجاسات، كما يكره الأكل
فى المحجمة المغسولة. ورجح بعض العلماء الظن المستفاد من الأصل، فقالوا: إن الحكم للأصل،
فهى طاهرة، حتى تتحقق النجاسة، وعليه فالمراد من آنية أهل الكتاب فى الحديث آنيتهم التى
كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخمر، كما صرح به فى رواية أبى داود، وهذه الآنية
يكره استعمالها إن وجد غيرها، ويجب غسلها، ولا تزول كراهة استعمالها بعد غسلها، لاستقذارها،
وغسلها يطهرها، ويرى المالكية أن غسلها لا يطهرها، بل يتعين كسرها، كما جاء فى كسرآنية الخمر
على كل حال، والأمر بغسلها فى الحديث لا لتطهبرها، بل رخصة للأكل فيها للضرورة، قالوا: لوكان
الغسل مطهرا لها، لما كان للتفصيل فى الحديث معنى، ورد هذا القول بأن التفصيل لا ينحصر فى
كون العين تصير نجسة، بحيث لا تطهر أبدا، بل يحتمل أن يكون التفصيل للأخذ بالأولى.
٦١٦

فإن الإناء الذى يطبخ فيه الخنزير يستقذر، ولو غسل، فالأمر بالغسل عند فقد غيرها دال على
طهارتها بالغسل، والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة فى التنفير عنها، كما فى حديث ((الأمر
بكسر القدور التى طبخت فيها الميتة، فقال رجل: أو نغسلها؟ فقال: أو داك)) فأمر بالكسر للمبالغة
فى التنفير عنها، ثم أذن فى الغسل ترخيصا، فكذلك يتجه هذا هنا. والله أعلم.
٤ - ويستخرج على هذه النصوص مايلى
أ - إباحة الاصطياد. قال النووي: وقد أجمع المسلمون عليه، ونظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة
والإجماع، قال القاضى عياض: وهو مباح لمن اصطاد للاكتساب والحاجة، والانتفاع به بالأكل وثمنه،
قال: واختلفوا فيمن اصطاد للهو، ولكن قصد تذكيته والانتفاع به، فكرهه مالك، وأجازه الليث وابن
عبد الحكيم، فإن فعله بغيرنية التذكية فهو حرام، لأنه فساد فى الأرض وإتلاف نفس عبثا. اهـ
وقال ابن المنير: الاشتغال بالصيد لمن هو عيشه به مشروع، ولمن عرض له ذلك، وعيشه بغيره
مباح، وأما التصيد لمجرد اللهو فهو محل الخلاف.
وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلا لمأكلة، ونهى أيضا عن الإكثار من الصيد، فروى
الترمذى من حديث ابن عباس - رضى الله عنهما - مرفوعا ((من سكن البادية فقد جفا، ومن اتبع
الصيد فقد غفل، ومن لزم السلطان افتتن)» وقال: حسن غريب، وأعله بعضهم بأحد رواته. لكن الإكثار
من التصيد للّهوكثيرا ما يشغل عن بعض الواجبات، وعن كثير من المندوبات.
ب - جواز اقتناء الكلب المعلم للصيد، وقد روى البخارى ((من اقتنى كلبا، إلا كلبا ضاريا لصيد،
أو كلب ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان)) واختلفوا فى سبب نقصان الأجر، باقتناء
الكلب، فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته، وقبل: لما يلحق المارين من الأذى، وقيل: لما يبتلى به
من ولوغه فى الإناء عند غفلة صاحبه.
جـ - واستدل به على جواز بيع كلب الصيد، للإضافة فى قوله ((كلبك)» وأجاب من منع بأنها
إضافة اختصاص.
د - واستدل به على طهارة سؤر كلب الصيد، دون غيره من الكلاب، للإذن فى الأكل من الموضع
الذى قبض منه، ولم يذكر الغسل، ولو كان واجبا لبينه، لأنه وقت الحاجة إلى البيان، وقال بعض
العلماء: يعفى عن معض الكلب، ولو كان نجسا، لهذا الحديث، وأجاب من قال بنجاسته بأن وجوب
الغسل كان قد اشتهر عندهم وعلم، فاستغنى عن ذكره، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، وقد يتقوى
القول بالعفو، لأنه بشدة الجرى يجف ريقه، بؤمن معه ما يخشى من إصابة لعابه موضع العض.
هـ - واستدل بقوله فى الرواية الثانية ((فكل مما أمسكن عليك)) بأنه لو أرسل كلبه على صيد،
فاصطاد غبره، حل للعموم الذى فى قوله ((ما أمسكن)) وهذا قول الجمهور، وقال مالك: لا يحل، وهو
رواية عن الشافعى.
٦١٧

و - يستخرج على قوله ((كله)) ما لو قطع من الصيديد أو رجل، فماذا يؤكل؟ وماذا لا
يؤكل؟ عند ابن أبى شيبة بسند صحيح عن الحسن قال فى رجل ضرب صيدا، فأبان منه
يدا أورجلا، وهو حى، ثم مات، قال: لا تأكله، ولا تأكل ما بان منه، إلا أن تضربه، فتقطعه،
فيموت من ساعته، فإذا كان كذلك فليأكله، وعند ابن أبى شيبة أيضا عن إبراهيم عن
علقمة ((إذا ضرب الرجل الصيد، فبان منه عضو، ترك ما سقط، وأكل ما بقى)) قال ابن
المنذر: اختلفوا فى هذه المسألة، فقال ابن عباس وعطاء: لا تأكل العضو منه، وذك الصيد،
وكله. وقال عكرمة: إن عدا حيا بعد سقوط العضو منه فلا تأكل العضو، وذك الصيد، وكله،
وإن مات الصيد حين الضربة، فكله كله، وقال الشافعى: لا فرق أن ينقطع قطعتين أو أقل،
إذا مات من تلك الضربة، وعن الثورى وأبى حنيفة: إن قطعه نصفين أكلا جميعا، وإن قطع
الثلث مما يلى الرأس فكذلك، ومما يلى العجز أكل الثلثين مما يلى الرأس، ولا يأكل الثلث
الذى يلى العجز.
والله أعلم
٦١٨

محتويات الكتاب
الموضوع
كتاب الأقضية
(٤٥٤) باب اليمين، ومسلسل أحاديثه من ٣٩٢٦-٣٩٢٨ وللمعجم من ١-٣
٧
المعنى العام
٧
المباحث العربية
٨
فقه الحديث
٨
(٤٥٥) باب حكم الحاكم لا يغير الباطن، ومسلسل أحاديثه من ٣٩٢٩-٣٩٣١ وللمعجم
من ٤-٦
١١
المعنى العام
١١
المباحث العربية
١٢
فقه الحديث
١٣
(٤٥٦) باب قضية هند، ومسلسل أحاديثه من ٣٩٣٢-٣٩٣٤ والمعجم من ٧-٩
١٨
١٨
المعنى العام
المباحث العربية
١٩
فقه الحديث
٢١
(٤٥٧) باب النهى عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهى عن منع وهات، ومسلسل
٢٤
أحاديثه من ٣٩٣٥- ٣٩٤٠ وللمعجم من ١٠-١٤
٢٥
المعنى العام
المباحث العربية
فقه الحديث
٢٨
عقوق الأمهات
٢٨
وأد البنات
٢٨
منع وهات
٢٨
قيل وقال
٢٨
كثرة السؤال
٣١
إضاعة المال
٣٣
(٤٥٨) باب بيان أجر الحاكم إذا أخطأ، ومسلسل حديثه ٣٩٤١ وللمعجم ١٥
٣٣
المعنى العام
٣٣
المباحث العربية
الصفحة
٦١٩
٢٥
٢٨

الموضوع
فقه الحديث
الصفحة
٣٤
٣٦
(٤٥٩) باب كراهة قضاء القاضى وهو غضبان، ومسلسل حديثه ٣٩٤٢ وللمعجم ١٦
٣٦
٣٦
المعنى العام
المباحث العربية
فقه الحديث
٣٧
(٤٦٠) باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، ومسلسل أحاديثه من ٣٩٤٣ -
٣٩
٣٩٤٤ وللمعجم من ١٧ -١٨
المعنى العام
٣٩
٣٩
المباحث العربية
فقه الحديث
٤٠
(٤٦١) باب بيان خير الشهود، ومسلسل حديثه ٣٩٤٥ وللمعجم ١٩
٤٢
المعنى العام
٤٢
المباحث العربية
٤٢
فقه الحديث
٤٣
(٤٦٢) باب اختلاف المجتهدين، ومسلسل حديثه ٣٩٤٦ وللمعجم ٢٠
٤٥
المعنى العام
٤٥
المباحث العربية
٤٦
فقه الحديث
٤٧
قصة داود وسليمان عليهما السلام
٤٧
(٤٦٣) باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين، ومسلسل حديثه ٣٩٤٧
٥٠
وللمعجم ٤٦٣
المعنى العام
٥٠
٥١
المباحث العربية
فقه الحديث
٥٢
كتاب اللقطة
(٤٦٤) باب اللقطة، ومسلسل أحاديثه من ٣٩٤٨-٣٩٦٠ وللمعجم من ١-١٢
٥٥
المعنى العام
٥٧
المباحث العربية
٥٨
فقه الحديث
٦٢
ما يؤخذ من الأحاديث
٦٤
(٤٦٥) باب تحريم حلب الماشية بدون إذن صاحبها، ومسلسل أحاديثه ٣٩٦١-٣٩٦٢
وللمعجم ١٣
٦٦
المعنى العام
المباحث العربية
٦٦
٦٦
فقه الحديث
٦٧
٦٢٠