النص المفهرس

صفحات 581-600

الثانية يركبون البحر أيضا، مع أن غزو مدينة قيصر كان بالبر، فحملت المثلية فى الخبر على معظم
ما اشتركت فيه الطائفتان، لا خصوص ركوب البحر، ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا
مدينة قيصر ركبوا البحر إليها، وقال القرطبى: الفرقة الأولى فى أول من غزا البحر من الصحابة،
والفرقة الثانية فى أول من غزا البحر من التابعين. قال الحافظ ابن حجر: بل كان فى كل منهما من
الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة، ومعظم الثانية من التابعين.
(فقلت: يا رسول اللَّه، ادع الله أن يجعلني منهم) قالت ذلك فى الثانية لظنها أن الثانية
تساوى الأولى فى المرتبة، فسألت ثانيا ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكت فى إجابة دعاء النبي ◌َ *
لها فى المرة الأولى، وفى جزمه بالإجابة، قال الحافظ ابن حجر: لما لم يقع لها التصريح بأنها تموت
قبل زمان الغزوة الثانية، جوزت أنها تدركها، فتغزو معهم، ويحصل لها أجر الفريقين.
(أنت من الأولين) فى رواية ((ولست من الآخرين)) فأعلمها صلى الله عليه وسلم أنها لا تدرك
زمان الغزوة الثانية.
(فركبت أم حرام بنت ملحان البحر فى زمن معاوية) فى الرواية الثانية ((فتزوجها
عبادة بن الصامت بعد، فغزا فى البحر، فحلمها معه)) وفى رواية ((فخرجت مع زوجها عبادة بن
الصامت غازيا، أول ما ركب المسلمون البحر، مع معاوية)» وفى رواية ((فتزوج بها عبادة، فخرح بها
إلى الغزو)) وفى رواية ((فتزوجت عبادة، فركبت البحر مع بنت قرظة)) امرأة معاوية واسمها فاختة.
وظاهر قولها ((فى زمن معاوية)» يوهم أن ذلك كان فى خلافته، وليس كذلك، بل كان فى خلافة
عثمان، ومعاوية يومئذ أمير الشام، سنة ثمان وعشرين، فقد نقل الطبرى أن أول من غزا البحر معاوية
فى زمن عثمان، وكان قد استأذن عمر، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، وقال له: لا تنتخب
أحدا - أى لا تلزم أحدا بالخروج معك - بل من اختار الغزو فيه طائعا فأعنه، ففعل، فغزا الروم،
فصالح أهل قبرص.
(فصرعت عن دابتها، حين خرجت من البحر، فهلكت) فى الرواية الثانية
((فلما أن جاءت قريت لها بغلة، فركبتها، فصرعتها، فاندقت عنقها)) وفى رواية ((فلما
انصرفوا من غزوهم، قافلين إلى الشام، قريت إليها دابة، لتركبها، فصرعت، فماتت)) وفى
رواية ((فرفصتها بغلة لها شهباء، فوقعت، فماتت)» والحاصل أن البغلة الشهباء قريت إليها
لتركبها، فشرعت لتركب، فسقطت، فاندقت عنقها، فماتت، قيل: إن موتها كان بساحل
الشام بعد العودة من الغزو، لما خرجت من البحر، وقبرها بساحل حمص، وجزم جماعة بأن
قبرها بجزيرة قبرص، وأخرج الطبرى أن معاوية صالح أهل قبرص بعد فتحها على سبعة
آلاف دينار فى كل سنة، فلما أرادوا الخروج منها قريت لأم حرام دابة لتركبها، فسقطت،
فماتت، فقبرها هنا يستسقون به، ويقولون: قدر المرأة الصالحة.
٥٨١

فقه الحديث
قال النووى: فى هذا الحديث حواز ركوب البحر، للرجال والنساء، وكذا قاله الجمهور، وكره مالك
ركوبه للنساء، لأنه لايمكنهن غالبا التستر فيه، ولا غض البصر عن المتصرفين فيه، ولا يؤمن انكشاف
عوراتهن فى تصرفهن، لاسيما ضرورتهم إلى قضاء الحاجة بحضرة الرجال [قلت: كانت هذه الموانع
فى الزمن الأول، وفى السفن الشراعية، أما السفن العملاقة فى هذه الأيام فهى أكثر تسترا من شوارع
المدينة، لكن لا ننسى أن المالكبة يكرهون خروج الشابات إلى المساحد] ونقل ابن عبد البر أنه يحرم
ركوبه عند ارتجاجه اتفاقا.اهـ والأولى أن يقال: يحرم التعرض لأخطاره.
قال القاضى: وروى عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز منع ركوبه، وقيل: إنما منعاه
للتجارة وطلب الدنيا، لا للطاعات، وقد روى عن ابن عمر عن النبى وَ النهى عن ركوب البحر إلا
لحاج أو معتمر أو غاز، وضعف أبو داود هذا الحديث، وقال: رواته مجهولون.
ثم قال النووى: واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المقتول فى سبيل الله والميت فيه
سواء فى الأجر، بحجة أن أم حرام ماتت، ولم تقتل. قال النووى: ولا دلالة فيه لذلك، لأنه صلى اللَّه
عليه وسلم لم يقل: إنهم شهداء، إنما قال ((يغزون فى سبيل الله)) لكن ذكر مسلم فى باب بعد الباب
التالى عن أبى هريرة «من قتل فى سبيل الله فهو شهيد، ومن مات فى سبيل الله فهو شهيد)» وهو
موافق لقول الله تعالى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ
عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء. ١٠٠] اهـ وعبارة ابن عبد البر: فى الحديث أن من يموت غازيا يلحق بمن يقتل
فى الغزو اهـ وهو ظاهر القصة، لكن لا يلزم من الاستواء فى أصل الفضل الاستواء فى الدرجات.
ويؤخذ من الحديث غير ما تقدم
١- الترغيب فى الجهاد والحض عليه.
٢- وفضيلة المجاهدين فى الجملة.
٣- وفضيلة تلك الجيوش التى فتحت تلك البلاد، وأنهم غزاة فى سبيل اللَّه.
٤- فضل من يصرع فى سبيل اللّه.
٥- أن حكم الراجع من الغزوحكم الذاهب إليه فى الثواب.
٦- جواز الخلوة بالمحرم - على اعتبار أن أم حرام كانت محرما، واختلى بها.
٧- وجواز ملامسة المحرم فى الرأس وغيره، مما ليس بعورة.
٨- وجواز النوم عند المحرم.
٩- جواز فلى الرأس.
٥٨٢

١٠ - قال النووي: فيه جواز قتل القمل منه ومن غيره. قال أصحابنا: قتل القمل وغيره من المؤذيات
مستحب. وفى استنباط جواز قتل القمل من الحديث بعد ونظر.
١١ - جواز أكل الضيف عند المرأة المزوجة، مما تقدمه له، إلا أن يعلم أنه من مال الزوج ويعلم أنه
يكره أكله من طعامه، فالأغلب أن الذى فى بيت المرأة الزوجة هو من مال الزوج.
١٢ - وفيه أن الوكيل والمؤيمن إذا علم أنه يسر صاحبه ما يفعله من ذلك جازله فعله، ولاشك أن
عبادة بن الصامت كان يسره أكل النبى # مما قدمته له امرأته، ولو كان بغير إذن خاص منه.
١٣ - جواز قائلة الضيف فى غير بيته بشرطه، كالإذن وأمن الفتنة.
١٤ - جواز خدمة المرأة الأجنبية للضيف، بإطعامه والتمهيد له، ونحو ذلك.
١٥ - جواز تمنى الشهادة.
١٦ - جواز الفرح بما يحدث من النعم.
١٧ - جواز الضحك عند حدوث ما يسر.
١٨ - وفى الحديث معجزات للنبى و/®، وإخباره بالمغيبات، منها:
إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحاب قوة وشوكة ونكاية فى العدو، وأنهم يتمكنون من
البلاد حتى يغزوا البحار، وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون مع من يغزو البحر،
وأنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية، وقد كان ذلك بحمد الله تعالى.
واللَّه أعلم
٥٨٣

(٥٣٣) باب فضل الرباط فى سبيل اللّه
٤٣٢٨ - ١٦٣ عَن سَلْمَانَ رَ﴾(١٦٣) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
خَيْرٌ مِن صِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ،
وَأَمِنَ الْفُتّانَ».
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] والرباط وحراسة المسلمين من أعدائهم مهمة لا تقل عن
الجهاد والقتال، بل إن النتيجة لها أعظم غالبا من الجهاد، فقد قيل: الوقاية خير من
العلاج، ثم إن تعرض المرابط للخطر أشد من تعرضه للقتال، فكثيرا ما يكون المرابطون قلة
عددا وعدة عن العدو، وهو هدف محصور فى مواجهته، من هنا كان الترغيب فيه بثواب
أعظم، فالمجاهد الغازى كالقائم الليل الصائم النهار من حين يخرج إلى حين يعود، فيومه
بصيام يوم، وليلته بقيام ليلة، أما المرابط فيومه بصيام شهر، وليلته بقيام ليالى شهر، بل
المرابط يضاف إلى عمله بعد موته استمرارية أجر المرابط ما شاء اللّه، وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء.
المباحث العربية
(رباط يوم وليلة) أى فى سبيل اللَّه، كما جاء فى بعض الروايات، والرباط بكسر الراء وتخفيف
الباء ملازمة المكان الذى بين المسلمين والكفار، لحراسة المسلمين منهم، قال ابن التين: بشرط أن
يكون في غير الوطن، قاله ابن حبيب عن مالك، ورده الحافظ ابن حجر، وقال: قد يكون فى الوطن إذا
نوى بالإقامة فيه دفع العدو، ومن ثم اختار كثير من السلف سكنى الثغور، فبين المرابطة والحراسة
عموم وخصوص وجهى، يجتمعان فيمن يقف فى الوطن على حدوده مثلا لدفع العدو، وينفرد الرباط
فيمن أقام خارج وطنه لحراسة وطنه من العدو، وتنفرد الحراسة بالوقوف فى الوطن للحراسة من
الإخلال بالأمن من أهله. قال ابن قتيبة: وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيلهم، وهؤلاء خيلهم، استعدادا
(١٦٣) حَدَثَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطََّالِسِيُّ حَدَّثَنَا لَيْثٌ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ
مُوسَى عَنِ مَكْحُولٍ عَنِ شُرَخْبِيلَ بَّنِ السِّمْطِ عَنِ سَلْمَانَ
- حَدَِّي أَبُو الطّاهِرِ أَخْبَرَنَا أَبَّنُ وَهَبٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ عَن أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةً عَنِ
شُرَخْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ عَن سَلْمَانَ الْخَيْرِ عَن رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِّ مُوسَى.
٥٨٤

للقتال، قال تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] اهـ وذكر اليوم
والليلة فى الحديث يشعر بأن أقله ذلك شرعا، قاله العلماء.
(وإن مات جرى عليه عمله الذى كان يعمله) أى استمر متجددا ثواب عمله الذى كان
يعمله، كأنه يعمله فعلا. وفاعل ((مات)) ضمير يعود على المرابط، المفهوم من ((رباط)».
(وأجرى عليه رزقه) أى استمر رزقه بعد موته، ودلك من رزق الجنة.
(وأمن الفتان) قال النووى: ضبطوا ((أمن)) بوجهين: أحدهما ((أمن)) بفتح الهمزة وكسر الميم،
والثانى ((أومن)) بضم الهمزة وبعدها واو، وأما ((الفتان)) فقال القاضى: رواية الأكثرين بضم الفاء،
جمع ((فاتن)) قال، ورواية الطبرى بالفتح، وفى رواية أبى داود ((أومن من فتانى القبر)).
فقه الحديث
قال النووي: هذه فضيلة - ظاهرة للمرابط، وجريان عمله بعد مونه فضيلة مختصة به، لا
يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا فى غير مسلم ((كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط،
فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة)) أما إجراء الرزق فهو موافق للشهداء، لقوله تعالى
﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْرِقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].اهـ.
وعند البخارى ((رباط يوم فى سبيل اللَّه خير من الدنيا وما عليها)» وعند أحمد والترمذى وابن
ماجه ((رباط يوم فى سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)» قال ابن بزيزة: ولا تعارض،
لأنه يحمل على الإعلام بالزيادة فى النواب عن الأول، أو باختلاف العاملين. اهـ ولا تعارض بين
حديث البخارى وبين حديثنا، لأن صيام شهر وقيامه خير من الدنيا وما عليها.
٥٨٥

(٥٣٤) باب بيان الشهداء
٤٣٢٩ - ١٢٦٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ضُ(١٦٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ
وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخْرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» وَقَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ:
الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
٤٣٣٠ - ١٦٥ عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ ضَيْ(١٦٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿َ: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ
فِيكُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَا
لَقَلِيلٌ» قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتٌ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ)».
قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: «وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ».
٤٣٣١ - - وفي رواية قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَخِيكَ أَنَّهُ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:
«وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ».
٤٣٣٢ - - ومثله في رواية عَن أَبِي صَالِحٍ وَزَادَ فِيهِ: «وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ».
٤٣٣٣ - ٦َّ عَن خَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ(١٦٦) قَالَتْ: قَالَ لِي أَنْسُ بْنُ مَالِكٍ: بِمَ مَاتٌ
يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بِالطَّاعُونِ. قَالَتْ: فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لّ:
«الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».
المعنى العام
إن الشهيد الذى يقتل فى معركة بين المسلمين والكافرين يموت فجأة دون مرض متقدم، والموت
فجأة أشد فجيعة لأهله وأحبابه من الموت بعد مرض طويل، يتأهلون به للفراق، بل يصل بهم الأمر
(١٦٤) حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَن سُمَّيِّ عَن أَبِي صَالِحٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
(١٦٥) وحَدَّثَتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ سُهَّيْلٍ عَن أَبِيهِ عَن أَبِي هُرَيْرَة
- وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ سُهَيْلَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ قَالَ سُهَيْلٌ قَالَ عُبَيْدُ
اللَّهِ ابْنُ مِقْسَمٍ
- وِحَدَّثَنِي مُخْمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدََّنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا سُّهَيْلٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ أَخْبُرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ
عَن أَبِي صَالِحٍ
(١٦٦) حَذََّا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ حَدَّثْنَا عَاصِمٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ
- وحَدَّثَه الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ خَّدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ عَاصِمٍ فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.
٥٨٦

أحيانا إلى نمنى موته وراحته، ثم هو بالمرض يجد النذير ويجد الفرصة للخروج من تبعات وحقوق
الناس، والتوبة والرجوع إلى الله، ثم إن المرض يكفر الذنوب، ويرفع الدرجات، ويمنح الحسنات،
يحرم من كل هذا من مات فجأة، واقتضت الحكمة الإلهية تعويض الميت فجأة عما يفوته بالمرض.
تلك حالة من حالتين لمن يقتل فى سبيل الله، لها أجرها، الحالة الثانية نيته وهدفه الذى ضحى
بروحه من أجله، ولهذه النية ولهذا القصد أجره، فمن شارك الشهيد فى سبيل الله فى حالة من حالتيه
شاركه فى نوع الأجر، فإذا كان للشهيد باب يدخل منه خاص به كان المطعون والمبطون والغريق
والميت تحت الأنقاض وكل من يموت فجأة مشاركا له فى الدخول من هذا الباب، وكذلك الأمر لمن
يشارك الشهيد فى سبيل الله فى حالته الثانية، فمن حبسه العذر من مرص أو شىء آخر عن الجهاد،
فمات على فراشه حصل على قدر من أجر الشهيد، وشاركه فى نوع أجره، كما جاء فى حديث ((إن
بالمدينة لرجالا ما سرتم مسبرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم وإلا شركوكم فى الأجر. قال
المجاهدون: كيف ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: حبسهم العذر)».
إن الشهداء عند اللَّه أجرهم كبير، يبشرون بالجنة، ونحضرهم عند الموت ملائكة الرحمة، ويغفر
لهم أكثر ذنوبهم، أرواحهم فى الجنة، فى جوف طير خضر، عند ربهم يرزقون، فرحين بما آناهم اللّه
من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
يستبشرون بنعمة من اللَّه وفضل، لهم قناديل معلقة بالعرش، نأوى إليها أرواحهم، يتمنون أن يرجعوا
إلى الدنيا لبموتوا مرة ثانية هذه الميتة، ليحصلوا على أجرها مرة أخرى، بينما لا يتمنى أحد مات، له
حسنات، أن يعود إلى الدنيا، وله ما على الأرض من نعيم.
المباحث العربية
(بينما رجل يمشى بطريق) ((بينما)) هى «بين)) الظرفية، زيدت علبها ((ما)»
(الشهداء خمسة) سبق أن ذكرنا أقوال العلماء فى سبب تسمية الشهيد شهيدا فى باب فضل
الجهاد فى المباحث العربية، عند فقرة ((ما من نفس نموت، لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى
الدنيا، ولا أن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد)».
وفى الموطأ ((الشهداء سبعة)) سوى القتل فى سبيل اللَّه، فزاد على حديثنا الحريق، وصاحب ذات
الجنب، والمرأة تموت بجمع، واتفق مع حديثنا فى المبطون، والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم.
أما المطعون، فهو الميت بالطاعون، يقال: طعن فهو مطعون وطعين، إذا أصابه
الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح، والمراد هنا المرض المعروف، ففى الرواية الثالثة
((الطاعون شهادة لكل مسلم)) يموت به. والطاعون مرض وبائى، يعم الكثير من الناس فى
جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحدا، بخلاف بقية
الأوقات، فتكون الأمراض مختلفة، واختلف العلماء فى تشخيصه وأعراضه، فابن عبد البر
٥٨٧

يقول: الطاعون غدة تخرج فى المراق والآباط، وقد تخرج فى الأيدى والأصابع، وحيث شاء
اللَّه، والنووى يقول فى الروضة: قيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: هو
هيجان الدم وانتفاضه، وقال الغزالى: هو انتفاخ جميع البدن من الدم مع الحمى، أو
انصباب الدم إلى بعض الأطراف، وقال المتولى: هو قريب من الجذام من أصابه تآكلت
أعضاؤه، وتساقط لحمه، وقال ابن سينا وجماعة من الأطباء: الطاعون مادة سمية، تحدث
ورما قتالا، يحدث فى المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط
وخلف الأذن، أو عند الأرنبة.
وأما المبطون: فهو الميت بسبب مرض البطن، قيل: هو الإسهال، وقبل: هو الاستسقاء
وانتفاخ البطن.
وأما الغرق بفتح الغين وكسر الراء فهو الذى يموت غريقا فى الماء، وفى ملحق الرواية الثانية
((والغريق شهيد)). ((ومن غرق فهو شهيد)».
وأما صاحب الهدم فهو الميت بسبب سقوط المبانى عليه.
وأما الحريق فهو الميت بسبب النار.
وأما صاحب ذات الجنب فهو الذى يموت بسبب هذا المرض المعروف، ويقال له: الشوصة. قال
النووى: وهى قرحة تكون فى الجنب باطنا. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: هو ورم حاد، يعرض فى
الغشاء المستبطن للأضلاع، وقد يطلق على ما يعرض فى نواحى الجنب من رياح غليظة، تحتقن بين
الصفاقات والعضل التى فى الصدر والأضلاع، فتحدث وجعا، ويقال لذات الجنب أيضا وجع
الخاصرة، وكان العرب يعالجونه بالقسط، وهو العود الهندى، وعند أحمد ((والمجنوب شهيد))
وأما المرأة تموت بجمع: بضم الجيم وفتحا وكسرها، مع سكون الميم، فهى النفساء، وقيل: التى
يموت ولدها فى بطنها، ثم تموت بسبب ذلك، وقبل هى التى تموت عذراء، وقيل: التى تموت بمزدلفة،
وهو خطأ ظاهر، إد لا فرق فى هذا المكان بين الرجل والمرأة، والأول أشهر، فعند أحمد ((وفى النفساء
يقتلها ولدها جمعا شهادة))
وروى أصحاب السنن ((من قتل دون ماله فهو شهيد)»
وعند النسائى ((من قتل دون مظلمته فهو شهيد))
وعند أبى داود («من وقصه فرسه أو بعيره فى سبيل الله، أو لدغته هامة، أو مات على أى حتف
شاء اللّه فهو شهيد))
وروى الدارقطنى وصححه («موت الغريب شهادة )).
وعند ابن حبان ((من مات مرابطا مات شهيدا)».
والطبرانى ((المرء يموت على فراشه فى سبيل الله شهيد)).
٥٨٨

وقال ذلك أيضا فى الشريق، أى الذى يموت بشرقة الماء وغيره.
وقال ذلك أيضا فى الذى يفترسه السبع.
وعند أبى داود ((المائد فى البحر الذى يصيبه القىء له أجر شهيد)».
(قال سهيل: قال عبيد الله بن مقسم: أشهد على أخيك أنه زاد فى هذا الحديث:
ومن غرق فهو شهيد) قال النووى: هكذا وقع فى أكثر نسخ بلادنا ((على أخيك)) وفى بعضها ((على
أبيك)) وهذا هو الصواب. قال القاضى: وقع فى رواية ((على أبيك)) وهو الصواب، ووقع فى رواية ((على
أخيك)) وهو خطأ، والصواب ((على أبيك)).
فقه الحديث
قال ابن التين: هذه كلها ميتات، فيها شدة، تفضل الله على أمة محمد * بأن جعلها تمحيصا
لذنوبهم، وزيادة فى أجورهم، يبلغهم بها مراتب الشهداء.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن المذكورين ليسوا فى المرتبة سواء. ثم قال: ويتحصل مما
ذكر فى هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا والآخرة، وهو من يقتل فى حرب الكفار،
مقبلا غير مدبر، مخلصا، وشهيد الآخرة، دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، فيكون لهم فى
الآخرة أجر الشهداء، وأما فى الدنيا فيغسلون ويكفنون، ويصلى عليهم، زاد النووى: وشهيد فى الدنيا
دون الآخرة، وهو من غل فى الغنيمة، أو قتل مدبرًا.
وقد اختلفت الأحاديث فى عدد الشهداء ((خمسة)) و((سبعة)) وفى الجمع بينها قال الحافظ ابن
حجر: إن العدد الوارد ليس على معنى التحديد، وقال بعض المتأخرين: يحتمل أن يكون رواة
((خمسة)» نسوا الباقى، قال الحافظ: وهو احتمال بعيد، قال: والدى يظهر أنه صلى اللّه عليه وسلم
أعلم بالأقل، ثم أعلم زيادة على ذلك، فذكرها فى وقت آخر، ولم يقصد الحصر فى شىء من ذلك.اهـ
وإذا كان المقتولون فى معركة الكافرين شهداء فهم بلا شك درجات من حيث النية والكفاح
والأثر الناتج عن كل منهم، وإذا كان هؤلاء ليسوا فى درجة واحدة، فمن باب أولى من ألحق بهم فى
الوصف، ليسوا فى درجتهم، وليسوا فيما بين بعضهم فى درجة واحدة، فالمقصود على هذا أن
الاشتراك فى وصف الشهادة إنما هو للاشتراك فى نوع الجزاء، لا فى كمه ومقداره.
والله أعلم
٥٨٩

(٥٣٥) باب فضل الرمى، وذم من علمه ثم نسيه
٤٣٣٤ - ١٦٧ عَنِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ◌َّ(١٦٧) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ
يَقُولُ «﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ. أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُّ. أَلا إِنَّ
الْقُوَّةَ الرَّمْيُّ».
٤٣٣٥ - ١٦٨ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ◌َّهِ(١٦٨) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ ﴿ يَقُولُ: «سَتُفْتَحُ
عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ. وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ. فَلا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ».
٤٣٣٦ - ٩ْلِّ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةً(١٦٩) أَنَّ فُقَيْمًا اللَّخْمِيَّ قَالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ:
تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ، وَأَنْتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْكَ. قَالَ عُقْبَةُ: لَوْلا كَلامٌ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ
اللَّهِ وَ لَمْ أُعَانِيهِ. قَالَ الْحَارِثُ: فَقُلْتُ لابْنِ شَمَاسَةَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ قَالَ مَنْ عَلِمَ
الرَّمْيِّ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى».
المعنى العام
كل صاحب دعوة له أعداء، وقد يصل الأمر بالعداوة إلى الحرب، كما حدث ببن
المسلمين وأعدائهم، وعلى صاحب الحق أن يتسلح، ليتفوق على صاحب الباطل، وإلا كان
مقصرا فى الدفاع عن الحق، من هنا يقول اللَّه تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِنْ
ريَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بهِ عَدُوَّاللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُم اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾
[الأنفال: ٦٠] والتدرب على الأسلحة أساس لفاعلية هذه الأسلحة، فلا قيمة لسلاح متطور
بدون عالم بكيفية استخدامه، متدرب على نجاح نكايته بالعدو، لهذا كان النبى {4# يحث
على التدرب على السلاح، ويشجع عليه، ويحذر من إهماله ابتداء، أو إهماله بعد تعلمه،
لتبقى العزة والقوة للمؤمنين ، فالمؤمن القوى خير وأحب إلى الله تعالى من
المؤمن الضعيف.
(١٦٧) حَدَّثََّا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ ثُمَامَةً بْنِ شُفَيُّ أَنَّهُ سَمِعَ
عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ
(١٦٨) حَدَّثَّا هَارُونٌ بْنُ مَعْرُوفٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ أَبِي عَلِيٍّ عَنِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ
- وحَدَّثَنَّهِ دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ حَدَّتَنَا الْوَلِيدُ عَن بَكْرِ بْنِ مُضْرَ عَنِ عَمْرٍوَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عُقْبَةً
ابْنَ عَامِرٍ عَنِ الَِّيِّ ﴿ بِمِثْلِهِ
(١٦٩) حَدَّثَنَاً مُحَمَّدُ بَنَّ رُمْحَ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبُرَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْحَارِثِ بْنٍ يَعْقُوبَ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةً
٥٩٠

المباحث العربية
(فضل الرمى) أى الرمى بالسهام، والسهم العربى عود من الخشب يسوى، طرفه مدبب، يرمى
به عن القوس، وهو النبل، بفتح النون، والقوس بفتح القاف آلة على هيئة هلال، نرمى بها السهام،
والمراد فضل نعلم الرمى، لما له من أثر فى الحروب فى زمن النبى ﴾.
(ألا إن القوة الرمى) نفسبر من النبى و المراد من القوة، فى قوله تعالى ((وأعدوا لهم)) أى
لأعدائكم الكافرين ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ وهذا التفسير خاص بزمن النزول، والمناسب لجميع
الأزمنة عموم وسائل القوة من دبابات وصواريخ ومدافع وطائرات قاذفة ونحو ذلك.
(ستفتح عليكم أرضون) بفتح الراء على المشهور، وحكى الجوهرى لغة شاذة بإسكانها، جمع
أرض، ملحق بجمع المذكر السالم.
(ويكفيكم الله) جملة خبرية لفظا ومعنى، أى وسيكفيكم اللَّه شر أصحابها، وينصركم
عليهم، أو دعائية معنى، أى وأسأل الله أن يكفيكم شرهم وينصركم عليهم، ولكن عليكم
بالاستعداد واتخاذ الأسباب.
(فلا يعجز أحكم أن يلهو بأسهمه) ((يعجز)) بكسر الجيم على المشهور، وبفتحها فى لغة،
و((لا)) ناهبة، والفعل مجزوم بها، أو نافية، والفعل مرفوع، والمراد من اللَّهو بالأسهم اللعب والتدرب
على الرمى بالسهام، وإصابة المرمى.
(أن فقيما اللخمى قال لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين؟ وأنت كبير
يشق عليك؟) كان عقبة بن عامر يعانى ويتكلف التدريب على الرمى، وهو كبير السن، يشق عليه
ممارسته، ومحاولة إصابة الهدف القريب والبعيد، والتحرك بين الهدفين، والغرض هو هدف الرامى
الذى يحاول إصابته بسهامه، والاستفهام إنكارى توبيخى، أى ما ينبغى أن تفعل ذلك.
(لولا كلام سمعته من رسول اللَّه ◌َ لم أعانه) يقال: عانى الشىء قاساه وكابده. قال
النووى: هو فى معظم النسخ ((لم أعانيه)) بالياء وفى بعضها ((لم أعانه)) بحذفها، وهو الفصيح، والأول
لغة معروفة.
(قال الحارث: فقلت لابن شماسة: وما ذاك؟) أصل الإسناد: حدثنا محمد بن رمح بن
المهاجر، أخبرنا الليث عن الحارث بن يعقوب عن عبد الرحمن بن شماسة بضم الشين أن فقيما
اللخمى قال لعقبة بن عامر.
(من علم الرمى ثم تركه) ((علم)) بفتح العين وكسر اللام، أى من تعلمه وحصلت له معرفة
بدقته، ثم ترك التدرب عليه فنسيه، إهمالا، لا لعذر.
٥٩١

(فليس منا) أى ليس على هدينا وسنتنا.
فقه الحديث
قال النووي: فى الأحاديث فضيلة الرمى والمناضلة، والاعتناء بذلك بنية الجهاد فى سبيل الله
تعالى، وكذلك المشاجعة، وسائر أنواع استعمال السلاح، وكذلك المسابقة بالخيل وغيرها، والمراد
بهذا كله التمرن على القتال والتدرب والتحذق فيه ورياضة الأعضاء بذلك.اهـ
وقد روى البخارى تحت باب التحريض على الرمى، وقول الله عز وجل ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ
مِن قُوَّةٍ وَمِنْ رِيَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ عن سلمة بن الأكوعِ رَّه قال: ((مررسول الله
# على نفر من أسلم ينتضلون» أى يترامون للسبق وكان محجن بن الأدرع يرامى نضلة الأسلمى
((فقال النبى ﴾: ارموا بنى إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بنى فلان)» بالتشجيع، وفى
رواية ((وأنا مع محجن بن الأدرع)) ((قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم)) أى توقفوا عن الرمى،
والمراد بأحد الفريقين الفريق المقابل لمحجن ((فقال رسول الله{ *: ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف
نرمى وأنت معهم))؟ وفى رواية ((فقال نضلة - وألقى قوسه من يده: والله لا أرمى وأنت معه)) وفى
رواية ((فقالوا: من كنت معه فقد غلب)) وفى رواية ((لا نغلب من كنت معه)) ((فقال النبى وَل﴾: ارموا
فأنا معكم كلكم)).
وقد روى أبو داود وابن حبان عن عقبة بن عامر مظ له رفعه ((أن اللَّه يدخل بالسهم الواحد ثلاثة
الجنة، صانعه يحتسب فى صنعته الخير، والرامى به، ومنبله، فارموا، واركبوا)) أى تدربوا على سباق
الخيل ((وأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا )).
قال القرطبى: إنما فسر رسول اللّه ◌ُل القوة بالرمى - وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من
آلات الحرب لكون الرمى أشد نكاية فى العدو، وأسهل مؤنة، لأنه قد يرمى رأس الكتببة، فبصاب،
فيهزم من خلفه. اهـ
والله أعلم
٥٩٢

(٥٣٦) باب ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق))
٤٣٣٧ - ١٧٠ عَنْ ثَوْبَانَ رَ﴾(١٧٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي
ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ: حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ
قُتِبَةَ» وَهُمْ كَذَلِكَ».
٤٣٣٨ - ١٣١ عَنِ الْمُغِيرَةِ صَ﴾(١٧١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِمَ﴿وَ يَقُولُ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِن
أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».
٤٣٣٩ - ١٣٣ عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَعَ﴾(١٧٢) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ
قَائِمًا، يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».
٤٣٤٠- ١٧٣ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٧٣) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ ﴿ِّ
يَقُولُ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
٤٣٤١ - ١٤ عَن عُمَيْرِ بْنِ هَانِيٍّ(١٧٤) قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَّةً عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَِّي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لا يَضْرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ،
حَتّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ».
٤٣٤٢ - ١٣٥ عَن يَزِيدِ بْنِ الأَصَمّ(١٧٥) قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ
عَنِ النّبِيِّ﴿، لَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّل:﴿ّ عَلَى مِنْبَرِهِ حَدِيثًا غَيْرَهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(١٧٠) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَقْتَنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا حَدَّثَنَا حَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ عَن أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةً عَن
أَبِي أَسْمَاءَ عَنِ ثَوْبَانٌ
(١٧١) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثْنَا وَكِيعٌ حَ وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ وَعَنْدَةُ كِلاهُمَا عَن إِسْمَعِيلَ بْنٍ أَبِي خَالِدٍ ح
وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَمَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِي الْفَرَارِيَّ عَنِ إِسْمَعِيلَ عَن قَيْسٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ
- وحَدَّثَِهِ مَّحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِي إِسْمَعِيلُ عَنَ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ الْمَّغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةً يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَرْوَّانَ سَوَاءً.
(١٧٢) وحَدَّثَنَاً مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ جَعْقَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَن
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً
(١٧٣) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالا حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(١٧٤) حَدْثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ حَمْزَةَ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ عُمَيْرَ بْنِ هَالِيٍ حَدَّثَهُ
(١٧٥) وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنَ مَّنْصُورٍ أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ وَهُوَ ابَّنُ بَّرْقَانَ حَذََّا تَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ
٥٩٣

﴿: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقَّهْهُ فِي الدِّينِ. وَلا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى
الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
٤٣٤٣ - ١٣٦ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ(١٧٦) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنٍ مُخَلَّدٍ
وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ.
هُمْ شَرِّ مِن أَهْلِ الْجَاهِيَّةِ. لا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ، إِلا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَقْبَلَ
عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ. وَأَمَّا
أَنَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ يَقُولُ: «لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ
◌ِعَدُوِّهِمْ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَجَلْ.
ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ، مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ
الإِيمَانِ إِلَا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ.
٤٣٤٤ - ١٣٧ عَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضَ﴾(١٧٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ِ: «لا يَزَالُ أَهْلُ
الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».
المعنى العام
الإسلام خاتم الأديان، وشريعته مفروضة إلى يوم القيامة، ومن مشيئة الله وحكمته أن الإيمان فى
الأمم يضعف بتطاول الزمان، ويبعده عن الرسول المبعوث، فنور الرسول ينتشر بين قومه، وتسرى
حرارة دعوته فى دمائهم، ويمضى الرسول ويمضى عصره فيضعف النور، وتهدأ الحرارة، وتتزعزع
التعاليم فى النفوس، وكلما مضى عصر زاد الضعف، وكثر التهاون، فخير القرون قرن النبى، ثم الذين
يلونهم، تلك سنة الله فى خلقه، كلما بعد المؤثر قل الأثر، حتى يكاد ينمحى، ما لم يتعهد بالتغذية
والتقوية، تماما كتيار مندفع من قوة، يقل اندفاعه كلما بعد عن مصدر الدفع، ما لم يساعد بين الحين
والحين بقوة دافعة أخرى، وتلك القوة فى الديانات السابقة كانت تتمثل فى الأنبياء والحواريبن،
وفى ديننا الإسلامى تتمثل فى العلماء والصالحين.
لكن العلماء الصالحين أنفسهم يصيبهم أو يصيب أكثرهم بمرور الزمان الوهن، تارة بانشغالهم
بالدنيا، وتارة بخوفهم من بطش الحكام، وتارة بالإحباط، وضعف الجدوى والتأثير من جهادهم لكثرة
الخبث، حين يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر.
(١٧٦) حَدَّتِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ حَدََّبِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي
حَبِيبٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَمَاسَةً
(١٧٧) حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُدَ بْنٍ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانُ عَن سَعْدِ بْنٍ أَّبِي وَقَاصٍ
٥٩٤

تلك الحقيقة للنهاية المظلمة أخبر بها صلى الله عليه وسلم أصحابه، فكان أن انزعجوا، قال لهم
يوما: كبف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف؟ ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال:
نعم. وأشد منه سيكون. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا؟ والمنكر معروفا؟ قالوا: أو كائن ذلك يا
رسول الله؟ قال: نعم. وأشد منه سبكون. كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر؟ ونهيتم عن المعروف؟ لا تقوم
الساعة إلا على شرار الخلق. لا تقوم الساعة على أحد يقول: اللَّه. اللَّه.
إن هذا الانزعاج من آخر الزمان استلرم التخفيف والتهوين، وغرس الأمل فى الخير، فقال لهم:
اطمئنوا فلن يزال هذا الدين قائما، يدافع عنه جماعة من المسلمين حتى تقوم الساعة، أو حتى تقرب
الساعة، ولن نزال طائفة من المسلمين إلى آخر الزمان متمسكين بدينهم، قائمين بشريعتهم، مدافعين
عنها، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتى أمر اللَّه.
يبعث الله فى آخر الزمان بعد الدجال، وبعد نزول عيسى وقتله الدجال، وموت عيسى -عليه
السلام- يبعث ريحاً، وتهب ريح أطيب رائحة من المسك، وأرق لمسا من الحرير، فتقبض أرواح
المؤمنين المخلصين، فلا يبقى على وجه الأرض إلا الحثالة وشرار الناس، ولا يبقى على وجه الأرض
أحد فى قلبه مثقال حبة من الإيمان، وعليهم تقوم الساعة.
المباحث العربية
(لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) الطائفة الجماعة والفرقة، يجمعهم مذهب
أو رأى يمتازون به، وفى الرواية الثانية)) لن يزال قوم من أمتى)) والقوم الجماعة من الناس، تجمعهم
جامعة يقومون لها، وفى الرواية الثالثة والسادسة والسابعة ((عصابة)) والعصابة الجماعة، وعند
البخارى ((لايزال من أمتى أمة قائمة بأمر الله)) والأمة الجماعة من الناس، تجمعهم مصالح وأمانى
واحدة، أو يجمعهم أمر واحد، من دين أو مكان أو زمان، والمراد من أمته صلى الله عليه وسلم أمة
الإجابة، والمراد من ظهورهم على الحق علوهم عليه، ونمكنهم منه، يقال: ظهر على الشىء إذا علاه،
وظهر على الأرض إذا اطلع عليها، وفى الرواية الرابعة ((يقاتلون على الحق ظاهرين» أى يجادلون
ويدافعون عن الحق متمكنين منه، واثقين به، فالمقائلة المدافعة أعم من أن تكون بالسيف أو
باللسان أو بالقلب، يقال: قاتل الشيطان، أى حاربه ودافعه، ففى الرواية الخامسة ((لا تزال طائفة
من أمتى قائمة بأمر الله)) ومن القيام بأمر اللَّه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بدرجاته الثلاث.
وقيل: المراد من الظهور الغلبة، أى غالبين أعداءهم، وهم متمكنون من الحق، والمراد من غلبتهم
أعداءهم عدم انصياعهم لهم، وعدم استجابتهم لضلالهم، فكل هم أعدائهم جرهم إلى ضلالاتهم،
فتمسكهم بأمر ربهم غلبة لأعدائهم، وإن نال منهم الأعداء فى أجسامهم وأموالهم وأولادهم، وهذا معنى
قوله فى الرواية الخامسة ((لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم)) وقوله فى الرواية السادسة ((ظاهرين على
من ناوأهم)) وقوله فى الرواية السابعة ((قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم)) قال النووى: ((ناوأهم))
بهمزة بعد الواو، أى عاداهم، وهو مأخوذ من: نأى إليهم، ونأوا إليه أى نهضوا للقتال.
٥٩٥

وقيل: المراد من الظهور البيان والدروز وعدم الاستتار، فهم ظاهرون فى الناس، وعلى الناس،
منكشفون فى مواقفهم ومواقعهم، مجاهدون بإيمانهم ومبادئهم.
ويمكن أن تتصف الطائفة الواحدة بهذه المعانى الثلاثة، بأن تكون متمكنة من الحق، متمسكة
به، مدافعة عنه، غالبة أعداءهم، منكشفين للناس فى مواقعهم ومواقفهم.
وفى الرواية الثامنة ((لايزال أهل الغرب ظاهرين على الحق)) قال على بن المدينى: المراد بأهل
الغرب العرب، والمراد بالغرب الدلو الكبير، لاختصاصهم بها غالبا، وقال آخرون: المراد به الغرب من
الأرض، أى المغرب بالنسبة للحجاز، وهو إقليم الشام، كما جاء فى حديث معاذ، وعند أحمد أنهم
ببيت المقدس)) وعند الطبرانى ((يقاتلون على أبواب دمشق، وما حولها)) وقيل: المراد بالغرب القوة
فى الجهاد، ويمكن الجمع بأن المراد قوم شاميون أهل قوة يسقون بالدلو.
(حتى يأتى أمر الله وهم كذلك) فى الرواية الثانية)) حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) وفى
الرواية الخامسة ((وهم ظاهرون على الناس)) والمراد بأمر الله هبوب الريح الواردة فى الرواية السابعة،
وهى من مقدمات يوم القيامة، فقوله فى الرواية الرابعة والسادسة ((إلى يوم القيامة)) فيه مجاز
المشارفة، أى إلى قرب يوم القيامة، وقوله فى الرواية الثالثة ((حتى تقوم الساعة)) وفى السابعة
((حتى تأتيهم الساعة)) فيه مجاز المشارفة أيضا، أو المراد بالساعة ساعتهم.
(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) أى يفهمه فى الدين، يقال: فقه بفتح الفاء وضم
القاف إذا صار الفقه له سجية، وفقه بفتح الفاء والقاف إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه بفتح الفاء
وكسر القاف إذا فهم، والتذكير فى ((خيرا)» للتعظيم، لأن المقام يقتضيه.
(مسلمة بن مخلد) ((مسلمة)) بفتح الميم واللام، بينهما سين ساكنة، و((مخلد)) بضم الميم
وفتح الخاء واللام المشددة.
(كريح المسك) خبر لمبتدأ محذوف، أى ريحها كريح المسك.
فقه الحديث
أشار البخارى إلى هذه الطائفة بقوله: وهم أهل العلم.
وعزا إلى على بن المدينى قوله: إنهم أصحاب الحديث.
وأخرج الحاكم فى علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد قوله: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا
أدرى من هم ؟
قال القاضى عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
وقال النووى: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وخبير
٥٩٦

بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وزاهد، وعابد، ولا يلزم
أن يكونوا مجتمعين فى بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم فى قطر واحد، وافتراقهم فى أقطار الأرض،
ويجوز أن يجتمعوا فى البلد الواحد، وأن يكونوا فى بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها
من بعضهم، أولا فأولا، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة فى بلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر اللَّه.
قال الحافظ ابن حجر: ونظير ما نبه عليه ما حمل عليه بعض الأئمة حديث ((إن اللَّه يبعث لهذه
الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)) أنه لا يلزم أن يكون فى رأس كل مائة سنة واحد
فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر فى الطائفة، وهو متجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى
تجديدها لا ينحصر فى نوع من أنواع الخبر، ولا يلزم أن تجتمع خصال الخير كلها فى شخص واحد،
إلا أن يدعى ذلك فى عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه
بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من
جاء بعده فالشافعى وإن كان متصفا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم
بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفا بشىء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا. اهـ
قال النووي: وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف مازال - بحمد الله تعالى - من
زمن النبى * إلى الآن، ولا يزال حتى يأتى أمر الله المذكور فى الحديث.
قال: وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث، وأما حديث ((لا
تجتمع أمتى على ضلالة)» فضعيف. اهـ
وفى الرواية السادسة فضل التفقه فى الدين، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه فى الدين - أى
يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع - فقد حرم الخير، وفى ذلك بيان لفضل العلماء على
سائر الناس، ولفضل التفقه فى الدين على سائر العلوم.
والله أعلم
٥٩٧

(٥٣٧) باب مراعاة مصلحة الدواب والسير
٤٣٤٥ - ١٢٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٧٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ،
فَأَعْطُوا الإِبِلَ حَظُّهَا مِنَ الأَرْضِ. وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ. وَإِذَا عَرَّسْتُمْ
بِاللَّيْلِ، فَاجْتِيُوا الطّرِيقَ، فَإنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ».
٤٣٤٦ - ٢٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َُ(١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ،
فَأَعْطُوا الإِيلَ حَظَّهَا مِنَ الأَرْضِ. وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَبَادِرُوا بِهَا نِقْتَهَا. وَإِذَا عَرَّسْتُمْ،
فَاخْتِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ».
٤٧ ٤٣ - ٩ ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ(١٧٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ ﴿ قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ،
يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ. فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِن وَجْهِهِ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ».
٤٣٤٨- ١٠ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾(١٨٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ِ كَانُ لا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلا، وَكَانَ
يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً.
٤٣٤٩ -- وفي رواية عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ◌َُ عَنِ النَّبِيِّلَ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
كَانٌ لا يَدْخُلُ.
٤٣٥٠ - للا عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٨١) قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ِ فِي
غَزَاةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ. فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتّى نَدْخُلَ لَيْلا (أَيْ عِشَاءٌ) كَيْ
تَمْتَشِطَ الشَّعِئَةُ وَتَسْتَجِدَّ الْمُغِيّةُ».
(١٧٨) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ عَن سَّهَيْلِ عَن أَبِيهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٧٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَغْنَبٍ وَإِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَأَبُوْ مُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ وَمَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ وَقْتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ
قَالُوا حَدْثّا مَالِكْ ح وحَدَّثَنًا يَخْتَى بْنُ يَخْتَى النَّمِيمِيُّ وَاللّفْظُ لَّهُ قَالَ قُلْتُ لِمَّالِكَ حَدََّكَ سُمَيٌّ عَنْ أَبِيْ صَالِحٍ عَن أَبِي
هُرَيْرَةً ... قَالَ نَعَمْ
(١٨٠) حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ هَمَّامٍ عَنِ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَة عَنِ آَنَسٍ
- وحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرَّبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَاَ هَمَّامٌ خَّدَّثَنَا إِسْحَقُ بَّنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةٌ عَنْ أَدْسِ
(١٨١) حَدَّثَنِي إِسْمَعِيلُ بْنُ سَالِمٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبُرَنَا سَيَّارٌ ح وَخَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْيِىَ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا هُّشَيْمٌ عَن سَيَّارٍ عَنِ
الشَّغِيِّ عَنَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
٥٩٨

٤٣٥١ - ١٨٢ عَنْ جَابَِ﴾(١٨٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ لِ: «إِذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ لَيْلا فَلاَ يَأْتِيَنَّ
أَهْلَهُ طُرُوقًا، حَتّى تَسْتَجِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِشَةُ».
٤٣٥٢ - ١٨٣ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٨٣) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِمَّ إِذَا
أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ طُرُوقًا.
٤٣٥٣ - ١٨٤ عَنْ جَابِرَِ﴾(١٨٤) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ﴿ أَنْ يَطْرُقّ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلا
يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَفَرَاتِهِمْ.
٤٣٥٤ - - وفي رواية عَن سُفْيَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ سُفْيَانُ: لا أَدْرِي هَذَا
فِي الْحَدِيثِ أَمْ لا. يَعْنِي أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ.
٤٣٥٥ - ٥لا عَن جَابِرٍ ضُ(١٨٥) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ِ، بِكَرَاهَةِ الطُّرُوقِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: يَتَخَوُّهُمْ أَوْ
يَلْتَمِسُ عَفَرَاتِهِمْ.
المعنى العام
السفر قطعة من العذاب، ولون بل ألوان من الألم، يغير الإنسان فيه ما تعود عليه من
ناعم الفراش، ومن السكن وقت السكن، والراحة وقت الراحة، يغير الإنسان فيه مطعمه
ومشربه ونومه، يخلف فيه أهلا ومالا ووطنا وأصحابا ومن يعز عليه فراقه، يحمل فيه بين
جوانحه هم ما يقصده من مجهول مكسب أو خسارة، وما قد يتعرض له فى رحلته من
أخطار، ومن نوائب الدهر، ومن مجهول الزمان والمكان والمتعاملين، فما أشق السفر على
النفس وعلى البدن، وما أصعبه على المقيم الآمن القانع.
رخص اللَّه الفطر فى رمضان للمسافر، ورخص له الجمع بين صلاتى الظهر والعصر، وبين صلاتى
المغرب والعشاء، وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، ورسم للمسافر آدابا فى ذهابه وغيابه وعودته،
آدابا تراعى حقوقه، وحقوق المتعاملين معه، والمحيطين به، ونوابعه، حتى توابعه من الحيوان.
(١٨٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ سَيَّارٍ عَن عَامِرٍ عَن جَابِرِ
- وحَدَّثَبِيهِ يَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ حَدَّثًّا رَوْحُ ابْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا شَعْبَةٌ حَدَّثْنَا سَيَّارٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(١٨٣) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَثَّارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شَعْبَةُ عَنِ عَاصَمٍ عَنِ الشَّغْبِيِّ عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
- وحَدَّثَنِيهِ يَحْتِي بْنُ حَبِيبٌٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثْنَا شُعْبَةُ بِهِّذَا الإِسْنَادِ.
(١٨٤) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ عَنٍ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ
- وحَدَّثَيِيهِ مُحَمَّدٌّ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
(١٨٥) وحَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَغْفَرٍ ح وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَثْنَا أَبِي قَالا جَمِيعًا حَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنِ
مُحَارِبٍ عَن جَابِرٍ
٥٩٩

إن اللَّه رفيق يحب الرفق، ويرضى به، ويعين عليه، فإذا ركبتم فى سفركم دابة فارفقوا بها، طعاما
وشرابا وراحة سير، فإذا كانت الأرض فى طريقكم مخضرة وكلاً مباحا فأعطوا دوابكم حظها من
الطعام والشراب، وقللوا بها السير لترعى، وإذا كانت الأرض جدباء فأسرعوا السير فى حدود طاقة
دوابكم، لتصلوا مقصدكم قبل أن ينهكها الجوع والعطش وطول السير.
فإذا أردتم النزول ليلا للنوم والراحة فلا تضربوا منازلكم فى طريق الناس، وانحرفوا عن الطريق
إلى الأرض المجاورة الصالحة للنزول، فإن الطرق فى أواخر اللبل يسعى إليها الزواحف السامة
المؤذية والسباع المتوحشة، لتلتقط منها ما عساه يتخلف عن المسافرين من مأكول، فالنوم فى طريق
الناس آخر الليل يضيق على الناس، ويعرضكم للأذى.
وإذا قضى أحكم حاحته التى سافر من أجلها فليعجل العودة إلى أهله، ليتخلص من عذاب
السفر، وليريح أهله ومن غاب عنهم من آلام غيبته.
وإذا رجع مسافركم إلى بلد إقامته فلا يفاجئ أهله بالوصول بعد طول غيبة، بل يخطرهم بموعد
وصوله قبل الوصول بزمن تستعد فيه الزوجة للقائه بما ينبغى له من النظافة والزينة، حتى لا يرى ما
يكره، وحتى لا تنفر نفسه من أهله، ولئلا يرى شيئا يريب، والشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم.
فنعم الإسلام ونعم آداب الإسلام فى الحل والترحال.
المباحث العربية
(إذا سافرتم فى الخصب) بكسر الخاء وسكون الصاد، وهو كثرة العشب والمراعى، وهو ضد
الجدب، يقال: خصب المكان، بكسر الصاد يخصب بفتحها، وأخصب المكان، وأخصب اللَّه المكان،
فالمكان خصب وخصيب. والمعنى إذا سافرتم بالإبل فى أرض كثيرة المرعى.
(فأعطوا الإبل حظها من الأرض) فى رواية أبى داود ((فأعطوا الإبل حقها)» أى فقللوا السير
وانركوا الإبل ترعى فى بعض النهار، وأثناء السير، فتأخذ حظها من الأرض، بما ترعاه منها.
(وإذا سافرتم فى السنة فأسرعوا عليها السير) المراد بالسنة هنا القحط، وهى
بفتح السين والنون، وجمعها سنون وسنوات، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ
بالسِّذِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] أى بالقحط، أى إذا سافرتم بالإبل فى الجدب والقحط فعجلوا
السير، وفى الرواية الثانية ((وإذا سافرتم فى السنة فبادروا بها نقيها)) بكسر النون وسكون
القاف، وهو المخ، مخ العظم، والنقو بكسر النون وفتحها كل عظم ذى مخ، والجمع أنقاء، أى
إذا سافرتم بالإبل فى أرض جدية فأسرعوا السير، لتحتفظوا بمخ عظامها، وتصلوا إلى
المقصد وفيها بقية من قوتها، فتقليل السير بها فى الأرض الجدبة يلحقها الضرر، لأنها لا
تجد ما ترعاه، ويطول بها الزمن، فتضعف، ويذهب نقيها ومح عظامها، وربما كلت وتعبت
وتوقفت، فعليكم بالرفق، وقد جاء صدر هذا الحديث عند مالك في الموطأ بلفظ ((إن اللَّه
٦٠٠