النص المفهرس
صفحات 561-580
قال الطبرى: إذا كان أصل الباعث هو أن تكون كلمة الله هي العليا لا يضره ما عرض له بعد ذلك.
وبذلك قال الجمهور، وعزاه ابن أبى جمرة للمحققين، فقال: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث
الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه. اهـ أى حتى لو قصد شيئا من الدنيا تبعا لقصد
إعلاء كلمة اللَّه، واستدل له الحافظ ابن حجر بما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة
قال: ((بعثنا رسول اللَّه ◌َ﴿ على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئًا، فقال: اللَّهم لا تكلهم إلى))
الحديث، فهذا يدل على أن المغنم كان مقصدا مشروعا.
القول الثانى أن القتال فى سبيل الله شرطه صفاء القصد وخلوصه لتكون كلمة الله هى
العليا، بحيث لا يشوبه قصد دنيوى، ولو على سبيل الإضافة والضم، ولا يضر حصول الدنيا
من غير قصد، واستدلوا بما رواه أبو داود والنسائى من حديث أبى أمامه بإسناد جيد قال:
((جاء رجل، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ ما له؟ قال: لا شىء
له، فأعادها ثلاثا، كل ذلك يقول: لا شىء له، ثم قال رسول اللَّه ◌ِ﴾: إن اللَّه لا يقبل من
العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغى به وجهه)).
وحمله أصحاب القول الأول على من قصد الأمرين معا على حد سواء، أو غلب الهدف الدنيوى.
فالمراتب خمسة: أن يقصد الإعلاء صرفا، وهو المطلوب.
الثانى: أن يقصد الإعلاء أصلا، والدنبا تبعا، وهو غير محظور عند الجمهور.
الثالث: أن يقصدهما على حد سواء، وهو محظور.
الرابع: أن يقصد الدنبا أصلاً، والإعلاء تبعاً، وهو محظور.
الخامس: أن يقصد الدنيا صرفاً، وهو أشدها حظراً ومنعاً.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١ - الحث على وجوب الإخلاص فى الأعمال، قال تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
٢- أن العموميات الواردة فى فضل الجهاد إنما هى لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا.
٣- أن الثناء على العلماء وعلى المنفقين فى وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك
للَّه تعالى مخلصا.
٤ - ذم الحرص على الدنيا.
٥ - ذم القتال لحظ النفس.
٦- تغليظ تحريم الرياء والسمعة.
٧- استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به، على إرادة الاقتداء به،
٥٦١
ويقدر ذلك بقدر الحاجة، قال الطبرى: كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون
فى مساجدهم، ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم، ليقتدى بهم، قال: فمن كان إماما يستن بعمله،
عالما بما لله عليه، قاهرا لشيطانه، استوى ما ظهر من عمله وما خفى، لصحة قصده، ومن كان
بخلاف ذلك فالإخفاء فى حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السف - رضى اللَّه عنهم.
٨- وجواز السؤال عن العلة.
٩- وتقدم العلم على العمل.
١٠- ومن الرواية الرابعة أنه لا بأس بقيام طالب الحاجة عند أمن الكبر والإعجاب، وأن يكون
المستفتى واقفا، إذا كان هناك عذر، من ضيق مكان أو غيره، ولا يعد ذلك من باب: من أحب أن
يتمثل له الرجال قياما.
١١-وفيه إقبال المتكلم على من يخاطبه.
والله أعلم
٥٦٢
(٥٢٧) باب ثواب من غزا فغنم، ومن لم يغنم
٤٣١٦ - ٣ ١٥ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٥٣)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ لَّ قَالَ: «مَا
مِن غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِمَةَ، إِلا تَعَجَّلُوا ثُلُغَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبْقَى
لَهُمُ التُِّثُ. وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ)».
٤٣١٧ - ٤َجْ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٥٤)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَّ: «مَا
مِن غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَعْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ، إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا تُلْفَيْ أُجُورِهِمْ. وَمَا مِن غَازِيَةٍ أَوْ
سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ، إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ)».
المعنى العام
أحل الله الغنائم لمحمد {. ولأمته، تشجيعا للمجاهدين فى سبيل الله، الداعين إلى الإسلام،
البائعين لأنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، لتكون عاقبتهم إحدى الحسنيين، إما النصر والسلامة
والغنيمة، وإما الشهادة، وتكفل الله للمجاهد فى سبيله بإحدى هاتين الحسنبين، نكفل اللَّه له أن
يدخله الجنة إن توفاه، أو يرجعه سالمًا بأجر، أو أجر وغنيمة.
ولما كانت النفوس البشرية بطبيعتها تحرص على المكاسب المادية، وتأسف إذا فاتها
رزق وغنيمة بين لهم صلى الله عليه وسلم أن ما فاتهم من مال يدخر لهم بدله فى الآخرة أجر
كبير، وأن الغنيمة والمكاسب المالية تضيع ثلثى أجر الجهاد، وأنهم إذا لم يغنموا كان
أجرهم يوم القيامة كاملا، فما عجل لهم خير، وما ادخر لهم خير، ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد. ٢٣].
المباحث العربية
(ما من غازية) صفة لموصوف محذوف، أى ما من جماعة غازية.
(وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم) قال النووي: قال أهل اللغة:
الإخفاق أن يغزوا فلا يغنموا شيئا، وكذلك كل طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق، ومنه أخفق
الصائد إذا لم يقع له صيد.
(١٥٣) حَدََّا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي هَالِيٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْحُبُلِيِّ عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو
(١٥٤) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهَلٍ الْتَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبُرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّتِي أَبُو هَالِيٍ حَدْثَِّي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُلِيُّ
عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
٥٦٣
فقه الحديث
قال النووى: الصواب الذى لا يجوز غيره فى معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا، أو غنموا، يكون
أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هى فى مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا
. حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثى أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، قال:
وهذا موافق الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله ((منا من مات ولم يأكل من أجره
شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها)) أى يجتنيها. فهذا الذى ذكرنا هو الصواب، وهو ظاهر
الحديث، ولم يأت حديث صريح صحبح يخالف هذا، فتعين حمله على ما ذكرنا، وقد اختار القاضى
عياض معنى هذا الذى ذكرناه، بعد حكايته فى تفسيره أقوالا فاسدة، منها: قول من زعم أن هذا
الحديث ليس بصحيح، ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة، كما لم ينقص ثواب أهل بدر، وهم أفضل
المجاهدين، وهى أفضل غنيمة، قال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ راو مجهول،
ورجحوا الحديث السابق فى أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، فرجحوه على هذا الحديث
لشهرته، وشهرة رجاله، ولأنه فى الصحيحين، وهدا فى مسلم خاصة، وهذا القول باطل من أوجه. فإنه
لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور، فإن الذى فى الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر
وغنيمة، ولم يقل: إن الغنيمة ننقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق، وهذا
مقيد، فوجب حمله علبه.
وأما قولهم: أبوهانئ مجهول فغلط فاحش، بل هو ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد وحيوة
وابن وهب وخلائق من الأئمة، ويكفى فى توثيقه احتجاج مسلم به فى صحيحه.
وأما قولهم: ليس فى الصحيحين فليس لازما فى صحة الحديث كونه فى الصحيحين،
ولا فى أحدهما.
وأما قولهم فى غنيمة بدر، فلبس فى غنيمة بدر نص أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم
بحاله من غير زيادة، وكونهم مغفورا لهم، مرضيا عنهم، ومن أهل الجنة لا يلزم منه ألا تكون وراء هذا
مرنبة أخرى، هى أفضل منه، مع أنه شديد الفضل، عظيم القدر. ثم ذكر النووى قولين فاسدين سبق
ذكرهما فى باب فضل الجهاد عند شرح نقطة اختلاف العلماء فى أجر المجاهد يرجع بغنيمة، أو
يرجع بدون غنيمة، فلتراجع.
واللَّه أعلم
٥٦٤
(٥٢٨) باب إنما الأعمال بالنية
٤٣١٨ - ١٥٥ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَ﴾(١٥٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ّ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ
بِالنَّّةِ. وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى. فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» فَهِجْرَّتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَعَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
المعنى العام
تطلق الأعمال على أعمال الجوارح والأعضاء الظاهرة، ومنها اللسان، وعلى أعمال القلوب، كالظن
والحقد والحسد، والعزم والتصميم المقترن بالفعل، وهو المعروف بالنية، ولما كانت المسئولية
البشرية تقع أولا وبالذات على الإرادة ونبيبت النية، وسبق العزم والتصميم كان الحديث الشريف
((إنما الأعمال بالنيات)) أى كل عمل اختيارى مرتبط بنية صاحبه.
إن الإنسان يتميز عن الحيوان بالعقل والتفكير، والعقل مناط التكليف الشرعي، فإذا اختل العقل
بالجنون مثلا اختلالا كاملا، أو اختل جرئيا بالنوم مثلا، أو بالإغماء رفع التكليف ففى الحديث ((رفع
القلم عن ثلاث: عن الصبى حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ».
ومن هنا ارتبط العمل بالنية وبعمل العقل، فمن صلى للَّه تعالى ليس كمن صلى للناس، يرائيهم،
فاللَّه تعالى يقول ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ وَيَمْنَعُونَ
الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ وما بعدها] وليس الفرق بين المنافقين فى عباداتهم، وبين المؤمنين
المخلصين للَّه فى عبادتهم إلا النبة والقصد، فكان المنافقون فى الدرك الأسفل من النار، وكان
المخلصون فى عليين. لأن ﴿الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى
يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢].
ويظهر أثر النية فى الأعمال فى الجهاد بصفة أكبر، حيث يقول صلى الله عليه وسلم ((من قاتل
لتكون كلمة اللَّه هى العليا فهو فى سبيل الله)) أما الذين يقاتلون للمغنم فأجرهم المغنم ولا ثواب لهم،
والذين يقاتلون ليقال شجعان فأجرهم دنيوى، فقد قيل، وفى هذه الحالات لا يكفر القتال ذنوبهم،
ويؤخذون بها إلى النار.
(١٥٥) حَدَّثَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ فَعْنَبٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ عَن مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَن عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنَ عُمّرَ
ابْنِ الْخَطّابِ
- حَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبُرَنَا اللَّيْثُ ح وحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حِ وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَِّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَّعْنِي النَّقَفِيَّ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُّرَنَا أَبُوَ خَالِدِ الأَحْمَرُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ ح وحَدََّا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَّيْرٍ حَدَّثَنَا حَفْصَّ بَعْنِي ابْنَ غِيَّاتٍ وَيَزِيَدُ بْنُ هَارُونَ حِ وِحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ حَدْثَنَا ابْنُ
الْمُّبَارَكِ ح وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِيَ عُمَّرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كُلُّهُمْ عَنِ يَحْتَّى بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادٍ مَالِكٍ وَمَغْنَى حَدِيثِهِ وَفِي حَدِيثٍ سُفْيَانَ
سَمِعْتُ عُمَّرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يُخْبِرُ عَنِ النّبِيِّ ◌َ ا.
٥٦٥
المباحث العربية
(إنما الأعمال بالنية) ((إنما)) أداة قصر، تفيد تقوية الحكم وتأكيده، وإثباته المذكور، ونفيه عما
عداه، و((الأعمال)) عام، يشمل أعمال الإنسان، المكلف وغير المكلف، الدينية والدنيوية، لكن العموم هنا
غير مراد، إذ المراد أعمال العبادة الصادرة من المكلفين.
وقد وجه بعض العلماء جمع الأعمال وإفراد النبة فى هذه الرواية بأن الأعمال متعددة متنوعة،
حسب جوارح الإنسان المختلفة، فتعدد اللفط مراعاة لتعدد المحل، أما النية فمحلها القلب، فناسب
إفرادها.
وعند البخارى ((إنما الأعمال بالنيات)) بجمع الأعمال، وجمع النيات، ووجهه بعضهم بأن مقابلة
الجمع بالجمع يقتضى القسمة آحادا، فكأنه قال: كل عمل بنية.
وعند البخارى أيضا ((العمل بالنية)) بإفراد كل منهما.
و)) الأعمال)) مبتدأ، و((بالنية)» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، واختلف العلماء فى تقدير هذا
المحذوف، فمنهم من قدره ((تعتبر)) ومنهم من قدره ((نكمل)) ومنهم من قدره ((تصح)» ومنهم من قدره
((تستقر)) ومنهم من قدره ((نتبع)) وهو أقربها.
والنية القصد. قال البيضاوى: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض، من جلب
نفع، أو دفع ضر، حالا أو مآلا، والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل، لابتغاء رضاء الله،
وامتثال حکمه.
قال الحافظ ابن حجر: والنية فى الحديث محمولة على المعنى اللغوى - الشامل للأمور الأخروية
والدنيوية - ليحسن تطبيقه على بقية الحديث، من تقسيم أحوال المهاجر، فإن فبه تفصيلا لما
أجمل، وفيه نية المهاجر لأمر دنيوى. اهـ
واختلفوا فى الأقوال، هل تدخل فى الأعمال هنا؟ على أنها أعمال اللسان؟ أو لا تدخل؟ على أنها
لا تسمى أعمالا فى العرف، ولهذا تعطف كل واحدة على الأخرى، فيقال: الأقوال والأفعال. قال ابن
دقيق العيد: وأخرج بعضهم الأقوال، وهو بعيد، ولا تردد عندى فى أن الحديث يتناولها.اهـ.
وأما عمل القلب، كالنية، فلا يتناوله الحديث، لئلا يلزم التسلسل، وكل نية تحتاج إلى
نية، إلى ما لا نهاية.
(وإنما لامرئ ما نوى) حركة الراء فى ((امرئ)) تتبع حركة الإعراب، فتضم الراء فى حالة
الرفع، تبعا لحركة الهمزة، وتفتح فى حالة النصب، وتكسر فى حالة الجر.
وفى بعض الروايات ((ولكل امرئ ما نوى)) بدون ((إنما)) وفى بعضها ((وإنما لامرئ ما نوى)) وفى
بعضها ((ولامرئ ما نوى)) ومن المعلوم أن الألفاظ فى الحديث الواحد قد تتغاير مع الاتفاق فى
٥٦٦
المعنى، أو التقارب فيه، وبما أن هذا الحديث فى جميع رواياته مصدره المتلقى له عن رسول اللّه *
هو عمر ضه فإن تعدد القضية وتعدد صدوره عن الرسول و# بعيد أو غير وارد، مما يدل على أن
اختلاف ألفاطه من الرواة، ومن الرواية بالمعنى.
(فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) لم تذكر هذه الجملة فى
رواية البخارى فى كتاب بدء الوحى، وذكرها فى أماكن أخرى، جريا على منهجه فى الاقتصار على
جزء الحديث فى بعض الأماكن.
والهجرة فى اللغة الترك، والهجرة إلى الشىء الانتقال إليه عن غيره، وفى الشرع ترك ما نهى الله
عنه، وقد وقعت فى الإسلام على وجهين: الأول الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما فى
هجرتى الحبشة، وكما فى الهجرة إلى المدينة قبل هجرته صلى الله عليه وسلم، الثانى الهجرة من دار
الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبى# بالمدينة، فهاجر إليه من تمكن من المسلمين،
وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة، فانقطع الاختصاص، وبقى
عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه.
وظاهر هذه الجملة اتحاد الشرط والجزاء ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ((والأصل
تغايرهما، لكن هذا التغاير قد يكون فى اللفظ والمعنى، وقد يكون فى المعنى دون اللفظ، كما هو هنا،
اعتمادا على المعهود المستقر فى النفس، والمعنى من كانت هجرته إلى الله ورسوله أثابه الله على
هذا القصد الأخروى.
(ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها) فى بعض روايات البخارى ((إلى دنيا يصيبها)) والدنيا
بضم الدال، وحكى كسرها، من الدنو، وهى القرب، سميت بذلك لسبقها للآخرة، وقيل: سميت دنيا
لدنوها إلى الزوال، والمراد بها ما على الأرض من هواء وجو ومخلوقات، مما قبل قيام الساعة، ومعنى
((يصيبها)» يحصلها، لأن تحصيلها كإصابة الصيد بالسهم.
(أوامرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) هذا من ذكر الخاص بعد العام، فإنها من
أمور الدنيا، فتخصيصها بالذكر لمزيد الاهتمام بهذا النوع، للتحذير منه، لأن الافتتان به أشد، وقيل:
خصت بالذكر للإشارة إلى سبب ذكر هذا الحديث، مما يعرف بقصة مهاجر أم قيس، قال ابن دقيق
العيد: نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة
تسمى أم قيس، ورواها الطبرانى بلفظ ((كان فينا رجل خطب امرأة، يقال لها: أم قيس، فأبت أن
تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر، فتزوجها، فكنا نسميه: مهاجر أم قيس)».
قال الحافظ ابن حجر: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أن حديث ((إنما
الأعمال بالنيات)» سيق بسبب ذلك.اهـ.
فقه الحديث
يقول النووى: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وصحته، قال الشافعى
وآخرون: هو ثلث الإسلام، وقال الشافعى: يدخل فى سبعين بابا من الفقه، وقال آخرون: هو ربع
٥٦٧
الإسلام، وقال عبد الرحمن بن مهدى وغيره: ينبغى لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث، تنبيها
للطالب على تصحيح النية، ونقل الخطابى هذا عن الأئمة مطلقا، وقد فعل ذلك البخارى وغيره،
فابتدءوا به قبل كل شىء، وذكره البخارى فى سبعة مواضع من كتابه.
قال: قال الحفاظ: لم يصح هذا الحديث عن النبى {* إلا من رواية عمر بن الخطاب، ولا عن عمر
إلا من رواية علقمة بن وقاص، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمى، ولا عن محمد إلا
من رواية يحيى بن سعيد الأنصارى، وعن يحيى انتشر، فرواه عنه أكثر من مائتى إنسان، أكثرهم
أئمة، ولهذا قال الأئمة: ليس هو متواترا، وإن كان مشهورا عند الخاصة والعامة، لأنه فقد شرط التواتر
فى أوله.
قال: وفيه طرفة من طرف الإسناد، فإنه رواه ثلاثة تابعيون، بعضهم عن بعض، يحيى
ومحمد وعلقمة. اهـ
وقد اختلف العلماء فى اشتراط النية فى بعض العبادات، فمن اشترطها قدر: إنما صحة الأعمال
بالنيات، ومن لم يشترطها قدر: إنما كمال الأعمال بالنيات، ورجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما
للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، ومن هنا قال النووى: فتقدير الحديث أن الأعمال تحسب
بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية.
قال الحافظ ابن حجر: وليس الخلاف بينهم فى مقاصد العبادات، كالصلاة، إذ لا خلاف بينهم
فى اشتراط النية لها، وإنما الخلاف فى الوسائل كالوضوء والغسل والتيمم.اهـ. والمحقق فى المسألة
يرى أن العلماء لم يتفقوا على اشتراط النية كقاعدة فى كل الأعمال، أو عدم اشتراطها.
فهناك من القرب والطاعات ما لا يجب فيه نية، عند من يوجبها فى وسائل العبادات، كالأذكار
والأدعية والتلاوة، قالوا: لأنها تتميز بنفسها، وتختص بالطاعة، وهذا التوجبه معترض بالتبمم متلاء
فهو كذلك لا يتردد بين العبادة والعادة. نعم لو قصد بالذكر القربة واستحضرها كان أكثر ثوابا
باتفاق، ومن هنا قال الغزالى: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب، لأنه خير من حركة
اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت المجرد عن التفكير، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى حركة
اللسان مع القلب.اهـ وعليه من لم تخطر المعصية بباله أصلاليس فى الثواب كمن خطرت فكف
نفسه عنها خوفا من اللّه تعالى.
وهناك أيضا من القرب والطاعات ما يحصل ثوابها بغير نية تبعا لنبة أخرى، كمن دخل
المسجد، فصلى الفرض قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد، نواها أولم ينوها.
وهناك النكاح والطلاق والعتق هزلها كجدها بقطع النظر عن النية، ومن هنا قال النووي: وتدخل
النية فى الطلاق والعتق، ومعنى دخولها إدا قارنت كناية بالطلاق صارت كالصريح، وأنه إذا أتى
بصريح الطلاق، ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى. اهـ
وهناك التروك لا تحتاج إلى نية، وذهب جمهور الشافعية إلى أن إزالة النجاسة من التروك، وهو
٥٦٨
غير ظاهر، وإن كانت إزالة النجاسة لا تحتاج إلى نية، والتفريق بينها وبين غسل الجمعة وغسل
الجناية غير واضح.
وقال جمهور العلماء: إن الأعمال التى لا يقصد بها العبادة، كالأكل والشرب والنوم لا تفيد ثوابا
إلا إذا نوى بها فاعلها القرية. وعندى أنها مادامت على مقتضى الشرع، بعيدة عن المحرم والمكروه
يثاب عليها، فترك الحرام له أجر إن شاء اللّه.
ومناسبة هذا الحديث لكتاب الإمارة والجهاد والغزوات واضحة، فهو وإن كان عاما يشملها
ويشمل غبرها لكنه فى الغزوات خاصة واضح الأثر، فالحديث السابق ((من قائل لتكون كلمة اللَّه هى
العليا فهو فى سبيل الله)).
والله أعلم
٥٦٩
(٥٢٩) باب استحباب طلب الشهادة فى سبيل الله
٤٣١٩ - ١٢٦ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَّ(١٥٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ﴿ِ: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ
صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ».
٤٣٢٠ - ١٩٧ عَن سَهْلِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ(١٥٧)، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ: أَنَّ النّبِيَّ
﴿ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» وَلَمْ
يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ فِي حَدِيثِهِ: «بِصِدْقٍ».
المعنى العام
يرغب صلى الله عليه وسلم فى نية الخبر، وفى الرغبة فى الجهاد، والحرص عليه، والتشوق له، ولو
كان فيه التضحية بالنفس فى سبيل الله، فما أحب البلاء المؤدى إلى النعيم المقيم، والدرجات العلى
فى الآخرة. فجعل لهذه الرغبة، والحرص على تنفيذها، بعزم وتصميم، وإيمان وإخلاص، فمنعه مانع
من التنفيذ أجر من نفذ الجهاد، وأجر من مات فى المعركة، وإن مات فى ببته وعلى فراشه من غير
جهاد، ولا ضرب بسيف، ولا طعن برمج، ولا رمى بنبل، وإنما لكل امرئ ما نوى.
المباحث العربية
(من طلب الشهادة صادقا) أى مخلصا فى طلبها، أى مطابقا ما يقوله بلسانه ما
هو فى قلبه .
(أعطيها ولو لم تصبه) ظاهر العبارة تعارض أولها لآخرها، فإعطاؤها إصابتها، لكن المعنى
أعطى ثوابها، ولو لم يعطها وجودا وفعلا.
فقه الحديث
عنون البخارى للباب بباب تمنى الشهادة، قال ابن المنير وغيره: الظاهر أن الدعاء بالشهادة
يستلزم الدعاء بنصر الكافر على المسلم، وإعانة من يعص الله على من يطيعه - لأن الشهادات تقع
(١٥٦) حَدَّثْنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سِّلَمَّةٌ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٥٧) حَدَّثَِّي أَبُو الطَّهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ قَالَ أَبُوِ الطَّاهِّرِ أَخْبَرَنَا وَقَالَ حَرْمَلَةُ حَدْثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثِّي
أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ سَهْلَ بَّنَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ حَدَّثَهُ عَن أَبِهِ
٥٧٠
غالبا فى المسلمين عند انتصار أعدائهم عليهم، ونيلهم منهم - لكن المقصود الأصلى إنما هو حصول
الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة، وليس نصر الكافر مقصودا لذاته، وإنما يقع من ضرورة
الوجود، فاغتفر حصول المصلحة العظمى من دفع الكفار وإذلالهم وقهرهم بقصد قتلهم بحصول ما
يقع فى ضمن ذلك من قتل بعض المسلمين، وجاز نمنى الشهادة، لما يدل عليه من صدق من وقعت له
من إعلاء كلمة الله حتى بذل نفسه فى تحصيل ذلك. اهـ
وحاصل هذا الجواب أنه لا تلازم بين طلب الشهادة وببن انتصار الكفار، فكثيرا ما
ينتصر المسلمون ويقع إعلاء كلمة الله مع استشهاد بعض المسلمين، فطلب الشهادة،
وطلب التضحية فى سببل نصر دين الله أمر مستحب فى ذاته، إن وقع ثبت أجره، وإن
تمناه متمن وطلبه طالب كان له أجره.
وظاهر الرواية الثانية أن الداعى المتمنى للشهادة بصدق يساوى من استشهد فى الأجر، لكن قال
النووى: معناه أن من سأل الشهادة بصدق أعطى من ثواب الشهداء، وإن كان على فراشه. اهـ فهو
يشير إلى أن المماثلة فى نوعية الأجر، وليس فى مقداره، وهذا التفسير أقرب إلى الحقيقة والعدالة.
وللحديث علاقة بما مرفى باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، وفيما يأتى فى باب ثواب
من حبسه العذر عن الغزو.
والله أعلم
٥٧١
(٥٣٠) باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو
٤٣٢١ - ٥٨ ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(١٥٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ
يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِن ◌ِفَاقٍ» قَالَ ابْنُ سَهْمٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ
ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ.
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] ويقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ
لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِن الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] ويقول ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِن الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَر
وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] وهكذا أمر الله بالجهاد، وبين فضله، وتسارع الصحابة إليه،
وما تقاعس عنه بدون عذر إلا المنافقون. وفى هذا الحديث يحذر صلى الله عليه وسلم من هذا
التقاعس، وينذر صاحبه بعذاب يوم القيامة، بل يحذر القاعدين أصحاب الأعذار من عدم الحرص،
ويدعوهم إلى الرغبة فيه، والتشوق إليه بقلوبهم، ليكونوا مع المجاهدين بأرواحهم، حيث لم يصاحبوهم
بأبدانهم، فكل من لم يحدث نفسه، ويتمنى فى نفسه الجهاد لم يكن غيورا على الإسلام، ولم يكن
يحب الله ورسوله، وذلك شعبة من النفاق.
المباحث العربية
(من مات ولم يغز) بالفعل فى غزوة من الغزوات، ولم يكن له عذر شرعى.
(ولم يحدث به نفسه) أى من مات ولم يحدث نفسه بالغزو، أى لم يتمن، ولم يتشوف، ولم
يرغب فيه.
(مات على شعبة من نفاق) لأن الجهاد من الإيمان، وهو شعبة من شعبه، وخصلة من
خصاله؛ لهذا ترجم البخارى: باب الجهاد من الإيمان.
(فنرى أن ذلك كان على عهد رسول اللَّه ◌َ ) قال النووى ((فنرى)) بضم النون، أى نظن،
قال: وهذا الذى قاله ابن المبارك محتمل، وقال غيره: إنه عام، والمراد: أن من فعل هذا فقد أشبه
المنافقين المتخلفين عن الجهاد فى هذا الوصف، فإن ترك الجهاد إحدى شعب النفاق.
(١٥٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمِ الأَنْطَاكِيُّ أَخْرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ وُهَيْبِ الْمَكِّيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ
الْمُنْكَدِرِ عَن سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ
٥٧٢
فقه الحديث
قال النووى: يؤخذ من هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها، لا يتوجه عليه الذم
الذى يتوجه إلى من مات ولم ينوها. وقد اختلف الأصحاب فيمن تمكن من الصلاة فى أول وقتها،
فأخرها بنية أن يفعلها فى أثنائه، فمات قبل فعلها، أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى، فمات
قبل فعله، هل يأثم أم لا؟ والأصح عندهم أنه يأثم فى الحج، دون الصلاة، لأن مدة الصلاة قريبة، فلا
تنسب إلى تفريط بالتأخير، بخلاف الحج، وقيل: يأثم فيهما، وقيل: لايأثم فيهما، وقيل: يأثم فى الحج
الشيخ دون الشاب.
والله أعلم
٥٧٣
(٥٣١) باب ثواب من حبسه العذر عن الغزو
٤٣٢٢ -١٢٩ عَنْ جَابِرِ ضَّ(١٥٩) قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّنَ فِي غَزَاةٍ. فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ
لَرِجَالا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ».
٤٣٢٣ - - وفي رواية عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «إِلا شَرِكُوكُمْ
فِي الأَجْرِ».
المعنى العام
مضى معنى هذا الحديث ومضمونه قريبا تحت باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين.
المباحث العربية
(إن بالمدينة لرجالا) أى وبغيرها من أماكن المسلمين الذين يعلمون بالغزوات ويحرصون
عليها، وهم من أهلها.
(ما سرتم مسيرا) أى ما خطوتم من خطوة.
(ولا قطعتم واديا) من ذكر الخاص بعد العام.
(إلا كانوا معكم) بالقوة لا بالفعل، وبالأجر لا بالأجسام.
(حبسهم المرض) الجملة مستأنفة استئنافا تعليليا، فى جواب سؤال، تقديره: لماذا؟ فقيل:
لأنه حدسهم المرض، ولم يتخلفوا باختيارهم، بل بالمرض ونحوه من الأعذار الشرعية.
(إلا شركوكم فى الأجر) قال أهل اللغة: شركه بكسر الراء بمعنى شاركه، أى إلا
شاركوكم فى الأجر.
(١٥٩) حَدَثَّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانٌ عَن جَابِرِ
- وحَدََّا يَحْتِى بْنُ يَّحْتِى أَخْبُرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ قَالا حَدَّثَنَا وَكِيمٌ ح وَحَدَّثْنَا
إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ
٥٧٤
فقه الحديث
قال النووى: فى هذا الحديث فضيلة النية فى الخير، وأن من نوى الغزو، وغيره من الطاعات
فعرض له عذر منعه، حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع
الغزاة ونحوهم كثر ثوابه. اهـ
وبقية مباحث الحديث سبقت عند باب سقوط الجهاد عن المعذورين.
والله أعلم
٥٧٥
(٥٣٢) باب فضل الغزو فى البحر
٤٣٢٤ -١٦٠ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍعَ﴾(١٦٠): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِ﴿ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ
بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ. وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِّ
يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ. فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِعَلَّ. ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ:
فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ» أَوْ «مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)» يَشُكُّ أَيَّهُمَا
قَالَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ.
ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِن أُمَّتِي
عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ» كَمَا قَالَ فِي الأُولَى. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ
أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ
مُعَاوِيَةَ. فَصُرِعَتْ عَنْ دَابْتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.
٤٣٢٥ - لاٍ عَن ◌َنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٦١)، عَنْ أُمّ حَرَامِ - وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ - قَالَتْ: أَثَانًا
النّبِيُّ ◌َ﴿ْ يَوْمًا. فَقَالَ عِنْدَنَا. فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي
أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِن أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكٍ عَلَى الأَسِرَّةِ» فَقُلْتُ:
ادْعُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «فَإِنَّكِ مِنْهُمْ» قَالَتْ: ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ أَيْضًا وَهُوَ يَضْحَكُ.
فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: مِثْلَ مَقَالَتِهِ. فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» قَالَ:
فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدُ. فَغَزَا فِي الْبَحْرِ. فَحَمَلَهَا مَعَهُ. فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا
بَعْلَةٌ. فَرَكِبَتْهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا.
٤٣٢٦ - ٢لا عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَ﴾(١٦٢)، عَن خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، أَنَّهَا قَالَتْ: نَامَ
رَسُولُ اللّهِوَ﴿ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّيٍ. ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَضْحَكَكَ؟
قَالَ: نَاسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ الأَخْضَرِ». ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ
حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
(١٦٠) حَذَتْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَن إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةً عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٦١) حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَن يَحَّْى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ مُحَّمَّدٍ بْنِ يَحْتِى بْنِ حَبَّانَ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٦٢) وحَدَّثْنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ بْنِ الْمُهَاجِرِ وَيَحْيَى بْنُ يَخْيَى قَالا أَخْبُرَنَا اللّيْثُ عَنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ حَبَّانِ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
٥٧٦
٤٣٢٧ - " وفي رواية عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَ﴾(١١) قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ ابْنَةَ مِلْحَانَ خَالَةً
أَنَسٍ فَوَضَعَ رَأْسَهُ عِنْدَهَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ إِسْحَقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَمُحَمَّدِ بْنٍ
يَحْتَى بْنِ حُبَّانَ.
المعنى العام
كان للعرب فى الجزيرة العربية رحلتان، رحلة الشتاء، ورحلة الصيف، إلى الشام، وإلى اليمن،
وهما فى البر، حتى حين يستخدمون طريق ساحل البحر الأحمر يخافون البحر، ينظرون إلى السفن
الجاريات فيه نظرة خوف وخطر، فالقرآن الكريم يقول ﴿إِنْ يَشَأُ يُسْكِنْ الرِّحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى
ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارِ شَكُورِ﴾ٍ أَوْ يُودِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤،٣٣].
وما لهم ولهذا المجهول؛ إن عندهم سفينة الصحراء، الإبل، مأمونة الجانب، نادرة الخطر، ولم يكن
صلى الله عليه وسلم من رواد البحار، بل روى أنه نهى عن ركوب البحر، ومنع عمر بن الخطاب لُه
ركوب البحر، وحاول معاوية وهو أمير الشام من قبله أن يستأذنه فى الغزو فى البحر، فمنعه، فلما
كان عنمان ه ألح عليه أن يأذن له، فأذن له بشرط أن لا يجبر أحدا على الخروج معه.
مع هذه الصورة المخيفة عن البحر وأخطاره يخبر صلى الله عليه وسلم أن أمته ستغزو بلاد الكفر
عن طريق البحر، ينام فيرى فى منامه، ورؤياه حق أن جنودا من أمته سيركبون البحر غزاة، وهم أعزة
كالملوك على الأسرة، فيستيقظ مبتسما مسرورا، فتسأله أم حرام خالته أو أمه من الرضاعة، وكان قد
نام نوم الظهبرة فى ببتها، تسأله: ما الذى يضحكك يا رسول الله؟ فيخبرها عما رأى، فتقول له: ادع
اللَّه أن يجعلنى منهم، فبدعو الله لها أن تكون منهم، فيعلمه ربه أنه استجاب دعاءه، فيقول لها: أنت
منهم، وبعد قلبل ينام ثانية، فيرى فرقة أخرى متأخرة زمنا من أمته نغزو بلاد الكفر، وهم فى حالة
القوة والسبطرة والتمكن، كأنهم ملوك على الأسرة، فيستيقظ ضاحكا، فتقول له أم حرام: ما الذى
أضحكك يا رسول الله؟ فيقص عليها الرؤيا التانية، فتتمنى أن تكون مع الفرقتين، ليزداد رصيدها
من أجر الغزو، فتقول: ادع اللَّه لى يا رسول الله أن أكون منهم، فيقول لها: لا لست من الآخرين، أنت
من الأولين، ويستبعد الحال الواقع أن تدخل أم حرام بحرا، ويشاء السميع العليم أن تتزوج عبادة بن
الصامت، فيخرج فى جيش معاوية إلى غزو قبرص عن طريق البحر، فيأخذها معه، فتفتح قبرص
للمسلمين، ويعود المسلمون فى البحر إلى الشام، وتخرج أم حرام من البحر على ساحل الشام لتركب
بغلتها، فتقع تحت أقدام بغلتها، فتدق عنقها، وتموت، فتقبر فى حمص، يتبرك بها - ويقال عنه: هذا
قبر المرأة الصالحة - رضى الله عنها.
(١٠) وحَدَّثِّي يَحْتَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَن عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسٌ
ابْنَ مَالِكٍ يَقُولُ
٥٧٧
المباحث العربية
(أن رسول الله: ﴿ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان) ((أم حرام)) بفتح
الحاء والراء، ((بنت ملحان)) بكسر الميم وسكون اللام، وهى خالة أنس - رضى الله عنهما -
كما جاء فى الرواية الثانية والثالثة والرابعة، ويقال لها: الرميصاء، ويقال لأم سليم
الغميصاء، وقيل. بالعكس، والرمص والغمص متقاربان، وهو اجتماع القذى فى مؤخر العين
وفى هدبها، وقيل: استرخاؤها وانكسار الجفن.
قال النووى: واتفق العلماء على أنها كانت محرما له صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فى كيفية
ذلك، فقال ابن عبد البر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول اللّه ﴿، أو أختها أم سليم، فصارت كل
منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من
محارمه، وقال بعضهم: إنما كانت خالته لأبيه أو جده عبد المطلب، وقال ابن الجوزى: سمعت بعض
الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب، أم رسول اللّه* من الرضاعة. قال ابن عبد
البر: وأيهما كان فهى محرم له.
وقال بعضهم. لم تكن أم حرام محرما له صلى الله عليه وسلم، ولكن من خصوصياته صلى اللّه
عليه وسلم ذلك، لأنه كان يملك إربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه، وهو المبرأ عن
كل فعل قبيح، وعن قول الرفث، ورد القاضى عياض هذا القول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال،
وثبوت العصمة مسلم، لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به فى أفعاله حتى يقوم على
الخصوصية دليل، ومال الحافظ ابن حجر إلى هذا القول، فقال: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية،
ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح. وبالغ الدمياطى فى الرد على من ادعى
المحرمية، فقال: ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبى 8* من الرضاعة أو من النسب،
وكل من أثبت لها خؤولة تقتضى المحرمية، لأن أمهاته صلى اللّه عليه وسلم من النسب، واللاتى
أرضعنه معلومات، ليس فيهن أحد من الأنصار، ألبتة، سوى أم عبد المطلب، ثم قال: وإذا تقرر هذا
فقد ثبت فى الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، وإلا
على أم سليم، فقيل له؟ فقال: أرحمها، قتل أخوها معى، يعنى ((حرام به ملحان)) وكان قد قتل يوم
بئر معونة. وقد جمع الحافظ ابن حجربين ما أفهمه هذا الحصر فى الصحيح وبين ما دل عليه
حديث الباب فى أم حرام، فقال ما حاصله: إنهما أختان كانتا فى دار واحدة، وكانت كل واحدة
منهما فى بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معا، فالعلة مشتركة فيهما، وقد انضم إلى
العلة المذكورة - علة الرحمة - كون أنس خادم النبى ®، وقد جرت العادة بمخالطة المخدوم خادمه
وأهل خادمه، ورفع الحشمة التى تقع بين الأجانب عنهم.
ثم قال الدمياطى: على أنه ليس فى الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد
أو خادم أوزوج أوتابع، قال الحافظ ابن حجر: وهو احتمال قوى، لكنه لا يدفع الإشكال من أصله،
لبقاء الملامسة فى تقلية الرأس وكذا النوم فى الحجر. اهـ
٥٧٨
وقال ابن العربى: يحتمل أن ذلك كان قبل الحجاب، ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب قطعا، فقد
كان هذا بعد حجة الوداع، وكان الحجاب فى زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش.
فأسلم الأجوبة دعوى الخصوصية، كما قال ابن حجر. والله أعلم.
(فتطعمه) أى فتقدم له الطعام، أى كان هذا شأنها، كلما دخل عندها.
(وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت) ظاهر هذه الرواية أنها كانت زوجة لعبادة
حال دخول النبى # إليها، لكن الرواية الثانية صريحة فى أنه إنما تزوجها بعد هذه الرؤيا والدعاء
والتبشير، فلفظها ((فتزوجها عبادة بن الصامت بعد)» وحمل النووى الرواية الأولى على الثانية، فيكون
أنس قد أخبر عما صار حالا لها بعد ذلك. قال الحافظ ابن حجر: هذا الذى اعتمده النووى وغيره تبعا
لعياض، لكن وقع فى ترجمة أم حرام من طبقات ابن سعد ما يفيد أنها كانت تحت عبادة قبل أحد،
فيحتمل أنها كانت تحت عبادة أولا، ثم فارقها، فتزوجت عمرو بن قيس، فاستشهد فى أحد، فرجعت
إلى عبادة، ثم قال: والذى يظهر لى أن ما وقع فى الطبقات غير سليم، وأن الأمر بعكس ما وقع فيها،
وأن عمرو بن قيس تزوجها أولا، فولدت له، ثم استشهد هو وولده منها، وتزوجت بعده بعبادة.
(فأطعمته، ثم جلست تفلى رأسه) فى رواية البخارى ((وجعلت تفلى رأسه)) ((تفلى)) بفتح
التاء وسكون الفاء وكسر اللام، أى تفتش، ولا يلزم من ذلك وجود الهوام، فكتيرا ما يكون ذلك لتخدير
الجسم وارتخائه استجلابا للنوم.
(فنام رسول اللَّه ◌َ ﴿) فى الرواية الثالثة ((نام قريبا منى)) وكذا عند البخارى، وفى رواية له
((فاتكا)) وقد بينت الرواية الثانية وقت النوم، وأنه كان وقت القبلولة، ولفظها ((فقال عندنا)) وفى
كتب اللغة: قال، يقيل، قيلا بفتح القاف: نام وسط النهار، فهو قائل، والجمع قيل بضم القاف والياء،
وقيال بضم القاف وتشديد الياء.
(ثم استيقظ، وهو يضحك) فرحا وسرورا بكون أمته تبقى بعده متمسكة بأمور الإسلام، قائمة
بالجهاد، حتى فى البحر، قال النووى، وقال الحافظ ابن حجر: كان ضحكه إعجابا بهم، وفرحا، لما
رأى لهم من المنزلة الرفيعة، وفى الرواية الثالثة ((ثم استيقظ يبتسم)) وكان ضحكه صلى اللّه عليه
وسلم ابتساما، والجملة حالية.
(فقلت: ما يضحكك يا رسول اللَّه؟) كان الظاهر أن يقول أنس: فقالت: ما
يضحكك يا رسول الله؟ ولهذا اختلف فيه، هل هو من مسند أنس؟ أو من مسند أم حرام؟
قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن أوله من مسند أنس، وقصة المنام من مسند أم حرام،
فإن أنسا إنما حمل قصة المنام عنها.
أما الرواية الثانية والثالثة فهما صراحة من مسند أم حرام، وظاهرهما أن أنسالم يحضر هذه
الواقعة، وهو المعتمد، وفى الرواية الثالثة ((ما أضحكك))؟ زاد فى الرواية الثانية)) بأبى أنت وأمى))
٥٧٩
ولأحمد ((مم تضحك))؟ وفى رواية ((ثم استيقظ وهو يضحك، وكانت نغسل رأسها، فقالت: يا رسول
اللَّه، أتضحك من رأسى؟ قال: لا)).
(ناس من أمتى عرضوا على) أى فى منامى، وفى الرواية الثانية ((أريت قوما من أمتى)) بضم
الهمزة، أى أرانى اللَّه فى منامى، وفى رواية ((عجبت من قوم من أمتى)).
(غزاة فى سبيل اللَّه) حال.
(يركبون ثبج هذا البحر) بفتح الثاء والباء، بعدها جيم، والنبج ظهر الشىء، وقال الأصمعى:
ثبج كل شىء وسطه، وقيل: متن هذا البحر، وقيل: معظمه، وقيل: هوله، والراجح أن المراد هنا ظهره،
قال الحافظ: ولما كان جرى السفن غالبا إنما يكون فى وسطه قيل: المراد وسطه، وإلا فلا اختصاص
لوسطه بالركوب، وفى الرواية الثانية))يركبون ظهر البحر)) وفى الرواية الثالثة ((يركبون ظهر هذا
البحر الأخضر)» قال الكرمانى ((الأخضر)) صفة لازمة للبحر، لا مخصصة [قال الحافظ ابن حجر،
ويحتمل أن تكون مخصصة، لأن البحر يطلق على الملح والعذب، فجاء لفظ («الأخضر» لتخصيص
الملح بالمراد] قال: والماء فى الأصل لا لون له، وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء وسائر
مقابلاته إليه، وقال غيره: إن الذى يقابله السماء، وقد أطلقوا عليها الخضراء، لحديث ((ما أظلت
الخضراء، ولا أقلت الغبراء)) والعرب تطلق الأخضر على كل لون ليس بأبيض ولا أحمر.
(ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة) فى الرواية الثانية ((كالملوك على
الأسرة)) بدون شك، وعند أحمد ((مثلهم كمثل الملوك على الأسرة)) قال ابن عبد البر: أراد - والله أعلم
- أنه رأى الغزاة فى البحر من أمته ملوكا على الأسرة فى الجنة، ورؤياه وحى، وقد قال اللّه تعالى فى
صفة أهل الجنة ﴿عَلَى سُرُرِ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] وقال ﴿عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِثُونَ﴾ [يس: ٥٦]
والأرائك السرر، وقال عياض: هذا محتمل، ويحتمل أيضا أن يكون خبرا عن حالهم فى الغزو، من سعة
أحوالهم، وقوام أمرهم، وكثرة عددهم، وجودة عددهم، فكأنهم الملوك على الأسرة، اهـ أى أنه رأى ما
يؤول إليه أمرهم فى الدنيا أو فى الآخرة، ويحتمل التشبيه أيضا، أى هم فيما سيكونون عليه فى الآخرة
من النعيم الذى أثيبوا عليه فى غزاتهم وجهادهم مثل ملوك الدنيا على أسرتهم.
(فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها) فى رواية ((فقال: اللَّهم اجعلها منهم)) وفى
الرواية الثانية ((قال: فإنك منهم)) وفى رواية ((فقلت: يا رسول الله، أنا منهم؟ قال: أنت منهم ((
ويجمع بأنه دعالها، فأجيب، فأخبرها جازما بذلك.
(ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ ... قال: ناس من أمتى ... كما قال فى الأولى) قال
عياض والقرطبى: فى السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأولى، وأن فى كل نومة عرضت
عليه طائفة من الغزاة)) اهـ وقد جاء فى بعض الروايات أنه قال فى الرؤيا الثانية ((يغزون مدينة
قيصر)»، لكن قولها ((كما قال فى الأولى)) وقولها فى الرواية الثانية ((فقال مثل مقالته)) أن الفرقة
٥٨٠