النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٢٢٥ - ٤ ٧ عَن سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ(٧٤) قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:
أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ.
٤٢٢٦ - °ل عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى بَيْ(٧٥) قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ أَلْفًا وَثَلاثَ
مِائَةٍ. وَكَانَتْ أَسْلَمُ ثُمْنَ الْمُهَاجِرِينَ.
٤٢٢٧ - ٣٦ عَنِ مَعْقِلٍ بْنِ يُسَارِ رَّ(٧٦) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ، وَالنَّبِيُّ ◌َِّ يُبَابِعُ
النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصْنًا مِن أَغْصَائِهَا عَن رَأْسِهِ. وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. قَالَ: لَمْ تُبَايِعْهُ عَلَى
الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لا نَفِرَّ.
٤٢٢٨ - ٣٢ عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (٧٧) قَالَ: كَانَ أَبِي مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿٣
عِنْدَ الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فِي قَابِلٍ حَاجِّينَ، فَخَفِيَ عَلَيْنَا مَكَانُهَا. فَإِنْ كَانَتْ
تَبََّتْ لَكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ.
٤٢٢٩ - ٧١ عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ(٧٨) عَن أَبِيهِ: أَنْهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِوَ ﴿ْ عَامَ
الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَنَسُوهَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
٤٢٣٠ - ١٩ عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (٧٩) عَن أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ ثُمَّ أَنْتُهَا
بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا.
٤٢٣١ - ٣ ١ عَن يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ(٨٠) قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ: عَلَى أَيِّ
شَيْءٍ بَا يَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.
(٧٤) وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ عُثْمَاتُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ حَدََّبِي سَالِمُ بْنُ
أَبِي الْجَعْدِ
(٧٥) خَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عِنِ عَمْرٍو يَعْنِي ابْنَ مُرََّ حَدَّثِّيٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى
-وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا أَبُوَ دَاوُدَّ حِ وحَدَّثَنَاه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَّا النّضْرُ بْنُّ شُمَّيْلٍ جَمِيعًا عَن شُعْبَةً
بهّذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٧٦) وَحَدَّثَاً يُخْتَى بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَكْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَعْرَجِ عَن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ
- وحّدَّثَنَاهِ يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ يُوَنُسَ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(٧٧) وحَّدَّثَنَاه حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِ طَارِقٍ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ
(٧٨) وحَدَّثَيِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَّا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ وَقَرَّأْتُهُ عَلَى نَصْرٍ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَن طَارِقِ بْنِ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ عَن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ
(٧٩) وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالا حَدْقَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةً عَن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسْيَّبِ
(٨٠) وحَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا حَاتِمٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْمَعِيلَ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ
- وحَدَّثَنَه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنَّ مَسْعَدَةً حَدَّثَنَا يَزِيدٌ عَنْ سَلَمَةَ بِمِثْلِهِ.
٤٨١
٤٢٣٢ - ١﴿ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ (٨١) قَالَ: أَتَّاهُ آتٍ فَقَالَ: هَا ذَاكَ ابْنُ حَنْظَلَةَ يُبَابِعُ النَّاسَ.
فَقَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ. قَالَ: لا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِوَّ.
المعنى العام
يقول جل شأنه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١]. ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الروم: ٤٧] عهد من الله تعالى أن ينصر رسله، واللّه لا يخلف الميعاد، وللنصر أسباب بشرية، إدا هى
عجزت، أو وقف فى سبيل تأثيرها عائق تدخلت الإرادة الإلهية بمعجزة ظاهرة، فحين قال أصحاب
موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين ◌َ﴾ فَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَن اضْرِبْ بعَصَاكَ
الْبَحْرَ فَانَفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالَطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ وَأَرْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ وَأَنْجَيْنَا مَّوسَىَ وَمَنْ مَعَهُ
أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦١ وما بعدها].
وهنا فى غزوة الحديبية، وقد وصل المسلمون، ألفا وأربعمائة مقاتل، إلى بئر قليل الماء، وهم
عطاش، ودوابهم عطش، لم يرو ماؤها غلة حتى نضب، فزعوا إلى قائدهم ونببهم يشكون، عطاش یکاد
العطش يهلكهم، ويهلك دوابهم، وهم فى أرض الكفار، لا يسيطرون من مائها إلا على هذه البئر، وليس
فى رحال القوم سوى إناء بين يدى الرسول ®، يتوضأ منه، لا يسع أكثر من لتر ماء. فما النجاة؟
وربما يطول بهم المقام فى هذه المفازة أياما؟ ولم يجد صلى الله عليه وسلم من أسباب عادية
يحاولها، فلجأ إلى الله، دعاه، وهو القائل ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] دعاه ووضع يده
فى إناء الماء، ففار الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، فأخذه حتى وقف على شفير البئر،
فمضمض منه، ودعا، وصبه فى البئر، ودعا، وقال لأصحابه: اتركوها ساعة، فعادوا إليها بعد ساعة
ليجدوها ملأى بالماء، فشربوا وسقوا دوابهم، وملئوا بالماء أوعيتهم، وما نقص ماؤها، وأقاموا عندها
أياماً يشربون ويسقون، وماؤها ثابت لا ينقص، معجزة عبنية مادية، آمن بها من شهدها، حتى قال
قائلهم: كنا ألفا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا ماؤها. ولقد أقاموا تحت أشجار الحديبية أياما،
تمنعهم قريش من أداء عمرتهم، وهم ينتظرون قضاء الله وقدره، فقد أحرموا بالعمرة من ذى الحليفة،
وساقوا معهم هديهم من المدينة، فكيف يصدون عن المسجد الحرام وهم قوة، غلبت كفار قريش فى
مواقع كثيرة؟ الحماس يملؤهم أن يهاجموا قريشا بمكة، وأن يعتمروا إن بالسلم وإن بالقوة، ورسول
اللَّه ◌ِ﴿ الذى لا يصدر إلا عن أمرربه يهدئ من حماسهم، ويراسل قريشا ويراسلونه، وأشيع أن عثمان
◌َّه رسول رسول اللَّه ◌َ ﴿ إلى قريش قد قتل، فقال صلى الله عليه وسلم: لئن كانوا قد قتلوه لأقاتلنهم،
وأمر مناديه أن ينادى الناس من تحت أشجارهم أن يأنوه، فيبايعوه تحت الشجرة التى ينزل عندها،
فجاءوا يمدون أيديهم إلى يده، يبايعونه، وهم إنما يبايعون اللَّه، يد الله فوق أيديهم، يبايعونه على
الثبات أمام الكفار فى حربهم، وعدم الفرار حتى النصر أو الموت، بيعة هم الكاسبون فيها، فهم
(٨١) وخَذََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا الْمَغْزُومِيُّ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدْقْنَا عَمْرُو بْنُ يَحْتِى عَن عَبَّدِ بْنِ تَمِيمٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ
٤٨٢
مؤمنون بقوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ اشْتَرَى مِن الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بأنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]
بيعة لا يتربصون بها إلاَ إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة بيعة للَّه وَفى الله ومن أجل الدفاع عن
شريعة الإسلام، فكان أن رضى الله عنهم ورضوا عنه، وأنزل فيهم قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَن الْمُؤْمِنِينَ
إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزِّلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَتَّابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]
وَأنزل اللَّه الرعب فى قلوب الذين كفروا، فأذعنوا إلى الصلح الذى كان أساسا لفتح مكة، وكانت
نتيجته دخول الناس في دين الله أفواجا، واكتسبت هذه البيعة شهرة إسلامية لها ولأصحابها، وصار
المبايعون تحت الشجرة يفخرون حيانهم بها، فقد كانت شهادة من اللَّه لهم بما كانوا عليه من
الإخلاص والسكينة، وكانت إعلانا عن مكافأة اللَّه لهم بالرضا عنهم، بل اكتسبت الشجرة التى بايعوا
تحتها شهرة لا تقل عن شهرة أصحابها. فعرفت بشجرة الرضوان، كما عرفت البيعة ببيعة الرضوان،
وحرص الناس أن يتبركوا بها، أو بموضعها، فأخفى الله عليهم مكانها، حتى يكون توجههم إليه جل
شأنه، لا إلى مخلوق من مخلوقاته، ومن تخيل مكانها، وأراد أن يتدرك به منعه عمر بن الخطاب رَؤُه،
وزاد الخلف تعمية مكانها حتى اليوم ، فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه أجمعين.
المباحث العربية
(كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة) وكذا فى الروايتين الخامسة والثامنة، وفى الرواية
الثالثة ((كنا أربع عشرة مائة)) وفى الرواية العاشرة ((ونحن أربع عشرة مائة)) قال الحافظ ابن حجر:
قيل: إنما عدل الصحابى عن قوله ((ألف وأربعمائة)) إلى قوله ((أربع عشرة مائة)) للإشارة إلى أن
الجيش كان منقسما إلى المئات، وكانت كل مائة متميزة عن الأخرى، إما بالنسبة إلى القبائل، وإما
بالنسبة إلى الصفات. وفى الرواية السادسة ((كنا ألفا وخمسمائة)) وفى السابعة ((كنا خمس عشرة
مائة)) وفى الرواية التاسعة ((كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة)) قال النووي: أكثر روايات
البخارى ومسلم ألف وأربعمائة، وكذا ذكر البيهقى أن أكثر روايات هذا الحديث ألف وأربعمائة [وفى
هذا مبل إلى ترجيح هذه الروايات على غيرها، والأخذ بها، وإهمال ما عداها، وإلى هذا حنح البيهقى،
وقال: إن رواية من قال ألف وأربعمائة أصح] ثم قال النووى: ويمكن أن يجمع بينهما بأنهم كانوا ألفا
وأربعمائة وكسرا، فمن قال: ((أربعمائة)) لم يعتبر الكسر، ومن قال ((حمسمائة)) جبر الكسر.اهـ ويؤيد
هذا الجمع ما جاء فى رواية البراء بن عازب عند البخارى ((كانوا ألفًا أو أكثر)) وما جاء فى ابن سعد
عن معقل بن يسار ((زهاء ألف وأربعمائة)» وجمع بعضهم بأن من ذكر ((ألفا وأربعمائة)) أراد من بايع
فعلا، ومن ذكر الزيادة أرادهم مع الذين كانوا غائبين أثناء البيعة، كعثمان ، ومن كان معه، أو
أرادهم مع توابع الجيش من النساء والصبيان والخدم، وجمع بعضهم بأن العدد الأقل: عدد من ابتدأ
الخروج، والعدد الأكثر راعى من تلاحقوا بهم، وأما روايتنا التاسعة ((كان أصحاب الشجرة ألفا
وثلاثمائة)) فقد قال عنها النووى: إن ابن أبى أوفى ترك بعضهم، لكونه لم يتقن العد، أولغير ذلك. اهـ
٤٨٣
وهناك روايات ضعيفة لم يلتفت إليها المحققون، منها ما جزم به موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفا
وستمائة، وما أخرجه ابن أبى شيبة عن سلمة بن الأكوع أنهم كانوا ألها وسبعمائة، وما حكاه ابن
سعد أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وما ذكره ابن إسحق أنهم كانوا سبعمائة، وعزا ابن
دحية سبب الاختلاف فى عددهم أن الذين ذكروا عددهم لم يقصدوا التحديد، وإنما ذكروا ذلك على
وجه التقريب، مع الحدس والتخمين، وهذا القول غير مقبول.
(وعمر آخذ بيده تحت الشجرة) فى هذه الجملة دفع نوهم أن عمر بن الخطاب الله تأخر عن
البيعة، أو لم يبايع إلا بعد أن بايع الناس، فقد روى البخارى أن عمر يوم الحديبية أرسل ابنه عبد الله
ليحضرله فرساله كان عند رجل من الأنصار، ليحارب قريشا عليه، ودخل فلبس لباس الحرب،
ورسول اللَّه * يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدرى بذلك، وجاء ابنه بالفرس، ونظر عمر فإذا الناس
محدقون بالنبى ®®، فقال عمر لابنه: انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول اللّه ◌ُ ﴾؟ فذهب،
فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى أبيه، فأخبره، فخرج عمر ظه فبايع.
(وهى سمرة) بفتح السين وضم الميم وفتح الراء، أى شجرة عظيمة من شجر ترعاه الإبل، له
شوك، صغر أو کېر.
(بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت) فى الرواية الثانية ((لم نبايع رسول اللَّه ◌ُ ل
على الموت، إنما بايعناه على ألا نفر)) وفى الرواية الثالثة عشرة، سئل سلمة ((على أى شىء بايعتم
رسول اللّه ﴿؟ يوم الحديبية؟ قال: على الموت)) وفى الرواية الرابعة عشرة إيماء بأن المبايعة تحت
الشجرة كانت على الموت، ففيها ((هذا ابن حنظلة يبايع الناس. فقال: على ماذا؟ قال: على الموت.
قال: لا أبايع على هذا أحداً بعد رسول اللّه ◌ُ )) وفيه إشعار بأنه بايع النبى { { على الموت، ولا تنافى
بين قولهم: بايعوه على الموت، وبين قولهم: بايعوه على عدم الفرار، لأن معنى المبايعة على الموت
المبايعة على أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولابد، وهذا معنى نفى جابر للمبايعة
على الموت فى الرواية الأولى والثانية، وحاصل الجمع أن من أطلق أن البيعة كانت على الموت أراد
لازمها، لأنها إذا بويع على عدم الفرار لزم أن ينبت، والذى يثبت إما أن يغلب، وإما أن يؤسر، والذى
يؤسر إما أن ينجو، وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن فى مثل ذلك أطلقه الراوى، وحاصله أن
أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تؤول إليه.
وجمع الترمذى بين النصين باحتمال أن البعض بايع على الموت، والبعض بايع على أن لا يفر.
(دعا النبى على بئر الحديبية) روى البخارى عن البراء ، قال: كنا مع النبى وُ ل أربع
عشرة مائة، والحديبية بئر [كذا قيل: إن الحديبية اسم بئر، سميت المنطقة كلها باسمه] فنزحناها
[فى الشرب وسقى الدواب] فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك صلى الله عليه وسلم [وفى رواية جابر
((عطش الناس يوم الحديبية، ورسول اللَّه 8# بين يديه ركوة - إناء صغير أو دلو صغير من جلد، يشرب
منه- فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول اللَّه﴿: ما لكم؟ قالوا: يا رسول اللَّه، ليس عندنا
٤٨٤
ماء نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما فى ركوتك، فوضع النبى * يده فى الركوة، فجعل الماء يفور من بين
أصابعه، كأمثال العيون)) وفى رواية البراء «فأناها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ،
ثم مضمض، ودعا، ثم صبه فيها، ثم قال: دعوها ساعة. فشربوا وتوصئوا قبل لجابر: كم كنتم يومئذ؟
قال - كما فى الرواية السادسة- ((لو كنا مائة ألف لكفانا)).
فمعنى قوله ((دعا على بئر الحديبية)» أى دعا فيها بالبركة.
(لوكنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة) كان جابر # قد عمى فى آخر عمره.
(وكانت أسلم ثمن المهاجرين) أى كانت قبيلة أسلم ((ثمن)) بضم الثاء وسكون الميم
وضمها، قال الواقدى: كان مع النبى 3₪ فى غزوة الحديبية من أسلم مائة رجل، فعلى هذا كان
المهاجرون ثمانمائة رجل.
(وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه) قلنا: إن الشجرة كانت كبيرة من شجر الشوك،
فكان غصن من أغصانها قريباً من النبى{# رفعه معقل بن يسار عن النبى { ﴾.
(فانطلقنا فى قابل حاجين) أى فى العام القابل ((حاجين)) جمع مذكر سالم، قال الحافظ
ابن حجر: كذا أطلق، وهم كانوا معتمرين، لكن يطلق عليها الحج، كما يقال: العمرة الحج الأصغر.
(فخفى علينا مكانها) فى رواية البخارى ((فعمدت علينا)» أى أبهمت، وفى رواية ((فعمى علينا
مكانها)»، أى اشتبهت الشجرة المعينة المباركة بأشجار أخر، ولم يكن لها علامة مميزة فأصبح من
المستحيل تعيينها ومعرفتها من بين مثيلاتها، وفى رواية للبخارى ((ورجعنا من العام المقبل، فما
اجتمع منا اثنان على الشجرة التى بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله)) أى كان خفاؤها عليهم بعد
ذلك رحمة من اللَّه تعالى، أو المعنى كانت الشجرة موضع رحمة الله ورضوانه، لنزول الرضا عن
المؤمنين عندها.
(فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم) فى رواية للبخارى عن طارق بن عبد الرحمن قال:
انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول
اللَّه ◌ِ﴿ بيعة الرضوان. قال: فأتيت سعيد بن المسيب، فأخبرته، فقال سعيد: حدثنى أى أنه كان
فيمن بايع رسول اللَّه # تحت الشجرة، قال. فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها،
فقال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها؟ وعلمتموها أنتم؟ -جماعة التابعين أو أنباع
التابعين- فأنتم أعلم؟ قال هذا الكلام مذكرا، على سبيل التهكم.
(هذا ابن حنظلة يبايع الناس) عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر، الذى يعرف أبوه بغسيل
الملائكة. والسبب فى تلقيبه بذلك أنه قتل بأحد وهو جنب، فغسلته الملائكة، وعلقت امرأته تلك
الليلة بابنه عبد الله بن حنظلة، فمات النبى # وله سبع سنين، وقد حفظ عنه.
٤٨٥
وكان عبد الله بن حنظلة يأخذ بيعة الناس على الطاعة له، وخلع يزيد بن معاوية، وذلك أن يزيد
ابن معاوية كان قد عين على المدينة ابن عمه عثمان بن محمد بن أبى سفيان أمبرا، فأوفد هذا الأمير
إلى يزيد جماعة من أهل المدينة، منهم عبد الله بن حنظلة فى آخرين، فأكرمهم يزيد، لكن لما رجعوا
عابوه ونسوه إلى شرب الخمر وغير ذلك، ثم وثبوا على الأمير عثمان فأخرجوه من المدينة، وخلعوا
يزيد بن معاوية، وكان الأمير على الأنصار عبد الله بن حنطلة، وعلى قريش عبد الله بن مطيع، وعلى
غيرهم من القبائل معقل بن يسار، فكان عبد الله بن حنظلة فى هذا الوقت يأخذ الببعة لنفسه،
ويستعد بأتباعه لحرب يزيد بن معاوية، ولما بلغ ذلك يزيد جهز إليهم جبشا بقيادة مسلم بن عقبة
المرى وأمره أن يدعوهم ثلاثا، فإن رجعوا، وإلا قاتلهم، فإن هزمهم استباح المدينة للجيش ثلاثا، ثم
كف عنهم، فوصل إليهم، فحاربوه، فانهزموا، وقتل ابن حنظلة، وفرابن مطيع، وأباح مسلم بن عقبة
المدينة ثلاثا.
فقه الحديث
لهذه الأحاديث علاقة وثيقة بغزوة الحديبية، وقد تعرضنا لكثير من مسائلها هناك، وقد ذكر أهل
المغازى السبب فى بيعة الرضوان، فقالوا: إن النبى # لما نزل بالحديبية أحب أن يبعث إلى قريش
رجلا يخبرهم بأنه إنما جاء معتمرا، فدعا عمر ليبعثه، فقال واللّه لا آمنهم على نفسى، فدعا عثمان،
فأرسله، وأمره أن يبشر المستضعفين من المؤمنين بالفتح القريب، وأن اللّه سيظهر دينه، فتوجه
عثمان، فوجد قريشا نازلين ببلدح، قد اتفقوا على أن يمنعوا النبى {58 من دخول مكة، فأجاره أبان بن
سعيد بن العاص، وبعثت قريش بديل بن ورقاء وسهيل بن عمرو إلى النبى ₪، وقد مضت القصة
مطولة فى غزوة الحديبية، وآمن الناس بعضهم بعضا، وبينما هم فى انتظار الصلح، إذ رمى رجل من
أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر، فقامت معركة، وتراموا بالنبال والحجارة، فارتهن كل فريق من
عندهم، وأشيع أن عثمان قتل، فدعا النبى وَ الناس إلى البيعة، وهو نازل تحت الشجرة التى كان
يستظل بها، فبايعوه على أن لا يفروا حتى النصر أو الموت، وألقى الله الرعب فى قلوب الكفار،
فأذعنوا إلى المصالحة.
وفى فضل أصحاب الشجرة يقول اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَن الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزِلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
وفى روايتنا الخامسة يقول صلى الله عليه وسلم لأهل الشجرة ((أنتم اليوم خير أهل الأرض)) وعند
أحمد بإسناد حسن أن النبى# قال لهم: «أوقدوا واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا
مدكم)) وعند مسلم من حديث جابر مرفوعاً ((لا يدخل النار من شهد بدرا والحديبية)) وعنده أيضاً ((لا
يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة )».
وتمسك به بعض الشيعة فى تفضيل على، على عثمان، لأن عليا كان من جملة من
خوطب بذلك، وممن بايع تحت الشجرة، وكان عثمان حينئذ غائبا، وهذا التمسك باطل،
٤٨٦
لأن النبى 8* بايع عنه، فاستوى معهم عثمان فى الخيرية المدكورة، ولم يقصد فى الحديث
تفضيل بعضهم على بعض.
كما استدل به على أن الخضر ليس حيا، لأنه لوكان حيا، مع ثبوت كونه نيا للزم
تفضيل غبر النبى على النبى، وهو باطل، فدل على أنه ليس بحى حينئذ، وأجاب بعضهم
باحتمال أن يكون حينئذ حاضرا معهم، ولم يقصد إلى تفضيل بعضهم على بعض، أولم يكن
على وجه الأرض، بل كان فى البحر، قال الحافظ ابن حجر: والتانى جواب ساقط، وعكس
ابن التين فاستدل بالحديث على أن الخضر ليس بنبى، فبنى الأمر على أنه حى، وأنه دخل
فى عموم من فضل النبى أهل الشجرة عليهم، وأغرب ابن التين، فجزم أن إلياس ليس
بنبى، وبناه على قول من زعم أنه أيضاً حى، وكونه حيا ضعيف، أما كونه ليس بنبى فباطل،
ففى القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] فكيف يكون أحد من
بنى آدم مرسلا وليس بنبى؟.
ويؤخذ من قول جابر له، فى ملحق الرواية الخامسة ((لوكنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة)) أن
بعض الصحابة كان يضبط مكانها على التعيين، بعلامات حفظها، كذا قال الحافظ ابن حجر، وقال:
ثم وجدت عن ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة، فيصلون عندها،
فتوعدهم، ثم أمر بقطعها، فقطعت. اهـ، وكأن ابن حجر يميل إلى أن الشجرة كانت معلومة، وأن
مكانها كان معلوما إلى عهد عمر، ونحن نستبعد ذلك، فما كان يفعله الناس، وما فعله عمر ليس دليلا
على أنها هى هى، فالناس نوهموها فى شجرة ما، فأخذوا يتركون بها، كما تهكم سعيد بن المسيب
على من ادعى معرفتها، وقطع عمر لشجرة يتوهمها الناس من باب سد الذرائع، وقطع الشبهات، وما
قاله جابر # يحمل على أن العلامات كانت فى مخيلته قبل أن يصاب بالعمى، وقبل أن تغير هذه
المعالم بقطعها أو قطع ما حولها من أشجار، وتكسير ما يقاربها من أحجار، وقد كان الزمن بين
رؤيته لها فى الحديبية وبين إخباره بهذا الخبر يزيد على الستين عاما، فقد توفى سنة أربع وسبعين
من الهجرة، وهى كفيلة بتغيير كل المعالم بفعل الحطابين والرعاة، وكثيرا ما يخيل للمرء أنه يستطيع
فعل شىء، ثم لا يستطيعه أمام الواقع، وأمام المستجدات التى لم يكن يقدرها، ويكفينا أن سعيد بن
المسيب حاول التعرف عليها أو على مكانها بعد عام واحد فلم يستطع التعرف عليها، ولم يثبت من
طريق صحيح أن أحدا ممن بايع نحتها تعرف عليها، بل قال ابن عمر - فيما رواه البخارى ((رجعنا
من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التى بايعنا تحتها)) أى بذلت المحاولات
لمعرفتها بعد عام فلم يتعرف عليها، وتلك إرادة اللَّه، قال الحافظ ابن حجر: وبيان الحكمة فى ذلك
أن لا يحصل بها افتتان، لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى
ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أوضر، كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها، وإلى دلك
أشارابن عمر، بقوله «كانت رحمة من الله)) أى كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالی.
وفى الحديث معجزة ماء البئر للنبى ول﴾
٤٨٧
وفيه المبايعة على الحرب.
والصبر فى قتال الكفار، لأن البيعة على ألا نفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل.
قال النووى: وكان فى أول الإسلام يجب على العشرة من المسلمين أن يصبروا لمائة من الكفار،
ولا يفروا منهم، وعلى المائة الصبر لألف كافر، ثم نسخ ذلك، وصار الواجب مصابرة المثلين فقط. هذا
مذهبنا ومذهب ابن عباس ومالك والجمهور، أن الآية منسوخة [وهى قوله تعالى فى سورة الأنفال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّض الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِن الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] والناسخ لها قوله تعالى
بعدها: ﴿الآنّ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] وقالَ أبوحنيفة وطائفة: ليست
بمنسوخة. واختلفوا فى: هل المعتبر مجرد العدد، من غير مراعاة القوة والضعف؟ أم يراعى؟
والجمهور على أنه لا يراعى، لظاهر القرآن الكريم.
والله أعلم
٤٨٨
(٥١٧) باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه
والمبايعة بعد الفتح على الإسلام والجهاد والخير
٤٢٣٣ - ٨٢ عَن سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِلَّهِ(٨٢) أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ
ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ. قَالَ: لا وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ.
٤٢٣٤ - ٣ عَن مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيِّ ◌َ﴾(٨٣) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّوَّ أُبَايِعُهُ عَلَى
الْهِجْرَةِ. فَقَالَ: «إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لأَهْلِهَا، وَلَكِنْ عَلَى الإِسْلامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ».
٤٢٣٥ - شَُّ عَنْ مُجَاشِعٍ بْنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيَِّظُ (٨٤) قَالَ: جِئْتُ بِأَخِي أَبِي مَعْبَدٍ إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ وَ﴿ّ بَعْدَ الْفَتْحِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ عَلَى الْهِجْرَةِ. قَالَ: «قَدْ مَضَتِ الْهِجْرَةُ
بأَهْلِهَا» قُلْتُ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: «عَلَى الإِسْلامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ». قَالَ أَبُو عُثْمَانُ:
فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ مُجَاشِعٍ. فَقَالَ: صَدَقَ.
٤٢٣٦ - - وفي رواية عَن عَاصِمٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: فَلَقِيتُ أَخَاهُ، فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا مَعْبَدٍ.
٤٢٣٧- ° عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٨٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ
مَكَّةَ: «لا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَبِيّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَاثْفِرُوا».
٤٢٣٨ - ٨٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٨٦) قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنِ الْهِجْرَةِ. فَقَالَ:
«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَبِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُْفِرُّتُمْ فَانْفِرُوا».
٤٢٣٩ - ١٣ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّبَه(٨٧) أَنَّ أَغْرَائِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ عَنِ الْهِجْرَةِ.
(٨٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ يَعْنِي اِبْنَ إِسْمَعِيلَ عَن يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنِ سَّلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ
(٨٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِ أَبُو جَعْفَرِ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَّنَ عَاصِمِ الأَحْوَلِ عَن أَبِّي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ حَدَّثَنِي مُجَاشِعُ
(٨٤) وحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُسَّهِرٍ عَنِ عَاصِمٍ عَن أَبِي عُثْمَاةً قَالَ: أَخْبُرَنِي مُجَاشِعُ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنَ فَضَّيْلٍ عَنْ عَاصِمِ
(٨٥) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يُحْيِىَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالا أَخْبُرَنَاً جَرِيرٌ عَنَ ◌ّمَنْصُورٍ عَن مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
- وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا وَجِيعٌ عَنِ سُفْيَانٌ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مُنْصَّورِ وَابْنُ رَافِعٍ عَنِ يَحْبَى
ابْنِ آدَمَ حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ يَغَنِي ابْنَ مُهَلْهِلٍ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبُوَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَن إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ عَن مَنْصُورٍ
بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٨٦) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدْقَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي
حُسَيْنِ عَن عَطَاءٍ عَنِ عَائِشَةً
(٨٧) وحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَادٍ الْبَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ
حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنَّ يَزِيدَ اللَّيْنِيُّ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سُعِيدٍ
٤٨٩
فَقَالَ: «وَيَحَكَ إِنَّ شَأْنُ الْهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ. فَهَلْ لَكَ مِن إِيلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَهَلْ تُؤْتِي
صَدَقَتَهَا» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاعْمَلْ مِن وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِن عَمَلِكَ شَيْئًا».
٤٢٤٠ - - وفي رواية عَنِ الأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِن
عَمَلِكَ شَيْئًا» وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ: «فَهَلْ تَخْلُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا» قَالَ: نَعَمْ.
المعنى العام
تحمل المسلمون الأولون الأذى من أهليهم الكافرين ليردوهم عن دينهم، فكان أن أذن لهم الرسول
الث بالهجرة إلى الحبشة مرتين، فرارا بدينهم، فلما فتحت دار الهجرة صدرها للإسلام، ونعهد الأنصار
بحماية الرسول # وحماية دعونه اقتضت الحكمة أن يتجمع المهاجرون فى المدينة، يأخذون عن
رسول اللَّه * ما ينزل عليه من التشريع أولاً بأول، ولتتكتل القوة، وتنمو فى مكان واحد، حتى يمكنها
بعد ذلك الانطلاق من نقطة الارتكاز، ففرضت هجرة من أسلم من دار الكفر إلى المدينة، هجرة
يتخلى بها عن أهله وداره وماله ابتغاء مرضاة الله، هجرة وصف فيها بالفقر وإن كان قبلها من
الأثرياء، حتى قال الله فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا
مِنِ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَةَ أُوْلَئِكَ هَّمَّالصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] وكان لهذه الهجرة أجر عند
اللَّه عطيم، ولما كانت تبعاتها كبيرة وخطيرة، وكان بعض من هاجر يصعب عليه تحملها، وربما
ضعفت نفسه أمام واجباتها، فرض على المهاجر أن لا يرجع لاستيطان وطنه الأول. ظل هذان
المبدآن واجبين - الهجرة من دار الكفر، وعدم العودة إلى بلده للاستيطان - حتى فتحت مكة، ودخل
الناس فى دين الله أفواجا، وأصبح الإسلام منتشرا فى معظم مناطق الجزيرة العربية، ولم يعد فى
حاجة إلى نقطة نجمع وارتكاز، فانقطعت الهجرة بمعناها السابق، وتحولت مبايعة الرسول { * لمن
يريدون الدفاع عن الإسلام من مبايعة على الهجرة إلى مبايعة على الإسلام والجهاد والخير، وباب
الجهاد مفتوح لكل المسلمين، وجهاد النفس والشيطان مفتوح لأهل البادية وأهل الحضر على السواء،
ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
المباحث العربية
(ارتدت على عقبيك؟ تعربت) العقب مؤخر القدم، يقال: ارتد على عقبه إذا رجع على
الطريق الذى جاء منه سريعا، ويقال: تعرب أى أقام بالبادية بعد أن هجرها.
وكان سلمة بن الأكوع قد تحول من المدينة إلى الربذة بعد قتل عثمان، وتزوج بها، وولد له، حتى
كان قبل أن يموت بليال نزل إلى المدينة، فمات بها. مات سنة أربع وسبعين على الصحيح. قال
النووى: ولعل سلمة رجع إلى غير وطنه، وسيأتى مزيد لحكم أمثاله فى فقه الحديث.
٤٩٠
(أذن لى فى البدو) البدو البادية، أى أذن لى فى الإقامة بالبادية.
(أتيت النبى # أبايعه على الهجرة) فى الرواية الثالثة («جئت بأخى أبى معبد إلى رسول
اللَّهِ:﴿ بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله، بايعه على الهجرة)) والظاهر أنه جاء يطلب المبايعة على
الهجرة له ولأخيه، فى مجىء واحد.
(إن الهجرة قد مضت لأهلها) فى الرواية الثالثة ((قد مضت الهجرة بأهلها)) قال النووى:
معناه أن الهجرة الممدوحة الفاضلة، التى لأصحابها المزية الطاهرة، قد مضت، وثبتت لأهلها، لأنها
خصت بما وقع منها قبل الفتح. اهـ
(ولكن على الإسلام والجهاد والخير) فى الرواية الثالثة ((قلت: فبأى شىء تبايعه؟ قال:
على الإسلام والجهاد والخير».
(بعد الفتح) أل فى الفتح للعهد، أى بعد فتح مكة، قالوا: المعنى لا هجرة من مكة بعد أن
فتحت، لأنها صارت دار إسلام فلا تقصد منها الهجرة، وقال غيرهم: قال النووى: وهو الأصح: إن
معناه أن الهجرة الفاضلة مضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة، لأن الإسلام قوى وعز بعد فتح
مكة عزا ظاهرا، بخلاف ما قبله.
(ولكن جهاد ونية) قال الطيبى: هذا الاستدراك يقتضى مخالفة حكم ما بعده لما قبله،
والمعنى أن الهجرة التى هى مفارقة الوطن، التى كانت مطلوبة على الأعبان إلى المدينة انقطعت،
إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة، كالفرار من دار الكفر،
وكالخروج فى طلب العلم، وكالفرار بالدين من الفتن، والنية فى جميع ذلك، فقوله ((ولكن جهاد))
معطوف على محل مدخول ((لا هجرة)) أى الهجرة من الوطن إما للفرار من الكفار، أو إلى الجهاد، أو
إلى غير ذلك، كطلب العلم، فانقطعت الأولى، وبقى الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا عنهما، بل إذا
استنفرنم فانفروا.
(وإذا استنفرتم فانفروا) قال النووى: يريد أن الخير الذى انقطع بانقطاع الهجرة،
يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من
الأعمال الصالحة فأخرجوا إليه، وأصل النفير مفارقة مكان إلى مكان، لأمر حرك ذلك،
والمراد منه هنا الخروج لمحاربة الكفار.
(ويحك) ((ويح)) كلمة يرحم وتوجع، وقيل: هى بمعنى ويل لك.
(إن شأن الهجرة لشديد) هذا الأعرابى جاء من البادية إلى الندى * قبل الفتح، ويطلب
البيعة على الهجرة، والبقاء فى المدينة مع النبى ®، وترك أهله ووطنه، وكثير من الأعراب لا يتحملون
ذلك، فقد بايع بعض الأعراب من قبل، ثم طلبوا الإقالة من البيعة، فخاف صلى الله عليه وسلم على
٤٩١
هذا الأعرابى أن يكون شأنه شأنهم، فنصحه بما يحقق له فضل الهجرة من غير الهجرة، أى إن شأنها
ولازمها ومتطلباتها شديدة عليك، لا تحتملها.
(فاعمل من وراء البحار) قال النووى: قال العلماء: المراد بالبحار هنا القرى، والعرب تسمى
القرى البحار، والقرية البحيرة، اهـ أى فاعمل بالشريعة الإسلامية فى البادية، من وراء البلاد والقرى.
(فإن اللَّه لن يَتِرَكَ من عملك شيئا) أى فإن اللَّه لن ينقصك من ثواب أعمالك
شيئا، حيثما كنت.
يقال: وترفلانا حقه وماله، بفتح الواو والتاء، يتره بكسر التاء، إذا نقصه إياه، قال تعالى: ﴿وَلَنْ
يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [ محمد: ٣٥].
(فهل تحلبها يوم وردها؟) ((تحلب)) بضم اللام وكسرها، والورد بكسر الواو وسكون الراء،
الوصول والبلوغ لماء سقيها، وكان العرب إذا اجتمعوا عند الماء حلبوا مواشيهم، وسقوا المحتاجين
المجتمعين هناك من لبنها.
فقه الحديث
قال النووى: قال القاضى عياض: أجمعت الأمة على تحريم نرك المهاجر هجرته، ورجوعه إلى
وطنه، وعلى أن ارتداد المهاجر من الكبائر.
واعتذر القاضى عن سلمة فقال: إن خروج سلمة إلى البادية إنما كان بإذن النبى وَ ﴾، قال: ولعله
رجع إلى غير وطنه، أو لأن الغرض فى ملازمة المهاجر المدينة، وفرض ذلك عليه إنما كان فى زمن
النبى ◌ُ ﴾، لنصرته، وليكون معه. أو لأن منع المهاجر من الرجوع، والخروج من المدينة، واستيطان
غيرها إنما كان قبل فتح مكة، فلما كان الفتح، وأظهر اللَّه الإسلام على الدين كله، وأذل الكفر، وأعز
المسلمين سقط فرض الهجرة.
أما حكم الهجرة إلى المدينة قبل فتح مكة فقد قال القاضى عياض: لم يختلف العلماء فى وجوب
الهجرة على أهل مكة قبل الفتح، واختلف فى غيرهم، فقيل: لم تكن واجبة على غيرهم، بل كانت ندبا.
ذكره أبو عبيد فى كتاب الأموال، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر الوفود التى وفدت عليه قبل الفتح
بالهجرة، وقيل: إنما كانت واجبة على من يسلم، لئلا يبقى تحت حكم الكفار.
قال الماوردى: إذا قدر على إظهار الدين فى بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام،
فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها، لما يترجى من دخول غيره فى الإسلام.
وقال الخطابى: كانت الهجرة - أى إلى النبى 18 - فى أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت - لما
هاجر إلى المدينة - إلى حضرته، للقتال معه، وتعلم شرائع الدين، وقد أكد اللَّه ذلك فى عدة آيات،
حتى قطع الموالاة بين من هاجرومن لم يهاجر، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِن
٤٩٢
وَلَايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتَى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فلما فتحت مكة، ودخل الناس فى الإسلام من جميع
القبائل سقطت الهجرة الواجبة، وبقى الاستحباب.
وأخرج البخاري عن عائشة رضى الله عنها أنها سئلت عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان
المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى، وإلى رسوله، مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر
الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية)» فأشارت رضى الله عنها إلى بيان حكمة
مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله
فى أى موضع، لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت.
وقال الحافظ ابن حجر: وكانت الحكمة أيضاً فى وجوب الهجرة على من أسلم أن يسلم من أذى
ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم، إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَوَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ
اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]؟ الآية. قال: وهذه الهجرة باقية الحكم فى حق من أسلم فى
دار الكفر، وقدر على الخروج منها.اهـ
ومن هنا جاء عن ابن عمر قوله ((انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول اللّه٤/، ولا تنقطع الهجرة
ما قوتل الكفار)» أى مادام فى الدنيا دار كفر.
وعن حكم النفير والخروج للجهاد يقول النووى: فى الحديث دليل على أن الجهاد ليس فرض عين،
بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم،
قال: قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين، فيتعين عليهم
الجهاد، فإن لم يكن فى أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية، وأما فى زمن النبى
* فالأصح عند أصحابنا أنه كان أيضاً فرض كفاية، والقول الآخر عند أصحابنا أنه كان فرض عين،
واحتج القائلون بأنه كان فرض كفاية بأنه كانت تغزو السرايا، وفيها بعض الصحابة دون بعض.اهـ
وقال الماوردى: كان فرض عين على المهاجرين، دون غيرهم، قال الحافط: ويؤيده وجوب الهجرة
قبل الفتح فى حق كل من أسلم إلى المدينة، لنصرة الإسلام.
وقال السهيلى: كان فرض عين على الأنصار، دون غيرهم، قال الحافظ: ويؤيده مبايعتهم للنبى 03 *
ليلة العقبة على أن يؤووه، وينصروه، فيخرج من قوليهما أنه كان عينا على الطائفتين، فرض كفاية فى
حق غيرهم، ومع ذلك فليس فى حق الطائفتين على التعميم، بل فى حق الأنصار إذا طرق المدينة
طارق، وفى حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، قال: ويؤيد هذا ما وقع فى قصة بدر،
فيما ذكره ابن إسحق، فإنه كان كالصريح فى ذلك.
وقيل: كان فرض عين فى الغزوة التى يخرج فيها النبى وَ ﴾، دون غيرها.
قال الحافظ: والتحقيق أنه كان فرض عين على من عينه النبى { 94.
٤٩٣
أما بعده صلى اللّه عليه وسلم فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يدهم
العدو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله فى السنة مرة عند الجمهور، ومن
حجتهم أن الجزية تجب بدلاً عنه، ولا تجب فى السنة أكثر من مرة انفاقاً، فليكن بدلها كذلك، وقيل:
يجب كلما أمكن، وهو قوى. والذى يطهر أنه استمر على ما كان عليه فى زمن النبى # إلى أن
تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام فى أقطار الأرض.
والتحقيق أيضاً أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم، إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله،
وإما بقلبه.
والله أعلم
٤٩٤
(٥١٨) باب كيفية بيعة النساء
٤٢٤١ - ٨٨ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ :﴿ّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٨) قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا
هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِّنَاتُ
يُسَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِفْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة/١٢] إِلَى آخِرٍ
الآيَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا
أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ. «انْطَلِفْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ)». وَلا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ
يَدُ رَسُولِ اللَّهِ،وَ ﴿ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلامِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخْذَ رَسُولُ
اللَّهِوَ﴿ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ كَفَّ امْرَأَةٍ
قَطُّ. وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ» كَلامًا.
٤٢٤٢ - ١٩ عَنْ عُرْوَةً(٨٩) أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ بَيْعَةِ النِّسَاءِ،
قَالَتْ: مَا مَسَّ رَسُولُ اللَّهِلَ ﴿هَ بِيَدِهِ امْرَأَةً قَسطٌّ، إِلا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا
فَأَعْطَنْهُ، قَالَ «اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ».
المعنى العام
كان من شروط الصلح فى الحديبية بين قريش والمسلمين أن من جاء من قريش إلى المسلمين
يردونه إلى قريش، وعبارته عندابن إسحق ((من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم))
وهذه العبارة تعم الرجال والنساء، وكذا عبارته عند البخارى ((ولا يأتيك منا أحد)) أما رواية البخارى
فى كتاب الشروط فكانت ((على أنه لا يأنبك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا)) وسواء
كانت عبارة الشرط تشمل النساء ثم نسخ دخولهن فيه، أو كانت عامة فخصصت، أو لم تكن تشملهن
ابتداء، فحكم الله تعالى يخرجهن من الشرط؛ إذ هاجرت بعد الصلح إلى رسول اللَّه{ / أم كلثوم بنت
عقبة بن أبي معيط، فخرج أخواها عمار والوليد، حتى قدما على رسول اللَّه،﴿، فكلماه فى أمرها،
ليردها عليه الصلاة والسلام إلى قريش، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ
(٨٨) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ قَالَ ابْنُ تِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةً قَالَتْ
(٨٩) وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ وَأَبُوِ الطَّاهِرِ قَالَ أَبُو الطَّهِرِ أَخْبَرَنَا وَقَالَ هَارُونُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌّ عَنِ بْنِ
شِهَابٍ عَنِ عُرْوَةً أَنَّ عَائِشَةَ رضي اللَّه عنها أَخْبَرَتْهُ
٤٩٥
حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا
تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ ﴿ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيَّءٌ مِن أَرْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَرْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ هَ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ
شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهَنَّ وَلا يَأْتِينَ بِيُهْتَانِ يَفْتَرِينَّهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا
يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١١،١٠، ١٢].
فلما نزلت هذه الآية لم يردها صلى الله عليه وسلم، ثم أنكحها زيد بن حارثة بن اته.
وهاجر نساء كثيرات من مكة، فكن يمتحن ويبايعن فى المدينة، ويعاملن فى ضوء هذه الآيات،
فعند البزار عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: جاءت فاطمة بنت عقبة، نبايع رسول اللّه *، فأخذ
علبها أن لا تزنى، فوضعت يدها على رأسها حباء، فقالت لها عائشة. بايعى أيتها المرأة، فوالله ما
بايعناه إلا على هذا. قالت: فنعم إذن)».
وأصبحت هذه الصيغة القرآنية صبغة المبايعة الشرعية، بل صيغة العهد الدى يؤخذ على النساء
جميعاً فى الأوقات المختلفة، ولو على غير المهاجرات، فقد روى البخارى أن النبى 8# بعد خطبة يوم
عيد أقبل على النساء، فقرأ عليهن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ
بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانِ يَفْتَرِينَهُ بَّنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا
يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم قال حين فرغ من الآية: أنتن
على ذلك؟ قالت امرأة واحدة منهن: نعم.
ولما فتحت مكة، وآمن الكثبرات من نسائها أخذ رسول اللّه ◌َ و عليهن هذه البيعة وهذا الميثاق،
وكان ممن بايعنه صلى الله عليه وسلم بمكة هند بنت عتبة، زوج أبى سفيان، فقرأ صلى اللّه عليه
وسلم عليهن الآية، فلما قال: ﴿عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ باللَّهِ شَيْئًا﴾ قالت: وكيف نطمع أن يقبل منا ما لم
يقبله من الرجال؟ كأنها تقول: إن هذا واضحٌ مسلم، فلما قال ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ قالت: والله إنى لأصيب
الهنة من مال أبى سفيان لا يدرى أيحل لى ذلك؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شىء فبما مضى
وفيما غبر فهولك حلال، فضحك النبى { ®، وعرفها، فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم.
فاعف عما سلف يا نبى الله، عفا الله عنك. فقال ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ فقالت: أو تزنى الحرة؟ تريد أن الزنا
فى الإماء كما كان غالبا فى الجاهلية. فقال: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أُوْلادَهُنَّ﴾ فقالت: ربيناهم صغارا، وقتلتهم
كبارا، تعنى ما كان من أمرابنها حنظلة بن أبى سفيان، فإنه قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى
استلقى، وتبسم رسول اللّه،﴿، ثم قال ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِیھنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ فقالت:
واللَّه إن البهتان لأمر قبيح، ولا يأمر الله تعالى إلا بَالرشدٌ ومكارم الأخلاق. فقال ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي
مَعْرُوفٍ﴾ فقالت: واللَّه ما جلسنا مجلسنا هذا وفى أنفسنا أن نعصيك فى شىء.
بل أصبحت هذه الصيغة يبايع ويعاهد علبها الرجال، فيقولون: بايعنا رسول اللَّه ◌َ على ما بايع
عليه النساء، وأصبحت تعرف ببيعة النساء، لما أنها نزلت بخصوص النساء، فقد روى البخارى عن
٤٩٦
عبادة بن الصامت به قال: ((قال لنا رسول اللَّه * - ونحن فى مجلس - تبايعونى على أن لا
تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأنوا بهتان تفترونه بين أيديكم
وأرجلكم، ولا تعصوا فى معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب
فى الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء
عفا عنه، فبايعناه على ذلك)).
وفى مبايعات الرجال كان صلى الله عليه وسلم يضع يده فى أيدى المبايعين، ويد اللَّه فوق
أيديهم، أما فى مبايعات الرسول ﴿ للنساء فتؤكد عائشة - رضى الله عنها - أنه لم يكن يضع يده
صلى الله عليه وسلم فى يد امرأة قط، بل كان يأخذ البيعة عليهن كلاما فقط، فإذا أقررن وتعهدن بما
طلب منهن قال لهن: قد بايعتكن على ذلك، ولكنّ على تنفيذ ذلك الجنة.
المباحث العربية
(يمتحن) أى يختبرن اختبارا، يغلب على الظن موافقة قلوبهن لألسنتهن فى الإيمان، خشية أن
تكون هجرتهن لأمر دنيوى، وليست للَّه ورسوله، وقد أخرج ابن المنذر والطبرى فى الكبير بسند حسن
عن ابن عباس أنه قال فى كيفية امتحانهن: كانت المرأة إذا جاءت مهاجرة حلفها عمر ته باللّه ما
خرجت رغبة بأرض عن أرض، وباللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللّه
ما خرجت إلا حبالله ورسوله.
(بقول الله عز وجل) أى الامتحان بسبب قوله عز وجل.، أى فإنها تأمر بامتحانهن، والآية
التى ذكرنها عائشة تالية للآية الآمرة بالامتحان وهى قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ... ﴾ وقد وضحنا ذلك بالمعنى العام.
(يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات) بحسب الظاهر، أى مدعيات الإيمان.
(يبايعنك) الجملة حالية، حال مقدرة، أى مقدرات وقاصدات للبيعة.
(على ألا يشركن باللّه شيئا) ((شيئا)) مفعول به، أى لا يشركن باللَّه شيئا من الأشياء أو
صنما من الأصنام، أو صفة لمفعول مطلق، أى لا يشركن شيئا من الإشراك، ولا نوعا من الإشراك.
(إلى آخر الآية) بقيتها ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ أريد به وأد البنات، وإن كان الأولاد أعم منهن،
وجوز إبقاؤه على ظاهره ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال الفراء: كانت المرأة
فى الجاهلية تلتقط المولود من غيرها، فَتَّقولَ لزوجها: هذا ولدى منكَ. فذلك البهتان المفترى بين
أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾
أى فيما تأمرهن به من معروف، وتنهاهن عنه من منكر، وعند أحمد والترمذى وابن ماجه عن أم سلمة
الأنصارية «قالت امرأة من هذه النسوة: ما هذا المعروف الذى لا ينبغى لنا أن نعصيك فيه؟ فقال
٤٩٧
صلى الله عليه وسلم: لا تنحن)) وقيل: النوح وشق الجبوب ووشم الوجوه وغير ذلك. وقيل: لا يخلو رجل
بامرأة، ﴿فَبَايعْهُنَّ﴾ أى إذا أعطينك العهد بذلك فأعطهن العهد بضمان الثواب على الوفاء بهذه
الأشياء ﴿وَاسْتَّغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ زيادة على ما فى ضمن المبايعة من الثواب ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر
لهن، ویرحمهن، إذا وفین بما بایعن.
(فقد أقربالمحنة) قال النووى: معناه فقد بايع البيعة الشرعية. اهـ وفى رواية البخاري ((فمن
أقربهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول اللّه مَ ﴿: قد بايعتك)).
(ولا والله ما مست يد رسول اللّه # يد امرأة قط) المراد من البد الكف، كما فى الرواية.
و ((قط)» لنفى الماضى، وفيه خمس لغات، فتح القاف وتشديد الطاء مضمومة ومكسورة، ويضمهما،
والطاء مشددة، وفتح القاف مع تخفيف الطاء، ساكنة ومكسورة، والقسم لتأكيد الخبر.
(غير أنه يبايعهن بالكلام) لا باللمس، ولا بأخذ الكف فى الكف، كما فى بيعة الرجال، وفى
الرواية ((يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن. كلاما)» أى يقول ذلك كلاما فقط.
(ما مس رسول اللّه ◌َ # بيده امرأة قط، إلا أن يأخذ عليها) هذا الاستثناء منقطع،
وتقدير الكلام: ما مس امرأة قط، لكن يأخذ عليها البيعة بالكلام.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: احتلف فى استمرار حكم امتحان من هاجر من المؤمنات، فقيل:
منسوخ، بل ادعى بعضهم الإجماع على نسخه .اهـ
وقال النووى: فى الحديث أن بيعة النساء بالكلام، من غير أخذ كف.
وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام.
وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة.
وفيه أن لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة، كتطبب وفصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين
ونحوها، فحيث لا توجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبى فعله للضرورة. اهـ
وعائشة - رضى الله عنها - ترد على ما قيل من أن النبى { * بايع النساء بيده، كما بايع الرجال،
وقد يستدل لأصحاب هذا القول بما رواه البخارى عن أم عطية - رضى الله عنها - قالت: ((بايعنا
رسول اللَّه﴿، فقرأ علينا ((أن لا يشركن باللَّه شيئا)) ونهانا عن النباحة، فقبضت امرأة يدها ... ))
الحديث. فقبض يدها يوهم أن يدها كانت فى يده صلى الله عليه وسلم، لكنه احتمال لا يدفع
النصوص ويحتمل أنها كانت ممسكة بثوب يمسك بطرفه رسول الله*، فعند ابن سعد وسعيد بن
منصور عن الشعبى قال: ((كان رسول اللَّه ﴿ إذا بايع النساء وضع على يده ثوبا)» وفى بعض الروايات
٤٩٨
((أنه صلى اللَّه عليه وسلم يبايعهن وبين يديه وأيديهن ثوب مطوى)) ويحتمل أنهن كن يشرن بإيديهن
عند المبايعة بلا مماسة. وأخرج ابن سعد وابن مردويه ((كان رسول الله ﴾ إذا بايع النساء دعا بقدح
من ماء، فغمس يده فيه، ثم يغمس أيديهن فبه)) والله أعلم بصحة هذا الخبر. لكن الأشهر المعول عليه
أن النبى ® لم يصافح بيده امرأة فط، إلا امرأة يملكها، كما جاء فى الصحيح، وعند أحمد والنسائى
وابن ماجه والترمدى وصححه أنهن بايعن رسول اللَّه ◌ُ لّ، فقلن. ((يا رسول اللَّه. ألا تصافحنا؟ قال:
إنى لا أصافح النساء، إنما قولى لمائة امرأة كقولى لامرأة واحدة ».
وقد روى البخارى عن أم عطية - رضى الله عنها - قالت: بايعنا رسول اللَّهِوَلَه، فقرأ علينا ((أن لا
يشركن باللَّه شيئا)) ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدتنى فلانة، فأريد أن
أجزيها)) وللنسائى («فأذهب، فأسعدها، ثم أجيئك، فأبايعك، قال: فاذهبى، فأسعديها، قالت: فذهبت،
فساعدتها، ثم جئت، فبايعت)) قال النووى: هذا محمول على أن الترخيص لأم عطية فى آل ملان
خاصة، ولا تحل النياحة لها ولا لغيرها فى غبر آل فلان، كما هو ظاهر الحديث، وللشارع أن يخص من
العموم من شاء بما شاء. اهـ كذا قال. قال الحافظ ابن حجر: وفبه نظر، إلا إن ادعى أن الذين
ساعدتهم لم يكونوا أسلموا، وفبه بعد، وإلا فليدع مشاركتهم لها فى الخصوصية، وقد شذ من قال: إن
النياحة ليست بحرام، إلا إن صاحبها شىء من أفعال الجاهلية، من شق جيب وخمش خد ونحو
ذلك، والأحاديث الواردة فى الوعيد الشديد على النياحة ترده، وتؤكد شدة التحريم، وهو مذهب العلماء
كافة، لكن لا يمتنع أن يكون النهى أولا ورد بكراهة التنزيه، ثم لما نمت مبايعة النساء وقع التحريم،
فيكون الإذن لمن ذكر وقع فى الحالة الأولى لبيان الجواز، ثم وقع التحريم، فورد حينئذ الوعيد
الشديد.اهـ ومال الحافظ ابن حجر إلى هذا الاحتمال، واجتهد فى رد الاحتمالات الأخرى.
وعندى أن الخصوصية للتأليف فى أول التشريع أقرب الاحتمالات، كما قال النووى،
والاحتمال الذى مال إليه ابن حجر بعيد، إذ لوكان النهى للتنزيه ما دخل فى البيعة التى
اقتصرت على أهم الأمور.
والله أعلم
٤٩٩
(٥١٩) باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع
وبيان سن البلوغ
٤٢٤٣ - ٩٠ْ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ظُ(٩٠) قَالَ: كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ،فَ﴿ْ عَلَى السَّمْعِ
وَالطَّاعَةِ يَقُولُ «لَنَا فِيَمَا اسْتَطَعْتَ».
٤٢٤٤ - لْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٩١) قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَوْمَ أُحُدٍ فِي
الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، فَلَمْ يُجِزْنِي. وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةً
سَنَةً، فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِفَةٌ. فَحَدَّثْتُهُ هَذَا
الْحَدِيثَ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. فَكَتَّبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ
ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَّةً وَمَنْ كَانَ دُونٌ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ.
٤٢٤٥ - - وفي رواية عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ: وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةً
سَنَةً فَاسْتَصْغَرَنِي.
المعنى العام
البيعة عن السمع والطاعة سبقت قريبا، والزيادة فى هذا الحديث تلقين عبارة ((فبما استطعت))
وقد روعيت عند الكلام عن السمع والطاعة فى المنشط والمكره.
ولما كان الحديث يرفع القلم والتكليف عن الصبى حتى يبلغ، وقتال الكفار تكليف وأى تكليف،
جهاد وأى جهاد، لا يطلب من غير البالغ، لكن الصبية الغيورين فى صدر الإسلام كان حماسهم
يدفعهم إلى التقدم إلى الميدان قبل أن يبلغوا الحلم، وهو حماس محمود مشكور، فكان رسول اللّه عَ ل﴾
يسأل عن أعمارهم فإذا علم أنها أقل من خمس عشرة سنة ردهم، وإن علم أنهم بلغوها قبلهم، وسمح
لهم بالمشاركة كالرجال، تماما فى الحقوق والواجبات، ومن المعلوم شرعًا أن البلوغ يثبت بالإنزال
للرجل والمرأة، وبالحيض للمرأة، فإن لم يوجد هذا الدليل قبل الخامسة عشرة اعتبر البلوغ عندها بلوغا
بالسن والتاريخ.
(٩٠) حَدَّثَا يَحْتِى بْنُ أَيُّبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ وَاللَّفْظُ لِبْنِ أَيُّوبَ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوّ ابْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ
أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ
(٩١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَّيْرِ حَدْثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
- وحَدَّثَنَاهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةً خُدَّثَنَا عَبْدَّ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بَّنُ سَّلَيْمَانَ حْ وَحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثْنَا عَبْدُ
الْوَهَّابِ يَعْنِي التَّقَفِيَّ جَمِيَعًا عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ
٥٠٠