النص المفهرس
صفحات 401-420
(٥٠٦) باب كراهة الاستعانة فى الغزو بكافر
٤١٣٤- ٢٠ْ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ الْبِيِّلَ﴿يَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٥٠) أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجٌ
رَسُولُ اللَّهِفَ﴿ قِبَلَ بَدْرِ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَيَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ
جُرَأَةٌ وَنَجْدَةٌ؛ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ﴿َحِينَ رَأَوْهُ. فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ
اللَّهِ وَّ جِئْتُ لِأَتْبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ». قَالَ: لا. قَالَ «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا
كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَةُ الرَّجُلُ، فَقْالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَقَالَ لَهُ النّبِيِّنَ كَمّا
قَالَ أَوَّلَ مُرَّةٍ. قَالَ «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ،
فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ
مُِّ «فَـ نْطَلِقْ»
المعنى العام
يقول الله تعالى: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] وكيف يأمن العاقل لعدوه؟
والكفر عدو للإيمان مهما اختلفت صوره ومذاهبه.
إن التعامل مع الكفرة بيعاً وشراء ورهنا مباح، لأن الخطر فى هذه المعاملات خطر
فى المال، والمعاملات مكشوفة المكسب والخسارة، وأهل اختصاصها يعلمونها ويجيدون
تحريكها، مسلمين وغير مسلمين، وأخذ الحذر فى هذا ممكن وسهل، وعدم الاغترار بهم،
والحيطة فى معاملتهم يسيرة ممكنة.
والتصدق على الكافرين والبربهم مطلوب شرعا، أو مرخص به شرعا، لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ
عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
وحب المؤمن للكافر - من حيث هو كافر - ممنوع شرعا، لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْكَانُوا آبَاءَهُمْ .. ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية.
أما استعانة المسلمين بغير المسلمين فى حربهم مع الكافرين ففيها خطورة شديدة،
خطورة على المسلمين أنفسهم وخطورة على الإسلام، فالتخاذل فى الحرب، والفرار،
(١٥٠) حَدَّثَبِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ عَن مَالِكٍ ح وحَدْقَبِهِ أَبُوِ الطَّاهِرِ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَّبِيَ عَبْدِ اللَّهِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثِيَارِ الأَسْلَمِيِّ عَنِ غُرْوَةَ بْنِ الزُّبْرِ عَنْ عَائِشَةَ
٤٠١
والجبن لو حصل من بعض الجيش أثار فى الجيش متله، ولذلك يقول تعالى عن المنافقين:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا رَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧].
وخير الهدى هدى محمد {*، فقد تقدم إليه صلى اللّه عليه وسلم رجل مشرك معروف بالقوة
والشهامة والشجاعة والجرأة، فارس لا يشق له غبار، رأى محمداً وأصحابه ينتصرون على أعدائهم،
ويستولون على ثرواتهم، ويقسمونها غنائم على الجيوش، للراجل سهم وللفارس سهمان، فرغب فى
مشاركتهم فى الحرب ضد المشركين، ليشاركهم فى الغنائم، فعرض نفسه على رسول الله صل*، ليخرج
معه فى غزوة، وهو فى طريقه إلى الغزو، ففرح به الصحابة رضى الله عنهم، لما عرفوا فيه من القوة،
فسأله رسول اللَّهِلَ﴾: هل آمنت بالله ورسوله؟ قال: لا. ولكنى سأقاتل معك من أجل المال، كالجنود
المرتزقة. قال صلى الله عليه وسلم: انصرف، فأنا لا أستعين بمشرك فى قتالى للمشركين، وانصرف
الرجل غير بعيد، ثم رجع يعيد مطالبه، وأعاد عليه صلى الله عليه وسلم الجواب نفسه، فانصرف، ثم
عاد، فقال مقالته الأولى، وسأله رسول اللّه ﴾: هل تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم: فأذن له فى الجهاد
معه، وأبلى بلاء حسنا، وهكذا ضرب رسول اللّه للأمة مثلا أن يكون الجهاد جهادا لإعلاء كلمة
اللّه، وليس للمغنم أو الشهرة أو أغراض الدنيا، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل اللَّه.
المباحث العربية
(خرج رسول اللَّه ﴿ قبل بدر) أى خرج بأصحابه غازيا، قال النووي: هكذا ضبطناه ((قبل))
بكسر القاف وفتح الباء، أى جهة بدر، وكذا نقله القاضى عن جميع رواة مسلم. قال: وضبطه بعضهم
بفتح القاف وسكون الباء، أى قبل المكان المعروف بدر من جهة المدينة.
(فلما كان بحرة الوبرة) الباء حرف جر، والحرة بفتح الحاء والراء المشددة فى الأصل أرض
ذات حجارة سود، كأنها أحرقت، والوبرة بفتح الواو والباء والراء، فى الأصل واحدة الوبر بفتح الواو
والباء، وهو صوف الإبل والأرانب، أما الوبر بفتح الواو وسكون الباء فهو حيوان فى حجم الأرنب،
والأنثى منه وبرة بإسكان الباء. والمراد هنا من حرة الوبرة مكان معروف على أربعة أميال من المدينة
جهة بدر.
(أدركه رجل) مشرك.
(قد كان يذكر منه جرأة ونجدة) أى كان معروفا للصحابة بالجرأة والشجاعة والإقدام.
(ففرح أصحاب رسول اللَّه ﴿ ﴿ حين رأوه) ظنوه جاء مسلما، ففرحوا بإسلامه، وانضمامه
إلى الجيش، أوظنوا أنه سيسمح له بالقتال فى صفوفهم نجدة لهم وهو على شركه، ففرحوا بانضمام
قوته إلى قوتهم.
(جئت لأتبعك) بفتح الهمزة وسكون التاء، أى لأكون تابعا لك فى قتال أعدائك.
٤٠٢
(وأصيب معك) أى وأحصل على الغنيمة معك، والظاهر أن هذا كان الدافع للرجل. أى فأذن لى
بالقتال معك ومشاركتكم فى الغنيمة.
(قال: فارجع. فلن أستعين بمشرك) على قتال مشرك، فإنه غير مأمون، فشأنهم نكث
العهود والغدر، فارجع من حيث أتيت، ولا تصحبنا.
(قالت: ثم مضى) رسول اللّه لم﴿، واستمر فى طريقه، أو ثم مضى الرجل ورجع.
(حتى إذا كنا بالشجرة) مكان معروف، بعد حرة الوبرة. قال النووي: هكذا هو فى النسخ
((حتى إذا كنا)) فيحتمل أن عائشة كانت مع المودعين، فرأت ذلك، ويحتمل أنها أرادت بقولها
((كنا)) كان المسلمون.اهـ والأول مستبعد، فلم تكن النساء تخرج المسافات الطويلة أكثر من أربعة
أميال، للتوديع، ويحتمل أنها كانت - رضى الله عنها - قد خرجت مع رسول اللَّهَ ﴿ فى هذه الغزوة.
(كما قال أول مرة. قال: فارجع. فلن أستعين بمشرك) الجملة الثانية تفسير للأولى.
(ثم رجع) الرجل عن مصاحبة النبى ﴿، بأن توقف، أو اتجه إلى طريق آخر.
(فأدركه بالبيداء) فأدرك الرجل رسول الله : ﴿ بالصحراء والأرض الخالية المنبسطة.
(قال: فانطلق) أى معنا، وصاحبنا، وشاركنا فى الغنيمة.
فقه الحديث
بوب النووى لهذا الحديث بباب كراهة الاستعانة فى الغزو بكافر، إلا لحاجة، أو كونه حسن
الرأى فى المسلمين.
فحمل امتناع النبى - عن قبول الرجل المشرك والاستعانة به على سبيل الكراهة، والتحقيق أن
الحكم يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الظروف، واختلاف المهمة التى يستعان به عليها، فقد
يكون محرما أشد التحريم، وممنوعا كل المنع، وأميل إلى التحريم فى مثل ظروف هذا الحديث.
وقوله ((فى الغزو)) احتراز عن الاستعانة بالكافر فى الصناعة والزراعة والخدمة ونحو
ذلك فهوليس من هذا القبيل، لاختلاف درجة الخطر، وقد استعان صلى الله عليه وسلم
بالكافر النجار لعمل المنبر.
وقوله ((بكافر)) أعم من أن يكون مشركا أو صاحب كتاب أو عابد وثن، وهو كذلك، وإن كان
الحديث مع مشرك.
وقوله ((إلا لحاجة)) فيه نظر، فالاستعانة بالآخرين عادة لا تخلو من حاجة، وكان الأولى أن يقال:
إلا لضرورة.
٤٠٣
ثم قال النووى: وقد جاء فى الحديث الآخر ((أن النبى - استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه،
فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعى وآخرون: إن كان الكافر حسن
الرأى فى المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به، وإلا فيكره، وحمل الحديثين على
هذين الحالين.اهـ
وقصة صفوان بن أمية التى أشار إليها النووى - كما ذكرت فى الإصابة والاستيعاب وغيرهما -
أنه قتل أبوه أمية بن خلف ببدر كافرا، وقتل عمه أبى ابن خلف بأحد كافرا، وهرب صفوان يوم فتح
مكة كافرا، وأسلمت امرأته، وحين هرب استأمن له عميربن وهب بن خلف رسول اللّه﴿ ﴿، فأمنه
رسول اللَّهُ ﴿ أربعة أشهر، واستعار منه رسول الله ﴾ سلاحا، وخرج معه إلى حنين. قيل: والطائف،
وأعطاه رسول اللَّهِ وَ ﴿ من الغنائم، وأكثر له.
ومن هنا يقول النووى: وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له، ولا يسهم له، هذا مذهب مالك والشافعى
وأبى حنيفة والجمهور، وقال الزهرى والأوزاعى: يسهم له.
والله أعلم
٤٠٤
كتاب الإمارة
٥٠٧- باب الناس تبع لقريش، والخلافة فى
قریش.
٥٠٨- باب الاستخلاف وترکه.
٥٠٩- باب النهى عن طلب الإمارة والحرص
عليها وكراهة الإمارة بغير ضرورة.
٥١٠- باب فضيلة الأمير العادل، وعقوبة
الجائر والحث على الرفق بالرعية، والنهى
عن إدخال المشقة عليهم.
٥١١- باب غلظ تحريم الغلول.
٥١٢- باب تحريم هدايا العمال.
٥١٣- باب وجوب طاعة الأمراء فى غير
معصية والإمام جنة.
٥١٤- باب وجوب الوفاء بببعة الخليفة الأول
فالأول.
٥١٥- باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة
واستئثارهم، ووجوب ملازمة جماعة
المسلمين عند ظهور الفتن وفى كل حال،
وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة
الجماعة، وحكم من فرق أمر المسلمين
وهو مجتمع، والحكم إذا بويع لخليفتين،
ووجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف
الشرع وترك قتالهم ما صلوا، وخيار الأئمة
وشرارهم.
٥١٦ - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش
عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان
تحت الشجرة.
٥١٧- باب تحريم رجوع المهاجر إلى
استيطان وطنه والمبايعة بعد الفتح على
الإسلام والجهاد والخير.
٥١٨- باب كيفية بيعة النساء.
٥١٩- باب البيعة على السمع والطاعة فيما
استطاع وبيان سن البلوغ.
٥٢٠ - باب النهى أن يسافر بالمصحف إلى
أرض الكفار إذا خيف وقوعه فى أيديهم.
٥٢١- باب الخيل: تضميرها، والمسابقة بينها
وفضلها، وما يكره من صفاتها.
٥٢٢ - باب فضل الجهاد والخروج والرباط فى
سبيل اللّه ، وما أعده الله للمجاهد فى
الجنة.
٥٢٣- باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر
يدخلان الجنة ولا يجتمع كافر وقاتله فى
النار.
٥٢٤- باب فضل الصدقة فى سبيل اللّه ،
وإعانة الغازى، وخلافة أهله بخير، وإثم
من خانه فيهم.
٥٢٥- بــاب سقوط فرض الجهــاد عن
المعذورين وثبوت الجنة للشهيد.
٥٢٦- باب من قاتل لتكون كلمة الله هى
العليا فهو فى سبيل الله ، ومن قاتل للرياء
والسمعة استحق النار.
٥٢٧ - باب ثواب من غزا فغنم ، ومن لم يغذم.
٥٢٨- باب إنما الأعمال بالنية.
٤٠٥
٥٢٩ - باب استحباب طلب الشهادة فى
سبيل الله.
٥٣٠- باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث
نفسه بالغزو.
٥٣١- باب ثواب من حبسه العذر عن الغزو.
٥٣٢- باب فضل الغزو فى البحر.
٥٣٣- باب فضل الرباط فى سبيل الله.
٥٣٤ - باب بيان الشهداء.
٥٣٥ - باب فضل الرمى ، وذم من علمه ثم
نسیه.
٥٣٦ - باب ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين
على الحق )».
٥٢٧ - باب مراعاة مصلحة الدواب والسير.
٤٠٦
(٥٠٧) باب الناس تبع لقريش، والخلافة فى قريش
٤١٣٥- ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ يَبْلُغُ
بِهِ النَّبِيِّ﴿ وَقَالَ عَمْرٌو رِوَايَةً «النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ
لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ)».
٤١٣٦ - ٣ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنِّهٍ(٢) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنًا أَبُو هُرَيْرَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. فَذَكَرَ
أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ «النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ
لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعْ لِكَافِرِهِمْ)».
٤١٣٧- ٣ّ عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٣) قال: قَالَ النَّبِيُّوَّ «النّاسُ تَعٌ
◌ِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ».
٤١٣٨ - ٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَ﴾(٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ِ «لا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا
بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ».
٤١٣٩-٥ْ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥) قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى الْبِيِّ ◌ِلَّ
فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لا يَنْقَضِي حَتّى يَمْضِيَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِفَةً» قَالَ: ثُمَّ تَكُلِّمَ
بِكَلامٍ خَفِيَ عَلَيَّ. قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ «كُلُّهُمْ مِن قُرَيْشٍ».
٤١٤٠- ٢١ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٦) قَالَ: سَمِعْتُ النِّبِيَّ :﴿ يَقُولُ «لا يَزَالُ
أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًّا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا» ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ :﴿َّ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيٍّ، فَسَألْتُ
أَبِي مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿؟ فَقَالَ «كُلُّهُمْ مِن قُرَيْشٍ».
(١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ فَعْنَبٍ وَقْتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالاَ حَدَّثْنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِيَانِ الْحِزَامِيَّ ح وحَدَّثْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَمْرٌو
النَّاقِدُ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَن أَبِيَ هُرَيْرَةَ
(٢) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدًَّّْا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنٍَّ
(٣) وحَدَّثَنِي يَحْتَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدََّا رَوْحٌ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَتِي أَبُو الزُّبِيْرِ أَنَّهُ سّمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ
(٤) وحَدَّثَّنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَّونُسَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِّ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَّ: قَالَ عَبْدُ اللّهِ
(٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنِ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَّةً قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﴿ يَقُولُ ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْئَمِ
الْوَاسِطِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ اَلَطَّخَّانُ عَن حُصَيْنٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ
(٦) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ جَابِرِ بْنِّ سَمْرَةً
٤٠٧
٤١٤١ -- وفي رواية عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٦) عَنِ النَّبِيِّ وَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ،
وَلَمْ يَذْكُرْ «لا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًّا».
٤١٤٢- ٣ عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٧) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ يَقُولُ «لا
يَزَالُ الإِسْلامُ عَزِيزًا إِلَى الْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةٌ)) ثُمَّ قَالَ كَلِمَةٌ لَمْ أَفْهَمْهَا. فَقُلْتُ لِأَبِي مَا قَالَ؟ فَقَالَ
«كُلُّهُمْ مِن قُرَيْشٍ».
٤١٤٣ - ٨ُ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٨) قَالَ: قَالَ النِّبِيُّ ◌َّ «لا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ
عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً» قَالَ: ثُمَّ تَكَلِّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ. فَقُلْتُ لأَبِي مَا قَالَ؟ فَقَالَ
«كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».
٤١٤٤- ١ عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٩) قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَمَعِي
أَبِي فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «لا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةٌ» فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا
النّاسُ. فَقُلْتُ لأَبِي مَا قَالَ؟ قَالَ «كُلُّهُمْ مِن قُوَيْشٍ».
٤١٤٥-١١ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (١٠) قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً مَعَ غُلامِي
نَافِعٍ أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِعَلَّ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَّ
يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيََّ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ يَقُولُ («لا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ يَكُونُ
عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةٌ كُلُّهُمْ مِن قُرَيْشٍ» وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «عُصَيْيَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَبِحُونَ
الْبَيْتَ الأَبْيَضَ، بَيْتَ كِسْرَى أَوْ آلِ كِسْرَى» وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ
فَاحْذَرُوهُمْ» وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «إِذَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأُ بِنَفْسِهِ وَأَهْلٍ بَيْتِهِ» وَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ «أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ».
(-) وحَدَّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ سِمَّاكٍ عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ
(٧) حَدَّثْنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةً يَقُولُ
(٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ عَن دَاوُدّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُّرَةً
(٩) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنَّ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدٌ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ح وحَّدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْقَلِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا
أَزْهَرُ حَدْثَّا ابْنُ عَوْنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمِّرَةً
(١٠) حَدَّثَنَا قُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبَّو بَكْرَ بْنُ أَبِي شَيَّةً قَالا حَدَّثَنَا حَائِمٌ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَعِيلَ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَّاَ ابْنُ أَبِّي فَدَيْكٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنَ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ ◌َنِ عَّامِرٍ بْنِ سَعْدٍ أَنَّةً أَرَّسَلَ إِلَى
ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيِّ حَدَّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِن رَسُولِ اللَّهِعَّ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُوّلُ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَاتِمٍ.
٤٠٨
المعنى العام
قضية مهمة فى حياة البشر، قضية الإمارة والولاية الكبرى للمسلمين، وكان العرب قبل الإسلام
يحكم كل قبيلة منهم شيخ القبيلة، فلما جاء الإسلام، واستقرت دولته بالمدينة حكم رسول اللّه حطّ
القبائل المختلفة بعد أن وحد بينهم بالإسلام، فصارت العصبية إسلامية، لا فضل لعربي على عجمى
ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، لكن الناس معادن، وبعض القبائل لها شرف على بعض بالحسب
والنسب، وخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا وكانت العرب نعترف قبل الإسلام
بفضيلة قريش، أصالة وكرما وشهامة ونجدة وعفة وقربا من اللّه لأنهم أهل حرم الله وحمانه، ولما جاء
الإسلام جاء نبيه* من قريش، فزادهم فخرا وامتيازا، وإذا كان الإسلام قد حارب العصبية القبلية
فإنه لم يلغ تفاضل القبائل فى الشرف، فهو القائل ((إن اللَّه اصطفى من ولد إسماعيل كنانة،
واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم» والعرب وهم
قريبو عهد بالجاهلية لا ينسون فضائل القبائل، ويدينون لفضلاها بالولاء والطاعة، والإمارة أحوج ما
تكون إلى الولاء والطاعة. ومن هنا أشار صلى الله عليه وسلم إلى جعل الإمارة بعده فى قريش، مع
استيفاء مؤهلات الإمارة الأخرى، فكان هذا التخصيص فى الحديث، وكان هذا الترغيب فى جعل
الخليفة قرشيا، وكان حنا للقرشيين أن يحافظوا على أن يكونوا أهلا للخلافة بعده، فقال: الناس فى
الجاهلية يتبعون قريشا، حيارهم يتبع خيار قريش، فمسلمهم يتبع محمداً {₪ وهو قرشى، وشرارهم
يتبع شرار قريش، فكافرهم كان يتبع أبا سفيان وزعماء قريش فى حربهم للإسلام، وستبقى تبعية
الناس لقريش فترة من الزمان، وستكون الخلافة فيهم ما أقاموا شريعة الإسلام، سيمضى فى الناس
اثنا عشر خليفة بعدى كلهم من قريش، ثم تتغلب القبائل الأخرى، فتنحى القرشيبن عن الخلافة،
وتحتل مكانتهم ومنعتهم وسؤدهم.
فحافظوا معشر قريش على سيادتكم، وحافظوا أيها المسلمون على ولائكم لقريش ما أقاموا الدين
وأطاعوا اللَّه فيكم، فإذا عصوه فلا طاعة لهم عليكم.
المباحث العربية
(كتاب الإمارة) المراد بها هنا الخلافة، والإمارة والولاية العظمى، ف))ال)) فى ((الإمارة)) للكمال.
(الناس تبع لقريش فى هذا الشأن) أى فى الرئاسة، والمراد من الناس الجنس الصادق
ببعض الأفراد، وليست للاستغراق فهناك كان الفرس والروم، وغيرهم.
(مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم) فى الرواية الثانية (مسلمهم نبح لمسلمهم، وكافرهم
تبع لكافرهم)) وفى الرواية الثالثة ((الناس تبع لقريش فى الخير والشر)) قال النووى: معناه فى الإسلام
والجاهلية، لأن قريشا كانوا فى الجاهلية رؤساء العرب، وأصحاب حرم اللَّه، وأهل حج بيت اللَّه،
٤٠٩
وكانت العرب تنظر إلى إسلامهم، فلما أسلموا، وفتحت مكة تبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من
كل جهة، ودخل الناس فى دين الله أفوجا، وكذلك فى الإسلام، هم أصحاب الخلافة، والناس تبع
لهم. اهـ. وفى هذا القول نظر، لأنه إن كان تعبيرا عن الواقع فالواقع لا يؤيده، فلم يكن القبائل العربية
الأخرى تخضع لحكم قريش، وإن كانت تحترمها، فلم يكونوا نبعا لها فى الجاهلية، وأما كونهم
أصحاب الخلافة فى الإسلام فلم يكن ذلك واقعا إلا فى الصدر الأول، وإن كان تعبيرا عما ينبغى فهذا
أمرآخر لكنه لا يتفق مع كلامه الآتى فى فقه الحديث.
(لا يزال هذا الأمر فى قريش مابقى من الناس اثنان) ((ما)) فى ((ما بقى)» ظرفية
مصدرية، أى مدة بقاء اثنين من الناس على قيد الحياة، فهو كناية عن التأبيد إلى قيام الساعة وليس
المراد حقيقة العدد، وهل الجملة خبرية لفظا ومعنى؟ فهى إخبار عما سيقع؟ أو خبرية لفظا طلبية
معنى، أى ينبغى أن يكون الأمر كذلك؟ التحقيق فى فقه الحديث، قال ابن هبيرة: يحتمل أن يكون
على ظاهره، وأنهم لا يبقى منهم فى آخر الزمان إلا اثنان، أمير ومؤمر عليه، والناس لهم تبع، فحقيقة
العدد مرادة.
(إن هذا الأمر لا ينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة ... كلهم من قريش) معناه
إن كون الخلافة فى قريش بعدى سيبقى قائما متحققا حتى يتعاقب على الأمة الإسلامية اثنا عشر
خليفة كلهم من قريش، ثم تخرج الخلافة من قريش، وفى الرواية السادسة ((لا يزال أمر الناس
ماضيا)) ملتزمين جعل الخلافة فى قريش ((ما وليهم اثنا عشر رجلا)) خليفة ((كلهم من قريش)) وفى
الرواية السابعة ((لا يزال الإسلام عزيزا)) أى منيعا من التغيير، فى هذه الجزئية، وهى كون الخلافة فى
قريش ((إلى اثنى عشر خليفة)) أى لا يزال هذا الحكم ماضيا وقائما ونافذا إلى اثنى عشر خليفة، وفى
الرواية الثامنة ((لا يرال هذا الأمر عزيزا إلى ... )) وفى الرواية التاسعة ((لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً
إلى .... )) وفى الرواية العاشرة ((لا يزال الدين قائما ... )) وهذه الروايات من قببل الرواية بالمعنى، لأن
الراوى واحد، والمخرج واحد، والمقولة واحدة.
قال النووى: قال القاضى: قد بوجه هنا سؤال، وهو أنه قد ولى أكثر من هذا العدد. قال: وهذا
اعتراض باطل، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل: لا يلى إلا اثنا عشر خليفة، وإنما قال: «يلى)» وقد ولى
هذا العدد، ولا يضركونه وجد بعدهم غيرهم. هذا إن جعل المراد باللفظ ((كل وال)) ويحتمل أن يكون
المراد مستحقى الخلافة العادلين، وقد مضى منهم من علم، ولابد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة،
قال: وقيل: إن معناه أنهم يكونون فى عصر واحد، يتبع كل واحد منهم طائفة. قال القاضى: ولا يبعد
أن يكون هذا قد وجد، إذا تتبعت التواريخ، فقد كان بالأندلس وحدها منهم فى عصر واحد ثلاثة كلهم
يدعيها، ويلقب بها وكان حينئذ فى مصر آخر، وكان هناك خليفة الجماعة العباسية ببغداد، وكان
هناك سوى ذلك من يدعى الخلافة فى ذلك الوقت فى أقطار الأرض. قال: ويعضد هذا التأويل قوله فى
كتاب مسلم بعد هذا: ((ستكون خلفاء، فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببعة الأول فالأول)) قال:
ويحتمل أن المراد من يعز الإسلام فى زمنه، ويجتمع المسلمون عليه، كما جاء فى سنن أبى داود
٤١٠
((كلهم تجتمع عليه الأمة)) وهذا قد وجد قبل اضطراب أمر بنى أمية، واختلافهم فى زمن يزيد بن
الوليد، وخرج عليه بنو العباس، قال: ويحتمل أوجها أخر، والله أعلم بمراد نبيه وال اهـ
وقد أطال الحافظ ابن حجر الكلام فى هذه المسألة إطالة شعبتها من غير طائل ولا
انضباط، وقال ابن الحوزى فى كشف المشكل: قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث،
وتطلبت مظانه، وسألت عنه، فلم أقع على المقصود به، لأن ألفاظه مختلفة، ولا أشك أن
التخلبط فيها من الرواة. والله أعلم ..
(ثم تكلم النبى 808 بكلمة خفيت على) لعدم سماعى لها جيدا، فلم أتبين ألفاطها، وفى
الرواية السابعة ((لم أفهمها)) وفى الثامنة ((بشيء لم أفهمه)) أى لعدم سماعى لها، وفى التاسعة ((فقال
كلمة صَمَّنِيها الناس)) بفتح الصاد وتشديد الميم المفتوحة، أى أصمونى عنها، فلم أسمعها لكثرة
الكلام، قال النووي: ووقع فى بعض النسخ ((صمتنيها الناس)) أى أسكتونى عن السؤال عنها.
(عصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى - أو آل كسرى -)
((عصببة)) بضم العين وفتح الصاد، نصغير ((عصبة)) وهى الجماعة.
(إن بين يدى الساعة كذابين) يدعون النبوة، ففى البخارى ((لا تقوم الساعة حتى يبعث
دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول اللّه.
(أنا الفرط على الحوض) بفتح الفاء والراء، أى السابق إلى الحوض، والمنتظر لسقيكم منه،
والفرط والفارط هو الذى يتقدم القوم إلى الماء، ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه.
فقه الحديث
قال النووى: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز
عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع فى زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من
أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم،
وبالأحاديث الصحيحة. قال: قال القاضى: اشتراط كونه قرشبا هو مذهب العلماء كافة، قال: وقد
احتج به أبوبكر وعمر رضى الله عنهما على الأنصار يوم السقيفة، فلم ينكره أحد، قال القاضى: وقد
عدها العلماء فى مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا،
وكذلك من بعدهم فى جميع الأعصار. قال: ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع
أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضراربن عمرو فى قوله: إن غير القرشى، من النبط وغيرهم،
يقدم على القرشى، لهوان خلعه إن عرض منه أمر، وهذا الذى قاله من باطل القول وزخرفه، مع ما هو
عليه من مخالفة إجماع المسلمين. اهـ
ونفصيل الكلام فى هذه المسألة فى نقاط:
٤١١
الأولى: احتمال أن الحديث إخبار عما سيقع، وخبر الصادق لا يتخلف، وفى هذا
الاحتمال احتمالان:
(أ) أنه إخبار عما سبقع فترة من الزمان، والمراد الخلافة الأولى، أو ثلاثون سنة، أو اثنا عشر
خليفة يشير إلى هذا الاحتمال رواياتنا الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة.
قال القاضى: وجاء فى الحديث ((الخلافة بعدى ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا)) وجمع بينه وبين
حديث اثنى عشر خليفة بأن المراد فى حديث ((الخلافة ثلاثون سنة)» خلافة النبوة، قال: وقد جاء
مفسراً فى بعض الروايات ((خلافة النبوة بعدى ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا)) ولم يشترط هذا فى الاثنى
عشر، أى لم يشترط خلافة النبوة. قال: والثلاثون سنة لم يكن فبها إلا الخلفاء الراشدون الأربعة،
والأشهر التى بويع فبها الحسن بن على.
وهذا الفريق يؤول ما ورد من الأحاديث مما ظاهره التأبيد، فيقيد المطلق بهذه القيود، ويفسر
روايتنا الرابعة ((لا يزال هذا الأمر فى قريش ما بقى من الناس اثنان)) بأن المراد من ((الناس)) جيل
الصحابة الذين كانوا مع الرسول 18 من المهاجرين والأنصار، وهم المتكلم معهم بهذا الحديث، وكأنه
يقول: ما بقى منكم اثنان، كحديث ((أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو
على ظهر الأرض أحد)» يؤيد هذا التأويل أن كلمة الناس هنا لا يقصد بها جميع الخلق، فمن الضرورى
أن يراد منها جماعة بعبنها، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
فَرَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والحديث على هذا تطرق إليه
الاحتمال، فيسقط به الاستدلال على تأبيد الأمر فى قريش.
(ب) الاحتمال الثانى أن الحديث إخبار عما سبقع، مقيدا بما صح من قيود، ففى البخارى ((إن
هذا الأمر فى قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه اللّه فى النار على وجهه، ما أقاموا الدين)» فإن مفهومه
فإذا لم يقيموا الدين لا يكون فيهم، وعند ابن إسحاق فى قصة سقيفة بنى ساعدة وبيعة أبى بكر،
((فقال أبوبكر: وإن هذا الأمر فى قريش ما أطاعوا الله، واستقاموا على أمره)) وعند الطبرانى
والطيالسى والبزار والبخارى فى التاريخ عن أنس ((ألا إن الأمراء من قريش ما حكموا فعدلوا)) وفيه
((فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللَّه)) وعند أحمد ((يا معشر قريش. إنكم أهل هذا الأمر، ما لم
تحدثوا، فإذا غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب)» وعند الشافعى والبيهقى ((أنه
صلى الله عليه وسلم قال لقريش: أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق، إلا أن تعدلوا عنه
فتلحون كما تلحى هذه الجريدة)) وعند الطيالسى والطبرانى ((استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن
لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم، فأبيدوا خضراءهم».
قال الحافظ ابن حجر: فمفهوم حديث ((ما أقاموا الدين)» أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر
عنهم، ويؤخذ من هذه الأحاديث [التى سقناها] أن خروجه عنهم إنما يقع بعد إيقاع ما هددوا به من
اللحن أولا، وهو الخذلان وفساد التدبير، وقد وقع ذلك فى صدر الدولة العباسية، بحيث صاروا مع
مواليهم كالصبى المحجور عليه، يقتنع بلذاته، ويباشر الأمور غيره، ثم اشتد الخطب، فغلب عليهم
٤١٢
الديلم، فضايقوهم فى كل شىء، حتى لم يبق للخليفة إلا الخطبة، واقتسم المتغلبون الممالك فى
جميع الأقاليم، ثم طرأ عليهم طائفة بعد طائفة حتى انتزع الأمر منهم فى جميع الأقطار، ولم يبق
للخليفة إلا مجرد الاسم فى بعض الأمصار. اهـ
النقطة الثانية: احتمال أن الحديث طلب فى المعنى، أى ينبغى أن يكون هذا الأمر فى قريش،
وليس على إطلاقه أيضاً، بل مع ملاحظة القيود الواردة فى الأحاديث «ما أقاموا الدين» مع مراعاة
أهليتهم لهذا الأمر، فإن فقدوا أهلية الحكم لا يولون، ومعنى هذا أنهم لو تساووا مع غيرهم فى الأهلية
قدم القرشى.
النقطة الثالثة: أن الإسلام لا يشجع العصبية القبلية، بل مبادئه نرفضها وتحاربها، فالقرآن
الكريم يقول ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَّكُمْ
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجراتَ: ١٣] ويقول صلى اللّه عليه وسلم: ((لا فضل لعربي على عجمى ولا لأبيض
على أسود إلا بالتقوى)» ويقول ((اسمعوا وأطيعوا وإن ولى عليكم عبد حبشى كأن رأسه زبيبة)) ويقول
فى خطبة الوداع ((وإن استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا)».
ثم إن رسول اللَّه# حذر من تولية غير الأصلح، بقطع النظر عن قبيلته، فهو يقول ((من ولى على
عصابة رجلا، وهو يجد من هو أرضى للّه منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)).
ويروى الطبرى أن عمر بن الخطاب له حبن طعن، وقيل له: يا أمير المؤمنين. لو استخلفت؟
قال: من أستخلف؟ لوكان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته، فإن سألنى ربى؟ قلت: سمعت
نبيك * يقول: ((إنه أمين هذه الأمة)) ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته، فإن سألنى
ربى قلت: سمعت نبيك يقول: «إن سالما شديد الحب للَّه)» وسالم مولى أبي حذيفة غير قرشى،
وجاء فى أحمد عن عمر قوله: إن أدركنى أجلى وأبو عبيدة حى استخلفته، فإن أدركنى أحلى وقد
مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل. ومعاذ بن جبل أنصارى لا نسب له فى قريش.
ثم إن الذين يذهبون إلى اشتراط القرشية نراهم أحيانا لا يعتبرون هذا الشرط واجبا فى الحاكم
لا يجوز تخلفه، فنراهم يشترطون الكفاءة بالدرجة الأولى، فهدا النووى يقول فى روضة الطالبين: فإن
لم يوجد قرشى مستجمع للشروط فكنانى، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل القليّة، فإن لم يوجد
فيهم مستجمع للشروط فإنه يولى رجل من العجم.
ويقول الجوينى: إذا وجد قرشى ليس بذى دراية، وعاصره عالم تقى، يقدم العالم التقى، ومن لا
كفاية فيه فلا احتمال به، ولا اعتداد بمكانه أصلا.
النقطة الرابعة: أوضحنا شرط القرشية عند أهل السنة والفقهاء، وعقبنا على أقوالهم، وبقى أن
نستعرض المذاهب الأخرى:
١- فلم تكتف بعض الطوائف باشتراط القرشية، بل قيدت الشيعة القرشى بأن يكون من ولد
على ، ثم اختلفوا اختلافا شديدا فى تعيين بعض ذرية على.
٤١٣
٢- وقيدت طائفة القرشى بأن يكون من ولد العباس، وهو قول أبى مسلم الخراسانى وأتباعه.
٣- ونقل ابن حزم أن طائفة تقيد القرشى بأن يكون من ولد جعفر بن أبى طالب.
٤- وقالت طائفة: شرطه أن يكون من ولد عبد المطلب.
٥- وعن بعضهم: لا يجوز إلا فى بنى أمية.
٦- وعن بعضهم: لا يجوز إلا فى ولد عمر.
٧- وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة. يجوز أن يكون الإمام غير قرشى، وإنما يستحق
الإمامة من قام بالكتاب والسنة، سواء كان عربيا أم أعجمبا، والذى نقل عن الجبائى زعيم المعتزلة
قوله: إذا لم يوجد من قريش من يصلح للإمامة، فإنه يجب نصب واحد من غير قريش، ممن يصلح
لهذا الأمر. وقد نقلنا عن النووى ما هو قريب من هذا.
٨- وبالغ ضرار بن عمرو فقال: تولية غبر القرشى أولى من نولية القرشى، لأنه يكون أقل
عشيرة، فإذا عصى سهل وأمكن خلعه.
هذا. وقد استدل بعض الشافعية بتقديم القرشى على غبره على رجحان مذهب الشافعى، وعارضه
عياض، وعقب عليه النووى وغيره بأن فى الأحاديث ما يدل على أن القرشى مزية على غيره، فيصح
الاستدلال به لترجيح الشافعى على غيره، ولبس مراد المستدل أن الفضل لا يكون إلا للقرشى، بل
المراد أن كونه قرشيا من أسباب الفضل والتقدم، كما أن من أسباب الفضل والتقدم الورع والفقه
والقراءة والسن وغيرها، فالمستويان فى جميع الخصال إذا اختص أحدهما بخصلة منها دون صاحبه
ترجح عليه، فيصح الاستدلال على تقديم الشافعى على من ساواه فى العلم والدين، من غير قريش، لأن
الشافعى قرشى اهـ
ويؤخذ من الرواية العاشرة فوق ما تقدم
١ - ضبط الصحابة لرواياتهم بذكر يوم السماع تحديدا من أيام الأسبوع، وإشارة بالأحداث المهمة،
وذكر ذلك لزيادة التوثيق.
٢- وفى إخباره صلى الله عليه وسلم عن افتتاح المسلمين لبيت كسرى معجزة ظاهرة لرسول اللَّه ◌َ ﴾.
وإخباره عما سيقع، وقد فتحوه بحمد الله فى زمن عمر بن الخطاب رقُّته.
٣- وفيه أن يبدأ الإنسان بنفسه وأهل بيته، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم ((ابدأ بنفسك
ثم بمن تعول ».
٤- وفيه إثبات الحوض، ويقدمه صلى اللَّه عليه وسلم إليه.
٥- وفيه جمع الراوى لأحاديث متعددة ذكرت متفرقة فى أزمنة مختلفة فيجمعها الراوى فى حديث
واحد، ولو كانت فى مواضيع مختلفة.
واللَّه أعلم
٤١٤
(٥٠٨) باب الاستخلاف وتركه
٤١٤٦ - لط عَنِ ابْنِ عُمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١١) قَالَ: حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ،
وَقَالُوا جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. فَقَالَ: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ. قَالُوا: اسْتَخْلِفْ. فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا
وَمَّتًا، لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظّيٍ مِنْهَا الْكَفَافُ لا عَلَيَّ وَلا لِي. فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ
خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكُكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِوَ. قَالَ عَبْدُ
اللَّهِ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِعَلَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ.
٤١٤٧ - ٣ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا(١٢) قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةً، فَقَالَتْ:
أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرٌ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ: قُلْتُ مَا كَانَ لِيَفْعَلَ. قَالَتْ: إِنَّهُ فَاعِلٌ. قَالَ:
فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ فِي ذَلِكَ. فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوْتُ وَلَمْ أُكَلِّمْهُ. قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا
أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلا حَتَّى رَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ. فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاسِ وَأَنَا أُخْبِرُهُ.
قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ إِنِّي سَمِعْتُ النّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةٌ فَآَلَيْتُ أَنْ أَقُولَهَا لَكَ. زَعَمُوا أَنَّكَ
غَيْرٌ مُسْتَخْلِفٍ. وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِيلٍ أَوْ رَاعِي غَنَمٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا رَأَيْتَ
أَنْ قَدْ ضَّعَ فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ. قَالَ: فَوَافَقَهُ قَوْلِي فَوَضَحَ رَأْسَهُ سَاعَةٌ ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ،
فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَحْفَظُ دِينَهُ. وَإِنِّي لَئِنْ لا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِرَ ﴿ لَمْ
يَسْتَخْلِفْ. وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ. قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ ذَكَرٌ
رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ وَأَبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرَسُولِ اللَّهِلَ ﴿ أَحَدًا، وَأَنَّهُ
غَيْرٌ مُسْتَخْلِفٍ.
المعنى العام
كان عمر ظلُه قبل أن يصلى بالناس إماما، وهو خليفة المسلمين يمربين الصفين، ويقول:
استووا، فإن رأى رجلا متقدما من الصف، أو متأخرا ضربه بالدرة، حتى إذا لم يرفى الصفوف خللا
تقدم فكبر، وفى يوم الحادثة، وفى صلاة الفجر تقدم، فكبر، فطعنه أبو لؤلؤة ثلاث طعنات، إحداهن
تحت السرة، قد خرقت الصفاق، وكان أبو لؤلؤة - واسمه فيروز - عبدا للمغيرة بن شعبة، يجيد
(١١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةٌ عَنِ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٢) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِيَ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبَّدُ بَّنُ حُمَّيْدٍ وَأَلْفَاظُهُمَّ مُتَقَارِبَةٌ قَالَ إِسْحَقُ وَعَبْدٌ أَخْبُرَنَا وَقَالَ
الآخَرَانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَّرَبِي سَالِمٌ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ
٤١٥
الصناعة، حدادا، نقاشا، نجارا، فأطلقه المغيرة فى المدينة يصنع لأهلها على أن يدفع للمغيرة كل
شهر مائة درهم، وقبل الحادث بأيام دخل أبو لؤلؤة بيت عمر، ليصلح له ضبة، فشكا إليه شدة الخراج،
وطلب منه أن يأمر المغيرة بأن يضع عنه شيئا من خراجه، فقال له عمر - وفى نيته أن يلقى المغيرة،
فيكلمه، فيخفف عنه - اتق الله وأحسن إليه، إنك لتكسب كسبا كثيرا، ما خراجك بكثير فى جنب ما
تعمل، فاصبر، فانصرف العبد ساخطا على عمر، وقال لأصحابه: وسع الناس عدله غيرى، وأضمر فى
نفسه قتله، فاشتمل على خنجر مسموم ذى رأسين، وكمن فى الفجر فى زاوية من زوايا المسجد فى
الغلس، فلما وقف عمر للصلاة دنا منه، فطعنه فى كتفه، وفى خاصرنه، وفى بطنه أسفل سرته، فسقط
عمر ممسكا بثقب بطنه، وحاول الصحابة الإمساك بأبى لؤلؤة، لكنه طار فيهم بخنجره، لا يمر على
أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من
المسلمين طرح عليه برنسا، فلما طن أنه مأخوذ نحر نفسه، وأخذ عمريد عبد الرحمن بن عوف،
فقدمه يصلى بالناس، وكان أكثر من فى المسجد لا يعلم شيئا، إلا الصف الأول، فصلى بهم عبد
الرحمن صلاة خفيفة؛ بأقصر سورتين فى القرآن ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
فلما انصرفوا من الصلاة قال: يا ابن عباس. انظر من قتلنى؟ قال: الصانع أبو لؤلؤة، غلام المغيرة.
قال: الحمد لله الذى لم يجعل ميتتى بيد رجل يدعى الإسلام، الحمد لله الذى لم يجعل قائلى يحاجنى
عند اللَّه بسجدة سجدها له، لا تعجلوا على الذى قتلنى. فقيل له: إنه قتل نفسه، فاسترجع عمر، وظن
عمر أن علبه ذنبا إلى الناس لا يعلمه، وأن جماعة وراء هذا الجانى، فقال: يا ابن عباس. اخرج، فناد
فى الناس. هل منكم من أعان هذا؟ فخرج، لا يمر بملأ من الناس يسألهم إلا وهم يبكون، كأنما فقدوا
أبكار أولادهم، يقولون: معاذ اللَّه، ما علمنا ولا اطلعنا، ثم غلب عمر النزف، حتى غشى عليه، فاحتمله
ابنه فى رهط حتى أدخله بيته، فلم يزل فى غشبته حتى أسفر الصبح، فنظر فى وجوه القوم، فقال:
أصلى الناس؟ قالوا: نعم. قال: لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم توضأ وصلى الصبح، ونساند إلى ابنه،
وجرحه يثغب دما، وقال: إنى لأضع إصبعى الوسطى فما تسد الجرح، أرسلوا إلى طبيب ينظر إلى
جرحى، فأرسلوا إلى طبيب من العرب، فسقاه ماء تمر وزبيب، لينظر هل سبخرج الشراب من الجرح
فتكون الطعنة قد وصلت المعدة؟ فخرج النبيذ من الجرح، لم يتبين الطبيب أنه صديد أو النبيذ،
فسقاه لبنا، فخرج اللبن من الطعنة أبيض، فعرف أنه الموت، فقال: أوص يا أمير المؤمنين، فإنى لا
أظنك إلا ميتا من يومك أو من غد. فقال: الحمد للَّه.
وتوافد الناس يبكون ويننون، ويقولون: هنيئا لك الشهادة، هنيئا لك الجنة. كنت كذا وكذا وكذا،
فقال: والله إن المغرور من تغرونه، إنى لأرجو أن ألقى اللَّه كفافا من الخلافة، لا لى ولا على، يا عبد
اللَّه بن عمر انظر ما على من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا، فقال: يا عبد الله، أقسمت
عليك بحق الله وحق عمر. إذا أنا مت فدفنتنى أن لا نغسل رأسك حتى تببع من أملاك آل عمر
بثمانين ألفا، فتضعها فى بيت مال المسلمين، وكان عمر قد استدان هذا المال فأنفقه فى نوائب
لبعض المسلمين. ثم قال: يا عبد الله بن عمر، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ علبك عمر
السلام - ولا تقل أمير المؤمنين، فإنى لست اليوم للمؤمنين أميرا - وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن
٤١٦
يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكى، فقال: يقرأ عليك عمر بن
الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه؟ فقالت: كنت أريده لنفسى، ولأوثرنه به اليوم على
نفسى، فلما أقبل قيل: هدا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعونى، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك
يا عبد الله؟ قال: الذى تحب يا أمير المؤمنين. قد أذنت. قال: الحمد لله، ما كان من شىء أهم إلى
من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملونى، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب؟ فإن أذنت لى
فأدخلونى، وإن ردتنى فردونى إلى مقابر المسلمين. فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين. استخلف. قال:
أأحمل هم الخلافة حيا وميتا؟ وفهم ابن عمر من هذا ومن كلام أخته حفصة له: إن أباك لن
يستخلف، فهم أنه يحب أن لا يستخلف. فقال له: يا أمير المؤمنين. لو كان لك راعى إبل، أو راعى
غنم، ثم جاءك وتركها، دون أن يقيم علبها حارسا آخر، رأيت أنه قد تسبب فى ضياعها، وأنه مسئول
عما يحدث لها من أضرار، وأنت إذا لم نستخلف قد تتسبب فى فرقة الأمة وضياعها؟ فأعجب هذا
القول عمر، ثم قال: إن الرسول # عزم على أن يستخلف، لكنه لم يستخلف، وإن أبا بكراعتمد على
عزم رسول اللّه# فاستخلف، فإن لم أستخلف فقد اقتديت بالنبى * وفعله، وإن أستخلف فقد
اقتديت بعزم النبى* وفعل أبى بكر، وسكت قليلا، ثم قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر
الذين توفى رسول اللّه وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن.
قال: ويشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شىء، فلما فرغوا من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط.
فىويع عثمان، رضى الله عن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
(الاستخلاف) أى تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده، أو تعيينه جماعة، ليتخيروا
منهم واحدا.
(حضرت أبى حين أصيب) أى حين طعنه أبو لؤلؤة طعنة الموت، والمراد بعد أن أصيب،
وليس لحظة الإصابة، فالرواية الثانية تصرح بأن هذا الحضور الذى حدث فيه هذا التقاول كان بعد
يوم أو أكثر من الإصابة، وبعد أن سمع من أخته أن أباه غير مستخلف.
(فأثنوا عليه، وقالوا: جزاك الله خيرا) كانت الطعنة نافذة قاضية، لم تترك مجالا عندهم
لظن الحياة بعدها، بحكم خبرتهم، فقالوا ما قالوا، وقد جاء أن من أثنى عليه ابن عباس، وأنه قال:
ألست قد دعا رسول اللَّه وَلّ أن يعز الله بك الدين والمسلمين، إذ يخافون بمكة؟ فلما أسلمت كان
إسلامك عزا؟ وظهر بك الإسلام؟ وهاجرت فكانت هجرتك فتحا؟ ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول
الله * من قتال المشركين؟ ثم قبض وهو عنك راض؟ ووازرت الخليفة بعده على منهاج النبى { {*؟
فضربت من أدبربمن أقبل؟ ثم قبض الخليفة وهو عنك راض؟ ثم وليت بخير ما ولى الناس؟ مصر
اللَّه بك الأمصار، وجبا بك الأموال؟ ونفى بك العدو؟ وأدخل بك على أهل بيت من سيوسعهم فى
دينهم وأرزاقهم؟ ثم ختم لك بالشهادة، فهنيئا لك. فقال: والله إن المغرور من تغرونه. أتشهد لى يا
٤١٧
عبدالله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم. فقال: اللَّهم لك الحمد. وكان ممن أثنى أيضاً عبد الرحمن
ابن عوف والمغبرة، وطوائف الداخلين عليه من الصحابة وأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق.
(فقال راغب وراهب) ((راغب وراهب)) معمولهما محذوف، وهما خبر لمبتدأ
محذوف، وقد ذهب العلماء مذاهب فى تقدير هذا المحذوف، فقال ابن بطال: يحتمل
أمرين: أحدهما: أنتم الذين أثنيتم علىَّ راغب فى حسن رأيى فيه، وتقربى له، وراهب من
إظهار ما يضمره من كراهته، أو المعنى: راغب فيما عندى، وراهب منى - فالمبتدأ على
المعنيين واحد، والاختلاف فى معمول اسم الفاعل - أو المراد. الناس راغب فى الخلافة،
وراهب منها، فإن وليت الراغب فيها خشيت أن لا يعان عليها، وإن وليت الراهب منها
خشبت أن لا يقوم بها - فالمبتدأ على هذا غيره فى المعنيين السابقين، والمعمول كذلك -
وقال القاضى عياض: إنهما وصفان لعمر - أى المبتدأ ضمير المتكلم عمر، أى أنا راغب
فيما عند الله، راهب من عقابه، فلا أعول على ثنائكم، وذلك يشغلنى عن الاهتمام
بالاستخلاف عليكم.
(فقالوا: استخلف) أى عين الخليفة بعدك.
(فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا؟) استفهام إنكارى بمعنى النفى، حذف منه حرف
الاستفهام، وعند البخارى ((لا أتحملها حيا وميتا)) أى لا أتحمل مسئولية الخلافة حيا وميتا.
(لوددت أن حظى منها الكفاف) بفتح الكاف وتخفيف الفاء، أى مكفوفا عنى شرها
وخيرها، وقد فسرها بقوله ((لا على ولا لى)) أى سواء بسواء، أى خيرى منها يساوى إساءتى فيها.
(فإن أستخلف .... إلخ) هذا القول سمعه ابن عمر فى زيارة من زياراته لأبيه بعد إصابته، وبعد
أن سمع من حفصة، وبعد ما ضرب له الغنم مثلا، كما سيأتى فى الرواية الثانية.
(فعرفت أنه - حين ذكر رسول اللَّه {# - غير مستخلف) أى غير معين لخليفة على
التحديد، وعرف ذلك من المقارنة بين رسول اللّه ◌َ : وبين أبى بكر، ففى الرواية الثانية ((فعلمت أنه
لم يكن ليعدل برسول اللَّه ◌ُ لا أحدا، وأنه غير مستخلف)).
(دخلت على حفصة) بنت عمر، أخت عبد الله بن عمر، أى بعد طعنة أبيها، وطلب الناس منه
أن يستخلف، وبعد أن قال لهم عمر ما سيقوله لابنه عبد الله، فالواضح أنه تكرر من الصحابة طلب
الاستخلاف وتكرر من عمر هذا الجواب.
(ما كان ليفعل) أى ما كان ليترك الاستخلاف، فالترك وهو كف النفس فعل.
(فسكت حتى غدوت ولم أكلمه. قال: فكنت كأنما أحمل بيمينى جبلا)
كان ابن عمر يعود أباه بين الحين والحين، وكلما دخل يريد مكالمته فى الخلافة لم يجد
٤١٨
المناسبة، حتى أصبح فى اليوم الثانى مبكرا إليه، ليتخلص من هم ما يحمل من أمر
المسلمين، وليبر فى حلفه أن يكلمه فى ذلك.
(فسألنى عن حال الناس، وأنا أخبره) فيه التعبير عن الماضى بالمضارع لإفادة استحضار
الصورة وتجديد الأخبار وتعددها.
(فآليت أن أقولها لك) يقال: ألى إيلاء، أى أقسم.
(رأيت أن قد ضيع) ((أن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف، و((قد ضيع)) بفتح
الضاد والياء المشددة، خبر ((أن)) أى قد أهمل، وتسبب فى ضياعها.
(فوافقه قولى) أى فرضى عنه، إذ وافق عنده قناعة وقبولا.
(فوضع رأسه ساعة) أى فترة من الزمن، وليس المقصود ما هو معروف منها - ستين دقيقة -
وكان عمر له قد وضع خده ساعة على فخذ ابن عباس، فلما دخل ابن عمر قال له عمر: ألصق خدى
بالأرض يا عبد الله بن عمر، فوضعه ابن عباس من فخذه على ساقه، فقال: ألصق خدى بالأرض،
فوضعه حتى ألصق خده ولحبته بالأرض.
فقه الحديث
يتعرض الحديث إلى نقاط:
١- ماذا فعل صلى الله عليه وسلم بشأن الاستخلاف؟.
٢- وماذا فعل أبو بكر قالُله؟.
٣- وماذا فعل عمر رضي ◌ُبه؟.
٤- وما حكم عقد الخلافة من الإمام المتولى لغيره بعده؟.
٥- وما حكم نصب الخليفة بصفة عامة؟.
النقطة الأولى: ماذا فعل النبى 18 بشأن الاستخلاف:
أما عن النقطة الأولى فيقول النووى: هذا الحديث دليل على أن النبى ® لم ينص على خليفة،
وهو إجماع أهل السنة وغيرهم. قال القاضى: وخالف فى ذلك بكرابن أخت عبد الواحد، فزعم أنه نص
على أبى بكر، وقال ابن راوندى: نص على العباس، وقالت الشيعة والرافضة: نص على على. وهذه
دعاوى باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة فى مكابرة الحس، وذلك لأن الصحابة رضى الله عنهم
أجمعوا على اختيار أبى بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر، وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم يخالف فى
شىء من هذا أحد، ولم يدع على ولا العباس ولا أبو بكروصية فى وقت من الأوقات، وقد اتفق على
٤١٩
والعباس على جميع هذا، من غير ضرورة مانعة من ذكر وصية لو كانت، فمن زعم أنه كان لأحد منهم
وصية فقد نسب الأمة إلى اجتماعها على الخطأ، واستمرارها عليه، وكيف يحل لأحد من أهل القبلة
أن ينسب الصحابة إلى المواطأة على الباطل فى كل هذه الأحوال؟ ولو كان شىء لنقل، فإنه من
الأمور المهمة .اهـ
وقد تابع الطبرى بكرابن أخت عبد الواحد، واحتج بما أخرجه بسند صحيح عن قيس
بن أبى حازم، قال: ((رأيت عمر يجلس الناس، ويقول: اسمعوا لخليفة رسول اللَّه ◌ِ)
ونبعهما فى ذلك ابن حزم.
والحق أن النبى # لم يستخلف أبا بكر بعده صراحة، لكن إشاراته إلى ذلك كثيرة، منها:
١- روى البخارى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي # قال: «لو كنت متخذا خليلا
لاتخذت أبا بكر، ولكن أخى وصاحبى)».
٢- وعن جبير بن مطعم قال: ((أتت امرأة النبى #، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن
جئت ولم أجدك؟ - كأنها تقول: الموت - قال صلى الله عليه وسلم: إن لم تجدينى فأتى أبا بكر)).
٣- وعن عمرو بن العاص ◌ُله أنه قال النبى وُل﴾: ((أى الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقال:
من الرجال؟ قال: أبوها: قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب)).
وفى مرض موته صلى اللَّه عله وسلم أنابه للصلاة بالناس.
وهم أن يكتب وصاية له بالخلافة بعده، ولكنه رجع، وقال: ((يأبى الله، ويدفع المؤمنون)).
وفى رواية أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال لعائشة: ((ادعى لى أباك وأخاك، حتى أكتب كتابا))
وفى آخره ((ويأبى اللَّه والمؤمنون إلا أبا بكر)) وعند مسلم ((ادعى لى أبا بكر، أكتب كتابا فإنى
أخاف أن يتمنى متمن، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)).
وأفرط المهلب، فقال: فيه دليل قاطع فى خلافة أبى بكر.
لكن حديثنا يفيد جزما أن النبى # لم يعين صراحة من يكون خليفة بعده، ولعله قد أعلمه ريه
أن الأمة ستجتمع على أبى بكر، فترك التعيين لتثاب الأمة على الاجتهاد والاختيار، وليشرع الشورى
واختيار أهل الحل والعقد لخليفتهم.
النقطة الثانية: ماذا فعل أبو بكر تطل به؟.
أما أبوبكر ، فحين حضرته الوفاة كانت جيوش المسلمين فى حرب طاحنة مع أعداء
الإسلام، فخشى الفتنة، والظروف لا تسمح بالتفرق، وفهم من عزم النبى ® على الكتابة والاستخلاف
جوازه، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يعزم إلا على جائز، فعين عمر خليفة من بعده رضى اللَّه عنهما
واتفق الناس على قبول هذا التعيين.
٤٢٠