النص المفهرس
صفحات 361-380
فلان)) الغطفانى ((جزورا، فلما كشفوا جلدها)) وسلخوها، ليشووا لحمها، ليأكلوا ((رأوا غبارا)» ظنوه
المسلمين ((فقالوا: أتاكم القوم، فخرحوا)) من مضرب مضيفهم ((هاربين)) نحو مضاربهم مذعورين
((فلما أصبحنا قال رسول الله﴾: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا)) بتشديد الجيم،
جمع رجال بتشديد الجيم، أى المشاة على أرجلهم ((سلمة، قال: ثم أعطانى رسول الله :﴿ سهمين،
سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لى جميعا)) قال النووى: هو محمول على أن الزائد على سهم
الراجل كان نفلا، وهو جدير بالنفل ومستحق له ، لبديع صنعه فى هذه الغزوة.
(ثم رجعنا) أى نحو المدينة، أى أردنا الرجوع، وقصدنا الرجوع، ففيه مجاز المشارفة.
(ويردفنى رسول اللَّه { على ناقته) فيه التعبير عن الماضى بالمضارع لاستحضار الصورة.
وفى الرواية الثانية ((ثم أردفنى رسول الله ﴿ وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة)».
(حتى دخلنا المدينة) وهنا أيضاً طى الأحداث بينتها الرواية الثانية، ففيها ((قال: فبينما
نحن نسبر - وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا)) أى عدوا على رجليه ((قال: فجعل يقول: ألا
مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك)) متحديا ((قال: فلما سمعت كلامه قلت)) له:
((أما تكرم كريما))؟ أى أما تحترم الناس، وتراعى مشاعر الكرماء منهم؟ ((ولا تهاب شريفا))؟ أى أما
تعمل حسابا لكبار القوم وأشرافهم؟ ((قال: لا. إلا أن يكون رسول اللّه﴿. قال: قلت: يا رسول اللّه،
بأبى وأمى، ذرنى)) أنزل عن ناقتك ((فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قال: قلت)) للرجل: ((اذهب)) أى
ابدأ الجرى والسباق ((إليك)) أى خذ البداية ((وثنيت رجلى)) أى بدأت الجرى، والجرى لا يكون إلا
بثنى الرجلين، واحدة بعد الأخرى ((فطفرت)) أى فقفزت ووثبت ((فعدوت)) أى فجريت، قال: فربطت
عليه)) نفسى، يقال: ربط نفسه عن كذا، أى منعها ((شرفاً أو شرفين)) والشرف ما ارتفع من الأرض،
والمعنى توقفت عن الجرى حتى سبقنى مرتفعا أو مرتفعين والأرض إلى المدينة ارتفاع وانخفاض
((أستبقى نفسى)) بإسكان الفاء، أى احفظها من أن يضربها استمرار الجرى، ((ثم عدوت فى إثره))
حتى قربت منه ((فربطت نفسى شرفا أو شرفين، ثم إنى رفعت)) درجة العدو ((حتى ألحقه)) أى حتى
لحقته ((فأصكه)) أى فصككته («بين كتفيه، قلت: قد سبقت واللّه)» فيه التعبير عن المضارع بالماضى
لتحقق الوقوع، والمراد ستسبق واللَّه ((قال: أنا أظن)) ذلك، أى أعتقد أننى سأسبق، وأنت ستكون
السابق. ((قال: فسبقته إلى المدينة)».
فقوله فى الرواية الأولى ((ويردفنى رسول اللّه ◌َ على ناقته حتى دخلنا المدينة)) فيه طى،
و((حتى)) ليست غاية للإرداف، بل هى غاية لمحذوف، كما وضح من الرواية الثانية.
(قدمنا الحديبية مع رسول اللّه ﴿) قصة الحديبية قصة أخرى، لا علاقة لها بغزوة ذى قرد،
ذكرها سلمة محدثا عن نفسه، وعن بطولته، كما كان أمره فى غزوة ذى قرد، وغزوة الحديبية قد
تقدمت. والمراد من الحديبية هنا بئرها، لقوله فيما بعد ((وعليها خمسون شاة لا ترويها)».
٣٦١
(ونحن أربع عشرة مائة) قال النووى: هذا هو الأشهر، وفى رواية ((ثلاث عشرة مائة)» وفى
رواية ((خمس عشرة مائة».
وفى رواية البخارى ((والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبى
◌َ)) وفيه أيضا ((عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله وَ﴾ بين يديه ركوة، فتوضأ منها،
ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول اللَّهِ:﴿: ما لكم؟ قالوا: يارسول اللَّه، ليس عندنا ماء
نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما فى ركوتك)).
(فقعد رسول اللَّه ◌َ﴿ على جبا الركية) الجبا بفتح الجيم وتخفيف الباء ما حول البئر، وفى
كتب اللغة: ما حول الحوض والبئر من التراب، إذ هو مساعد على الجبو وجمع الماء، والركى بفتح
الراء وكسر الكاف وتشديد الياء البئر، والمشهور ((ركى)) بغير هاء، ووقع هنا ((الركية)) بالهاء، وهى لغة
حكاها الأصمعى وغيره، وفى رواية البخارى ((فجلس على شفيرها)) وفى رواية أخرى له ((فأتى البئر،
وقعد على شفيرها ».
(فإما دعا) ربه ليفيض عليهم الماء.
(وإما بصق فيها) مع الدعاء أيضا، قال النووى: هكذا هو فى النسخ ((بسق)) بالسين، وهى
صحيحة، يقال: بزق، وبصق، ويسق، ثلاث لغات بمعنى، والسين قلبلة الاستعمال.اهـ
وفى رواية للبخارى ((ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها)) وفى أخرى له
((ثم قال: ائتونى بدلو من مائها، فأتى به، وبصق، فدعا، ثم قال: دعوها ساعة)» وفى دلائل البيهقى
((أنه أمربسهم، فوضع فى قعر البئر، فجاشت بالماء)) وفى رواية له عن جابر ((فقيل لجابر: كم كنتم؟
قال: لوكنا مائة ألف لكفانا)».
(فجاشت) أى ارتفع ماؤها وفاض، يقال: جاش الشىء يجيش جيشانا إذا ارتفع.
(فسقينا واستقينا) أى فسقينا أنفسنا ودوابنا، وأخذنا من مائها فى أوعيتنا، يقال استقى
من البئر إذا أخذ من مائها، ويقال: استقى المعارف والأخبار من كذا، أى استمدها وحصل عليها من
كذا، وفى رواية للبخارى ((فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا))
(ثم إن رسول اللَّه وَ ال﴿ دعانا للبيعة فى أصل الشجرة) بيعة الرضوان، وقد سبق الكلام
عنها فى غزوة الحديبية.
(قال: وأيضا) أى وبايع فى وسطهم أيضا، يقال: آض يئيض أيضا، أى عاد، وهو هنا مصدر
منصوب بفعله المحذوف، والجملة معطوفة على محذوف معلوم، أى بايعت أول الناس، وتبايع فى
وسطهم عودا.
(فأعطانى رسول اللَّه # حجفة أو درقة) الحجفة الترس من جلود بلا خشب ولا رباط من
عصب، والدرقة شبيهة بها.
٣٦٢
(التى أعطيتك) عائد الصلة محذوف، المفعول الثانى لأعطى، أى التى أعطيتكها.
(لقينى عمى عامر عزلا) منصوب على الحال من الفاعل، قال النووى: ضبطوه بوجهين،
أحدهما فتح العين مع كسر الزاى، والثانى ضمهما، وقد فسره بالذى لا سلاح معه، ويقال له أيضاً:
أعزل، وهو أشهر استعمالاً.
(إنك كالذى قال الأول: اللَّهم أبغنى حبيباً هو أحب إلى من نفسى) أى إنك يشبه أول
من قال: اللَّهم أعطنى حبيباً هو أحب إلى من نفسى، فقد أعطيت عمك ما أنت أحوج إليه منه، فكأنه
أحب إليك من نفسك.
(ثم إن المشركين راسلونا الصلح) قال النووى: هكذا هو في أكثر النسخ ((راسلونا)) من
المراسلة، وفى بعضها ((راسونا)) بفتح الراء الممدودة، وتشديد السين مضمومة، وحكى القاضى فتحها
أيضا، وهما بمعنى راسلونا، مأخوذ من قولهم: رس الحديث يرسه، إذا ابتدأه، وقيل: من رس بينهم إذا
أصلح، وقيل: معناه فاتحونا، من قولهم: بلغنى رس من الخبر، أى أوله، ووقع فى بعض النسخ
((واسونا)) بفتح السبن، أى انفقنا نحن وهم على الصلح، والواو فيه بدل من الهمزة، وهو من الأسوة.
(أتيت شجرة فكسحت شوكها) الساقط منها على الأرض، أى كنست ما نحتها من الشوك.
(فاضطجعت فى أصلها) أى بجوار جذعها وجذورها.
(فأتانى أربعة من المشركين) أى فأتوا إلى شجرنى يستريحون تحتها.
(فجعلوا يقعون فى رسول اللَّه ﴿) يقال: وقع فلان فى فلان وقيعة ووقوعا، سبه
واغتابه وعابه.
(قتل ابن زنيم) بضم الزاى وفتح النون.
(فاخترطت سيفى) أى سللته من غمده.
(ثم شددت على أولئك الأربعة) أى عدوت علبهم، لأصحبهم إلى رسول اللّه * رهينة من
أجل ابن رنيم.
(فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثا فى يدى) أى حزمة فى يدى.
(إلا ضربت الذى فيه عيناه) أى إلا ضربت رأسه وقطعتها.
(وجاء عمى عامر برجل من العبلات) بفتح العين والباء، وهم أمية الصغرى، من قريش،
والنسبة إليهم عبلى، ترده إلى الواحد، واسم أمهم عبلة. قال القاضى: أمية الأصغر وأخواه نوفل وعبد
الله بن عبد شمس بن عبد مناف، نسبوا إلى أم لهم من بني تميم، اسمها عبلة بنت عبيد.
٣٦٣
(يقال له: مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف وكسر الراء، بعدها زاى.
(يقوده إلى رسول اللَّه على فرس مجفف فى سبعين من المشركين) الفرس
المجفف بفتح الجيم وفتح الفاء الأولى المشددة، أى عليه تجفاف، بكسر التاء، وهو ثوب كالجل،
يلبسه الفرس ليقيه من السلاح، وجمعه تجافيف.
(دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) ((بدء الفجور)) بفتح الباء وسكون الدال ثم همز، أى
ابتداؤه، قال النووى: وأما ((ثناه)) فوقع فى أكثر النسخ هكذا بثاء مكسورة، وفى بعضها ((ثنياه)) بضم
الثاء وبالياء بعد النون، قال القاضى: والأول هو الصواب، أى عودة ثانية. اهـ. والمعنى دعوهم دون
أذى، فإن كانوا بدءوا الفجور بقتل زنيم، فإننا نعفو عن الأولى وننتظر الثانية لنأخذهم بالفجورين.
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤] أى وهو الذى كف أيدى كفار مكة، والمراد ببطن مكة الحديبية، وبعضها
من حرم مكة، ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أى من بعد أن أظهركم وأقدركم عليهم، وسيأتى سبب آخر
لنزول هذه الآية، سيأتى فى الحديث التالى.
(ثم خرجنا) من الحديبية.
(فنزلنا منزلا، بيننا وبين بنى لحيان جبل، وهم المشركون) ((لحيان)) بكسر اللام
وفتحها لغتان، وهم مشركون فى ذلك الوقت، وأل فى ((المشركون)) للكمال فى الصفة، أى المشركون
المتأصلون فى الشرك، الموغلون فيه، المتعصبون له، وقال النووى: ((وهم المشركون)) بضم الهاء، على
الابتداء والخبر، هكذا ضبطت، كما ضبطت بفتح الهاء وتشديد الميم، أى هموا النبى {آل﴾ وأصحابه،
وخافوا عائلتهم. يقال: همنى الأمر أذابنى.
(فاستغفر رسول اللّه ◌َ ﴿ لمن رقى هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبى و5 *
وأصحابه) كان النبى { لا يكلف أحدا من أصحابه بمهمة خطيرة، بل كان يعرض،
ويعرض الأمر عرضاً رقيقا، ليتطوع بها من يرى نفسه أهلالها، ومن عنده استعداد وطيب
نفس، وكأنه صلى اللَّه عليه وسلم قال: اللَّهم اغفر لمن يصعد هذا الجبل، ليطلع على
تحركات المشركين فينذرنا إذا أرادونا بسوء.
(فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا) القاف مكسورة فى ((رقى)) و((رقيت)) يقال: رقى بكسر
القاف وفتح الياء يرقى بفتح القاف، رقيا بفتح الراء وسكون القاف، ورقيا بضم الراء وإسكان القاف،
ورقية بفتح الراء وسكون القاف وفتح الياء، أى صعد، ومفعول ((رقيت)) محذوف، أى رقيت الجبل،
أى علوته وصعدته، أما ((رقى)) بفتح القاف، يرقى بكسرها فمن الرقية.
(فبعث رسول اللَّه ◌َ﴿ بظهره) هذا ابتداء كلام عن غزوة ذى قرد، وقد سبق القول عنها، ثم
٣٦٤
انتقل سلمة عن غزوة ذى قرد إلى علاقته بغزوة خيبر، فقال: «فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى
خرجنا إلى خببر)) وقد شرحنا بقية كلامه هناك فى غزوة خيبر.
فقه الحديث
يتعرض هذا الحديث إلى ثلاث وقائع:
الأولى: غزوة ذى قرد، سببها، أحداثها، نتائجها، دور سلمة بن الأكوع فيها.
ويوخذ منها
١- منقبة لسلمة بن الأكوع.
٢ - جواز الصياح العالى للإنذار بالعدو ونحوه.
٣- جواز تعريف الإنسان بنفسه فى الحرب إذا كان شجاعا، وقوله مثل قول سلمة: أنا ابن الأكوع،
ليرعب خصمه، وليبعث فى نفسه الإقدام.
٤- من قوله صلى الله عليه وسلم ((كان خير فرساننا اليوم أبوقتادة، وخير رجالتنا سلمة)» استحباب
الثناء على الشجعان وسائر أهل الفضل، لا سيما عند صنيعهم الجميل، لما فيه من الترغيب لهم
ولغيرهم فى الإكثار من ذلك الجميل، وهذا كله فى حق من يأمن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه.
٥- وفيه منقبة لأبى قتادة.
٦- وفى إخباره صلى الله عليه وسلم بأنهم يقرون فى غطفان معجزة لرسول اللّه ◌ِ ﴾.
٧- وجواز عقر خيل العدو فى القتال، حيث كان سلمة يعقر خيل المشركين.
٨- واستحباب الرجز فى الحرب.
٩- ومن مناقشة الأخرم لسلمة ما كان عليه الصحابة من حب الشهادة والحرص عليها.
١٠- وإلقاء النفس فى غمرات القتال، قال النووى: وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس فى الجهاد
فى المبارزة ونحوها.
١١- ومن أكل النبى ® من الناقة جواز الأكل من الغنيمة - قال النووي. وفيه نظر، إذ يحتمل أن
الناقة التى نحرت كانت من سرح النبى 50 الذى استنقذ من القوم.
١٢ - وفى صعود سلمة على جبل بنى لحيان بناء على طلب النبى 283، بعث الطلائع.
١٣- وفى موافقة الرسول و على موافقة سلمة للرجل جواز المسابقة على الأرجل بلا عوض، ولا
خلاف فى جوازه، أما بالعوض فالصحيح أنه لا يجوز.
١٤ - وفى إعطاء سلمة سهمين جواز التنفبل للمستحق.
٣٦٥
١٥ - وفى ثناء الرسول # على أبى قتادة وسلمة مدح القوة والشجاعة فى الحرب.
١٦ - وفى جرى سلمة فى مواقفه المختلفة جواز العدو الشديد فى الغزو.
١٧ - وفى قوله صلى اللّه عليه وسلم ((ملكت فأسجح)) الحث على العفو عند المقدرة.
١٨ - وفيه الإرداف على الناقة، بشرط إطاقتها.
الواقعة الثانية أو الحدث الثانى الحديبية وبيعة الرضوان، ويؤخذ من حديثها:
١ - منقبة لسلمة فى مبايعته ثلاث مرات.
٢- ومعجزة لرسول اللَّه له فى زيادة ماء البئر.
٣- وتفقد القائد لأحوال جنده والعمل على مصالحهم، ومساعدة المحتاج منهم للسلاح.
٤- ومن إعطاء سلمة الحجفة لعمه فضيلة الإيثار.
٥- وجواز إهداء هدية الغير.
٦- وفى قول النبى ₪ ((أنت كالذى قال الأول إلخ)) ضرب المثل لتقريب المعنى.
٧- وفيه ضحك الرسول # عند سماع ما سمع من سلمة. وأن ضحكه نبسم.
٨- وجواز المصالحة مع العدو.
الواقعة الثالثة واقعة غزوة خيبر، ويؤخذ من حديثها:
١- معجزة الرسول و فى إبراء عين على ض ◌ُه.
٢- ومعجزته صلى الله عليه وسلم فى إخباره بالفتح، وبأنه على یدی علی راله.
٣- ومنقبة ظاهرة لعلى الله.
٤- وأن من مات فى حرب الكفار بسبب القتال يكون شهيدا، سواء مات بسلاحهم أو سقط عن دابة
أو غيرها، أو عاد عليه سلاحه.
٥- وجواز المبارزة بغير إذن الإمام.
٦- وأن استغفار الرسول ول لإنسان يخصه إيذان بأنه يموت شهيدا.
٧- ومن طلب عمر حب الصحابة رضى الله عنهم لعامر.
٨- ومن مبارزة على به لمرحب وقتله إياه شجاعة على به وقوته وبطولته.
واللَّه أعلم
٣٦٦
(٥٠٢) باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ.﴾
٤١١٦ - ١٣٣ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٣٣) أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِن أَهْلٍ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ
اللَّهِ وَّ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلْحِينَ. يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّلَ﴿ وَأَصْحَابِهِ. فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا
فَاسْتَحْيَاهُمْ. فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ
مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح/٢٤].
المعنى العام
كثيرا ما نكث المشركون عهدهم، وكثيرا ما نقضوا ميثاقهم، وهم يبدءون المسلمين بالغدر فى كل
مرة، وهذه حادثة من حوادث غدرهم، لقد عقد المسلمون وكفار مكة صلح الحديبية، على أن يعيش كل
من الفريقين فى أمن وأمان من الآخر، وأن يختلط بعضهم ببعض من غير غدر أو خيانة، لكن قبل أن
يجف مداد هذا الصلح، وقبل أن يتحول المسلمون من أماكنهم، يحاول ثمانون رجلا شاباً مسلحا أن
يستغلوا غفلة المسلمين واعتمادهم على الصلح، وتركهم للسلاح، وعدم أخذهم حذرهم، يحاولون أن
يستغلوا ذلك، فيهجموا على رسول الله : ﴿، لبقضوا عليه، وعلى من يتعرض لهم من أصحابه، وفعلا
يهجمون، ويواجههم رسول اللَّه وجها لوجه، ومعه بعض أصحابه، وليس معهم من سلاح، فيلجأ
رسول اللّه* إلى ربه، يسأله الحماية، فيعمى الله أبصارهم، ويأخذ بأسماعهم، فيقفون كالمشلولين،
فيمسك بهم الصحابة، ويجردونهم من أسلحتهم، فيعفو رسول اللّه عنهم فينزل قوله تعالى ﴿وَهُوَ
الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ فأعماهم وأصمهم وشل حركتهم ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ فعفوتم عنهم ﴿بِبَطْنِ مََّّةَ﴾
فى الحديبية ﴿مِنْ بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤].
المباحث العربية
(﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾) كناية عن عدم قتالهم لكم، أو وصول أذاهم إلیکم.
(﴿يبَطْن مَكَّةَ﴾) بطن كل شىء جوفه، ففى الكلام مجاز المجاورة، أى بجوار بطن مكة: أى
بالحديبية، وجزء منها فى داخل الحرم، والقرب العام يكفى، ويكون التعبير ببطن مكة عن القريب
منها مبالغة.
(﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾﴾ («أظفر)» نتعدى بالباء، يقال: أظفره الله بعدوه مكنه منه،
وعدى هنا بعلى بتضمين ((أظفر)) معنى ((أعلى)» أى من بعد أن أظهركم وأعلاكم عليهم.
(١٣٣) حَدَّنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ حَدََّا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبُرْنَا حَمَّاذُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ
٣٦٧
(أن ثمانين رجلا من أهل مكة) عند أبى نعيم فى الدلائل عن عبد الله بن معقل قال: ((كنا
مع رسول اللَّه﴿ فى أصل الشجرة التى قال الله تعالى فى القرآن ... إلى أن قال: فبينما نحن كذلك
إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا فى وجوهنا، فدعا عليهم رسول اللّه :﴿، فأخذ اللّه
بأسماعهم» - ولفظ الحاكم ((بأبصارهم)) وكونهم ثمانين أصح، كما فى الصحيح.
(هبطوا على رسول اللَّه من جبل التنعيم متسلحين) جبل التنعيم جزء من الحديبية،
وهو أول الحل.
(يريدون غرة النبى : وأصحابه) أى يريدون استغلال فرصة غفلته، أى يستغلون غفلته
وغفلة أصحابه عن الحرب، اعتمادا على الصلح الذى تم، والغرة بكسر الغين الغفلة فى اليقظة، أما
الغرة بضم الغين من كل شىء أوله وأكرمه، وبياض فى جبهة الفرس، ومن الهلال طلعته، ومن
الأسنان بياضها وأولها، ومن الرجل وجهه، ومن القوم شريفهم وسبدهم.
(فأخذهم سلما فاستحياهم) قال النووى· ضبطوه بوجهين أحدهما بفتح السين
وفتح اللام، والثانى بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام، قال الحميدى: ومعناه الصلح.
قال القاضى فى المشارق: هكذا ضبطه الأكثرون، والرواية الأولى أظهر، ومعناها أسرهم،
والسلم الأسر، وجزم الخطابى بفتح اللام والسين، قال: والمراد به الاستسلام والإذعان،
كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] أى الانقياد، وهو مصدر يقع على الواحد
والاثنين والجمع. قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقصة، فإنهم لم يؤخذوا صلحا، وإنما
أخذوا قهرا، وأسلموا أنفسهم عجزا، قال: وللقول الآخر وجه، وهو أنه لما لم يجر معهم قتال،
بل عجزوا عن الدفاع والنجاة رضوا بالأسر، فكأنهم قد صولحوا على ذلك. اهـ
وقد أخرج أحمد والنسائى والحاكم وصححه كيفية أخذهم عن عبد الله بن معقل، إذ قال: فدعا
عليهم رسول اللَّه (﴿، فأخذ اللَّه تعالى بأسماعهم)) وعند الحاكم ((بأبصارهم)) قال ((فقمنا إليهم،
فأخذناهم، فقال لهم رسول اللَّه﴿: «هل جئتم فى عهد أحد؟ أوهل جعل لكم أحد أمانا؟ فقالوا: لا.
فخلى سبيلهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ ... إلخ ومعنى ((فاستحياهم)) أى أبقى
على حياتهم.
فقه الحديث
فى الباب السابق يقول سلمة: ((لما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض أنيت
شجرة، فكسحت شوكها، فاضطجعت فى أصلها، فأتانى أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا
يقعون فى رسول الله ﴿، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما
هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادى: يا للمهاجرين. قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفى، ثم
شددت على أولئك الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثا فى يدى، ثم قلت: والذى كرم
٣٦٨
وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذى فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله
﴿. قال: وجاء عمى عامر برجل من العبلات - قبيلة قرشية - يقال له: مكرز، يقوده إلى رسول الله
*، على فرس مجفف، فى سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول اللّه،﴾، فقال: دعوهم، يكن لهم
بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم رسول اللّه ◌ِ ﴿، وأنزل الله: ﴿وَهُوَالَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ
بَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية كلها.
١
فهذا سبب آخر لنزول الآية، ويقول العلماء: قد تتعدد الأسباب لنزول آية واحدة، فلا تعارض بين
السببين، ولا بين الحديثين، وهدا أولى من توحيد الحادثتين وحمل إحداهما على الأخرى، والتعسف
فى الجمع.
والله أعلم
٣٦٩
(٥٠٣) باب غزوة النساء مع الرجال، والرضخ لهن
٤١١٧ - ١٣٤ عَنْ أَنَسٍ ضَ﴾(١٣٤) أَنَّ أُمَّ سُلَيْمِ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنِ خِنْجَرًا فَکَانَ مَعَهَا. فَرَآهَا
أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِعَّ«مَا هَذَا
الْخِنْجَرُ؟» قَالَتِ: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ يَضْحَكُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الظُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ* «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِنَّ اللّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ)).
٤١١٨ - ٣٥ٍ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٣٥) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَيَسْوَةٍ
مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى.
٤١١٩ - ١٣٦ عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٣٢) قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ الْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ
النّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿هُ وَأَبُو طَلْحَةً بَيْنَ يَدَىِ النَّبِيِّلَّ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ. قَالَ:
وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلا رَامِيًا شَدِيدَ النُّرْعِ، وَكَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنٍ أَوْ ثَلاَثًا. قَالَ:
فَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النَّيْلِ. فَيَقُولُ الْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ. قَالَ: وَيُشْرِفُ
نَبِيُّ اللَّهِلَ﴿ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ. فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لا
تُشْرِفْ لا يُصِبْكَ سَهْمٌ مِن سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ. قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ
عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانٍ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُلانِ
الْقِرَبَ عَلَى مُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَائِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ، ثُمَّتَرْجِعَانِ فَتَمْلأَنِهَا، ثُمَّ تَجِثَانِ
◌ُفْرِ غَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ. وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِن يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاَثًا
مِنَ النَّعَاسِ.
٤١٢٠ - ١٣٧ عَن يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزُ (١٣٧) أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَن خَمْسِ خِلالٍ.
(١٣٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبُرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَّةً عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ
- وحَذََّتِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثْنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبُرَنَا إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيَّ طَلْحَةً عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي
قِصَّةٍ أُمِّ سُلَيْمٍ عَنِ النَّبِّ ◌َلَّ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ.
(١٣٥) حَدَّثَنَا يَحْتَّى بْنُ يَخْتِى أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانُ عَنِ ثَّابِتٍ عَن أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٣٦) حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍوَ وَهُوَ أَبُو مَعْمَرٍ الْمِنْقَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ عَنِ أَنَسِ بَّنِ مَالِكٍ
(١٣٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍّ فَعْبٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَن أَبِهِ عَن يَزِيدَ بْنٍ هُرْمُزَ أَنَّ
تَجْدَةَ كُتّبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلَّةُ
٣٧٠
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَوْلا أَنْ أَكْثُمَ عِلْمًا مَا كَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ. أَمَّا بَعْدُ، فَأَخْبِرْنِي هَلْ
كَانَ رَسُولُ اللّهِ :﴿ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانٌ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمِ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصَِّانُ؟
وَمَتَّى يَنْقَضِي يُثْمُ الْتِيمِ؟ وَعَنِ الْخُمْسِ لِمَّنْ هُوَ؟ فَكَنَّبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلْنِي هَلْ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِمَ﴿ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ؛ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ
الْغَنِيمَةِ. وَأَمَّا بِسَهْمٍ. فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ. وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّيَانِ؛ فَلا تَقْتُلِ
الصِّيَانَ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي مَتَّى يَنْقَضِي يُتْمُ الْتِمِ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنْهُ
لَضَعِيفُ الأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِن صَّالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ
ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ هُوَ لَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا
قَوْمُنَا ذَاكَ.
٤١٢١ - ١٣٨ عَن يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ (١٣٨) أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ خِلالٍ بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ حَاتِمٍ: وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّْيَانَ
فَلا تَقْتُلِ الصِِّيَانِ، إِلا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَّا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ. وَزَادَ إِسْحَقُ فِي
حَدِيثِهِ عَنْ حَاتِمٍ: وَثُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ فَقْتُلَ الْكَافِرَ وَتْدَعَ الْمُؤْمِنَ.
٤١٢٢ - ٩ ١٣ عَن يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ (١٣٩) قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرِ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ
يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ وَعَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ. وَعَنِ الْيَِّمِ.
مَنَّى يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْيُتْمُ؟ وَعَنِ ذَوِي الْقُرْبَى مَنْ هُمْ؟ قَقَالَ لِيَزِيدَ: اكْتُبْ إِلَيْهِ فَلَوْلا أَنْ يَقْحَ فِي
أُحْمُوقَةٍ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، اكْتُبْ إِنَّكَ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ هَلْ
يُقْسَمُ لَهُمَا شَيْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ إِلا أَنْ يُحْذَّيَا. وَكَتَبْتَ تَسْأَلْنِي عَن قَتْلِ الْوِلْدَانِ. وَإِنْ
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ لَمْ يَقْتُلُهُمْ. وَأَنْتَ فَلا تَقْتُلْهُمْ إِلا أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ صَاحِبُ مُوسَى مِنَ
الْغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ. وَكَبْتَ تَسْأَلْنِي عَنِ الْتِيمِ مَتَّى يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْمِ؟ وَإِنَّهُ لا يَنْقَطِعُ عَنْهُ
اسْمُ الْيُْمِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَن ذَوِي الْقُرْبَى مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا زَعَمْنَا
أَنَّ هُمْ فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنًا.
(١٣٨) حَدَّثََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلاهُمَا عَنِ حَاتِمٍ بْنِ إِسْمَعِيلَ عَن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَن أَبِيهِ
عَنِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ
(١٣٩) وحَّدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّتَنَا سُفْيَاهُ عَنِ إِسْمَعِيلٌ بْنِ أُمَّةَ عَنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَن يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ
- وحَدَّثَنَاه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَاَ سُفْيَاهُ حَدَّثَنَا إِسْمَعَيْلُ بْنُ أُمَّةً عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَن يَزِيدٌ
ابْنِ هُرْمُزَ قَالَ كَتَبَ نَجَّدَةُ إِلَّى أَبْنِ عَبَّاسٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَقْ حَدَّثَِّي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ.
٣٧١
٤١٢٣ - ٠َد عَنِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ(١٤٠) قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ:
فَشَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسِ حِينَ قَرَأْ كِتَابَهُ وَحِينَ كَتَّبَ جَوَابَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ وَاللَّهِ لَوْلا أَنْ أَرُدَّهُ
عَنْ تَعْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَبْتُ إِلَيْهِ وَلا تُعْمَةً عَيْنٍ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنَّكَ سَأَلْتَ عَن سَهْمٍ ذِي
الْقُرْبَى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِلَّ هُمْ نَحْنُ. فَأَتَّى ذَلِكَ
عَلَيْنَا قَوْمُنَا. وَسَأَلْتَ عَنِ الْيَتِيمِ مَتَّى يَنْقَضِي يُتْمُهُ؟ وَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ النّكَاحَ وَأُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ وَدُفِعَ
إِلَيْهِ مَالُهُ فَقَدِ الْقَضَى يُثْمُهُ. وَسَأَلْتَ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَفْتُلُ مِن صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ
أَحَدًا؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا. وَأَنْتَ فَلا تَفْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا إِلا أَنْ تَكُونُ
تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الْغُلامِ حِينَ قَتَلَهُ وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ هَلْ كَانَ لَهُمَا سَهْمٌ
مَعْلُومٌ إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ؟ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ إِلا أَن يُحْذَّيَا مِن غَنَائِمِ الْقَوْمِ.
٤١٢٤ - ١٤١ وفي رواية عَن يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزُ (١٤١) قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. فَذَكْرَ
بَعْضَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُتِمَّ الْقِصَّةَ كَإِنْمّامٍ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ.
٤١٢٥ - ١٤٢ عَن أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رضي اللَّه عنها (١٤٢) قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِلَّسَبْعَ غَزَوَاتٍ. أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَّاوِي
الْجَرْحَى، وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى.
المعنى العام
كانت قريش - إذا خرجت للغزو - خرجوا بكثير من نسائهم معهم، يقيمونهن خلف الجبش،
ليدفعن الرجال إلى الثبات، حيث يصبح المحارب مدافعا عن نفسه، وعن حريمه، فوجودهن يثير
الحمية فى الرجال، فضلا عن أن بعضهن كان يثير بكلماته، كما قيل إنهن فى بعض الحروب كن
يقلن للرجال:
إن تقبلوا - أى إن تتقدموا وتهزموا العدو - نعانق، ونفرش النمارق. وإن تدبروا نفارق،
فراق غير وامق.
كما كان الهدف عندهم من الخروج بنسائهم مساعدة الرجال فى إعداد طعامهم وتحضير مائهم
(١٤٠) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ حَازِمٍ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ سَمِعْتُ قَيْسًا يُحَدِّثُ عَن يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ ح
وحَدَّثَنِي مَّحَمَّدُ بْنُ خَاتِمِ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا بَهْزٌ خَّدْثَنَا جُرِيرُ بْنُ خَازِمٍ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنٍ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزّ
(١٤١) وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ خُدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا سُّلَيْمَانُ الأَغْمُشُ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ صَيْفِيٌّ ◌َعَنِ يَزِيِّدِ بْنِ هُرْمُزٌ
(١٤٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَِةً بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ
- وحَدَّثَّا عَمْرٌوَ الْنّاقِدُ حَذَّتَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانِ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
٣٧٢
ومساعدة جريحهم، وقد ثبت أن قريشا فى غزوة أحد كان معهم الكثيرات من نسائهم، فقد خرجت
هند بنت عتبة مع زوجها أبى سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبى
جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع
زوجها صفوان بن أمية، وريطة بنت شيبة السهمية مع زوجها عمرو بن العاصى، وسلافة بنت سعد مع
زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبى، وخناس بنت مالك، والدة مصعب بن عميرة، وعمرة بنت علقمة
ابن كنانة، وغيرهن، حتى قيل: إن نساء المشركين فى غزوة أحد كن خمس عشرة امرأة.
واقتصر المسلمون فى أول غزواتهم على الرجال، أما فى غزوة أحد فقد خرجت على حسب العرف
والعادة بعض النساء، منهن عائشة وأم سلبم أم أنس، وارتفع عددهن فى بعض الغزوات إلى خمس
من النسوة، فاستغرب صلى الله عليه وسلم كثرتهن، فسألهن: ما الذى جاء بكن؟ فقلن: جئنا نساعد
الجيش، نعد السويق ونسقيه، ونحضر الماء ونسقيه ونداوى الجرحى، جهادا فى سبيل الله. وسكت
صلى الله عليه وسلم سكوت عدم الرضا، فطلبت منه سادسة أن تخرج فى غزوة، فقال: لا. قالت: إنك
أذنت لفلانة وفلانه. وفلانه. فأذن لى. فقال: لا. أجل أن يقال: إن محمدا يغزو بالنساء.
إن المرأة إذا خرجت إلى ميدان القتال كانت عرضة للسبى، والسبى مذلة وعار للمرأة ولأهلها،
فالأكرم لها ولقومها أن لا تخرج إلى الميدان، وقد عوضها الله تعالى عن أجر المجاهد، ففى الصحيح
((أن رسول اللَّه﴿ سئل: هل على النساء جهاد؟ فقال: جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة)) ولما جاءت
خطيبة النساء إلى رسول اللّه ،﴿: قالت: يا رسول اللّه، إن الله بعثك للرجال والنساء جميعا، فآمنا
بك، واتبعناك، وقد فضل علينا الرجال بالجمعات والجنازة والجهاد، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا
لهم أموالهم وأولادهم. فهل نشاركهم فى الأجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: اعلمى يا أسماء وأعلمى من
وراءك من جماعة النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل كل ذلك.
إن الإسلام بعدم تشجيع النساء على الخروج إلى ميدان القتال يعتزبهن وبصيانتهن وبالحفاظ
عليهن وعلى كرامتهن، فإن هى أصرت على أن تشارك الرجل ما لا تحتمله فلتجرب، وستكون كمن
يلعب بالنار، ولتعلم أنها إن خرجت مع الرجل إلى الميدان، فلن يكون لها مثل أجره الدنيوى ولا مثل
أجره الأخروى، فأحاديث عبد الله بن عمر تصرح بأنه لا يسهم لها كالرجال، وإنما تعطى قليلا من
الغنيمة، وعند المالكية لا تعطى شيئا من الغنيمة، إن القتل والضرب بالسيف وإراقة الدماء كل ذلك
يتنافى وطبيعة المرأة، فخروجها إلى ميدان القتال ضد طبيعتها التى خلقها الله عليها. وليس فى
خروج ست من النساء المسلمات فى غزوات الرسول# دليل على شرف ذلك، والاقتداء به، فمن
بعده صلى الله عليه وسلم، وعلى مر العصور والأجيال بدءا من الخلفاء الراشدين وإلى اليوم لا يستسيغ
المسلمون خروج نسائهم فى الحروب.
هذا هو الموضوع الرئيسى فى مجموعة أحاديث الباب، أما ما تعرضت له من قتل نساء
المشركين وصبيانهم فى الحرب بيننا وبينهم فقد بينت هذه الأحاديث أن النبىُ# فى حروبه مع
الكفار لم يكن يقتل الصبيان ولا النساء، بل نهى قادته وجيوشه عن قتل الولدان والنساء، فكل مولود
٣٧٣
يولد على الفطرة، والمسؤولية على والديه، هما اللذين يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وليس هو
مسئولا عن ذلك حتى يبلغ، فقتله قتل بغير ذنب، ولا نحمله مسئولية مستقبلة ونقول إنه لو بلغ بلح
كافرا محاريا، فأمر المستقبل إلى الله، وإن كثيرا ممن أسلم وحسن إسلامهم كان أباؤهم مشركين، ولا
نقول: إن الخضر القليفا قتل الغلام، لأن الخضر التليف علم من الله تعالى أن هذا الغلام بالذات سيكون
كذا بعد بلوغه، وما فعل ذلك عن أمر نفسه، نعم إن قاتل الصبيان المشركون قتلوا كالبالغين.
وأما ما تعرضت له الأحاديث من أحكام اليتيم فقد أظهرت الروايات المذكورة أن آثار
اليتيم لا تنتهى بالبلوغ، بل لابد أن ينضم إلى البلوغ الرشد والصلاحية لإدارة الأموال حتى
يدفع الولى إلى الصبى ماله، لأنه لولم يكن رشيدا عرضنا أمواله إلى الفساد والضياع، ولو
على يديه، ونحن مأمورون بالمحافظة الشديدة على أمواله، والقرآن الكريم يقول ﴿فَإِنْ
أنّسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وأما ما تعرضت له من الخمس الذى كان لرسول الله ﴿ من الغنائم وأنه كان صلى الله علبه
وسلم ينفقه على قرابته، بنى هاشم وبنى المطلب فإن ابن عباس فى أحاديثه يرى بقاء هذا الخمس
لقرابة رسول اللّه ل* حتى بعد موته، ورأى العلماء والفقهاء والخلفاء الراشدون أن أمره يرجع إلى
حاكم المسلمين، من رآه محتاجا من قرابته صلى الله عليه وسلم أعطاه، ومن رآه غنيا أعطى غيره من
فقراء المسلمين.
المباحث العربية
(والرضخ لهن) يقال: رضخ له وأرضخ له من ماله، أى أعطاه قليلا من كثير، والمقصود هنا
إعطاؤهن من الغنيمة شيئا يسيرا، لا يصل إلى السهم الذى يعطاه الغازى. وسيأتى الخلاف الفقهى.
(أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا) ((أم سليم)) بضم السين وفتح اللام، وهى أم أنس
ابن مالك، وزوجة أبى طلحة، اشتهرت بكنيتها، واختلف فى اسمها، فقبل: سهلة، وقيل: رملة، وقيل:
مليكة، نزوجت مالك بن النضر فى الجاهلية، فولدت أنسا فى الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى
الإسلام من الأنصار، فغضب مالك، وخرج إلى الشام، ومات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة. وروى أن أم
سليم لما قدم النبى # المدينة قالت: يا رسول اللَّه، هذا أنس، يخدمك، وكان حينئذ ابن عشر سنين،
فخدم النبى* منذ قدم المدينة، حتى مات، فاشتهر بخادم النبى وص ﴾.
قال النووى: هكذا هو فى النسخ المعتمدة ((يوم حنين)) بضم الحاء وفتح النون الأولى، وفى بعضها
((يوم خيبر)» بالخاء، والأول هو الصواب، والخنجر بكسر الخاء وفتحها، لغتان، وهى سكين كبيرة،
ذات حدين.
(ما هذا؟) السؤال ليس عن حقيقة ما معها، فالخنجر مشاهد، ونطق باسم الخنجر فى السؤال،
وإنما السؤال عن سبب حملها. ولذلك أجابت بالغرض من حملها.
٣٧٤
(إن دنا منى أحد من المشركين بقرت به بطنه) أى شققت بطنه، يقال: بقر بطنه،
بفتح القاف يبقرها بضم القاف، شقها.
(فجعل رسول اللّه﴿ يضحك) لغرابة الأمر، فالمرأة عادة نخاف السلاح، ولا تقوى على
استعماله، بل لا تقوى على رؤية الدم.
(اقتل من بعدنا من الطلقاء) ((من)) الأولى بفتح الميم، اسم موصول، و((من)» الثانية حرف
جر. و((الطلقاء)) بضم الطاء وفتح اللام، وهم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سموا بذلك لأن
النبى 28 من عليهم وأطلقهم، وكان فى إسلامهم ضعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم
استحقوا القتل بانهزامهم، أو كانوا السبب فى الهزيمة فى حنين، التى وقعت للمسلمين ابتداء،
ومعنى ((من بعدنا)) أى من وراءنا، ومن سوى المسلمين الذين جاءوا مع الرسول :58 فى الفتح، وهذه
الكلمة أيضاً من أم سليم غريبة على النساء.
(انهزموا بك) جملة مستأنفة استئنافا تعليليا، فى جواب سؤال مقدر، تقديره: لم أقتلهم؟
والباء فى ((بك)) للمجاوزة، كعن، والمعنى انهزموا متجاوزينك.
(إن الله قد كفى وأحسن) أى كفانا الشر، وحفظنا، وأحسن إلينا بالنصر بعد الهزيمة.
(كان رسول اللَّهَ يغزو بأم سليم) الباء هنا المصاحبة، أى مصاحبة له.
(ونسوة من الأنصار معه إذا غزا) ((نسوة)) مبتدأ، و((معه)) متعلق بالخبر، أى يصاحبنه إذا
غزا، وقد بلغ عددهن فيما وصلت إليه فى بعض الغزوات خمسا.
(فيسقين الماء) أى يحملنه فى القرب من البئر إلى مكان الجيش، أو يحملن الجرار
الصغيرة والأكواب ويقدمنها للعطاش، كما فى الرواية الثالثة ((تنقلان القرب على متونهما،
ثم تفرغانه فى أفواههم».
(ويداوين الجرحى) ولأبى داود ((أن النبى سألهن عن سبب خروجهن معه؟
فقلن: خرجنا نغزل الشعر، ونعين فى سبيل الله، ونداوى الجرحى، وتناول السهام، ونسقى
السويق)) وعند البخارى عن الربيع بنت معوذ قالت ((كنا مع النبى 8# نسقى ونداوى
الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة)) وفى رواية لها أيضاً ((فنسقى القوم ونخدمهم، ونرد
الجرحى والقتلى إلى المدينة)) زاد فى رواية ((ولا نقاتل)).
(لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبى (3) «كان» تامة، بمعنى حصل،
و((يوم)) فاعل، وفى رواية البخارى ((لما كان يوم أحد انهزم الناس)) أى بعضهم، قال الحافظ ابن
حجر: والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق. فرقة استمروا فى الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى
انفض القتال، وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم (آل عمران ١٥٥) ﴿إِنَّالَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى
٣٧٥
الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَّلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْض مَا كَسَبُوا﴾ وفرقة صاروا حيارى، لما سمعوا أن النبى {َّ
قتل، فصار غاية الواحد منهم أن يذَب عن نفسه، أو يستمر فى القتال حتى يقتل، وهم أكثر الصحابة،
وفرقة ثبتت مع النبى ®، ثم تراجع إليه القسم الثانى شيئا فشيئا، لما عرفوا أنه حى. وبهذا يجمع
بين الأخبار المختلفة فى عدة من بقى مع النبى قل﴾.
(وأبو طلحة بين يدى النبى ) هو زيد بن سهل الأنصارى، زوج والدة أنس، وكان أنس قد
حمل هذا الحديث عنه.
(مجوب عليه بحجفة) «مجوب)) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الواو المكسورة، أى مترس
عليه بترس، ليقيه سلاح الكفار، وعند البخارى ((مجوب عليه بحجة له)) والحجهة الترس ويقال
للترس جوبة.
(وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع) بفتح النون وسكون الزاى، أى شديد رمى السهم.
(وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً) من شدة الرمى.
(فكان الرجل يمر، ومعه الجعبة من النبل، فيقول) صلى الله عليه وسلم للرجل ....
والجعبة بفتح الجيم، وضمها مع سكون العبن، وهى الآلة التى يوضع فيها النيل.
(انثرها لأبى طلحة) أى أعط ما معك من النبل لأبى طلحة ليرمى به.
(ويشرف نبى اللَّهَ﴿) أى على القوم، يقال: أشرف على الشىء، أى اطلع عليه من فوق، وكان
النبى * يرفع رأسه إلى أعلى، ويتطاول ليرى الأعداء.
(ينظر إلى القوم) المشركين.
(فيقول أبو طلحة: يا نبى الله، بأبي أنت وأمى) أى أفتديك أنت بأبى وأمى.
(لا تشرف) أى لا ترفع رأسك إلى أعلى، بضم التاء وسكون الشين من الإشراف.
(لا يصبك سهم من سهام القوم) بإسكان الباء، على أن ((لا)) ناهية، وفى رواية البخارى ((لا
تشرف يصبك)) بالجزم فى جواب النهى، كذا قال الحافظ ابن حجر، وتبعه العينى، وجمهور النحاة
يشترطون لصحة الجزم فى جواب النهى أن يصح دخول ((إن)) قبل ((لا)) مع صحة المعنى، وهنا لا
يصح أن يقال: إن لم تشرف يصبك سهم)) وفى بعض الروايات: ((يصيبك)) بالرفع، قال الحافظ: وهو
جائز على تقدير، كأنه قال مثلا: لا تشرف فإنه يصيبك.
(نحرى دون نحرك) أى أفديك بنفسى، وأصل النحر أعلى الصدر، أى رقبتى قبل
رقبتك وفداء لرقبتك.
٣٧٦
(وإنهما لمشمرتان) يقال: شمر ثوبه، رفعه عن ساعديه، أو عن ساقيه، والمراد هنا التشمير عن
الساقين، بدليل ((أرى خدم سوقهما)).
(أرى خدم سوقهما) ((خدم)) بفتح الخاء والدال، جمع خدمة، وهى الخلخال، وقيل: الخدمة
أصل الساق، والسوق بضم السبن جمع ساق.
(تنقلان القرب على متونهما) ((القرب)) بكسر القاف وفتح الراء جمع قربة،
والمتن الظهر ولهما متنان، لكنه جاز جمع المضاف مع المضاف إليه المتنى، كما فى قوله
تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وفى رواية البخاري ((تنقزان
القرب على متونهما)» يقال: نقز وأنقر إذا وثب، وقال ابن الأثير: وفى نصب ((القرب)) بعد،
لأن ينقز غير متعد. اهـ وجعله بعضهم من قبيل حذف حرف الجر، وإيصال الفعل
بالمجرور، وأصله تنقزان بالقرب، ورواه بعضهم بضم التاء، من أنقر، فعداه بالهمزة، والمعنى
عليه، يحركان القرب على ظهورهما بحركتهما وشدة عدوهما ووثبهما، وقال الخطابى
((تنقزان القرب)) أى تحملانها. وفى رواية أخرى للبخارى عن أم سليط، ((وأنها كانت تزفر
القرب يوم أحد)) وفسر الراوى ((تزفر)) نخيط. قال الحافظ ابن حجر: ((تزفر)) أى تحمل،
وزنا ومعنى.
(ثم تفرغانه فى أفواه القوم) كان الطاهر أن يقول: ثم تفرغانها، أى القرب، ولكنه ذكر
الضمير على تقدير الشئ والماء.
(ولقد وقع السيف من يدى أبى طلحة، إما مرتين، وإما ثلاثا من النعاس)
فى رواية ((من يد أبى طلحة)) بالإفراد، وقوله ((من النعاس)) إفادة بسبب وقوع السيف من
يده، وعند البخارى عن أبى طلحة ((كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفى
من يدى مرارا، يسقط وأخذه، ويسقط فآخذه)) وعند أحمد والحاكم عن أنس ((رفعت رأسى
يوم أحد، فجعلت أنظر، وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس، وهو
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشّيكُمْ النَّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١] قال ابن إسحق: أنزل اللَّه
النعاس أمنة لأهل اليقين، فهم نيام لا يخافون، والذين أهمتهم أنفسهم أهل النفاق فى غاية
الخوف والذعر.
(أن نجدة كتب إلى ابن عباس) نجدة الحرورى من الخوارج، وقد صرح فى سنن
أبى داود فى رواية له بأن سؤال نجدة لابن عباس عن هذه المسائل كان فى فتنة ابن الزبير،
بعد بضع وستين سنة من الهجرة، والظاهر أن يزيد كان كاتباً لابن عباس، ففى الرواية
الخامسة ((فقال ليزيد: اكتب إليه .... ))
(يسأله عن خمس خلال) بكسر الخاء، جمع خلة بفتحها، وهى الخصلة، حسنة أو سيئة، أما
٣٧٧
الخلة بضم الخاء فهى الصداقة والمحبة التى تخللت القلب، فصارت خلاله، أى فى باطنه، وجمعها
خلال بكسر الخاء، والمراد هنا خمس مسائل.
(فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه) كان ابن عباس يكره نجدة، لبدعته،
وهى كونه من الخوارج الذين يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ولكن لما سأله عن العلم لم
يمكنه كتمه، فاضطر إلى جوابه، وقال: لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه، أى لولا أنى إذا تركت الكتابة
أصير كاتما للعلم، مستحقا لوعيد كاتمه لما كتبت إليه، وفى الرواية الخامسة ((اكتب إليه، فلولا أن
يقع فى أحموقة ما كتبت إليه)) والأحموقة بضم الهمزة والميم هى فعل الحمقى، ويقصد بها الوقوع
فى مخالفات شرعية كبيرة فى هذه الأمور المسؤول عنها، نتيجة لجهله بها، وفى الرواية السادسة
((لولا أن أرده عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه، ولا نعمة عين)) و((النتن)) بفتح النون وسكون التاء
الشىء المنتن كريه الرائحة، والمراد به هنا الفعل القبيح، وكل مستقبح يقال له: النتن، والخبيث
والرجس والقذر والقاذورة نتن، تشبيها للخبث المطلق بخبث الرائحة، أو مجاز مرسل بعلاقة الإطلاق
بعد التقييد، والمعنى لولا أننى بكتابتى له أرده عن فعل أشياء قبيحة، يقع فيها إن لم أكتب ما كتبت
إليه، أى لولا خوفى من وقوعه فى أفعال قبيحة إن لم أكتب إليه ما كتبت إليه.
وقوله ((ولا نعمة عين)) ((النعمة)) بضم النون وفتحها، مع سكون العين، هى المسرة، يقال: نعم
الشىء، بفتح النون وكسر العبن، ينعم بفتحها، نعما يفتحها، ونعمة بفتح النون وسكون العين، ونعامة
ونعيما، نضر وطاب، ونعم باله، ونعمت عينه هدأ واستراح. والمعنى: لولا كذا ما كتبت إليه، ولا
أقررت عينه، ولا أرحت باله.
(هل كان رسول اللَّهَ ﴿ يغزو بالنساء؟) الباء للمصاحبة، أى هل صحبه النساء فى غزواته؟
وقد سقطت هذه الخصلة، فلم تذكر فى الرواية الخامسة والسادسة، لا هى ولا جوابها، ويحتمل أنه
اكتفى عنها بالسؤال عن الضرب لها بسهم، وجوابها ((قد كان يغزوبهن، فيداوين الجرحى)» لم يكتف
بإثبات غزوه بهن، فذكر عملهن، لئلا يفهم أنهن قاتلن.
(وهل كان يضرب لهن بسهم) كالرجال؟ وفى الرواية الخامسة ((العبد والمرأة، يحضران
المغنم - أى المعركة - هل يقسم لهما؟)) أى هل كان لهن سهم كالرجال، وفى الرواية السادسة
(المرأة والعبد. هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس))؟ والبأس بالباء المفتوحة والهمزة
الساكنة هو الشدة، والمراد منه ههنا الحرب.
(يحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن) ((يحدين)) أى يعطين منحة،
والجار والمجرور ((بسهم)) متعلق بمحذوف، تقديره: وأما الضرب لهن بسهم فلم يضرب
لهن. وفى الرواية الخامسة ((وإنه ليس لهما شىء، إلا أن يحذيا)) وفى الرواية السادسة
((فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم، إلا أن يحذيا من غنائم القوم)) جمع الضمير نارة ((فإنهم لم
يكن لهم)) باعتبار الأفراد، وهم أكثر من اثنين، وكان الضمير جمع مذكر تغليبا للعبيد على
النساء، وثناه تارة أخرى باعتبار وصف الأنوثة والعبودية.
٣٧٨
(وإن رسول اللّه # لم يكن يقتل الصبيان، فلا تقتل الصبيان) المراد من الصبيان هنا
من لم يبلغ الحلم من أبناء المشركين فى الحرب بيننا وبين المشركين، فعى الرواية السادسة
((وسألت هل كان رسول اللَّه : يقتل من صبيان المشركين أحدا، فإن رسول اللّه# لم يكن يقتل
منهم أحدا)) وفى الرواية الخامسة ((وكتبت تسألنى عن قتل الولدان؟ وإن رسول الله{﴿ لم يقتلهم)) ولا
تتعلل بأنهم إذا بلغوا تبعوا آباءهم فى دينهم، فأنت لا تعلم الغيب ولا كيف يصيرون، فقد كان آباء
الصحابة مشركين، ولا تتعلل بأن الخضر القليفا قتل الغلام، فإنه علم مصيره بإعلام ربه له، فإن كنت
مثله دعلم الغيب فافعل على ضوء ما تعلم من الغيب، وفى الرواية الخامسة ((فلا تقتلهم إلا أن تعلم
منهم ما علم صاحب موسى من الغلام الذى قتله)) وفى الرواية السادسة ((فلا نقتل منهم أحدا إلا أن
تكون نعلم منهم ما علم الخضر من الغلام حين قتله» وما قتله الخضر إلا بأمر الله تعالى له على
التعيين، كما قال فى آخر القصة ((وما فعلته عن أمرى)) وأنى لك علم ذلك؟
(وتميز المؤمن، فتقتل الكافر، وتدع المؤمن) أى لا تقتل صبيان المشركين إلا فى علمك
بما سيصيرون إليه من الكفر أو الإيمان، وفى حالة نمييزك بين من سيصيرون مسلمين، ومن
سيصيرون كفارا، فتقتل من سيكون كافرا، وندع من سيكون مسلما، فقوله ((وتميز)) معطوف على
((تعلم)) أى إلا أن تكون تعلم، وإلا أن تكون تميز. وليس ذلك لك.
(وكتبت تسألنى: متى ينقضى يتم اليتيم؟) وفى الرواية الخامسة ((متى ينقطع عنه اسم
اليتم))؟ وفى الرواية السادسة ((وسألت عن اليتيم. متى ينقضى يتمه))؟ السؤال ليس فى الهدف عن
اسم اليتم، ولا عن حقيقته، وإنما عن الحكم المترتب على اليتم من حجر التصرف، كما وضح من
الجواب، فنفس اليتم ينقضى بالبلوغ، وقد ثبت أن النبى {# قال: ((لا يتم بعد الحلم)) أما متى يستقل
اليتيم - أى من كان يتيما - بالتصرف فى ماله؟ فهذا هو المراد من السؤال، وسيأتى الخلاف فى
ذلك فى فقه الحديث.
(فلعمرى. إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها،
فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم) وفى الرواية الخامسة ((وإنه
لا ينقطع عنه اسم اليتم حتى يبلغ، ويؤنس منه رشد)» وفى الرواية السادسة ((وإنه إذا بلغ النكاح،
وأونس منه رشد، ودفع إليه ماله - أى فأحسن التصرف فيه - فقد انقضى يتمه)) وظاهر هذا الجواب
أن حكم اليتيم يتوقف على أمرين: البلوغ، والرشد، وفى ذلك يقول تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا
بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] و((العمر)) بفتح العين وضمها
مع سكون الميم مدة الحياة، ويقال فى القسم ((عمرك الله)) و((لعمرك)) و((لعمرى)) يرفعونه بالابتداء،
ويحذفون الخدر وجوبا، أى لعمرى قسمى، والتزموا فى القسم فتح العين، للتخفيف، وإذا دخلته اللام
التزم فيه الفتح، وحدف الخبر فى القسم.
(وكتبت تسألنى عن الخمس. لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هولنا) المقصود خمس خمس
٣٧٩
الغنيمة، الذى جعله الله لذوى القربى، بقوله جل شأنه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا تَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] وسيأنى فى فقه الحديث
اختلاف الفقهاء فيه.
(فأبى علينا قومنا ذاك) قال النووى: أراد بقومه ولاة الأمر من بنى أمية. قال الشافعى: أراد
الذين هم بعد الصحابة، ويقصد ابن معاوية.
فقه الحديث
ترجم البخارى بباب غزو النساء، وقتالهن مع الرجال، قال الحافظ ابن حجر: ولم أرفى شىء من
الأحاديث التصريح بأنهن قاتلن، ولأجل ذلك قال ابن المنير: بوب على قتالهن، وليس قتالهن فى
الحديث، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقى الجرحى ونحو ذلك
إلا لأنهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن، ثم قال الحافظ: ويحتمل أن يكون غرض البخارى بالترجمة
أن يبين أنهن لا يقاتلن، وإن خرجن فى الغزو، فالتقدير بقوله ((وقتالهن مع الرجال)» هل هو سائغ؟ أو
إذا خرجن مع الرجال فى الغزو يقتصرن على ما ذكر، من مداواة الجرحى ونحو ذلك. ثم قال: وفى
الحديث جواز معالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبى للضرورة. قال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات
المحارم، ثم بالمسنات منهن، لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه، بل يقشعر منه الجلد، فإذا دعت
الضرورة لغير المسنات فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت،
ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس، بل يغسلها من وراء حائل فى قول بعضهم،
وفى قول الأكثر تيمم، وقال الأوزاعى: تدفن كما هى. قال ابن المنير: الفرق بين حال المداواة وتغسيل
الميت أن الغسل عبادة، والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.
ومن المسلمات أن الجهاد غير واجب على النساء، لكن هل يستحب لهن أن يتطوعن
بالجهاد؟ أميل إلى أنه لا يستحب، بل يرخص به للحاجة، وبقدر الحاجة، وبما ورد من
أعمال وما يشبهها، وذلك لأن المطلوب الشرعى من النساء الستر ومجانبة الرجال،
وجهادهن مع الرجال يتعارض مع المطلوب منهن، وفى الصحيح أن الرسول 8# سئل: هل
على النساء جهاد؟ فقال: جهادكن الحج والعمرة.
أما المسألة الثانية المترتبة على المسألة الأولى فهى: إذا حضرت المعركة هى أو العبد، فهل
يسهم لها وله، كما يسهم للرجال؟ قال النووي: قال مالك: لا رضخ للعبد ولا للمرأة، وقال الحسن وابن
سيرين والنخعى والحكم: إن قاتل العبد أسهم له، وقال الأوزاعى: المرأة تستحق السهم إن كانت
تقاتل، أو تداوى الجرحى، وقال الشافعى وأبو حنيفة وجمهور العلماء: العبد والمرأة يرضخ لهما، ولا
يسهم لهما، وظاهر الحديث يشهد لهم، ففى الرواية الرابعة ((ويحذين من الغنيمة»، «وأما بسهم فلم
يضرب لهن)) وفى الرواية الخامسة ((وأنهما ليس لهما شىء إلا أن يحذيا)) وفى الرواية السادسة
((وسألت عن المرأة والعبد، هل كان لهما سهم معلوم، إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهم
معلوم، إلا أن يحذيا من غنائم القوم)).
٣٨٠