النص المفهرس
صفحات 341-360
(فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق يهودى ليضريه)
ظاهر هذا أن مبارزة عامر لليهودى كانت بعد إعطاء الراية لعلى، وليس كذلك، بل هو وصف لمعركة
فى يوم سابق، وكان يهود خيبر طيلة مدة الحصار يخرجون فيقاتلون المسلمين، وظهورهم إلى
حصونهم، فإذا جاء الليل دخلوا حصونهم، ورجع المسلمون إلى عسكرهم.
وقد أوضحت رواية سلمة فى آخر باب غزوة ذى قرد معركة عمه عامر، فقال سلمة: ((خرج ملكهم
مرحب)) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الحاء ((يخطر بسيفه)) بكسر الطاء، أى يرفعه مرة، ويضعه
أخرى «ويقول:
قد علمت خيبر أنى مرحب .. شاكى السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب.
أى تام السلاح، يقال: رجل شاكى السلاح، وشاك السلاح، وشاك فى السلاح، من الشوكة، وهى
القوة، والشوكة أيضاً السلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]
((بطل مجرب)) أى مجرب بالشجاعة وقهر الفرسان، والبطل الشجاع، يقال: بطل الرجل، بضم الطاء،
يبطل بطالة وبطولة، أى صار شجاعا «إذا الحروب أقبلت تلهب)) أى يتلهب، يقال: تلهبت النار
اتقدت، أى يثور ويتحرق للنزال.
قال سلمة (وبرزله عمى عامر فقال:
قد علمت خيبر أنى عامر .· شاكى السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب فى ترس عامر)» أى اشتبك فى الترس، ونعلق به ((وذهب
عامر يسفل له)) بفتح الياء، وإسكان السين وضم الفاء، أى يضربه من أسفله)) وفى روايتنا ((فتناول به
ساق یهودی لیضربه )».
(ويرجع ذباب سيفه، فأصاب ركبة عامر) ((يرجع)) تعبير بالمضارع عن الماضى رجع،
لاستحضار الصورة.
وذباب السيف حد طرفه، وفى آخر غزوة ذى قرد ((فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله، فكانت
فيها نفسه)» أى فكان فى هذه الرجعة خروج نفسه، بسكون الفاء، أى روحه، والأكحل وريد فى وسط
الذراع، أو الساق. والمراد هنا وريد الساق، وفى رواية البخارى ((فأصاب عين ركبة عامر أى رأس
ركبته)) وفى آخر غزوة ذى قرد قال سلمة: ((وخرج مرحب)) أى فى يوم الفتح ((فقال:
قد علمت خيبر أنى مرحب .. شاكى السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال على: أنا الذى سمتنى أمى حيدرة .". كليث غابات كريه المنظرة
٣٤١
((أو فيهمو بالصاع كيل السندرة)) و((حيدرة)) اسم للأسد، وكان على ليه سمته أمه أسدا
فى أول ولادته، باسم جده لأمه، أسد بن هشام بن عبد مناف، وكان أبو طالب غائيا، فلما
قدم سماه عليا، وسمى الأسد حيدرة لغلظه، والحادر الغليظ القوى، ومراده أنا الأسد على
جرأته وإقدامه وقوته، ومعنى ((أوفيهمو بالصاع كيل السندرة)) أقتل الأعداء قتلا واسعا
ذريعا، والسندرة مكيال واسع، وقيل: هى العجلة، أى أقتلهم عاجلا، قال سلمة ((فضرب))
على ((رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه)) قال النووى: هذا هو الأصح، أن عليا هو
قاتل مرحب، وقيل: إن قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة، قال ابن الأثير: الصحيح الذى
عليه أكثر أهل الحديث وأهل السير أن عليا هو قاتله.
(فلما قفلوا قال سلمة - وهو آخذ بيدى أى ورسول اللّه ◌َ # آخذ بيدى - قال: فلما
رآنى رسول اللَّه # ساكتا قال مالك؟) وفى رواية ((رآنى شاحدا)» وعند البخارى ((فلما قفلوا.
قال سلمة: رآنى رسول اللَّه:﴿، وهو آخذ بيدى، قال مالك؟)) وفى الرواية الخامسة ((قفل رسول اللّه
* من خبير، فقلت: يا رسول الله، ائذن لى أن أرجزلك؟ فأذن له رسول اللّه، ﴾، فقال عمر بن
الخطاب: أعلم ما تقول)) أى لفراسه عمر استطاع أن يتنبأ بما سيقوله سلمة أخذا من حزنه على عمه
((قال: فقلت:
والله لولا أنت ما اهتدينا .. ولا تصدقنا ولا صلينا
فقال رسول اللَّه ◌ُ﴾: صدقت)) أى فقلت:
.. وثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكبنة علينا
والمشركون قد بغوا علينا
قال: فلما قضيت رجزى قال رسول اللّه ﴿: من قال هذا)) أى ممن سمعت هذا؟ قال: قلت:
أخى)) قال النووى: قال عن عامر مرة عمى، ومرة أخى، فلعله كان أخاه من الرضاعة، وكان عمه من
النسب ((فقال رسول اللَّه ◌ُ﴾: يرحمه الله. قال: فقلت ... إلخ.
وفى آخر غزوة ذى قرد قال سلمة: ((فأتيت النبي وأنا أبكى، فقلت .... )) إلخ.
فهذه أحوال ثلاث لوضع سلمة حين شكواه للنبى 8 من قول أصحابه، وحين سؤاله عن مصير
عمه. ويمكن الجمع بينها بأنه صلى الله عليه وسلم رأه ساكتا، فسأله: مالك؟ فبكى، فقال يا رسول
اللَّه ائذن لى أن أرجزلك، فقال الرجز، ثم سأل عن عمه.
(فقال أصحاب رسول اللَّه ﴿ فى ذلك) قولا، بينه فى الروايات الأخرى، قالوا: رجل مات
فى سلاحه؟ بطل عمله؟ قتل نفسه؟ كيف نصلى عليه وندعوله؟
(وشكوا فيه) بتشديد الكاف، أى شكوا فى مصيره، هل أحبط عمله؟ أولا؟
٣٤٢
(قلت: فلان وفلان وأسيد بن حضير الأنصارى) ((فلان وفلان)) كناية عن اسمين من
الصحابة، ذكرهما سلمة لرسول اللّه ﴾.
(كذب من قاله) أى لم يطابق قوله الواقع، وإن كان لم يتعمد ذلك، فهو مخطئ.
(إن له لأجرين، وجمع بين إصبعيه) السبابة والوسطى، يؤكد القول بالإشارة والفعل.
قال النووى: وفى معظم النسخ ((إن له لأجران)) بالألف، وهى صحيحة. لكن الأولى هو الأشهر
الأفصح، والثانى لغة أربع قبائل من العرب، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانٍ﴾ [طه: ٦٣] لغة
من يلزم المثنى الألف فى أوجه الإعراب المختلفة.
والأجران: أجر لأنه جاهد، وأجر لأنه مجاهد، كما سيأتى، وفى رواية ((إنه لشهيد، وصلى عليه)).
(إنه لجاهد مجاهد) قال النووي: ((جاهد)) بكسر الهاء وتنوين الدال، و((مجاهد)) بضم الميم
وتنوين الدال أيضا، وفسروا ((لجاهد)) بالجاد فى علمه وعمله، أى لجاد فى طاعة الله، والمجاهد هو
المجاهد فى سبيل اللَّه، وهو الغازى، أهـ واللام فى ((لجاهد)) للتأكيد، وفى رواية بدونها.
و(جاهد)) اسم فاعل من جهد، و((مجاهد)) اسم فاعل من جاهد، قال القاضى: وفيه وجه آخر، وهو
أنه جمع اللفظين ((جاهد مجاهد)) توكيدا، والعرب إذا بالغت فى تعظيم شىء اشتقت له من لفظه
لفظا آخر، على غير بنائه، زيادة فى التوكيد، وأعربوه بإعرابه، فيقولون: جاد مجد، وليل لائل، وشعر
شاعر، ونحو ذلك.
وفى رواية ((إنه لجاهد وجاهد)) بالواو العاطفة، بدل الميم، وبلفظ الفعل الماضى. قال القاضى:
والأول هو الصواب.
(قل عربى مشى بها مثله) ((قل)) بفتح القاف وتشديد اللام، فعل ماض، قال
النووى: ضبطنا هذه اللفظة ((مشى بها)) هنا فى مسلم بوجهين، وذكرهما القاضى أيضا،
الصحيح المشهور الذى عليه جماهير رواة البخارى ومسلم ((مشى بها)) بفتح الميم، فعل
ماض من المشى، و(بها)) جار ومجرور، ومعناه مشى بالأرض، أو فى الحرب، والثانى
((مشابها)) بضم الميم وتنوين الهاء، من المشابهة، أى مشابها لصفات الكمال فى القتال أو
غيره مثله، ويكون («مشابها)» منصوباً بفعل محذوف، أى رأيته مشابها، ومعناه: قل عربى
يشبهه فى جميع صفات الكمال، وضبطه بعض رواة البخارى «نشأ بها» بالنون والهمزة،
أى شب وكبر، والهاء عائدة إلى الحرب أو الأرض أو بلاد العرب أو المدينة أو الخصلة.
فقه الحديث
روى البخارى فى غزوة خيبر هذه الأحاديث وغيرها، نذكر مما رواه:
٣٤٣
١- عن أنس بن مالك رضيله أن رسول اللّه، ﴿ جاءه جاء، فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه
الثانية، فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة. فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا، فنادى فى
الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم))
وسيأتى بنحوه فى كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية.
٢- ومن رواية عن أنس به أن النبى ◌ُ فى غزوة خيبر قتل المقاتلة، وسبى الذرية، وكان فى
السبى صفية، فصارت إلى دحية الكلبى، ثم صارت إلى النبى {®، فجعل عتقها صداقها)».
٣- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قسم رسول اللّه * يوم خيبر للفرس سهمين
وللراجل سهما)».
٤- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أعطى النبى{ ل خبر للبهود أن يعملوها
ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها».
هذا. وقد روى البيهقى بإسناد رجاله ثقات ((أن النبى : لما ترك من نرك من أهل خيبر، على أن
لا يكتموه شيئاً من أموالهم، فإن فعلوا فلاذمة لهم ولا عهد، قال: فغيبوا مسكا فيه مال وحلى لحيى بن
أخطب، كان قد احتمله معه إلى خيبر، فسألهم عنه، فقالوا: أذهبته النفقات، فقال: العهد قريب،
والمال أكثر من ذلك؟ ووجد بعد ذلك فى خربة، وكان فى ذلك نكث لعهدهم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - عن قوله فى الرواية الأولى ((فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس)) قال النووى: فيه استحباب التبكير
بالصلاة فى أول وقتها.
٢- وأنه لا يكره تسمية صلاة الصبح غداة، فيكون ردا على من قال من الشافعية: إنه مكروه.
٣- ومن ركوب أبى طلحة وأنس خلف رسول اللَّه ◌َ ﴿ أخذ جواز الإرداف على الدابة، إذا
كانت مطيقة.
٤- وفى إجراء النبى 148# فى زقاق خيبر أن إجراء الفرس والإغارة ليس بنقص، ولا هادم للمروءة، بل هو
سنة وفضيلة، وهو من مقاصد القتال.
٥- استدل أصحاب مالك ومن وافقهم بانحسار الإزار عن فخذ النبى 88 على أن الفخذ ليست بعورة
من الرجل، ومذهب الجمهور أنها عورة، قال النووى: وقد جاءت بكونها عورة أحاديث كثيرة
مشهورة، وتأول الشافعية هذا الحديث على أنه انحسر بغير اختياره، لضرورة الإغارة والإجراء،
وليس فيه استدامة كشف الفخذ مع إمكان الستر».
٦- كما استدلوا على أن الفخذ ليست بعورة بقول أنس ((وإنى لأرى بياض فخذه صلى اللّه عليه وسلم
إذ لو كانت عورة ما نظر إليها، ويجيب الجمهور بأن ذلك محمول على أنه وقع بصره عليه فجأة،
لا أنه تعمده، كما يستدل المالكية برواية البخارى ((أن النبى* حسر الإزار)» ويجيب الجمهور
٣٤٤
بأنها محمولة على أنه انحسر، كما فى رواية مسلم. ويقول بعض المالكية: النبى 58: أكرم على الله
تعالى أن يبتليه بانكشاف عورته فلو كانت عورة ما انكشفت، ويجيب الشافعية بأنه إذا كان
بغير اختيار الإنسان ولا نقص عليه فيه، ولا يمتنع مثله.
٧- من قوله ((الله أكبر، خربت خيبر)) استحباب التكبير عند اللقاء.
٨- من قوله ((إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) جواز الاستشهاد فى مثل هذا السياق
بالقرآن فى الأمور المحققة، كما جاء فى قوله ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَرَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ
رَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] لكن قال العلماء: يكره من ذلك ما كان على ضرب الأمثال فى المحاورات
والمزاح ولغو الحديث، تعظيما لكتاب الله تعالى.
٩- واستدل بعضهم بقوله ((وأصبناها عنوة)» على أن خيبر كلها فتحت عنوة لا صلحا، قال المازري:
وقد يشكل على هذا ما روى فى سنن أبى داود أنه قسمها نصفين، نصفا لنوائبه وحاجته، ونصفا
للمسلمين. قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضياع وقرى، أجلى عنها أهلها، فكانت
خالصة للنبى *، وماسواها للغانمين، فكان قدر الذين خلوا عنه النصف، فلهذا قسمها النبى
نصفين، قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن الشبهة فى ذلك قول ابن عمر: إن النبى# قاتل
أهل خيبر، فغلب على النخل، وألجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يجلوا منها، وله الصفراء
والبيضاء والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم، على أن لايكتموا ولا يغيبوا ... فسبى نساءهم وذراريهم
وقسم أموالهم للنكث الذى نكنوا، وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا فى هذه الأرض نصلحها، فعلى
هذا كان قد وقع الصلح، ثم حدث النقض منهم، فزال أثر الصلح، ثم مَنَّ عليهم بترك القتل،
وإبقائهم عمالا بالأرض، لبس لهم فيها ملك، ولذا أجلاهم عمرة﴿، كما تقدم فى المزارعة، فلو
كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا منها.
١٠ - قال القاضى: فى هذا الحديث أن الإغارة على العدو يستحب كونها أول النهار عند
الصبح، لأنه وقت غرتهم وغفلة أكثرهم، ثم يضىء لهم النهار لما يحتاج إليه، بخلاف
ملاقاة الجيوش ومصاففتهم ومناصبة الحصون، فإن هذا يستحب كونه بعد الزوال،
ليدوم النشاط ببرد الوقت بخلاف ضده. اهـ وأقول: هذا يخضع للظروف والملابسات
والخطط الحربية.
١١- ومن قوله ((ألا تسمعنا من هنيهاتك)) جواز إنشاد الأراجيز وغيرها من الشعر وسماعها، ما لم يكن
فيه مذموم، والشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح.
١٢ - ومن قوله ((فنزل يحدو القوم)) استحباب الحداء فى الأسفار، لتنشط النفوس والدواب على قطع
الطريق، واشتغالها بسماعه عن الإحساس بألم السير.
١٣ - استدل بقوله («أهريقوها واكسروها)) على نجاسة لحوم الحمر الأهلية، قال النووي: وهو مذهبنا
ومذهب الجمهور، إذ الأمر بإراقته سببه الصحيح أنها نجسة محرمة، وقيل: إن النهى عن لحوم
٣٤٥
الحمر الأهلية للحاجة إليها، وقيل: لأنهم كانوا أخذوها قبل القسمة، قال: وهذان التأويلان هما
لأصحاب مالك، القائلين بإباحة لحومها.
١٤ - ومن قول الرجل ((أو يهرقوها ويغسلوها)) وموافقة النبى ولي على ذلك أن النبى ◌ّ كان يجتهد،
وقيل: إنما وافق بوحى أوحى إليه.
١٥ - فيه فضيلة لعامر بن الأكوع.
١٦- من المخمصة التى أصابتهم حتى أكلوا الثوم، وحاولوا أكل لحوم الحمر علامة ظاهرة على مالقى
أصحاب النبى ﴿ في سبيل اللَّه والدعوة إلى اللَّه.
واللَّه أعلم
٣٤٦
(٥٠٠) باب غزوة الأحزاب وهى الخندق
٤١٠٧ - ١٣٥ عَنِ الْبَرَاءِ ضَ﴾(١٢٥) قَالَ: كَانْ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنًا
التُّرَابَ. وَلَقَدْ وَارَى التَّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
«وَاللَّهِ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
:· إِنَّ الأُلَى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا»
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا.
قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ:
«إِنَّ الْمَلَا قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا .. إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةٌ أَبَيْنَا»
وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.
٤١٠٨ - - وفي رواية عَنِ الْبَرَاءِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ إِلا أَنَّهُ قَالَ «إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنًا».
٤١٠٩- ١٣٦ عَن سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ رَ﴾(١٣٦) قَالَ: جَاءَّنَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ
وَنَنْقُلُ التّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِفَتِ «اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ
لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ».
٤١١٠ - ١٣٧ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾(١٢٧) عَنِ النَّبِيِّ ﴿ أَنَّهُ قَالَ «اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلا عَيْشُ
الآخِرَةُ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَة».
٤١١١- ٣٨ٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾(١٢٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ كَانَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ
إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» قَالَ شُعْبَةُ: أَوْ قَالَ «اللَّهُمِّ لا عَيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةْ
فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةِ».
(١٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارٍ وَاللّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَثْنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ
سَمِعْتُ الْبَرَاءَ
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَِّى حَدْثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ
(١٢٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنِيُّ حَدَّثََّا عَبَّدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِّهِ عَنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
(١٢٧) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَّشَّارٍ وَاللّفْظُ لابْنِ الْمُثِّىَ حَدَّثَنَا مُّحَمَّدُ بَّنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ
ابْنِ مَالِكٍ
(١٢٨) ◌َحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ أَخْبُرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةً حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
٣٤٧
٤١١٢ - ٩ ١٣ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٢٩) قَالَ: كَانُوا يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ وَ﴿وَ مَعَهُمْ وَهُمْ
يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَةُ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانٌ (َبَدَلَ
فَانْصُرْ فَاغْفِرْ.
٤١١٣ - ٣٠ٌ عَنْ أَنَسِ ﴾(١٣٠) أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ وَ كَانُوا يَقُولُونِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْنُ
الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الإِسْلامِ مَا بَقِينَا أَبَدًا، أَوْ قَالَ عَلَى الْجِهَادِ شَكَّ حَمَّادٌ. وَالنّبِيُّعَلِ
يَقُولُ «اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَةْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَةْ».
المعنى العام
هذه الأحاديث سبقت مع ما فيها من مباحث عربية وفقه الحديث وبالعنوان نفسه، قبل ستة
أبواب بما يغنى عن الإعادة.
(١٢٩) وحَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ يُخْبَى وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَ يَحْيّى أَخْبُرَنّا وَقَالَ شَيْئَاهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَن أَبِي النَّاحِ
حَدَّثَنَا أَنّسُ بْنُ مَالِكٍ
(١٣٠) حَدْقِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدََّا بَهْزٌ حَدَّقْنَا حَمَّدُ بْنُ سَلّمَةٌ حَدَثْنَا قَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ
٣٤٨
(٥٠١) باب غزوة ذى قرد وغيرها
٤١١٤ - ٣١- عَن سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ضَ﴾(١٣١) قَالَ: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالأُولَى. وَكَانَتْ
لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ْ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ. قَالَ: فَلَقِيَّنِي غُلامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ: أُخِذَتْ
لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿َ. فَقُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: فَطَفَانُ. قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلاثَ صَرَخَاتٍ يَا
صَبَاحَاهْ، قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لابَتَّيِ الْمَدِينَةِ. ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتّى أَدْرَكْتُهُمْ بِذِي
قَرَدٍ. وَقَدْ أَخَذُوا يَسْقُونَ مِنَ الْمَاءِ. فَجَعَلْتُ أَرْمِهِمْ بِنَبْلِي. وَكُنْتُ رَامِيًا. وَأَقُولُ أَنَا ابْنُ
الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. فَأَرْتَجِزُ. خَتِّى اسْتَنْقَذْتُ اللَّفَاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلاثِينَ
بُرْدَةٌ. قَالَ: وَجَاءَ النّبِيُّ ◌َ﴿ وَالنَّاسُ. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ. وَهُمْ
عِطَاشٌ. فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ. فَقَالَ «يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ» قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا
وَيُرْدِفِي رَسُولُ اللَّهِ،فَ ﴿ِ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ.
٤١١٥ - ١٣٢٣ عَن إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةٌ(١٣٢) حَدَّتِي أَبِي قَالَ: قَدِمْنَا الْحُدَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِعَ﴾.
وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةً مِائَةٌ، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لا تُرْوِهَا، قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِعَلَ عَلَى جَّا
الرَّكِيَّةٍ، فَإِمَّا دَعَا، وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا. قَالَ: فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّ
دَعَانًا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ. ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ
مِنَ النَّاسِ. قَالَ «بَابِعْ يَا سَلَمَّةُ» قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ. قَالَ
«وَأَيْضًا» قَالَ وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ْ عَزِلا (يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ) قَالَ: فَأَغْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ
وَّ حَجَفَةٌ أَوْ دَرَقَةٌ، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ. قَالَ: «أَلا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ)) قَالَ:
قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ، قَالَ «وَأَيْضًا» قَالَ: فَبَايَعْتُهُ
الثِّفَةَ. ثُمَّ قَالَ لِي «يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفْتُكَ أَوْ دَرَقْتُكَ الّتِي أَعْطَيُكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ لَقِيَّنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلا فَأَعْطَيُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ وَقَالَ «إِنَّكَ كَالَّذِي
قَالَ الأَوَّلُ اللَّهُمَّ أَبْغِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن نَفْسِي» ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ خَنِّى
(١٣١) حَدَّثَنَا قُتِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثََّا حَاتِمٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْمَعِيلٌ عَن يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَلَّمَةَ بْنَ الأَكْوَّعِ يَقُولُ
(١٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَّا هَاشِمُ بْنَ الْقَاسِمِ ح وخِّدَّثَنَا إِسَخْقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا أَبُوِ عَامِرِ الْعَقَدِيُّ كِلاهُمّا عَن
عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارَ حِ وَخَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِّ الدَّارِمِيُّ وَهَذَا حَدِيثُهُ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ الْحَنَفِيُّ عُبَّيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ
حَدَّثْنَا عِكْرِمَةُ وَّهُوَّ ابْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةً
- وحَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ السُّلَّمِيُّ حَدََّا النّصْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ بِهَذَا.
٣٤٩
مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ وَاصْطَلَخْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَسْقِي فَرَسَهُ
وَأَحُسُّهُ وَأَخْدِمُهُ، وَآَكُلُ مِن طَعَامِهِ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿ّ. قَالَ:
فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا
فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا. قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلٍ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي
رَسُولِ اللَّهِ،وَلَّ فَأَبْغَضْتُهُمْ. فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجْرَةٍ أُخْرَى، وَعَلَّقُوا سِلاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا. فَبَيْنَمَا
هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِن أَسْفَلِ الْوَادِي يَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ. قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ
سَيْفِي ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ، فَأَخَذْتُ سِلاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْئًا فِي يَدِي.
قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ.
قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ. قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَبَلاتِ،
يُقَالُ لَهُ مِكْرَزْ يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ْ عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَظَرَ
إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِوَهِفَقَالَ «دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ)» فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ.
وَأَنْوَلَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكّْةً مِن بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ
عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح/٢٤] الآيَةَ كُلُّهَا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَزَلْنَا مَنْزِلا بَيْنَا وَبَيْنَ
بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. فَاسْتَغْفَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ، كَأَنَّهُ
طَلِيعَةٌ لِلّبِيِّ ◌َ﴿ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنٍ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ بِظَهْرِهِ مَعَ رَّبَاحٍ غُلامٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ِ. وَأَنَا مَعَهُ. وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ
طَلْحَةً أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرٍ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ وَقَتْلَ رَاعِيَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدٍ
اللَّهِ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ. قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ
فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلاثًا يَا صَبَاحَاهْ. ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِهِمْ بِالنِّبْلِ. وَأَرْتَجِزُ.
أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ حَنِّى
خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَيْفِهِ. قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَالَ:
فَوَ اللَّهِ مَا زِلْتُ أَرْمِهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ. فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ، أَتَيْتُ شَجَرَةٌ، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا،
ثُمَّ رَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ. حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوْتُ الْجَبْلَ، فَجَعَلْتُ
أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن بَعِيرٍ مِن ظَهْرِ رَسُولٍ
اللَّهِ وَّ إِلاّ خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، وَخَلِّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ. ثُمَّ الْبَعْتُهُمْ أَرْمِهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِن
ثَلاثِينَ بُرْدَةً، وَثَلاثِينَ رُمْحًا يَسْتَخِفُّونَ، وَلا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ
٣٥٠
يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى أَتَوْا مُتْضَائِقًا مِن تَبِيَّةٍ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلادُ بْنُ بَدْرِ
الْفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ يَعْنِي يَتْغَدَّوْنَ. وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسٍ قَرْنٍ. قَالَ: الْفَزَارِيُّ مَا هَذَا
الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِيْنَا مِن هَذَا الْبَرْحَ وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِيْنَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ
فِي أَيْدِينَا. قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ. قَالَ: فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا
أَمْكُنُونِي مِنَ الْكَلامِ. قَالَ: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لا. وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَّا سَلَمَةُ بْنُ
الأَكْوَعِ وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ وَثَ لا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلا أَدْرَكُْهُ. وَلا يَطْلُيُنِي رَجُلٌ
مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَرَجَعُوا. فَمَا بَرِحْتُ مَكَّانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يَتَخَلُّلُونُ الشَّجَرَ. قَالَ: فَإِذَا أَوْلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ، عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةً
الأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ. قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الأَخْرَمِ. قَالَ: فَوَلَّوْا
مُدْبِرِينَ. قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ لا يَقْتَطِعُوكَ حَتّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِلَّ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ: يَا
سَلَّمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ
الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَيْتُهُ. فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَةُ وَطَعَنَهُ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ، فَقْتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ. وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةً فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ :﴿هَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ
فَطَعَنَّهُ، فَقَتَلَهُ. فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﴿لَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي
مِن أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَّ وَلا غُبَارِهِمْ شَيْئًا. حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ
يُقَالُ لَهُ ذَو قَرَدٍ، لِيَشْرَبُوا مِنْهُ، وَهُمْ عِطَاشٌ. قَالَ: فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ
(يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ) فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةٌ. قَالَ: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَأَعْدُو
فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُكَّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ. قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ
يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَالَ: يَا تَكِلَتْهُ أُمُّهُ أَكْوَعُهُ بُكْرَةً. قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ أَكْوَعُكَ بُكْرَةً.
قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَبِيَّةٍ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. قَالَ: وَلَحِقَنِي
عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِن لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّأْتُهُمْ عَنْهُ. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الإِيلَ، وَكُلَّ شَيْءٍ
اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ. وَإِذَا بِلالٌ نَحَرَ نَاقَةٌ مِنَ الإِبلِ الَّذِي اسْتَقَذْتُ مِنَ
الْقَوْمِ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَّ مِن كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلْنِي
فَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مِّةَ رَجُلٍ فَأَتْبِعُ الْقَوْمَ، فَلا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلا قَلْتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّ خَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ. فَقَالَ «يَا سَلَمَّةُ أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا» قُلْتُ: نَعَمْ
وَالَّذِي أَكْرَمَكَ. فَقّالَ «إنّهُمُ الآنَ لَيُفْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانٌ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِن غَطَفَانَ.
٣٥١
فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلاٌ جَزُورًا فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا. فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ فَخَرَجُوا
هَارِبِنَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِتَ الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةً وَخَيْرَ رَجَّلَتِنَا
سَلَمَةُ) قَالَ: ثُمَّ أَعْطَائِي رَسُولُ اللَّهِوَ سَهْمَيْنِ سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاحِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِي
جَمِيعًا. ثُمَّ أَرْدَفْنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ: قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ
نَسِيرُ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لايُسْبَقُ شَدًّا. قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ
هَلْ مِن مُسَابِقٍ، فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلامَةُ، قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا وَلا
تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لا، إِلا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ِ. قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي
ذَرْنِي فَلْأُسَابِقَ الرَّجُلَ. قَالَ «إِنْ شِئْتَ» قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ وَثَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ
فَعَدَوْتُ. قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنٍ، أَسْتَبْقِي نَفْسِيٍ. ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ، فَرَبَطْتُ
عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنٍ. ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَبِّى أَلْحَقَهُ. قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كِفَيْهِ. قَالَ: قُلْتُ: قَدْ
سُبْقْتَ وَاللَّهِ. قَالَ: أَنَا أَظُنُّ قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلاَ ثَلاثَ لَيَالٍ حَتَّى
خَرَ ثْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ:
تَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا .. وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَيْنَا
وَنَحْنُ عَنِ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا .. فَتَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿ِ «مَنْ هَذَا﴾ قَالَ: أَنَا عَامِرٌ. قَالَ «غَفَّرَ لَكَ رَّبُّكَ» قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ لِإِنْسَانِ يَخُصُّهُ إِلا اسْتُشْهِدَ. قَالَ: فَتَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ
يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلا مَا مَتِّغْتَنَا بِعَامِرٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِشْنَا خَيْبَرَ، قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ
بِسَيْفِهِ، وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ .. شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قَالَ: وَبَرَزَّ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ:
.· شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ
قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنٍ فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسٍ عَامٍِ. وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ فَرَجَعَ
سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. قَالَ سَلَمَّةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِن أَصْحَابِ
النَّبِيِّ ﴿ يَقُولُونَ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ قَتْلَ نَفْسَهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ﴿ّ وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا
٣٥٢
رَسُولَ اللَّهِ، بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ لَّ «مَنْ قَالَ ذَلِكَ» قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِن
أَصْحَابِكَ. قَالَ «كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنٍ» ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرْمَدُ،
فَقَالَ «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ يُحِبُّةُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا،
فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ وَهُوَ أَرْمَدُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ِ، فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ.
وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ .· شَاكِ السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَقَالَ عَلِيٌّ:
أَنَّا الَّذِي سَمَّنِي أُمِّي حَيْدَرَةِ .. كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيِهِ الْمَنْظَرَةْ
أُوْفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَةْ
قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
يَحْبَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَن عِكْرِمَّةَ بْنِ عَمَّارٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ
المعنى العام
سلمة بن الأكوع، الصحابي الجليل، الذى يمتاز بخفة الجسم، ورقة الساقين، وسرعة الجرى، وحدة
الذهن، وتعلم فوق ذلك صنعة الرومى، يعد ويبرى نبله، كما يبرى المعلم قلمه، ويختاره من فروع
الأشجار الصلبة، بحيث ينفذ فى جسم هدفه فيؤذيه، ويختار قوسه ووتره بحيث يقوى على دفع نبله
إلى أبعد مدى، وبعد هذا وذاك كان راميا، قوى البصر، دقيق تحديد الهدف يجيد الإصابة، لا يكاد
يخطئ فهو بهذه الصفات يصيب غيره، ولا يصيبه غيره، إن طلب هدفا أو رجلا أدركه، وإن طلبه
وقصد إيذاءه رجل لم يدرك.
إنه بطل شجاع، مهاجم مغامر، جرىء محاور، يرعب خصمه، ولا يرهب عدوا، وفوق كل هذا مؤمن
بقضيته، يحارب من أجل عقيدته، يحب الرسول (®، حتى لا يكاد يحلف بربه إلا بتكريم نبيه، فتراه
يقول كثيرا: والذى كرم وجه محمد {$ ...
وتراه يحرص دائما على أن يكون الجندى الوفى الأول للنبى محمد ₪، فلا عجب أن يقول عنه
صلى الله عليه وسلم ((خير رجالتنا اليوم سلمة)) أى خير الجنود المشاة على أرجلهم فى هذه المعركة
سلمة، ولا عجب أن يحكى هو بنفسه لنا عن بطولاته فى ثلاث معارك، ليس ذلك من قبيل الفخر
والخيلاء، وإنما من قبيل ﴿وَأُمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وفى ذلك حث وإثارة لغيره أن
يقتدى به، ليس من قبيل الفخر والخيلاء، فهو المتواضع الذى لا يستحيى أن يقول عن نفسه: كنت
٣٥٣
تابعا وخادما لطلحة بن عبيد الله، أخدم فرسه وأسقيه وأرعاه وآكل من طعامه وأشرب من شرابه،
فقد تركت أهلى ومالى فى مكة، وهاجرت خاليا فى سبيل الله.
يحكى لنا عن مواقفه البطولية المشرفة فى معركة غزوة ذى قرد فى الرواية الأولى، وعن مواقفه
وشجاعته فى غزوة الحديبية فى الرواية الثانية، ويحكى لنا صورة الحب والوفاء لعمه عامر فى غزوة
خيبر فى آخر الرواية الثانية.
وقارئ هذه الأحاديث يدرك معناها ومغزاها، ولا يحتاج إلى المعنى العام، لكننا سنضع للقارئ
علامات على الطريق، وأضواء ومصابيح على المنحنيات.
فسبب غزوة ذى قرد أن المشركين من غطفان أغاروا على إبل الصدقة التى هى فى حماية رسول
اللَّه ◌َلَّ أغاروا عليها، وهى ترعى فى الكلأ خارج المدينة، يرعاها ويشرف على رعيها غلام صغير،
استاقوها وأخذوها كلها، وقتلوا راعيها، كان سلمة قريبا من مكان الجريمة معه فرس طلحة يرعى
ويشرب، جاءه غلام يدعى رباح، فأخبره بالحادثة، وهنا تظهر بطولة سلمة وشهامته وذكاؤه، مجموعة
من الرجال قد يصل عددهم إلى الثلاثين، ومعهم أسلحتهم، وهم كقطاع الطريق، نهبوا نهبا وساروا به
نحو مضاربهم، وهى فى ناحية، والمدينة فى الناحية الأخرى. ماذا يفعل؟ أيذهب إلى المدينة
يستصرخ الرسول / وصحابته، ليهبوا لإنقاذ إبلهم؟ إذن يكون المنتهبون قد فروا بنهبتهم، أم يجرى
وحده خلف اللصوص؟ وقد يضحى بنفسه ولا ينقذ شيئا؟ وماذا يفعل مع فرس طلحة وهوليس
بفارس؟ وكيف يعرضه للضياع وهو لا يملكه؟
إن الذكاء والحيلة وحسن التصرف فى مثل هذه المواقف خير سلاح. قال للغلام: خذ هذه الفرس،
فأبلغه إلى صاحبه طلحة، وبلغ رسول اللَّه ﴿ ﴿ وأصحابه الخبر، ثم صعد على جبل ووجهه إلى المدينة،
وصرخ يا صباحاه، يا صباحاه. صوت معلوم عندهم للنجدة، سمعه النبى 8# فعبأ أصحابه، وبلغهم
الغلام الخبر، فهبوا. أما سلمة فتبع القوم، يرميهم بالنبال من بعيد، فيجرون، وتشرد منهم الإبل
فيخليها خلفه، ويتخففون مما يحملون ، فيلقون الأغطية والرماح فيستولى عليها سلمة ويضع عليها
أحجارا بطريقة خاصة، يعرفها رسول اللَّه ﴿ وأصحابه، وهى فى الوقت نفسه علامات لهم على
الطريق المسلوك ليتابعوه، منذ الصباح وحتى الليل وسلمة يتابع القوم، وهم يجرون أمامه، حتى
وصلوا إلى ماء ذى قرد، وهم وما معهم من الإبل عطاش، فنزلوا يشربون، فأمطرهم سلمة بوابل من
النبل فتركوا البئروهم عطاش. ولحقه جيش الرسول {₪، ونزلوا عند البئر، وقد استنقذت إبل رسول
اللَّه ◌ُ﴿، ومعها غنائم المشركين، ثم رجعوا إلى المدينة ورسول اللَّه ◌ُ ل يردف سلمة خلفه على ناقته،
وقد أعطاه من الغنيمة سهمين، بدلا من سهم واحد.
أما موقفه فى غزوة الحديبية فهو يحكى أن النبى 8# طلب منه أن يبايع بيعة الرضوان ثلاث
مرات، فى أول القوم، وفى أوسطهم، وفى آخرهم، ويحكى لنا معجزة الرسول 8# فى امتلاء البئر بالماء
بعد أن نضب، ويحكى لنا عن المشركين الأربعة الذى عابوا واغتابوا رسول اللَّه {®، فأسرهم، وأخذ
سلاحهم، وسلمهم لرسول اللَّه من ، ويحكى لنا أنه - بناء على إشارة رسول اللّه / * - قام بالصعود
٣٥٤
على جبل بنى لحيان، ليحرس الرسول # وجنوده من غدر المشركين، فى طريق عودتهم من الحديبية
إلى المدينة.
أما حديثه عن غزوة خيبر فيدور أكثره عن عمه عامر بن الأكوع، وكان بطلا شجاعا، حسن الصوت
يحدو للقافلة، فسمعه الرسول # فى طريقهم إلى خيبر يغنى شعرا، يقول:
ولا تصدقنا ولا صلينا
والله لولا أنت ما اهتدينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا .. فثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
قال: صلى الله عليه وسلم: من صاحب هذا الصوت؟ قالوا: عامر، قال: يغفر الله له،
وتعود الصحابة من قبل على أن هذه الكلمة من رسول اللَّه ◌َ # تشير إلى أن المقولة عنه
سيموت شهيدا وقريبا فأسفوا، وكانت حقا، فقد خرج ملك خيبر ((مرحب)) على المسلمين
يختال، ويطلب النزال فخرج له عامر بارزه، وكاد يقتله، لكن سيف عامر كان قصيراً، فارتد
عليه، فقتل عامر بسيف نفسه، فقال الصحابة: لم يمت شهيدا، بل حبط عمله، لأنه مات
بسلاحه، فساء هذا القول سلمة، فسأل رسول اللّه و# عن ذلك، فقال صلى اللّه عليه وسلم:
كذب من قال ذلك، إن له أجرين، مات جاهدا مجاهدا.
ويحكى لنا سلمة أنه كان الرسول الذى أرسله رسول الله إلى على الله ليحضره وهو مريض،
يشكوعينيه، فدعا له رسول الله*، فبرأت عيناه فى الحال، فسلمه راية الجيش، فبارز ملكهم
((مرحب)) فقتله، وفتح الله على يديه حصون خيبر، بعد حصار دام بضعة عشر يوما - رضى الله عن
سلمة وعن الأصحاب أجمعين.
المباحث العربية
(غزوة ذى قرد وغيرها) ذكر مسلم فى هذه الأحاديث غزوة ذى قرد فى الرواية الأولى والثانية،
وغزوة الحديبية وخيبر فى الرواية الثانية، وفى جميعها يتحدث سلمة بن الأكوع عن نفسه: والقرد -
بفتح القاف والراء وحكى الضم فيها، وحكى ضم أوله وفتح ثانيه - فى الأصل ما تساقط من الوبر
والشعر، ويطلق أيضاً على السعف سل خوصه، وهو هنا اسم ماء على عشرين ميلا من المدينة، مما يلى
غطفان، بين المدينة وخيبر على طريق الشام.
وقول سلمة فى الرواية الثانية ((فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر)) صريح فى
أن غزوة ذى قرد كانت قبيل خبير، لكن قال القرطبى فى شرح مسلم: لا يختلف أهل السير فى أن
غزوة ذى قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع فى حديث سلمة من وهم بعض الرواة، قال: ويحتمل
أن يجمع بأن يقال: يحتمل أن يكون النبى وكان قد أغزى سرية فبهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر
٣٥٥
قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه وعمن خرج معه، يعنى حيث قال ((خرجنا إلى خيبر)) قال: ويؤيده
أن ابن إسحق ذكر أن النبى # أغزى إليها عبد الله بن رواحة مرنين قبل فتحها. اهـ قال الحافظ
ابن حجر: وسياق الحديث يأبى ذلك الجمع، فإن فيه «خرجنا إلى خيبر مع رسول اللّهلف ﴾، فجعل
عمر يرتجز بالقول)) وفيه قول النبى وَ﴾ ((من السائق)»؟ وفيه مبارزة على لمرحب، وقتل عامر، وغير
ذلك مما وقع فى غزوة خيبر، فعلى هذا ما فى الصحيح من التاريخ لغزوة ذى قرد أصح مما ذكره أهل
السير، قال: ويحتمل فى طريق الجمع أن تكون إغارة عبينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين.
الأولى التى ذكرها ابن إسحق، وهى قبل الحديبية، والثانية بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر.
(خرجت قبل أن يؤذن بالأولى) يعنى صلاة الصبح، يعنى خرجت من بيتى بالمدينة إلى
خارجها، ففى رواية ((خرجت من المدينة ذاهبا نحو الغابة)».
كانت لقاح رسول الله﴿ ترعى بذى قرد) ((اللقاح)) بكسر اللام وتخفيف القاف، ذوات
الدر من الإبل، أى الناقة التى تدر اللبن بالفعل، جمع لقحة بالكسر وبالفتح أيضا، واللقوح الحلوب،
وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لقحة، وكانت هذه اللقاح ملكا لرسول اللَّه # من الخمس أو من
الفىء، وكان ينفق منها فى سبيل الله.
(فلقينى غلام لعبد الرحمن بن عوف) يحتمل أن يكون هو رباح، لقول سلمة فى وسط
الرواية الثانية ((فقلت: يا رياح خذ هذا الفرس)» إلخ. قال الحافظ: وكأنه كان ملك رسول اللّه ◌َل
ويخدم عبد الرحمن بن عوف، أو العكس، فنسب تارة ((غلام رسول الله ﴿، وتارة غلام لعبد الرحمن
ابن عوف.
(فقال: أخذت لقاح رسول اللَّه ◌َل فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان) وفى الرواية
الثانية ((بعث رسول اللَّه ﴿ بظهره)) - أى بإبله - «مَع رياح، غلام رسول اللَّهِلَ﴿)) - أى للرعى -
((وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة)) - أى لم يكن سلمة راعيا ولا مسئولا عن ظهر رسول اللّه وقل﴾.
بل خرج مع رباح بفرس طلحة، وقد كان سلمة نابعا وخادما لطلحة ففى الرواية الثانية ((وكنت تبيعا
لطلحة بن عبيد الله)) أى خادما أتبعه ((أسقى فرسه، وأحسه)) أى أحك ظهره بالمحسة لأزيل عنه
الغبار ونحوه ((وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلى ومالى، مهاجرا إلى رسول اللّه ◌ِمَ ﴿ ((أنديه))
بضم الهمزة وفتح النون وكسر الدال المشددة. قال النووي: هكذا ضبطناه ولم يذكر القاضى فى الشرح
عن أحد من رواه مسلم غير هذا، ونقله فى المشارق عن جماهير الرواة، قال: ورواه بعضهم فى مسلم
((أبديه)) بالباء بدل النون، أى أخرجه إلى البادية، وأبرزه إلى موضع الكلأ، وكل شئ أظهرته فقد
أبديته. قال النووى: والصواب رواية الجمهور بالنون وهى رواية جميع المحدثين، ومعناها أن يورد
الماشية الماء، فتسقى قليلا، ثم ترسل فى المرعى، ثم ترد الماء قليلا، ثم ترد إلى المرعى.
وفى هذه الرواية ((أخذها غطفان)) وفى الرواية الثانية ((فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزارى قد
أغار على ظهر رسول اللّه *، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، فقلت: يا رباح، خذ هذا الفرس، فأبلغه
٣٥٦
طلحة بن عبيد اللَّه)) أى لألحق أنا بالقوم ماشيا ورامياً ((وأخبر رسول الله﴾ أن المشركين قد أغاروا
على سرحه ».
و((غطفان بفتح الغين والطاء والفاء، هوابن سعد بن قيس بن عيلان، و((فزارة» من
غطفان، فلا تعارض بين قوله فى الرواية الأولى «أخذها غطفان» وقوله فى الرواية الثانية
((عبد الرحمن الفزارى)) بل عند أحمد وابن سعد ((أخذها عبد الرحمن بن عيينه بن حصن
الفزارى)» وفى روايتنا الثانية ((فإدا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري)) وعند الطبرانى ((فإذا
عيينة بن حصن قد أغار على لقاح رسول اللَّه ◌ِ ﴿ ((قال الحافظ ابن حجر: ولا منافاة بين
الروايات، فإن كلا من عيينة وعبد الرحمن بن عيينة كان فى القوم، وعند موسى بن عقبة
وابن إسحق أن مسعدة الفزارى كان أيضاً رئيسا فى فزارة فى هذه الغزوة.
(قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتى المدينة) فى
الرواية الثانية ((ثم قمت على أكمة، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثا: يا صباحاه)» كلمة تقال عند
الغارة وفى رواية ((فصرخت بثلاث صرخات)) بزيادة الباء، وهذا الصراخ للاستغاثة معروف، ((ولا بتا
المدينة)» تثنية لابة، والمراد حرتاها، والحرة بفتح الحاء وتشديد الراء أرض بظاهر المدينة، فيها
حجارة سود كثيرة.
وعند الطبرانى («فصعدت فى سلع، ثم صحت: يا صباحاه، فانتهى صياحى إلى النبى وُلّ، فنودى
فى الناس: الفزع. الفزع)) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن
يكون ذلك من خوارق العادات.
(ثم اندفعت على وجهى) يعنى لم ألتفت يمينا ولا شمالا، بل أسرعت الجرى خلفهم، متبعا
آثارهم، وفى الرواية الثانية ((ثم خرجت فى آثار القوم أرميهم بالنبل)».
(حتى أدركتهم بذى قرد، وقد أخذوا يسقون من الماء).
فى الكلام طى، وضحته الرواية الثانية، ففيها ((ثم خرجت فى آثار القوم، أرميهم بالنبل، وأرتجز:
((أنا ابن الأكوع .. واليوم يوم الرضع)).
جمع راضع وهو اللئيم بضم الراء وتشديد الضاد.
قال النووى: قالوا: معناه: اليوم يوم هلاك اللئام، وهم الرضع، من قولهم: لئيم راضع، أى رضع اللؤم
فى بطن أمه، وقيل: لأنه يمص حلمة الشاة والناقة بفمه، بدلا من حلبها وشرب لبنها، لئلا يسمع
الفقراء والضيفان صوت الحلاب فيقصدوه، وقيل: لأنه يرضع طرف الخلال الذى يخلل به أسنان،
ويمص ما يتعلق به، وقيل: معناه اليوم يعرف من أنجبته كريمة فرضعها، ومن أنجبته لئيمة فرضعها،
وقيل: معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره، وتدرب عليها، ويعرف غيره. اهـ وقيل: كان
يمص حلمة الشاة والناقة بفمه لئلا يتبدد من اللبن شىء إذا حلب فى الإناء، أو لئلا يبقى فى الإناء
٣٥٧
شىء إذا شربه منه، فقيل فى المثل: ألأم من راضع، وقيل: معناه: هدا يوم شديد علبكم، تفارق فيه
المرضعة من أرضعته، فلا تجد من ترضعه.
((قال: فألحق رجلا منهم، فأصك سهما فى رحله، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه)» فيه التعبير
عن الماضى بالمضارع، استحضارا للصورة، أى فلحقت رجلا منهم، فصككته سهما. قال النووي: هكذا
هو فى معظم الأصول المعتمدة ((رحله)) بالحاء، و((كتفه)) بالتاء بعدها فاء، وفى بعضها ((رجله))
بالجيم، ((وكعبة)» بالعين ثم الباء، قال: والصحيح الأول، لقوله فى الرواية نفسها عن رجل آخر بعد
وروده ماء ذى قرد ((فأصكه بسهم فى نغض كتفه)) بضم النون ثم غبن ساكنة ثم ضاد، وهو العظم
الرقيق على طرف الكتف، سمى بذلك لكثرة نحركه، وهو الناغض أيضا، ومعنى ((أصك)) أضرب.
((قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع.". واليوم يوم الرضع)).
قال: فوالله. مازلت أرميهم، وأعقر بهم)) أى مازلت أرميهم بالنبل، وأعقر خيلهم.
قال القاضى: ورواه بعضهم ((أرديهم)) بالدال ((فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة)) أى أتيت شجرة
حين فاجأنى رجوع فارس منهم إلى ((فجلست فى أصلها)) أى مختبئا عند جذعها، محتميا به ((ثم
رميته، فعقرت به)) أى فعقرت فرسه به، ثم جعلت أرميهم ((حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا فى
تضايقه)) أى وصعب على رميهم وإصابتهم بالنيل ((علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة )) بضم
الهمزة وفتح الراء وتشديد الدال المكسورة، أى أرمبهم بالحجارة التى توقعهم وتسقطهم عن سفح
الجبل ((قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق اللَّه بعدرا من ظهر رسول اللّه ،﴿)) أى حتى ما
وجدت بعيرا مخلوقا للَّه هو من ظهر وسرح رسول اللّه وَ * («إلا خلفته وراء ظهرى، وخلوا بينى وبينه،
ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون» بكسر الخاء وتشديد
الفاء المضمومة، أى يتخلصون منها ليكونوا خفافا، يسهل عليهم الجرى والهرب من رمى سلمة ((ولا
يطرحون شيئا إلا)) أخذته وخبأته ((جعلت عليه آراما من الحجارة)) جمع إرم كعنب وأعناب، أى
علامات من الحجارة، تجمع وتنصب بطريقة خاصة فى الصحراء ((يعرفها رسول اللَّه ◌ُ﴿ وأصحابه،
حتى أتوا متضايقا من ثنية)) أى من طريق فى الجبل)) فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري)) أحد
كبرائهم ورؤسائهم، («فجلسوا)) معه ((يتضحون)» أى يأكلون طعام الضحى، وفسره الراوى بقوله
((يتغذون)) أى يتناولون من الطعام ما به النماء ((وجلست على رأس قرن)) بفتح القاف وإسكان الراء،
وهو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير ((قال الفزارى)) لأصحابه ((ما هذا الذى أرى)) من الرعب
الذى بكم؟ ونقص أمتعتكم وغنيمتكم))؟ قالوا: لقينا من هذا البرح)) بفتح الباء وإسكان الراء الشدة،
أى لقينا من هذا المسلم الشدة والأذى الكثير، يقال: برح به الضرب أى اشتد، وضربه ضربا مبرحا،
أى شديدا وشاقاً، ((والله ما فارقنا منذ غلس)) أى منذ ظلمة الليل المختلطة بضوء النهار حتى الآن
الضحى ((يرمينا، حتى انتزع كل شىء فى أيدينا، قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلى
منهم أربعة فى الجبل، قال: فلما أمكنونى من الكلام)» أى فلما قربوا منى، وأصبحوا منى بحبث
يسمعون كلامى، وأسمع كلامهم «قلت: هل تعرفونى؟ قالوا: لا. ومن أنت؟)» استفهام سخرية
٣٥٨
واحتقار ((قال. قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذى كرم وجه محمد ◌ّ، لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته،
ولا يطلبنى رجل منكم فيدركنى)» المراد من الإدراك الإصابة والقتل، ويحتمل الوصول إليه بالجرى
وراءه، وكان سلمة كذلك فى الاحتمالين، فكان فى العدو والجرى لا يسبق، كما سيذكر عن نفسه فى
هذا الحديث، وكان راميا متمكنا، يجيد برى النبل واختيار ماديه وحجمه، ويجيد إعداد القوس وقوته
فى الدفع، ويجيد إصابة الهدف ((قال أحدهم: أنا أظن)) الظن هنا مراد به الاعتقاد، والمظنون
محذوف، للعلم به من المقام، أى أنا أعتقد أن ما تقول حقا، وأنك تدركنا ولا ندركك، فخير لنا أن
نخليك وشأنك ونرجع ((فرجعوا. قال فما برحت مكانى حتى رأيت فوارس رسول اللّه ،﴿)) أى فلم
ألبث طويلا حتى رأيت مقدم أصحاب رسول الله،®، ركباناً، فوارسه على خيولهم (يتخللون
الشجر)) أى يدخلون بين الأشجار ((قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدى، على إثره أبو قتادة الأنصارى،
وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندى، قال: فأخذت بعنان الأخرم)) أى بعنان فرس الأخرم، أحول
بينه وبين الإسراع نحو القوم، خوفا عليه منهم، فقد أصبحوا موتورين، وهم كثرة، وهو منفرد ((قال:
فولوا مدبرين)) فقد رأوا مقدمة المدد وجيش المسلمين. ((قلت: يا أخرم، احذرهم)) ولا تسرع إليهم ((لا
يقتطعوك)) لا تمكنهم من أن ينفردوا بك ((حتى يلحق رسول اللّه ﴿ وأصحابه)) بنا ((قال: يا سلمة،
إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق، والنارحق، فلا تحل بينى وبين الشهادة، قال:
فخليته، قال: فالتقى هو وعبد الرحمن)» الفزارى رئيس جماعة المشركين، فعقر بعبد الرحمن فرسه))
أى عقر الأخرم فرس عبد الرحمن الفزارى وهو عليه، فنزل عبد الرحمن، وأمسك بالرمح، وسدده نحو
الأخرم ((وطعنه عبد الرحمن، فقتله، وتحول)) عبد الرحمن ((على فرسه)) أى على فرس الأخرم ((ولحق
أبو قتادة فارس رسول اللَّه ◌ِاللّ بعبد الرحمن، فطعنه، فقتله، فوالذى كرم وجه محمد ® لتبعتهم» أى
لقد تبعتهم ((أعدو على رجلى)) وتقدمت على فوارس رسول اللّه ◌ُ ﴾، وبعدت عنهم ((حتى ما أرى ورائى
من أصحاب محمد {₪)) أحدا ولا ((أرى من ((غبارهم شيئا، حتى يعدلوا)) فيه التعبير عن الماضى
بالمضارع استحضارا للصورة، أى حتى عدل المشركون ((قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال
له ذو قرد» قال النووى: كذا فى بعض النسخ، وهو الوجه، وفى أكثر النسخ ((ذا قرد)».اهـ كل تلك
الأحداث مطوية فى الرواية الأولى.
(وقد أخذوا يسقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلى وكنت راميا وأقول: أنا ابن
الأكوع .. واليوم يوم الرضع، .. فأرتجز) فى الرواية الثانية ((يقال له: ذو قرد، ليشربوا منه،
وهم عطاش، قال: فنظروا إلى أعدو وراءهم، فحليتهم عنه)) قال النووي: هو بحاء ولام مشددة، أى
طردتهم عنه، وقد فسره فى الحديث بقوله ((يعنى أجليتهم عنه)) بالجيم، قال القاضى: كذا روايتنا فيه
هنا، غير مهموز، قال: وأصله الهمز، فسهله.اهـ. وفى كتب اللغة: حلأه عن الشيء بفتح الحاء وتشديد
اللام وبالهمز، تحليئا وتحلئة منعه منه. ((فما ذاقوا منه قطرة، قال: ويخرجون)) من الشعب
((فيشتدون)) أى يسرعون بالجرى ((فى ثنية)) فى طريق ضبق من الجبل ((قال: فأعدو فألحق)) أى
فعدوت فلحقت ((رجلا منهم، فأصكه بسهم)) أى فصككته بسهم ((فى نغض كتفه، قال: قلت: خذها.
٣٥٩
وأنا ابن الأكوع .. واليوم يوم الرضع.
قال: يا ثكلته أمه. أكوعه بكرة؟ قلت: نعم)) معنى ((ثكلته أمه)) فقدته، وقوله ((أكوعه)) هو برفع
العين، أى أنت الأكوع الذى كنت بكرة هذا النهار ترمينا؟ أنت متابعنا بالرمى حتى اللبل؟ ولهذا
قال: نعم، و((بكرة)) منصوب غير منون، قال النووى: قال أهل اللغة: يقال: أتيته بكرة، بالتنوين، إذا
أردت أنك لقيته باكرا فى يوم غير معين، قالوا: وإذا أردت بكرة يوم بعينه قلت: أتيته بكرة، غير
مصروف، لأنها من الظروف غير المتمكنة . اهـ
)يا عدو نفسه، أكوعك بكرة، قال: وأردوا فرسين على ثنية» قال النووي: قال القاضى: رواية
الجمهور بالدال - أى بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الدال - ورواه بعضهم بالدال. قال: وكلاهما
متقارب المعنى، فبالذال معناه خلفوهما، والرذى الضعيف من كل شىء - وفى كتب اللغة: أرذى
ناقته هزلها وخلفها - وبالدال معناه أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما، ومنه التردية
((قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول اللّه ﴿، قال: ولحقنى عامر)) عمه ((بسطيحة)) وهى إناء من
جلد سطح بعضها على بعض ((فيها مذقة من لبن)) بفتح الميم وإسكان الذال، أى قليل من لبن
((وسطيحة فيها ماء، فتوضأت ((من الماء)) وشربت)) من اللبن، ((ثم أتيت رسول اللّهلم﴿، وهو على
الماء الذى حليتهم عنه، فإذا رسول اللَّه * قد أخذ تلك الإبل، وكل شىء استنقذته من المشركين،
وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذى استنقذت من القوم)) قال النووى: كذا فى أكثر
النسخ ((الذى)) وفى بعضها ((التى)) وهو أوجه، لأن الإبل مؤنثة، وكذا أسماء الجموع من غير الآدميين،
والأول صحيح أيضا، وأعاد الضمير إلى الشىء الذى غنمه، لا إلى لفظ الإبل ((وإذا هو يشوى لرسول الله
* من كبدها وسنامها.
(فقلت: يا نبى الله، إنى قد حميت القوم الماء، وهم عطاش) أى منعتهم إياه.
(فابعث إليهم الساعة) أى وافرض عليهم شروطك، فهم اليوم ضعاف محتاجون.
(يا ابن الأكوع. ملكت فأسجح) بهمزة قطع، بعدها سين، ثم جيم مكسورة، ثم حاء، ومعناه:
فأحسن وارفق، والسجاحة السهولة، أى لا تأخذ بالشدة، بل ارفق، فقد حصلت النكاية فى العدو،
والحمد لله.
وفى الرواية الثانية ((قال: قلت: يا رسول اللَّه، خلنى)) أى اتركنى ((فأنتخب)) أى فأختار ((من
القوم)) أى من الصحابة ((مائة رجل، فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر)) أى حى يستطيع أن يتكلم
ويخبر ((إلا قتلته، قال: فضحك رسول اللَّه ◌ُ ﴾، حتى بدت نواجذه)) أى فتبسم حتى بدت أنيابه ((فى
ضوء النار، فقال: يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟)) أى أتظن أنك بالمائة رجل تستطيع أن تفعل ذلك؟
((قلت: نعم. والذى أكرمك، فقال)): إنك لم نكن تستطيع، لأنهم الآن قد وصلوا إلى قبيلتهم ومقاتليهم،
فأصبحوا فى منعة، لا يواجهها إلا جيش كبير («إنهم الآن ليقرون فى أرض غطفان)» أى إنهم اليوم فى
ضيافة أهليهم فى أراضيهم ((فجاء رجل من غطفان)) أى قادم من أرض غطفان ((فقال: نحر لهم
٣٦٠