النص المفهرس

صفحات 281-300

الرابعة، وفيها ((فقال لعلى ﴿ اكتب من محمد بن عبد الله)) قال القاضى: وأجاب
الأولون عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أى لم
يتل ولم يخط، أى من قبل تعليمه، فكما جاز أن يتلوجاز أن يكتب، ولا يقدح هدا فى
كونه أميا، إذ لبست المعجزة مجرد كونه أميا، فإن المعجزة حاصلة بكونه صلى اللّه
عليه وسلم كان أولا كذلك، ثم جاء بالقرآن، ويعلوم لا يعلمها الأميون. قال القاضى: وهذا
الذى قالوه ظاهر. قال: وقوله فى الرواية التى ذكرناها عن البخارى ((ولا يحسن أن
يكتب فكتب)) كالنص أنه كتب بنفسه. قال: والعدول إلى غير ذلك مجاز، ولا ضرورة
إليه. قال: وقد طال كلام كل فرقة فى هذه المسألة، وشنعت كل فرقة على الأخرى فى
هذا. واللَّه أعلم.
٢- عن قوله ((هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ﴿ ﴿)) قال النووى: فيه دليل على أنه يجوز أن يكتب
فى أول الوثائق وكتب الأملاك والصداق والعتق والوقف والوصية ونحوها: هذا ما اشترى فلان، أو
هذا ما أصدق، أو وقف، أو أعتق، ونحوه. وهذا هو الصواب الذى عليه الجمهور من العلماء، وعليه
عمل المسلمين فى جميع الأزمان والبلدان من غير إنكار.
٣- قال القاضى: وفيه دليل على أنه يكتفى فى العقود بذكر الاسم واسم الأب بالنسبة للشخص
المشهور - عن غير زيادة، خلافا لمن قال: لابد من أربعة أسماء. المذكور وأبيه وجده ونسبه.
٤- وفى الأحاديث أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين، وإن كان لا
يظهر ذلك لبعض الناس فى بادئ الرأى. قاله النووى، وفيه نطر، فما حصل من النبى لل*
كان بأمرريه الذى يعلم الغيب، ولذلك ضرب صفحاً عن رأى الآخرين، والاقتداء به فى
هذا يفسد الحكم، ويضر الرعية.
٥- وفيها احتمال المفسدة اليسيرة لدفع أعظم منها، أولتحصيل مصلحة أعظم منها، إذا لم يمكن ذلك
إلا بذلك.
٦- جواز تجريد المسلم من سلاحه، أو تخفيفه عند الأعداء للمصلحة، قال النووي: وإنما شرط الكفار
ذلك لوجهين، الأول أن لا يظهر من دخول المسلمين مكة مسلحين أنهم دخلوها دخول الغالبين
القاهرين، الثانى أنه إن عرضت فتنة أو نحوها يكون فى استخدام السلاح صعوبة.
٧- استدل بشرط الإقامة بمكة ثلاثاً أن الثلاث ليس لها حكم الإقامة، وأما ما فوقها فله حكم الإقامة.
قال النووي: وقد رتب الفقهاء على هذا قصر الصلاة، فيمن نوى إقامة فى بلد فى طريقه، وقاسوا
على هذا الأصل مسائل كثيرة.
٨- وفى موقف أبى بكر، ورده على عمر رضى اللَّه عنهما دلائل ظاهرة على عظيم فضله، وبارع علمه،
وزيادة عرفانه، ورسوخه فى كل ذلك، وزيادته فيه كله على غيره رضي الله عنه.
٢٨١

٩- ومن إرسال النبى 8 إلى عمر، وإقرائه ما نزل إعلام الإمام والعالم كبار أصحابه بما يقع له من
الأمور المهمة، والبعث إليهم لإعلامهم بذلك.
١٠- وفى الأحاديث دليل على جواز مصالحة الكفار إذا كان فيها مصلحة، وهو مجمع عليه عند
الحاجة، قال النووى: ومذهبنا أن مدتها لا تزيد على عشر سنبن، إذا لم يكن الإمام مستظهراً
عليهم، وإن كان مستظهراً لم يزد على أربعة أشهر، وفى قول: يجوز دون سنة، وقال مالك: لا حد
لذلك، بل يجوز ذلك، قل أم كثر، بحسب رأى الإمام.
١١ - أدب على ، فى توقفه عن محو كلمة ((رسول اللَّه)) وهو من الأدب المستحب، لأنه لم يفهم من
النبى 8# تحتيم محو الكلمة بنفسه، ولهذا لم ينكر عليه موقفه، ولو حتم محوه بنفسه لم يجزلعلى
تركه، ولما أقره النبى { ﴾.
١٢ - ومن مراجعة عمر فيه جواز المراجعة فى العلم والبحث فيه حتى يظهر المعنى.
١٣ - وأن الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى نظهر إرادة التخصيص والتقييد.
١٤ - ومن رد الرسول ® وأبى بكر على عمر بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحدد عام دخول مكة. أخذ
بعضهم أن من حلف على فعل شيء ولم يذكر مدة معبنة لم يحنث حتى تنقضى أيام حياته.
١٥- وفى الأحاديث التزام الصحابة بالصلح، وعدم رده ومدى ما كانوا عليه من تنفيذ أوامره صلى اللّه
عليه وسلم وإن خفيت عليهم حكمة القرار.
١٦ - وفيه حكم الإحصار عن العمرة، وأنه يتحلل بالحلق وينحر الهدى فى مكانه، وقد سبق شرحه فى
كتاب الحج.
والله أعلم
٢٨٢

(٤٩٣) باب الوفاء بالعهد
٤٠٧٧ - ٩٨ْ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَ﴾(٩٨) قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلا أَنّي خَرَجْتُ أَنَّا
وَأَبِي حُسَيْلٌ. قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ فُرَيْشٍ. قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُون مُحَمَّدًا. فَقُلْنَا: مَا تُرِيدُهُ، مّا نُرِيدُ
إِلا الْمَدِينَةَ. فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَّهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلا نُقَاتِلُ مَعَهُ. فَأَنْيْنَا رَسُولَ
اللّهِفَ ﴿ فَأَخْبُرْنَاهُ الْخَيْرَ. فَقَالَ «انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَّيْهِمْ».
المعنى العام
من أسمى تعاليم الإسلام الحث على الصدق، واجتناب الكذب، فإن الصدق يهدى إلى البر، والبر
يهدى إلى الجنة، وإن الكذب يهدى إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النار، ومن أسمى تعاليم الإسلام
الوفاء بالعهد، حتى للمشركين الذين لاعهد لهم، والذين إن يظهروا على المسلمين لايرقبو إلاّ ولا ذمة،
وهذا الحديث صورة مشرقة على فم الزمان تشهد للإسلام بأنه دين الهدى والنور.
فى زمن غزوة بدر، وقبل خروج النبى {18 من المدينة إلى بدر، خرج حذيفة بن اليمان هو وأبوه من
المدينة للزيارة أو للتجارة فى الأرض التى يسيطر عليها كفار مكة، وعند عودتهم إلى المدينة كان
رسول اللّه﴿ وأصحابه قد نزلوا بدرا، وكان الكفار يجمعون أنفسهم لقتاله، ووقع حذيفة وأبوه فى
أيدى الكفار، قد يكونون يعلمون أنهما مسلمان، ولأمر ما لم يأسروهما، أو لم يقتلوهما، وقد يكونون لا
يعلمون أنهما مسلمان، الدى حرصوا عليه أن لا يقاتلا مع محمد ®، فأخذوا عليهما العهد والميثاق
على ذلك، وأطلقوهما. وصلا إلى النبى و8* ببدر، وذكرا له صلى الله عليه وسلم القصة، وهو فى حاجة
ماسة إلى مقاتل، فالكفار يزيدون على الألف، والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر، فهل يعامل المشركين
الغادرين بعدم الوفاء لهم؟ أم يعلو الخلق الكريم ويأمر بالوفاء بالعهد؟ ويطلب العون من اللَّه؟ لقد
اختار الثانية، وأمر حذيفة وأباه أن ينصرفا عن القتال إلى المدينة، وفاء بعهدهما، وقال: نفى لهم
بعهدهم، ونستعين اللَّه عليهم صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
(ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أنى خرجت) الاستثناء من أعم الفاعلين، و((أن)) وما دخلت
عليه فى تأويل مصدر، بدل من المستثنى منه المحذوف، والتقدير ما منعنى شيء إلا خروجى، أى
منعنى خروجى.
(٩٨) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَّيْعٍ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّفَيْلِ حَدْقَا حُذَّيِّفَةُ بْنُ الْيَمَانِ
٢٨٣

(خرجت أنا وأبى حسيل) بضم الحاء وفتح السين، ويقال له أيضا ((حسل)) بكسر الحاء
وسكون السين، وهو والد حذيفة، فهو هنا بدل من ((أبى)) مرفوع، وليس كنية، وكأنه قال: خرجت أنا
ووالدى حسيل. واليمان لقب لحذيفة. قال النووي: والمشهور فى استعمال المحدثين أنه اليمان
بالنون من غير ياء بعدها، وهى لغة قليلة، والصحبح اليمانى بالياء، وكذا عمرو بن العاصى، والمشهور
للمحدثين حذف الياء، والصحيح إثباتها، والمراد أنهما خرجا من المدينة إلى منطقة الكفار، وأرادا
العودة إلى المدينة، ورسول الله چ﴾ فى بدر.
(فأخذوا منا عهد الله وميثاقه) لفظ العهد مشترك لفظى بين معان كثيرة، منها الزمان
والمكان، فيقال: قريب عهد بجاهلية، وعهدى بهذا المكان كذا، ومنها الذمة والصحة والميثاق
والأيمان والنصيحة والوصية والمطر. وقال الراغب: العهد حفظ الشيء ومراعاته، ومن هنا قيل للوثيقة
عهدة، ويطلق عهد الله على ما فطر عليه عباده من الإيمان به عند أخذ الميثاق، ويراد به أيضا ما أمر
به فى الكتاب والسنة مؤكدا، وما التزمه المرء من قبل نفسه كالنذر.
والمراد به هنا اليمين، أو قولهم: على عهد اللَّه، أو الالتزام مؤكدا باليمين.
(لننصرفن إلى المدينة) لا إلى بدر للقتال.
(فأتينا رسول اللّه ◌ُل ) ببدر.
(انصرفا) من ميدان القتال ببدر إلى المدينة.
فقه الحديث
فى هذا الحديث نقطتان أساسيتان: الأولى الكذب فى الحرب، والثانية الوفاء للمشركين بالعهد.
أما عن النقطة الأولى فقال النووى: فى هذا الحديث جواز الكذب فى الحرب، وإذا أمكن
التعريض فهو أولى، ومع هذا يجوز الكذب فى الحرب. اهـ
وأخرج الترمذى من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعاً ((لا يحل الكذب إلا فى ثلاث: يحدث الرجل
امرأته ليرضيها، والكذب فى الحرب، وفى الإصلاح بين الناس)» وعند مسلم والنسائى ((ولم أسمعه
يرخص فى شيء مما يقول الناس: إنه كذب إلا فى ثلاث ... )) فذكرها.
قال الطبرى: ذهبت طائفة إلى أن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم
إنما هو فيما فيه مضرة، أو ما ليس فيه مصلحة، وقال آخرون: لا يجوز الكذب فى شىء
مطلقا، وحملوا الكذب المراد فى الحديث المرخص على التورية والتعريض. قال ابن بطال:
سألت بعض شيوخى عن معنى هذا الحديث، فقالوا: الكذب المباح فى الحرب ما يكون
من المعاريض، لا التصريح، بالتأمين مثلا، وقال المهلب: لا يجوز الكذب الحقيقى فى شىء
٢٨٤

من الدين أصلا، ومحال أن يأمر بالكذب من يقول: ((من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده
من النار».
وقال ابن العربى: الكذب فى الحرب من المستثنى الجائز بالنص، رفقا بالمسلمين، لحاجتهم
إليه، وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا.
قال الحافظ ابن حجر: والجواب المستقيم أن نقول: المنع مطلقا من خصائص النبي ◌ُ﴾، فلا
يتعاطى شيئاً من ذلك وإن كان مباحا لغيره.
والتحقيق: أن الكذب لذاته لا يحل أصلا، والترخيص به فى مثل هذه المواطن من قبيل ارتكاب
أخف المفسدتين، أو الحصول على أعظم المنفعتين، فالترخيص به لما يجره من منفعة، أولما يدفع
به من مضرة مقابلا بإثمه كخبر غير مطابق للواقع. والله أعلم.
وأما عن النقطة الثانية فقد قال النووى: اختلف العلماء فى الأسير يعاهد الكفار ألا يهرب منهم،
فقال الشافعى وأبو حنيفة والكوفيون: لا يلزمه ذلك، بل متى أمكنه الهرب هرب، وقال مالك: يلزمه،
واتفقوا على أنه لو أكرهوه، فحلف لا يهرب لا يمين عليه، لأنه مكره، وأما قضية حذيفة وأبيه فإن
الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبى (# فى غزوة بدر، فأمرهما النبى { $ بالوفاء، وهذا ليس
للإيجاب، فإنه لايجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه، ولكن أراد النبى 8# ألا يشيع عن
أصحابه نقض العهد، وإن كان لا يلزمهم ذلك، لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلا.اهـ
وترجم البخارى بباب: هل للأسير أن يقتل أو يخادع الذين أسروه، حتى ينجو من الكفرة، وأشار
إلى قصة أبى بصير التى ذكرناها فى صلح الحديبية. قال الحافظ ابن حجر: قال الجمهور: إن ائتمنوه
يف لهم بالعهد، حتى قال مالك: لا يجوز أن يهرب منهم، وخالفه أشهب، فقال: لوخرج به الكافر
ليفادى به فله أن يقتله، وقال أبو حنيفة والطبرى: إعطاؤه العهد على ذلك باطل، ويجوزله أن لا يفى
لهم به، وقال الشافعية: يجوز أن يهرب من أيديهم، ولا يجوزله أن يأخذ من أموالهم. قالوا: وإن لم
يكن بينهم عهد جازله أن يتخلص منهم بكل طريق، ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدار وغير ذلك.
والله أعلم
٢٨٥

(٤٩٤) باب غزوة الأحزاب
٤٠٧٨- ٩٩° عَن إِبْرَاهِيمَ النَّيْمِيّ(٩٩) عَن أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ
رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لَقّدْ رَأَيْنَا مَعَ رَسُولٍ
اللَّهِ وَ﴿ لَيْلَةَ الأَحْزَابِ وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «أَلا رَجُلٌ يَأْنِينِي بِخَبْرٍ
الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ «أَلا رَجُلٌ يَأْتِنَا بِخَبْرٍ
الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ «أَلا رَجُلٌ يَأْتِيْنَا بِخَبْرٍ
الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَسَكَنْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ فَقَالَ «قُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَأْتِنَا بِخَبَرٍ
الْقَوْمِ» فَلَمْ أَجِدْ بُدَّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ. قَالَ «اذْهَبْ فَأْتِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلا تَذْعَرْهُمْ
عَلَيَّ» فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِن عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ، حَتَّى أَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ
يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ
اللَّهِ وَ﴿ «وَلا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ» وَلَوْ رَمَيْنُهُ لِأَصَبْتُهُ. فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا
أَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَفَرَغْتُ، قُرِرْتُ فَلْبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِلَّ مِن فَضْلٍ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ
يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، قَالَ «قُمْ يَا نَوْمَالُ».
المعنى العام
حارب رسول اللَّه وَ﴿ قريشا فى غزوة بدر فى السنة الثانية ونصره الله عليهم، وحاربته قريش فى
غزوة أحد فى السنة الثالثة، ولم يكتب للمسلمين النصر عليهم، وتوعدته قريش للعام القادم، ولم تحاربه
فى السنة الرابعة، وأحذت نعبئ لحربه قبائل العرب واليهود، وتجمع الكفار وتحزب، وتناسى الكل ما
بينه وبين بعضه من عداوات، وتناسى اليهود ما بينهم وبين محمد ﴾ من عهود ومواثيق.
وعلم رسول اللَّه بهذا التحزب، فاستشار أصحابه، هل يخرج إليهم فى العراء
والمسلمون ثلاثة آلاف، والأحزاب - كما بلغه - يزيدون على عشرة آلاف؟ أم يعسكر فى
المدينة، فإذا جاءوا حاربوهم من حى إلى حى؟ ومن شارع إلى شارع؟ ومن بيت إلى بيت؟
وأشار عليه سلمان الفارسى بحفر خندق حول المدينة، يحول بين المهاجمين وبين
دخولهم المدينة، خندق مكشوف، أشبه بترعة لا ماء فيها، عريض عميق، لايسهل على
الخيل ولا على المشاة اختراقه، وراقت الفكرة عند رسول اللّه ، فأمر بحفره، وحدد لكل
(٩٩) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَن جَرِيرٍ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَن إِبْرَاهِيمَ النَّيْمِيِّ
٢٨٦

عشرة من المسلمين عشرة أذرع، وشارك فيه بنفسه، نارة بالمعول، ونارة بحمل التراب على
كتفه صلى الله عليه وسلم، ونقله من العمق إلى الشاطئ.
عشرون يوما وليلة قضاها المسلمون فى عمل شاق مجهد، وهم قليلو الزاد، يشتد بهم
الجوع، ويربط الواحد منهم الحجر على بطنه، لئلا يتقوس ظهره، وليخفف ألم الجوع، وعلى
رأسهم مثلهم الأعلى فى ذلك رسول اللّه﴾. وما إن فرغ المسلمون من حفر الخندق حتى
جاء الأحزاب، فعسكروا فى جانب، والمسلمون فى الجانب الآخر، وظهرهم إلى المدينة.
واشتد الحصار بالمسلمين وطال عشرون يوما أو تزيد، لا يستطيعون مغادرة الموقع، ولم
يكونوا يملكون من المؤن وضرورات الحياة ما يكفى لطول حصار، ونفلت المنافقون
ومرضى القلوب من الميدان، يستأذن فريق منهم النبى { ** ، يقولون إن بيوتنا عورة، ونخشى
أن يهاجمها الكفار فاسمح لنا بحراستها والذهاب إلى المدينة، ولم يكن بد من الإذن لهم،
فذهابهم وحالتهم هذه خير من بقائهم، ولم يبق مع الرسول 83 فى الميدان سوى ثلاثمائة
مسلم فى مقابل عشرة آلاف. زاغت أبصارهم، وبلغت قلوبهم حناجرهم، ولم يعد عندهم أمل
فى النصر أو السلامة إلا أن ينقذهم اللّه، فلجئوا إليه بالدعاء، فتدخلت عناية الله، ففتح على
الأحزاب فتحة من ريح وبرد، لم تتجاوز خيامهم، فقلعتها وألقتها بعيدا، يمسكون بها
فتحرهم وراءها، وتفرقت خيلهم وإبلهم، فلم يعودوا يسيطرون عليها وتناثرت قدورهم
وأمتعتهم فانشغلوا بجمعها، ولم يكن أمامهم إلا الرحيل.
المسلمون فى حاجة لمعرفة ما يجرى فى معسكر الأحزاب، فمن الفدائى الدى يخاطر بنفسه؟
قال صلى الله عليه وسلم أمام أبطال المسلمين: من يتطوع ويتخفى ويصل إلى معسكر القوم، فيأتينا
بأخبارهم؟ وله أن يكون معى وفى صحبتى يوم القيامة؟ ولم يجب أحد، فالمهمة خطيرة جدا، أعادها
صلى الله عليه وسلم فلم يجبه أحد، أعادها الثالثة فلم يجبه أحد، قال أبو بكر لرسول اللَّه ◌ُعلّ: حذيفة
شجاع، وذو حيلة، فَمُر حذيفة، فقال صلى اللّه عليه وسلم، قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم، واقترب
منهم برفق، واستعمل الخدعة والمسالمة، ولا تهيجهم علينا، ودعا له صلى الله عليه وسلم بأن يعينه
الله على مهمته، وأن يحفظه ويرجعه سالما، كيف يخرج حذيفة من خيمته والليلة شاتية باردة، تكاد
الأطراف تتجمد من برودتها، لكن الأمر قد صدر، والاسم قد تعين ولا اعتذار، فليستعن باللّه، عجبا، لقد
تحول عنه البرد، إن جسمه يحس بالدفء، إنه يمشى فى جو دافئ، كأنه يمشى فى حمام ساخن، لقد
وصل إلى عسكرهم، وها هو يرى أبا سفيان، وقد أوقد نارا، وعرض للنار ظهره يدفئه من شدة البرد، إنه
يستطيع أن يصوب سهما من كنانته إلى ظهر أبى سفيان، فيرديه قتيلا، فليخرج سهما من كنانته،
وليثبته فى قوسه استعدادا لإطلاقه، لكنه فى تلك اللحظة تذكر قول رسول الله { ل: لا تهيجهم، وأى
تهييج أعظم من إصابة زعيمهم فى ظهره؟ أعاد السهم إلى الكنانة، وتلمس التعرف على أحوالهم، إنهم
يجمعون أمتعتهم، ويحملونها على إبلهم، ويحلون خيامهم، إنهم يستعدون للرحيل، بل قد رحل كثير
منهم، وعاد حذيفة وهو لا يحس بالبرد، كأنما يمشى فى جويوم دافئ حتى وصل إلى رسول اللَّه وَله ،
وأخبره بخبر القوم، وانتهت المهمة التى وكلت إليه .
٢٨٧

يا سبحان اللَّه. ما إن انتهى من الحديث حتى أحس بالبرد الذى يحس به كل أصحابه، لقد
ذهب الدفء الذى لازمه مدة البعثة، إنه يرتعش ويرتجف وفى حاجة إلى غطاء، ورآه رسول اللّه ◌َا*
كعصفور ينتفض من البرد، فضمه صلى اللّه عليه وسلم إليه، وبسط طرف عباءة كانت عليه صلى اللَّه
عليه وسلم فغطى به حذيفة، وحصلت بركة عباءة رسول الله ﴿ لحذيفة، فعاد إليه الدفء ونام.
نام مستغرقا حتى أذن الفجر، بل ظل مستغرقا حتى أيقظه رسول اللّه * للصلاة، وداعبه عند
إيقاظه بقوله: قم يا نومان. قم يا كثير النوم، فالوقت ليس وقت نوم، بل وقت جهاد فى سبيل الله.
المباحث العربية
(فقال رجل: لو أدركت رسول اللَّه ◌َ ﴿ قاتلت معه وأبليت) يقال: أبلى فى الأمر إذا
اجتهد فيه وبالغ، وعند البيهقى فى الدلائل «أن رجلا قال لحذيفة: أدركتم رسول اللّهِ ﴾ ، ولم ندركه.
فقال حذيفة يا ابن أخى، واللَّه لا تدرى لو أدركته كيف تكون؟ لقد رأيتنا ... إلخ. قال النووي: فهم
حذيفة من الرجل أنه لو أدرك النبى ® لبالغ فى نصرته، ولزاد على الصحابة رضى الله عنهم، فأخبره
بخبره فى الأحزاب، وقصد زجره عن ظنه أنه يفعل أكثر مما فعل الصحابة.
(أنت كنت تفعل ذلك؟) استفهام إنكارى بمعنى النفى. أى ما كنت نفعل أكثر مما فعل
الصحابة.
(لقد رأيتنا مع رسول اللَّه﴿ ﴿ ليلة الأحزاب) «رأيتنا)) بضم التاء للمتكلم حذيفة، و«نا»
ضمير المتكلمين مفعول، أى لقد رأيت نفسى وأصحابى المسلمين.
((وليلة الأحزاب)) أى ليلة غزوة الأحزاب، وهى لم تكن ليلة، بل كانت أكثر من عشرين
ليلة، ولكنه يقصد ليلة من لياليها، وغزوة الأحزاب هى غزوة الخندق، وسميت بالخندق
لأجل الخندق الذى حفر حول المدينة، وسميت الأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين
على حرب المسلمين، وهم قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم، ونزل فى هذه القصة صدر
سورة الأحزاب، والأحزاب جمع حزب، وهو الطائفة.
(وأخذتنا ريح شديدة وقر) الجملة حالية، بتقدير ((قد)) عند من يشترطها، و((قر))
بضم القاف وتشديد الراء، وهو البرد، يقال: قرالبوم يقر - بكسر القاف وفتحها فى
المضارع قرا بفتحها برد، والقر بالفتح اليوم البارد، ويقال: قر الرجل بضم القاف، أى
أصابه القر؛ وفى آخر الحديث ((فلما أتيته، فأخبرته بخبر القوم، وفرغت - أى من الإخبار
- قررت)) بضم القاف وكسر الراء، أى بردت، أى أنه أثناء المهمة لم يكن يحس بالبرد، فلما
انتهى منها أحس به، وفى رواية الببهقى ((فى ليلة باردة مطيرة)).
(ألا رجل يأتينى بخبر القوم؟) طلب رقيق عن طريق العرض والتحضيض.
٢٨٨

(جعله الله معى يوم القيامة) معية شرف وتنعم وصحبة، وقد جاءت هذه العبارة هنا ثلاث
مرات بنفسها، وفى رواية الديهقى ((جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة)) فى المرة الأولى.
(فقال: قم يا حذيفة) فى رواية البيهقى ((فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، فقال اذهب. فقلت:
أخشى أن أؤسر؟ قال: إنك لن تؤسر)».
(فلم أجد بدا - إذ دعانى باسمى- أن أقوم) أى لم أجد مندوحة ولا عوضا ولا مفرا من
القيام، وقت أن نادانی باسمی.
(ولا تذعرهم على) بفتح التاء وسكون الذال، أى لا تفزعهم ولا تحركهم على، ولا تنفرهم، ولاتثرهم
على نفسك، لأنهم إن أخذوك أو آذوك كان ذلك ضررا على، لأنك رسولى وصاحبى.
(فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشى فى حمام) الحمام من الحميم، وهو الماء
الحار، يقال: حم الماء حمما بفتح الميم سخن، يعنى أنه لم يجد البرد الذى يجده الناس، ولم يجد من
تلك الريح الشديدة شيئا، بل عافاه الله منه، ببركة إجابته للنبى ®، وذهابه فيما وجهه له، واستمر
ذلك اللطف به حتى عاد إلى النبى (80*، وقص ما حصل، ثم عاد إليه البرد الذى يجده الناس، وفى رواية
الحاكم ((فدعالى فأذهب اللَّه عنى القر والفزع)).
(حتى أتيتهم) أى حتى أتيت منزل الكفار، وفى رواية الحاكم ((فدخلت عسكرهم، فإذا الريح لا
تجاوزه شدرا )».
(فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار) ((يصلى)) بفتح الياء وسكون الصاد وكسر اللام، أى
يدفئ ظهره بتعريضه لحرارة النار. وفى كتب اللغة: صلى الشيء - بفتح اللام مخففة - يصليه -
بفتح الياء وسكون الصاد - صليا - بسكون اللام - ألقاه فى النار، وصلى الناروبها - بفتح الصاد
وكسر اللام وفتح الياء - يصلى - بفتح الياء وسكون الصاد وفتح اللام - احترق وفى القرآن الكريم ﴿لا
يَصْلَاهَا إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] وأصلاه النار، وصلاه النار، وبها، وفيها، وعليها شواه.
(فوضعت سهما فى كبد القوس) أريد أن أرميه بسهم، وكبد كل شيء وسطه.
(فأخبرته بخبر القوم) عددهم وأسلحتهم وطوائفهم وأمتعتهم إلخ.
(فألبسنى رسول الله﴿ من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها) أى رأى رسول الله
* ما أنا فيه من البرد، فغطانى بطرف عباءة كانت عليه.
(فلما أصبحت) أى دخلت فى الصباح بطلوع الفجر.
(قم يا نومان) بفتح النون وسكون الواو، وهو كثير النوم، وأكثر ما يستعمل فى النداء.
٢٨٩

فقه الحديث
ذكر البخارى تحت باب غزوة الخندق مجموعة من الأحاديث، نذكر منها:
١- عن سهل بن سعد ه قال: ((كنا مع رسول اللّه﴾ فى الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل
التراب على أكتافنا، فقال رسول اللّه حصلت:
اللَّهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر المهاجرين والأنصار)».
وهذا الحديث سيأنى فى مسلم بعد باب قتل كعب بن الأشرف.
٢- عن أنس رضا الله قال: ((خرج رسول اللّه إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون فى
غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللَّهم إن العيش عيش الآخرة .. فاغفر الأنصار والمهاجرة
فقالوا مجیبین له:
نحن الذين بايعوا محمدا .. على الإسلام ما بقينا أبدا
قال: يقول النبى ﴿، وهو يجيبهم: اللَّهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك فى الأنصار والمهاجرة،
قال: يؤتون بملء كفى من الشعير - أى يؤتى جيش المسلمين بملء كف أنس من الشعير - فيصنع
لهم الشعير ويطبخ بقليل من الدهن المتغير طعما ولونا، ولها ريح منتن، توضع بين يدى القوم، والقوم
جياع)) وهذا الحديث سيأتى جزؤه فى مسلم بعد باب قتل كعب بن الأشرف.
٣- عن جابر قالُله قال: ((إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة - قطعة كبيرة صلبة من
الحجر، لم يستطعوا تفتيتها - فجاء النبى 1988، فقالوا: هذه كدية عرضت فى الخندق، فقال: أنا نازل-
إليها - ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبى # المعول، فضرب
فى الكدية، فعاد كثيبا أهيل، فقلت: يا رسول اللَّه، ائذن لى إلى البيت)) أى فأذن لى فقلت لامرأتى:
رأيت بالنبى # شيئا)) أى جوعا جعله يشد الحجر على بطنه ((ما كان فى ذلك صبر، فعندك شىء))
من طعام، ((نطعم به النبى { 2؟ فقالت: عندى شعير وعناق)) فى رواية ((صاع من شعير)) والعناق
بفتح العين الأنثى من المعز ((فذبحت العناق، وطحنت امرأتى الشعير، وجعلنا اللحم بالبرمة، ثم
جئت النبى (*، والعجين قد انكسر)) وقارب أن يختمر ((والدرمة قد كادت أن تنضج)) فقلت: يا
رسول الله، طعيم. فقم أنت ونفر معك. رجل أو رجلان، فقال: كم هو؟)) ما مقدار الطعام، فذكرت له))
عنز صغير وصاع من شعير ((فقال: كثير طيب. قال: قل لها: لا تنزع البرمة)» عن النار ((ولا الخبز من
التنور، حتى آتى. فقال)» لأصحابه ((قوموا)) فصاح النبى { ل: يا أهل الخندق. إن جابرا قد صنع لنا
طعاما، فأهلا بكم فقام المهاجرون والأنصار، قال: فدخلت على امرأتى، فقلت: ويحك. جاء النبى ◌ُ ﴾
بالمهاجرين والأنصار ومن معهم» جاءك بالخندق أجمعين، نحو ألف رجل ((قال: ولقيت من الحياء
٢٩٠

مالا يعلمه إلا الله عزوجل، قالت: هل سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، ونحن
قد أخبرناه بما عندنا، فكشفت عنى غما شديدا، وجاء رسول الله﴿، يقدم الناس، فأخرجت له
عجينا فباركه، ثم عمد إلى برمتنا فباركها، ثم قال: ادع خابرة فلتخبز، وجعل يكسر الخبز، ويجعل
عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع، حتى شبعوا وبقيت
بقية، قال: كلى هذا وأهدى. قال جابر: فأقسم بالله. لقد أكلوا - وهم ألف - حتى تركوه وانحرفوا، وإن
برمتنا لتغط كما هى، وإن عجيننا ليخبز كما هو».
٤- عن البراء ه قال: ((كان النبى * ينقل التراب يوم الخندق، حتى أغمر بطنه)» وفى رواية
((رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عنى التراب جلدة بطنه - وكان كثير الشعر- وكان يرتجز
بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب، يقول:
ولا تصدقنا ولا صلينا
اللَّهم لولا أنت ما اهتدينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
وإن أرادوا فتنة أبينا
إن الأولى قد بغوا علينا
وهذا الحديث سيأتى في مسلم بعد باب قتل كعب بن الأشرف.
٥- عن أبى هريرة ص ◌ُته ((أن رسول اللَّه﴿ كان يقول: لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده،
وغلب الأحزاب وحده، فلا شىء بعده)).
تاريخ غزوة الخندق: قال موسى بن عقبة: كانت فى شوال سنة أربع، وتابعه على ذلك مالك،
وقال ابن إسحق: كانت فى شوال سنة خمس. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد قول ابن إسحق أن أبا
سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر، فخرج النبى # من السنة
المقبلة إلى بدر، فتأخر مجىء أبى سفيان تلك السنة للجدب الذى كان حينئذ، وقال لقومه: إنما
يصلح الغزو سنة الخصب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان أو دونها. ذكر ذلك ابن إسحق وغيره من
أهل المغازى، وقد بين البيهقى سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ
من المحرم الذى وقع بعد الهجرة، ويلغون الأشهر التى قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى
يعقوب بن سفيان فى تاريخه، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت فى السنة الأولى، وأن غزوة أحد
كانت فى السنة الثانية، وأن الخندق كانت فى الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناء
واه مخالف لما عليه الجمهور، من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر فى
التانية، وأحد فى الثالثة، والخندق فى الخامسة، وهو المعتمد.
سبب الغزوة ووقائعها: ذكر موسى بن عقبة فى المغازى قال: خرج حيى بن أخطب بعد قتل بنى
النضير إلى مكة، يحرض قريشا على حرب رسول اللّه *، وخرج كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق
يسعى فى بنى غطفان، ويحضهم على قتال رسول اللّه ، على أن لهم نصف تمر خيبر، فأجابه عيينة
ابن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم بنى أسد، فأقبل إليهم طلحة بن
٢٩١

خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش، فأنزلوا بمر الظهران، فجاءهم من أجابهم
من بنى سليم مددا لهم، فصاروا فى جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب.
وذكر ابن إسحق أن عدتهم كانت عشرة آلاف، وكان المسلمون ثلاثة آلاف.
واستشار الرسول و8 أصحابه، هل يخرج إليهم فى العراء، وسيأىون من الشرق والغرب؟ أو يبقى
هو والمسلمون بالمدينة؟ فإذا دخلوا عليهم حاربوهم فى الدروب؟ قال سلمان الفارسى لرسول اللّه
38: كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا. فأمر النبى { بحفر الخندق حول المدينة وعمل فيه
بنفسه ترغيبا للمسلمين فى العمل فيه، وخط صلى الله عليه وسلم لكل عشرة أناس عشرة أذرع،
وتسابق المسلمون فى الحفر، مستعجلين، يبادرون قدوم العدو، فأقاموا فى عمله قريبا من عشرين
ليلة، وقيل: أربعا وعشرين ليلة، وقيل: نحو شهر.
وجاء الكفار، نزلت قريش بمجتمع السيول - يقول ابن إسحق: فى عشرة آلاف من
أحابيشهم ومن تبعهم من بنى كنانة وتهامة، ونزل عيينة بن حصن فى غطفان ومن معهم
من أهل نجد إلى جانب أحد، بباب نعمان، وخرج رسول الله ٤/* والمسلمون، حتى جعلوا
ظهورهم إلى سلع فى ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبين القوم، وتوجه حيى بن أخطب إلى
بنى قريظة، فلم يزل بهم حتى غدروا، وبلغ المسلمين غدرهم، فاشتد بهم البلاء، فأراد النبى
* أن يعطى عيينة ابن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، فمنعه من ذلك
سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وقالا: كنا نحن وهم على الشرك، لا يطمعون منا فى شيء
من ذلك، فكيف نفعله بعد أن أكرمنا الله عزوجل بالإسلام، وأعزنا بك؟ نعطيهم أموالنا؟ ما
لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف، فاشتد بالمسلمين الحصار، حتى حاول
المنافقون التهرب من الميدان، وفيهم يقول اللَّه تعالى ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ
يَثْرَبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَّرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْدَةٍ
إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَ فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] وفى هذا الموقف الصعب يقول جل شأنه ﴿إِذْ جََاءُ وكُمْ
مِن فَوْقِكُمَّ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَّاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللَّهِ
الظُّنُونَ﴿ هُنَّالِكَ ابْتُلِيَّ الْمُؤْمِنُوَنَ وَرُلْزُلُوا زِلْزَا لا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١،١٠] وكان الَّذِين
جاءوهم من فوقهم بنى قريظة، ومن أسفل منّهم قريشا وغطفان.
يقول ابن إسحق: إن نعيم بن مسعود الأشجعى أتى النبى ®®، ولم يعلم به قومه، فقال له النبى
*- خذل عنا الكفار، فمضى إلى بنى قريظة - وكان ندیما لهم - فقال: عرفتم محبتى لكم؟ قالوا: نعم.
فقال: إن قريشا وغطفان ليست هذه بلادهم، وإنهم إن رأوا فرصة انتهزوها، وإلا رجعوا إلى بلادهم،
وتركوكم فى البلاء مع محمد، ولا طاقة لكم به. قالوا: فما ترى؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا رهنا
منهم. فقبلوا رأيه، فتوجه إلى قريش، فقال لهم: إن اليهود ندموا على الغدر بمحمد، فراسلوه فى
الرجوع إليه، فراسلهم بأنا لا نرضى حتى تبعثوا إلى قريش، فتأخذوا منهم رهنا فتقتلوهم، ثم جاء
٢٩٢

غطفان بنحو ذلك. فلما أصبح أبو سفيان بعث عكرمة بن أبي جهل إلى بنى قريظة، بأنا قد ضاق بنا
المنزل، ولم نجد مرعى، فأخرجوا بنا حتى نناجز محمدا، فأجابوهم: إن اليوم يوم السبت، ولا نعمل
فيه شيئا، ولا بد لنا من الرهن منكم، لئلا تغدروا بنا، فقالت قريش لبعضها: هذا ما حذركم نعيم،
فراسلوهم ثانيا أن لا نعطيكم رهنا، فإن شئتم أن تخرجوا فافعلوا. فقالت قريظة: هذا ما أخبرنا
نعيم. فكان ذلك من أسباب خذلانهم ورحيلهم.
وأخرج الإمام أحمد من حديث أبى سعيد قال: ((قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء
نقوله؟ قد بلغت القلوب الحناجر. قال: نعم. اللَّهم استر عوراننا، وآمن روعاتنا، قال: فضرب اللَّه وجوه
أعدائنا بالريح، فهزمهم اللَّه عزوجل بالريح)) قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] قال
مجاهد: سلط الله عليهم الريح، فكفأت قدورهم، ونزعت خيامهم حتى أظعنتهم، وعند البيهقى فى
الدلائل ((بعث اللَّه عليهم الريح، فما تركت لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفأته، وحملت قريش
أمتعتها، وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم.
وكانت مدة الحصار عشرين يوما، ولم يكن بينهم قتال، إلا مراماة بالنبال والحجارة، وأصيب منها
سعد بن معاذ بسهم، فكان سبب موته، وقال ابن إسحق فى رواية ((لم يكن بينهم حرب، إلا مراماة
بالنبل، لكن كان عمرو بن عبد ود العامرى قد اقتحم الخندق هو ونفر معه بخيولهم من ناحية ضيقة،
حتى صاروا بالسبخة، فبارزه على فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومى، فبارزه الزبير
فقتله، ويقال قتله على، ورجعت بقية الخيول منهزمة.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- منقبة لحذيفة، وفضيلة له، وتكريم النبى 8# له، حيث غطاه بطرف عباءته حتى دفئ هذا. وقد روى
البخارى عن جابر ه قال: قال رسول اللَّه * يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير:
أنا، ثم قال: من يأتينا بخبرالقوم؟ فقال الزبير أنا، ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير:
أنا. ثم قال: إن لكل نبى حواريا، وإن حواریی الزبير».
قال الحافظ ابن حجر: إن القصة التى ذهب الزبير لكشفها غير القصة التى ذهب حذيفة
لكشفها، فقصة الزبير كانت لكشف خبر بنى قريظة، هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين؟
ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين؟ وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين
بالخندق، ووقع الاختلاف بين الأحزاب، وأرسل اللَّه تعالى عليهم الريح، واشتد البرد تلك الليلة،
فانتدب النبى 8# من يأتيه بخبر قريش فانتدب له حذيفة، بعد تكراره طلب ذلك.
٢- وفيه أنه ينبغى للإمام وأمير الجيش بعث الجواسيس والطلائع لكشف خبر العدو.
٣- قال النووى: وفيه جواز الصلاة فى الصوف، وهو جائز بإجماع من يعتد به، وسواء الصلاة عليه
وفيه، ولاكراهة فى ذلك، قال العبدرى من أصحابنا: وقالت الشيعة: لا تجوز الصلاة على الصوف
٢٩٣

ونجوز فيه، وقال مالك: يكره كراهة ننزيه. اهـ وفى استدلال النووى على هذا الحكم بهذا الحديث
نظر، فإن قوله ((من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها)» ليس فيه أن العباءة كانت من صوف.
٤- أخذ من دعاء النبي 8# لحذيفة، وعدم شعوره بالبرد فى ذهابه وإيابه للمهمة معجزة لرسول الله
حُ ل. قاله النووى.
٥- تضحيات الصحابة وجهادهم فى سبيل الله.
٦- جواز ذكر المرء لبطولاته أمام من يدعى البطولة، ما لم يكن عن عجب وفخر.
٧- ومن قوله صلى الله عليه وسلم ((جعله الله معى يوم القيامة)) قرن الطلب بالترغيب الذى يشجع
عليه، وبخاصة إذا كان مهما وخطيرا.
والله أعلم
٢٩٤

(٤٩٥) باب غزوة أحد
٤٠٧٩ - ١١٠ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ظُ(١٠٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ أَفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ
الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنٍ مِن قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي
الْجَنّةِ» فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ. ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنّا وَلَهُ
الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِقِي فِي الْجَنَّةِ،» فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَلَمْ يَزَّلْ كَذَلِكَ حَتَّى
قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ْ لِصَاحِبَيْهِ «مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنًا».
٤٠٨٠- لْ عَن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ(١٠١) عَن أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَسْأَلُ عَن
جُرْحٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ وَهُشِمَتٍ
الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ. فَكَانَتْ فَاطِمَةٌ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ّتَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لا يَزِيدُ الدَّمَ إِلا كَفْرَةٌ، أَخَذَتْ قِطْعَةً حَصِيرٍ
فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ.
٤٠٨١ - لَمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ(١٠٢) أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَهُوَ يَسْأَلُ عَن جُرْحٍ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ فَقَالَ: أَمَ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ِ، وَمَنْ كَان يَسْكُبُ
الْمَاءَ، وَبِمَاذَا دُووِيّ جُرْحُه. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ. وَجُرِحٌ وَجْهُهُ
وَقَالَ مَكَانَ هُثِمَتْ كُسِرَتْ.
٤٠٨٢- ٣ْ! وفي رواية عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (١٠٣) بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﴿ٌ فِي حَدِيثِ ابْنٍ
أَبِي هِلالٍ أُصِيبَ وَجْهُهُ وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ مُطَرِّفٍ جُرِحَ وَجْهُهُ.
٤٠٨٣ - ٤َلْ عَنْ أَنْسِ رَّ(١٠٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كُسِرَتْ رَبَاعِيْتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ،
وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِّهُمْ
(١٠٠) وحَدََّا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ حَدًََّّا حَمَّادُ بْنُ سَلْمَةَ عَنِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَثَابِتٍ الْبُّانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
(١٠١) حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا عَيْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ
(١٠٢) حَدَّثَنَا فَتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَهُوَ يَسْأَلُ
(١٠٣) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنَّ أَبِي غَمُّرَ جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ عُيَيْنَةً ح وحَدَّقْنَا عَمْرُو
ابْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِيَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَن سَعِيدٍ بْنِ أَّبِي هِلالَ حَ وَحَدَّثَنِي مُحْمَّدُ بْنُ سَهْلٍ
التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنِيَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ مُطَرِّفٍ كُلَّهُمْ غَنِ أَبِي حَازِمٍ عَنَ سَّهْلٍ بْنِ سَعْدٍ
(١٠٤) حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ فَعْنَبٍ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ غَنْ أَنَسٍ
٢٩٥

وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟» فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ
شَيْءٌ﴾ [آل عمران/١٢٨].
٤٠٨٤- ٥ ١٥ عَن عَبْدِ اللَّهِ بِ﴾(١٠٥) قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ
الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنِ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ».
٤٠٨٥ - - وفي رواية عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فَهُوَ يَنْضِحُ الدَّمَ عَنْ جَبِيِنِهِ.
٤٠٨٦ - لَهْد عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ(١٠٦) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَذَكَّرَ
أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِرَسُولِ اللَّهِع ◌ِ﴿)»
وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبّاعِيَتِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ ﴿ِ«اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ
رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
المعنى العام
إن الهزيمة التى تعقب النصر، وتكون نهاية المعركة أشد على النفس من هزيمة يعقبها انتصار،
وتنتهى معركتها بالانتصار، من هنا كانت هزيمة أحد أصعب على المسلمين من هزيمة حنين، وإن
المعركة التى يتعالى فيها العدو ويزهو، ويحرض فيها على التشفى، وينال ما كان يتمنى، ويبالغ فى
النكاية والإيلام أشد على الأعزة الأحرار من هزيمة لا تنضوى ملابساتها على ذلك. وإن هزيمة ينال
فيها العدو من الرءوس والمثل والقيم والهامات أصعب من هزيمة لا ينال فيها العدو ذلك.
من هنا كانت هزيمة المسلمين فى أحد أقسى هزيمة فى تاريخ الغزوات النبوية، ومن هنا احتلت
أحداثها قدرا كبيرا من آيات القرآن الكريم، نقتطف منها قوله تعالى فى سورة آل عمران ﴿إِنْ
يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ
مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَّنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْل
أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَذَ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنِ مَاتَ أَوْ قُتِلَّ
انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَائِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّاللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ وَمَا كَانَ
لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤْجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَّابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ
(١٠٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرِ حَدْئًا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عِنْ شَقِيقٍ عَنِ عَبْدِ اللهِ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدْثَاً وَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ عَنِ الأَعْمَشِ
(١٠٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ وَافَعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرَ عَنَّ هَمَّامٍ بْنٍ مُبَّةٍ
٢٩٦

مِنْهَا وَسَنَّجْزِي الشَّاكِرِينَ﴿ وَكَأَيِّنْ مِن نَبِيِّ قَاتَلَ مَعَهُ رِيِّبُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَّانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الَصَّابِرِينَ ﴾ وَمَّا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْلَنّاَ ذُنُوبَنَا
وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَّبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَّىَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠-١٤٧] ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ
وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَتَّابَكُمْ غَمَّا بِغَمٌ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَّاتَكُمْ وَلا مَا
أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَّنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ
قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِن الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ
كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمَّ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْكَانَ لَنَا مِن الأَمْرِ شَيْءَ مَا قُتِلْنَاَ هَاهُنَّا قُلْ لَوْ
كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَرْ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِم الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا
فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِهَ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ
بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٣ -١٥٥].
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِن عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌهُ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِيَنَ نَافَقُوا وَقِيلَ
لَهُمْ تَّعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادفَعُوا قَالُوا لَوْنَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ
لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمَّ مَاَ لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُواَ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ
أَطَّاعُونَا مَا قُتِلُواَ قُلْ فَاذَرَءُوا عَن أَنْفُسِكُمْ اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمَّ صَادِقِينَ ﴾ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِيَنَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْرَقُونَ ﴾ فَرِحِينَ بَمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواَ
بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيَّهِمْ وَلا هُمْ يَحَّْنُونَ ◌َ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِن اللَّهِ وَفَضْلِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٥- ١٧١].
لقد أرادت قريش أن تثأر لهزيمتها فى بدر، فجهزت جيوشها فى عام، وجمعت معها ما أمكنها
جمعه من قبائل العرب، وساربهم أبو سفيان إلى المدينة يغزوها، وعلم الرسول # بجموعهم،
فاستشار أصحابه، وعرض عليهم التحصن فى المدينة، فإذا دخل المشركون قاتلوهم فى أزقتها، ومن
فوق بيوتها، لكن بعض من فاتهم شرف بدر تحمسوا للقتال، فتمسكوا بالخروج، ونزل الرسول و / على
رغبتهم، رغم الرؤيا التى رآها فى منامه، وذكرها وأولها لهم بما يفيد التضحية الكبيرة للمسلمين
ليقضى اللَّه أمرا كان مفعولا.
نزل الجيشان عند أحد على بعد أربعة أميال من المدينة، وكان المسلمون ألفا، وكان المشركون
أربعة آلاف، ورجع من جيش المسلمين عبد الله بن أبى فى ثلاثمائة، فبقى المسلمون سبعمائة فى
مقابل أربعة آلاف. شكل رسول الله:﴿* فريق الرماة من خمسين راميا، وأمرهم أن لا يتركوا مكانهم،
هزم المسلمون أم انتصروا، وبدأ القتال، وحمل المسلمون على المشركين، فغلبوهم، وأجلوهم عن
مضاربهم وأثقالهم، ودخل المسلمون عسكرهم يجمعون الغنائم، وظن الرماة أن المعركة قد انتهت،
فنزلوا إلى معسكر المشركين يشاركون فى جمع الغنيمة، ورأى خالد بن الوليد قائد مائة فارس مشرك
انكشاف المسلمين بترك الرماة مواقعهم، فاستغل هذه الثغرة، وصعد بفرسانه وحملوا على المسلمين،
٢٩٧

فمزقوهم، وأصابوهم بالذعر والارتباك، حتى قتل بعضهم بعضا لا يدرى، وفر كثير منهم نحو المدينة،
ودخل الكثيرون الشعاب مولين الأدبار، ولم يبق مع النبى 8 إلا عدد قليل، ما بين تسعة وبين ثلاثين،
وحاول بعض الكافرين الوصول إلى النبى {₪، فدافع عنه من معه، واستشهد بين يديه سبعة من تسعة
على أصح الروايات، وجرح وجه رسول اللّه﴿ وشفته السفلى، وكسرت سن من أسنانه صلى اللّه
عليه وسلم، وجرحت رأسه بعد أن كسرت الخودة الحديدية التى كان يلبسها، وسال الدم على وجهه،
وانشغل المشركون بقتلاهم، وانشلغوا أكثر ىقتلى المسلمين، ينفثون فيهم حقدهم وغلهم، فيقطعون
الأنوف والآذان، ويبقرون البطون ويمثلون وأخذوا يجمعون أمتعتهم للرحيل، ونادى زعيمهم أبو
سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، ولنا عودة إليكم، وعاد المسلمون يبحثون عن قتلاهم،
ويجمعونهم ويدفنونهم بثيابهم من غير غسل ولا صلاة، وخرج النساء المسلمات من المدينة تبكى
قتلاهن، وخرجت فاطمة بنت رسول اللّه * فيمن خرجن فرأت أباها والدم يسيل على وجهه
فاحتضنته، وأخذت تغسل الدم بالماء الذى يصبه عليها زوجها علىُّ ◌ُه، فلما رأت أن الماء يزيد الدم
سيلانا لجأت إلى قطعة من حصير قديم بجوارها، فأحرقتها، ثم أخذت رمادها، فكتمت به منفذ
الجروح، فانقطع الدم. وعز على الرسول 183# مافعله به قومه، فقال: إنهم لن يعلحوا، ثم أدركه العفو
والرفق، فقال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون.
المباحث العربية
(أفرد يوم أحد فى سبعة من الأنصار ورجلين من قريش) ((يوم أحد)) أى يوم غزوة أحد
ومعركتها، و((أحد)) بضم الهمزة والحاء، جبل معروف، بينه وبين المدينة أقل من فرسخ، وهو الذى قال
فيه صلى الله عليه وسلم ((جبل يحبنا ونحبه)) وكانت عنده الوقعة المشهورة.
و((أفرد)) بضم الهمزة، مبنى للمجهول، أى تركه أصحابه مفردا فى هذا العدد، أما الرجلان من
قريش من المهاجرين فهما طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبى وقاص، وعند محمد بن سعد أنه ثبت
معه صلى الله عليه وسلم سبعة من المهاجرين، منهم أبو بكر، فيحتمل أن الخمسة عادوا وثبتوا مع
الرجلين، فكل من الروايتين تتحدث عن لحظة.
وأما السبعة من الأنصار فقد ذكر الواقدى فى المغازى أنه ثبت يوم أحد من الأنصار: أبو دجانة
والحباب بن المنذر وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ وأسيد بن
حضير، وذكر فى رواية سعد بن عبادة بدل سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة بدل أسيد ابن حضير.
والنسائى والبيهقى فى الدلائل عن جابر قال: ((تفرق الناس عن النبى * يوم أحد، وبقى معه أحد
عشر رجلا من الأنصار وطلحة)» قال الحافظ: وإسناده جيد. قال: وهو كحديث أنس - روايتنا الأولى -
إلا أن فيه زيادة أربعة، فلعلهم جاءوا بعد ذلك.
(فلما رهقوه) قال النووى بكسر الهاء، أى غشوه وقاربوه، يقال: رهقته وأرهقته أى أدركته، وكل
٢٩٨

شيء دنوت منه فقد رهقته. اهـ. وفى كتب اللغة: رهق فلان بكسر الهاء، يرهق، بفتحها ركب الشر
والظلم وغشى المآثم، وفى القرآن الكريم ﴿فَرَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. والمعنى: فلما دنا الكفار منه
صلى الله عليه وسلم، ورغب فى أن يدافع عنه من معه خرج إليهم واحد، فلما استشهد دنوا من رسول
اللَّهِ .
(فقال رسول اللَّه﴿ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا) المراد من ((صاحبيه)) القرشيان.
قال النووى: الرواية المشهورة فيه ((ما أنصفنا)) بإسكان الفاء، و((أصحابنا)) منصوب، مفعول به،
هكذا ضبطه جماهير العلماء، من المتقدمين والمتأخرين، والمراد من ((نحن)) - الرسول ◌ُ 9 وطلحة
وسعد - أى لم ننصف الأنصار السبعة، الذين ضحوا بأنفسهم واحدا بعد واحد، حيث لم يخرج طلحة
وسعد المهاجران، ولم يبرزا للقتال، وذكر القاضى وغبره: أن بعضهم رواه بفتح الفاء ((أصحابنا))
مرفوع فاعل، والمراد على هذا أن أصحابنا الذين فروا لم ينصفونا، لفرارهم وتركنا.
(وكسرت رباعيته) بفتح الراء، وفتح الباء مخففة وكسر العين وفتح الياء مخففة، وهى السن
التى تلى الثنية، وللإنسان أربع ثنايا، ثنتان من فوق، وثنتان من نحت، فى وسط الفك من الأمام، وله
أربع رباعيات، ثنتان من فوق، يمين النبتين، وشمالها، وثنتان من تحت، كذلك، فالرباعية هى التى
بين الناب والثنية، ومعنى كسر الرباعية كسر جزء منها وسقوطه، ولم تخلع كلها.
(وهشمت البيضة على رأسه) ((هشمت)) بضم الهاء، مبنى للمجهول، والهشم كسر الشيء
اليابس والأجوف وبابه ضرب يضرب، و ((البيضة)) والخوذة بضم الخاء، عدة من عدد التسلح من
حديد، توضع على الرأس لحمايته، وتربط بأسفل الذقن، وهى تشبه نصف بيضة النعام.
قال الحافظ ابن حجر: ومجموع ما ذكر فى الأخبار مما أصاب النبى و من الجراح يوم أحد أنه
شج وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها، ووهى منكبه من ضربة ابن
قمئة، وجحشت ركبته، أى خدشت صلى الله عليه وسلم، وفى سيرة ابن هشام: أن عتبة ابن أبى
وقاص هو الذى كسر رباعية النبى # السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهرى
هو الذى شجه فى جبهته، وأن عبد الله بن قمئة جرحه فى وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر
فى وجنته صلى الله عليه وسلم.
(فكانت فاطمة بنت رسول اللّه # تغسل الدم) فى الرواية الثالثة ((واللَّه إنى
لأعرف من كان يغسل جرح رسول اللّه ◌َ﴾ ((وفى الرواية الرابعة ((كسرت رباعيته يوم أحد،
وشج فى رأسه فجعل يسلت الدم منه)) يقال: سلت الدم بفتح اللام يسلت بضمها وكسرها،
أى سله وسحبه ومسحه، أى فجعل رسول الله * يمسح الدم الذى يسبل من رأسه، وفى
الرواية الخامسة ((وهو يمسح الدم عن وجهه)) وفى ملحقها.))فهو ينضح الدم عن جبينه))
أى يدفع الدم عن جبينه، وعند الطبرانى: سبب مجىء فاطمة بنت رسول اللَّهِمَ ﴿، ولفظه
((لما كان يوم أحد، وانصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة، يعينونهم، فكانت
٢٩٩

فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبى ## اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد
الدم .. الحديث بمثل روايتنا.
(وكان على بن أبى طالب يسكب عليها بالمجن) أى يسكب عليها الماء من المجن، وهو
الترس، وهو لوح من الحديد مقوس، يتوقى به فى الحرب، أى كان يملؤه بالماء، ويصب عليها منه،
وهى تغسل الدم.
(فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة) لأنه يمنع التجلط، ويساعد الدم على
الخروج من المنفذ.
(أخذت قطعة حصير، فأحرقته) الضمير للحصير، وفى رواية ((قطعة حصير خلق))
(حتى صاررمادا، ثم ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم) عند الطبرانى ((فأحرقته بالنار،
وكمدته به، حتى لصق بالجرح، فاستمسك الدم)) وفى رواية له ((فأحرقت حصيرا، حتى صارت رمادا،
فأخذت من ذلك الرماد، فوضعته فيه، حتى رقأ الدم)) وعن هذه المداواة قالت الرواية الثالثة ((والله
إنى لأعرف ... بماذا دووى جرحه))
(أم والله إنى لأعرف) ((أم)) بفتح الهمزة، وفتح الميم مخففة، وأصلها ((أما)) بفتح الميم مع
التخفيف، حرف استفتاح بمنزلة ((ألا)» وتكثر قبل القسم، وتحذف ألفها تخفيفا، كما هنا.
(﴿لَيْسَ لَكَ مِن الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾) وقد ذكر فى
سبب نزول الآية سبب آخر، فقد روى البخارى عن سالم عن أبيه («أنه سمع رسول اللَّه ﴿ إذا رفع
رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللّهم العن فلانا وفلانا وفلانا، بعدما يقول: سمع
اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِن الأَمْرِ شَيْءٌ.﴾ إلى قوله ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
قال الحافظ ابن حجر: والثلاثة الذين دعا عليهم قد أسلموا يوم الفتح، ولعل هذا هو السر فى نزول
قوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِن الأَمْرِشَيْءٌ﴾ والمعنى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، فيسلموا ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ إن ماتوا
كفارا، ويحتمل أن الآية نزلت للسببين جميعا.
(يحكى نبيا من الأنبياء) أى يحكى عن نفسه، ويقول ((كيف يفلح قوم شجوا نبيهم .. إلخ))
ويقول النووى: هذا النبى # المشار إليه من المتقدمين، وقد جرى لنبينا 8# مثل هذا يوم أحد.
(ويقول: رب اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون) فى رواية ((ثم قال يومئذ - أى حين وضع رماد
الحصير على الجرح - ((اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله، ثم مكث ساعة، ثم قال: اللَّهم اغفر
لقومی، فإنهم لا يعلمون)».
(اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول اللَّه : ﴿ فى سبيل الله) زاد سعيد بن منصور
فى روايته ((يقتله رسول اللَّه بيده)) ولعل هذا كان المانع من أن يقتل رسول اللّهلم﴿ بيده.اهـ
٣٠٠