النص المفهرس
صفحات 221-240
البخارى ((فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات)» وزاد فى
رواية ((فلا أدرى ما قالوا)» والضمير فى ((فرغ)) يعود على هرقل باعتباره الآمر.
(وأمربنا فأخرجنا) ((أمر)) بفتح الهمزة والميم، وضمير الفاعل لهرقل، وفى رواية البخارى
((فأخرجنا)» بالبناء للمجهول فى الروايتين.
(فقلت لأصحابى حين خرجنا) فى رواية البخارى ((حين أخرجنا)) زاد فى رواية ((حين
خلوت بهم)».
(لقد أمر أمرابن أبى كبشة) ((أمر)) الأولى بفتح الهمزة وكسر الميم المخففة، فعل ماض
معناه عظم، يقال: أمر الشىء يأمر، من باب سمع يسمع، أمرا، وإمارة، كثر ونما، فهو أمر، بفتح الهمزة
وكسر الميم المخففة، فالمعنى لقد عظم أمرابن أبى كبشة يعنى محمداً ﴾، قال النووى وغيره: قيل
أبو كبشة أحد أجداد النبي ◌ُ﴾، وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض دون النسب
المشهور، إذا لم يمكنهم الطعن فى نسبه المعلوم، وقال أبو قتيبة وكثيرون: أبو كبشة جد النبى وُ ل﴿ من
قدل أمه، جد وهب، جد النبى - لأمه، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن وهباجد النبى 08* اسم
أمه عاتكة بنت الأوقص بن مرة ابن هلال، ولم يقل أحد من أهل النسب: إن الأوقص يكنى أبا كبشة.
وقيل: هو جد عبد المطلب لأمه، وفيه نظر أيضا، لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد
الخزرجى، ولم يقل أحد من أهل النسب: إن عمرو بن زيد يكنى أبا كبشة، لكن ذكر ابن حبيب فى
المجتبى جماعة من أجداد النبى 83 من قبل أبيه ومن قبل أمه، كان واحد منهم يكنى أبا كبشة،
وقيل: هو أبوه من الرضاعة، واسمه الحارث بن عبد العزى السعدى، قيل: إنه أسلم وكانت له بنت
تسمى كبشة، يكنى بها، وقيل: أبو كبشة عم والد حليمة مرضعته صلى الله عليه وسلم، وقيل أبو كبشة
رجل من خزاعة كان يعبد الشعرى، وهو كوكب فى السماء، ولم يوافقه أحد من العرب فى عبادتها،
فشبهوا النبى # به، لمخالفتهم إياه فى دينهم. قال بعضهم: ولم يريدوا انتقاصه بذلك، بل أرادوا
مجرد التشبيه.
(إنه ليخافه ملك بنى الأصفر) ((ملك)) بفتح الميم وكسر اللام، وبنو الأصفرهم الروم، وهم فى
الأصل ببض، لكن يقال: إن جدهم روم بن عيص تزوج بنت ملك الحبشة، فجاء لون ولده بين البياض
والسواد، فقيل له: الأصفر، وقيل: لقبوا بالأصفر لأن جيشا من الحبشة غلب على بلادهم فى وقت،
فوطئ نساءهم، فولدن أولادا صفرا من سواد الحبشة، وبياض الروم، والأول أشبه بالصواب.
والجملة مستأنفة استئنافا تعلبليا، كأنه قيل: لم عظم أمرابن أبى كبشة؟ فقيل: إنه ليخافه
والضمير فى ((إنه)) بكسر الهمزة لرسول اللّه ﴿، وجملة ((يخافه ملك بنى الأصفر)) خبر إن.
(فما زلت موقنا بأمر رسول اللَّه ﴿ أنه سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام) أى
فمنذ ذلك الحين وأنا موقن بأن محمدا نبى، وبأنه سيظهر دينه وينتشر، حتى أدخل اللَّه على طاعته
٢٢١
وإعلان ما فى قلبى وأسلمت، وليس معنى ذلك أنه كان مؤمنا إيمانا شرعياً باطنا وانقيادا باطنا، بل
كان هذا اليقين مع الرفض والعناد، كشأن اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لكنهم
كفروا وجحدوا وعادوه.
وقيل: المراد اليقين بظهوره وغلبته على من حوله، وليس اليقين بالنبوة، وفى رواية الطبرانى ((فما
زلت مرعوبا من محمد حتى أسلمت)» والغاية داخلة، فهدا اليقين قد استمر، ولم يرتفع.
(وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء، شكرا لما
أبلاه اللَّه) ((قيصر)) لقب هرقل، كما سبق. وإيلياء هو بيت المقدس، بهمزة مكسورة بعدها ياء، ثم لام
مكسورة، بعدها ياء مفتوحة، ثم ألف، ثم همزة، وحكى فيها القصر، ويقال لها: إلياء بدون الياء الأولى
وسكون اللام، وبالمد والهمزة. قيل معناه بيت الله. و((حمص)) مدينة معروفة كانت عاصمة ملك
هرقل، ومعنى ((شكرا لما أبلاه اللَّه)) أى شكرا لما أنعم الله به علبه من هزيمة الفرس، وعودة الأمن إلى
بلاده، والنعمة ابتلاء، والنقمة ابتلاء، وكان كسرى قد غزا جيشه بلاد هرقل، فخربوا كثيرا من بلاده، ثم
أراد كسرى أن يغير قائد الحملة، وعزم على قتله، فعلم القائد، فتآمر القائد مع هرقل على كسرى،
وانهزم بجيشه أمام جنود هرقل، فمشى هرقل على قدميه من حمص إلى بيت المقدس، زاد ابن
إسحق أنه كان يبسط له البسط، ونوضع عليها الرياحين فيمشى عليها.
(أن النبى # كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشى وإلى كل جبار) قال
النووى: ((كسرى)) بفتح الكاف وكسرها، وهو لقب لكل ملك من ملوك الفرس، و ((قيصر)» لقب لكل من
ملك الروم، و((النجاشى)) لكل من ملك الحبشة، و(خاقان)) لكل من ملك الترك، و((فرعون)) لكل من
ملك القبط، و((العزيز)) لكل من ملك مصر، ((وتبع)) لكل من ملك حميراهـ.
وأهل السير يختلفون فى تاريخ هذه الكتب، فقيل: سنة سبع فى زمن الهدنة، منصرفه من
الحديبية، وقيل: سنة تسع، لما رجع من تبوك، وقيل: إن الكتب تكررت.
والمراد بكل جبار بعض الحكام، ذكر منهم الطبرانى أنه صلى الله عليه وسلم بعث بكتبه سليط
ابن عمرو إلى هوذة بن على باليمامة، والعلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى بهجر، وعمرو بن
العاص إلى جيفر وعباد بن الجلندى بعمان، وشجاع بن وهب إلى ابن أبى شمر الغسانى، فرجعوا
جميعا قبل وفاة النبى # غير عمرو بن العاص، وزاد أصحاب السير أنه بعث المهاجر بن أبى أمية
وجريرا إلى دى الكلاع والسائب إلى مسيلمة، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس.
(وليس بالنجاشى الذى صلى عليه النبى
٤) النجاشى الذى صلى عليه النبى و # كان قد
أسلم، وهو الذى آوى المهاجرين إلى الحبشة، ورد وفد كفار قريش خائبين، وهو الذى زوج رسول الله
أم حبيبة، وقد كاتبه رسول الله: ﴿، لكن المقصود هنا النجاشى الذى ولى بعده، وكان كافرا.
وكاتبه صلى الله عليه وسلم سنة تسع، وقيل: قبيل مرضه ووفاته صلى الله عليه وسلم.
٢٢٢
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- جواز نحمل الكافر للحديث على أن يكون مسلما حين الأداء.
٢- من قوله ((من فيه إلى فيه)) دقة الصحابة فى الرواية، والتصريح بما يؤكد التوثيق والاتصال.
٣- جواز مكاتبة الكفار، ودعاؤهم إلى الإسلام.
٤- دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، قال النووى: وهذا الدعاء واجب، والقتال قبله حرام إن لم تكن
بلغتهم دعوة الإسلام، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب. هذا مذهبنا، وفيه خلاف للسلف حكاه
المازري والقاضى على ثلاثة مذاهب:
أحدها: يجب الإنذار مطلقا، قاله مالك وغيره وهو ضعيف.
والثانى: لا يجب مطلقا، وهذا أضعف منه، أو باطل.
والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحب. وهذا هو الصحيح.
قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه.
٥- من أسئلة هرقل يتبين ذكاؤه وحكمته ودقته وسعة علمه.
٦- من قول أبى سفيان: لولا مخافة أن يؤثر على الكذب لكذبت قبح الكذب فى الجاهلية، كما هو
قبيح فى الإسلام.
٧- من كتاب رسول اللَّه ◌َ إلى هرقل استحباب تصدير الكتاب بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) وإن
كان المبعوث إليه كافرا. قال النووى: ((كل أمرذى بال لا يبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أجذم)) فالمراد
بحمد الله فيه ذكر الله تعالى، وقد جاء فى رواية له ((بذكر الله تعالى)) وقد بدأ ◌َ ◌ّ هذا الكتاب
ببسم اللَّه، دون الحمد للَّه، وهذا الكتاب كان ذا بال، بل من المهمات العظام.
٨- وأنه يجوز للمسافر إلى أرض العدو أن يصحب معه الآية والآيتبن ونحوهما، وأن يبعث بذلك إلى
الكفار، وإنما نهى عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو أى بكماله، أو بجملة من سوره وذلك
أيضا محمول على ما إذا خيف وقوعه فى أيدى الكفار، وأغرب ابن بطال، فادعى أن ذلك نسخ
بالنهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، ويحتاج هذا القول إلى إثبات التاريخ.
٩- وأنه يجوز للمُحْدِث والكافر مس آية أو آيات يسيرة منفصلة عن القرآن، وقيل: فى هذا دليل على
جواز قراءة الجنب للآية أو الآيتين، وفى الاستدلال بذلك من هذه القصة نظر، فإنها واقعة عين لا
عموم فيها، فيفيد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك، كالإبلاغ والإنذار، كما فى هذه القصة،
وأما الجواز مطلقا حيث لا ضرورة فلا يتجه.
٢٢٣
١٠ - وأن السنة فى المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكتاب بنفسه، فيقول: من فلان بن فلان
إلى فلان. وهذه مسألة مختلف فيها، قال الإمام أبو جعفر فى كتابه (صناعة الكتاب) قال: أكثر
العلماء يستحب أن يبدأ بنفسه، ثم روى فيه أحاديث كثيرة وآثارا، قال: وهذا هو الصحيح عند
أكثر العلماء، لأنه إجماع الصحابة، قال: وسواء فى هدا تصدير الكتاب والعنوان، قال: ورخص
جماعة فى أن يبدأ بالمكتوب إليه، فيقول فى التصدير والعنوان: إلى فلان من فلان، ثم روى
بإسناده أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية وعن محمد ابن الحنفية أنه لا بأس
بذلك، قال: وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه: إلى فلان، ولايكتب لفلان، لأنه إليه، لا له، إلا
على سبيل المجاز. قال: هذا هو الصواب الذى علبه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين.
١١- والتوقى فى المكاتبة واستعمال الورع فيها، فلا يُفْرط، ولا يُفَرّط، ولهذا قال النبىِّنْ
إلى هرقل عظيم الروم. فلم يقل: ملك الروم، لأنه لا ملك له، ولا غيره إلا بحكم دين
الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه رسول اللّه ، أو ولاه من أذن له رسول اللّه { #
بشرط، وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما تنفذه الضرورة، ولم يقل: إلى هرقل فقط، بل
أتى بنوع من الملاطفة، فقال: عظيم الروم. أى الذى يعظمونه ويقدمونه، وقد أمر اللّه
تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام، فقال تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقال تعالى ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنَّا﴾ [طه: ٤٤].
١٢- واستحباب البلاغة والإيجاز، وتحرى الألفاظ الجزلة فى المكانبة، فإن قوله صلى الله عليه وسلم
((أسلم تسلم)) فى نهاية من الاختصار، وغاية من الإيجاز والبلاغة وجمع المعانى، مع ما فيه من
بديع التجنيس، وشموله لسلامته من خزى الدنيا بالحرب والسبى والقتل وأخذ الديار والأموال،
ومن عذاب الآخرة.
١٣- ومن قوله ((يؤنك الله أجرك مرتين)» أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا®، فآمن به، فله
أجران، وفى الحديث ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين. رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، ثم أدرك
النبى * فآمن به واتبعه، وعبد مملوك أدى حق الله وحق موالبه، فله أجران، ورجل كانت له
أمة، فغذاها فأحسن غذاءها، وأدبها فأحسن أدبها، فأعتقها، وتزوجها، فله أجران)).
١٤ - البيان الواضح أن من كان سببا لضلالة، أو سبب منع من هداية كان آثما، لقوله { ﴾ («وإن
توليت فإن عليك إثم الأريسيين)) ومن هذا المعنى قوله تعالى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ
أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] ولا يعارض بقوله تعالى ﴿وَلا تَزرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] لأن وزر
الآثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبب، والمتلبس بالسبئات يتحمل من جهتين، جهة فعله،
وجهة تسببه.
١٥ - واستحباب ((أما بعد)) فى الخطب والمكاتبات.
١٦- ومن قوله ((سلام على من اتبع الهدى)) جواز مثله مع الكفار، ولا يقال: إن الكافر لايبدأ بالسلام،
٢٢٤
فإنه ليس المراد هنا التحية، وإنما المعنى سلم من عذاب الله من أسلم، ولهذا جاء بعده ﴿أَنَّ
الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨] حين قال موسى عليه السلام ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ
الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] وكذلك جاء فى هذا الكتاب ((فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)) فمحصل
المقام أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قصدا، لأنه ليس ممن اتبع الهدى، فلم يسلم عليه.
مع أن المسألة خلافية، فمذهب الشافعى وجمهور أصحابه وأكثر العلماء أنه لا يجوز للمسلم أن
يبتدئ كافرا بالسلام، وأجازه كثيرون من السلف. قال النووي: وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة
فى النهى عن ذلك، وجوزه آخرون لاستئلاف أولحاجة إليه أو نحو ذلك.
١٧ - وفى الحديث العمل بالكتاب.
١٨ - وفيه العمل بخبر الواحد.
١٩ - أخذ بعضهم من قول هرقل ((ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه)) وقوله فى رواية البخارى ((فلو أنى
أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه)) وقوله فى رواية الطبرانى
((أعرف أنه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم)) أن هرقل أقر
بنبوة محمد وآمن، وأنه لم يصرح بالإيمان خوفا على نفسه من القتل، وهكذا أطلق صاحب
الاستيعاب، فقال: إن هرقل آمن. قال الحافظ ابن حجر: أمرهرقل فى الإيمان عند كثير من
الناس مشتبه، لأنه يحتمل أن يكون عدم تصريحه بالإيمان للخوف على نفسه من القتل، ويحتمل
أن يكون استمر على الشك حتى مات كافرا.
والجمهور على أن هرقل آثر ملكه على الإيمان، واستمر على الضلال، فقد حارب المسلمين فى
غزوة مؤتة سنة ثمان بعد هذه القصة بنحو السنتين، وفى السير أن رسول الله {* كتب إليه من
تبوك يدعوه إلى الإسلام، وأنه قارب الإجابة ولم يجب، مما يدل على أنه استمر على الكفر، أما
قول بعضهم: يحتمل أنه كان يضمر الإيمان، ويفعل هذه المعاصى، مراعاة لملكه، وخوفا من أن
يقتله قومه، فهذا القول مستبعد.
ففى مسند أحمد أنه كتب إلى النبى من تبوك: إنى مسلم. فقال النبى ◌ُ ®: «كذب، بل هو على
نصرانيته)) وفى رواية أبى عبيد فى كتاب الأموال ((كذب عدو اللَّه، ليس بمسلم)).
فالتحقيق: أنه أظهر بهذه القرائن التصديق، لكنه لم يستمر عليه، ولم يعمل بمقتضاه، بل شح
بملكه، وآثر الفانية على الباقبة، وقد سبق فى المعنى العام نبذة عن آخر شأن هرقل، تؤكد ما
ذهبنا إليه، وهى مستقاة من الروايات.
ثم قال الحافظ ابن حجر: واختلف الإخباريون. هل هرقل هذا هو الذى حاربه المسلمون فى زمن
أبى بكر وعمر؟ أو ابنه؟ والأظهر أنه هو.اهـ
والله أعلم
٢٢٥
(٤٨٨) باب غزوة حنين
٤٠٥٣ - ٦ْرِ عَنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَظُ(٧٦) قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ يَوْمَ حُنَيْنٍ
فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَادَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ فَلَمْ تُفَارِقْهُ. وَرَسُولُ اللَّهِ
﴿ٌ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ، أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ. فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ،
وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُذْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ يَوْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ. قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَّا
آخِذٌ بِلِجَامِ بَعْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَكُفَّهَا إِرَادَةَ أَنْ لا تُسْرِعَ. وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولٍ
اللَّهِ ﴿ِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ«أَيْ عَبَّاسُ نَادٍ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ» فَقَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ رَجُلا
صَّيِّتًا- فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا
صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا. فَقَالُوا: يَا لَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ. قَالَ: فَاقْتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي
الأَنْصَارِ يَقُولُونْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ. قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى يَنِي
الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا يَا بَّنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فَنَظَرَ
رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ وَهُوَ عَلَى بَعْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلٍ عَلَيْهَا إِلَى فِتَالِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَِّ «هَذَا حِينَ
حَمِيَّ الْوَطِيسُ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِلَّ حَصَّاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ
«انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ» قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا
هُوَ إِلا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا.
٤٠٥٤- ٧وفي رواية عَنِ الزُّهْرِيّ(٢٧) بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنْهُ قَالَ فَرْوَةُ بْنُ نُعَامَةً
الْجُذَامِيُّ وَقَالَ «انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ «حَتَّى هَزَمَهُمُ
اللّهُ» قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النْبِيِّ ◌َّ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ.
٤٠٥٥ - ٨ ٧ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ(٧٨) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ يَا أَبَّا عُمَارَةَ، أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ:
لا، وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ّ، وَلَكِنْهُ خَرَجَ شُبَّكُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا، لَيْسَ عَلَيْهِمْ
سِلاحٌ أَوْ كَثِيرُ سِلاحٍ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةٌ لا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنٌ وَيْنِي نَصْرٍ
(٧٦) وحَدَِّي أَبُوِ الطَّاهِرِ أَخْمّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْيُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّتِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ
ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ
(٧٧) وحَدَّثَنَاهِ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ جَمِيعًا عَن عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيّ
- وحَدْفَتَ ابْنُ أَبِي ◌َغُمَّرَ حَدََّا سُفْيَاهُ ابْنُ غُنْتَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ الْبِيِّ ◌ِ :
يَوْمَ حُنَيْنِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ يُونُسَ وَحَدِيثَ مَعْمَرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَتَمُّ.
(٧٨) حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ
٢٢٦
فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَّاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ:﴿ وَرَسُولُ اللَّهِ:﴿ْ عَلَى
بَغْلَتِهِ الْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ:
«أَنَا النّبِيُّ لا كَذِبْ .. أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»
ثُمَّ صَفُِّمْ.
٤٠٥٦ - ٩َّ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ(٧٩) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ، فَقَالَ: أَكُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا
أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ﴿ مَا وَلَّى، وَلَكِنْهُ انْطَلَقَ أَخِفَاءُ مِنَ النَّاسِ وَحُسَّرٌ إِلَى
هَذَا الْحَيِّ مِن هَوَازِنٌ، وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِن نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِن جَرَادٍ،
فَانْكَشَفُوا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ّ وَأَبُو سُفْيَاتَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ، فَنَزَلَ وَدَعَا
وَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُولُ:
«أَا النَّبِيُّ لا حَذِبْ .. أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ» قَالَ الْبَرَاءُ كُنّا وَاللَّهِ إِذَا اِحْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ. وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي
يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ◌ِ لِ.
٤٠٥٧ - ١٠ُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ(٨٠) قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِن قَيْسٍ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولٍ
اللَّهِفَ﴿ يَوْمَ خُنَيْنِ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَمْ يَفِرَّ. وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً.
وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ الْكَشَفُوا، فَأَكْبَيْنَا عَلَى الْغَائِمِ فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ
اللّهِ وَّ عَلَى بَعْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانُ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَهُوَ يَقُولُ:
«أَنَا النَِّيُّ لا كَذِبْ . . أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ».
٤٠٥٨ - 41ُ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ (٨١) حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ﴿ّ حُنَيْنًا، فَلَمَّا
وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ تَقَدَّمْتُ فَأَعْلُوْ تَّةٌ، فَاسْتَقْبَنِي رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَأَرْمِيهِ بِسَهْمٍ، فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَّا
دَرَيْتُ مَا صَنَعَ. وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلّعُوا مِن ثَّةٍ أُخْرَى، فَالْنَقَوْاْ هُمْ وَصَحَابَةٌ
النّبِيِّلَّهِ فَوَلَّى صَحَابَةُ النّبِيِّ ﴿. وَأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا وَعَلَيَّ بُرْدَتَانِ مُتَّزِرًا بِإِحْدَاهُمَا مُرْتَدِيًا
(٧٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصِّيهِيُّ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ زَكَرِيَّاءً عَنْ أَبِي إِسْحَقَ
(٨٠) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارِ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِّى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بَنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحْقَ
- وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بَّنُ الْمُثَنِّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَادٍ قَالُوا حَدَّثَنَا يَحْتِى بَّنُ سَعِيدٍ عَن سُفْيَانَ قَالَ حَدَّتِي أَبُو
إِسْحَقَ عَنِ الْبَرّاءِ قَالَ قَالَ لَّهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عُمَارَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَهُوَّ أَقَلُّ مِن حَدِيثِهِمْ وَهَؤُلاءِ أَتَمُّ حَدِيثًا.
(٨١) وَحَدَّثَنَا زَهَيْرُ بْنَّ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عُمَّرُ بْنُ يُونُسَ الْحَتَفِيُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَِّي إِيَاسُ
٢٢٧
بِالأُخْرَى، فَاسْتَطْلَقَ إِزَارِي فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعًا، وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِوَ مُنْهَزِمَا وَهُوَ عَلَى
بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ «لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزَعًا» فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ
﴿ه نَزَّلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةٌ مِن تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ
«شَاهَتِ الْوُجُوهُ)» فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلا مَلأْ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلّوْا مُدْبِرِينَ،
فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ. وَجَلَّ وَقَسَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
المعنى العام
فى النصف الأول من رمضان، على رأس ثمان سنين ونصف السنة من وصول النبى {20 مهاجرا
إلى المدينة ساررسول اللّه: إلى مكة لفتحها، بدأ خروجه من المدينة ومعه عشرة آلاف، وانضم
إليهم فى الطريق من قبائل العرب المسلمين ألفان. جيش عظيم جرار، فتح الله به مكة دون قتال
يذكر، وقبل أن ينعم المسلمون بهذا الفتح العظيم بلغ النبى 8$ أن مالك بن عوف النضرى جمع
القبائل الكافرة القريبة من مكة وعلى رأسها هوازن، ووافقهم الثقفيون أهل الطائف، وتجمعوا فى
حنين لمحاربة المسلمين، وبلغ النبى # أن هوازن خرجت بنسائهم وذراريهم ونعمهم وشانهم،
خرجوا إما للفناء على بكرة أبيهم، وإما للحياة العزيزة بعد هزيمة المسلمين. فندب النبي # أصحابه
وجيشه للتحرك نحو نجمعاتهم فى حنين وتحرك الجيش، جيش لايكاد يرى أوله أو آخره، جيش
الفتح ومن انضم إليهم من أهل مكة، من مسلميها والطلقاء والمنافقين والمؤلفة قلوبهم، جيش يغتر
أهله بكثرته، حتى قال أحدهم: لن نغلب البوم عن قلة. جيش كثير العدد حقا، لكن تداخله شبان
لايجيدون القتال، ولا يصبرون على حره وشدته، ولم يتمرسوا عليه، ولم يستعدوا له، خرجوا مكشوفى
الصدور، دون دروع، مكشوفى الرءوس دون مغافر، خرجوا يحسبونها نزهة يعودون بعدها بالغنائم
الكثيرة، خرجوا لايحسنون الرمى، ولا كيف يتقنونه، كما تداخله بعض المسلمين حديثا من المؤلفة
قلوبهم من مسلمة الفتح، لايقاتلون عن عقيدة ثابتة، ولا نعنيهم التضحية فى سبيل الله، ولا يحرصون
على الشهادة.
جيش كثير العدد حقا، لكنه يهاجم قوما أدرى بشعابهم ووديانهم، وهو لا يعرف طبيعة أرضهم،
يهاجم قوماً سيستميتون فى الدفاع عن وطنهم وأرضهم وشرفهم وكبريائهم وأولادهم ونسائهم، وهم مع
ذلك يجيدون القتال ورمى النبال، والكروالفر، والهجوم والخديعة، وقد تحصنوا فى وديانهم
ومنعطفات جبالهم، قوم صفوا نفوسهم كالبنيان، الفرسان ثم المشاة ثم النساء ثم الأطفال ثم النعم
والشياه، ونزل المسلمون إلى الوديان المجهولة فى عماية الغلس، ومع ذلك التقوا بالكفار وقاتلوهم،
وأزالوهم عن مواقعهم، وحسبوا أن المعركة قد انتهت فانكبوا على الغنائم يجمعون الإبل والشاة
والنساء والذرارى، فجأة كانت الخديعة التى أعدها الكفار وهوازن، فاستقبلوا المسلمين بنبال
كأسراب الجراد، كثيرة متتالية، كلها تصيب، لاتكاد نبل تخطئ إصابة، أصابت المفاجأة المسلمين
٢٢٨
بالهول والذهول والفزع والارتباك والتفكك، فولوا الأدبار منهزمين، واتجهوا فرارا إلى الشعاب
المختلفة متناثرين، ورأى رسول اللّه { ل الموقف وهو على بغلته البيضاء فنادى بصوت مرتفع:
ياللمهاجرين؟ فسمع الرد من بعيد: لبيك يارسول اللَّه، نحن معك. نادى: يا معشر الأنصار، فسمع
الإجابة المتناثرة من بعيد: لبيك يا رسول اللَّه نحن معك. قال: ياعباس - وهو يمسك رأس بغلته:
ياعباس، ناد أصحاب الشجرة. شجرة الرضوان، الذين بايعوا الله ورسوله على الجهاد حتى النصر،
فنادى: ياأصحاب الشجرة، فكانت الإجابة: يالبيك. يالبيك، وكاد الكفار يحيطون بالنبى { *، وابن
عمه الحارث بن عبد المطلب يشارك عمه العباس فى قيادة بغلة الرسول {®، ورسول اللّه ل* يدفعها
إلى الأمام نحو الكفار، وهو يقول:
أنا النبى لا كذب .. أنا ابن عبد المطلب.
والعباس والحارث يكفونها عن الإقدام، خوفاً على رسول اللَّه: # وسمع نداء كل
مجموعة لأفرادها. الأنصار ينادون الأنصار، والمهاجرون ينادون المهاجرين والأوس ينادون
الأوس، والخزرج ينادون الخزرج، وتجمع المتفرقون، وعاد الفارون المنهزمون، وكر
المسلمون على قتال الكافرين، وحمى الوطيس، واشتد البأس، فنزل رسول اللّه ◌ُ * عن
بغلته، وأخذ شيئا من حصى الأرض وترابها، ورماها نحو الأعداء، وقال: شاهت وجوه
الكفار، ثم دعا ربه، وطلب نصره: اللَّهم أنزل نصرك الذى وعدتنى، فما هى إلا جولة قصيرة
حتى انهزم الكافرون، وولوا الأدبار. واستولى المسلمون على الغنائم الكثيرة التى لم يسبق
لهم مثلها، وقسمها رسول اللَّهِ* بين المجاهدين من المهاجرين والمؤلفة قلوبهم، وبعد
أيام جاءت هوازن مسلمين، يرجون استعادة أموالهم ونسائهم وذراريهم، فأعاد رسول اللّه
﴿ لهم نساءهم وأولادهم، وفى هذه الغزوة يقول اللَّه تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ کَثْرَتُكُمْ
فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ
سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُّودًا لَمْ تَرَوْهَا وَهَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ
الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ وما بعدها].
المباحث العربية
(حنين) بضم الحاء وفتح النون، مصغر، واد إلى جنب ذى المجاز، بين مكة والطائف، بينه وبين
مكة بضعة عشر ميلا، من جهة عرفات، قيل. سمى باسم حنين بن قابئة بن مهلائيل، وهو مصروف،
كما جاء فى القرآن الكريم.
(شهدت مع رسول الله : ﴿ يوم حنين) أى شهدت وقعة وغزوة حنين.
(فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله (*) المراد من
الملازمة المصاحبة المتصلة، على الهيئة التى سيذكرها، فقوله ((فلم نفارقه)) تأكيد، وأبو سفيان هذا
٢٢٩
ابن عم النبى ® وكان إسلامه قبل فتح مكة. لقى النبى® وهو فى طريقه إلى فتح مكة. فأسلم
وحسن إسلامه، وخرج إلى غزوة حنين، فكان فيمن ثبت.
(ورسول اللَّهَ على بغلة له بيضاء) فى الرواية الخامسة يصف سلمة بن الأكوع بغلة
رسول اللّه بالشهباء، أى التى يخالط بياضها سواد. قال النووي: قال العلماء: لا يعرف له صلى
اللَّه عليه وسلم بغلة سواها، وهى التى يقال لها دلدل. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن دلدل
أهداها له المقوقس. قال القطب الحلبى: يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البغلتين، إن ثبت أنها
كانت صحبته.اهـ وهذا الذى قاله القطب بعيد جدا، وما قاله النووى لاغرابة فيه، والأشهب إذا كثر
بياضه قيل عنه أبيض، فلا تعارض، والدى أوقع فى هذا الليس أن بغلته صلى الله عليه وسلم اشتهرت
باسم الشهباء.
(أهداها له فروة بن نفاثة الجذامی) ((نفاثة)) بنون مضمومة، ثم فاء، ثم ألف، ثم ثاء مثلثة،
قال القاضى: واختلفوا فى إسلامه، فقال الطبرى: أسلم وعمّر عمرا طويلا، وقال غيره: لم يسلم. قال
النووى: وفى صحيح البخارى أن الذى أهداها له ملك أيلة، واسم ملك أيلة فيما ذكره ابن إسحق:
يحنة بن رونة، وفى ملحق الرواية الأولى ((فروة بن نعامة)) بالنون والعبن والألف والميم. والأول هو
الصحيح المعروف.
(فلما التقى المسلمون والكفارولى المسلمون مدبرين) ظاهره أن المسلمين ولوا الأدبار
بمجرد اللقاء، وليس كذلك، فقد وضحت الرواية الرابعة أن المسلمين حملوا على الكفار حتى انكشف
الكفار، فأكب المسلمون على الغنائم، فاستقبلوا بسهام لا قبل لهم بها، فولوا.
(فطفق رسول اللَّه ◌َ﴿ يركض بغلته قبل الكفار) ((قبل)) بكسر القاف وفتح الباء، أى جهة
الكفار، والركض العدو مسرعا.
(وأنا آخذ بلجام بغلة رسول اللَّه®، أكفها، إرادة أن لا تسرع) أى أمنعها من العدو
نحو الكفار، خوفاً على رسول الله وق له.
(وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ) الركاب لسرج الدابة ما توضع فيه رجل الراكب،
وهما ركابان، والمراد أخذه وإمساكه بأحدهما، حماية وتكريما لرسول اللّهل﴾، وفى الرواية الثانية
((وأبو سفيان يقود به)) مع أن القيادة لممسك اللجام، وفى الثالثة ((يقود به بغلته)) وفى الرواية
الرابعة ((وإن أبا سفيان بن الحارث أخذ بلجامها)) وعند البخارى ((وإن أبا سفيان آخذ بزمامها)»
وهو الحبل الذى يربط فى رأس الدابة، وفيه ((وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء)) قال
الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها، فلما ركضها النبى { ل إلى
جهة المشركين خشى العباس، فأخذ بلجام البغلة يكفها، وأخذ أبو سفيان بالركاب، وترك اللجام
إجلالا له، لأنه عمه.اهـ وظاهر هذا الجمع أن العباس فى البداية كان آخذا بالركاب، أو لم يكن آخذا
٢٣٠
بشىء، مما لا يتفق وعبارة الرواية الأولى، ففيها أن الركض بدأ والعباس ممسك باللجام وأبو سفيان
ممسك بالركاب، فالأولى أن يقال: إن أبا سفيان لما خشى تغلب البغلة على عمه ساعده فى كفها،
فشاركه فى الإمساك بالزمام، وترك الركاب، والرواية الثانية والثالثة والرابعة تصرح بأن النبى { *
نزل عن البغلة وأبو سفيان ممسك بالزمام، فإمساكه باللجام كان آخرا، وليس أولا.
(أى عباس) ((أى)) حرف نداء، أى ياعباس.
(ناد أصحاب السمرة) بفتح السين وضم الميم، فى كتب اللغة: السمر بفتح السين وضم الميم
ضرب من شجر الطلح، والطلح شجر عظام من شجر العضاه ترعاه الإبل، ويطلق على الموز، والمراد
هنا الأول، واحدته سمرة، والمقصود الشجرة التى بايعوا نحتها بيعة الرضوان، والمعنى: ناد أهل بيعة
الرضوان يوم الحديبية.
(وكان رجلاً صيتاً) الصيت: بفتح الصاد وتشديد الياء المكسورة شديد الصوت قويه وعاليه.
والجملة لامحل لها من الإعراب معترضة.
(فواللَّه لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتی عطفة البقر على أولادها) يقال: عطف
يعطف بفتح الطاء فى الماضى وكسرها فى المضارع، إذا مال وتحول، وحمل وكر. والعطفة الكرة،
ووجه الشبه هنا سرعة الميل والعودة والكر.
(يالبيك. يالبيك) أى إجابة لك بعد إجابة، والنداء هنا معناه يا إجابة هذا وقتك فاحضرى
وأعلنى عن نفسك.
(فاقتتلوا والكفار) قال النووى: هكذا هو فى النسخ، وهو بنصب الكفار، أى مع
الكفار مفعول معه.
(والدعوة فى الأنصار. يقولون: يامعشر الأنصار. يا معشر الأنصار) يقال: دعا فلانا أى
صاح به وناداه.
والمعنى: ودعا الأنصار بعضهم بعضا، واستغاث بعضهم ببعض، وصرخ بعضهم فى
بعض بالكر والقتال.
(ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بنى الحارث بن
الخزرج، يا بنى الحارث بن الخزرج) يقال: قصر الشىء على الشىء أى رده إليه، لم يجاوز به
إلى غيره، والمعنى أن الاستغاثة والمناداة انتقلت إلى الخزرج خاصة، بعد أن توجهت للأنصار عامة.
أى ثم توجهت إلى الفرق بعضها إلى بعض، حتى نادى الأفراد بعضهم بعضا.
(فنظر رسول اللَّه ◌َ﴿ - وهو على بغلته، كالمتطاول عليها - إلى قتالهم)
يقال: تطاول أى تمدد قائما لينظر إلى بعيد، وجملة ((وهو على بغلته)) حال، وشبه جملة
٢٣١
((كالمتطاول عليها)) حال متداخلة من جملة الحال الأولى. والمعنى فرأى القتال شديدا،
ورأى أصحابه فى شدة.
(فقال رسول اللَّه ◌َ﴿ هذا، حين حمى الوطيس) بفتح الواو وكسر الطاء، قال الأكثرون: هو
شبه التنور، يوقد فيه حتى يحمى، ويضرب مثلا لشدة الحرب، التى يشبه حرها حره، وقال آخرون:
الوطيس هو التنور نفسه، وقال الأصمعى: هى حجارة مدورة، إذا حميت لم يقدر أحد أن يطأ عليها،
فيقال: الآن حمى الوطيس، وقيل: هو الضرب فى الحرب، وقيل: هو الحرب الذى يطبس الناس، أى
يدقهم. قالوا: هذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه، الذى لم يسمع من أحد قبل النبى {₪، والإشارة فى
((هذا)) للفعل والقول الآتيين. أى أخذ الحصيات وقال: انهزموا ورب محمد حين حمى الوطيس.
(قال: ثم أخذ رسول اللَّه ﴿ حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار) فى الرواية الخامسة
((فلما غشوا رسول اللّه * نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم))
يقال: غشى فلان فلانا، بكسر الشين وفتح الياء، أى غطاه وحواه، والمراد هنا: لما قرب المشركون من
رسول اللَّهَ﴿، وكادوا يحيطون به وبمن معه، والقتال مستعر بين المشركين وبين أصحابه الذين كروا
بعد فرارهم، ورأى رسول الله:﴿ الوطأة على أصحابه، فى هذا الوقت نرل عن بغلته، لبأخذ التراب
والحصى، ويدعو ويرمى بها فى وجوه القوم، ثم يعود فيركب بغلته، فعند أحمد وأبى داود والترمذى
((ثم اقتحم عن فرسه، فأخذ كفا من تراب)) وللجمع بين رواية ((الحصى)) ورواية ((التراب)) قال
العلماء: يحتمل أنه أخذ قبضة من حصى، وقبضة من تراب، فرمى بهذا مرة، وبهذا مرة، ويحتمل أنه
أخذ قبضة واحدة، مخلوطة من حصى وتراب، ولأحمد والحاكم من حديث ابن مسعود ((فقال: ناولنى
كفا من تراب، فضرب به وجوههم)) وعند البزار من حديث ابن عباس ((أن علياً ناول النبى وَلـ
التراب، فرمى به فى وجوه المشركين يوم حنين)) ويجمع بين هذه الأحاديث بأنه# قال أولا
لصاحبه: ناولنى. فناوله، فرماهم ثم نرل عن البغلة، فأخذ بيده، فرماهم أيضا، ويحتمل أن الحصى
كان فى إحدى المرتين، وكان التراب فى الأخرى.
(ثم قال: انهزموا. ورب محمد) ((انهزموا)» فعل ماض، لفظا، مضارع معنى، بفتح الزاى،
إخبار عن أنهم سينهزمون إن شاء اللَّه أخذا من وعد اللَّه له، وثقته بربه صلى اللَّه عليه وسلم، ولهذا
أقسم برب محمد، وبرب الكعبة مرتين فى ملحق الرواية، وفى الرواية الثانية ((فنزل، فاستنصر)) أى
دعا بالنصر
» وقال: أنا النبى لاكذب .. أنا ابن عبد المطلب)) وفى الرواية الثالثة.
»فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: أنا النبى لاكذب: أنا ابن عبد المطلب. اللّهم نزل نصرك)» وفى
الرواية الخامسة ((فقال: شاهت الوجوه)) أى قبحت وجوه الكفار.
(قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى) من الشدة والقسوة، وكأن هذا
النظر وقع ساعة الدعاء وساعة أخذ الحصى، قبل أن يصل التراب وجوه القوم.
٢٣٢
(فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته) ضمير ((هو)» للحال والشأن.
(فمازلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا) الحد هو الشدة والقوة، والكليل الضعيف، أى ما
هو إلا أن دعا ورش الحصيات فى وجوه الكفار حتى رأيت قونهم ضعفا، وإقبالهم إدبارا، حتى هزمهم
اللَّه، ورأيت النبى:﴿ يركض خلفهم على بغلته. وفى الرواية الخامسة ((فما خلق اللَّه منهم إنسانا إلا
ملأ عينيه ترابا، بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله عز وجل)).
(يا أبا عمارة) كنية البراء.
(أفررتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول اللّه ﴿، ولكنه خرج شبان أصحابه،
وأخفاؤهم حسرا، ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح) قال النووى: هذا الجواب الذى أجاب به
البراء ه من بديع الأدب، لأن تقدير الكلام: أفررتم كلكم؟ فيقتضى أن النبى ® وافقهم فى ذلك،
فقال البراء: لا. ما فررسول اللَّه®، ولكن جماعة الصحابة جرى لهم كذا وكذا. و((شان)) بضم الشين
وتشديد الياء جمع شاب، و((الأخفاء)) بفتح الهمزة وكسر الخاء وتشديد الفاء جمع خفيف، والمراد
بهم المسارعون المستعجلون، ورويت هذه الكلمة ((وجفاؤهم)) بالجيم، وفسرت بسرعانهم قالوا:
تشبيها بجفاء السيل، وهو غاؤه. قال القاضى إن صحت هذه الرواية فمعناها ما سبق من خروج من
خرج معهم من أهل مكة، ومن انضم إليهم ممن لم يستعدوا، وإنما خرجوا للغنمية، من النساء
والصببان ومن فى قلبه مرض، فشبهوا بغناء السيل. ومعنى ((حسرا)) بضم الحاء وتشديد السين
المفتوحة، أى بغير دروع، جمع حاسر، وهو من لا درع عليه، وقد فسره بقوله ((ليس عليهم سلاح، أو
كثير سلاح)) وفى كتب اللغة: حسر بفتح السبن يحسر بضمها، حسورا انكشف، والحاسر من الجنود
من لادرع له ولا مغفر، ومن الرجال من لاغطاء على رأسه، ومن النساء المكشوفة الرأس والذراعين،
والتى ألقت عنها ثيابها. والجمع حسر وحواسر.
(فلقوا قوما رماة، لايكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبنى نصر) ((جمع هوازن))
بالنصب بدل من ((قوما)).
(فرشقوهم رشقا) التنوين فى ((رشقا)) للتكثير والتعظيم، والرشق رمى السهام، يقال: رشقه و
أرشقه، ثلاثى ورباعى، والثلاثى أشهر وأفصح. وفى الرواية الثالثة ((فرموهم برشق من نبل، كأنها رجل
من جراد فانكشفوا)» والرشق بكسر وسكون الشين الشوط من الرمى، وما يرمى به أو اسم للسهام التى
ترميها الجماعة دفعة واحدة، وأما الرشق بفتح الراء فهذا المصدر، والنبل بفتح النون وسكون الباء.
السهام، والمعنى فرموهم بمجموعة من السهام دفعة واحدة شبيهة بأرجل الجراد فى التجمع والتتابع،
((فانكشفوا)) أى انهزموا، وفارقوا مواضعهم وكشفوها.
(كنا إذا احمر البأس نتقى به) أى نجعل النبى {® لنا وقاية، أى نحتمى به، واحمرار البأس
كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها عادة، أو لاستعار الحرب
٢٣٣
واشتعالها، كاحمرار الحجر، والبأس الشدة فى الحرب، أو الحرب، أو العذاب الشديد، والبأساء
المشقة والحرب الداهية.
(أنا النبى لاكذب .. أنا ابن عبد المطلب) قال النووى: قال القاضى عياض:
قال المازري: أنكر بعض الناس كون الرجز شعرا، لوقوعه من النبى ول﴾، مع قوله تعالى
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وهذا مذهب الأخفش، واحتج به على فساد
مذهب الخليل فى أنه شعر، وأجابوا عن هذا بأن الشعر هو ما قصد إليه، واعتمد الإنسان أن
يوقعه موزونا مقفى، يقصده إلى القافية، ويقع فى ألفاظ العامة كثبر من الألفاظ الموزونة،
ولا يقول أحد: إنها شعر، ولا صاحبها شاعر، وهكذا الجواب عما فى القرآن من الموزون،
كقوله تعالى ﴿لَنْ تَنَّالُوا الْبِرَّحَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقوله تعالى ﴿نَصْرٌ
مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] ولاشك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعرا، لأنه لم
يقصد تقفيته وجعله شعرا، قال: وقد غفل بعض الناس عن هذا القول، فأوقعه ذلك فى أن
قال: الرواية ((لاكذب)) بفتح الباء، حرصا منه على أن يفسد الروى، فيستغنى عن الاعتذار
مع أن الرواية بالإسكان. قال النووي: لكن قال الإمام أبو القاسم على ابن جعفربن على
السعدى الصقلى المعروف بابن القطاع، فى كتابه، الشافى فى علم القوافى: قد رأى قوم،
منهم الأخفش، وهو شيخ الصناعة بعد الخليل، أن مشطور الرجز ومنهوكه ليس بشعر، كقول
النبى ◌ّ﴿: ))اللّه مولانا ولا مولى لكم)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((هل أنت إلا أصبح دميت)»؟
وفى سبيل اللَّه ما لقيت)) وقوله صلى اللّه عليه وسلم
((أنا النبى لاكذب .. أنا ابن عبد المطلب)»
وأشباه هدا. قال ابن القطاع: وهذا الذى زعمه الأخفش وغيره غلط بين، وذلك لأن الشاعر إنما
سمى شاعرا لوجوه، منها أنه شعر القول وقصده وأراده، واهتدى إليه، وأتى به كلاما موزونا، على
طريقة العرب مقفى، فإن خلا من هذه الأوصاف أو بعضها لم يكن شعرا، ولا يكون قائله شاعرا، بدليل
أنه لوقال كلاماً موزوناً على طريقة العرب، وقصد الشعر، أو أراده، ولم يقفه، لم يسم شاعرا، ولم يسم
ذلك الكلام شعرا، بإجماع العلماء والشعراء، وكذا لوقفاه، وقصد به الشعر، ولكن لم يأت به موزوناً لم
يكن شعرا، وكذا لو أتى به موزوناً مقفى، ولكن لم يقصد به الشعر، لايكون شعرا، ويدل عليه أن كثيرا
من الناس يأتون بكلام موزون مقفى، غير أنهم ما قصدوه ولا أرادوه، ولا يسمى شعراً، وإذا تفقد ذلك
وجد كثيراً فى كلام الناس، فدل على أن الكلام الموزون لا يكون شعراً إلا بالشروط المذكورة، وهى
القصد وغيره مما سبق، والنبى* لم يقصد بكلامه ذلك الشعر، ولا أراده، فلايعد شعرا، وإن كان
موزونا.اهـ وحاصل هذا الرد أن مشطور الرجز شعر إذا توفرت له الشروط المذكورة، لكن هذا القول من
الرسول # ليس شعرا لعدم توفر شروط الشعر، لا لأن مشطور الرجزليس شعراً.
ومعنى («أنا النبى لاكذب)) أى أنا النبى حقا، فلا أفر، ولكن أثبت.
٢٣٤
(تقدمت فأعلوثنية) أى فعلوت ثنية، ولكنه عبر عن الماضى بالمضارع لاستحضار الصورة.
والثنية بفتح الثاء وكسر النون بعدها ياء مشددة مفتوحة، ويكسر الثاء وسكون النون وفتح الياء
مخففة الطريق فى الجبل.
(فأرميه بسهم) أى فرميته بسهم.
(ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى) غير التى توارى فيها
الرجل، وغير المتوقعة.
(فأرجع منهزما، وعلىّ بردتان، متزرا بإحداهما، مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزارى
فجمعتهما جميعا) أى فرجعت وولبت منهزما، والبردة كساء مخطط، يلتحف به، والإزار ثوب
يحيط بالنصف الأسفل من البدن، يقال: ائتزر واتزر لبس الإزار، والرداء التوب يستر النصف الأعلى
من البدن، ويقال: ارتدى الرداء وبالرداء لدسه، ومعنى ((استطلق إزارى)) أى انحل وتحرر من قيده، من
شدة الخوف والعَدْو، ومعنى ((فجمعتهما جميعا)) أى جمعت إزارى على ردائى، وجعلتهما رداءين مع
ارتخائهما بحبث يستران العورة، ومثل هذا المنظر الذى لا يؤتزر فيه، ولا يستر الإزار نصف الساق
مظهر من مظاهر الهلع، ولذا قال صلى الله عليه وسلم ((لقد رأى ابن الأكوع فزعا)).
(وقسم رسول الله غنائمهم بين المسلمين) أى من انهزم وفر، ثم عاد، ومن
ثبت ولم يفر.
وكانت الغنائم كثيرة، كانت الإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أربعين ألف شاة، والأنفس ستة
آلاف نفس من النساء والأطفال، وكان رسول اللّه قد أمر بجمع الغنائم هذه، وحبسها بالجعرانة
حتى يرجع من حصار الطائف، فلما رجع من الطائف قسمها فى المهاجرين والمؤلفة قلوبهم والطلقاء
الذين مَنَّ علبهم يوم الفتح، ولم يعط الأنصار منها شيئا، ولم يمض وقت طويل والمسلمون بالجعرانة
حتى أسلمت هوازن وجاء وفدها يطلب إعادة الغنائم، فخيرهم رسول اللّه،فَ * بين الأموال وبين
السبى، فاختاروا السبى، وسيأتى مزيد لذلك فى فقه الحديث.
فقه الحديث
يقول الطبرى: الانهزام المنهى عنه هو ما وقع على غيرنية العود، وأما الاستطراد للكثرة فهو
كالتحيز إلى فئة. اهـ ويقول الحافظ ابن حجر: والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة قلوبهم أن العدو
كانوا ضعفهم فى العدد، وأكثر من ذلك.
وقد وردت روايات فى المنهزمين والتائبين، والمعلوم أن جيش المسلمين كان يزيد على عشرة
آلاف، وقد روى الترمذى من حديث ابن عمر بإسناد حسن أنه لم يبق مع الرسول {8 مائة رجل)) قال
الحافظ: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين، وروى أحمد والحاكم عن عبد الله بن
٢٣٥
مسعود ((قال: كنت مع النبى # يوم حنين، فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين
والأنصار، فكنا على أقدا منا، ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل اللَّه عليهم السكينة)) فابن عمر نفى أن
يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين، فلا تعارض.
وأما ما ذكره النووى أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحق فى حديثه أنه
ثبت معه العباس، وابنه الفضل، وعلى، وأبو سفيان بن الحارث، وأخوه ربيعة، وأسامة بن زيد، وأخوه
من أمه أيمن ابن أم أيمن، ومن المهاجرين أبوبكر وعمر، فهؤلاء تسعة، وقد تقدم ذكر ابن مسعود،
فهؤلاء عشرة، فلعل هذا هو الثبت، ومن زاد على ذلك يكون عجل فى الرجوع، فعد فى من لم ينهزم.اهـ
وفى سبب هزيمة المسلمين تذكر الرواية الثانية سبا من جانب المسلمين، وهو استهتارهم
بهوازن وإعجابهم بكثرتهم، حتى أثر عن بعضهم قوله)«لن نغلب اليوم عن قلة)» واشتمال جيشهم على
مؤلفة قلوبهم، وشبان متسرعين لم يجربوا القتال، خرجوا دون سلاح، وسببا من جانب المشركين،
وهو أنهم قوم رماة، لايكادون يسقط لهم سهم دون إصابة، وذكرت الرواية الرابعة سببا آخر، وهو
تعجل المسلمين إلى الغنيمة، وانكبابهم عليها بمجرد الفوز فى الجولة الأولى، فوقعوا فى الخديعة،
وفى الشرك الذى نصبه لهم المشركون، وذكرت رواية أنس عند مسلم سببا آخر، فقال أنس ((افتتحنا
مكة، ثم إنا غزونا حنينا، قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، صف الخيل، ثم المقاتلة، ثم
النساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النعم)» وذكر ابن إسحق من حديث جابر وغيره فى سبب انكشاف
المسلمين أمرا آخر، وهو (( أن مالك بن عوف سبق بهم إلى حنين، فأعدوا وتهيئوا فى مضايق الوادى،
وأقبل النبى # وأصحابه، حتى انحط بهم الوادى فى عماية الصبح)» وعن وقائع هذه الغزوة ونتائجها
يروى البخارى مجموعة من الأحاديث، نذكر منها:
١- عن أنس ه قال: «لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغبرهم بنعمهم
وذراريهم، ومع النبى 8 عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا عنه، حتى بقى وحده، فنادى يومئذ
نداءين، لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه، فقال: يامعشر الأنصار. قالوا: لبيك يارسول
اللَّه. أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره، فقال: يا معشر الأنصار. قالوا: لبيك يارسول اللّه
أبشر، نحن معك، وهو على بغلة بيضاء فنزل، فقال: أنا عبد اللَّه ورسوله. فانهزم
المشركون، فأصاب يومئذ غنائم كثيرة، فقسم فى المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار
شيئاً، فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا، فبلغه ذلك،
فجمعهم فى قبة، فقال: يا معشر الأنصار. ماحديث بلغنى عنكم؟ فسكتوا. فقال: يامعشر
الأنصار. ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله:# تحوزونه إلى
بيوتكم؟ قالوا: بلى. فقال النبى * لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا، لأخذت
شعب الأنصار)»
٢ - وفى رواية عنه له قال:))لما كان يوم حنين التقى هوازن، ومع النبى وال عشرة آلاف والطلقاء،
فأدبروا. قال: يامعشر الأنصار، قالوا: لبيك يارسول الله وسعديك. لبيك نحن بين يديك، فنزل النبى
٢٣٦
** فقال: أنا عبد الله ورسوله. فانهزم المشركون، فأعطى الطلقاء والمهاجرين، ولم يعط الأنصار
شيئا، فقالوا .. ، فدعاهم، فأدخلهم فى قبة، فقال: أما نرضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير؟
وتذهبون برسول اللَّهَ وَ لِ؟)).
٣- وفى رواية عنه -رضى الله عنه- قال: جمع النبى{* ناسا من الأنصار، فقال: إن قريشا
حديث عهد بجاهلية ومصيبة [فتح مكة] وإنى أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع
الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم)) ؟
٤- وفى رواية عنه أنه قال: ((قال ناس من الأنصار - حين أفاء الله على رسوله صل *: ما
أفاء من أموال هوازن، فطفق النبى * يعطى رجالا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله
لرسول اللَّهِ: ﴿، يعطى قريشا ويتركنا؟ وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس: فحدث رسول
اللَّه ◌ِ﴿ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم فى قبة من أدم [من جلد] ولم يدع معهم
غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبى ®، فقال: ماحديث بلغنى عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أما
رؤساؤنا يارسول اللَّه فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر اللّه
لرسول اللّه، يعطى قريشا ويتركنا؟ وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ فقال النبى مثل: فإنى
أعطى رجالا حديثى عهد بكفر، أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون
بالنبى [{﴿] إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا: يارسول الله، قد
رضينا، فقال لهم النبى 8: ستجدون أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله [﴿] -
فإنى على الحوض».
٥- وعن عبد الله بن مسعود قال: «لما كان يوم حنين آثر النبى ناسا، أعطى الأقرع مائة
من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا فقال رجل من الأنصار: ما أريد بهذه القسمة وجه
اللَّه، فقلت: لأخبرن رسول اللَّه ﴿، فقال: رحم الله موسى، قد أوذى بأكثر من هذا فصبر)).
٦- وعن عبداللّه بن زيد بن عاصم #ه قال: لما أفاء الله على رسوله ﴿ يوم حنين قسم
فى الناس، فى المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا، إذ لم يصبهم ما
أصاب الناس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار. ألم أجدكم ضلالا فهداكم اللَّه بى؟ وكنتم
متفرقين فألفكم اللَّه بى، وعالة فأغناكم اللَّه بى؟ كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ.
قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول اللَّه [﴿؟] قال: كلما قال شيئا قالوا: اللَّه ورسوله أَمَنُّ.
قال: لوشئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا [فى بعض الروايات ((لوشئتم لقلتم، فصدقتم: أتيتنا
مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك))
٧- وعن مروان والمسور بن مخرمة أن رسول اللّه * قام حين جاء وفد هوازن مسلمين فسألوه أن
يرد إليهم أموالهم وسبيهم وفى المغازى ((ثم انصرف رسول اللّه ** من الطائف إلى الجعرانة، وبها
سبى هوازن، وقدمت عليه وفد هوازن مسلمين، فيهم نسعة نفر من أشرافهم، فأسلموا، وبايعوا، ثم
كلموه، فقالوا: يارسول اللَّه، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، [وهن مخازى
٢٣٧
الأقوام] ((فقال)): [سأطلب لكم وقد وقعت المقاسم])» معى من ترون، وأحب الحديث إلىّ أصدقه،
فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبى، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم - وكان أنظرهم رسول
اللّه ◌ِ ** بضع عشرة ليلة، حين قفل من الطائف- فلما نبين لهم أن رسول اللّه ◌ُ ل غير راد إليهم إلا
إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول اللَّهَ ﴿ فى المسلمين، فأثنى على اللّه بما هو
أهله، ثم قال: أما بعد. فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإنى قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب
منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفىء
اللَّه علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك يارسول الله. فقال رسول الله،﴿ *: إنا لاندرى من أذن
منكم فى ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم،
ثم رجعوا إلى رسول اللَّه فأخبروه أنهم طببوا وأذنوا)).
وفى رواية ((فمن أحب منكم أن يعطى غير مكره فليفعل، ومن كره أن يعطى فعلى فداؤهم، فأعطى
الناس ما بأيديهم، إلا قليلا من الناس سألوا الفداء)»
وفى رواية ((فقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول اللّه وَ س - وقالت الأنصار كذلك، وقال الأقرع
ابن حابس: أما أناوبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس ابن مرداس: أما أنا
وبنو سليم فلا، فقالت بنوسليم: بل ما كان لنا فهو لرسول اللّه ، فقال رسول اللّه لَ﴾: من تمسك
منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض - الفريضة من الدواب المسنة - من أول فىء نصيبه، فردوا
إلى الناس نساءهم».
ويؤخذ من الحديث
١- من موقف العباس وأبى سفيان عطف الأقارب بعضهم على بعض عند الشدائد، وذب
بعضهم عن بعض.
٢- قيل فى إهداء فروة بن نفاثة البغلة لرسول اللَّه ﴿ وقبوله صلى الله عليه وسلم الهدية، قبول هدية
الكافر. قال النووى: فإن قيل: هذا مع الحديث الآخر ((هدايا العمال غلول)) ومع حديث ابن
اللتبية، عامل الصدقات، وفى الحديث الآخر ((أنه رد بعض هدايا المشركين، وقال: إنا لا نقبل
زيد المشركين)» أى رفدهم، فكيف يجمع بين هذه الأحاديث؟ قال القاضى: قال بعض العلماء: إن
هذه الأحاديث ناسخة لقبول الهدية، وقال الجمهور: لا نسح، بل سبب القبول أن النبى وُ ل#
مخصوص بالفىء الحاصل بلا قتال، بخلاف غيره، فقبل النبى 188 ممن طمع فى إسلامه وتأليفه،
لمصلحة يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم، ورد هدية من لم يطمع فى إسلامه ولم يكن فى قبولها
مصلحة، لأن الهدية توجب المحبة والمودة، وأما غير النبى 8# من العمال والولاة فلا يحل له
قبولها لنفسه، عند جمهور العلماء، فإن قبلها كانت فيئا للمسلمين، فإنه لم يهدها إليه إلا لكونه
إمامهم، وإن كانت من قوم هو محاصرهم فهى غنيمة قال القاضى: وهذا قول الأوزاعى ومحمد بن
الحسن وابن القاسم وابن حبيب وبعض أهل العلم، وقال آخرون هى للإمام خالصة، قاله أبو
يوسف وأشهب وسحنون، وقال الطبرى: إنما رد النبى 88# من هدايا المشركين ما علم أنه أهدى
٢٣٨
له فى خاصة نفسه، وقبل ما كان خلاف ذلك مما فيه استئلاف المسلمين. قال: ولا يصح قول من
ادعى النسخ، قال: وحكم الأئمة إجراؤها مجرى مال الكفار، من الفىء أو الغنيمة، بحسب
اختلاف الحال، وهذا معنى ((هدايا العمال غلول)) أى إذا خصوا بها أنفسهم، لأنها لجماعة
المسلمين بحكم الفىء والغنيمة. قال القاضى: وقيل: إنما قبل النبى هدايا كفار أهل الكتاب
ممن كان على النصرانية كالمقوقس وملوك الشام، فلا معارضة بينه وبين قوله صلى اللّه عليه
وسلم)) لا يقبل زبد المشركين)» وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم، بخلاف المشركين
عبدة الأوثان.
قال النووى: وقال أصحابنا: متى أخذ القاضى أو العامل هدية محرمة لزمه ردها إلى مهديها، فإن
لم يعرفه وجب عليه أن يجعلها فى بيت المال. والله أعلم.
٣-ومن ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة إشارة إلى مزيد الثبات، لأن ركوب الفرس مظنة الاستعداد
للفرار والتولى، قال النووى: فركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة - وهى أضعف من الفرس - فى
موطن الحرب، وعند اشتداد الناس، هو النهاية فى الشجاعة والثبات، وإذا كان رأس الجيش قد
وطن نفسه على عدم الفرار، وأخذ بأسباب ذلك، كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات، وإنما فعل
النبى ذلك عمداً، وإلا فقد كانت له أفراس معروفة.
٤-ومن ثباته صلى الله عليه وسلم شجاعته فى الحروب والشدائد، ففى هذا الحديث أنه كان يركض
بغلته نحو الكفار، وقد فر الناس، وأنه نزل إلى الأرض حين غشوه، وهذه مبالغة فى النبات
والشجاعة والصبر - وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين، وقد أخبر
البراء فى هذا الحديث أن الشجاع من الصحابة هو الذى يحاذى برسول اللَّهَ ﴿، فلا أشجع منه،
وأنهم كانوا يتقون به، ويحتمون فيه، وأخبار الصحابة بشجاعته صلى الله عليه وسلم كثبرة.
٥- ومن موقفه هذا صلى الله عليه وسلم جواز التعرض إلى الهلاك فى سبيل الله، ولا يقال:
كان النبى ® متيقنا للنصر، لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حق، لأن أبا سفيان بن
الحارث قد ثبت معه آخذا بلجام بغلته، وليس هو فى اليقين مثل النبى وحل﴾، وقد
استشهد فى تلك الحالة أيمن ابن أم أيمن.
٦- وفى الحديث معجزة الحصى.
٧- وفى جواب البراء حسن الأدب فى الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب.
٨- وفيه ذم الإعجاب.
٩- ومن قوله ((أنا ابن عبد المطلب)) جواز الانتساب إلى الآباء، ولو ماتوا فى الجاهلية، والنهى عن
ذلك محمول على ماهو خارج الحرب. قال النووي: فإن قيل: كيف قال النبى وُل: أنا ابن عبد
الطلب؟ فانتسب إلى جده دون أبيه وافتخر بذلك؟ مع أن الافتخار فى حق أكثر الناس من عمل
الجاهلية؟ فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم كانت شهرته بجده أكثر، لأن أباه عبد اللّه توفى
٢٣٩
شابا فى حياة أبيه عبد المطلب، قبل اشتهار عبد الله، وكان عبد المطلب مشهورا شهرة طاهرة
شائعة، وكان سبد أهل مكة، وكان كثير من الناس يدعون النبى # ابن عبد المطلب، ينسبونه
إلى جده لشهرته، ومنه حديث ضمام بن ثعلبة فى قوله ((أيكم ابن عبدالمطلب)»؟ وقد كان
مشتهرا عندهم أن عبد المطلب بشر بالنبى {®، وأنه سيظهر، وسيكون شأنه عظيما، فأراد النبى
تذكيرهم بذلك، وتنبيههم بأنه صلى الله عليه وسلم لابد من ظهوره على الأعداء، وأن العاقبة له،
لتقوى نفوسهم، وأعلمهم أيضا بأنه ثابت ملازم للحرب، لم يول مع من ولى، وعرفهم موضعه،
ليرجع إليه الراجعون. اهـ
١٠- وجواز قول الإنسان فى الحرب: أنا فلان، وأنا ابن فلان، ومنه قول سلمة بن الأكوع، وقول على
ضُله: أنا الذى سمتنى أمى حيدرة. وأشباه ذلك. قال النووي: وقد صرح بجوازه علماء السلف،
قالوا: وإنما يكره ذلك على وجه الافتخار، كفعل الجاهلية.
١١ - وفيه جواز الرجز والشعر.
١٢- والدعاء عند الحرب.
١٣-ومن نفى البراء لهزيمة النبى * قال النووى: لم ينقل أحد قط أنه صلى الله عليه وسلم انهزم فى
موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لايجوز أن يعتقد انهزامه صلى الله عليه
وسلم، ولا يجوز ذلك عليه.
١٤- وفيه شجاعة الصحابة وجهادهم فى سبيل اللَّه، واستجابتهم لنداء الإسلام واعتزازهم
بمواقفهم المشهورة.
والله أعلم
٢٤٠