النص المفهرس

صفحات 201-220

وأموالهم، وينسب خلو الإنسان من المال إلى خلواليد، كما ينسب الكسب إليها. فيقال: هذا ما
كسبت أيديهم، لأن أكثر الأفعال وأقواها نقع بها، فالكلام كناية عن الخلو من الأملاك والأموال،
وجملة ((وليس بأيديهم شيء)) حالية.
(وكان الأنصار أهل الأرض والعقار) بالمدينة، والمراد بالعقارهنا النخل، كذا قال النووى:
قال الزجاج: العقار كل ما له أصل، وقيل: إن النخل خاصة يقال له العقار. اهـ
وهو بفتح العين، ولما كانت القصة هنا عن النخل حمل عليه العقار، وهو كل ملك ثابت له أصل
كالأرض والدار، ولا مانع من إرادة المعنى الأصلى، من قبيل عطف العام على الخاص.
(فقاسمهم الأنصار) الضمير للمهاجرين، و((الأنصار)» بالرفع فاعل، أى قاسم الأنصار
المهاجرين يقال: قاسم فلان فلانا إذا أخد كل منهما قسمه، والمقصود المقاسمة فى ثمر النخل، فقد
روى البخارى أن الأنصار قالوا للنبى ₪: «أقسم بيننا وبين إخواننا النخبل)» - أى الأرض والنخيل
ملكا- قال صلى الله عليه وسلم: ((لا)) لأنه صلى الله عليه وسلم علم أن الفتوح ستفتح عليهم، فكره أن
يخرج الأنصار شيئا من أملاكهم، فلما فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين، امتثال ما أمرهم به
صلى الله عليه وسلم من عدم المشاركة فى الأرض وأصل النخيل، ومواساة الأنصار لإخوانهم
المهاجرين، فعرضوا المقاسمة فى الثمار، مقابل مساعدة المهاجرين للأنصار بالعمل فى أرضهم
بالسقى والرعاية، وهذه هى المساقاة عند الفقهاء.
وهذا لم يكن عاما للمهاجرين، فقد اعتدر بعضهم عن عدم قبول المواساة، وقبل بعضهم
أصول أملاك الأنصار، وزعم الداودى وأقره ابن التين أن المراد بقوله هنا))قاسمهم الأنصار))
أى حالهوهم، أى جعله من القسم، بفتح القاف وفتح السين، لا من القسم بسكون السين،
وهو بعيد.
(على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة) المؤنة
بضم الميم وسكون الهمزة، والمؤونة بفتح المبم القوت، والمراد منه هنا تكاليف رعاية النخل، أى
المقاسمة فى الثمر على أساس أن أعطى - أى يعطى - الأنصار المهاجرين نصف ثمار نخيلهم كل
عام، مقابل أن يقوم المهاجرون مقام الأنصار فى سقى النخيل ورعايتها. فضمير الفاعل فى
((أعطوهم)) للأنصار، وفى ((يكفونهم)» للمهاجرين.
(وكانت أم أنس بن مالك - وهى تدعى أم سليم، وكانت أم عبدالله بن أبى طلحة،
كان أخاً لأنس لأمه - وكانت أعطت أم أنس رسول اللَّه :﴿ عذاقا لها) الظاهر أن هذا
الكلام من كلام الزهرى الراوى عن أنس، وفيه استطرادات، والأصل: وكانت أم أنس قد أعطت رسول
اللَّهِ وَ﴿ عذاقا لها، أى نخلا حاملا ثمرا، كانت نملكه، وأم أنس هى أم عبد الله بن أبى طلحة، فهو
وأنس أخوان لأم، واسمها أم سلبم.
٢٠١

وإذا لم يكن هذا الكلام من كلام الزهرى، وكان من كلام أنس حمل على التجريد، كأن أنسا جرد
من نفسه شخصا آخر يتحدث عنه، والأصل أن يقول: وكانت أمى قد أعطت .. إلخ.
والعذاق بكسر العين جمع عذق بفتح العين وسكون الذال، كحبل وحبال، والعذق النخلة إذا كان
حملها موجودا، والمراد أنها وهبت له ثمرها.
(فأعطاها رسول اللَّه﴿ أم أيمن مولاته) أى فأعطى رسول اللّه ﴿ العذاق وثمر النخل
الذى منحته له أم أنس إلى أم أيمن، وذلك قبل زمن رد المنائج، قال النووى: وهو محمول على أن أم
أنس أعطته صلى الله عليه وسلم الثمرة يفعل فيها ما شاء، من أكله بنفسه وعياله وضيفه، وإيثاره
بذلك من يشاء، فلهذا آثر بها أم أيمن، ولو كانت أم أنس أباحت الثمرة له خاصة لما أباحها لغيره،
لأن المباح له بنفسه لا يجوز له أن يبيح ذلك الشىء لغيره، بخلاف الموهوب له نفس رقبة الشيء،
فإنه يتصرف فيه كيف شاء.
(لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار
منائحهم التى كانوا منحوهم من ثمارهم) ((خيبر) مدينة كبيرة، ذات حصون ومزارع على بعد
نحو مائة وثلاثين ميلا من المدينة إلى جهة الشام وكانت الغزوة فى المحرم وصفر سنة سبع من
الهجرة على الصحيح، وغنم المسلمون منها مغانم كثيرة، حتى قال بعضهم: ما شبعنا من التمرحتى
فتحنا خيبر، غنموا البقر والإبل والمتاع والحوائط.
فخير النبى و # الأنصار بين أن يقتسموا الغنائم مع المهاجرين، وبين أن يعطيها المهاجرين،
مقابل أن يتركوا لهم منائحهم، فاختاروا عودة منائحهم إليهم، فقد روى الحاكم فى الإكليل ((قال
النبى ®® للأنصار لما فتح النضير: إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله على، وكان المهاجرون على ما
هم عليه من السكنى فى منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا عنكم، فاختاروا الثانى)»
وعائد الصلة فى قوله ((منائحهم التى كانوا منحوهم)) محذوف، تقديره: التى كانوا منحوهم إياها من
ثمارهم. و((منائح)) جمع منيحة والمنيحة والمنحة العملية.
(فرد رسول اللَّه ◌َ ﴿ إلى أمى عذاقها، وأعطى أم أيمن مكانهن من حائطه) فى الرواية
الثانية زيادة تفصيل، ففيها ((وإن أهلى أمرونى أن آتى النبى ®، فأسأله ما كان أهله أعطوه أو
بعضه)) يحتمل أن يكون من سبيل التجريد، والأصل ما كان أهلى أعطوه والمراد بأهله أمه ((وكان
النبى # قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي ®، فأعطانيهن)) أى أمر بإعطائى إياها، وردها إلى أمى
((فجاءت أم أيمن)) فعلمت بالأمر بإعادة العذاق إلينا ((فجعلت الثوب فى عنقى)) أى شدت ثوبه من
عنقه ((وقالت: والله لا نعطيكهن وقد أعطانيهن)) أى ورسول اللَّهِ * يرى ويسمع «فقال نبى اللَّه ◌ُ﴾:
يا أم أيمن. أتركيه، ولك كذا وكذا)، كناية عن نخلات مماثلة عرضها فى مكان آخر ((وتقول: كلا)) لا
أرضى بديلا ((والذى لا إله إلا هو، فجعل يقول: كذا)) أى يعرض عليها مضاعفا ((حتى أعطاها عشرة
أمثاله)) أى أمثال العذق ((أو قريبا من عشرة أمثاله)) وفى معظم النسخ ((والله لا يعطيكاهن)) قال
٢٠٢

النووى: وهو صحيح، كأنه أشبع فتحة الكاف، فتولدت منها ألف، وفى بعض النسخ ((واللّه ما
نعطاكهن)» وفى بعضها ((لا نعطيكهن)).
وقوله ((مكانهن من حائطه)) هكذا هوفى رواية مسلم، وفى رواية للبخارى ((مكانهن من خالصه))
أى من خالص ماله، قال ابن التين: المعنى واحد، لأن حائطه صارله خالصا.
(وكان من شأن أم أيمن - أم أسامة بن زيد - أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد
المطلب [أى خادمة له] وكانت من الحبشة) قال النووى: هذا تصريح من ابن شهاب أن أم
أيمن - أم أسامة بن زيد - حبشية، وكذا قال الواقدى وغيره، ويؤيده ما ذكره بعض المؤرخين أنها
كانت من سبى الحبشة، أصحاب الفيل، وقيل إنها لم تكن حىشية، وإنما الحبشية امرأة أخرى، واسم
أم أيمن التى هى أم أسامة بركة، كنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشى، صحابى، استشهد يوم خيبر.
قاله الشافعى وغيره.
(فلما ولدت آمنة رسول اللَّه ﴿ - بعد ما توفى أبوه - فكانت أم أيمن تحضنه،
حتى كبر رسول اللَّه ﴿) جواب ((لما)) محذوف، نقديره: فلما ولدت آمنة رسول اللّهِمُ﴿ بعد
ماتوفى أبوه انتقل ملكها إلى رسول اللّه :﴿، فكانت تحضنه إلخ، وكان رسول اللّه * يقول: ((بركة
أمى بعد أمى)».
(ثم أنكحها زيد بن حارثة) فولدت له أسامة، وكان أسود أفطس، توفى آخر أيام معاوية،
سنة ثمان أو تسع وخمسين، ومات النبى ₪ وهو ابن عشرين سنة.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١ - قال النووى: فيه فضيلة ظاهرة للأنصار، فى مواساتهم وإيثارهم، وما كانوا عليه من حب الإسلام
وإكرام أهله، وأخلاقهم الجميلة، ونفوسهم الطاهرة، وقد شهد اللَّه تعالى لهم بذلك، فقال تعالى
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَُّوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩].
٢- وفيه فضيلة للمهاجرين، حيث لم تطب نفوسهم أن يقبلوا منيحة خالصة بدون مقابل، وكرهوا أن
يكونوا كَلاَّ على غيرهم.
٣- فى قوله ((رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التى كانوا منحوهم من ثمارهم)» دليل
على أن هذه المنائح كانت منائح ثمار، وليست تمليكا لرقاب النخل، إذ لو كانت هبة
الرقبة النخل لم يرجعوا فيها، فإن الرجوع فى الهبة بعد القبض لا يجوز، وإباحة الثمر
يجوز الرجوع فيها.
٢٠٣

٤- فى إعطاء أم أيمن منيحة أم أنس تكريم لها، وتقدير لدورها فى تربيته#، واعتراف وشكر
لجميلها، وكذا فى تعويضها، والزيادة فيه حتى رضيت.
٥- استطابة قلب من تعلقت نفسه بشيء قبل أخذ هذا الشيء، وإنما رفضت أم أيمن تسليم المنيحة
لمعليها لتعلق نفسها بها تعلقا يصعب عليها التسليم بسهولة، قال النووى: لأنها ظنت أنها
كانت هبة مؤبدة وتمليكا لأصل الرقبة. اهـ وأقول: ومع ذلك لم يكن لها أن تتوقف عن تنفيذ الأمر
الصادر إليها من الرسول ، فالطاهر أن هذا التوقف منها كان على سبيل الإدلال والطمع فى
كرمه، والرغبة فى الحصول على زيادة خيره وعطائه، وقد تحقق لها بهذا الإدلال ما أرادت.
٦- فى الحديث منقبة وفضيلة ظاهرة لأم أيمن رضى اللَّه عنها.
٧- وفى الحديث مشروعية هبة المنفعة، دون الرقبة.
٨- وفيه فرط جوده وكرمه وحلمه وآ﴾ ..
٩- وفيه حرص الإسلام على العزة والكرامة ورفع الهامة، لتخليص المهاجرين من عطاء الأنصار، ومن
عملهم فى أرضهم.
والله أعلم
٢٠٤

(٤٨٦) باب جواز الأكل من طعام الغنيمة
فی دار الحرب
٤٠٤٢ - ٣٢عَن عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَ﴾(٧٢) قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا مِن شَحْمٍ يَوْمَ
خَيْبَرَ. قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ. فَقُلْتُ: لا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ مُتَبَسِّمًا.
٤٠٤٧ - ٣ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَفَّلٍ عَ﴾(٧٣) يَقُولُ: رُمِيَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ وَشَخْمٌ يَوْمَ
خَيْبَرَ. فَوَقَبْتُ لَآخُذَهُ. قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِلَ﴿َ فَاسْتَحْبَيْتُ مِنْهُ.
٤٠٤٨ - - وفي رواية عَن شُعْبَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «جِرَابٌ مِن شّحْمٍ»
وَلَمْ يَذْكُرِ «الطَّعَامَ)».
المعنى العام
الغلول وهو أخذ شىء من الغنيمة قبل قسمتها من أكبر الكبائر، ورد فيه وعيد شديد فى القرآن
الكريم والسنة النبوية، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وحذر منه
صلى الله عليه وسلم، ولو كان شراكا، خيطا يربط به النعل، لكن الضرورات - كما يقول الأصوليون -
تبيح المحظورات، والضرورات تقدر بقدرها.
الجائع شديد الجوع يجد طعاما ملكا للكفار فى دار الحرب يحصل علبه بطريق ما كغنيمة، هل
ينتظر حتى يحوزه الجيش، ويقسمه الإمام كغنيمة؟ أو يسد منه جوعته؟ وفى ذلك بلا شك إذن عام
من الإمام، وكذا لو كانت دابته جائعة، وحصل على علف لها فى دار الحرب أيطعمها لتقوى على
حمله؟ أو ينتظر حتى تقسم الغنائم؟ الصحابى الجليل عبد الله بن مغفل، مقاتل من جنود اللّه فى
غزوة خيبر، وقد حاصروا حصنا من حصونها، وطال بهم انتظار الفتح، ونفدت أزوادهم، فأكلوا لحوم
الحمر الأهلية، وأكلوا النباتات الأرضية، حتى البصل والثوم، وحتى مص النوى، وفى هذه المجاعة
يتبرع ساكن أو ساكنة من القصر المحاصر بكيس من جلد، يملؤه طعاما ويلقيه على جند الإسلام،
فيثب ويقفز عبد الله بن المغفل فيلتقطه، ويسارع فيلتقم لقمة منه، ويراه جامع الغنيمة، فيحاول
أخذه منه، ويلتفت الرجلان وراءهما فإذا النبى 18 مبتسما، وهو يقول لجامع الغنمية: اتركه. ويقول
(٧٢) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّرِخَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَفِّلٍ
(٧٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا بَهْرُ بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بَّنَ هِلالٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ
- وحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
٢٠٥

لعبد الله: هولك. ويخجل عبد اللَّه لما أتى من القفز والحرص والاقتناص للجراب أمام الرسول و ل﴾ه
وكان ينبغى أن يكون على غير هذا، وأن يحافظ على وقاره ومروءته وقناعته رضى الله عنه.
المباحث العربية
(أصبت جرابا من شحم يوم خيبر) الجراب بكسر الجيم وفتحها، لغتان، الكسر أفصح
وأشهر، وهو وعاء من جلد، يحفظ فيه الزاد ونحوه، والجمع أجربة، وجرب بضم الجيم وسكون الراء،
وفى الرواية الثانية ((رمى إلينا جراب فيه طعام وشحم يوم خيبر)) وعند البخارى ((كنا محاصرين
قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم)) وعند أحمد ((دلى جراب من شحم يوم خيبر)» وكانت قد
أصابت المسلمين مجاعة أيام الحصار.
(قال: فالتزمته) أى فتعلقت به فأخذته، وفى الرواية الثانية ((فوثبت لأخذه)) أى فأخذته.
وعند البخارى ((فنزوت لآخذه)) أى وثبت مسرعاً يقال: نزا الفحل نزوا بفتح النون وسكون الزاى،
ونزوا بضم النون والزاى وتشديد الواو، ونزوانا بفتح النون والزاى والواو، وثب.
وعند ابن وهب أن صاحب المغانم، كعب بن عمرو بن زيد الأنصارى أخذ منه الجراب، فقال
النبى ◌ُ ﴾، ((خل بينه وبين جرابه))
(قال: فالتفت فإذا رسول الله ﴿ مبتسما) فى الرواية الثانية ((فاستحييت منه)) فلعله
استحيا من وثبه وإسراعه وحرصه مما لا يليق بالكرامة والمروءة، وفى الرواية الأولى ((فقلت: لا أعطى
اليوم أحدا من هذا شيئا)) فربما كان قد قالها بصوت مرتفع، فسمعها رسول اللّه/*، فاستحيا من
قوله هذه العبارة، وزاد أبو داود الطيالسى فى آخره ((فقال: هولك)).
فقه الحديث
ترجم البخارى لهدا الحديث بباب ما يصيب من الطعام فى أرض الحرب، قال الحافظ ابن
حجر: أى ما يصيب المجاهد من الطعام فى أرض الحرب، هل يجب تخميسه فى الغانمين؟ أو يباح
أكله للمقاتلين؟ وهى مسألة خلاف، والجمهور على جواز أخذ الغائمين من القوت، وما يصلح به
القوت، وكل طعام يعتاد أكله عموما، وكذلك علف الدواب، سواء كان قبل القسمة أو بعدها، بإذن
الإمام، وبغير إذنه، والمعنى فيه: أن الطعام يعز فى دار الحرب، فأبيح للضرورة [والحديث ظاهر فى
هذا، وموضع الحجة منه عدم إنكار النبى ®، بل فيه ما يدل على رضاه، لقوله ((مبتسما)» ويؤيد هذا ما
فى بعض الروايات من قوله ((هولك))] قال: والجمهور أيضا على جواز الأخذ ولولم تكن الضرورة
ناجزة، واتفقوا على جواز ركوب دوابهم، ولبس ثيابهم، واستعمال سلاحهم فى حال الحرب، ورد ذلك
بعد انقضاء الحرب، وشرط الأوزاعى فيه إذن الإمام، وعليه أن يرده إذا فرغت حاجته، ولا يستعمله
٢٠٦

فى غير الحرب ولا ينتظر برده انقضاء الحرب، لئلا يعرضه للهلاك، قال: وحجته حديث رويفع بن
ثابت مرفوعا «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم، فيركبها، حتى إذا أعجفها
ردها إلى المغانم)» وذكر فى الثوب مثل ذلك، وهو حديث أخرجه أبو داود والطحاوى، ونقل عن أبى
يوسف أنه حمله على ما إذا كان الآخذ غير محتاج، عنده دابته وثوبه، بخلاف ما ليس له ثوب ولا
دابة. وقال الزهرى: لا يأخذ شيئاً من الطعام ولا غيره إلا بإذن الإمام، وقال سليمان بن موسى: يأخذ
إلا إن نهى الإمام، وقال ابن المنذر: قد وردت الأحاديث الصحيحة فى التشديد فى الغلول، واتفق
علماء الأمصار على جواز أكل الطعام، وجاء الحديث بنحو ذلك، فليقتصر عليه، وأما العلف فهو فى
معناه، وقال مالك: يباح ذبح الأنعام للأكل، كما يجوز أخذ الطعام، وقيده الشافعى بالضرورة إلى
الأكل حيث لا طعام.
وقال القاضى: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين، ما دام المسلمون فى دار الحرب،
فيأكلون منه قدر حاجتهم، وجمهورهم على أنه لايجوز أن يخرج معه منه شيئًا إلى عمارة دار الإسلام،
فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم، وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع شىء منه فى دار الحرب ولا غيرها.
وفى هذا الحديث: دليل لجواز أكل شحوم ذبائح اليهود، وإن كانت شحومها محرمة عليهم، وهو
مذهب مالك وأبى حنيفة والشافعي وجماهير العلماء، وقال الشافعى وأبو حنيفة والجمهور: لا كراهة
فيها، وقال مالك: هى مكروهة، وقال بعض أصحاب أحمد: هى محرمة، وحكى هذا أيضا عن مالك،
واحتج الشافعى والجمهور بقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قال
المفسرون: المراد به الذبائح، ولم يستثن منها شيئا، لا لحما ولا شحما ولا غيره.
وفيه حل ذبائح أهل الكتاب، وهو مجمع عليه، ولم يخالف إلا الشيعة، قال النووي: ومذهبنا
ومذهب الجمهور إباحتها، سواء سموا اللَّه تعالى عليها أم لا، وقال قوم: لا يحل إلا أن يسموا اللَّه
تعالى، فأما إذا ذبحوا على اسم المسيح أو كنيسة أو نحوها فلا تحل تلك الذبيحة عندنا، وبه قال
جماهير العلماء.
وفيه ما كان عليه الصحابة رضى الله عنهم من توقير النبى{ ®، ومن معاناة التنزه عن
خوارم المروءة.
٢٠٧

(٤٨٧) باب كتب النبى له إلى هرقل ملك الشام
وإلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الإسلام
٤٠٤٩ - ٤َّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٧٤) أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ مِن فِيهِ إِلَى فِيهِ. قَالَ:
انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِعَ ﴿ِ. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْمِ إِذْ جِيءَ
بِكِتَابٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﴿ إِلَى هِرَقْلَ يَعْنِي عَظِيمَ الرُّومِ. قَالَ: وَكَانَ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءً بِهِ.
فَدَفْعَهُ إِلَى عَظِيمٍ بُصْرَى. فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ. فَقَالَ: هِرَفْلُ هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِن قَوْمِ
هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنْهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى
هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِن هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ
أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا. فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِيٍ. ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ.
فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. قَالَ:
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانٌ: وَايْمُ اللَّهِ لَوْلا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ
كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِيْنَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانٌ مِن آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قُلْتُ: لا.
قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: وَمَنْ يَتَبِعُهُ أَشْرَافُ
النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا بَلْ
يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَن دِيبِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ:
فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ
سِجَالا يُصِيبُ مِنَّ وَنُصِيبُ مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لا، وَتَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لا نَدْرِي مَا هُوَ
صَانِعٌ فِيهَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ مّا أَمْكَنَنِي مِن كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا
الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ، فَرَعَمْتَ أَنَّهُ
فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَّ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ،
فَرَعَمْتَ أَنْ لا، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِن آبَائِهِ مَلِكٌ؛ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَن
أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ. فَقُلْتَ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ
تَتْهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَزَعَمْتَ أَنْ لا فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ
عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ
(٧٤) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَابْنُ أَبِي عُمِرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ وَاللَّفْظُ لابْنٍ رَافِعٍ قَالِ ابْنُ رَافِعٍ وَابْنُ أَبِي
عُمَرّ خَدَّثْنَا وَقَالَ الآخَرَانِ أَخْبُوَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةً عَنِ ابْنٍ غَبَّاسٍ
٢٠٨

سَخْطَةٌ لَهُ. فَرَعَمْتَ أَنْ لا. وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونْ
أَوْ يَنْقُصُونَ. فَرَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ. وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَعَمْتَ
أَنْكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالا، يَنَّالُ مِنْكُمْ وَتَتَالُونَ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ
الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ. فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لا يَغْدِرُ. وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ
لا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ. فَرَعَمْتَ أَنْ لا. فَقُلْتُ لَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ
أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ رَجُلٌ الْتَمَّ بِقَوْلِ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأْمُرِّنَا بِالصَّلاةِ
وَالزَّكَاةِ وَالصَّلَةِ وَالْعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ
خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لِأَحْبَيْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ
لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ. وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَقْرَأَهُ،
فَإِذَا فِيهِ «بِسْمُ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلامٌ عَلَى
مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ. فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ
مَرََّيْنٍ، وَإِنْ تَوَلَيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِبِسِيِّنَ وَ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَا
وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِنْ
تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونٌ﴾» [آل عمران/ ٦٤]. فَلَمَّا فَرَغَ مِن قِرَاءَةِ الْكِتَّابِ،
ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ اللَّغْطُ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِ حِينَ خَرَجْنَا:
لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولٍ
اللَّهِ وَ﴿ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ، حَتّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلامَ.
٤٠٥٠ - - وفي رواية عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا
كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِن حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ شُكْرًا لِمَا أَبْلاهُ اللَّهُ. وَقَالَ فِي
الْحَدِيثِ «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَقَالَ «إِثْمَ الْيَرِيسِينَ». وَقَالَ «بِدَاعِيَةِ الإِسْلامِ».
٤٠٥١- ٥ْ عَنْ أَنَسٍ ◌َِ(٧٥) أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِوَلِ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى فَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ،
وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنِّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ.
- وحَدَّثْنَاه حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالا حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ إِنْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَّبِي عَنْ صَالِحٍ
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
(٧٥) حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّدٍ الْمَعْنِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَن سَعِيدٍ عَنِ قَتَادَةً عَنْ أَنْسٍ
- وحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءِ عَن سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةً حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
٢٠٩

٤٠٥٢ -- وفي رواية عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴿(٦) عَنِ النَّبِيِّلَّ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُلْ وَلَيْسَ
بالنِّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيِّ ◌َِلّ.
المعنى العام
فى أوائل سبع من الهجرة كتب النبى # كتبا إلى الملوك والأمراء ورؤساء القبائل والعشائر
يدعوهم فى هذه الكتب إلى الله تعالى وإلى الإسلام.
كتب إلى كسرى ملك الفرس، فمزق الكتاب، فقال :* حين بلغه ذلك: مزق اللّه ملكه
كما مزق کتابی.
وكتب إلى النجاشى ملك الحبشة، فأحسن وفادة حامل الكتاب، وطل كافرا، مع أن أباه
النجاشى كان قد أسلم، وكان قد آوى المهاجرين إلى الحبشة، وزوج الرسول 8# أم حبيبة وأصدقها
عنه، ولما مات صلى عليه رسول اللَّه ◌ُ ﴾.
وكتب إلى هوذة بن على حاكم اليمامة، والمنذر بن ساوى حاكم هجر، وجيفر وعباد ابنى الجلندى
بعمان، وابن أبى شمر الغسانى، وإلى مسيلمة، وإلى المقوقس.
وعلى رأس هؤلاء وهذه الكتب كتاب هرقل، وهو ما يحدثنا عنه فى هذا الحديث أبوسفيان ابن
حرب، الذى أسلم يوم فتح مكة، وكان فى زمن كتاب هرقل هذا زعيم مشركى مكة، وقائد أعداء رسول
اللَّه ◌ِ.
يقول أبو سفيان: فى أوائل سريان الهدنة بين قريش وبين محمد # المنصوص عليها فى صلح
الحديبية، انطلقت على رأس نفر من قريش إلى الشام تجارا، وبينما نحن فى سوق الشام نتاجر إذ
هجم علينا شرطة هرقل. أنتم من مكة؟ قلنا نعم. أنتم من قريش؟ قلنا: نعم. أنتم تعرفون محمد بن
عبد الله الذى يدعى أنه نبى؟ قلنا: نعم. قالوا: هيا معنا إلى هرقل، وساقونا جميعا، نحوا من ثلاثين
رجلا، قلنا لهم ما الخبر؟ قالوا: إن هرقل جاءه كتاب من محمد الذى يدعى أنه نبى، سلمه إليه حاكم
بصرى، إحدى مدن مملكة هرقل، بعد أن سلمه إياه عربى مسلم يدعى دحية الكلبى، ليوصله إلى هرقل،
فلما قرأ هرقل كتاب محمد { 2 قال: إن هذا كتاب خطير، يهتم به كل الاهتمام، ثم جمع حاشيته
وخواصه، وقال لهم: هل هنا فى الشام، فى حمص هذه عاصمة ملكى أحد من قوم هذا الرجل الذى
يزعم أنه نبى؟ قالوا: نعم. إن الكثيرين منهم فى سوق المدينة. فنادى رئيس شرطته، وبلهجة الحزم
والشدة قال له: قلب المدينة ظهرا لبطن حتى تأتينى برجل أو رجال من قوم هذا الذى يدعى أنه نبى،
(-) وِحَدَّيِهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ أَخْبُرَنِي أَبِي حَدَّفَبِي خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ آَنَسٍ مَ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ وَلَيْسَ بِالْجَاشِيِّ
الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النّبِيُّ ◌َ﴾.
٢١٠

بحثنا عنكم حتى وجدناكم. فهيا إلى القصر، فلما علم بوصولنا دعانا إلى مجلسه، فأدخلنا عليه، فإذا
هو جالس فى مجلس ملكه، وعليه التاج المرصع باللؤلؤ والجواهر، وحوله عظماء الروم، وعنده بطارقته
والقسيسون والرهبان، وبين يديه حراس مدججون بالسلاح، منظرهم يثير الرعب والرهبة، فأمر بنا أن
نجلس أمامه بين يديه، فجلسنا على فراش الأرض فدعا بترجمانه، وطلب منه أن يسألنا: أيكم أقرب
نسبا من هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى؟ قال أبو سفبان: فقلت: أنا أقربهم إليه نسبا. قال: ما قرابتك
منه؟ قلت: هو ابن عمى. قال: اقترب. وأجلسونى وحدى بين يديه، وأجلسوا أصحابى خلفى عند
ظهرى. يا لهذا الداهية؟ إنه يخص الأقرب نسبا بالأسئلة، لأنه الأكثر اطلاعا على أموره، ظاهرا
وباطنا، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح فى نسبه، يا لهذا الداهية؟ أنه أجلسه وحده بين يديه، وأجلس
أصحابه خلفه لئلا يستحيوا منه إذ يكذبونه إن كذب، لأن المواجهة بالتكذيب، ويتكذيب السيد
الكبير صعبة محرجة، فكونهم خلفه يجعل تكذيبهم له أهون عليه.
ثم قال لترجمانه: قل لهم: إنى سائل هذا عن الرجل الذى يدعى أنه نبى، والسؤال فى
الحقيقة موجه إليكم جميعا، فإن كذبنى فكذبوه، وإن أخطأ فصوبوه، وأصدقونى القول، ولا
تخفوا على شيئا من الأمر. يقول أبو سفيان: وكنت فى داخلى أتمنى أن أسيء إلى محمد
ولو كذبا، ولكنى كنت أخاف أن يمسك على قومى كذبا، فأظل فى نظرهم بعد عودتنا كذابا،
والكذب عند العرب لا يليق بكرام الرجال فضلا عن رؤسائهم، إننى لا أخاف من أصحابى
أن يكذبونى أمام هرقل، فأنا واثق من عدم تكذيبهم لى لو كذبت، لمقامى عندهم
ولاشتراكهم معى فى عداوة محمد/، فوالله لوكذبت ما ردوا على، ولكنى كنت امرأ سيدا،
أتكرم عن الكذب، وأخشى أن يأخذ على رفقائى كذبا. وسألنى هرقل:
هذا الذى يزعم أنه نبى. كيف حسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم؟ ومن ذوى الأصل فيكم؟
قال أبو سفيان قلت: هو صاحب حسب كبيرفينا.
سأل هرقل عن طريق الترجمان: هل كان من آبائه ملك؟ قال أبو سفيان: لا. لم يكن
من آبائه من ملك.
سأل هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجاب أبو سفيان: لا.
سأل هرقل: ومن الذين يتبعونه؟ أشراف الناس ؟ أم ضعفاؤهم؟ أجاب أبو سفيان:
بل ضعفاؤهم.
سأل هرقل: أيزيدون؟ أم ينقصون؟ أجاب أبو سفيان: بل يزيدون.
سأل هرقل: هل يرتد أحد منهم عن دينه؟ ساخطا عليه بعد أن يدخله؟ أجاب أبو سفيان: لا.
سأل هرقل: هل قاتلتموه؟ أجاب أبو سفيان: نعم.
سأل هرقل: كيف كان قتالكم إياه ؟ يغلبكم ؟ أم تغلبونه؟ أجاب أبو سفيان: تارة يغلبنا وتارة
٢١١

نغلبه، فالحرب بيننا وبينه نوبا، نوبة له، ونوبة لنا. غلبنا مرة يوم بدر، وأنا غائب، وغزوته فى بيته،
فبقرنا البطون، وجدعنا الآذان.
سأل هرقل: فهل يغدربكم إذا عاهد؟ قال أبو سفيان: لا. وأراد أبو سفيان أن ينال من محمد حلم
فلم يجد إلا أن يشكك فى وفائه بالعهد،فقال: وبيننا وبينه عهد، لا ندرى أيغدربنا؟ أم يفى؟.
سأل هرقل: هل ادعى أحد منكم قبله مثل ما يدعى؟ قال: لا.
وهنا بدأ هرقل يعلن لهم هدفه من الأسئلة واستنتاجاته من الإجابات، فقال:
سألتك عن حسبه؟ فقلت: إنه فينا ذو حسب، وكذلك الرسل نبعث فى أفضل أنساب قومها.
وسألتك هل كان فى آبائه ملك؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو كان من آبائه ملك جاز أن يكون طالبا
ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه. الأشراف أم الضعفاء؟ فقلت: الضعفاء.
وهكذا أتباع الرسل، لأن الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون، فيسرعون
للانقياد واتباع الحق. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب؟ فقلت: لا. فعرفت أنه ما كان ليترك
الكذب على الناس، ثم يكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه الجديد ساخطاً عليه بعد
أن يدخله؟ فقلت: لا. وكذلك الإيمان إذا خالط غشاء القلوب لا يزول عنه. وسألتك هل قاتلتموه؟
وكيف كانت نتيجة قتالكم إياه؟ فقلت: إن الحرب بينكم وبينه سجالا، وهكذا الرسل يبتلون
بالهزيمة، ثم نكون لهم العاقبة، وسألتك هل يغدربكم؟ فقلت: لا. وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك: هل
قال هذا القول أحد معاصر قبله؟ فقلت: لا. قلت: لوقال هذا القول أحد قبله قلت: رجل يأتم بغيره
ويقول ما يقولون. ثم سألتك. بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والصدقة وصلة الأرحام والعفة. وكذلك
الرسل. ولقد كنت أعلم أن نبيا سيرسل فى آخر الزمان، لكنى كنت أتوقعه من بنى إسرائيل وليس
منكم، أما اليوم فقد ظهر أنه من العرب، لقد كنت أقرأ أوصافه التى ذكرت، ففى التوراة نحو ما
سمعت من علامات النبوة، إن يكن ما قلته حقا فهو النبى # الذى سيملك أتباعه مكان قدمى
وملكى، ولو كنت أستطيع أن أصل إليه ماشيا لفعلت، ولغسلت بيدى رجليه، خضوعا له وتبركا به،
ولكنى أخاف من قومى أن يقتلونى، لقد كان لى صديق قسيس أسقف أظهر إسلامه، وألقى ثيابه
التى كانت عليه، ولبس ثيابا بيضا، وخرج على الروم، فدعاهم إلى الإسلام، وشهد شهادة الحق، فقاموا
إليه، فضربوه حتى قتلوه، إننى أخافهم، ولولا ذلك لتكلفت المشى إليه، ثم دعا بكتاب رسول اللَّه ◌َله
فقرأه القارئ وترجمه الترجمان وسمعه بالعربية أبو سفيان، فسمع: بسم الله الرحمن الرحيم من
محمد رسول اللَّه إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى ((أما بعد)» فإنى أدعوك بدعوة
الإسلام. أسلم تسلم فى الدنيا والآخرة. أسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين، مرة على إيمانك بعيسى، ومرة
على إيمانك بمحمد عليهما الصلاة والسلام فإن توليت ورفضت ولم تسلم فإنما عليك إثمك وإثم
أتباعك الذين يقتدون بك ويتبعونك فى دينك، ثم ختم الكتاب بالآية الكريمة ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ
تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْتَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن
دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤].
٢١٢

ثم طوى الكتاب وبمظاهر التكريم حفظه، وظهر عليه الميل نحو الإيمان، فكثر اللغط فى المجلس
وارتفعت الأصوات باستنكار الكتاب واستنكار ما فيه، فأمر هرقل بإخراج أبى سفيان وأصحابه
فخرجوا، فقال أبو سفيان لأصحابه لما خلا بهم. إن أمر محمد سيعظم، إن هرقل يخاف محمدا، قال
أبو سفيان: ودخلنى الخوف من محمد، وأيقنت أنه لا محالة ظاهر وغالب، حتى أدخل الله فى قلبى
الإسلام، فأسلمت عام الفتح، بعد هذه الحادثة بسنتين.
هذا ما كان مع أبى سفيان، وأما ما كان من شأن هرقل فقد غزا جيش كسرى بلاده، ثم انهزم
الفرس فمشى هرقل على قدميه من حمص إلى بيت المقدس شكرا لله تعالى، وهو مازال فى داخله
يعالج أمر الإيمان بمحمد ₪، ويجاهد أن يؤمن ويعلن إسلامه مع الاحتفاظ بعرشه وملكه، إنه كان
يتمنى أن يسلم قومه الروم بل حاول أن يدعوهم إلى ذلك صريحا، فقد روى البخارى أنه دعا زعماء
الروم وعظماءهم إلى قصره، وأغلق عليهم أبوابه، ثم طلع عليهم من شرفة عالية، فقال لهم: يا معشر
الروم. هل لكم فى الفلاح والرشد؟ وأن يثبت ملككم؟ بايعوا هذا النبى. فحاصوا حيصة حمر الوحش،
واتجهوا إلى الأبواب، نفورا من هذه الدعوة، ورفضا لها، فوجدوا الأبواب مغلقة، فأعادهم هرقل، وهدأ
من روعهم وغضبهم، وقال لهم: إنى قلت لكم ما قلت لأمتحن مدى تمسككم بدينكم، فشكرا لكم على
شدة تمسككم به، فقد رأيت منكم ماسرنى، فسجدوا له، ورضوا عنه.
واستمر هرقل مظاهرا الروم، وأعد جبوشه ووجهها لحروب المسلمين.
المباحث العربية
(أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه) هذا من أبى سفيان من قبيل التحمل كافرا، والأداء
مسلما، وهذا جائز، ولا شىء فيه، لأن العبرة أن يكون الراوى لأداء ما تحمل وهو عاقل.
وقوله ((من فيه إلى فيه)) قصد به التحقق من السماع، والتوثيق بالرواية، كقولهم سمعته
أذناى ووعاه قلبى، وهو أيضا يرفع إيهام الواسطة، ببن التلميذ والشيخ، وكان حقه أن
يقول: من فيه إلى أذنى. أى من فم أبى سفيان إلى أذن ابن عباس، لكنه آثر المشاكلة
لظهور المراد، وهذا نوع بليغ من البديع.
(انطلقت فى المدة التى كانت بينى وبين رسول الله (*) المعنى انطلقت
إلى الشام تاجرا فى مدة سريان صلح الحديبية الذى عقد أواخر سنة ست من الهجرة،
وكانت مدة الصلح عشر سنين، وقبل: أربع سنين، والأول أشهر، لكن قريشا نقضوا العهد،
فغزاهم النبى 248 سنة ثمان، وفتح مكة، والظاهر أن انطلاق أبى سفيان كان فى السنة
الأولى من صلح الحديبية فى المحرم سنة سبع. وقوله ((بينى وبين رسول اللّه ،{®)) أى بيننا
معشر قريش فى مكة وبين رسول اللّه وكان حينذاك زعيمهم والمتحدث باسمهم
والمتعاقد عنهم، وعند ابن إسحق فى المغازى عن أبى سفيان، قال: ((كنا قوما تجارا،
٢١٣

وكانت الحرب قد حصبتنا، فلما كانت الهدنة خرجت تاجرا إلى الشام، مع رهط من
قريش، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملتنى بضاعة))
(فبينا أنا بالشام إذ جىء بكتاب رسول اللّه إلى هرقل، يعنى عظيم الروم)
((بينا)) ((بين)) زيدت عليها الألف ظرف زمان، منصوب بمعنى المفاجأة فى»إذ» مضاف إلى الجملة
بعده، أى فاجأ كتاب رسول اللَّه ◌َ ل# هرقل وقت وجودى بالشام.
)وهرقل)» هو ملك الروم، وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، هذا هو المشهور، وحكى بكسر
الهاء، وإسكان الراء وكسر القاف، وهو اسم علم لهذا الملك، ولقبه قيصر، وكذا كل ملك من ملوك الروم
يقال له: قيصر، كما يلقب ملك الفرس كسرى.
(وكان دحية الكلبى جاء به) من رسول اللَّهلم﴿، و((دحيه)) بكسر الدال، وحكى فتحها،
لغتان، ويقال: إن معناه الرئيس بلغة أهل اليمن، وهو ابن خليفة الكلبى، صحابي جليل، كان أحسن
الناس وجها، وأسلم قديما، ومات فى خلافة معاوية.
(فدفعه إلى عظيم بصرى) أى أميرها، و ((بصرى)) بضم الباء وسكون الصاد،
والقصر، مدينة ذات قلاع وأعمال، بين المدينة ودمشق، قريبة من طرف البرية التى بين
الشام والحجاز، وهى مدينة حوران.
(فقال هرقل) لحاشيته وخواصه: هذا كتاب لم أسمع بمثله.
(هل هنا) فى الشام.
(أحد من قوم هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى؟) وعند ابن إسحق ((فقال هرقل لصاحب
شرطته: قلب الشام ظهرا لبطن، حتى تأتى برجل من قوم هذا، أسأله عن شأنه. قال أبو سفيان:
فوالله إنى وأصحابى بغزة إذ هجم علينا، فساقنا جميعا)).
(فدعيت فى نفر من قريش) الفاء فصيحة، أفصحت عن جمل محذوفة، أى فبحثوا،
فوجدونا، فأخبروه فدعانا. قيل: كانوا ثلاثين رجلا، وقيل كانوا نحوا من عشرين رجلا، وسمى منهم
المغيرة بن شعبة.
(فدخلنا على هرقل) عند البخارى ((فدعاهم فى مجلسه)) أى دعاهم حالة كونه فى
مجلسه ((وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه)) وعند البخارى فى الجهاد
((فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس فى مجلس ملكه، وعليه التاج)) وعند ابن السكن ((فأدخلنا
عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان )».
(فأجلسنا بين يديه) أى أمامه.
٢١٤

(فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى؟) الظاهر أن هذا السؤال
وجه إليهم عن طريق ترجمان آخر غير الذى سيدعى. وإنما سأل عن الأقرب نسبا لأنه أحرى بالاطلاع
على أموره ظاهرا وباطنا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح فى نسبه، بخلاف الأقرب، وفى
رواية البخارى ((أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل))؟ بالباء بدل ((من)) على تضمين ((أقرب)) معنى
((أوصل)) والزعم يستعمل كثيرا فى المكذوب والمشكوك فيه، وقد يستعمل بمعنى القول، ويأتى فى
المستيقن، كما فى حديث ((زعم جبريل)».
(قال أبو سفيان: فقلت: أنا) وفى رواية البخارى ((قلت: أنا أقربهم نسبا)) وفى رواية ابن
السكن ((فقالوا: هذا أقربنا به نسبا، هوابن عمه أخى أبيه)» وعند البخاري ((قال: ما قرابتك منه؟
قلت: هو ابن عمى)) ((قال أبو سفيان: ولم يكن فى الركب من بنى عبد مناف غیری)».
وعبد مناف الأب الرابع للنبى ₪، وكذا لأبى سفيان، فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف هو
ابن عم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ففى كونه ابن عمه تجوز، وفى رواية ابن السكن «هوابن
عم أخى أبيه» نظر.
(فأجلسونى بين يديه) أى قربونى منه، وقدمونى على أصحابى.
(وأجلسوا أصحابى خلفى) عند البخارى ((فقال: أدنوه منى، وقربوا أصحابه،
فاجعلوهم عند ظهره» أى لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، فكونهم خلفه
يجعل تكذيبهم له أهون عليهم.
(ثم دعا بترجمانه) بضم التاء وفتحها، والفتح أفصح، وهو المعبر عن لغة بلغة أخرى، قال
النووى: والتاء فيه أصلية، وأنكروا على الجوهرى كونه جعلها زائدة.
(فقال له: قل لهم: إنى سائل هذا عن الرجل الذى يزعم أنه نبى) أى إن السؤال فى
ظاهره سيتوجه إلى أبى سفيان، ولكنه فى الحقيقة موجه إليكم جميعا.
(فإن كذبنى فكذبوه) ((كذبنى)) بتخفيف الذال، أى إن نقل إلى كذبا فقولوا له: كذبت
وأصدقونى القول.
(وإيم اللَّه) اسم وضع للقسم، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين، وهو مبتدأ خبره محدوف، أى
وايم الله قسمی.
(لولا مخافة أن يؤثر على الكذب لكذبت) ((يؤثر)) بضم الياء وسكون الهمزة وفتح الثاء،
مبنى للمجهول، يقال: أثر الحديث بفتح الألف والثاء، نقله ورواه عن غيره، يأثر بضم الثاء، أثرا،
بسكونها، وأثارة، والمعنى هذا لولا مخافة أن ينقل عنى رفقتى إلى قومى أنى كذبت، ويتحدثون بذلك
عنى فى بلادى لكذبت عليه، لبغضى إياه، ومحبتى تنقيصه، وفى رواية البخارى «فوالله لولا الحياء
٢١٥

من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه)» أى لكذبت عند الإخبار بحاله، فعدم كذبه ناشىء من خوفه أن
ينقلوا عنه أنه كذب، لاخوف تكذيبهم له فى المجلس، فقد كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو
كذب، لاشتراكهم معه فى عداوة النبى ، لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة، أن يتحدثوا بذلك بعد أن
يرجعوا فيصير عند سامعى ذلك كذا با، صرح بذلك فى رواية ابن إسحق، إذ قال ((فوالله لوقد كذبت
ما ردوا على ولكنى كنت امرأ سيدا، أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما فى ذلك إن أنا كدبته - أن
يحفطوا ذلك عنى، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه)) ثم يقول أبو سفيان عن هرقل وعن مهارته ((فوالله ما
رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف)) أى غير المختون.
(كيف حسبه فيكم؟) المراد من الحسب - بفتح الحاء والسين- النسب، وذلك أنهم كانوا
يعدون مناقب الآباء وشرفهم حين التفاخر بهم، أى ما حال نسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم؟ أم لا؟.
(هوفينا ذوحسب) التنوين فى ((حسب)) للتعظيم، وليس للتحقير، كما ظن بعض الشارحين.
(فهل كان من آبائه ملك)؟ وفى رواية ((فهل كان من آبائه من ملك)) بزيادة ((من)) حرف
جر، بكسر الميم، قال النووي: هكذا هو فى جميع نسخ صحيح مسلم، «فهل كان من آبائه ملك)» ووقع
فى صحيح البخارى ((فهل كان فى آبائه من ملك)) وروى هذا اللفظ بكسر الميم و ((ملك)) بفتح الميم
وكسر اللام، وروى بفتح ميم ((من)) و ((ملك)) بفتح الميم واللام، فعل ماض، والمعنى فى الكل واحد.
(فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟) أى هل كنتم تتهمونه بالكذب على
الناس؟ ولم يقل: هل عهدتم عليه الكذب؟ مبالغة فى صدقه، لأن إقرارهم بنفى التهمة بالكذب أدل
على إقرارهم بصدقه من نفى الكذب، فالتهمة بالكذب قد تكون مع وقوع الكذب غالبا، ومع عدم
وقوعه، فإذا انتفت انتفى العلم بكذبه من باب أولى.
وقوله ((قبل أن يقول ما قال)) من دعوى الرسالة لمحة ذكاء من هرقل، لأنه علم أنهم لم يتبعوه،
فهم لم يصدقوه.
(ومن يتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟) يعنى بأشرافهم: كبارهم وأهل الأحساب
فيهم، وقيل: إن المراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم، لا كل شريف، حتى لا يكون كاذبا فى
مثل أبى بكر وعمر ممن أسلم قبل هذا السؤال، وفى رواية البخارى ((فأشراف الناس اتبعوه أم
ضعفاؤهم»؟ وفى رواية ((أيتبعه أشراف الناس))؟.
(قلت: بل ضعفاؤهم) فى رواية ابن إسحق ((تبعه منا الضعفاء والمساكين، فأما ذوو الأنساب
والشرف فما تبعه منهم أحد)» وهو محمول على الأكثر الأغلب.
(قلت: لا. بل يزيدون) ((لا)) رد للنقصان، أى لا ينقصون، فلما كان المحتمل: لا يزيدون ولا
ينقصون، أضرب واستدرك بقوله: بل يزيدون.
٢١٦

(هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟) ((سخطة)) بفتح السين
وحكى يضمها، والسخط كراهة الشيء، وعدم الرضا به، وأخرج بهذا القيد من ارتد مكرها أولرغبة فى
حظ نفسانى أو غيره، كما وقع لعبيد الله بن جحش بالحبشة.
(تكون الحرب بيننا وبينه سجالا) بكسر السين، أى نوبا - بضم النون وفتح الواو، جمع
نوبة- أى نوبة لنا، ونوبة له، والسجل الدلو الملآى، فكأنه شبه المحاربين بالمستقين، يستقى هذا
دلوا، وهذا دلوا، أى يكون لكل واحد منا سجل.
(يصيب منا ونصيب منه) فى رواية البخارى: ((ينال منا وننال منه» يشير بذلك إلى ما وقع
بينهم فى غزوة بدر وغزوة أحد، وفى رواية ((قال أبو سفيان: غلبنا مرة يوم بدر وأنا غائب، ثم غزونهم
فى بيوتهم ببقر البطون، وجدع الآذان))، وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد، إذ قال: يوم بيوم بدر،
والحرب سجال.
(فهل يغدر؟) بكسر الدال، والغدر عدم الوفاء.
(قلت: لا. ونحن منه فى مدة، لا ندرى ما هو صانع فيها) يعنى ونحن معه فى مدة
الهدنة والصلح الذى جرى بالحديبية، ويلمح بذلك إلى أنه يخشى غدره فى هذه الهدنة، لأن أتباع أبى
سفبان وحلفاءه من شمتهم الغدر الذى يفتح الباب لمحمد # أن يرد هذا الغدر بغدر.
وجاء فى رواية ((إلا أن يغدر فى هدنته هذه، فقال: وما يخاف من هذه؟ فقال: إن قومى أمدوا
حلفاءهم على حلفائه، قال: إن كنتم بدأتم فأنتم أغدر)».
(قال: فوالله ما أمكننى من كلمة، أدخل فيها شيئا غير هذه) أى لم أتمكن في أثناء
حدينى مع هرقل من كلمة أنتقصه فيها وبها إلا هذه الكلمة، ووجه الانتقاص بها أن من يقطع بعدم
غدره أرفع رنبة ممن يحتمل وقوع ذلك منه. ولما كان هذا الأمر غيبا أمن أبو سفيان أن ينسب إليه
أصحابه الكذب فيها، ولهذا أوردها بالتردد، ولهذا لم يعرح عليها هرقل. ففى رواية ابن إسحق: قال أبو
سفيان فوالله ما التفت إليها منى.
(فهل قال هذا القول أحد قبله؟) ممن عاصره وأمكنه الأخذ عنه؟
(وكذلك الرسل تبعث فى أحساب قومها) يعنى فى أفضل أنسابهم وأشرفها، قيل: الحكمة
فى ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل، وأقرب إلى انقياد الناس له، والظاهر أن إخبار هرقل بذلك
بالجزم كان عن العلم المقرر عنده فى الكتب السابقة.
(بل ضعفاؤهم. وهم أتباع الرسل) لكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم، والضعفاء لا
يأنفون، فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق.
(وكذلك الإيمان، إذا خالط بشاشة القلوب) أى وكذلك أمر الإيمان وشأنه، إذا خالط
٢١٧

انشراح الصدور تمكن منها، وعند ابن إسحق ((وكذلك حلاوة الإيمان، لا تدخل قلبا فتخرج منه)» وأصل
البشاشة اللطف بالإنسان عند قدومه، وإظهار السرور برؤيته، يقال: بَشَّ به، وتبشش به، فهو بش،
وبشاش، أى تهلل وضحك إليه.
وكذلك الإيمان يدخل نوره فى القلب، فيظل فى زيادة بسبب التعمق والترقى فى تشاريعه، حتى
يتم، قال تعالى ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢].
و)) بشاشة القلوب)) روى هكذا بنصب ((بشاشة)) وجر («القلوب)) على الإضافة، وروى فى
البخارى بلفظ ((بشاشته)) بالهاء ورفع بشاشة، ونصب ((القلوب)) أى إذا خالطت بشاشته
ونوره وشرحه القلوب.
(وكذلك الرسل، تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة) أى يبتليهم اللَّه بذلك ليعظم أجرهم بكثرة
صبرهم وبذلهم وسعهم فى طاعة اللَّه، وفى النهاية يكون النصر لهم ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١].
(وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا، ومن طلب الآخرة لم يرتكب غدرا ولا شيئا
من القبائح، لكن من طلب الدنيا لم يبال بالغدر وغيره.
(رجل ائتم بقول قيل قبله) فى رواية البخارى ((رجل يأتسى بقول قيل قبله)) وفى رواية
((رجل تأسى بقول قيل قبله)) وفى رواية ((يتأسى)).
(بم يأمركم؟) فى رواية البخارى «بماذا يأمركم»؟
(يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف) قال النووي: أما الصلة فالمراد منها صلة
الأرحام، وكل ما أمر الله به أن يوصل، وذلك بالبر والإكرام وحسن المراعاة، وأما العفاف فهو الكف
عن المحارم وخوارم المروءة، قال صاحب المحكم: العفة الكف عما لا يحل ولا يجمل من قول أو فعل،
يقال: عف يعف عفة وعفافا وعفافة وتعفف واستعف، ورجل عف وعفيف، والأنثى عفيفة، وجمع
العفيف أعفة وأعفاء.اهـ
وفى رواية البخارى ((ويأمرنا بالصلاة والصدق)) وفى رواية له ((بالصلاة والصدقة)) بدل ((الصدق))
ورجحها بعضهم لرواية «الزكاة)» واقتران الصلاة بالزكاة معتاد فى الشرع، ويرجحها أيضا أنهم كانوا
يستقبحون الكذب، فذكر ما لم يألفوه أولى، قال الحافظ ابن حجر: وليس الأمر بالصدق ممتنعا، فقد
جاء فى رواية أمرهم بوفاء العهد وأداء الأمانة، وقد كانا من مألوف عقلائهم، وقد ثبت الصدق
والصدقة معا فى رواية للبخارى فى الجهاد، ولفظها ((بالصلاة والصدق والصدقة)).
وقد جاء فى رواية البخارى ((ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا اللّه وحده، ولا تشركوا به
شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة)) فذكر بعض
الرواة ما لم يذكر الآخر.
٢١٨

قال المازنى: هذه الأشياء التى سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة، إلا أنه يحتمل أنها
كانت عنده علامات على هذا النبى بعينه، لأنه قال بعد ذلك: قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن
أنه منكم. وقيل: هذا الذى قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففى التوراة هذا أو نحوه من علامات
رسول الله﴿، فعرفه بالعلامات، وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة.
(ولو أنى أعلم أنى أخلص إليه لأحببت لقاءه) قال النووي: هكذا هو فى مسلم، ووقع فى
البخارى ((لتجشمت لقاءه)) وهو أصح فى المعنى، ومعناه لتكلفت الوصول إليه، وارتكبت المشقة فى
ذلك، ولكن أخاف أن أقتطع دونه، ولا عذر له فى هذا، لأنه قد عرف صدق النبى {® وإنما شح فى
الملك، ورغب فى الرياسة، فآثرها على الإسلام، وقد جاء ذلك مصرحا به فى رواية البخارى، ولفظها
((ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشى، ومازالت عنه الرياسة )).اهـ
والظاهر أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبى { ₪، اعتباراً بالقس الذى أعلن
الإيمان بمحمد فقتلوه .
(ولوكنت عنده لغسلت عن قدميه) اختلف فى قول هرقل ما قال: هل آمن؟ وهل استمر
على إيمانه أم لا؟ أولم يؤمن أصلا؟ وسيأتى فى فقه الحديث.
(ثم دعا بكتاب رسول اللّه﴿ فقرأه) فى رواية البخارى ((ثم دعا بكتاب رسول اللّه ◌َ﴾
الذى بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه [عطيم بصرى] إلى هرقل، فقرأه)) أى دعا هرقل من وكل
إليه أمر الكتاب قبل هذه الجلسة، فقرأه الترجمان.
(عظيم الروم) فبه عدول عن دكره بالملك أو الأمير، قيل: لأنه معرول بحكم الإسلام، لكنه أكرمه
للتأليف بلفظ ((عظيم الروم)».
(سلام على من اتبع الهدى) فى البخارى فى الاستئذان ((السلام)) بالتعريف.
(أما بعد) ((أما)) فى معنى ((مهما يكن من شىء)) وهى هنا مستأنفة، ليست لتفصيل ما قبلها،
وقد ترد لتفصيل ماقبلها بما يذكر بعدها، وقال الكرمانى: هى هنا للتفصيل، وتقديره: أما الابتداء فهو
اسم الله، وأما المكتوب فهو من محمد رسول الله ... إلخ. كذا قال. اهـ و((بعد)) ظرف مبنى على الضم،
وكان الأصل أن تفتح لواستمرت على الإضافة، فلما قطعت عن الإضافة بنيت على الضم.
(فإنى أدعوك بدعاية الإسلام) ((دعاية)) بكسر الدال، من قولك دعا يدعو دعاية، نحو شكا
يشكو شكاية، وفى ملحق الرواية ((بداعية الإسلام)) أى بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهى شهادة أن لا
إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه. والباء فى ((بداعية الإسلام)) بمعنى إلى.
(أسلم تسلم) فيه جناس الاشتقاق، وهو نوع من البديع، غاية فى البلاغة.
(وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين) قيل: ((أسلم)) الأولى للدخول فى الإسلام، و((أسلم)) الثانية
٢١٩

للدوام عليه. وإعطاؤه الأجر مرتين لكونه كان مؤمنا بنبيه، ثم آمن بمحمد ®، ويحتمل أن يكون
تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون سببا لدخول أنباعه.
(وإن توليت) أعرضت عن الإجابة إلى الدخول فى الإسلام، وحقيقة التولى إنما هى بالوجه، ثم
استعمل مجازا فى الإعراض عن الشيء، استعارة تبعية.
(فإن عليك إثم الأريسيين) جمع أريسى، وهو منسوب إلى أريس، بوزن فعيل، وقد نقلب
همزته ياء، كما فى ملحق الرواية الأولى، قال ابن سبدة: الأريس الأكار، أى الفلاح وقبل: الأريس هو
الأمير، وأنكر ابن فارس أن تكون الكلمة عربية، وقد جاء فى رواية ((إثم الأكارين)) زاد فى هذه الرواية
((يعنى الحراثين)) وفى رواية مرسلة ((إثم الفلاحين)) والمراد بالفلاحين الفلاحون فى مملكته. قال
الخطابى: أراد أن عليك إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليدا له، لأن الأصاغر أتباع الأكابر، قال
الحافظ ابن حجر: وفى الكلام حذف، دل المعنى عليه، وهو: فإن عليك مع إثمك إثم الأريسيين، لأنه
إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفر فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى، وهذا
يعد من مفهوم الموافقة، وقال أبو عبيد: ليس المراد بالفلاحين الزراعيين خاصة، بل المراد بهم جميع
أهل مملكته، وقيل المراد بالأريسيبن اليهود والنصارى أتباع عبد الله بن أريس، الذى تنسب إليه
الأروسية من النصارى، ولهم مقالات فى كتب المقالات، ويقال لهم الأروسيون، وقبل المراد
بالأريسيين الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة، ويأمرونهم بها.
قال النووي: ((الأريسيين)» هكذا وقع فى الرواية الأولى، وهو الأشهر فى روايات الحديث، وفى
كتب أهل اللغة، وعلى هذا اختلف فى ضبطه على أوجه: أحدها بياءين بعد السين، والثانى بياء
واحدة بعد السين، وعلى هذين الوجهين الهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة، والثالث بكسر الهمزة
وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين.
(﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾) الآية الكريمة بدون الواو، قال الحافظ ابن حجر: وهكذا
وقع بإثبات الواو فى أوله، وذكر القاضى عياض أن الواو ساقطة فى رواية الأصيلى وأبى ذر،
وعلى ثبوتها فهى داخلة على مقدر معطوف على قوله ((أدعوك)) فالتقدير: أدعوك بدعاية
الإسلام، وأقول لك ولأتباعك: يا أهل الكتاب، ويحتمل أن تكون من كلام أبى سفيان، لأنه
لم يحفظ جميع ألفاظ الكتاب، فاستحضر منها أول الكتاب فذكره، وكذا الآية، وكأنه قال
فيه: كان فيه كذا وكذا، وكان فيه: يا أهل الكتاب، فالواو من كلامه، لامن نفس الكتاب،
وقيل: إن النبى# كتب ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظه لفظها لما نزلت، والسبب فى هذا
أن هذه الآية فى قصة وفد نجران، وكانت قصتهم سنة الوفود، سنة تسع، وقصة أبى سفيان
كانت قبل ذلك سنة ست، وجوز بعضهم نزول الآية مرتين، وهو بعيد.اهـ
(فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط) ((اللغط)) بفتح الغين
وإسكانها الأصوات المختلفة المتداخلة، وهو الصخب واختلاط الأصوات فى المخاصمة، وفى رواية
٢٢٠