النص المفهرس

صفحات 181-200

وجنوبهم، ومن الصعب على عاقل حكيم أن يأمن العدو فى داخل داره، وكيف يأمن كيِّس لثعبان
يسكنه فى فراشه.
لقد غدر البهود برسول الله﴾* وبالمسلمين مرة ومرة، ونقضوا مواثيقهم من بعد عهدهم، وبدت
البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.
ولمانفد الصبر، وضاق بهم الصدر، ولم يعد لاحتمالهم مجال خيرهم رسول اللّه ◌َ ◌ّ بعن الإسلام
وبين الجلاء، وترك البلاد، على أن لهم أن يبيعوا ما يملكون لمن شاءوا وكيف شاءوا.
مثل أعلى لمعاملة الأعداء المحاربين فى حالة ضعفهم، إنهم بضع مئات من البشر الجبناء، أمام
الآلاف من المؤمنين الأقوياء، من السهل قتلهم فى قتال، ومن السهل أسرهم واغتنام أموالهم ونسائهم
وأولادهم، ولكن أن تترك أرواحهم وأموالهم وذراريهم لهم؟ هذا منتهى الرحمة والمسالمة والإحسان.
المباحث العربية
(بينا نحن فى المسجد) ((بينا)) هى ((بن)» الطرفية، زيدت عليها الألف، وناصبها المفاجأة
فى ((إذ)) والتقدير: فاجأنا خروج الذىي ◌ُ # إلينا وقت وجودنا بالمسجد النبوى بالمدينة.
(انطلقوا إلى يهود) أى انطلقوا معى، و((يهود)) ممنوع من الصرف.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أر من صرح بنسب اليهود المذكورين هنا، والظاهر أنهم بقايا من
اليهود، تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بنى قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم، لأنه كان قبل
إسلام أبى هريرة، وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر، وقد أقر النبى 8* يهود خيبر على أن يعملوا فى
الأرض، واستمروا إلى أن أجلاهم عمر، قال: ويحتمل - والله أعلم - أن يكون النبى { # بعد أن فتح
خيبر سمح لمن كان قد بقى بالمدينة من اليهود بالاستمرار فبها، معتمدين على الرضا بإبقائهم
للعمل فى أرض خيبر، ثم منعهم هنا فى هذا الحديث من سكنى المدينة أصلا.
وسياق كلام القرطبى فى شرح مسلم يقتضى أنه فهم أن المراد بهؤلاء اليهود بنو
النضير، ولعل الذى أوهم ذلك أن مسلما أورد حديث ابن عمر فى إجلاء بنى النضير -روايتنا
الثانية- عقب حديث أبى هريرة - روايتنا الأولى - فأوهم أن اليهود المذكورين فى حديث
أبى هريرة هم بنو النضير، ولكن لا يصح، لتقدمه على مجىء أبى هريرة، وأبو هريرة يقول فى
الحديث إنه كان مع النبى { 94.
وقصة بنى النضير كانت قبل بدر، أو كانت بعد بئر معونة، وعلى الحالين فهى قبل مجىء أبى
هريرة، وسياق إخراجهم مخالف لسياق هذه القصة، فإنهم لم يكونوا داخل المدينة، وإنهم إنما جاءهم
النبى - ليستعين بهم فى دية رجلين، فأرادوا الغدر به، فرجع إلى المدينة، وأرسل إليهم يخيرهم بين
الإسلام وبين الخروج، فأبوا، فحاصرهم، فرضوا بالجلاء، والرواية الثانية توضح ما كان من أمر يهود
١٨١

بنى قريظة، وتشير إلى أن المراد من اليهود هنا جماعة من الفرق المذكورة استمروا فى المدينة،
معتمدين على الرضا، ثم منعهم النبى 8# هنا.
(فقام رسول اللَّه ◌َل فناداهم) القيام هنا ليس عن جلوس، وإنما المراد به البدء والإنشاء،
وفى رواية ((فنادى)».
(فقال: يا معشر يهود) المعشر كل جماعة أمرهم واحد، والجمع معاشر.
(أسلموا تسلموا) من القتال والقتل والإجلاء والمعاداة. وفيه جناس حسن، لسهولة
لفظه، وعدم تكلفه.
(قد بلغت يا أبا القاسم) كلمة مكر وخداع، ليوهموا بذلك أنهم قد سمعوا
وسيطيعون، أى فاطمئن.
(ذلك أريد. أسلموا تسلموا) أى ذلك الاعتراف بأنى بلغت، ولا عذر لكم هو الذى أريده وفى
الكلام قصر طريقه تقديم المفعول على الفعل. أى لا أريد غير ذلك الاعتراف، لأمضى فبما يستتبعه.
(فقال لهم الثالثة) أى فقال لهم: أسلموا تسلموا للمرة الثالثة.
(فقال: اعلموا أنما الأرض لله ورسوله) ((اعلموا)) جملة مستأنفة، فى جواب سؤال مقدر،
ناشئ عن الكلام السابق، كأنهم قالوا فى جواب ((أسلموا تسلموا)) لم قلت هذا وكررته؟ فقال: اعلموا
أنى أريد أن أجليكم، فإن أسلمتم سلمتم من ذلك، ومما هو أشق منه.
وفى رواية ((أن الأرض للَّه ورسوله)) قال الداودى ((للَّه)) افتتاح كلام - أى وتبرك غير
مقصود، والأصل لرسول الله- حقيقة، لأنها مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب.
وقال غيره: إن المراد أن الحكم للَّه فى ذلك ولرسوله، لكونه المبلغ عنه، والقائم بتنفيذ
أوامره، فهى للَّه ورسوله ملكا وحكما.
(وأنى أريد أن أجليكم من هذه الأرض) ((أجليكم)) بضم الهمزة وسكون الجيم، أى أخرجكم،
وزنا ومعنى، قال الهروى: جلى القوم عن مواطنهم، وأجلى القوم عن مواطنهم بمعنى واحد، الاسم
الجلاء، والإجلاء.
(فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه) أى فمن وجد منكم مقابل ممتلكاته شيئا فليبعها،
فوجد من الوجدان أى من وجد مشتريا فليبح، وقيل: من الوجد، أى المحبة، لأن بعضهم يشق عليه
فراق شىء مما يملك، مما لا يستطيع حمله وتحويله، فأذن لهم ببيعه.
(أن يهود بنى النضير وقريظة حاربوا رسول اللَّه وَل) إلخ. طوائف اليهود الثلاثة، قريظة
والنضير وقينقاع وادعهم رسول الله ﴿ فى السنة الأولى من الهجرة على أن لا يحاربوه، ولا يمالئوا عليه
١٨٢

عدوه، فكان أول من نقض العهد منهم بنوقينقاع، فحاربهم فى شوال، بعد وقعة بدر، فنزلوا على
حكمه، وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبى، وكانوا حلفاءه، فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة
إلى أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير، فحاصرهم رسول اللَّهعَ ﴾، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر
وفى اليوم التانى من حصاره لبنى النضير حاصر بنى قريظة، فعاهدوه، فأقرهم، ومن عليهم، فصاروا فى
أمان وذمة، ثم واصل حصار بنى النضير، حتى نزلوا على الجلاء، وأن لهم ما حملت الإبل، إلا السلاح،
فأجلاهم إلى الشام. ولما نحزيت قريش إلى غزوة الأحزاب مالأنهم قريظة وظاهروهم، ونقضوا العهد،
فلما هزم الله الأحزاب أمر رسوله و﴿ بالخروج إلى بنى قريطة، فتحصنوا، فحاربهم، فنزلوا على حكم
سعد بن معاذ، فحكم بقتل مقاتلتهم - وكانوا نحو ثمانمائة رجل، وبسبى نسائهم وذرياتهم، كما
سيأتى فى الباب التالى.
(بنى قينقاع) ((بنى)) بالنصب، بدل من ((يهود المدينة)) وقينقاع بفتح القاف، ويقال بضم
النون وفتحها وكسرها، ثلاث لغات مشهورات.
(لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) أى إن عشت، وكانت هذه
الجملة بمثابة وصية، كما صرح بها وصية عند موته صلى الله عليه وسلم، بلفظ ((أخرجوا
المشركين من جزيرة العرب)».
وجزيرة العرب قيل: مكة والمدينة واليمن واليمامة، وعن ابن شهاب: جزيرة العرب المدينة، وعن
الزبير فى أخبار المدينة: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت، وحضرموت آخر اليمن، وقال
الأصمعى: هى ما لم يبلغه ملك فارس، من أقصى عدن إلى أطراف الشام، وقال أبوعبيد: من أقصى
عدن إلى ريف العراق طولا، ومن جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضا.
وسميت جزيرة العرب لأن بحرفارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها وأضيفت إلى
العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام، وبها أوطانهم ومنازلهم. أما أرض الحجاز فهى ما يفصل بين
نجد وتهامة.
(حتى لا أدع إلا مسلما) أى حتى لا أدع فى جزيرة العرب إلا مسلما. وكأنه عمم الكفار فى
الحكم بعد تخصيص اليهود والنصارى.
فقه الحديث
ترجم البخارى لهذا الحديث بباب إخراج اليهود من جزيرة العرب. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه
اقتصر على ذكر اليهود لأنهم يوحدون اللّه تعالى إلا القليل منهم، ومع ذلك أمر بإخراجهم، فيكون
إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى.
وقد أقر النبى® يهود خيبر، على أن يعملوا فى الأرض، على أن يجليهم حين يريد، وقال: نقركم
١٨٣

بها على ذلك ما شئنا)) ثم أوصى عند موته بإخراج اليهود والنصارى، فأجلى عمر يهود خيبر، وقد روى
البخارى أن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما- خرج إلى ما له فى خيبر، فاعتدى عليه من الليل،
ففدعت يداه ورجلاه - أى نقلت مفاصلهما - ولبس للمسلمين هناك عدو غبرهم، فخطب عمر فى
المسلمين، وقال: هم عدونا ونهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فأجلاهم وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر،
مالا وإبلا وعروضا.
ويؤخذ من الحديث
١- قال النووى: يؤخذ منه أن المعاهد والذمى إذا نقض العهد صار حربيا، وجرت عليه أحكام أهل
الحرب، وللإمام سبى من أراد منهم، وله المن على من أراد.
٢- وأنه إذا من عليه، ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده، وإنما ينفع المن فيما مضى، لا فيما
يستقبل.
٣- من قوله ((فمن وجد منكم بما له شيئا فليبعه)) استدل به على جواز بيع المكره، قال الحافظ ابن
حجر: والحديث ببيع المضطر أشبه، فإن المكره على البيع هو الذى يحمل على بيع الشيء، شاء أو
أبى، واليهود لولم يبيعوا لم يلزموا، ولكنهم شحوا فاختاروا بيعها، فصاروا كأنهم اضطروا إلى
بيعها، كمن رهقه دين، فاضطر إلى بيع ماله، فيكون جائزا، ولو أكره عليه لم يجز.
٤- قال الطبرى: فيه أن على الإمام إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلد غلب عليه
المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم، كعمل الأرض ونحو ذلك، وزعم أن ذلك لا
يختص بجزيرة العرب، بل يلتحق بها ما كان على حكمها، وهذا باطل.
٥- قال النووى: أخذ بهذا الحديث مالك والشافعى وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من
جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعى خص هذا الحكم ببعض
جزيرة العرب، وهو الحجاز، وهو عنده مكة والمدينة والبمامة وأعمالها، دون اليمن وغيره، مما هو
من جزيرة العرب، بدليل آخر مشهور فى كتبه وكتب أصحابه، وقال:
أما مجرد الدخول فقد قال العلماء: لا يمنع الكفار من التردد مسافرين فى الحجاز، ولا يمكنون
من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام، وقال الشافعى وموافقوه: إلا مكة وحرمها، فلا يجوز تمكين
كافر من دخوله بحال، فإن دخله فى حفية وجب إخراجه، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم
يتغير، هذا مذهب الشافعى وجماهير الفقهاء، وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم، إلا المسجد، وعن
مالك: يجوز دخولهم الحرم للتجارة، وحجة الجماهير قول اللَّه تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا
يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
٦- قال النووى: وفى هذا الحديث استحباب تجنيس الكلام ((أسلموا نسلموا)) وهو من بديع الكلام
وأنواع الفصاحة.
والله أعلم
١٨٤

(٤٨٤) باب جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن
على حكم حاكم عدل أهل للحكم وجواز المبادرة بالغزو،
وتقديم أهم الأمرين المتعارضين
٤٠٣٧- ٤َّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ◌َ﴾(٦٤) قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمٍ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ،﴿ إِلَى سَعْدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَّارٍ. فَلَمَّا ذَّنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ لِلْأَنْصَارِ «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)) أَوْ خَيْرِكُمْ، ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَؤُلاءِ نَزَّلُوا عَلَى حُكْمِكَ»
قَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَتَسْسِي ذُرِيَّتَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ النّبِيُّ: ﴿ّ«قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ» وَرَبَّمَا قَالَ
«قَضَيْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ» وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُثَنَّى وَرَّبَّمَا قَالَ «قَضَيْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ».
٤٠٣٨ - ٢ وفي رواية عَن شُعْبَةً(١) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ: فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ«لَقَدْ
حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ)» وَقَالَ مَرَّةٌ «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ».
٤٠٣٩ - ٥ٍّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦٥) قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِن
قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ، رَمَاهُ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ خَيْمَةٌ فِي
الْمَسْجِدِ؛ يَعُودُهُ مِن قَرِيبٍ. فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مِنَ الْخَنْدَقِ، وَضَعَ السِّلاحَ، فَاغْتَسَلَ،
فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ وَضَعْتَ السِّلاحَ، وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ
إِلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَّ«فَأَيْنَ؟» فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ، فَسَزَّلُوا
عَلَى حُكْمٍ رَسُولِ اللَّهِوَ ﴿ّ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿وَ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ. قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ
فِيهِمْ أَن تُقْتَّلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْمَى الذُّرِّيَّةُ وَالنّسَاءُ وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ.
٤٠٤٠ - ٦+ْ عَنِ هِشَامٍ(٦٦) قَالَ: قَالَ أَبِي: فَأُخْبِرَتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ «لَقَدْ حَكَمْتَ
فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
(٦٤) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارِ وَأَلْقَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةً وَقَالَ
الآخَرَانِ حَدَّثَنَا مَّحَمَّذٌ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةٌ بْنَ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبًا
سَعِيدٍ
(١) وحَدَّتَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ عَنِ شُعْبَةً
(٦٥) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَائِيُّ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنٍ ثُمَيْرٍ قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ حَدََّا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ
عَن أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
(٦٦) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّنَا ابْنُ ثُمَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ
١٨٥

٤٠٤١ - ٣ٍِعَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦٧) أَنَّ سَعْدًا قَالَ: وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ،
فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ مِن قَوْمٍ كَذِّبُوا
رَسُولَكَ ﴿ وَأَخْرَجُوهُ. اللَّهُمَّ فَإِن كَانَ بَقِيَ مِن حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِي أُجَاهِدْهُمْ
فِيكَ. اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ
الْحَرْبَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ، فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا. فَانْفَجَرَتْ مِن لَتِهِ فَلَمْ يَرُعُمْ
وَفِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِن بَنِي غِفَارٍ إِلا وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ
مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِنَا مِن قَِلِكُمْ، فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذُّ دَمًّا فَمَاتَ مِنْهَا.
٤٠٤٢- ٦ وعَنْ هِشَامِ(٦٨) بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَانْفَجَرَ مِن لَيْلَتِهِ فَمَا زَالَ يَسِيلُ
حَتَّى مَاتَ. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالْتَّضِيرُ
أَلا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَادٍ
لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ
غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ
وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لا شَيْءَ فِيهَا
أَقِيمُوا قَيْنَقَاعُ وَلا تَسِيرُوا
وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ
كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانِ الصُّخُورُ
.::
وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالا
٤٠٤٣ - ٦/٩٠ْ عَن عَبْدِ اللّهِ رَ﴾(١٩) قَالَ: نَادَى فِيْنَا رَسُولُ اللَّهِ،وَ ﴿ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ
«أَنْ لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَيي
قُرَيْظَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ لا نُصَلِّي إِلا حَيْثُ أَمَرَّنَا رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ، وَإِنْ فَاتَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَّا
عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
المعنى العام
لما انصرف النبى . هو وأصحابه من غزوة الأحزاب، راجعا إلى المدينة كان سعد بن معاذ سيد
(٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةً
(٦٨) وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنِ هِشَامٍ
(٦٩) وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمَّدَ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ حَدَّثْنَا جُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسَّمَاءَ عَن نَافِعٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ
١٨٦

الأوس قد أصيب فى الغزوة فى عرق فى ذراعه، فأمر رسول اللّه * بإقامة خيمة له فى المسجد
النبوى، يعالج فيها، وهو قريب من منازل رسول اللَّه ، ليسهل عليه صلى الله عليه وسلم زيارته
والاطمئنان عليه ورعايته.
ودخل صلى اللَّه عليه وسلم بيته، فوضع سلاحه، وخلع ثياب الحرب، ودخل فاغتسل، وخرج من
مغتسله ففوجئ بجبريل عليه السلام بلباس الحرب، على رأسه غبارها، رآه واقفا خارج البيت، فقام
إليه رسول اللّه فزعا، فقال له جبريل: عذيرك من محارب. أى هات من يلتمس لك العذر فى
سرعة نخلصك من آثار الحرب، والحرب لم تنته بعد، فأخذ رسول اللّه * يمسح الغبار عن وجه
جبريل معتذرا إليه، يسأل عن الخطب، قال له جبريل: عفا الله عنك، وضعت السلاح، ولم تضعه ملائكة
الله، قم، فشد عليك سلاحك. قال صلى الله عليه وسلم: إلى أين؟ فأشار إلى ديار بنى قريطة، إنهم
الذين نقضوا العهد، ونمالئوا مع الأحزاب، فحان وقت عقابهم. هيا. فملائكة اللَّه تسبقكم إليهم.
فأمر رسول الله:﴿ بلالا أن ينادى فى الناس: يا خيل الله اركبى. من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فلا يصلين العصر إلا فى بنى قريطة، ومن لم يصل الظهر فلا يصل إلا فى بنى قريظة، ومن كان
لم يصل العصر فلا يصلين وقته إلا فى بنى قريظة، وتسابق ثلاثة آلاف من المسلمين إلى بنى قريظة،
وكادت الشمس تغرب وهم لم يصلوا بعد إلى ديار بنى قريظة وممتلكاتهم، فقال بعضهم: نؤخر صلاة
العصر حتى نصل الديار ولو للعشاء، فقد نهينا عن صلانها إلا فى بنى قريظة، وقال بعضهم: بل ننزل
ونصلى العصر، فرسول الله : ﴿ لم يرد منا تأخير الصلاة، وإنما أراد الإسراع، ونفذ كل منهم ما رآه، وبلغ
رسول اللّه ﴿ ما فعلوا، فلم يعنف أحدا من الفريقين، فقد اجتهدوا، ولهم أجورهم.
وحاصر المسلمون بنى قريظة بضع عشرة ليلة، ولما اشتد بهم الحصار، وألقى الله فى قلوبهم
الرعب فكروا أن يقتلوا نساءهم وأولادهم، ثم يخرجوا مقاتلين مستقلين، وتراجعوا عن الفكرة،
وفضلوا النزول على حكم رسول اللَّهُ ، على احتمال أن يقبل جلاءهم عن البلاد، كما قبل جلاء بنى
النضير، وكان بنو قينقاع قد حوصروا من قبل، وهم حلفاء الخزرج، فتشفع فيهم رئيس الخزرج عبدالله
ابن أبى، فلم يخرجوا، فطلب الأوس وهم حلفاء بنى قريظة أن يشفعوا لهم، كما شفع الخزرج
لحلفائهم، فقال لهم رسول اللّه ◌ُ﴾: أترضون حكم رئيسكم سعد ابن معاذ فيهم؟ قالوا: نعم، وسئل بنو
قريظة: تنزلون على حكم سعد بن معاذ؟ قالوا: نعم.
فطلب رسول اللّه # حضور سعد من مسجد المدينة، فحملوه بجرحه على حمار، حتى وصل إلى
مقام رسول اللَّه﴿ وحوله الأنصار والمهاجرون، فقال للأنصار: قوموا إلى سيدكم سعد، قوموا له
إجلالا وإكراما وإعزازا لمقامه وجهاده، وقوموا له مهنئين على ما أنعم الله به عليه من أن يكون حكما
بين رسول اللَّه ◌َ * وبين أعدائه، قوموا له مساعدين على إنزاله عن الحمار، وتوصيله إلى مكانه، ونزل
سعد، وجلس بجوار رسول اللّه ، فقال له رسول اللّهِ﴾: إن هؤلاء - بنى قريظة قد نزلوا من
حصارهم على أن تحكم أنت فيهم، وقد رضوا حكمك فيهم، ورضينا نحن حكمك فيهم، فبماذا تحكم
عليهم؟ تذكر سعد خيانتهم المرة بعد المرة، وتذكر تآمرهم مع قريش والأحزاب، وتذكر عداءهم للَّه
١٨٧

ولرسوله وللمؤمنين، وتذكر أنهم لم يستسلموا حين توجه إليهم رسول اللَّه ◌َ ﴿ والمسلمون، ولم يطلبوا
الصلح أو العفو أو الجلاء، بل نصبوا أنفسهم للقتال، وتحصنوا فى حصونهم تذكر أنهم لو أن فى
مقدورهم قتل رسول الله ﴿ والمسلمين لما تأخروا طرفة عين، تذكر أن بقاءهم على الحياة خطر على
المسلمين، وأن فى استئصالهم إرهاباً لعدو الله وعدو المؤمنين تذكر كل ذلك، فقدمه على الحلف الذى
كان بينه وبينهم، وألهمه اللَّه ما أراد، فقال: أحكم فبهم بأن يقتل رجالهم المقاتلون، وأن تسبى
نساؤهم وأولادهم، وتغنم أموالهم للمسلمين. فقال له رسول اللَّه { ل: حكمت فيهم بحكم الله فيهم من
فوق سبع سموات، حكمك هذا موافق لما أوحى إلى به أنه حكم اللَّه فيهم، ألهمك اللَّه النطق بحكمه،
وجعل الحق فيهم على لسانك.
شق لهم خندق فى الأرض، وضربت أعناقهم فيه، وكانوا نحو أربعمائة رجل أو أكثر ووزعت
نساؤهم وأولادهم وأموالهم على جيش المسلمين.
وعاد سعد إلى خيمته، راضيا حامدا شاكرا، يفكر فى مصير نفسه، إنه جريح معركة بين
المسلمين والكفار، إن مات من جرحه مات شهيدا، لكنه يتمنى أن يعيش لبجاهد فى سبيل اللّه،
وليقاتل كفار قريش بصفة خاصة، فهم فى اعتقاده أعتى أعداء الله ورسوله، فهم الذين آذوا رسول اللّه
# وهم الذين أخرجوه وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم الدين يهاجمون المسلمين فى ديارهم
بالمدينة، وهم الذين يؤلبون القبائل والأحزاب عليهم، فجهادهم أعظم جهاد. فماذا يتمنى سعد؟
وبماذا يدعو ربه؟ قال: اللهم إنى أظن أن قريشا يئست من النصر، وأنهم لن يقاتلوا المسلمين بعد
الأحزاب. اللهم إن كان فى قدرك أن حربا ستقوم بيننا وبينهم فأحينى حتى أقاتلهم، وأستشهد فى
معاركهم، وإن كان قدرك أن الحرب قد وضعت أوزارها بيننا وبينهم، وأنه لن يكون قتال يتوقع أن
أستشهد فيه بيننا وبينهم فاهجر جراحتى، لأموت شهيد حرب قريش. وكان جرحه قد ورم، وسرى
الورم من الذراع إلى الكتف إلى الصدر، فانفجر الجرح من أعلى الصدر وأسفل الرقبة، وجرى الدم على
الأرض حتى دخل الخيمة المجاورة لخبمته بالمسجد، ولقى ربه شهيدا مع الذين أنعم الله عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
المباحث العربية
(نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ) بنو قريظة قبيلة من البهود، كانوا يسكنون
ضاحية قريبة من المدينة، وكانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب، نبى الله عليه السلام، وهو محتمل،
وكانوا قبيل إجلاء بنى النضير قد عاهدوا رسول اللّه *، ثم نقضوا العهد عند غزوة الأحزاب وظاهروا
المشركين، فخرج إليهم رسول اللّه # عقب نصر الله المسلمين فى غزوة الأحزاب كما تبين الرواية
الثالثة، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم إليهم لسبع بقبن من ذى القعدة، وخرج إليهم فى ثلاثة
آلاف، فحاصرهم بضع عشرة لبلة، فأجهدهم الحصار، وقذف الله فى قلوبهم الرعب، فعرض عليهم
رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا، أويقتلوا نساءهم وأبناءهم ويخرجوا مستقتلين، أو يبغتوا المسلمين
١٨٨

ليلة السبت، فقالوا: لا نؤمن، ولا نستحل ليلة السبت، وأى عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ فأرسلوا
إلى أبى لبابة بن عبد المنذر، وكانوا حلفاءه، فاستشاروه فى النزول على حكم رسول اللَّه مَ ﴾، فأشار
إلى حلقه - يعنى الدبح - ثم ندم، فتوجه إلى مسجد النبى ﴿، فارتبط به، حتى تاب الله عليه.
وفى الرواية الثالثة ((فنزلوا على حكم رسول اللَّه ﴿، فرد رسول اللّه﴿ الحكم فيهم إلى سعد))
وعند ابن إسحق قال: لما اشتد بهم الحصار أذعنوا إلى أن ينزلوا على حكم رسول الله * فتواثب
الأوس: فقالوا: يا رسول اللَّه قد فعلت فى موالى الخزرج ما علمت - يريدون بنى قينقاع، حيث وهبهم
لعبد الله بن أبى، حيث كانوا حلفاءه، فأخرجهم من المدينة إلى أذرعات - فقال: ألا ترضون أن
يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ، وكانوا حلفاءه.
ولا تعارض، بل يجمع بأنهم نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم، ثم رد الحكم إلى سعد، فقبلوا
النزول على حكم سعد، فسبب رد الحكم إلى سعد على هذا سؤال الأوس.
(فأرسل رسول اللَّه فَ ﴿ إلى سعد) فى الرواية الثالثة ((أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل
من قريش، يقال له: ابن العرقة)) بفتح العين وكسر الراء، بعدها قاف، والعرقة أمه، وهو حبان بكسر
الحاء ونشديد الباء بن قيس، من بنى معيص، بفتح الميم وكسر العبن ((رماه فى الأكحل)) بفتح
الهمزة وسكون الكاف وفتح الحاء، وهو عرق فى وسط الذراع. قال الخليل: هو عرق الحياة، قيل: إذا
قطع لم يرفأ الدم.
))فضرب عليه رسول الله# خيمة فى المسجد، يعوده من قريب)» قال ابن إسحق:
كان رسول اللّه* جعل سعدا فى خيمة رفيدة، وكانت امرأة تداوى الجرحى، فقال اجعلوه
فى خيمتها، لأعوده من قريب، فلما خرج إلى بنى قريظة وحاصرهم، وسأله الأنصار أن
ينزلوا على حكم سعد أرسل إليه، فظاهر كلام ابن إسحق أن سعدا استقدم من مسجد
النبى# بالمدينة، وقيل: استقدم من مسجد كان النبى # أعده للصلاة فيه، فى ديار بنى
قريظة أيام حصارهم، والأول هو الأوفق لما سيأتى.
(فأتاه على حمار) وعند ابن إسحق ((فحملوه على حمار، ووطؤوا له، وكان جسيما)) أى هيئوا له
فراشا على الحمار مبالغة فى راحته.
(فلما دنا قريبا من المسجد) أى المسجد الذى كان النبى ◌ّ أعده للصلاة فيه، فى دياربنى
قريظة، أيام حصارهم، وكان قريبا من مجلس الرسول وا له.
(قال رسول اللَّه ﴿ للأنصار: قوموا إلى سيدكم- أو خيركم) قيام تكريم وتشريف، أو
قياما ليساعدوه على النزول، وسيأتى الكلام على القيام للتشريف فى فقه الحديث، وهل المخاطبون
بذلك الأنصار خاصة؟ أوهم وغيرهم؟
(ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك) أى قال لسعد: إن هؤلاء بنى قريظة نزلوا على حكمك
١٨٩

ووافقناهم، فاحكم فيهم، وفى رواية ((احكم فيهم يا سعد. قال: الله ورسوله أحق بالحكم. قال: قد أمرك
الله تعالى أن تحكم فيهم»
(تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم) ((تقتل ((((نسبى)) بفتح التاء، مبنى للمعلوم والخطاب
لرسول الله ، أى تأمر بقتلهم. وفى الرواية الثالثة ((أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية والنساء،
وتقسم أموالهم)) قال النووى: الذرية تطلق على النساء والصبيان معا.اهـ. وعليه فعطف النساء عليها
فى هذه الرواية من قبيل عطف الخاص على العام، قال ابن إسحق: فخندق لهم خنادق فضربت
أعناقهم، فجرى الدم فى الخنادق، وقسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين.
واختلف فى عدتهم فيما بين أربعمائة وتسعمائة، على أساس عد أتباعهم أو عدم عدهم.
(قضيت بحكم اللَّه - قضيت بحكم الملك) بكسر اللام، أى حكم الله، والشك من أحد
الرواة فى أى اللفظين صدر عن رسول اللّه *، ووقع عند الكرمانى بفتح اللام، وقرره بجبريل، لأنه
الذى ينزل بالأحكام، وفى رواية ((لقد حكمت فيهم اليوم بحكم الله، الذى حكم به من فوق سبع
سموات)) وفى رواية ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة)) جمع رقيع، وهو اسم من
أسماء السماء، قيل: سميت بذلك لأنها وقعت بالنجوم، ومعناه أن الحكم نزل من فوق، ولا يستحيل
وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذى يليق بجلاله.
(فلما رجع من الخندق وضع السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل، وهو ينفض رأسه من
الغبار) وعند الطبرانى والبيهقى، أن عائشة قالت: سلم علينا رجل ونحن فى البيت، فقام رسول الله
* فزعا، فقمت فى إثره، فإذا بدحية الكلبى، فقال: ((هذا جبريل)) وفى رواية ((يأمرنى أن أذهب إلى
بنى قريظة)) وفى رواية ((فكأنى برسول الله﴿ يمسح الغبار عن وجه جبريل)) وعند أحمد والطبرانى
((فأتاه جبريل وإن على ثناياه لنقع الغبار)) إشارة إلى أن آثار غزوة الخندق ما زالت باقية على جبريل
عليه السلام)) وإلى أن المعركة لم تنته، وإلى أن الوقت لا يسمح بالاغتسال، بل يوجب الإسراع.
(وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه. اخرج إليهم) عند ابن سعد ((فقال له جبريل: عفا الله
عنك، وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة اللَّه)) وفى رواية ((قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأدقنهم دق
البيض على الصفا ».
(أن سعدا قال - وتحجر كلمه للبرء -... فقال) الكلم بفتح الكاف الجرح، وتحجر، أى
يبس، والجملة حالية، أى قال هذا القول حالة قرب التئام جرحه وشفائه.
(أن ليس أحد أحب إلى أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولكول®) ((أن)) الأولى
مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وخبرها جملة ((ليس أحد أحب)» وجملة أن
وخبرها سدت مسد مفعولى ((تعلم)) والتقدير: اللَّهم إنك تعلم أن الحال ليس جهاد فى سبيلك أحب
إلى من جهاد أحارب فيه قوما كذبوا رسولك.
١٩٠

(اللهم فإن كان ... ) الفاء عاطفة للجملة بعدها على الجملة قبلها. وإعادة ((اللهم)) لزيادة
الاستعطاف.
(اللهم فإنى أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم) قال بعض الشراح: ولم يصب فى
هذا الظن، لأنه قد وقعت حروب وغزوات بعد ذلك، فيحمل على أنه دعا بذلك، فلم تجب دعوته
بعينها، وادخرله ما هو أفضل من ذلك، كما ورد فى حديث دعاء المؤمن، أو أن سعدا أراد بوضع
الحرب أى فى تلك الغزوة الخاصة، لا فيما بعدها، قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر لى أن ظن
سعد كان مصيبا، وأن دعاءه فى هذه القصة كان مجابا، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش
من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيها من المشركين، فإنه صلى الله عليه وسلم تجهز
إلى العمرة، فصدوه عن دخول مكة، وكادت الحرب أن تقع بينه وبينهم، فلم تقع، كما قال الله تعالى
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] ثم
وقعت الهدنة، واعتمر صلى الله عليه وسلم من قابلَ، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد، فتوجه إليهم
غازيا، ففتحت مكة، فعلى هذا فالمراد بقوله: ((أظن أنك وضعت الحرب)) أى أن يقصدونا
محاربين.اهـ
والذى يظهر لى أن توجيه الحافظ بن حجر بعيد، وفيه تعسف، فسعد كان يتمنى جهاد قريش
ومحاربتهم وغلبتهم وإذلالهم، وأن يكون له فى ذلك إسهام، سواء أكانوا مهاجمين أو كانوا مهاجمين
- بكسر الجيم وفتحها - وقصر تمنيه على كونهم مهاجمين -بكسر الجيم - لا يليق بسعد، ولا بتمنيه،
فكون المسلم مدافعاً فقط لا يليق بنشر الدعوة، ولا بأبطالها الأوائل، ثم إن وضع الحرب بين فريقين
يشمل الهجوم والدفاع، ولا قرينة تخصصه بأحدهما، وهذا من حيث الظن، ولا ينقص المسلم أن يظن
شيئا فلا يتحقق، أما دعاؤه فشيء آخر، ويبدو أنه قصد بدعائه أن يموت شهيدا مجاهدا لكفار قريش
إما بحرب مقبلة، وإما بهذه الحرب، فأجاب الله دعاءه، فمات بسبب جرح ناتج عن إصابته فى
غزوة الخندق.
(فافجرها واجعل موتى فيها) أى فافجر الإصابة والجراحة، وكان الجرح قد ورم، وسرى
الورم من الذراع إلى الصدر ثم إلى الرقبة.
(فانفجرت من لبته) بفتح اللام وتشديد الباء، وهى موضع القلادة من الصدر، أى
كان انفجار الجراحة من نهاية الورم، من اللبة، لا من الذراع، وفى رواية ((فإذا لبته قد
انفجرت من كلمه)) وفى رواية الكشميهنى وروايتنا الخامسة ((من لبته)) قال الحافظ ابن
حجر: وهو تصحيف.
(فلم يرعهم - وفى المسجد معه خيمة من بنى غفار - إلا والدم يسيل إليهم) جملة
((وفى المسجد معه خيمة من بنى غفار)) حالية، ومعنى ((يرعهم)) يفزعهم، والضمير فيها لأهل الخيمة،
وكانت - على ما يقول ابن إسحق- لرفيدة الأسلمية، قال الحافظ: فيحتمل أن تكون لها زوج من بنى
١٩١

غفار، اهـ والاستثناء مفرغ من عموم الفاعل، والتقدير: فلم يفرعهم شىء إلا منظر فظيع والدم یجری
إليهم من الخيمة المجاورة.
(ما هذا الذى يأتينا من قبلكم؟) بكسر القاف وفتح الباء، أى من جهتكم؟
(فإذا سعد جرحه يغذ دما) قال النووى: هكذا هو فى معظم الأصول المعتمدة ((يغذ)) بكسر
الغين وتشديد الذال، ونقله القاضى عن جمهور الرواة، وفى بعضها ((يغذو)) بإسكان الغين وضم الذال،
وكلاهما صحيح، ومعناه يسيل. يقال مذ الجرح يغذ إذا دام سيلانه، وغذا يغذو سال. اهـ
(فما فعلت قريظة والنضير) قال النووى. هكذا هو فى معظم النسخ، وكذا حكاه القاضى عن
المعظم، وفى بعضها ((لما فعلت)) باللام بدل الفاء، وقال: وهو الصواب والمعروف فى السير.اهـ.
(تركتم قدركم لا شىء فيها .. وقدر القوم حامية تفور) الخطاب للأوس، ويوبخ به
الشاعر جبل بن جوال الثعلبى وكان حينئذ كافرا، يوبخ سعد بن معاذ على حكمه بقتل مقاتلة بنی
قريظة، وهذا البيت متل يضرب لعدم الناصر، فكأن الأوس بهذا الحكم فرغوا قدرهم من الطعام،
بفقدهم لبنى قريظة حلفائهم، وكانوا بهم أقوياء، وأشار بعض القوم إلى الخزرج الدين تقووا بحلفائهم
بنى قينقاع، حيث تشفعوا لهم عند النبى # فأبقاهم.
(وقد قال الكريم أبو حباب .. أقيموا قينقاع ولا تسيروا) يمدح عبد الله بن أبى، وهو
أبو حباب رئيس الخزرج، حيث شفع لبنى قينقاع فأقاموا.
(وقد كانوا ببلدتهم ثقالا .. كما ثقلت بميطان الصخور) الكلام عن بنى قريظة، وأنهم
كانوا فى بلادهم بسبب كترة مالهم أقوياء راسخين رسوخ الصخر فى جبل ميطان المعروف فى أرض
الحجاز، فى ديار بنى مزينة، وميطان بفتح المبم على المشهور، وحكى بكسرها.
(ألا يصلين أحد الظهر إلا فى بنى قريظة) ((ألا)) أصلها ((أن)) المفسرة، دخلت
على ((لا)) الناهية.
قال النووي: هكذا رواه مسلم ((لايصلين أحد الظهر)) ورواه البخارى فى باب صلاة الخوف من
رواية ابن عمر أيضا، قال: قال رسول اللّه ﴾ لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلبن أحد العصر إلا فى
بنى قريظة، فأدرك بعضهم العصر فى الطريق، وقال بعضهم: لا نصلى حتى نأتيها، وقال بعضهم بل
نصلى، ولم يرد ذلك منا، فذكر ذلك للنبي (﴿، فلم يعنف واحدا منهم)) ويجمع بين الروايتين فى كونها
الظهر أو العصر باحتمال أن هذا النهى كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلى الظهر بالمدينة بعضهم،
دون بعض، فقيل للذين لم يصلوا الظهر: لا تصلوا الظهر إلا فى بنى قريظة، وللذين صلوا بالمدينة: لا
تصلوا العصر إلا فى بنى قريظة (ويبعد هذا الاحتمال أن النداء صدر مرات بلفظ واحد من شخص
واحد، وهذا الاحتمال يحتاج نداءين مختلفين) كما يبعده اتحاد مخرج الحديث، لأنه عند الشيخين
بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه، فيبعد أن يكون كل من رجال الإسناد قد حدث به على الوجهين،
١٩٢

إذ لوكان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين، ولم يوجد ذلك. قال الحافظ ابن
حجر: ثم تأكد عندى أن الاختلاف المذكور من حفظ بعض رواته، فإن لفظ البخارى مخالف للفظ
مسلم، كما سبق، فالدى يظهر من تغاير اللفظين أن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ الشيخين فيه
حدث البخارى على هذا اللفظ، وحدث مسلما والآخرين بلفظ آخر - فتغيير اللفظ على هذا من شيخ
الشيخين، والنهى كان عن وقت واحد - أو أن البخارى كتبه من حفظه، ولم يراع اللفط، كما عرف من
مذهبه فى تجويز ذلك، بخلاف مسلم، فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا، وإنما لم أجوزعكسه لموافقة من
وافق مسلما على لفظه بخلاف البخارى - فتغييراللفظ على هذا من البخارى، والنهى كان عن وقت
واحد، وهو الطهر - قال الحافظ: وهذا كله من حيث حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره،
فالاحتمالان المتقدمان فى كونه قال الظهر لطائفة، والعصر لطائفة متجه، فيحتمل أن نكون رواية
الظهر هى التى سمعها ابن عمر، ورواية العصر هى التى سمعها كعب بن مالك وعائشة.اهـ
قال النووى: ويحتمل أنه قيل للجميع: لاتصلوا الظهر ولا العصر إلا فى بنى قريظة، ويحتمل أنه
قيل للذين ذهبوا أولا: لا تصلوا الظهرإلا فى بنى قريظة، وللذين ذهبوا بعدهم: لا نصلوا العصر إلا فى
بنى قريظة.
فقه الحديث
يؤخذ من الروايات الثلاث الأولى
١ - جواز التحكيم فى أمور المسلمين، وفى مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه إلا
الخوارج، فإنهم أنكروا على ((على)) التحكيم، وأقام الحجة عليهم.
٢- وجواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر،
وعليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين.
٣- وإذا حكم بالشيء لزم حكمه، ولا يجوز للإمام، ولا لهم الرجوع عنه، ولهم الرجوع قبل الحكم.
قاله النووى.
٤- وفى قوله ((قوموا إلى سيدكم)) فى الرواية الأولى إكرام أهل الفضل، وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا.
قال النووى: هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضى: وليس هذا من القيام
المنهى عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس، ويمثلون قياما طول جلوسه.
قال النووى: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح
فى النهى عنه شىء صريح، وقد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء عليه فى جزء، وأجبت
فيه عما توهم النهى عنه.اهـ
٥- قال ابن بطال: فى هذا الحديث أمر الإمام الأعظم بإكرام الكبير من المسلمين.
١٩٣

٦ - ومشروعية إكرام أهل الفضل فى مجلس الإمام الأعظم، والقيام فيه لغيره من أصحابه،
٧- قال الخطابي: فيه أن قيام المرءوس للرئيس الفاضل ؛ والإمام العادل، والمتعلم للعالم مستحب،
وإنما يكره لمن كان بغير هذه الصفات.
قال الحافظ ابن حجر: وقد منع من ذلك قوم، واحتجوا بحديث أبى أمامة، قال ((خرج علينا النبى
# متوكئا على عصا، فقمنا له فقال: لا تقوموا كما نقوم الأعاجم بعضهم لبعض)» وأجاب عنه
الطبرى بأنه حديث ضعيف مضطرب السند، فيه من لا يعرف.
واحتجوا أيضا بحديث عبد الله بن بريدة: أن أباه دخل على معاوية، فأخبره أن النبى { * قال:
((من أحب أن يتمثل له الرجال قياما وجبت له النار)) وأجاب عنه الطبرى بأن هذا الخبر إنما
فيه نهى من يقام له عن السرور بذلك، لا نهى من يقوم له إكراما له، وأجاب عنه ابن قتيبة بأن
معناه: من أراد أن يقوم الرجال على رأسه، كما يقام بين يدى ملوك الأعاجم، وليس المراد به
نهى الرجل عن القيام لأخيه إذا سلم عليه.
واحتج ابن بطال للجواز بما أخرجه النسائي عن عائشة ((كان رسول اللَّه إذا رأى فاطمة بنته
قد أقبلت رحب بها، ثم قام فقبلها، ثم أخذ بيدها حتى يجلسها فى مكانه)».
وذكر البخارى فى الأدب المفرد حديث كعب بن مالك فى قصة ذوبته، وفيه ((فقام إلى طلحة ابن
عبيد الله يهرول)».
قال الحافظ ابن حجر: ومحصل المنقول عن مالك إنكار القيام مادام الذى يقام لأجله لم يجلس،
ولو كان فى شغل نفسه، فإنه سئل عن المرأة تبالغ فى إكرام زوجها، فتلقاه، وتنزع ثيابه، وتقف
حتى يجلس؟ فقال: أما التلقى فلا بأس به، وأما القيام حتى يجلس فلا، فإن هذا فعل الجبابرة .
وقد أنكره عمر بن عبد العزيز.
وقد أطال الحافظ ابن حجر فى عرض وجهتى نظر الفريقين فى موضوع النزاع، فقال:
نقل المنذرى عن بعض من منع ذلك مطلقا أنه رد على قصة سعد هذه بأن النبى 48* إنما أمرهم
بالقيام لسعد لينزلوه عن الحمار، لكونه كان مريضا، ويستأنس لهذا بما فى مسند عائشة عند
أحمد بلفظ ((قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)) قال الحافظ: وسنده حسن، وهذه الزيادة تخدش
الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه.
واحتج النووى بحديث سعد، ونقل عن البخارى ومسلم وأبى داود أنهم احتجوا، به ولفظ مسلم: لا
أعلم فى قيام الرجل للرجل حديثا أصح من هذا. وقد اعترض عليه الشيخ أبو عبدالله ابن الحاج،
فقال ما ملخصه: لوكان القيام المأمور به لسعد هو المتنازع فيه لما خص به الأنصار، فإن الأصل
فى أفعال القرب التعميم، ولو كان القيام لسعد على سبيل البر والإكرام لكان هو صلى الله عليه
وسلم أول من فعله، وأمربه من حضر من كبار الصحابة، فلما لم يأمر به ولا فعله، ولافعلوه دل ذلك
١٩٤

على أن الأمر بالقيام لغير ما وقع فيه النزاع، وإنما هو لينزلوه عن دابته، لما كان فيه من المرض،
ولأن عادة العرب أن القبيلة تخدم كبيرها، فلذلك خص الأنصار بذلك دون المهاجرين، وعلى
تقدير تسليم أن القيام المأمور به حينئذ لم يكن للإعانة فليس هو المتنازع فيه، بل لأنه غائب
قدم، والقيام للغائب إذا قدم مشروع، ويحتمل أن يكون القيام المذكور إنما هو لتهنئته بما حصل
له من تلك المنزلة الرفيعة من التحكيم والرضا بما يحكم به، والقيام لأجل التهنئة مشروع أيضا.
وأجاب ابن الحاج على احتجاج النووى بقيام طلحة لكعب بن مالك بأن طلحة إنما قام لتهنئته
ومصافحته، ولذلك لم يحتج به البخارى للقيام، وإنما أورده فى المصافحة، ولو كان قيامه محل
النزاع لما انفرد به، فلم ينقل أن النبى ® قام له، ولا أمر به، ولا فعله أحد ممن حضر، وإنما انفرد
طلحة لقوة المودة بينهما على ما جرت به العادة أن التهنئة والبشارة ونحو ذلك تكون على قدر
المودة والخلطة، بخلاف السلام، فإنه مشروع على من عرفت ومن لم تعرف. وإذا حمل فعل طلحة
على محل النزاع، لزم أن يكون من حضر من المهاجرين قد ترك ما هو مندوب، ولا يظن بهم ذلك.
وأجاب ابن الحاج عن احتجاج النووى بقيام النبى8# لفاطمة، باحتمال أن يكون القيام لها
لأجل إجلاسها فى مكانه، إكراما لها، لا على وجه القيام المنازع فيه، ولا سيما ما عرف من ضيق
بيوتهم وقلة الفرش فيها، فكانت إرادة إجلاسها فى موضعه مستلزمة لقيامه.
واحتج النووى أيضا بما أخرجه أبو داود ((أن النبى# كان جالسا يوما، فأقبل أبوه من الرضاعة
فوضع له بعض ثوبه، فجلس عليه، ثم أقبلت أمه، فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر، ثم جاء
أخوه من الرضاعة، فقام فأجلسه بين يديه)» واعترضه ابن الحاج بأن هذا القيام لوكان محل
النزاع لكان الوالدان أولى به من الأخ، وإنما قام للأخ إما لأن يوسع له فى الرداء، أو فى المجلس.
واحتج النووى أيضا بما أخرجه مالك فى قصة عكرمة بن أبى جهل، أنه لما فر إلى اليمن يوم
الفتح، ورحلت امرأته إليه حتى أعادته إلى مكة، مسلما فلما رآه النبى {# وثب إليه فرحا، وما
عليه رداء، واحتج أيضا بقيام النبى 8# لجعفر لما قدم من الحبشة، فقال: ما أدرى بأيهما أنا
أسر: بقدوم جعفر؟ أو بفتح خيبر؟
وبحديث عائشة ((قدم زيد بن حارثة المدينة، والنبى 8 فى بيتى، فقرع الباب، فقام إليه،
فاعتنقه وقبله» وأجاب ابن الحاج بأنها ليست من محل النزاع.
واحتج النووى بعمومات تنزيل الناس منازلهم، وإكرام ذى الشيبة ونوقير الكبير، واعترضه ابن
الحاج بما حاصله أن القيام على سبيل الإكرام داخل فى العمومات المذكورة، لكن محل النزاع
قد ثبت النهى عنه، فيخص من العمومات.
وأخرج الترمذى عن أنس، قال: ((لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﴾، وكانوا إذا رأوه لم
يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك))قال الترمذى: حسن صحيح غريب، وترجم له: باب كراهة
قيام الرجل للرجل. وأجاب النووى عن هذا الحديث من وجهين. أحدهما أنه خاف عليهم الفتنة
١٩٥

إذا أفرطوا فى تعظيمه، فكره قيامهم له لهذا المعنى، كما قال ((لا تطروني)) ولم يكره قيام بعضهم
لبعض، فإنه قد قام لبعضهم، وقاموا لغيره بحضرته، فلم ينكر عليهم، بل أقره، وأمر به، ثانيهما أنه
كان بينه وبين أصحابه من الأنس وكمال الود والصفاء مالا يحتمل زيادة بالإكرام بالقيام، فلم
يكن فى القيام مقصود. ورد عليه ابن الحاج بما لا يسمح له المقام.
وقال الغزالى: القيام على سبيل الإعظام مكروه، وعلى سبيل الإكرام لا يكره، قال الحافظ: وهو
تفصيل حسن.
وعن الوليد بن رشد: أن القيام يقع على أربعة أوجه: الأول محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام
له تكبرا وتعاظما على القائمين إليه، والثانى مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاطم على
القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التشبه بالجبابرة.
والثالث جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، ويؤمن معه التشبيه
بالجبابرة، والرابع مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه، أو إلى من
تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها، أو مصيبة فيعزيه بسببها. والله أعلم.
٨- قال الخطابي: فى الحديث جواز إطلاق السيد على الخير الفاضل.
٩- وفى الحديث تحكيم الأفضل من هو مفضول.
١٠- وجواز الاجتهاد فى زمن النبى #، والمسألة خلافية فى أصول الفقه، والمختار الجواز، سواء كان
بحضور النبى # أم لا، واستبعد المانعون وقوع الاعتماد على الطن مع إمكان القطع، لكن لا يضر
ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعيا.
١١- ومن ضرب الخيمة فى المسجد لسعد جواز النوم فى المسجد.
١٢ - وجواز مكث المريض فيه، وإن كان جريحا.
١٣ - واتخاذ المسجد مكانا لعلاج الجرحى.
١٤ - ومن دعاء سعد بجعل موته فى الجراحة جواز تمنى الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهى عن
تمنى الموت، وقيل: هذا ليس من تمنى الموت المنهى عنه، لأن المنهى عنه تمنى الموت لضر
أصابه ونزل به، وهذا إنما تمنى انفجارها ليكون شهيدا.
١٥ - ومن الرواية السادسة مدى اهتمام الصحابة بالصلاة فى وقتها.
١٦ - ومن عدم تعنيف النبى # لأحد من الفريقين أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده، إذا بذل
وسعه فى الاجتهاد.
١٧- وأنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية.
١٨ - ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه.
١٩٦

١٩ - قال السهيلى: وفيه أنه لا يستحيل أن يكون الشىء صوابا فى حق إنسان، وخطأ فى حق غيره،
وإنما المحال أن يحكم فى النازلة بحكمين متضادين فى حق شخص واحد. قال: والأصل فى
ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام، لا أعيان. قال. فكل مجتهد وافق اجتهاده وجها من
التأويل فهو مصيب. اهـ. فكل مختلفين فى الفروع من المجتهدين مصيب.
قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب فى القطعيات واحد،
وخالف الجاحظ والعنبرى. وأما ما لا قطع فيه قال الجمهور أيضا: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك
الشافعى وقرره، ونقل عن الأشعرى، أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظن المجتهد،
وقال بعض الحذفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده، وإن لم يصب ما فى نفس الأمر فهو
مخطئ، وله أجر واحد.
وحديث ((إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه
صادق، فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو
ليتركها)) هذا الحديث يدل على أن المجتهد قد يخطئ، وليس كل مجتهد مصيبا، غاية الأمر أن
المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر
قال الحافظ ابن حجر: ثم الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب، على الإطلاق ليس
بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه. قال: وحاصل ما
وقع فى القصة أن بعض الصحابة حملوا النهى على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت، ترجيحا
للنهى الثانى على النهى الأول، وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن
اشتغل بأمر الحرب، بنطير ما وقع فى تلك الأيام بالخندق، فقد صلوا العصر بعد ما غربت
الشمس لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا أن يكون ذلك عاما فى كل شغل يتعلق بأمر الحرب، ولا
سيما والزمان زمان التشريع، والبعض الآخر حملوا النهى على غير الحقيقة، وأنه كناية عن الحث
والاستعجال والإسراع إلى بنى قريظة.اهـ
ونعود إلى قولهم: كل مجتهد مصيب. مصيب ماذا؟ هل مصيب عين الواقع المراد للمتكلم؟ أو
مصيب فى حكم الشرع، مأمور بالعمل بما أدى إليه اجتهاده؟ ونزيد الأمر وضوحا على قصتنا. لو
أن رسول الله:﴿ قصد من نهيه ((لا يصلين أحد الظهر إلا فى بنى قريظة)) تأخير صلاة الظهر فعلا
لمن لم يصلها إلى أن يصليها فى ممتلكات بنى قريظة كان الذين أخروها مصيبين الواقع
المقصود، والذين صلوا فى الطريق مخطئين الواقع المقصود، وإن كانوا معذورين، لا يعنفون.
فمصيب الواقع هنا واحد ولا شك ولو أن رسول الله قصد من نهيه الحث على الإسراع، ولم يرد
أصلا تأخير صلاة من لم يصل، كان المصلون فى الطريق مصيبين الواقع المراد إذا أسرعوا
المسير، وكان المؤخرون للصلاة مخطئين الواقع المراد، غاية الأمر أننا لم نعرف المصيب من
المخطئ، لأن النبى و لم يعلن عن قصده ومراده من النهى، ولو أنه أبان عن مقصوده لتحدد
الفريق المصيب من الفريق المخطئ، أما لو كان قصده صلى اللّه عليه وسلم كلا من الأمرين
١٩٧

وإباحة كل من الأمرين لمن شاء فكلا الفريقين مصيب للواقع المراد. وفى جميع الحالات الكل
مصيب فى حكم الشرع له أجره، مصيب عين الحقيقة له أجران عند الله، ومخطئ عين الحقيقة
له أجرواحد.
وقد حاول ابن القيم ترجيح رأى الذين صلوا فى الطريق، على أساس أنهم حازوا الفضيلتين:
امتثال الأمر فى الإسراع، وامتثال الأمر فى المحافظة على الوقت، لا سيما فى صلاة العصر.
قال: فاجتهاد الذين صلوا أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى.
٢٠ - واستدل به ابن حبان على أن نارك الصلاة حتى يخرج وقتها لا يكفر، وفيه نظر، لأن التأخير هنا
بطلب من الشارع، وما يقصده ابن حبان التأخير بدون طلب من الشارع وبدون عذر.
٢١ - واستدل به بعضهم على أن الذى يتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها يقضيها بعد ذلك، لأن
الذين لم يصلوا فى الطريق حتى خرج وقتها صلوها بعد ذلك، روى أنهم صلوها فى وقت العشاء،
وروى أنهم صلوها بعد أن غابت الشمس. وفى هذا الاستدلال نظر، لأنهم لم يؤخروها إلا لعذر
تأولوه، والنزاع إنما هو فيمن أخر عمدا بغير تأويل.
٢٢ - استدل به بعضهم على جواز الصلاة على الدواب فى شدة الخوف، وادعى أن الطائفة الذين صلوا
العصر لما أدركتهم فى الطريق إنما صلوها وهم على الدواب، واستند إلى أن النزول إلى الصلاة
ينافى مقصود الإسراع فى الوصول، فصلوا ركبانا ليجمعوا بين دليل وجوب الصلاة ودليل وجوب
الإسراع، لأنهم لو صلوا نزولا لكانوا تاركين لما أمروا به من الإسراع، ولا يظن بهم ذلك مع ثقوب
أفهامهم.
وفى هذا الاستدلال نظر لأن دعوى أنهم صلوا ركبانا تحتاج إلى دليل، ولم يرد صريحا فى شىء
من طرق هذه القصة أنهم صلوا ركبانا.
٢٣ - قال النووى: فى الحديث دلالة لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى.
والله أعلم
١٩٨

(٤٨٥) باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم
من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح
٤٠٤٤- ٣٠ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٧٠) قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ مِن مَكَّةَ الْمَدِينَةَ قَدِمُوا
وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ. وَكَانَ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالْعَقَارِ. فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَن أَعْطَوْهُمْ
أَنْصَافَ ثِمَّارٍ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُونَهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَثُونَةَ. وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ وَهِيَ
تُدْعَى أُمَّ سُلَيْمٍ وَكَانَتْ أُمُّ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةً كَانَ أَخًا لِأَنَسٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ
رَسُولَ اللَّهِ:﴿ عِذَاقًا لَهَا، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ه ◌ُمَّأَيْمَنَ مَوْلاَتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ. قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: فَأَخْبُرَنِي أَنَسُ ابْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌ِ﴿ لَمَّا فَرَغَ مِن قِتَالِ أَهْلٍ خَيْبَرَ وَانْصَرَفَ إِلَى
الْمَدِينَةِ، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمِ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِن ثِمَارِهِمْ. قَالَ: فَرَدَّ
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ إِلَى أُمِّي عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ لَهِ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِن حَائِطِهِ. قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: وَكَانَ مِن شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ أُمَّ أُسَامَةَ بْنٍ زَيْدٍ أَنْهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ. فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَّةُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ بَعْدَ مَا تُؤْفِّيَ أَبُوهُ، فَكَانَتْ أُمُّ
أَيْمَنَ تَحْضُهُ حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ فَأَعْتَقَهَا. ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. ثُمَّ تُؤْقِيَتْ بَعْدَ مَّا
تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِخَمْسَةٍ أَشْهُرٍ.
٤٠٤٥ - ٣١ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٧١) أَنَّ رَجُلًا، وَقَالَ حَامِدٌ وَابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجْعَلُ
لِلْبِيِّ ◌َ﴿َ النَّخَلاتِ مِن أَرْضِهِ حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ وَالنّضِيرُ، فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا
كَانَ أَعْطَاهُ. قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النّبِيَّ ﴿ فَأَسْأَلَهُ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ أَوْ
بَعْضَهُ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِلَ﴿لَقَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ فَأَعْطَانِيهِنَّ. فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ
فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لا نُعْطِيكَاهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِوَجِ «يَا أُمَّ
أَيْمَنَ اتْرُكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا» وَتَقُولُ كَلا وَالْذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ. فَجَعَلَ يَقُولُ كَذَا حَنِّى
أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِن عَشْرَةِ أَمْثَالِهِ.
(٧٠) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ قَالا أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٧١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَحَامِدُ بْنُ عُمِّرَ الْبَكْرَاوِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ كُلُّهُمَّ عَنِ الْمُعْتَمِرِ وَاللّفْظُ لابْنِ أَّبِي
شَيَْةً حَدَّثَنَا مُعَتَمِرُ بْنَ سُلَيْمَانَ الْتَّيْمِيُّ عَنِ أَبِهِ عَنْ أَنْسٍ
١٩٩

المعنى العام
هاجر المؤمنون من مكة إلى المدينة فراراً بدينهم، تاركين ديارهم وأموالهم وأهلبهم وأوطانهم،
وهاجروا خفية من كفار قريش، متسريلين بجنح الظلام أخرجوا من ديارهم، فوصلوا المدينة وهم
ليس فى أيديهم مال يتعيشون منه نزلوا على الأنصار نزول الضيف على صاحب البيت، والأنصار فى
المدينة يملكون البيوت والمزارع والحدائق والأشجار والأرض والمياه والإبل والبقر والغنم والخبل
والقمح والشعير والتمر والكساء والغطاء والذهب والفضة والنساء.
لم يكن بد من التكافل الاجتماعى، فآخى رسول الله { ﴿ بين المهاجرين والأنصار، وربط
أخوة إسلامية وتكافلية ببن رجل من هنا ورجل من هناك وكان الأنصار - بحق - كراماء
أحبوا من هاجر إليهم، ولم يحفظوا فى صدورهم حقدا أو غلا أو كرها أو نبرما بسبب ما
يعطونه للمهاجرين، بل عرضوا عليهم نصف ما يملكون عن طيب خاطر، بل كانوا يؤثرون
المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكان الأنصارى يقول لأخيه المهاجر: انظر
أى زوجتى هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت فتزوجها.
وكان المهاجرون كرام النفوس، أعزة يأبون الضيم والذل، يأبون أن يكونوا عالة وكَلاَّ على غيرهم،
فقبلوا أن يعملوا فى أرض الأنصار وأشجارهم فى مقابل نسبة من ثمارهم، لكن هذا لم يرفع من قيمة
المهاجرين ليعيشوا على قدم المساواة مع الأنصار، فمازال هؤلاء عمالا، وأولئك ملاكا، ومازال هؤلاء
ممنوحين، وأولئك مانحين، فلما حانت الفرصة، وأفاء الله على رسوله من الغنائم ما أفاء، وفى ظل
التفويض الذى منحه الله له أن يصرف هذا الفىء كيف شاء عرض على الأنصار - بعد غنائم خيبر -
أن يختاروا أحد الأمرين:
إما أن يشترك الأنصار والمهاجرون فى عطائه صلى الله عليه وسلم من فىء خيبر، على أن يظل
المهاجرون مشاركين للأنصار فى أموالهم على ما هم عليه، وإما أن يخص بهذا الفىء المهاجرين،
دون الأنصار، على أن يرد المهاجرون للأنصار عطاياهم ومنائحهم، فاختاروا أن ترد لهم منائحهم،
فردها المهاجرون حتى أم أنس التى كانت قد وهبت رسول الله : ثمار نخلات من نخلها استردت
هبتها، وعاد إليها ثمارها، وعادت العزة والكرامة، وتكافؤ الفرص بين المهاجرين والأنصار، مع شكر
الأنصار، والاعتراف بفضلهم وقوة إيمانهم، وسماحة أخلاقهم، رضى اللَّه عنهم أجمعين.
المباحث العربية
(لما قدم المهاجرون من مكة المدينة) يقال: قدم البلد - بكسر الدال، يقدم بفتحها - إذا
دخلها، فهو قادم، فالجار والمجرور مقدم على المفعول، والأصل: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة.
(قدموا وليس بأيديهم شيء) أى ليس معهم شىء من مال، لأنهم أخرجوا من ديارهم
٢٠٠