النص المفهرس

صفحات 141-160

(فلما رأوا السهم وقفوا) خائفين مستسلمين.
(فجئت بهم أسوقهم) أمامى أسرى.
(وفيهم امرأة من بنى فزارة عليها قشع من أدم) ((القشع)) بفتح القاف، وكسرها لغتان
مشهورتان مع سكون الشين.
وفسره الراوى بالنطع، وهو صحيح. اهـ أى عليها كساء من جلد مدبوغ.
(فنفلنى أبوبكرابنتها) ((فنفلنى)) بتشديد الفاء، والتنعيل إعطاء نافلة زائدة على
الحق الواجب.
(وما كشفت لها ثوبا) كناية عن عدم مواقعتها.
(فلقينى رسول اللَّه ◌َ ﴿ فى السوق) أى فى سوق المدينة.
(هب لى المرأة) التى نفلك أبو بكر إياها، وهى ابنة الفزارية.
(فقلت: يا رسول اللّه ◌َ﴿ والله لقد أعجبتنى) اعتذار عن عدم الإجابة إلى الهبة المطلوبة،
لكن بأدب.
فقه الحديث
الحديث ظاهر فى جواز تنفيل الإمام أو القائد بعض الرعية، أو أحد أفراد الجيش، تشجيعا
وإكراما له على جهد فى الخير، قال النووى: وقد يحتج به من يقول: التنفيل من أصل الغنيمة، وقد
يجيب عنه الآخرون بأنه حسب قيمتها، ليعوض أهل الخمس عن حصتهم كما هو ظاهر فيما ترجم له
من جواز فداء أسرى المسلمين.
وجواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف فى جوازه عند الشافعية.
وجواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه، ليفادى به مسلما، أو يصرفه فى مصالح
المسلمين، أو يتألف به من فى تألفه مصلحة، كما فعل صلى الله عليه وسلم هنا وفى غنائم حنين.
وجواز قول الإنسان للآخر: للَّه أبوك، وللَّه درك.
ولهذا الحديث علاقة بباب الأنفال المذكور قبل باب.
والله أعلم
١٤١

(٤٧٩) باب حكم الفىء
٤٠١٩ - ٤٧ عَن هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ(٤٧) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِعَ ﴿ِ. فَذَكَرَ
أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا وَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا.
وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ)».
٤٠٢٠ - الْ عَنْ عُمَرَ ◌َُ(٤٨) قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا
لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ. فَكَانَتْ لِلَِّيِّ ◌َّ خَاصَّةٌ. فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ
تَفَقَةَ سَنَّةٍ وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
٤٠٢١ - ٤٩ّ عَنِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ (٤٩) قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى
النَّهَارُ. قَالَ: فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيٍ، مُفْضِيًّا إِلَى رُمَالِهِ، مُتْكِنًا عَلَى وِسَادَةٍ مِن أَدَمٍ.
فَقَالَ لِي: يَا مَالُ إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِن قَوْمِكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ، فَخُذْهُ، فَاقْسِمْهُ
بَيْنَهُمْ. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا غَيْرِي. قَالَ: خُذْهُ يَا مَالُ. قَالَ: فَجَاءٌ يَرْفًا، فَقَالَ هَلْ لَكَ يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ
فَدَخَلُوا. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمّا. فَقَالَ عَبَّاسٌ يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ اقْضٍ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ. فَقَالَ الْقَوْمُ أَجَلْ يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ وَأَرِحْهُمْ. فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ
لِذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ الَِّدًا أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ قَالَ «لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)»؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ فَقَالَ:
أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ قَالَ «لا نُورَثُ
مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ»؟ قَالا: نَعَمْ. فَقّالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ مَتِ بِخَاصَّةٍ لَمْ
يُخَصِّصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ قَالَ ﴿مّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهْلِ الْقُرَى فَلِلْهِ وَلِلرَّسُولِ﴾
[الحشر/٧] (مَا أَدْرِي هَلْ قَرَأَ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْ لا) قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِلَّ بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ
(٤٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنِّهِ
(٤٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيْبَةً قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا
وقَالَ الآخَرُونَ حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنِ عَمْرٍوٍ عَنِ الزُّهَّرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ عَنَ عُمَرَ
- حَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى قَالَ أَخْبُرَنَا سُفْيَانَ بْنُ عَيَّيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(٤٩) وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةٌ عَنَ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَوْسٍ حَدََّهُ قَالَ:
١٤٢

بَنِي النَّضِيرِ، فَوَ اللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ فَكَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ. ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الْذِي بِذْنِهِ
تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ نَشَدَ عَبَّاسًا وَعَلِيًّا بِمِثْلٍ مَا نَشَدَ بِهِ
الْقَوْمَ، أَتَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ
رَسُولِ اللَّهِ﴿ّ، فَجِئْتُمَّا تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأْتِهِ مِن أَبِيِهَا؛
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ «مَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)) فَرَأَيْثُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا
خَائِنًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ. ثُمَّ تُؤُفّيَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ لَّ
وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ، فَرَأَيْتُمَالِي كَاذِبًا آئِمًا غَادِرًا خَائِمًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ بَارِّ رَاشِدٌ تَابِعٌ
◌ِلْحَقِّ فَوَلِيتُهَا، ثُمَّ جِنْتَنِي أَنْتَ وَهَذَا وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ فَقُلْتُمَا اذْفَعْهَا إِلَيْنَا. فَقُلْتُ:
إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَعْمَلا فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ فَأَخَذْتُمَاهَا بِذَلِكَ. قَالَ أَكَذَلِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. قَالَ: ثُمَّ جِيْثُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا، وَلا وَاللَّهِ لا
أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ.
٤٠٢٢- ١°ْ عَن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَّثَانِ(٥٠) قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ،
فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِن قَوْمِكَ. بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ فَكَانٌ
يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً وَرَبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ: يَحْبِسُ قُوتَ أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةٌ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا
بَقِيَ مِنْهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
٤٠٢٣ - ١ْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٥١) أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّنَّحِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ أَرَدْنُ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّالَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَيَسْأَلَْهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنَ النّبِيِّ ﴿ِ. قَالَتْ
عَائِشَةُ لَهُنَّ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ه«لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ)»؟.
٤٠٢٤ - ٣ْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٥٢) أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ
أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِن رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ هِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ
وَقَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِن خُمْسٍ خَيْبَرَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ «لا تُورَثُ مَا تَرَكْنَا
صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﴿ فِي هَذَا الْمَالِ» وَإِنِّي وَاللَّهِ لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَّةٍ رَسُولِ
(٥٠) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدْقَا وَقَالَ الآخَرَانِ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبُرَنّا
مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِئِّ عَن مَالِكِ بْنِ آَوْسِ
(٥١) حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنَّ يَحْتَى قَالَ قَرِّأْتُ عَلَّى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةً
(٥٢) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ أَخْبُرَنَا حُجَيْنٌ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنَ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةً أَنْهَا أَخْبَتْهُ
١٤٣

اللَّهِفَ﴿َّ عَنِ حَالِهَا الَِّي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مَ﴿ِ، وَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ
رَسُولُ اللَّهِ﴿. فَأَبِى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ؛ شَيْئًا فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي
ذَلِكَ. قَالَ: فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُؤْقِيَتْ. وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِوَ سِنَّةَ. أَشْهُرٍ فَلَمَّا
تُوُفّيَّتْ دَفَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنَ بِهَا أَبَا بَكْرٍ. وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٍّ.
وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وِجْهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَّةَ. فَلَمَّا تُوُفِيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ؛ فَالْتَمَسَ
مُصَالَحَةً أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَايِعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنِ الْتِنَا وَلا يَأْتِنَا
مَعَكَ أَحَدٌ؛ كَرَاهِيَةَ مَحْضَرٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ وَاللَّهِ لا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ
وَحْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا عَسّاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، إِنِّي وَاللَّهِ لآتِنَّهُمْ. فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ.
فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَا بَكْرٍ فَضِيلَتْكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ وَلَمْ
نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَّةُ اللّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا
لِقَرَابَيْنَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو
يَكْرٍ قَالَ: وَالْذِي نَفْسِي بِيْدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِن قَرَابَتِي. وَأَمَّا الَّذِي
شَجَرَ بَيْنِي وَيْنَكُمْ مِن هَذِهِ الأَمْوَالِ فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو
بَكْرٍ صَلاةَ الظُّهْرِ، رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ وَعُذْرَهُ بِالَّذِي
اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ. وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَعَظِّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى
الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الأَمْرِ
نَصِيبًا، فَاسْتُبدَّ عَلَيْنَا بِهِ، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ. فَكَانَ
الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيَّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ.
٤٠٢٥ - ٣° عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٥٣) أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ أَنْيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا
مِن رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِن فَدَكٍ وَسَهْمَهُ مِن خَيْبَرَ. فَقَالَ لَهُمَا أَبُو
بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ّ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ مَعْنَى حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. غَيْرَ
أَنْهُ قَالَ: ثُمَّ قَامَ عَلِيٍّ فَعَظِّمَ مِن حَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ فَضِيَتَّهُ وَسَابِقْتَهُ ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ
فَبَايَعَهُ. فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ: فَقَالُوا أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ. فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ
الأُمْرَ الْمَعْرُوفَ.
(٥٣) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُّ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرْنًا
مَعْمَّرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةً
١٤٤

٤٠٢٦ - ٤ْ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٥٤) زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهَِ
سَأَلَتْ أَبًا بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَّ: أَنْ يَفْسِمَ لَهَا مِرَاتَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ، مِمَّا
أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ّ قَالَ «لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَّةٌ» قَالَ:
وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِوَّ سِنَّةَ أَشْهُرٍ. وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴿ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ. وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا
كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَعْمَلُ بِهِ إِلا عَمِلْتُ بِهِ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِن أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ. فَأَمَّا
صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَغَلْبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٍّ. وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا
عُمَرُ. وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَتَوَائِهِ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ
وَلِيَ الأَمْرَ. قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ.
٤٠٢٧ -°°ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٥٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ «لا يَقْتَسِمُ وَرَقَّتِي دِينَارًا. مَا
تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَنُونَةٍ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ».
٤٠٢٨ - ٦° عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ(٥٦) عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ قَالَ «لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَّةٌ».
المعنى العام
أحل الله الغنيمة وأموال الكفار والمحاربين لرسوله ﴾. وللمسلمين، وإذا كانوا قد استباحوا دماء
المسلمين، واستباح المسلمون دماءهم فى ميادين القتال فأموالهم ليست أعز من دمائهم، وكانت
الحروب فى ديانات سابقة مشروعة، والغنائم مشروعة، لكنها لم تكن يملكها المجاهدون، أما فى
الإسلام فقد أخذت صورا وأشكالا، فما استولى عليه المجاهد المسلم من ملابس كافر وسلاحه وفرسه
وما معه فى مقاتلة بينه وبينه قبل المعركة، هو للمجاهد الذى قتل الكافر، ويسمى بالسلب، وما
استولى عليه جيش المسلمين من أموال الكفار نتيجة لقتال يقسم خمسة أقسام: أربعة منها
للمجاهدين، والخمس يصرفه الحاكم فى مصالح المسلمين، وما تم الاستيلاء عليه من أموال الكافرين
ينفق منه على أهله، ويصرف الباقى فى مصالح المسلمين، ومن هذا النوع الأخير كانت أموال بنى
النضير إذ اصطلحوا قبل القتال على أن يجلوا عن قريتهم ونخيلهم على أن يحملوا ما تستطيعه إبلهم
عدا السلاح، وكذلك أهل فدك من اليهود، ونخيل وهبت لرسول الله : * بالمدينة، كل ذلك حازه رسول
(٥٤) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدََّا أَبِي ح وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ قَالا حَدَّثًّا
يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي ◌َنْ صَالِحٍ عَنِ أَبْنِ شِهَابٍ أَخْبُرَنِي عُرْوَةٌ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةً أَخْبَرَتْهُ
(٥٥) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَّحْتَى قَّالَ قَرَأْتٌّ عَلَى مَالِكٍ عَن أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَحِ عَن أَبِي هُرَيْرَّةَ
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ نْنُ يَحْتَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَّا سُفْيَانُ عَنَ أَبِي الرِّنَادِ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
(٥٦) وحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي خَلَفٍ حَدََّا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٌّ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَن يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الأَعْرَجِ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
١٤٥

اللَّه ◌َ﴾، وكان ينفق منه على أهله، وعلى المحتاجين من المهاجرين،وعلى الفقراء والمساكين
واليتامى وابن السبيل، ونوفى رسول اللَّهَ ﴿، وترك أعيان هذه الأموال.
فظنت فاطمة وزوجها على والعباس ونساء النبى: # رضى الله عنهن أن رقاب وأعيان هذه
الأراضى وهذه النخيل كانت ملكا لرسول الله يورث لفاطمة النصف ولنساء النبى و الثمن
وللعباس عمه الباقى، فطلبوا من أبى بكر أن يسلمهم ميراثهم، فقال لهم: سمعت رسول اللَّه ◌َ * يقول
((لا نورث، ما تركناه صدقة)) وقال لهم: لكم عندى أن أنفق عليكم من هذه الممتلكات كما كان رسول
اللَّه ◌ِ﴿ يفعل، ولكن الأعيان وما زاد عن نفقاتكم ملك للدولة، يصرفها الحاكم فى الوجوه التى كان
رسول اللّه يصرفها فيها، وغضب بعضهم من أبى بكروقبل بعضهم حكم الله، وبعد عامين استخلف
عمر رضيته، فذهب إليه العباس وعلى يستطلعان رأيه فيما ترك رسول الله:﴿، فوجدا رأيه من رأى أبى
بكر، فطلبا منه أن يتوليا إدارة أرض بنى النضير ونخيلهم، وكلاء عن الخليفة، على أن يصرفوها فى
الوجوه التى كان يصرفها فيها رسول اللَّه﴾﴾ وأبو بكر، فسلمها لهم دون قسمة، فاختلفا وتنازعا،
وغلب علىّ عمه عليها، فذهبا إلى عمر مرة أخرى يختصمان، فأنبهما، وهددهما باستيلائه عليها،
وانتزاعها منهما إن لم يتفقاعلى إدارتها، وإن عجزا على أن يصلحا ما بينهما، فقاما من عنده، وتركا
الخصومة، وتنازل العباس لعلى مؤ أجمعين.
المباحث العربية
(الفىء) الغنمية تنال بلا قتال، يقال: فاء فيئا رجع، وأفاء عليه الخير جلبه له، وأفاء عليه المال
جعله فيئا له، دون مقابل.
(أيما قرية أتيتموها، وأقمتم فيها، فسهمكم فيها) ((أيما)) هى ((أى)) زيدت عليها ((ما)).
(وأيما قرية عصت اللَّه ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله، ثم هى لكم) قال القاضى:
يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى الفىء الذى لم يوجف عليه بخيل، ولا ركاب، بل جلا عنه أهله،
أو صالحوا عليه، فيكون سهمهم فيها، أى حقهم من العطايا، كما يصرف الفىء، ويكون المراد بالقرية
الثانية ما أخذ عنوة، فيكون غنيمة، ويخرج منه الخمس، وباقيه للغانمين، وهو معنى قوله ((ثم هى
لكم)) أى باقيها.
(كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون
بخيل ولا ركاب) الإيجاف الإسراع، ولم يختلف العلماء فى أن أموال بنى النضير كانت خاصة
برسول اللَّه ل*، وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب وأنه لم يقع بينهم قتال أصلا.
وكان طوائف اليهود الثلاث، قريظة والنضير وقينقاع قد وادعهم النبى و8 على أن لايحاربوه، ولا
يمالئوا عليه عدوه، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم صلى الله عليه وسلم، فى
١٤٦

شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبى، وكانوا حلفاءه،
فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير، ثم نقضت قريظة.
وكانت غزوة بنى النضير على رأس ستة أشهر بعد وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية
المدينة، فحاصرهم رسول اللَّهَ ﴿، حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما حملت الإبل من الأمتعة
والأموال، إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم، فيهدمونها،
ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم إلى الشام، وكان النبى # قبل بنى النضير يجعل له
الرجل من صحابته نخلات يأكل منها، فلما جعل الله له مال بنى النضير كان يرد عليهم ما كانوا
أعطوه، بل روى أنه صلى الله عليه وسلم قال للأنصار لما فتح النضير: إن أحببتم قسمت بينكم ما
أفاء الله علىَّ، وكان المهاجرون على ماهم عليه من السكنى فى منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم
أعطيتهم وخرجوا عنكم، فاختاروا الثانى، فكان يعطى من الفىء للمهاجرين المحتاجين.
(فكانت للنبى * خاصة) قال النووي: هذا يؤيد مذهب الجمهور أنه لا خمس فى الفئ.اهـ.
وسيأتى الكلام على ذلك فى فقه الحديث.
(فكان ينفق على أهله نفقة سنة) أى يعزل لهم نفقة سنة، ولكنه كان يضيق التقدير، فتنفد
قبل انقضاء السنة لصرف كثير منها فى وجوه الخير، ولهذا توفى صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة
على شعير، استدانه لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيام تباعا.
(وما بقى يجعله فى الكراع والسلاح) الكراع بضم الكاف الخيل، والكراع من الإنسان ما
دون الركبة إلى الكعب، ومن البقر والغنم مستدق الساق العارى من اللحم.
(مالك بن أوس) بن الحدثان بفتح الحاء والدال، قال الحافظ ابن حجر: أبوه صحابى، وأما هو
فقد ذكر فى الصحابة، وقال ابن أبى حاتم وغيره: لا تصح له صحبه. قال الحافظ: لعله لم يدخل
المدينة، إلا بعد موت النبى ، فدخل أبوه وصحب، ونأخر هو مع إمكان ذلك.
(قال: أرسل إلى عمر بن الخطاب) فى رواية البخارى ((بينما أنا جالس فى أهلى
حين متع النهار)) بفتح الميم والتاء، أى علا وامتد، وقيل: هو ما قبل الزوال، وهذا معنى قوله
فى روايتنا: فجئته حين تعالى النهار - ((إذا رسول عمر بن الخطاب، يأتينى، فقال: أجب
أمير المؤمنين، فانطلقت معه، حتى أدخل على عمر)» أى حتى دخلت على عمر، ففيه
التعبير عن الماضى بالمضارع، استحضارا للصورة.
(فوجدته فى بيته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله) بضم الراء وكسرها، والكسر أكثر،
وهو ما ينسج من سعف النخيل، والرمال كل ما نسج، وكان السرير قوائمه من الجريد، وحصيره من
الخوص، والقصد من قوله ((مفضيا إلى رماله)) الإفادة بأنه لم يكن تحته فراش، والعادة على أن يكون
على السرير فراش، ففى رواية البخارى ((على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش)).
١٤٧

(متكئا على وسادة من أدم) بفتح الألف، والدال، والأديم الجلد المدبوغ، والأدمة بفتح الهمزة
والدال باطن الجلد، وفى رواية البخارى ((فسلمت عليه، ثم جلست))
(فقال لى: يامال) أى يا مالك، منادى حذف منه آخره ترخيما، ويجوز فى اللام الكسر، على
الأصل على لغة من ينتظر، والضم على لغة من لا ينتظر، أى على أنه صاراسما مستقلا، فيعرب إعراب
المنادى المفرد، يبنى على الضم فى محل نصب.
(إنه قد دف أهل أبيات من قومك) الدف المشى بسرعة، كأنهم جاءوا مسرعين، للضر الذى
نزل بهم، وقيل: معناه السير اليسير، أى ورد جماعة من قومك شيئًا بعد شيء، يسيرون قليلا قليلا، وفى
رواية البخارى ((إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات)) وكأنهم قد أصابهم جدب فى بلادهم فانتجعوا
إلى المدينة.
(وقد أمرت فيهم برضخ) بفتح الراء وسكون الضاد، وهو العطية غير الكثيرة، وغير المقدرة.
(قلت: لو أمرت بهذا غيرى) ((لو)) للتمنى، أى أتمنى أن تأمر بهذا غيرى، ويحتمل أنها
شرطية محذوفة الجواب. أى لكان خيرا. قال ذلك تحرجا من قبول أمانة قد يخطئ فبها.
(قال: خذه يا مال) الظاهر أنه أخده، لعزم عمر عليه ثانى مرة، وفى رواية البخارى ((فاقبضه
أيها المرء )».
(قال: فجاء يرفا) بفتح الياء وإسكان الراء بعدها فاء ثم ألف غير مهموز، هكذا ذكره الجمهور،
ومنهم من همزه، وهو حاجب عمر بن الخطاب، ففى رواية البخارى ((قال: فبينما أنا جالس عنده أتاه
حاجبه يرفا)) وكان يرفا هذا من موالى عمر، أدرك الجاهلية، ولا تعرف له صحبة، يقال: إنه عاش إلى
خلافة معاوية.
(هل لك فى عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟) زاد فى رواية ((وطلحة))
ونقص فى رواية ((عثمان بن عفان)) والمراد هل تريد دخولهم فآذن لهم؟
(ثم جاء) يرفا مرة أخرى يستأذن عمر.
(فقال: هل لك فى عباس وعلى) وفى رواية البخارى ((هل لك فى على وعباس))؟ زاد فى
رواية ((يستأذنان)»؟
(فقال عباس: يا أمير المؤمنين. اقض بينى وبين هذا ... ) المشار إليه على بن
أبى طالب رحلُ.
قال النووى: قال جماعة من العلماء: معناه هذا الكاذب إن لم ينصف - أى إن لم ينصفنى من
نفسه فهو كاذب، فليس فى ذلك اتهام ولا وصف بالكذب وغيره من الصفات المذكورة. وقال القاضى
٤٨

عياض: قال المازري: هذا اللفظ الذى وقع لا يليق ظاهره بالعباس - أى لا يليق أن يصدر من العباس،
وحاشا لعلى أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف، فضلا عن كلها، لسنا نقطع بالعصمة إلا للنبى وُلّه
ولمن شهد له بها، ولكنا مأمورون بحسن الظن بالصحابة، رضى الله عنهم أجمعين، ونفى كل رذيلة
عنهم، وإذا أنسدت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى رواتها (الأولى أن نقول: نسبنا الخطأ إلى روانها)
وقد حمل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته، تورعا عن إثبات مثل هذا [من
الذين لم يذكروا هذا اللفظ الإمام البخارى] ولعله حمل الوهم على رواته. قال المازري: وإذا كان هذا
اللفظ لابد من إثباته، ولم نضف الوهم إلى رواته. فأجود ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة
الإدلال على ابن أخيه، لأنه بمنزلة ابنه، وقال مالا يعتقده، وما يعلم براءة ذمة ابن أخيه منه، ولعله
قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لوكان يفعل عن قصد، وأن
عليا كان لا يراها إلا موجبة لذلك فى اعتقاده، وهذا كما يقول المالكى: شارب النبيذ ناقص الدين،
والحنفى يعتقد أنه ليس بناقص، فكل واحد محق فى اعتقاده، ولابد من هذا التأويل، لأن هذه القضية
جرت فى مجلس عمر ظه، وهو الخليفة، وعثمان وسعد والزبير وعبد الرحمن رضى الله عنهم، ولم ينكر
أحد منهم هذا الكلام، مع تشددهم فى إنكار المنكر، وما ذلك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما
لا يعتقد ظاهره، مبالغة فى الزجر، قال المازري: وكذلك قول عمر : إنكما جئتما أبا بكر، فرأيتماه
كاذبا آثما غادرا خائنا، وكذلك ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك، وتأويل هذا نحو ما سبق، وهو أن
المراد أنكما تعتقدان أن الواجب أن يفعل فى هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر، فنحن على
مقتضى رأيكما لو أتينا ما أتينا ونحن معتقدان ما تعتقدانه لكنا بهذه الأوصاف، أو يكون معناه أن
الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف، ويتهم فى قضاياه، فكأن مخالفتكما لنا تشعر من رآها
أنكم تعتقدان ذلك فينا. والله أعلم اهـ
وهذا الذي ذكره المازري حسن بالنسبة لقول عمر #، ومقبول، فاختلاف وجهتي نظر بالنسبة
لفهم حديث لا بأس به، لكن الأمر يختلف فى وصف أحد الخصمين الآخر بهذه الأوصاف فى قضية
يعرفها الرأى العام، ويعرف الحق فيها من الباطل، فالمسألة لبست عندية، وإنما هناك حقيقة، أرض
أو ثمرتها، واتفق على أن يتصرف فيها بأسلوب معين، فقد روى عن عائشة قالت: كانت هذه الصدقة
بيد على، منعها عباسا، فغلبه عليها، ثم كانت بيد الحسن، ثم بيد الحسين ثم بيد على بن الحسين
والحسن بن الحسن، ثم يبد زيد بن الحسن ثم بيد عبد الله ابن الحسن، حتى ولى العباسيون
فقبضوها، وزاد بعضهم أن إعراض العباس عنها كان فى خلافة عثمان، قال عمر بن شبة: سمعت أبا
غسان يقول: إن الصدقة المذكورة اليوم بيد الخليفة، يولى عليها من قبله من يقبضها ويفرقها فى أهل
الحاجة من أهل المدينة. قال الحافظ ابن حجر: كان ذلك على رأس المائتين، ثم تغيرت الأمور.اهـ
وفى السنن لأبى داود («أرادا أن عمر يقسمها، لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه، فامتنع عمر من
ذلك وروى أنه قال لهما: «فأصلحا أمركما، وإلا لم يرجع - والله - إليكما، فقاما وتركا الخصومة».
(فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين. فاقض بينهم وأرحهم) فى
١٤٩

رواية ((فقال الزبير بن العوام: اقض بينهما)) فالقائل واحد منهم، ونسب القول
إلى جميعهم لموافقتهم له.
(قال مالك بن أوس: يخيل إلىّ أنهم قد كانوا قدموهم لذلك) أى يظن أوس أن العباس
وعليا قدما هذا الرهط من كبراء القوم لبدخلوا على عمر قبلهم. فيحضروا القضية، ويتدخلوا فى حلها.
(اتئدا) اسم فعل أمر، أى اصبرا وتمهلا حتى أشرح حالكما وحال ما جئتمانى من
أجله، حتى يكون قضائى مبنيا على حيثيات الحكم، وفى رواية البخارى ((تؤيدكم)) وفى
رواية ((أنيدوا)) وفى رواية ((أيتد))
(أنشدكم باللَّه) الخطاب للقوم، أى أسألكم باللّه، مأخوذ من النشيد، وهو رفع الصوت، يقال.
أنشدتك ونشدتك باللّه، ونشدتك اللّه.
(لانورث) أى نحن معشر الأنبياء لانورث وقيل: يتحدث عن نفسه وسيأتى فى فقه الحديث.
(ما تركنا صدقة) برفع صدقة، و((ما)) موصول، والعائد فى هذه الرواية محذوف، ذكر فى
خطابه للعباس وعلى ((ما تركناه)» وبعض جهلة الشيعة يصحفه، وفى رواية ((ماتركناه فهو صدقة)).
(ما أدرى هل قرأ الآية التى قبلها؟ أم لا؟) هذا كلام مالك بن أوس، وأنه يشك هل قرأ عمر
الآية التى قبلها المشتملة على حكمة الخصوصية أولم يقرأها؟ وهى قوله تعالى ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلِ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] نزلت فى بنىّ النضَير، سورة الحشر، وقد ذكر فى رواية البخارى الآية الأولى
التى لم تذكر فى رواية مسلم.
(فقسم رسول اللَّه ◌َ بينكم أموال بنى النضير) أى كان يوزع من ثمر نخل بنى
النضير على أهله وأقاربه كل حسب حاجته، فيدخر لكل منهم قوت سنة، مع إضافة
احتياط للنوائب، ثم يتصدق بجزء من الباقى، ويجعل جزءا لشراء السلاح والعدة والخيل
والركاب للجهاد فى سبيل اللَّه. ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يعط المجاهدين فى
هذه الغزوة شيئا من غنيمتها بصفتهم مجاهدين.
(فوالله ما استأثر عليكم) أى ما قدم نفسه عليكم فى الانتفاع بهذه الأموال.
(ولا أخذها دونكم) فى رواية البخارى ((وواللَّه ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد
أعطاكموه - أى هذا المال- وبثها فيكم)) أى واساكم بها حسب حاجتكم.
(حتى بقى هذا المال) متجددا كل عام، لهذه المصارف.
(فكان يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقى أسوة المال) أى
١٥٠

متأسيا بمال اللَّه، وفى الرواية الرابعة ((يحبس قوت أهله منه سنة، ثم يجعل ما
بقى منه مجعل مال اللَّه عزوجل)).
(فلما توفي رسول اللّه لم﴿ قال أبو بكر: أنا ولى رسول اللَّه ﴿) فى رواية البخاري ((ثم
توفى الله نبيه، فقال أبو بكر)»
(فجئتما) أبا بكر.
(فرأيتماه كاذبا .... ) أى فظننتماه .. والكلام هنا غير الكلام فى ((اقض بينى وبين هذا
الكاذب .. )) لأن هناك مواجهة صريحة بعيدة التأويل. أما هنا فهو تعبير من عمر له عما يظنان، وقد
يكون توهما، وقد يكون على التشبيه، أى حالكما كحال من يظن، وقد يكون منه ومنهما من قبيل
الخواطر والوساوس التى لا يؤاخذ عليها، وليس فى ذلك تصريح بانتقاصهما أبا بكر وعمر، ومع ذلك
كان الزهرى الراوى عن مالك بن أوس يصرح بهذه الألفاظ تارة، ويكنى عنها أخرى، وكذلك كان يفعل
مالك. وهى محذوفة فى رواية البخارى.
(والله يعلم إنه لصادق بارراشد تابع للحق) فى رواية البخارى ((فقبضها أبو بكر، فعمل
فيها بما عمل رسول اللَّه ◌ِ﴿)).
(ثم جئتنى أنت وهذا) الخطاب للعباس، والإشارة لعلى.
(وأنتما جميع وأمركما واحد) أى وأنتما مجتمعان على رأى واحد، وأمر واحد، وفى ذلك
تبكيت على اختلافهما أمامه الساعة.
(فقلتما: ادفعها إلينا) أى ادفع أرض بنى النضير إلينا نقوم نحن بتوزيع ثمارها بالطريقة
التى كان رسول اللَّه يعمل فيها، أى نكون وكلاء عن أمير المؤمنين فى ذلك.
ولا إشكال فى هذه الرواية، لكن جاء فى رواية أن عمر قال: ((جئتنى يا عباس تسألنى نصيبك من
ابن أخيك ... فقلت لكما: إن رسول اللَّه ◌ِ * قال: لا نورث)) قال الحافظ ابن حجر: وفى ذلك إشكال
شديد، وهو أن أصل القصة صريح فى أن العباس وعليا قد علما بأنه صلى اللّه عليه وسلم قال ((لا
نورث)) فإن كانا قد سمعاه من النبى# فكيف يطلبانه من أبى بكر؟ وإن كانا إنما سمعاه من أبى
بكر أو فى زمنه، بحيث أفاد عندهما العلم بدلك. فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر؟.
وفى رفع هذا الإشكال ذكر أقوالا. منها: احتمال أن يكونا قد ظنا أن أبا بكرفهم فى الحديث
فهما قد يفهم غبره عمر، على احتمال أن عموم قوله «لا نورث» مخصوص ببعض مايخلفه دون بعض،
ولذلك نسب عمر إليهما أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما فى ذلك. ومنها أن سؤال العباس لعمر
نصيبه من ابن أخيه، ليقسم الأرض بينه وبين على، يقوم كل منها بالولاية على نصيبه، حيث حصل
الخلاف على الولاية الشائعة بينهما. يؤيد هذا ما جاء عند أبى داود بلفظ «أرادا أن عمر يقسمها،
١٥١

لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه، فامتنع عمر من ذلك، وأراد أن لا يقع عليها اسم التقسيم» وعلى هذا
اقتصر أكثر الشراح، واستحسنوه.
(تسأله ميراثها) ولم يكن بقى من أولاده صلى اللّه عليه وسلم غيرها.
(مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقى من خمس خيبر) قال القاضى عياض:
صدقات النبى # المذكورة فى هذه الأحاديث صارت إليه بثلاثة حقوق. أحدها ما وهب له صلى الله
عليه وسلم وذلك وصية مخيريق اليهودى عند إسلامه يوم أحد، وكانت سبع حوائط فى بنى النضير،
(وكان يهوديا من بقايا بنى قينقاع، نازلاً ببنى النضير، وشهد أحدا، فقال: إن أصبت فأموالى
لمحمد، يضعها حيث أراه الله، فقتل، وكانت أمواله فى بنى النضير) وما أعطى الأنصار من أرضهم،
وهو ما لا يبلغه الماء، وكان هذا ملكا له صلى الله عليه وسلم. التانى حقه من الفىء من أرض بنى
النضير، حين أجلاهم، فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقى منها صدقة رسول اللهلل®، وأما منقولات
بنى النضير فحملوا منها ما حملته الإبل غير السلاح، ثم قسم صلى الله عليه وسلم الباقى بين
المسلمين، وكذلك نصف أرض فدك، صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها، وكان خالصا له،
وكذلك ثلث أرض وادى القرى، أخذه فى الصلح حين صالح أهلها اليهود، وكذلك حصنان من حصون
خيبر، وهما الوطيخ، والسلالم، أخذهما صلحا.
الثالث: سهمه من خمس خيبر، وما افتتح فيها عنوة، فكانت هذه كلها ملكا لرسول الله حق له
خاصة، لاحق فيها لأحد غيره، لكنه صلى الله عليه وسلم كان لا يستأثر بها، بل ينفقها على أهله
والمسلمين وللمصالح العامة، وكل هذه صدقات، محرمات التملك بعده.اهـ
(إنما يأكل آل محمد ® / فى هذا المال) أى لهم النفقة منه، وليس لهم تملك رقبته.
(وإنى لا أغير شيئا من صدقة رسول الله: ﴿ عن حالها التى كانت عليها فى عهد
رسول الله ﴿، ولأعملن فيها بما عمل به رسول اللَّه ﴿) أى إذا كان صلى اللّه عليه وسلم
لا يورث، وإذا كان ما نركه لا تتملك رقابه للورثة من بعده بقيت منافع ما كان يملك على حالها،
ويقوم ولى الأمر مقام رسول اللّه: ﴿ بتوزيعها.
(فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا) من أملاكه صلى الله عليه وسلم لا للتملك، ولا
لتولى أمره، وكذلك فعل أبو بكر مع العباس وعلى ، وإنما كان يعطيهم من ثمرته، فلما كان عمر فعل ما
كان يفعل أبوبكر، غير أنه جعل العباس وعليا ولاة على أرض بنى النضير، كنظار وقف، يصرفان
ثمرته على ما كانت عليه فى عهد الرسول ®، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر، ولم يدفعهما لأحد.
(فوجدت فاطمة على أبى بكر فى ذلك) ((فى)) هنا نعليلية، أى لذلك ولأجل ذلك
وبسبب ذلك، ومعنى ((وجدت)) غضبت، يقال: وجد عليه - بفتح الجيم- يجد عليه -
بكسرها، موجدة، أى غضب.
١٥٢

(فهجرته، لم تكلمه حتى توفيت) قال النووى: ((فلم تكلمه)) يعنى فى هذا الأمر، أو
لانقباضها لم نطلب منه حاجة، أو لم تضطر إلى لقائه فتكلمه، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم
عليه ولا كلمته.اهـ.
وفى رواية البخارى ((فغضبت فاطمة، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرنه حتى توفيت)) وسيأتى
فى فقه الحديث بقية لهذه المسألة.
(وعاشت بعد رسول اللّه * ستة أشهر) هذا هو الصحيح المشهور، وقبل ثمانية أشهر،
وقيل ثلاثة، وقيل شهرين، وقيل سبعين يوما، وعلى الصحيح قالوا: توفيت لثلاث مضين من شهر
رمضان سنة إحدى عشرة.
(وكان لعلى من الناس وجهة حياة فاطمة) ((وجهة)) بكسر الواو، وضمها، أى
إقبال واتجاه وقصد.
(استنكر على وجوه الناس) أى انصرافهم عنه، وضعف إقبالهم عليه.
(فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته) هذا ظن عائشة -رضى الله عنها- فى دوافع على
المصالحة أبى بكر رضى الله عنهما، وهو ظن يخالف ما صرح به فى الحديث، مما سنوضحه بعد، وإن
أضفنا إليه دافعا قلنا: إن غضب فاطمة رضى الله عنها من أبى بكر كان حائلا بينه وبين المصالحة،
فلما نوفيت زال الحائل، وخف غضب على رضى الله عنهم أجمعين.
(ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك) يقصد الخلافة، يقال: نفس الشىء على
فلان، أى حسده ولم يره أهلاله («ننفس)» بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح الفاء، وهو
فى الماضى بكسر الفاء.
(ولكنك استبددت بالأمر) يقال: استبد به إذا انفرد به، وكأن عليا ، كان يرى أنه لوجاهته
ومكانته وفضيلته فى نفسه وقربه من النبى # لا يقضى الأمر بدون مشورته وحضوره.
(وكنا نحن نرى لنا حقا) فى أن تطلب رأينا، وتحرص على مبايعتنا لك.
(لقرابة رسول اللَّه﴿ أحب إلى أن أصل من قرابتى) ((أن أصل)) المصدر المنسبك
مبتدأ ثان، والتقدير: قرابة رسول اللّه* وصلى لها أحب إلى من وصلى لقرابتى.
(وأما الذى شجر بينى وبينكم من هذه الأموال) يقصد طلب فاطمة رضى الله عنها
ميراث أبيها يقال: شجر الأمر بينهم، بفتح الجيم، يشجر بضمها، شجورا، إذا اضطرب وتنازعوا فيه.
قال تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا
مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
١٥٣

(فإنى لم آل فيها عن الحق) أى لم أقصر فيها عن الحق، يقال: ألا بفتح الهمزة واللام يألو،
ألوا بسكون اللام وفتح الهمزة، وألوا بضم الهمزة واللام وتشديد الواو، وأليا بضم الهمزة وكسر اللام
وتشديد الياء أى فتر وضعف وقصر، ومنه: لا آلوك نصحا، ولا آلو جهدا فى رعايتك.
(موعدك العشية للبيعة) أمام الناس، والعشية والعشى من زوال الشمس إلى المغرب، أو من
صلاة المغرب إلى العتمة، وصلاتا العشى الظهر والعصر، والعشاءان المغرب والعشاء.
(رقى على المنبر) بفتح الراء وكسر القاف وفتح الياء، مضارعه يرقى بفتح الياء وسكون الراء
وفتح القاء من باب علم يعلم.
(وذكر شأن على) أى ما جرى بينه وبينه من عتب.
(ولكنا كنا نرى لنا فى الأمر نصيبا) فى الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، وكان النسق
أن يقال: ولكنه كان يرى .. إلخ، والمراد من «الأمر)» أمر الببعة والتشاور فيها، وليس المراد الاشتراك
فى الخلافة.
(فكان المسلمون إلى على قريباً حين راجع الأمر المعروف) الأمر المعروف هو التصالح
والبيعة، وراجع الأمر أى رجع إليه، والمعنى أصبح المسلمون قريبين إلى على، راضين عنه مقبلين
عليه، مادحين فعله، حين رجع إلى الصف، والصلح والببعة، وفى الرواية السابعة ((حين قارب الأمر
بالمعروف)» أى حين دنا ودخل الأمر بالمعروف.
(إنى أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ) أى أن أميل عن الحق إلى الباطل، يقال:
زاغ يزوغ زوغا وزوغانا، وزاغ یزیع زيغا وزيوغا وزیغانا، أى مال عن القصد وعن الطريق الحق.
(فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى على وعباس) تقصد أرض بنى النضير،
وقد سبق إيضاحها.
(كانتا لحقوقه التى تعروه) أى ما يعتريه وما يطرأ عليه من الحقوق الواجبة والمندوبة،
يقال: عروته واعتريته وعررته واعتررته إذا أتيته تطلب منه حاجة.
(ونوائبه) جمع نائية، وهى ما ينزل بالرجل من الكوارث والحوادث المؤلمة.
(فهما على ذلك إلى اليوم) الضمير لخبير وفدك، وهذه الجملة من كلام الزهرى، أى إلى اليوم
الذى حدث فيه الزهرى، لكن لما كان عثمان تصرف فى فدك بحسب ما رآه، فأقطعها مروان، وتأول
أن الذى يختص بالنبى ® يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله.
(لايقتسم ورثتى دينارا) التقييد بالدينار من باب التمثيل، والتنبيه على ما سواه، كما فى قوله
تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارِ لا يُؤَلِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وفى رواية ((دينارا ولا درهما)).
١٥٤

وسماهم ورثة له مع أنهم لا يرثونه باعتبار أنهم ورثته بالقوة، وإن كانوا غير ورثة له بالفعل. فهم
ورثته لوكان يورث، والذى منعهم من الإرث الفعلى الدليل الشرعي، وهو قوله ((لانورث)) كالوارث
القائل لمورثه، هو وارث فى الأصل وبالقوة، لكن منعه من الميراث الفعلى القتل.
وقوله ((لا يقتسم)) ورواية البخارى ((لا تقتسم)) بإسكان الميم على النهى، وبضمها على النفى، وهو
الأشهر، قال النووى: وهو الصحيح، لأنه إنما ينهى عما يمكن وقوعه، وإرثه صلى الله عليه وسلم غير
ممكن، وإنما هو بمعنى الإخبار، معناه لا يقتسمون شيئا، لأنى لا أورث.اهـ
وتوضيحه أنه صلى الله عليه وسلم لم يترك مالا حتى يورث، فإرث من لا مال له غبر ممكن، فلا
يصح النهى عنه. ووجه بعضهم النهى بأنه لم يقطع بأنه لا يخلف شيئاً بل كان ذلك محتملا، فنهاهم
عن قسمة ما يخلف، إن وقع أنه حلف.
(ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤونة عاملى فهو صدقة) وفى رواية ((إنما يأكل آل محمد
من هذا المال)» ونفقة نسائه صلى الله عليه وسلم تشمل الكسوة والسكنى، ولذلك اختصصن
بمساكنهن كل واحدة فى مسكنها حياتها، لكونهن محبوسات عن الأزواج بسببه، ولعظم حقهن فى
بيت المال، لفضلهن وكونهن أمهات المؤمنين. لكن لم يرث هذه البيوت ورثتهن.
والمراد من عامله صلى الله عليه وسلم هنا قيل: هو القائم على هذه الصدقات، والناظر فيها،
وترجم البخارى لهذا الحديث فى كتاب الوقف بعنوان: باب نفقة القيم للوقف، ليستدل به على
مشروعية أجرة العامل على الوقف، وقيل: كل عامل للمسلمين من خليفة وغيره، لأنه عامل للنبى وُ لّ.
ونائب عنه فى أمته، وقبل: المراد من عامله هنا خادمه صلى اللّه عليه وسلم، وقيل: المراد به حافر
قبره صلى الله عليه وسلم، وهو أبعد الأقوال.
وحاول السبكى الكبير أن يفرق بين النفقة والمؤونة، وعن سر التعبير بالنفقة فى جانب نسائه،
والمؤونة فى جانب العامل، فقال: إن المؤونة فى اللغة القيام بالكفاية، والإنفاق بذل القوت، وهذا
يقتضى أن النفقة دون المؤونة، فلنسائه القوت، أما العامل لما كان فى صورة الأجير احتاج إلى ما
يكفيه. كذا قال، وفيه نظر، فقد كان الخلفاء يقدمون لأمهات المؤمنين ما يكفيهن وزيادة.
فقه الحديث
هناك اصطلاحات تكرر التفريق بينها:
الغنيمة - السلب - التنفيل - الخمس - الفيء.
فالغنيمة: ما استولى عليه المسلمون من أموال وممتلكات الكفار بعد معركة معهم، وحكمها
الشرعى أن خمسها لرسول الله﴾، وأربعة أخماسها يقسم بين المجاهدين.
وأما السلب، فهو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره إذا قتله مسلم قبل المعركة، وحكمه
الشرعى أنه للمقاتل، وقد سبق الكلام فيه قريبا.
١٥٥

وأما التنفيل: فهو إعطاء القائد أحد المجاهدين شيئا نافلة وزيادة على سهمه مقابل عمل زائد
فعله، وقد سبق قريبا أيضا.
وأما الخمس: فبراد به خمس الغنيمة، وهو عند الجمهور مفوض إلى الإمام ورأيه، بعد رسول الله
﴿*، وكان صلى الله عليه وسلم يجعله لنوائب المسلمين، وكان يؤثر أهل الصفة والأرامل على أهله
وأقاربه، فقد طلبت منه ابنته فاطمة رضى الله عنها خادما من خمس إحدى الغنائم فمنعها، ولو كان
لذوى القربى سهم معين لازم لما منع ابنته وأعز الناس علبه من أقاربه، وصرفه إلى غبرهم، فدل ذلك
على أن خمس الغنيمة للإمام، يقسمه حيث يرى، وله أن يؤثر بعض مستحقيه على بعض، ويعطى
الأوكد فالأوكد.
وبعضهم يقسم خمس الغنيمة إلى خمسة أقسام، للرسول # قسم، سواء حضر القتال أم لم
يحضر، وهل كان يملكه أو لا؟ وجهان للشافعية، والأخماس الأربعة لمن جاء ذكرهم فى الآية ذى
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأما الفىء، وهو موضوع أحاديثنا فهو الغنيمة التى يستولى عليها المسلمون دون قتال. والرواية
الثانية ظاهرة فى أن الفىء خاص برسول الله ﴿ وأنه لا يخمس وهكذا يقول جمهور العلماء، أما
الشافعى فيخمس الفىء، ويجعل منه أربعة أخمسه وخمس خمسه الباقى لرسول اللّهل{*، فيكون له
واحد وعشرون سهما من خمسة وعشرين، والأربعة الباقية لدوى القربى واليتامى والمساكين وابن
السبيل، ويتأول هذا الحديث ((كانت أموال بنى النضير)) أى معظمها.
قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قبل الشافعى قال بالخمس فى الفى ء.اهـ
ويؤخذ من الأحاديث من الأحكام
١ - أن أموال بنى النضير كانت خاصة برسول اللّه ف ، وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا
ركاب، ولم يختلف العلماء فى ذلك.
٢- من قوله فى الرواية الثانية ((فكان ينفق على أهله نفقة سنة)) وقوله فى الرواية الثالثة ((فكان
رسول اللَّه يأخذ منه نفقة سنة)) وقوله فى الرواية الرابعة ((يحبس قوت أهله منه سنة ((جواز
ادخار المسلم قوت سنة، وجواز الادخار العيال، وأن هذا لا يقدح فى التوكل. قال النووي: وأجمع
العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته، كما جرى للنبى ﴾، وأما إذا أراد أن
يشترى من السوق ويدخره لقوت عياله، فإن كان فى وقت ضيق الطعام لم يجز، بل يشترى مالا
يضيق على المسلمين، كقوت أيام أو شهر، وإن كان فى وقت سعة اشترى قوت سنة وأكثر. هكذا
نقل القاضى هذا التفصيل عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقا.
٣- من قوله ((ومابقى يجعله فى الكراع والسلاح عدة فى سبيل الله)) وجوب استعداد المسلمين
بالسلاح للدفاع عن أنفسهم ودينهم. قال تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّاللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
١٥٦

٤- من الرواية الثالثة من قول عمر: ((يا مال)» جواز ذكر الرجل وندائه باسمه من غير كنية، وإن كان
عظيما، وكذلك من غير لقب، وبالترخيم، حيث لم يرد بذلك تنقيصه.
٥- ومن قوله ((فوجدته فى بيته)» جواز احتجاب الوالى عن الرعية فى وقت الحاجة إلى طعامه أو
وضوئه أو راحته، أو نحو ذلك.
٦- ومن قوله ((جالسا على سرير)) جواز الجلوس على مرتفع عن الأرض، من مقعد وسرير ونحوهما.
٧- ومن قوله ((مفضيا إلى رماله، متكئا على وسادة من أدم)) زهد عمر وتقشفه وهو الذى ملئت خزائنه
بأموال كسرى وقيصر.
٨- ومن طلب عمر من مالك أن يأخذ العطية ويقسمها بين أهله أنه ينبغى أن يولى أمر كل قبيلة
سيدهم، وتفوض إليه مصلحتهم، لأنه أعرف وأرفق بهم، وهم لا يأنفون أن ينقادوا له، وفى مثل
ذلك سترلهم فى أخذ العطاء، ولهذا قال اللّه تعالى ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِن أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِن أَهْلِهَا إِنْ
يُرِيدًا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
٩- وفى اعتذار مالك جواز استعفاء المرء من الولاية.
١٠ - وسؤال الإمام ذلك برفق.
١١ - وجواز اتخاذ الحاجب.
١٢ - وفى حضور كبار الصحابة قضية العباس وعلى جواز استعانة الحاكم برأى أولى النهى، وتدخلهم
فى القضايا أمامه، حيث قالوا: ((أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهم وأرحهم)).
١٣ - وجواز أن يشرح الحاكم ظروف القضية وملابساتها دون أن يسمع كلام الخصمين، إذا كان عليما
بها، ليبين وجه الحكمة فى حكمه.
١٤ - واستشهاد الإمام على ما يقوله بحضرة الخصمين، استشهاده بالحضور العدول، لتقوى حجته فى
إقامة الحق، وقمع الخصم.
١٥- واستحلافهم على ما يعرض من حقائق.
١٦ - واستحلاف الخصمين على مقدمات الحكم.
١٧- ومن قوله ((فقسم رسول اللّه﴿ بينكم أموال بنى النضير ... إلخ. تذكير الخصوم بالمنة عليهم،
حتى يسهل إنهاء الخصومة.
١٨ - من قوله صلى الله عليه وسلم ((لانورث)) قال عمره فى رواية البخاري ((يريد رسول اللّه ◌ُ﴾.
نفسه)» إشارة إلى أن النون فى ((نورث)) للمتكلم خاصة، لا للجمع.
أن الحديث يتعرض لعدم إرثه صلى الله عليه وسلم، ولا دليل فيه على عدم إرث جميع الأنبياء.
قال الحافظ ابن حجر: وأما ما اشتهر فى كتب أهل الأصول وغيرهم، بلفظ «نحن معاشر الأنبياء
لا نورث)) فقد أنكره جماعة من الأئمة. قال: وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ ((نحن)» لكن
١٥٧

أخرجه النسائي بلفظ ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث)) وهو كذلك فى مسند الحميدى عن محمد بن
منصور عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط
والدارقطنى فى العلل. قال ابن بطال وغيره: ووجه دلك - والله أعلم - أن اللَّه بعثهم مبلغين
رسالته، وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرا، فكانت الحكمة فى أن لا يورثوا، لئلا يظن أنهم
جمعوا المال لوارثهم، قال: وقوله تعالى ﴿وَوَرَثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] حمله أهل العلم
بالتأويل على العلم والحكمة، وكذا قول زكريا ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ وَلِيَّاهِ يَرِتُنِي وَيَرِثُ مِن آلِ
يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦،٥] وقد حكى ابن عبدالدر أن للعلماء فى ذلك قولين، وأن الأكثّر على أنّ
الأنبياء لا يورثون، وذهب البعض إلى أن الأنبياء يورثون، وأن عدم الإرث من خصائصه صلى اللّه
عليه وسلم، بل قول عمر ((يريد نفسه)» يؤيد اختصاصه بذلك.
وقيل: الحكمة فى كونه لا يورث حسم المادة فى نمنى الوارث موت المورث من أجل
المال، إذ يؤمن فى الورثة من يتمنى موته، فيهلك، ولئلا يظن بهم الرغبة فى الدنيا
لوارثهم، فيهلك الظان، وينفر الناس عنه. وقيل: لكون النبى { { كالأب لأمته، فيكون
ميراثه للجميع، وهذا معنى الصدقة العامة.
١٩- ادعى بعض الشيعة أن الحديث لا يدل على عدم ميراث الرسول ®، ليدين بذلك أبا بكر وعمر،
فى منعهما فاطمة رضى الله عنهم أجمعين من ميراثها من أبيها، فقرءوا الحديث أحيانا ((لا
يورث)) بالياء، لا بالنون وقرءوا أحياناً ((صدقة)) بالنصب، وجعلوا ((ما)) نافية، أى لم نترك صدقة.
قال الحافظ ابن حجر: والذى توارد عليه أهل الحديث فى القديم والحديث ((لا نورث)) بالنون،
و((صدقة)) بالرفع، وأن الكلام جملتان، و((ماتركنا)) فى موضع الرفع بالابتداء، و((صدقة)) خبره،
وقد احتج بعض المحدثين على بعض الإمامية بأن أبا بكراحتح بهذا الكلام على فاطمة رضى
الله عنها حين التمست منه ميراثها من الذى خلفه رسول اللّه * من الأراضى، وهما من أفصح
الفصحاء وأعلمهم بمدلولات الألفاظ، ولو كان الأمر كما يقرؤه الرافضى لم يكن فيما احتج به أبو
بكر حجة، ولم يكن جوابه مطابقا لسؤالها، وهذا واضح لمن أنصف. اهـ
ويرد هذا الفهم الشيعى أنه لما صارت الخلافة إلى على ره لم يغيرها عن كونها صدقة، وقد احتج
بهذا السفاح على الشيعى، فإنه لما خطب أول خطبة قام إليه رجل، معلق فى عنقه المصحف
فقال: أنشدك الله إلا ما حكمت بينى وبين خصمى بهذا المصحف، فقال: من هو خصمك؟ قال
أبو بكر فى منعه فدك. قال: أظلمك؟ قال. نعم. قال: فمن بعده؟ قال: عمر قال: أظلمك؟ قال:
نعم. قال: فمن بعده؟ قال: عثمان. قال أظلمك؟ قال: نعم. قال: فعلى ظلمك؟ فسكت الرجل.
فأغلظ له السفاح.
٢٠- من دفع عمر أرض بنى النضير إلى العباس وعلى جواز إقامة الإمام من ينظر الوقف نيابة عنه.
٢١- والتشريك بين الاثنين فى ذلك، وجواز أكثر من اثنين إذا اقتضت المصلحة.
٢٢- ومن حكم عمر جواز حكم الحاكم بعلمه، وأن الإمام إذا قام عنده الدليل صار إليه، وقضى
بمقتضاه، ولم يحتج إلى أخذه من غيره.
١٥٨

٢٣ - واستدل بالحديث على أن النبى 8# كان لا يملك شيئاً من الفىء ولا من خمس الغنيمة، إلا قدر
حاجته وحاجة من يمونه، وما زاد على ذلك كان له فيه التصرف بالقسم والعطية، وقال آخرون:
لم يجعل اللَّه لنبيه ملك رقبة ما غنمه، وإنما ملكه منافعه وجعل له منها قدر حاجته، وكذلك
القائم بالأمر بعده.
٢٤ - ومن الراوية السادسة يؤخذ من هجران فاطمة رضى الله عنها أبا بكر أن الانقباض عن اللقاء
والاجتماع ليس من الهجران المحرم، لأن شرطه أن يلتقبا، فيعرض هذا ويعرض هذا، ولم يؤثر
أنهما التقيا، وكأن فاطمة عليها السلام لما خرجت غضبى من عند أبى بكر انشغلت بمرضها
وحزنها على أبيها.
٢٥ - ومن قول أبى بكر ((وإنى واللّه لا أغير شيئا من صدقة رسول اللّهلو® عن حالها التى كانت عليها
فى عهد رسول اللَّه ◌ِ﴿، ولأعملن فيها بما عمل به رسول اللَّه ◌ِ ﴿)).
أخذ بعضهم أن سهم النبى # يصرفه الخليفة بعده لمن كان النبى يصرفه له، وما بقى منه
يصرف فى المصالح، وعن الشافعى: يصرف فى المصالح، وفى وجه: هو للإمام، وقال مالك
والثورى: يجتهد فيه الإمام، وقال أحمد: يصرف فى الخبل والسلاح، وقال أبو حنيفة: يرد مع
سهم ذوى القربى إلى الثلاثة (اليتامى والمساكين وابن السبيل) وقيل: يرد خمس الخمس من
الغنيمة إلى الغانمين، ومن الفىء إلى المصالح.
٢٦ - ومن دفن على لفاطمة ليلا. قال النووى: فيه جواز الدفن ليلا، وهو مجمع عليه، لكن النهار أفضل،
إذا لم يكن عذر.
٢٧- ومن تأخر على له عن البيعة لأبى بكر أن تأخروجيه من وجهاء القوم، أو من كبرائهم لا يمنع
البيعة من الإتمام، ولا يقدح فيها، فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس،
ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه
الناس.
٢٨ - وأن التأخير فى مثل هذا لا يقدح فى على قلبه. قال النووى: وأما عدم القدح فى علىّ فلأنه لا
يجب على كل واحد أن يأتى إلى الإمام، فيضع يده فى يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل
الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافا، ولا يشق العصا، وهكذا كان شأن على رضاه فى
تلك المدة التى كانت قبل بيعته، إنه لم يظهر على أبى بكر خلافا، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن
الحضور، للعذر المذكور فى الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة واندرامها متوقفا على حضوره، فلم
يجب عليه الحضور، لذلك ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر (فى هذا نظر) وما نقل عنه قدح فى
البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقى فى نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب، وكان سبب
العتب أنه مع وجاهته وفضيلته فى نفسه فى كل شيء، وقربه من النبى { ₪ وغير ذلك رأى أنه لا
يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره، وكان عذر أبى بكر وعمر وسائر الصحابة واضحا، لأنهم رأوا
المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع، يترتب
١٥٩

عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبى { ﴾، حتى عقدوا البيعة، لكونها كانت أهم الأمور، كيلا
يقع نزاع فى مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا
تقدم البيعة أهم الأشياء. اهـ
وهذا توجيه سديد، فقد أمرنا بحسن الظن بالصحابة أجمعين، والدوافع البشرية وما يقع فى
الصدور، وما يبعث على تصرف من التصرفات أمور يعلمها الله، وما جاء على لسان على عَلُه فى
كتب الشيعة من نقد البيعة لأبى بكر، والاعتراض عليها، وأحقيته لها، لا يعتد به. والله أعلم.
٢٩- ومن قول على رفضه لأبى بكر ((أن ائتنا)) جواز طلب حضور الخليفة إلى منزل وجبه من الوجهاء،
وأن ذلك لا يعد استكبارا وتعاليا على الخليفة، بل قد يكون نوعا من التقارب والإدلال المقبول.
٣٠ - ومن استجابة أبى بكر لهذا المطلب نواضع أبى بكر وسماحته، وحسن خلقه، ولين طبعه،
وجميل فعله مع رعيته.
٣١ - ومن طلب على من أبى بكر ألا يكون معه أحد جواز مثل ذلك حرصا على نجاح مهمة الصلح،
فقد علم وعلموا شدة عمر، وجهره بما يرى أنه الحق، وحدنه حين يرى أو يسمع مالايرضيه،
ومجلس الصلح لا يخلو من نحو هذا، فخاف على أن ينتصر عمر لأبى بكر، فيتكلم بكلام يثبر
نفس على، ويوحش قلبه على أبى بكر، وكانت قلوبهم قد طابت عليه، وانشرحت له، فخاف أن
يكون حضور عمر سببا لتغيرها.
٣٢ - ومن قول عمر لأبى بكر)، والله لا تدخل عليهم وحدك)) حرص عمر على حماية الخليفة ووقايته
مما يسىء إليه، ولو بكلمة. لأنه خاف أن يغلظوا لأبى بكر فى المعاتبة، اعتمادا على لينه وصبره
عن الرد عن نفسه، ولو حضر عمر لأحجموا عن الإغلاظ.
٣٣- ومن تحنيث أبى بكر لعمر فى حلفه دليل على أن إبرار القسم، إنما يؤمر به الإنسان إذا أمكن
احتماله بلا مشقة، ولا تكون فيه مفسدة، وعلى هذا يحمل حديث الحث على إبرار القسم.
٣٤- ومن مبايعة على لأبى بكر صحة خلافة أبى بكر، وانعقاد الإجماع عليها.
٣٥ - ومن حديث أبى هريرة - روايتنا التاسعة - دلالة على صحة وقف المنقولات، وأن الوقف لا
يختص بالعقار، لعموم قوله ((ما نركت بعد نفقة نسائى)).
٢٦ - ومن عموم هذه الأحاديث وأن النبى{*، وما تركه صدقة، تخصيص السنة القرآن، فهذه
الأحاديث تخصص قوله تعالى ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] إما بعدم دخوله صلى
الله عليه وسلم فى الخطاب، لما عرف من كثرة خصائصه، وإما بتخصيص الممتلكات التى تركها
المتوفى فإذا ثبت أن المتوفى وقف شيئا قبل موته فإنه لا يدخل فى الميراث، وإن كان مما ترك.
والله أعلم
١٦٠