النص المفهرس

صفحات 61-80

(خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة غازين) سويد بن غفلة، بفتح الغين
وفتح الفاء، أبو أمية الجعفى، تابعى كبير مخضرم، أدرك النبى { * وكان فى زمنه رجلا، ولم يره على
الصحيح، وأعطى الصدقة، وقيل: إنه صلى خلفه، ولم يثبت، وإنما قدم المدينة حين نفضوا أيديهم من
دفنه صلى الله عليه وسلم، ثم شهد الفتوح، ونزل الكوفة، ومات بها سنة ثمانين، أو بعدها، وله مائة
وثلاثون سنة أو أكثر.
أما زيد بن صوحان - بضم الصاد - العبدى، فتابعى كبير مخضرم أيضا، وزعم الكلبى أن له
صحبة، وكان قدومه فى عهد عمر، وقتل يوم الجمل فى صفوف على رضى الله عنهم.
وأما سلمان بن ربيعة الباهلى فيقال: إن له صحبة، ويقال له: سليمان الخيل، لخبرته بها، وكان
أميرا على بعض المغازى فى فتوح العراق فى عهد عمر وعثمان، وكان أول من ولى قضاء الكوفة،
واستشهد فى خلافة عثمان فى فتوح العراق.
(فأبيت عليهما) أى امتنعت عن تنفيذ رأيهما.
(قال شعبة: فلقيته بعد ذلك بمكة، فقال: لا أدرى: بثلاثة أحوال؟ أو حول واحد؟)
أصل الإسناد عند مسلم: وحدثنى أبو بكر بن نافع - واللفظ له - حدثنا غندر - حدثنا شعبة عن سلمة
ابن كهيل قال: سمعت سويد بن غفلة .. الحديث. وقد بينت إحدى روايات مسلم أن القائل: فلقيته
هو شعبة، وأنه لقى شيخه سلمة بن كهبل، فالشك من سلمة، وأغرب بعض العلماء فقال: إن الشك
من أبي بن كعب، والقائل هو سويد بن غفلة، وقد رواه غير شعبة عن سلمة بن كهيل بغير شك جماعة،
كلهم قالوا فى حديثهم ثلاثة أحوال، إلا حماد بن سلمة، فإن فى حديثه ((عامين أو ثلاثة)) وقد حاول
بعض العلماء الجمع والتوجيه، وسيأنى فى فقه الحديث، وفى ملحق الرواية الثامنة ((قال شعبة:
فسمعته بعد عشر سنين يقول عرفها عاما واحداً)) وفى رواية ((عامين أو ثلاثة)) والرواية التى فى
الأصل ((بثلاثة أحوال أو حول واحد)) بالجر وتقديرها: لا أدرى. أمر بثلاثة أعوام؟ أو بعام واحد،
ورواية البخارى ((لا أدرى. ثلاثة أحوال؟ أو حولا واحدا)» بالنصب وهو طاهر.
(وإلا فهى كسبيل مالك) أى وإن لم يجئ صاحبها فطريقها طريق ما تملك.
(نهى عن لقطة الحاج) أى عن التقاط ما ضاع من الحاج فى الحرم، قال النووي: يعنى نهى
عن التقاطها للتملك، وأما التقاطها للحفظ فقط فلا مانع منه، وقد أوضح هذا صلى اللّه عليه وسلم فى
الحديث الآخر ((ولا تحل لقطتها إلا لمنشد)) وقد سبقت المسألة مبسوطة فى آخر كتاب الحج.
(من أوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها) قال النووى: يجوز أن يكون المراد بالضالة هنا
ضالة الإبل ونحوها، مما لا يجوز التقاطها للتملك، بل إنها تلتقط للحفظ على صاحبها، فيكون معناه.
من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها أبدا، ولا يتملكها، والمراد بالضال المفارق للصواب.
٦١

فقه الحديث
يتعلق باللقطة وهذه الأحاديث مسائل فقهية:
الأولى: حكم أخد اللقطة من مكان وجودها، وفى ذلك يقول النووى: فيه مذاهب عند أصحابنا
الشافعية. أصحها أنه مستحب، ولا يجب. والتانى: يجب. والثالث: إن كانت اللقطة فى موضع يأمن
عليها إذا تركها استحب الأخذ، وإلا وجب. اهـ
والذى تستريح إليه النفس أنه إن كان الملتقط معرضا للهلاك أو الفساد، أو الإفساد، وكان هذا
الشخص متعينا، أو نادرا ما يمر غيره وجب أخذها، لأن الله لا يحب المفسدين، وإن كان الملتقط
آمنا مأمونا، يغلب على الظن عودة صاحبه إليه، فلا يجوز أخذها، وإن كان غير ذلك جاز أو استحب
حسب ظروف الملتقط والآخذ والصاحب.
النقطة أو المسألة الثانية: التعريف، قالوا. إذا أخذها وجب عليه أن يعرفها سنة على الأقل،
بإجماع المسلمين، إذا كانت اللقطة ليست تافهة، ولا فى معنى التافهة، ولم يرد حفظها على
صاحبها، بل أراد تملكها، قال النووى: ولابد من تعريفها سنة بالإجماع، فأما إذا لم يرد تملكها، بل
أراد حفظها على صاحبها فهل يلزمه التعريف؟ فيه وجهان لأصحابنا: أحدهما لا يلزمه، بل إن جاء
صاحبها وأثبتها دفعها إليه، وإلا دام حفظها، والثانى: وهو الأصح: أنه يلزمه التعريف، لئلا تضيع على
صاحبها، فإنه لا يعلم أين هى؟ حتى يطلبها، فوجب تعريفها.اهـ.
ولعل القول الأول يعتمد على أن صاحبها سينشدها، وسيعلن عنها، فهو أحق بالبحث
عنها، ممن وجدها.
وأما الشيء الحقير فيجب تعريفه زمنا، يظن أن فاقده لا يطلبه فى العادة أكثر من ذلك الزمان،
وفى حديث أبى بن كعب، روايتنا الثامنة أنه # أمر بتعريفها ثلاث سنين، وفى رواية سنة، وفى
رواية أن الراوى شك، قال: لا أدرى؟ أقال حولا، أو ثلاثة أحوال، وفى رواية ((عامين أو ثلاثة)) قال
القاضى عياض: قيل فى الجمع بين الروايات قولان. أحدهما: أن يطرح الشك والزيادة، ويكون المراد
سنة فى رواية الشك، وترد الزيادة، لمخالفتها باقى الأحاديث والثانى أنهما قضيتان، فروايات زيد
فى التعريف سنة محمولة على أقل ما يجزئ، ورواية أبى بن كعب ((ثلاث سنين)) محمولة على الورع
وزيادة الفضيلة. قال: وقد أجمع العلماء على الاكتفاء بتعريف سنة، ولم يشترط أحد تعريف ثلاثة
أعوام، إلا ما روى عن عمر بن الخطاب ظلُه، ولعله لم يثبت عنه، وقد يحمل ذلك على عظم اللقطة
وحقارتها، وجزم ابن حزم وابن الجوزى بأن هذه الزيادة غلط، قال: والذى يظهر أن سلمة أخطأ فيها،
ثم تثبت، واستذكر، واستمر على عام واحد، ولا يؤخذ إلا بما لا يشك فيه راويه، وقال ابن الجوزى:
يحتمل أن يكون ﴿* عرف أن تعريف أبى لم يقع على الوجه الذى ينبغى، فأمره بإعادة التعريف، كما
قال للمسيء صلاته ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى بعد هذا على مثل
أبى، مع كونه من فقهاء الصحابة وفضلائهم، وقد حكى صاحب الهداية من الحنفية رواية عندهم أن
٦٢

الأمر فى التعريف معوض لأمر الملتقط، فعليه أن يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا
يطلبها بعد ذلك.
المسألة الثالثة: إذا جاء صاحبها أثناء مدة التعريف. قال النووي : قال أصحابنا: إذا عرفها فجاء
صاحبها فى أثناء مدة التعريف، فأثبت أنه صاحبها، أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة، فالمتصلة
كالزيادة فى الوزن والشحم فى الحيوان، وتعليم الحرث والسقى وندريب الفرس ونحو ذلك، والمنفصلة
كالولد واللبن والصوف ونحو ذلك. اهـ وللملتقط أن يطالب صاحبها بما أنفقه عليها.
فإذا جاء من يدعيها، ولم يصدقه الملتقط، لم يجزله دفعها إليه، وإن صدقه جازله الدفع إليه، ولا
يلزمه، إلا أن يقيم البيئة، فيجبر على تسليمها، كذا عند الشافعى وأبى حنيفة، وذهب مالك وأحمد إلى
وجوب تسليمها لمن جاء، فأخبر بأوصافها، عملا بظاهر ملحق روايتنا الثامنة، ولفظه «فإن جاء أحد
يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه)) وظاهر روايتنا الخامسة، ولفظها ((فإن جاء طالبها يوما
من الدهر فأدها إليه».
أى فإن جاء من وصفها، فأصاب، أو أقام البيئة، فادفعها إليه، فإن جاء آخر فوصفها، فأصاب، أو
أقام ببنة أخرى، ففى ذلك تفاصيل فى المذاهب الفقهية.
وقال بعض متأخرى الشافعية: يمكن أن يحمل وجوب الدفع لمن أصاب الوصف على ما إذا كان
ذلك قبل التملك، لأنه حينئذ مال ضائع، لم يتعلق به حق ثان، بخلاف ما بعد التملك، فإنه حينئذ
يحتاج المدعى إلى البينة، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ((البينة على المدعى)).
المسألة الرابعة: إذا لم يجئ صاحبها بعد تعريفها سنة فهى لمن وجدها، غنيا كان أو فقيرا، له أن
يتملكها، وله أن يديم حفظها لصاحبها، فإن أراد تملكها فقد قال جمهور الشافعية: لا يملكها إلا بلفظ
التملك، بأن يقول: تملكتها، أو اخترت نملكها، وقال بعضهم: لا يملكها إلا بالتصرف فيها بالبيع
ونحوه، وقال بعضهم: يكفيه نية التملك، ولا يحتاج إلى لفظ، وقيل: يملكها بمجرد مضى السنة.
فإذا تملكها ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه، بل هو كسب طيب، لا مطالبة عليه به فى
الآخرة، وإن جاء صاحبها بعد تملكها أخذها بزيادتها المتصلة دون المنفصلة، فإن كانت قد تلفت
بعد التملك لزم الملتقط بدلها عندنا وعند الجمهور، كذا قال النووى.
وقال الحافظ ابن حجر: اختلف العلماء فيما إذا تصرف فى اللقطة بعد تعريفها سنة، ثم جاء
صاحبها هل يضمنها له؟ أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن
كانت استهلكت، وخالف فى ذلك بعض الشافعية وداود الظاهرى.
واحتج الجمهور بروايتنا الثانية وفيها «عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها،
فإن جاء ربها فأدها إليه)) وروايتنا الرابعة، ولفظها ((ثم عرفها سنة فإن لم يجئ صاحبها كانت وديعة
عندك)» والخامسة ولفظها ((ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء
طالبها يوما من الدهر فأدها إليه» والسابعة ولفظها ((عرفها سنة، فإن لم تعترف فاعرف عفاصها
٦٣

ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه)) فهذه الروايات تدل على وجوب ردها لصاحبها إذا
جاء قبل التصرف فيها، أو بعده، والأمر بردها بعد الأمر بأكلها ظاهر فى وجوب رد البدل.
وقد يحتج لداود ومن قال بقوله بروايتنا الأولى، ولفظها ((وإلا فشأنك بها)) وروايتنا السادسة
ولفظها ((وإلا فهى لك)) وملحق روايتنا الثامنة ولفظه ((وإلا فهى كسبيل مالك)) وبقوله عن الغنم ((هى
لك أو لأخيك أو للذئب)» فتمسك به مالك فى أنه يملكها بالأخذ، ولا يلزمه غرامة، ولو جاء صاحبها،
لأنه سوى بين الذئب والملتقط، والذئب لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط، وأجيب بأن اللام ليست
للتمليك، لأن الذئب لا يملك، وإنما يملكها الملتقط بعد التعريف على شرط ضمانها.
فيصبح الفرق بين سنة التعريف، وما بعد سنة التعريف أن سنة التعريف لا يجوزله أن يتصرف
فى اللقطة مطلقا، إلا إذا تعرضت للفساد، وهو ضامن على كل حال، أما بعد سنة التعريف، فشأنه بها
والتصرف فيها، وهى كسيل ماله، وهى له تصرفا مع الضمان)).
المسألة الخامسة: جاء أن عثمان بن عفان وعلبا رضى الله عنهما أمرا بالتقاط ضالة الإبل،
وأنهما بذلك خالفا أمر الرسول و *، والحق أنهما أمرا بذلك حين أصبحت الإبل الضالة عبرآمنة، إذ
اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وداخلهم غير المسلمين واللصوص، وكثر الخطف والسرقة، حتى للإبل
غير الضالة، فكان الأمر بالتقاطها أمرا بحفظها لصاحبها، وهو مفهوم الأحاديث، دون أية مخالفة
لها، فالحكمة والعلة فى أمر الرسول# بتركها وعدم التقاطها أنها ممتنعة مأمونة، محفوظة
لصاحبها حتى يجدها، فتغير الوضع فى عهد عثمان، وأصبحت غير آمنة، فتغير الحكم، وعمل بلفظ
الحديث فى حالة أمنها، وعمل بمفهوم الحديث فى حالة عدم أمنها، فتحقق العمل بالحديث فى
الحالبن، لأن مؤداه. لا تلتقطها ما دامت آمنة، ومفهومه: التقطها ما دامت غيرآمنة.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- استدل بعضهم بالرواية الثانية على جواز الحكم والفتوى وقت الغضب، دون كراهة، وقيل: إن ذلك
من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، فإن غضبه صلى الله عليه وسلم لا يخرجه عن الحق،
بخلاف غيره، فيكره له الحكم فى حال الغضب، وإن كان نافذا، كما سبق قريبا.
٢- جواز قول كلمة ((رب)) فى مثل رب المال، ورب المتاع، ورب الماشية، بمعنى صاحبها الآدمى،
قال النووى: وهذا هو الصحيح الذى عليه جماهير العلماء، ومنهم من كره إضافته إلى ماله روح،
دون المال والدار ونحوه، وهذا غلط، لقوله صلى اللّه عليه وسلم ((فإن جاء ربها فأدها إليه)» و
((حتى يلقاها ربها)) ونظائر ذلك كثيرة.
٣- قال النووي: فى قوله ((من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها)) دليل للمذهب المختار أنه يلزمه
تعريف اللقطة مطلقا، سواء أراد تملكها أو حفظها على صاحبها، وهذا هو الصحيح.
٤- يؤخذ من أحاديث الباب أن التقاط اللقطة وتملكها لا يفتقر إلى حكم حاكم، ولا إلى إذن
السلطان، وهذا مجمع عليه.
٦٤

٥- ويؤخذ من عمومها وإطلاقها، أنه لا فرق فيها بين الغنى والفقير، وهذا مذهب الشافعية
ومذهب الحمهور.
٦- استدل بقوله ((فإن لم يجئ صاحبها كانت وديعة عندك)» فى روايتنا الرابعة أنها لو تلفت لم يكن
عليه ضمانها، وهو اختيار البخارى تبعا لجماعة من السلف، وقد سبق نفصيل القول فيه.
٧- استدل بروايتنا التاسعة أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك، بل للتعريف خاصة، وهو قول الجمهور
وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها، لأنها إن كانت للمكى فظاهر، وإن كانت
للأفاقى فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها، فإذا عرفها واجدها كل عام سهل التوصل إلى معرفة
صاحبها، وقال أكثر المالكبة وبعض الشافعية: هى كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة
بالمبالغة فى التعريف، لأن الحاج يرجع إلى بلده، وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة
فى التعريف.
والله أعلم
٦٥

(٤٦٥) باب تحريم حلب الماشية بدون إذن صاحبها
٣٩٦١ - ١٣ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ «لا يَخْلُبَنَّ أَحَدٌ
مَاشِيَةً أَحَدٍ إِلا يَإِذْنِهِ. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبْتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانْتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ إِنَّمَا
تَخْرُكُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلا يَخْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَّةً أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِهِ».
٣٩٦٢ - - وفي رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّلَ نَحْوَ حَدِيثٍ
مَالِكٍ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا «فَيُنْثَلَ» إِلا اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ
«فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ» كَرِوَايَةٍ مَالِكٍ.
المعنى العام
مظهر ثالث من مظاهر المحافظة على أموال الناس، فقد حرم على الخصوم أن يستولى أحدهم
على مال الغير عن طريق القضاء، وحدد طريقة حفظ الملتقط للمال الضائع، وها هو فى هذا الحديث
يحفظ اللبن فى ضروع المواشى من أن يستولى عليه أحد، من غير إذن صاحبه.
لقد كانت المواشى ترعى قطعانا فى الكلأ المباح، منطلقة فى نباتات الأرض المتاحة، وكان
الناس يقطعون القيافى والقفار على أقدامهم، يمرون بتلك المواشى وهم جياع وعطاشى، ومن يملك
إبلا أوبقرا أو غنما كثيرات يكفيه لبن بعض ما يملك، فرخصت الشريعة لابن السبيل والمحتاج أن
يشرب حاجته من لبن هذه المواشى إن لم يجد صاحبها، ولم يجد راعيها، يشرب قدر الحاجة،
ولا يحمل، فلما استغنى ابن السبيل بحمل زاده، وشحت النفوس، نهى رسول اللَّه ﴾ أن يحلب أحد
ماشية أحد بغير إذنه، وشبه اللبن فى الضرع بالحب فى المخازن، وكما لا يجوز لأحد أن يكسر خزانة
أحد، ويستولى على ما فيها من طعام، لا يجوز لأحد أن يحلب ماشية أحد بدون إذنه.
المباحث العربية
(لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه) ((لايحلبن)) بفتح الياء وضم اللام، بينهما حاء ساكنة،
وفى رواية ((لايحتلبن)) بزيادة التاء وكسر اللام، وفى رواية البخارى ((لا تحتلب ماشية أحد)) بالبناء
(١٣) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَن نّافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمِّرَ
- وحَدَّثَنَاه قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ جَمِيعًا عَنِ الَّلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ح وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ
ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنِي أَبِي كِلاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهَ ح وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ قَالا حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ح وحَدَّثَنِي زُهِيَّرُ
ابْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ جَمِيعًا عَنِ أَيُّوبَ حِ وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِيَ عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَاكُ عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنِ أُمَّةَ ح
وحّدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ نَافَعٍ عَنِ ابْنٍ غَمَرَ
٦٦

للمجهول، وفى رواية له ((لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه)) وفى رواية عند أحمد ((نهى أن يحتلب
مواشى الناس إلا بإذنهم)) والماشية تقع على الإبل والبقر والغنم، ولكنه فى الغنم يقع أكثر.
(أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته؟) بضم الراء، وقد تفتح، أى غرفته، وبفتح الراء
مكان شربه.
(فتكسر خزانته؟) بكسر الخاء، المكان أو الوعاء الذى يخزن فيه ما يراد حفظه، وفى رواية
أحمد ((فبكسر بابها)».
(فينتقل طعامه؟) بضم الياء وسكون النون وفتح التاء والقاف، أى يحول من مكان إلى آخر،
وفى رواية ((فينتثل)» بالناء بدل القاف، والنثل النثر مرة واحدة وبسرعة، وقيل: الاستخراج، وهو أخص
من النقل.
(إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم) ((تخزن)) بفتح التاء وسكون الخاء
وضم الزاى، وفى رواية ((تحرز)) بضم التاء وسكون الحاء وكسر الراء، والضروع جمع ضرع،
وهو للبهائم كالتدى للمرأة.
وفى رواية للبخارى ((أطعماتهم)) جمع أطعمة، والأطعمة جمع طعام، والمراد به هذا اللدن.
ومعنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبه اللبن فى الضرع بالطعام المخزون، المحفوظ فى
الخزانة، فى أنه لا يحل أخذه بغير إذن مالكه.
فقه الحديث
ظاهر الحديث وصريحه النهى عن حلب الماشية بدون إذن صاحبها، لكن أخرج أبو داود
والترمذى وصححه ((إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن لم يكن صاحبها فبها فليصوت ثلاثا فإن أجاب
فليستأذنه، فإن أذن له، وإلا فليحلب وليشرب، ولا يحمل)) وأخرج ابن ماجه والطحاوى وصححه ابن
حبان والحاكم ((إذا أنيت على راع فناده ثلاثا، فإن أجابك، وإلا فاشرب من غير أن تفسد، وإذا أتيت
على حائط بستان .... )) إلى آخر الحديث.
أمام هذا التعارض بين حديثنا وهذه الأحاديث قال بعض العلماء: إن حديث النهى أصح، فهو
أولى بأن يعمل به، وإن الأحاديث المعارضة لا يعمل بها، ولا يلتفت إليها، لأنها معارضة للقواعد
الشرعية القطعية فى تحريم مال المسلم بغير إذنه.
ومن العلماء من حاول الجمع بين حديثنا وبينها، فقال بعضهم: يحمل الإذن على ما إذا علم طيب
نفس صاحبه ويحمل النهى على ما إذا لم يعلم.
وقال بعضهم: أحاديث الإذن والشرب مخصوصة بابن السبيل، دون غيره، أو بالمضطر أو بحال
المجاعة مطلقاً، وهذه التخصيصات متقاربة.
٦٧

وقال ابن بطال: إن حديث الإذن بالشرب كان فى زمنه صلى الله عليه وسلم، وحديث النهى أشار
به إلى ما سيكون بعده، من التشاح وترك المواساة.
وقال بعضهم: حديث النهى محمول على ما إذا كان المالك أحوج من المار، لحديث
أبى هريرة ((بينما نحن مع رسول الله: ﴿ فى سفر إذا رأينا إبلا مصرورة - أى مملوء ضرعها
باللبن - فابتدرها القوم ليحلبوها، فقال لنا رسول الله ﴿: إن هذه الإبل لأهل بيت من
المسلمين، هو قوتهم، أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب؟ قالوا: لا.
قال: فإن ذلك كذلك)» قالوا: فيحمل حديث الإذن بالحلب على ما إذا لم يكن المالك
محتاجاً، ويحمل حديث النهى على ما إذا كان المالك محتاجا.
وقال بعضهم: يقصر الإذن بالشرب على ماشية أهل الذمة، ويحمل النهى على ما كان للمسلمين،
واستؤنس لهذا القول بما شرطه بعض الصحابة على أهل الذمة من ضيافة المسلمين، وصح ذلك عن
عمر، لكن جاء عن مالك فى المسافر ينزل بالذمى قال: لا يأخذ منه شيئا إلا بإذنه، قبل له : فالضيافة
التى جعلت عليهم؟ قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها، وأما الآن فلا.
وجنح بعضهم إلى نسخ الإذن، وحملوه على أنه كان قبل إيجاب الزكاة، قالوا: وكانت الضيافة
واجبة حينئذ، ثم نسخ ذلك بعرض الزكاة.
واختار ابن العربى الحمل على العادة، قال: وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغبرهم المسامحة
فى ذلك، بخلاف بلدنا.
وقال النووى: فى شرح المهذب: اختلف العلماء فيمن مرببستان أو زرع أو ماشية: قال الجمهور:
لا يجوز أن يأخذ منه شيئا إلا فى حال الضرورة، فبأخذ ويغرم عند الشافعى، والجمهور، وقال بعض
السلف: لا يلزمه شىء، وقال أحمد إذا لم يكن على البستان حائط جازله الأكل من الفاكهة الرطبة
فى أصح الروايتين، ولولم يحتج لذلك. وفى الرواية الأخرى إذا احتاج، ولا ضمان عليه فى الحالين.
وعلق الشافعى القول بذلك على صحة حديث ((إذا مر أحدكم بحائط فلبأكل، ولا يتخذ خبيئة))
قال الحافظ ابن حجر: والحديث بمجموع طرقه لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا فى كثير
من الأحكام بما هو دونه .اهـ.
قلت: الاحتجاج بما دونه فى كثير من الأحكام. حيث لا يوجد غيره شىء، وكونه معارضا بحديث
صحيح أقوى منه شىء آخر.
ويؤخذ من الحديث
١ - ضرب الأمثال، للتقريب للأفهام، وتمثيل ما قد يخفى بما هو أوضح منه
٢- واستعمال القياس فى النظائر.
٣- وفيه ذكر الحكم بعلته، وإعادته بعد ذكر العلة تأكيدا وتقريراً.
٦٨

٤- وأن القياس لا يشترط فى صحته مساواة الفرع للأصل بكل اعتبار، بل ربما كان للأصل مزية لا
يضر سقوطها فى الفرع، إذا تشاركا فى أصل الصفة، لأن الضرع لا يساوى الخزانة فى الحرز، كما
أن الصر لا يساوى القفل فيه، ومع ذلك فقد ألحق الشارع الضرع المصرور فى الحكم بالخزانة
المقفلة فى تحريم تناول كل منهما بغير إذن صاحبه. أشار إلى ذلك ابن المنير.
٥- وفيه إباحة خزن الطعام واحتكاره إلى وقت الحاجة إليه، خلافا لغلاة المتزهدة، المانعين من
الادخار مطلقا. قاله القرطبى.
٦ - وفيه أن اللبن يسمى طعاما، فيحنث من حلف لا يتناول طعاما، إلا أن يكون له نية فى إخراج
اللبن. قاله النووى.
٧- قال النووى: وفيه أن ببع لبن الشاة بشاة فى ضرعها لبن باطل، وبه قال الشافعى والجمهور،
وأجازه الأوزاعى. اهـ وهدا المأخذ غير واضح.
٨- وفيه كما قال النووى : تحريم أخذ مال الإنسان بغير إذنه، والأكل منه، والتصرف فيه، وأنه لا فرق
بين اللبن وغيره، وسواء المحتاج وغيره، إلا المضطر الذى لا يحد ميتة ويجد طعاما لغيره، فيأكل
الطعام للضرورة، ويلزمه بدله لمالكه عندنا وعند الجمهور، وقال بعض السلف وبعض المحدثين: لا
يلزمه. وهذا ضعيف، فإن وجد ميتة وطعاما لغيره ففيه خلاف مشهور للعلماء، وفى مذهبنا الأصح
عندنا أكل الميتة، أما غير المضطر إذا كان له إدلال على صاحب اللبن أو غيره من الطعام، بحيث
يعلم أو يظن أن نفسه تطيب بأكله منه بغير إذنه، فله الأكل بغير إذنه، وأما شرب النبى {8# وأبى
بكر، وهما قاصدان المدينة فى الهجرة من لبن غنم الراعى فيحتمل أنهما شرباه إدلالا على
صاحبه، لأنهما كانا يعرفانه، أو أنه أذن للراعى أن يسقى منه من مربه، أو أنه كان عرفهم إباحة
ذلك، أو أنه مال حریی لا أمان له.
والله أعلم
٦٩

(٤٦٦) باب الضيافة ونحوها
٣٩٦٣- ثَّا عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْعَدَوِيِّبَه(١٤) أَنّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ
تَكُلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فَقَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِرَتَهُ» قَالُوا:
وَمَا جَائِزَتُهُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ. وَالضَِّافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ
صَدَقَّةٌ عَلَيْهِ) وَقَالَ «مَنْ كَانُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
٣٩٦٤- ١ عَن أَبِي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيِّ ◌َ﴾(١٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ِ«الضَّافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ.
وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَلا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَن يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ
وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ «يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلا شَيْءَ لَهُ يَقْرِیهِ بِهِ».
٣٩٦٥ - ◌ّ عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيِّ ◌َ﴾(١٦) قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَبَصُرَ عَيْنِي وَوَعَاهُ قَلْبِي
حِينَ تَكُلِّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ اللَّيْثِ وَذَكَرَ فِيهِ «وَلا يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ
يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْتِمَهُ» بِمِثْلٍ مَا فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ.
٣٩٦٦- ١٣ عَنْ عُقْبَةَ بْنٍ عَامِرٍ ﴾(١٧) أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثْنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ
فَلَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ،وَّ«إِن تَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلصَّيْفِ
فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَّهُمْ)».
المعنى العام
إكرام الضيف وإتحافه، والاحتفاء به من أخلاق الإنسانية المحمودة، وبها جاءت الشرائع، وقد
مدح الله إبراهيم عليه السلام بإكرامه ضيفه، فقال ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ....
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلِ سَمِينِ﴾ فَقَرََّهُ إِلَيْهِمْ ..... ﴾ [الذاريات: ٢٤ وما بعدها] وكانت العرب
تعتز بهذا الخلق، وتفخر به، وتُبالغ فيَّه، حتى قال قائلهم لعبده وخادمه:
(١٤) حَدَّثَنَا قُتِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَّا لَيْثٌ عَن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ أَبِي شُرَيْحِ الْعَدَوِيِّ
(١٥) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَثْنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ نَنُ جُعْفَرٍ عَن سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ
عَن أَبِي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيّ
(١٦) وَحَدَّثَنَاهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَّى حَدََّا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي الْحَتَّفِيَّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا
شُرَّيْحِ الْخُزَاعِيّ يَقُولُ
(١٧) حَدَّثَنَا قُتِيئَةُ بْنْ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخْبُرَنَا اللَّيْثُ عَن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَن أَبِي الْخَيْرِ
عَنِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ
٧٠

والريح يا غلام ريح صر
أوقد فإن اللبل ليل قر
لعل أن يبصرها المعتر ..
إن جلبت ضيفا فأنت حر
وللضيافة آداب للنازل، وآداب للمنزول به، بسطناها فى كتاب الإيمان، وحاصلها أن لا يحرج
أحدهما الآخر، فالهدف الإسلامى هو ترابط المجتمع، ونعاطف أفراده ليكون المسلمان كمثل اليدين
تغسل إحداهما الأخرى.
وفى القرآن الكريم آية تعرف بآية الثقلاء، تعيب على الضيف أن يكون ثقبلا على صاحب البيت،
يقول تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ
وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَانْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُّسْتَأَنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِيَ النّبِيِّ
فَيَسْتَخَِّىِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْبِىٍ مِن الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
إن على الضيف أن لا يلجأ للضيافة إلا عند الحاجة، أو عند الرغبة فى الترابط بين الزائر والمزور
للَّه وفى اللّه، وعلى صاحب البيت كدلك أن يستفيد من الضيافة دنيويا وأخرويا.
وبذلك يحقق الضيافة هدفها، ويحقق الإسلام أن يكون أبناؤه كالجسد الواحد، إذا اشتكى عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
المباحث العربية
(سمعت أذناى، وأبصرت عيناى، حين تكلم رسول الله ﴿) مفعول ((سمعت)) و
((أبصرت)) محذوف، والتقدير: سمعت أذناى صوت رسول اللَّه ◌ِوَ﴾، وأبصرت عيناى رسول اللَّه ◌ِلَّ
حين تكلم، وهاتان العبارنان تذكران كنبرا قبل الأحاديث لتوثيق الراوى من روايته، وتستعملان
بكثرة فى الكلام العربى. سمعته بأذنى هاتين. رأيته بعينى هاتين.
(فقال) الفاء تفسيرية، و((قال)) وما بعدها تفسير لقوله ((تكلم)).
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) ذكر المبدأ والنهاية كناية عن الكل، كقولنا: باع ما
أمامه وما خلفه، وقولنا: هو الأول والآخر، وذكر هذه العبارة قبل الأوامر والنواهى للإثارة وإلهاب
العزائم للاستجابة، كقولنا: يا ابن الرجل الصالح. أفعل كذا. والمعنى يا من تتحلى بصفة الإيمان
بالله وباليوم الآخروما بين ذلك من لوازم الإسلام أكرم ضيفك. قال الطوخى: ظاهر الحديث انتفاء
الإيمان عمن لا يكرم ضيفه، وليس مرادا، بل أريد المبالغة، كما يقول القائل: إن كنت ابنى فأطعنى -
تهييجا له على الطاعة، لا أنه بانتفاء طاعته ينتفى أنه ابنه.
(فليكرم ضيفه جائزته) لفظ ((ضيف)» يطلق على الواحد، وعلى الجمع، وجمع القلة
أُضباف، وجمع الكثرة ضيوف وضبفان، قال تعالى ﴿هَلْ أَتَّاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
٧١

الْمُكْرَمِينَ﴾ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا﴾ [الذاريات: ٢٤ وما بعدها]» فضيف فلان معناه
أضيافه. و((جائرته)) بدل، أى يكرم جائزته، والجائزة فى الأصل ما يجوز به المسافر ويحمله
ويكفيه من مكان إلى مكان، وتطلق على العطية.
وفى الرواية الثانية ((جائزته يوم وليلة)) وفى الرواية الأولى ((قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال:
يومه وليلته» والمعنى فليكرمه يوما وليلة.
(والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه) قال ابن بطال: سئل عنه
مالك، فقال: يكرمه ويتحفه يوما وليلة، وثلاثة أيام ضيافة. واختلفوا. هل الثلاثة غير اليوم الأول؟ أو
به فقال أبو عبيد: يتكلف له فى اليوم الأول بالبر والإلطاف، وفى الثانى والثالث يقدم له ماحضره، و
لا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة. وقال الخطابى: معناه أنه إذا نزل به
الضيف أن يتحفه ويزيده فى البرعلى ما فى حضرته يوما وليلة، وفى البومبن الأخيرين يقدم له ما
يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه، فما زاد عليها، مما يقدمه له يكون صدقة. قال الحافظ
ابن حجر: وقد وقع عند مسلم (روايتنا الثانية) بلفظ ((الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة)) وهذا
يدل على المغايرة، ويؤيده ما قال أبو عبيد.
(ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه) وفى ملحق الرواية ((ولا يحل
لأحدكم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه)) وعند البخارى ((ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه))
يقال. ثوى يتوى أى أقام يقيم، بفتح الواو فى الماضى وكسرها فى المضارع. ومعنى ((حتى يؤثمه))
حتى يوقعه فى الإثم، لأنه قد يغتابه، لطول مقامه، أو يعرض بما يؤذيه، أو يظن به ظنا سيئا، وهذا
معنى ((حتى يحرجه)».
(يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) ((يقريه)) بفتح الباء، يقال: قريت الضيف أقريه قرى،
وقری الضيف ما يقدم له.
(إنك تبعثنا) البعوث التى ندعو إلى الإسلام.
(فننزل بقوم) ضيوفاً.
(فلا يقروننا) بفتح الياء، وفى رواية ((لا يقرونا)) بنون واحدة، ومنهم من شددها، وفى رواية
الترمذى ((فلاهم يضيفوننا، ولا هم يؤدون مالنا من الحق)».
(فما ترى؟) أى فما رأيك فيهم؟ يقال: رآه رأيا، أى اعتقده، والمعنى أخبرنا عن حكم ضيافتهم
لنا، وفى رواية البخارى ((فما ترى فيه)) أى فى عدم قراهم لنا.
(إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا) وفى رواية البخارى ((فأمرلكم)).
(فإن لم يفعلوا) فى رواية للبخارى)) فإن أبوا)).
٧٢

(فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهم) وفى رواية البخارى ((فخذوا منهم))
أى من مالهم.
وسيأنى الكلام عن حق الضيف فى فقه الحديث، وقال: ((الذى ينبغى لهم» ولم يقل: لكم لأن
الضيافة على قدر سعة المنزول علبه، لا على قدر النازل.
فقه الحديث
ظاهر الرواية الثالثة أن قرى الضبف واجب يوما وليلة، وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة
أخدت منه قهرا، وبهذا قال الليث مطلقا، وخصه أحمد بأهل البوادى، لأن النازل بهم لا يجد من
يبيعه طعاما. أو شرابا غالبا، بخلاف أهل القرى والمدن، وفى رواية خصه بأهل البوادى والقرى، دون
أهل المدن.
وقال الشافعى ومالك وأبو حنيفة والجمهور: هى سنة، لبست بواجبة، واهتمام الأحاديث بها
لعظم موقعها، وأنها من متأكدات مكارم الأخلاق، كحديث ((غسل يوم الجمعة واجب على كل
محتلم)» أى متأكد الاستحباب.
ووجه الجمهور حديث حق الضيف، وأجابوا عن طاهر روايتنا الثالثة بأجوبة:
أحدها: حمل الحديث على المضطرين، فإن ضيافتهم واجبة، فإن لم يضيفوهم فلهم أن يأخذوا
حاجتهم من مال الممتنعين. ثم اختلفوا. هل يلزم المضطر العوض أم لا؟
ثانيها: أن دلك كان أول الإسلام، وكانت المواساة واجبة، فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك، ويدل
على نسخه قوله ((جائزته يوم وليلة)) والجائزة نفضل، لا واجبة، قال الحافظ ابن حجر: وهذا ضعيف،
لاحتمال أن يراد بالتفضل تمام اليوم والليلة، لا أصل الضيافة، وفى حديث المقدام بن معد يكرب
مرفوعا ((أيما رجل ضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم، حتى يأخذ
بقرى ليلته من زرعه وماله» أخرجه أبو داود، وهو محمول على ما إذا لم يظفر منه بشيء.
ثالثها: أنه مخصوص بالعمال المبعوثين لقض الصدقات من جهة الإمام، فكان على
المبعوث إليهم إنزالهم فى مقابلة عملهم الذى يتولونه، لأنه لا قيام لهم إلا بذلك، حكاه
الخطابى، وقال: وكان هذا فى ذلك الزمان، إذ لم يكن للمسلمين بيت مال، فأما اليوم
فأرزاق العمال من بيت المال، قال: وإلى هذا نحا أبو يوسف فى الضيافة. على أهل نجران
خاصة. وتعقب بأن فى رواية الترمذى ((إنا نمر بقوم)).
رابعها: أنه خاص بأهل الذمة، وقد شرط عمر حبن ضرب الجزية على نصارى الشام ضيافة من
نزل بهم. وتعقب بأنه تخصيص يحتاج إلى دليل خاص، ولا حجة لذلك فيما صنعه عمر، لأنه متأخر
عن زمان السؤال.
٧٣

خامسها: تأويل المأخوذ، فحكى عن بعضهم أن المراد أن لكم أن نأخذوا من أعراضهم بألسنتكم،
وتذكروا للناس عيوبهم، وتعقب بأن الأخذ من العرض، وذكر العيب ندب فى الشرع إلى تركه، لا إلى
فعله.
قال الحافظ ابن حجر: وأقوى الأحوية الأول.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١ - التنفير من إقامة الضيف فوق ثلاث إذ عبر عن ذلك بأنه صدقة، ونفى عنه الحل فى الرواية
الثانية، قال النووى: وهذا محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث من غير استدعاء من المضيف، أما
إذا استدعاه وطلب منه زيادة إقامته، أو علم أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بالزيادة، لأن
النهى إنما كان لكونه يؤثمه، وقد زال هذا المعنى والحالة هذه، أما لوشك فى حال المنزول به،
هل يكره الزيادة؟ ويلحقه بها حرج أم لا؟ لم نحل له الزيادة، لظاهر الحديث.
٢- أنه ينبغى الإمساك عن الكلام الدى ليس فبه خير ولا شر، لأنه مما لا يعنيه، ومن حسن إسلام
المرء تركه ما لا يعنيه، ولأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام، وهذا موجود فى العادة وكنبر، وقد
سبق شرح ذلك مبسوطا فى كتاب الإيمان.
٣- استدل بالرواية الثالثة على ما عرف بمسالة الظفر، قصاص المظلوم من الظالم إذا وجد ماله.
وبها قال الشافعى، فجزم بجواز الأخذ، فيما إذا لم يكن تحصيل الحق بالقاضى، كأن يكون غريمه
منكرا، ولا بينة له، فعند وجود الجنس يجوز للمظلوم أخذه إن ظفر به، وإن لم يجد الجنس ووجد
غيره أحد من غبره بقدره، ويجتهد فى التقويم، ولا يحيف، فإن أمكن نحصيل الحق بالقاضى
فالأصح عند أكثر الشافعية الجواز أيضا، وعند المالكية الخلاف، وحوزه الحنفبة فى المثلى، دون
المتقوم، لما يخشى فيه من الحيف، واتفقوا على أن محل الجواز فى الأموال، لا فى العقوبات
البدنية، لكترة الغوائل فى ذلك، ومحل الجواز فى الأموال أيضا أن يأمن الغائلة والوقوع تحت
طائلة القانون، كأن يتهم بالسرقة ونحو ذلك.
والله أعلم
٧٤

(٤٦٧) باب استحباب المواساة بفضول المال
واستحباب خلط الأزواد إذا قُلّت
٣٩٦٧ - ١٨ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٨) قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ﴿ إِذْ جَاءَ
رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالا: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ «مَنْ كَانَ
مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ. وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا
زَادَ لَهُ» قَالَ: فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ.
٣٩٦٨ - لَ عَن إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ(١٩) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ْ فِي غَزْوَةٍ
فَأَصَابَنَا جَهْدٌ حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ تَنْخَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا. فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ:﴿ فَجَمَعْنَا مَزّاوِدَنَا فَبَسَطْنَا لَهُ
نِطَعًا فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى الْنّطَعِ. قَالَ: فَتَطَاوَلْتُ لِأَخْزِرَهُ كَمْ هُوَ؟ فَحَزَرْتُهُ كَرَيْضَةِ الْعَنْزِ
وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٌ. قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِغْنَا جَمِيعًا ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهَِّ
«فَهَلْ مِن وَضُوءِ؟» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ لَهُ فِيهَا نُطْفَةٌ فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحِ، فَتَوَضَّأَنَا كُلُنَا
نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَّةٌ، فَقَالُوا هَلْ مِن طَّهُورِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ّ «فَرِغَ الْوَضُوءُ)».
المعنى العام
صور من صور انتفاع المسلم بمال غيره، صور من صور التكافل الاجتماعى، ومواساة بعضه بعضا،
فبعد أن مرت بنا صور اللقطة، وحفظ مال الغير، ومحاولة إيصال الضائع منه إلى صاحبه، ثم
الانتفاع به بدلا من هلاكه، وبعد أن مربنا حماية مال الغير، وعدم الاعتداء عليه إلا بإذن صاحبه،
حتى اللبن فى ضرع الماشية السائمة التى تأكل فى كلا اللَّه تعالى، وبعد أن مربنا مواساة الضيف
وإكرامه، يأتينا فى هذين الحديثين الأمر بالمواساة بصفة عامة، بالمال والطعام والشراب، ووسيلة
الانتقال، يأتينا الأمر بمد مظلة الخير التى فتحها اللَّه للمسلم، أن يمدها إلى من حوله، فالمال مال
الله، فما زاد عن حاجتك فللمحتاجين حق فيه ((من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له،
ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لازاد له» وهكذا كل من كان عنده فوق حاجته من أى
نعمة فليقدم ذلك إلى من هو فى حاجة إليه.
(١٨) حَدَّثْنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثْنَا أَبُوِ الأَشْهَبِ عَن أَبِي نَضْرَةً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(١٩) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ حَدََّنَا النَّضْرُ يَغَنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيَّ حَدَّثَنَاَ عِكْرِمَةُ (وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ) حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلّمَةً
٧٥

وكانت القدوة العملية، والأسوة الحسنة فى فعل الرسول # وأصحابه.
ففى شهر رجب سنة نسع من الهجرة، وقبيل حجة الوداع، بلغ المسلمين أن الروم جمعوا جموعا
لقتالهم، فندب النبى # الناس لملاقاتهم، وكان المسلمون فى ضيق من العبش، فاستعدوا بقليل الزاد
الذى يملكون، وجهز عثمان جرءا كبيرا من جيش العسرة. لكنهم مع ذلك خرجوا فى قلة من الظهر،
يتعاقب الأربعة منهم بعيرا، والوقت صيف، والحر شديد، قطعوا مئات الأميال فى اتجاه دمشق، حتى
وصلوا إلى موضع يسمى ((نبوك)) وقد بلغ بهم الجهد، واشتد بهم العطش، ولم يسعفهم ماء عبن تبوك
الناضبة، فكانوا ينحرون البعير، فبشربون ما فى كرشه من الماء، ونفذ طعام أكثرهم وأملقوا،
وأصابتهم مجاعة كبرى، ولجأ بعضهم إلى النوى، يمصه ويشرب عليه قلبلا من الماء، وذهب الناس
إلى رسول اللّه مَ له يستأذنونه فى ذبح ما تبقى لديهم من إبلهم التى يركبونها، ولم يررسول اللّه وقلّ
منقذا من هذه الضائقة إلا أن يأذن لهم، ولعل اللَّه يحدث بعد ذلك أمراً.
ورأى عمر الناس يعقلون إبلهم لنحرها، فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: استأذنا رسول اللَّه لَ ﴿ فى
نحرها، فأذن لنا، فقال: وما بقاؤكم بعد إبلكم؟ أمسكوا حتى ألقى رسول اللّه له.
ودخل عمر فزعا على رسول اللَّه ◌َ، فقال: يا رسول اللَّه، ما بقاء الناس بعد إبلهم؟ فسكت رسول
اللَّهِ له، وكأنه يقول: ومادا ينقذ الناس من هذه الضائقة غير ذلك؟ وعمر يؤمن بمعجزات النبى وُله
ويطمع فى رحمة الله بإنقاذ المسلمين على يد نبيه {*، فقال: يا رسول الله، لو جمعت ما بقى من
أزواد القوم فدعوت اللّه عليه بالبركة لكان فى ذلك خير.
وسكت رسول اللّه ﴿ للمرة الثانية، إنه لم يكن يغيب عنه ما أشار به عمر، بل كان يؤمن بأن الله
لن يخيب رجاءه إذا رجاه، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يقصد تعويد الأمة على الاعتماد على
نواميس الحياة، دون خوارق العادات، أما وقد طلبت المعجزة - من عمر- فالطريق الموافقة عليها،
والاستجابة لطالبها.
فقال صلى الله عليه وسلم لعمر: ناد فى الناس، فليأنوا ببقايا أطعمتهم، ثم مد فراش الطعام على
الأرض، ليلقوا عليه ما جاءوا به. جاء بعضهم بما يملأ الكف من الذرة، وجاء بعضهم بما يملأ الكف من
الشعير، والآخر يلقى ما يملأ الكف من القمح، والآخر يلقى ما يملأ الكف من التمر، والآخر يلقى كسرة
خبز، حتى ألقى بعضهم بعض النوى الذى كان يمصه ويشرب عليه الماء، فاجتمع على الفراش قدر
العنز الصغير، فقام رسول اللَّه *، فدعا وبرك عليه، ثم قال: خذوا بأيديكم وفى أوعيتكم، فجعلوا
يأخذون ويأكلون، حتى شبعوا، وكانوا أربعمائة وألفا، وفضلت فضلة، فقال خذوا فى أوعيتكم، فملئوا
أوعيتهم، ولم يتركوا فى العسكر وعاء إلا ملئوه.
فضحك النبى (*، حتى بدت نواجذه، سرورا بإكرام ربه له ولأمته، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه،
وأنى رسول اللَّه، لا يموت عبد وهو يشهد هاتين الشهادتين، لا يشك فيهما، إلا دخل الجنة.
٧٦

المباحث العربية
(بينما نحن فى سفر إذ جاء رجل) ((بينما)) هى ((بين)) زيد عليها (ما)» ظرف منصوب
بمعنى ((إذا)» الفحائبة، والتقدير: فاجأنا رجل وقت وجودنا فى سفر.
(فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا) قال النووى: هكذا وقع فى بعض النسخ، وفى بعضها
((يصرف)) فقط، بحذف ((بصره)) وفى بعضها ((يضرب)) وفى رواية أبى داود ((يصرف راحلته))
والمعنى يتعرض للمساعدة من غير سؤال
(من كان معه فضل ظهر) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى ظهر دابة فاصلة عن حاجته.
(فليعد به على من لا ظهر له) على الرغم من أن الرجل جاء. على راحلة رغب رسول اللّه ح له
فى التصدق عليه بطهر يستعين به فى حمل متاعه، أو يبيعه فينتفع بثمنه، أو هذه الدعوة عامة لا
تخص الرجل، توطئة لما يخصه.
(ومن كان له فضل من زاد) زاد المسافر طعام وشراب ولباس وغطاء، أى من كان عنده زاد
فاضل عن حاجته.
(فليعد به على من لا زاد له) أى فليرجع به ولبأت به مرة بعد أخرى على من لا زاد له، يقال:
عاد يعود عودا وعيادة.
(فذكر من أصناف المال ما ذكر) أى كأن قال: من كان معه فضل شاة فليعد به، من كان
معه فضل ذهب أو فضة فليعد به، من كان معه فضل مسكن فليعد به، ونحو ذلك.
(حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا فى فضل) رأى هنا ظنية، والمعنى حتى ظننا
أنه ليس لأحد منا حق فى شىء فاضل عن حاجته، وأن كل زائد عن الحاجة هوحق للفقير
والمسكين وابن السبيل.
(خرجنا مع رسول الله: ﴿ فى غزوة) الطاهر أنها غزوة نبوك، وهى غزوة العسرة، فقد ذكر
مسلم الحديث برواية مشابهة فى كتاب الإيمان، باب زيادة فضلة الطعام ببركة دعاء النبى 8%
(فأصابنا جهد) بفتح الجيم، أى مشقة، وفى رواية لمسلم فى كتاب الإيمان ((أصاب الناس
مجاعة)) وفى رواية له ((فنفدت أزواد القوم)) أى كادت تنفد، أو نفدت أزواد أكثر القوم، وفى رواية
البخارى ((خفت أزواد الناس وأملقوا)».
(حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا) فى رواية مسلم فى كتاب الإيمان ((حتى هم بنحر
بعض حمائلهم» والحمائل الإبل يحمل عليها، واحدها حمولة، بفتح الحاء، وروى ((جمائلهم)) بالجيم
بدل الحاء، جمع جمالة بكسرها، جمع جمل، وهو الذكر.
٧٧

وفى رواية أخرى له ((قالوا: يا رسول اللَّه، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا؟ - أى
اتخذنا دهنا من شحومها - فقال رسول اللَّه ﴿: افعلوا)».
(فأمر نبى الله ﴿ فجمعنا مزاودنا) الفاء فى «فأمر» عاطفة على محذوف، أظهرته رواية
مسلم فى كتاب الإيمان، ولفظها ((فجاء عمر، فقال: يارسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم
بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل فى ذلك، فقال رسول اللّهَ﴿): ((نعم)).
فأمر .. إلخ والمأمور به محذوف، تقديره: فأمر رسول اللَّه ◌ِ ﴿ بجمع المزاود، وفى رواية أخرى لمسلم
((قال عمر: يا رسول اللَّه، لو جمعت ما بقى من أزواد القوم، فدعوت اللَّه عليها؟ قال: ففعل)) أى
فوافق على الفعل. وفى رواية للبخارى ((فقال رسول اللَّهَحَ ﴿: ناد فى الناس يأتون بفضل أزواد)).
(فجمعنا مزاودنا) قال النووى: هكذا هو فى بعض النسخ أو أكثرها، وفى بعضها
((أزوادنا)) والزاد يجمع على أزواد قياسا وأزودة على غير قياس، والمزود بكسر المبم وسكون
الزاى وفتح الواو وعاء الزاد، وجمعه مزاود، والمراد من جمع المزاود جمع ما فيها، أو المعنى
جمعنا مزاودنا فأفرغنا ما فيها.
(فبسطنا له نطعا) ((له)) أى للرسول وله، أو للشىء الذى فى المزاود، وهذا الأخبر أولى، والنطع
فيه أربع لغات مشهورة، فتح الطاء وسكونها، مع كسر النون وفتحها، وهو ما يبسط على الأرض لوضع
الطعام عليه، وكان غالبه من خوص النخل، وفى رواية لمسلم فى كتاب الإيمان («فدعا بنطع فبسطه -
أى أمر ببسطه - ثم دعا بفضل أزوادهم)) ولعله أمر بالنداء فى الناس ليجمعوا ما عندهم ثم بسط
النطع، ثم دعا بوضع فضل الأزواد عليه.
(فاجتمع زاد القوم على النطع) وفى رواية لمسلم. قال أبو هريرة: «فجاء ذو البرببره، وذو
التمر بتمره وذو النواة بنواه. قال مجاهد. قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه،
ويشربون علبه الماء)».
(قال - سلمة -: فتطاولت لأحزره. كم هو؟) أى رفعت رأسى ورقبتى ووقفت على أصابع
قدمى، لأرى الكومة، وأقدر كميتها، وأنا خلف بعض الناس. يقال: حزر الشىء حزرا، أى قدره
بالتخمين، فهو حازر.
(فحزرته كريضة العنز) أى فقدرته كمكان مبرك العنز، أو كالعنز وهى رابضة، وربضة بفتح
الراء، فى الرواية، كما قال القاضى، وحكاه ابن دريد بكسرها، وفى رواية لمسلم ((فدعا عليه رسول الله
﴿ بالبركة)».
(فأكلنا حتى شبعنا جميعا) أى الألف والأربعمائة رجل، وفى رواية لمسلم ((فأكلوا حتى
شبعوا، وفضلت فضلة ((وفى رواية للبخارى ((فدعا وبرك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم، فاحتثى الناس، أى
أخذوا حثية - حتى فرغوا)) والظاهر أن بعضهم أخذ من الكومة بوعائه، وبعضهم أخذ منها بكفيه،
فأكلوا حتى شبعوا.
٧٨

(ثم حشونا جرينا) بضم الجيم وبضم الراء وإسكانها جمع جراب بكسر الجبم على المشهور،
ويقال بفتحها، وفى رواية لمسلم ((قال صلى اللّه عليه وسلم: حذوا فى أوعيتكم، قال: فأخذوا فى
أوعيتهم، حتى ما تركوا فى العسكر وعاء إلا ملئوه)».
(فهل من وضوء) سؤال عن الماء، بعد أن حلت مشكلة الطعام، والوضوء ما يتوضأ به، وهو
بفتح الواو على المشهور، وحكى ضمها.
(فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة، فأفرغها فى قدح) الإداوة إناء صغير، يحمل فيه الماء،
أشبه بما يعرف اليوم بالإبريق، والنطفة الماء القليل الصافى، والقدح إناء يشرب به الماء، أشبه بما
يعرف اليوم بطاس الماء، والعامة تقول: طاسة.
(فتوضأنا كلنا) منه معطوف على محذوف، أى فدعا عليه رسول اللّه لم﴾ بالبركة.
(ندغفقه دغفقة) أى نصبه صبا شديدا، يقال: دغفق ماله أنفقه وفرقه وىدره.
فقه الحديث
قال النووى: فى هذا الحديث معجزتان ظاهرتان لرسول اللَّه ﴿ ل®، وهما تكتير الطعام، وتكتير
الماء، هذه الكثرة الظاهرة. قال المازري: فى تحقيق المعجزة فى هذا أنه كلما أكل منه جزء، أو شرب
جزء خلق الله نعالى جزءا آخر يخلفه، وقبل: يحتمل أن يكون بتضعيف الأزواد، وزيادة الكمية دفعة
واحدة، والأول أولى بالقبول، حيث لم يتعرض الرواة لعظم الكمبة، ولوصح الاحتمال الثانى لقالوا
مثلا: فكثر اليسبر، حتى صار مثل الجبل، وقال: ومعجزات النبى {* ضربان. أحدهما القرآن وهو
منقول تواترا، والثانى مثل تكثبر الطعام والشراب، ونحو ذلك، وذلك فيه طريقان، أحدهما أن نقول:
توافرت الأخبار على المعنى، كتواتر جود حاتم الطائى، وحلم الأحنف بن قيس، فإنه لا ينقل فى ذلك
قصة بعينها متواترة، ولكن تكاثرت أفرادها بالآحاد، حتى أفاد مجموعها تواتر الكرم والحلم، وكذلك
تواتر انخرق العادة للنبى # بغبر القرآن، والطريق الثانى أن نقول: إذا روى الصحابى مثل هذا
الأمر العجيب وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة، وهم يسمعون روايته ودعواه، أو بلغهم ذلك،
ولا ينكرون عليه، كان ذلك تصديقا له، يوجب العلم بصحة ما قال.
ويؤخذ من الأحاديث
١- من الحديث الأول الحث على الصدقة والجود والمواساة والإحسان إلى الرفقة والأصحاب
والاعتناء بمصالح الأصحاب.
٢ - وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج.
٣- وأنه يكفى فى فهم حاجة المحتاج عرضه للعطاء، من غبر سؤال.
٧٩

٤- وفيه مواساة ابن السبيل، والصدقة عليه، إذا كان محتاجاً، وإن كان له راحلة، وعليه ثياب، أو كان
موسرا فى وطنه، ولهذا يعطى من الزكاة فى هذه الحال.
٥- ومن الحديث الثانى الشركة فى الطعام والشراب، وجواز أكل الشركاء بعضهم مع بعض، بدون
مساواة، وليس هذا من الربا فى شىء، وإنما هو من نحو الإباحة، وكل واحد مبيح لرفقته الأكل من
طعامه، سواء نحقق أن أحدا أكل أكثر من حصته أو دونها أو متلها، لكن يستحب لكل شريك
الإيثار والتقلل، وخاصة إن كان فى الطعام قلة، وقد اعترض على أخذ هذا الحكم من الحديث،
بأن الذى حصل جمع خاص للضرورة، على أن الأكل لم يكن من الأزودة، بل من الزيادة، ولا حق
لأحد فيها.
٦- وفيه حمل الزاد فى السفر وفى الغزو، وأنه ليس منافبا للتوكل.
٧- وحسن خلقه ®®، وإجابته إلى ما يلتمس منه أصحابه.
٨- وإجراؤهم وموافقتهم على العادة البشرية فى الاحتياج إلى الزاد فى السفر.
٩- وجواز المشورة على الإمام بالمصلحة، وإن لم يتقدم منه الاستشارة.
١٠ - قال ابن بطال: استنبط منه بعض الفقهاء، أنه يجوز للإمام فى الغلاء، إلزام من عنده ما يفضل
عن قوته أن يخرجه للبيع، لما فى ذلك من صلاح الناس.
والله أعلم
٨٠
E