النص المفهرس
صفحات 41-60
وقد أثارت الرواية الثانية إشكالا. قال الحافظ ابن حجر: قول القاسم ((يجمع ذلك كله فى مسكن
واحد)) مشكل جدا، فالذى أوصى بثلث كل مسكن أوصى بأمر جائز اتفاقا، وإلزام القاسم بأن يجمع
فى مسكن واحد، فيه نظر، لاحتمال أن يكون بعض المساكن أعلى قيمة من بعض، لكن يحتمل أن
تكون تلك المساكن متساوية، فيكون الأولى أن تقع الوصية بمسكن واحد من الثلاثة، ولعله كان فى
الوصية شيء زائد على ذلك، يوجب إنكارها. وقد استشكل القرطبى هذا الإشكال، وأجاب عنه
بالحمل على ما إذا أراد أحد الفريقين الفدية، أو أراد أحد الموصى لهم القسمة، وتمييز حقه، وكانت
المساكن بحيث يضم بعضها إلى بعض فى القسمة، فحينئذ تقوم المساكن قيمة التعديل، ويجمع
نصيب الموصى لهم فى موضع، ويبقى نصيب الورثة فيما عدا ذلك.
وحاصل الدفاعات عن الإشكال أن فى القضية عنصرا لم يذكر فى الحديث، بنى عليه القاسم
حكمه. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١ - قال النووى: فيه دليل لمن يقول من الأصوليين: إن النهى يقتضى الفساد، ومن قال: لا
يقتضى الفساد يقول: هذا خبر واحد، ولا يكفى فى إثبات هذه القاعدة المهمة. قال
النووى: وهذا جواب فاسد.
٢- وفيه أن الصلح الفاسد منتقض، والمأخوذ عليه مستحق الرد.
٣- ويستفاد منه أن حكم الحكام لا يغير ما فى باطن الأمر.
٤- وفيه رد المحدثات. قال النووي: وهذا الحديث مما ينبغى حفظه واستعماله فى إبطال المنكرات،
وإشاعة الاستدلال به.
٤١
(٤٦١) باب بيان خير الشهود
٣٩٤٥- ثَاعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَبِيِّض﴾(١٩) أَنَّ النَّبِيَّ:﴿ قَالَ «أَلا أُخْبِرُكُمْ
بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَّهَا».
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ويقول ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ
آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ويقول ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة ٢٨٢].
من هنا كانت الشهادة واجبة الأداء، لأنها وسيلة رد الحقوق إلى أصحابها، وهى البيئة
التى يبنى عليها القاضى حكمه، وكانت حيطة الشارع لها من حيث أهلية الشاهد للشهادة،
ومن حبث الأداء على وجهها الصحيح، فحذر من شهادة الزور، وجعلها نعدل الشرك،
وحماها من العوامل النفسية، ومن النوازع البشرية، عندما تكون القضية لقريب أوضد
قريب، فقال تعالى ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِینَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ
الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].
هذه أمور مقررة واضحة، ولكن المسألة الفرعية التى يتكلم عنها الحديث هى: هل يؤدى الشاهد
شهادنه لدى الحاكم متطوعا، ودون أن تطلب منه؟ ظاهر الحديث أنه فى هذه الحالة يكون خير
الشهود، لكن حديث آخر يجعل الشاهد الذى يؤدى الشهادة دون أن يستشهد من علامات سوء
الزمان، وفساد الأحوال، وتكلم العلماء فى الجمع بين الحديثين، كما سيأتى فى فقه الحديث.
المباحث العربية
(ألا أخبركم بخير الشهداء؟) الهمزة للاستفهام الإنكارى، بمعنى النفى، دخلت على ((لا))
النافية، ونفى النفى إثبات، فآل المعنى أخبركم بخير الشهداء.
(الذى يأتى بالشهادة قبل أن يسألها) الموصول خبر مبتدأ محذوف، أى خير
الشهداء الذى يأتى بالشهادة قبل أن يسألها، والخيرية هنا إضافية. أى هذا خير من الذى
يأتى بالشهادة بعد أن يسألها.
(١٩) وحَدَّثََّا يَحْتِى بْنُ يَخْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ عَن أَبِهِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنٍ
أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ عَنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ
٤٢
فقه الحديث
يعرف هذا الحديث بحديث زيد بن خالد، وهو يتعارض مع حديث ابن مسعود ((خير الناس
قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجىء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته))
وحديث عمران بن حصين ((إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون
ولا يوفون)) فإن هذين الحديثين دم للشهادة قبل أن نسأل أمام هذا التعارض جنح بعض العلماء إلى
الترجيح. فرجح فريق حديث زيد بن خالد، على رأسهم ابن عبد البر، لكون الحديث من رواية أهل
المدينة، فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فزعم أن حديث عمران هذا لا أصل له. ورجح فريق
حديث عمران، لاتفاق البخارى ومسلم عليه بخلاف حديث زيد، الذى انفرد به مسلم.
وجنح آخرون إلى الجمع بين الحديتين فأجابوا بأجوبة:
أحدها: أن المراد بحديث زيد: من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم به صاحبه، فيأتى إليه،
فيخبره به، أو يموت صاحبه العالم به، ويخلف ورثة، فيأتى الشاهد إليهم، أو إلى من يتحدث عنهم،
فيعلمه به. أجاب بهذا التخصيص لحديث زيد يحيى بن سعيد شيخ مالك، ومالك وأصحاب
الشافعى. قال الحافظ ابن حجر: وهو أحسن الأجوبة. اهـ لأن الشهادة حينئذ أمانة واجبة الأداء.
ثانيها: أن المراد بحديث زيد شهادة الحسبة، وهى ما لا يتعلق بحقوق الآدمبين المختصة بهم
محضا، ويدخل فى الحسبة - ما يتعلق بحق الله، أو فيه شائبة منه - كالعتاق والوقف والوصية
العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك. وحاصله أن المراد بحديث ابن مسعود. الشهادة فى
حقوق الآدميين، والمراد بحديث زيد: الشهادة فى حقوق اللَّه، فمن علم شيئا من هذا النوع وجب عليه
رفعه إلى القاضى، وإعلامه به، والشهادة واجبة قال تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢].
ثالثها: أن حديث زيد محمول على المبالغة فى الإجابة إلى أداء الشهادة بعد طلبها، لا قبله،
فيكون لشدة استعداده لها، وحرصه على أدائها كالذى أداها قبل أن يسألها، كما يقال فى وصف
الجواد: إنه ليعطى قبل الطلب، أى يعطى سريعا عقب السؤال من غير توقف. فالمعنى: الذى يبادر
بالشهادة حين طلبها.
رابعها: أن حديث عمران محمول على شهادة الزور، فيشهد بما لا أصل له، ولم يستشهد.
خامسها: أن حديث عمران محمول على الحلف والإكثار منه، واليمين قد تسمى شهادة، فيصبح
المعنى: ويكثرون من الحلف ولا يستحلفون.
سادسها: أن حديث عمران يراد به الشهادة على المغيب من أمر الناس، فيشهد على قوم أنهم فى
النار، ولقوم بأنهم فى الجنة، بغير دليل، كما يصنع ذلك أهل الأهواء.
٤٣
سابعها: أن المراد بحديث عمران من ينتصب شاهدا، وليس من أهل الشهادة.
هذا والأجوبة من الرابع إلى السابع مبنية على القول بجواز أداء الشهادة عند الحاكم قبل الطلب،
أما من يقول: إن الأصل فى أداء الشهادة عند الحكام أن لا تكون إلا بعد الطلب من صاحب الحق
فيكفيه الإجابات الثلاث الأوليات.
والله أعلم
٤٤
(٤٦٢) باب اختلاف المجتهدين
٣٩٤٦ - ٣٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَعَ﴾ (٢٠) عَنِ النَّبِيِّنَ ﴿لَ قَالَ «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ
الذّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ: هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى:
إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجْنًا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ
عَلَيْهِمَا السَّلامِ فَأَخْبُرَتَاهُ. فَقَالَ: انْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: ل،١ يَرْحَمُّكَ
اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى. قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلا
يَوْمَئِذٍ مَا كُنَّا نَقُولُ إلا الْمُدْيَةَ.
المعنى العام
جاءت الشريعة الإسلامية بنصوص محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما المحكمات
فلا اجتهاد فيها، وأما المتشابهات فكانت مجالا للنظر والاجتهاد، وكذلك أمور الحياة منها ما هو
بديهى، حقائق ثابتة واضحة، ومنها ما هو فى حاجة إلى اجتهاد وفكر ونظر واستنباط، وكانت ميزة
الشريعة الإسلامية أن جعلت للعقل نصيبا كبيرا فى إدارة شئون الحياة، بل وفى كثير من أمور
العباد، وكان القضاء والعلم والفتوى فى كثير من الأحيان فى حاجة ماسة إلى الاجتهاد، ونتيجة
لذلك كان اختلاف المجتهدين، وكان تشجيع الشريعة للاجتهاد، وسبق أن مربنا أنها جعلت
للمصيب أجرين، وللمخطئ أجرا واحدا.
والشرع الحكيم يحكى لنا فى هذا الحديث قصة رسولين اجتهدا فى قضية، وكان الصواب فى
جانب الابن، وكان للأب أجره على اجتهاده.
امرأتان كانتا فى بادية الشام، ترعيان أغنامهما، أو تحتطبان، ومع كل منهما ابنها الرضيع،
تركتا ابنيهما على الأرض متجاورين، وذهبتا لبعض شأنهما، وعادتا وقد عدا الذئب على الطفلين،
فذهب بأحدهما، فلما رجعتا وجدتا طفلا واحدا، ادعت كل واحدة منهما أنه ابنها، وقالت كل منهما
للأخرى: إنما ذهب الذئب بابنك أنت، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام، والكبرى تحمل الطفل،
والصغرى لا شاهد معها ولادليل، فقضى داود للكبرى بالطفل، وخرجتا على سليمان بن داود عليهما
السلام، الكبرى مسرورة فرحة، والصغرى حزينة باكية. قال لهما: ما شأنكما؟ فقصتا عليه القصة،
(٢٠) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي شَبَابَةُ حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدْثَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي حَفْصٌ يَغْنِي ابْنَ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ غَنِ مُوسَىَ بْنِ عُقْبَّةً ح وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ
ابْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنْ جَمِيعًا عَن أَبِي الزَّثَادِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ مَغْنَى حَدِيثٍ وَرْقَّاءً.
٤٥
وخطر لسليمان أن كلا من المرأتين نعرف الحقيقة، فالأم تعرف ابنها معرفة لا تخلطه بغيره بعد
أيام من ولادته، لونه ولون عينيه وتقاسيم وجهه ووزنه إلى غير ذلك، لكن أنى له الوصول إلى الحقيقة،
فلجأ إلى حيلة يستخرج منها الحقيقة. قال لمن حوله: هاتوا لى سكين. قالت الصغرى: ولم؟ قال:
أشقه بينكما، كل منكما تأخذ نصفه. وثارت عاطفة الأم. إنها نقبل أن يعبش ابنها فى أحضان
أخرى، تراه حيا، ولو من بعيد ولا تقبل أن يموت وأما غير الأم التى تعلم أن ابنها أكله الذئب لا تعبأ
أن يقتل ابن الأخرى، بل قتله قد يخفف عنها مصابها، فإذا عمت البلوى هانت. أمام هذه المشاعر
قبلت غير الأم وهى الكبرى، وسكتت سكوت الراضية، أما الأم فأزعجها قول سليمان، فقالت على
الفور، وبلهفة وجزع: لا. لا تشقه. يرحمك الله، هوابنها، سلمه لها، وعرف سليمان أنها الأم الحقيقية،
فحكم به لها. يذكر لنا الحديث هذه القصة لنجتهد، يذكرها وهو يستحسن الاجتهاد. والرأى الآخر
يدكرها وهو لا يذم المخطئ، لكنه يستحسن المصيب. وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ
وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
المباحث العربية
(بينما امرأتان معهما أبناهما جاء الذئب) ((ببنما)» هى «بين)» الظرفية، زيدت عليها
((ما)) وناصبها هنا ((جاء الذئب)) وجملة ((معهما ابناهما)) صفة ((امرأتان)) والتقدير: جاء الذئب
وقت كون امرأتين معهما ابناهما. و((أل)) فى ((الذئب)) للجنس المتمثل فى فرد من أفراده.
(فذهب بابن إحداهما) أى خطفه وجرى ليأكله.
(فقالت هذه لصاحبتها) الإشارة لإحداهما من غير تعيين الصغرى أو الكبرى، كأنه قال قالت
إحداهما للأخرى.
(فتحاكما إلى داود) عليه السلام، وفى رواية البخارى ((فحاكماً)) وفى نسخة له ((فاختصما))
والتذكير باعتبارهما شخصين.
(فقضى به للكبرى) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم واحدة من هاتين المرأتين، ولا
على اسم واحد من ابنيهما فى شيء من الطرق. اهـ والظاهر أن فارق السن وشكل الجسم كان مميزا
لهما. وسيأتى فى فقه الحديث توجيه حكمه للكبرى.
(ائتونى بالسكين) المخاطبون بذلك حاشيته وخاصته، ويحتمل أنه خطاب للمرأتين مع من
حولهما، أما قوله ((أشقه بينكما ((فهو خطاب للمرأتين.
(أشقه بينكما) الجملة مستأنفة استئنافا تعليلبا. كأن سائلا سأل: لماذا نأتى بالسكين؟
(لا، يرحمك الله) ((لا ((فى قوة جملة: لا تشقه. وتم الكلام عندها، وجملة ((يرحمك اللَّه)) خبرية
٤٦
لفظا إنشائية دعائية معنى. وينبغى فى الكتابة وضع نقطة بين ((لا)) وبين ما بعدها، وينبغى فى
النطق أن يقف قليلا بعد ((لا)) حتى يتبين للسامع أن الذى بعدها كلام مستأنف لأنه إذا وصلها بما
بعدها يتوهم السامع أنه دعا عليه، بينما المراد أنه يدعوله، وعلم البلاغة يزيد واوا، ليزول الإيهام،
فيقال: لا. ويرحمك الله.
(والله إن سمعت بالسكين قط) ((إن ((نافية. أى ما سمعت بالسكين، و((قط)) مبنى على
الضم، أى أبدا. والسكين تذكر ونؤنث، قيل لها ذلك لأنها تسكن حركة الحيوان.
(ما كنا نقول إلا المدية) بضم الميم وكسرها وفتحها، قيل: سميت بذلك
لأنها نقطع مدى حياة الحيوان. قاله النووى. وعلق محقق نسخة النووى على نفى
أبى هريرة سماعه بالسكين، فقال: والعجب من أبى هريرة، هل ما قرأ سورة
يوسف، وهى مكبة، وإسلامه متأخر، كان عام خيبر، ففى هذه السورة ﴿وَآَتّتْ كُلَّ
وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا﴾ [يوسف: ٣١]. اهـ وكان على المحقق أن يعتذر عن أبى
هريرة بأنه كان يمنيا، هاجر إلى المدينة عام خيبر، ولعل سماعه هذا الحديث
كان عقب وصوله المدينة، والعبرة بسماعه، لا بتحديثه، فكأنه قال: ما كنت
سمعت بالسكين إلا يومئذ يوم سمعت الحديث.
فقه الحديث
يثير هذا الحديث أربع قضايا:
الأولى: علام بنى داود عليه السلام حكمه الكبرى؟ وأجاب ابن الجوزى بأنهما استويا عنده فى
وضع البد، فقدم الكبرى للسن، وتعقبه القرطبى، وحكى أنه قيل: كان من شرع داود أن يحكم للكبرى.
قال: وهو فاسد، لأن الكبرى والصغرى وصف طردى، كالطول والقصر، والسواد والبياض، ولا أثر لشيء
من ذلك فى الترجيح، قال: وهذا مما يكاد يقطع بفساده، قال: والذى ينبغى أن يقال: إن داود عليه
السلام، قضى به للكبرى لسبب اقتضى به عنده ترجيح قولها، إذ لا بينة لواحدة منهما، وكون هذا
السبب لم يذكرفى الحديث اختصارا لايلزم منه عدم وقوعه، فيحتمل أن يقال: إن الولد الباقى كان
فى يد الكبرى، وعجزت الصغرى عن إقامة البيئة. قال: وهذا تأويل حسن، جار على القواعد الشرعية،
وليس فى السياق ما يأباه ولا يمنعه. اهـ وقيل: لعل داود قضى به للكبرى لشبه رآه فيها، أو نحو ذلك.
ويؤيد هذا التوجيه أن اللَّه تعالى اعتبر ما وصل إليه داود علماً وحكمة، فقال ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ
وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
٢- القضية الثانية: كيف ساغ لسليمان نقض حكم أبيه داود عليهما السلام؟ مع أن المجتهد لا
ينقض حكم المجتهد؟ وأجيب بأجوبة: أحدها أن داود عليه السلام لم يكن جزم بالحكم، بل كان
٤٧
الوقت وقت دراسة الحيثيات، فليس هناك نقض للحكم. وتعقب بأن التعبير بقوله ((فقضى للكبرى))
يأباه، ويفيد صدور الحكم من داود. ثانيها: أن ذلك كان فتوى من داود عليه السلام، لا حكما، ونقض
الفتوى، أو فتوى المجتهد يمكن أن تغاير فتوى مجتهد آخر، وتعقب بأن التعبير بقوله ((فتحاكمتا)) ...
وقوله ((فقضى)) يأبى ذلك. ثالثها: لعله كان فى شرعهم فسح الحكم إذا رفعه الخصم إلى حَكَم آخر،
يرى خلافه. وبهذا يقول بعض العلماء، فقد استنبط النسائى من هذا الحديث نقض الحاكم ما حكم
به غيره، ممن هو مثله، أو أجل، إذا اقتضى الأمر ذلك.
وعلى هذا محاكم الاستئناف والنقض فى مصر وغبرها. رابعها: أن سليمان لم ينقض الحكم عمداً،
وإنما فعل ذلك حيلة إلى إظهار الحق وظهور الصدق، فلما أقرت به الكبرى عمل بإقرارها، وإن كان
بعد الحكم، كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه، فليس هدا من قبيل نقض الحكم،
وإنما هو من قبيل تبدل الأحكام بتبدل الأسباب.
القضية الثالثة: كيف ساغ لسليمان أن يلغى إقرار المدعبة)» فقد أقرت الصغرى بأنه ابن الكبرى
((لا يرحمك الله. هوابنها)» فكيف يحكم لها بنقيضه؟ وأحيب بأنه لم يلتفت إلى إقرارها لأنه علم أنها
آثرت حياته، وأن إقرارها لم يكن عن حقيقة، فظهر له من القرائن ما يدفعه إلى هذا الحكم، وقد يكون
سليمان عليه السلام، ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه، وقد استنبط النسائى من الحديث أنه يجوز
للحاكم الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له، إذا تبين للحاكم أن الحق غيرما اعترف به.
القضية الرابعة: كيف ساغ لسليمان عليه السلام أن يحكم هذا الحكم دون بينة أو يمين؟ مع
احتمال أن جزع الصغرى كان من مزيد الشفقة عامة، لا من موقع الأمومة؟ واحتمال أن رضا الكبرى
بالشق كان من قساوة القلب عامة، لا من موقع عدم الأمومة؟ وأجيب باحتمال أن يكون سليمان
عليه السلام ممن أجيزله الحكم بما يستقر فى علمه، أو احتمال أن تكون الكبرى فى تلك الحالة قد
أقرت بالحق، واعترفت به، لما رأت من سليمان عليه السلام الجد والعزم فى ذلك.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - أن الفطنة والفهم موهبة من اللَّه تعالى، لا تتعلق بكبر سن ولا صغره، قال تعالى
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾.
٢ - وأن الحق فى جهة واحدة.
٣- وأن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد، وإن كان وجود النص ممكنا لديهم بالوحى، لكن ذلك يزيد
فى أجورهم.
٤- استنبط منه النسائى فى السنن الكبرى التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذى لا يفعله سأفعل
كذا، ليستبين له الحق.
٥- وفيه الحكم بالاستدلال .
٤٨
٦- وفيه استلحاق الأم. قال ابن بطال: أجمعوا على أن الأم لا نستلحق بالزوج ما ينكره، فإن أقامت
البيئة قبلت، حيث تكون فى عصمته، فلولم نكن ذات زوج، وقالت لمن لا يعرف له أب: هذا
ابنى، ولم ينازعها فيه أحد، فإنه يعمل بقولها، وترثه ويرثها، ويرثه إخوته لأمه. ونازعه ابن التين،
فحكى عن ابن القاسم: لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط.
(إضافة) يروى أن سليمان عليه السلام أصاب الحق فى قضايا أحرى غير هذه القضية. منها:
١- ما جاء فى القرآن الكريم، فى سورة الأنبياء من قوله تعالى ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي
الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴾ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكَّلَا آتَيْنًا حُكْمًا
وَعِلْمًا﴾ [الآيتان ٧٨-٧٩].
والقصة - كما جاءت فى الروايات - أن جماعة لهم حرث من عنب، دخلت فيه غنم قوم ليلا،
فرعت العنب، فقضى داود بأن يأخذوا الغنم، ملكا لهم، فى مقابل ثمرة الحرث التى فسدت،
وحكم سليمان حكما آخر، قال: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام، فلصاحب
الحرث من صاحب الغنم قيمة ما أفسدت الغنم، فتدفع الغنم لصاحب الحرث، يرعاها، ويحصل
منها على الصوف والألبان، وما يخرج من أولادها حولا، فيستوفى ثمن حرثه، ويقوم أهل الغنم
على الحرث حولا، يصلحونه، ويراعونه، حتى يعود كما كان، ثم يدفع الحرث إلى صاحبه وترد
الأغنام لأهلها.
٢- القصة الثانية: قصة المرأة التى اتهمت بالزنا، فشهد عليها أربعة بذلك، فأمر داود برجمها، فعمد
سليمان - وهو غلام. فصور ومثل قصتها بين غلمان أمام الشهود، ثم فرق بين الشهود، وسألهم،
وامتحنهم فيما رأوا، فتخالفوا، فدرأ الرجم عنها.
٣- وقصة ثالثة، قصة المرأة التى صب عند فرجها ماء البيض، وهى نائمة، ثم اتهمت بالزنا، فأمر
داود برجمها، فقال سليمان: يشوى ذلك الماء على النار، فإن اجتمع فهو بيض، وإلا فهو منى،
فشوى فاجتمع.
واللَّه أعلم
٤٩
(٤٦٣) باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين
٣٩٤٧ - ٣١ِ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُبِّهٍ ﴾(٢١) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ
اللَّهِفَهِ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ «اشْتَرَى رَجُلٌ مِن رَجُلٍ عَقَارًا
لَهُ. فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةٌ فِيهَا ذَهَبٌ. فَقَالَ لَهُ الَّذِي
اشْتَرَى الْعَقَارَ خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنْمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذِّهَبَ.
فَقَالَ الَّذِي شَرَى الأَرْضَ إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ
فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِي غُلامٌ. وَقَالَ الآخَرُ: لِي
جَارِيَةٌ. قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقًا».
المعنى العام
رأينا فى الباب السابق صورة من التنازع على ما ليس بحق، ونرى في هذا الحديث صورة من
الورع عن أخذ ما هو بحق، وهكذا نجد الإنسانية تنحرف بها الأهواء نحو الظلم والافتراء، والبغى تارة،
وينحوبها الضمير والروح نحو السمو والعلو والترفع والرقى والأمانة الغالية تارة أخرى.
رجلان. يبيع أحدهما للآخر دارا بمبلغ من المال، قبضه وسلمه الدار، وأراد المشترى هدم جدار
فى الدار، فوجد تحته جرة فيها كمية كبيرة من الذهب. فذهب المشترى للبائع يقول له: تعال فخذ
الجرة وما فيها من ذهب، فإنها حقك وملكك، لأننى اشتريت منك الدار، ولم أشتر منك جرة فيها
ذهب. قال له البائع، ليست الجرة حقى فأنا لم أدفنها، ولم أعلم عنها شيئا، وقد بعتك الداروما فيها،
أرضها ومبانيها، وما عساه يكون بداخلها.
فكان لابد من حكم، يقضى من يستحق جرة الذهب، فاتجها إلى حَكَم، وعرضا علبه القضية،
وتحير الحكم، لكل من الخصمين وجهة نظر، وهما مشكوران على إيثارهما وورعهما وبالغ أمانتهما،
ومن كان كذلك استحق التقدير والجزاء، ماذا يفعل هذا الحكم؟ أيقسم الذهب بينهما؟ وما حيثيات
هذا الحكم؟ إذن فليلجأ إلى وسبلة يكافأ بها الرجلان على ورعهما بطريق غير مباشر، فسألهما عن
أولادهما فوجد أحدهما عنده ولد، ووجد الآخر عنده بنت، فطلب منهما أن يزوجا الولد للبنت وأن
يصرف من المال على العرس، وأن يعطى العروسان ما يبقى ينفقان منه حياتهما.
(٢١) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنٍ مُنَّهِ
٥٠
المباحث العربية
(اشترى رجل من رجل عقارا له) أى عقارا يملكه، ليس وكيلاً عن غيره فى البيع، والعقار
بفتح العين - فى اللغة المنزل والضيعة، وخصه بعضهم بالنخل، ويقال للمتاع النفيس الذى للمنزل
عقار أيضا، وقال عياض: العقار الأصل من المال، وقيل: المنزل والضيعة، وقيل: متاع البيت، فجعله
خلافا، والمعروف فى اللغة أنه مقول بالاشتراك على الجميع.
والمراد به هنا الدار، صرح بذلك فى بعض الروايات.
(فقال له الذى اشترى العقار: خذ ذهبك منى) هكذا هو فى الأصول وفى البخارى، فضمير
((له)) يعود على البائع، وقد بعد المرجع، لكنه مغتفر، حيث حدده المقام.
(ولم أبتع منك الذهب) أى ولم أشتر منك الذهب.
(فقال الذى شرى الأرض) أى الذى باعها، كما فى قوله تعالى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَّمَن
بَخْس﴾ [يوسف: ٢٠] وهكذا هو فى أكثر نسخ مسلم ((شرى)) وفى بعضها (اشترى)) ووهمها
٠
القرطبّى، قال: إلا إن ثبت أن لفظ ((اشترى)) من الأضداد، كشرى، فلا وهم.
(إنما بعتك الأرض وما فيها) الظاهر أن العقد إنما وقع بينهما على الأرض خاصة، فاعتقد
البائع دخول ما فيها ضمنا، واعتقد المشترى أنه لا يدخل.
(فتحاكما إلى رجل) ظاهره أنهما حكما رجلا غير المنصببن للقضاء، لكن فى بعض الروايات
أنه كان حاكما منصوبا للناس، وجزم الغزالى فى ((نصيحة الملوك)» أنهما نحاكما إلى كسرى.
(ألكما ولد) بفتح الواو واللام، والمراد الجنس، لأنه يستحيل أن يكون للرجلين ولد واحد،
والمعنى: ألكل منكما ولد؟ ويجوز أن يكون بضم الواو وسكون اللام، جمع ولد. ويجوز كسر الواو مع
سكون اللام، أى أولاد.
(فقال أحدهما: لى غلام) فى بعض الروايات أن الذى قال: لى غلام هو الذى اشترى العقار.
(أنكحوا الغلام الجارية) فى بعض الروايات ((اذهبا. فزوج ابنتك من ابن هذا)).
(وأنفقوا على أنفسكما منه، وتصدقا) هكذا هو فى مسلم ((على أنفسكما)) وعند البخارى
((وأنفقوا على أنفسهما منه)) وهى أوجه، وفى بعض الروايات ((وجهزوهما من هذا المال، وإدفعا
إليهما ما بقى، يعيشان به)).
٥١
فقه الحديث
ذكر البخارى هذا الحديث فى كتاب الأنبياء، تحت ((باب)) لم يحدد عنوانه، وذكر معه أمورا
حدثت قبل الإسلام. وقد اختلف العلماء فى شرع من قبلنا. هل هو شرع لنا ما لم يرد فى شرعنا ما
يعارضه؟ أو ليس شرعا لنا حتى يرد فى شرعنا ما يؤيده؟
أما حكم الإسلام فى مثل هذه القضية فيقول الحافظ ابن حجر: لفظ الحديث صريح فى أن العقد
إنما وقع على الأرض خاصة، وأما صورة الدعوى بينهما فوقعت على هذه الصورة، وأنهما لم يختلفا فى
صورة العقد التى وقعت. والحكم فى شرعنا على هذا فى مثل ذلك أن القول قول المشترى، وأن الذهب
باق على ملك البائع. ويحتمل أنهما اختلفا فى صورة العقد، بأن يقول المشترى لم يقع تصريح ببيع
الأرض وما فيها، بل بيع الأرض خاصة، والبائع يقول: وقع التصريح بذلك، والحكم فى هذه الصورة أن
يتحالفا، ويستردا المبلغ، وهذا كله بناء على ظاهر اللفظ، أنه وجد فيه جرة من ذهب، لكن فى رواية
أن المشترى قال: إنه اشترى دارا، فعمرها، فوجد فيها كنزا، وأن البائع قال له، لما دعاه إلى أخذه: ما
دفنت، ولا علمت وأنهما قالا للقاضى: ابعث من يقبضه، وتضعه حيث رأيت. فامتنع. وعلى هذا فحكم
هذا المال حكم الركاز فى هذه الشريعة، إن عرف أنه من دفين الجاهلية، وإلا فإن عرف أنه من دفين
المسلمين فهو لقطة، وإن جهل فحكمه حكم المال الضائع، يوضع فى بيت المال. ولعلهم لم يكن فى
شرعهم هذا التفصيل، فلهذا حكم القاضى بما حكم به.
ثم قال: فإن ثبت أنهما تحاكما إلى كسرى ارتفعت هذه المباحث الماضية، والمتعلقة بالتحكيم
لأن الكافر لا حجة فبما يحكم به.اهـ
وقد احتج بهذا الحديث من جوز للمتداعين أن يحكما بينهما رجلا، وينفذا حكمه، فإن ثبت أنه
كان حاكما منصوبا للناس فلا حجة فيه لهم. وهى مسألة مختلف فبها، فأجاز ذلك مالك والشافعى،
بشرط أن يكون فيه أهلية الحكم، وأن يحكم بينهما بالحق، سواء وافق ذلك رأى قاضى البلد أم لا،
واستثنى الشافعى الحدود، وشرط أبو حنيفة أن لا يخالف ذلك رأى قاضى البلد، وجزم القرطبى بأنه
لم يصدر منه حكم على أحد منهما، وإنما أصلح بينهما، لما ظهر له أن حكم المال المذكور حكم المال
الضائع، فرأى أنهما أحق بذلك من غيرهما، لما ظهر له من ورعهما وحسن حالهما، وارتجى طيب
نسلهما وصلاح ذريتهما.
ويتورهنا سؤال: أى الرجلين أكثر أمانة؟ البائع؟ أم المشترى؟
وقع فى بعض الروايات، عن أبى هريرة: لقد رأيتنا، يكثر تمارينا - أى جدالنا - ومنازعتنا عند
النبى : أيهما أكثر أمانة؟
والله أعلم
٥٢
كتاب اللقطة
٤٦٤ - باب اللقطة.
٤٦٥- باب تحريم حلب الماشية بدون إذن صاحبها.
٤٦٦ - باب الضيافة ونحوها.
٤٦٧- باب استحباب المواساة بفضول المال واستحباب خلط الأزواد إذا قلت.
٥٣
(٤٦٤) باب اللقطة
٣٩٤٨- ١ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ ◌َ﴾(١) أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ
فَسَأَلَهُ عَنِ اللُقَطَّةِ؟ فَقَالَ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا
وَإِلا فَشَأَكَ بِهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ «لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذّئْبِ». قَالَ:
فَضَالَّةُ الإِيلِ؟ قَالَ «مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ
حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». قَالَ يَحْيَى: أَحْسِبُ قَرَأْتُ عِفَاصَهَا.
٣٩٤٩ - ٣ عَن زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ ◌َ﴾(٢) أَنَّ رَجُلَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِعَ لَ عَنِ
اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ «عَرِّفْهَا سَنَّةً ثُمَّ اغْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا فَسِنْ جَاءَ رَبُّهَا
فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» فَقَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ
أَوْ لِلذّئْبِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الإِيلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ْ خَتِّس
احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ (أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ) ثُمَّ قَالَ «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا
حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا».
٣٩٥٠ - ٣ وفي رواية عَن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ(٣) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ غَيْرَ
أَنَّهُ زَادَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ وَأَنَا مَعَهُ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقْطَّةِ؟ قَالَ: وَقَالَ عَمْرٌو فِي
الْحَدِيثِ «فَإِذَا لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَاسْتَنْفِقْهَا».
٣٩٥١ - ٤ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيَِّ﴾(٤) قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَذَكَرَ نَحْوَ
حَدِيثِ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاحْمَارَّ وَجْهُهُ وَجَبِينُهُ وَغَضِبَ وَزَادَ (بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ
عَرِّفْهَا سَنَّةً) «فَإِثْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا كَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ)».
(١) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَخْتَى التَّمِيمِيُّ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَن يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ
(٢) وحَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةٌ وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ ابْنُ حُجْرٍ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بَّنِ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنِ زَيْدٍ بْنِ خَالِدٍ
(٣) وحَدْثَنِي أَبُو الَطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَّبِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُمْ أَنْ رَبِيعَةَ بْنَ
أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمْ
(٤) وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنَّ عُثْمَانٌ بْنِ حَكِيمِ الأَوْدِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّفِي سُلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ بِلالٍ عَنْ رِبِعَةَ بْنٍ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَن يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ خَالِدِ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ
٥٥
٣٩٥٢ْ عَنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيَِّ﴾(٥) صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِل:﴿ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ عَنِ اللُّقَطَّةِ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ «اغْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ
تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». وَسَأَلَّهُ عَن
ضّالَّةِ الإِيلِ؟ فَقَالَ «مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ
حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا». وَسَأَلَّهُ عَنِ الشَّاةِ؟ فَقَالَ «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذّنْبِ».
٣٩٥٣ - - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ ◌َ﴾(٦) أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النّبِيَّ:﴿ عَنِ ضَالَّةِ الإِيلِ؟ زَادَ
رَبِيعَةُ فَغَضِبَ حَبِّى احْمَرَّتْ وَجْنَاهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوٍ حَدِيثِهِمْ وَزَادَ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا
فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا إِيَّهُ وَإِلا فَهِيَ لَكَ».
٣٩٥٤ - ٧ عَنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيَِّ﴾(٧) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ عَنِ اللُّقْطَةِ؟ فَقّالَ
«عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُغْتَرَفْ فَاغْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلُّهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِيُهَا فَأَدِّهًا إِلَيْهِ».
٣٩٥٥ - ك وفي رواية عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانٌ(٨) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ «فَإِنِ
اعْتُرِفَتْ فَأَدِّهَا وَإِلا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا».
٣٩٥٦ - ١ْ عَن سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ(٩) قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانٌ وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ غَازِينَ
فَوَجَدْتُ سَوْطًا فَأَخَذْتُهُ. فَقَالا لِيٍ. دَعْهُ. فَقُلْتُ: لا، وَلَكِنِّي أُعَرِّفُهُ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلا
اسْتَمْتَعْتُ بِهِ. قَالَ: فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِن غَزَاتِنَا قُضِيَ لِي أَنِّي حَجّجْتُ، فَأَتَيْتُ
الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِشَأْنِ السَّوْطِ وَبِقَوْلِهِمَا. فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ صُرَّةٌ فِيهَا
مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ، فَقَالَ «عَرَّفْهَا حَوْلا» قَالَ:
فَعَرَّقْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ «عَرِّفْهَا حَوْلا» فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ
أَنْيُهُ فَقَالَ «عَرِّفْهَا حَوْلا» فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَقَالَ «احْفَظْ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا
(٥) حَدَّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةً بْنِ قَغْنَبٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَن يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ عَن يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ
ابْنَ خَالِدِ الْجُھَيِيَّ
(٦) وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا حَبَّاتُ بْنُ هِلالِ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةٌ حَدَّثِّي يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِعَةُ الرَّأْيِ بْنُ أَبِي عَبْدِ
الرَّحْمَنِ عَن يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَن زَيْدِ بْنِ خالِدٍ
(٧) وحَدَّثَِّي أَبُو الطَّاهِرِ أُخْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْعٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّتِي الصَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّصْرِ عَنِ بُسْرِ بْنِ
سعیدٍ عَن زْدِ بْنِ خالِد
(٨) وحَدَّتِيهِ إِسْحَقُ بْنُّ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانٌ
(٩) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ خَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُعْفَرِ حَدَّثْنَا شُعْبَةُ ح وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌّ حَدَّثْنَا شُعْبَةٌ
عَن سَلَّمَةَ بْنٍ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفْلَةً
٥٦
وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا. فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ. فَقَالَ:
لا أَدْرِي بِثَلاثَةِ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلٍ وَاحِدٍ؟.
٣٩٥٧ - - وفي رواية عَن سُوَيِّدِ بْنِ غَفَلَةَ(٦) قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ وَسَلْمَانَ بْنِ
رَبِيعَةَ فَوَجَدْتُ سَوْطًا. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا. قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ
بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ عَرَّفَهَا عَامًا وَاحِدًا.
٣٩٥٨ - لإ وفي رواية نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةً(١٠) وَفِي حَدِينِهِمْ جَمِيعًا ثَلاثَةً أَحْوَالٍ إِلا حَمَّادَ بْنَ
سَلَمَةَ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ «عَامَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً)» وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانٌ وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أَيْسَةً وَحَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ» وَزَادَ سُفْيَادُ فِي رِوَايَةٍ
وَكِيحٍ «وَإِلا فَهِيَ كَسَبِلٍ مَالِكَ». وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ ثُمَيْرٍ «وَإِلَا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا».
٣٩٥٩ - ١١ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الَّيْمِيّ(١١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَثْ نَهَى عَن لُقَطَةِ الْحَاجِّ.
٣٩٦٠ - ١٣ عَن زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ ◌َ﴾(١٢) عَن رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ آوَى ضَّالَّةٌ
فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا».
المعنى العام
من تشريعات الإسلام السامية المحافظة على الملكية الفردية، وحماية أموال الناس
من الناس، حمايتها وهى فى حرز مثلها من أن تغتصب، أو تسرق، أو تنهب، أو يتحايل
على الاستيلاء عليها بطريق النصب، أو بطريق القضاء الخاطئ ((كل المسلم على المسلم
حرام، دمه، وماله، وعرضه)) ((من اغتصب قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم
القيامة)) ((من قضيت له بحق امرئ مسلم فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو يدعها)»
(-) وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ حَدََّنَا بَهْرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبُرَبِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ أَوْ أَخُرَ الْقَوْمَ وَأَنَا فِيهِمْ قَالَ سَمِعْتُ
سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ
(١٠) وحَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ حٍ وَحَدَّتَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيٍ شَيْئَةَ حَدَّثَنَا وَكِعٌ ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي
جَمِيعًا عَنِ سُفْيَانَ حِ وحَدَّثَتِي مُحَمَّدُ بْنٌّ حَاتِمٍ خَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَغَفَرِ الرَّقِيُّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو عَنِ زَيْدٍ بَنِ
أَبِي أُنَيْسَةَ حِ وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ حُدََّا بَهْرٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنٌّ سَلَمَةٌ كُلُّ هَؤُلاءِ عَن سَلَمَةٌ بْنِ كُهَيْلٍ بِهَذَا الإِسْنَادِّ
نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةً
(١١) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالا أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الأَشَجِّ عَنِ يَخْبَيٍ بَّنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانُ
(١٢) وحَدَّثَنِي أَبُو الطّاهِرِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالا حَدََّنَا عَبْدُ اللَّهِ بَّنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَبِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةً
عَن أَبِي سَالِمِ الْجَيْشَانِيِّ عَنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ
٥٧
هذا بعد نهى القرآن بقوله ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا
فَرِيقًا مِن أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].
كثير من نصوص الكتاب والسنة تحذر من أكل أموال الناس بالباطل، وهى فى حرز مثلها، ولكن
الأرقى تشريعا، والأسمى معاملة، حماية أموال الناس الضائعة من أصحابها، حين نجدها، ولا نعلم
أصحابها، وما واجبنا نحوها؟ هذه الأحاديث ترسم لنا طريق التكافل الاجتماعى، وأن المسلمين
كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا، وأن على المؤمن
إذا وجد شيئاً ضائعا من صاحبه أن يحميه من نفسه الأمارة بالسوء التى بين جنبيه، الطامعة فيه،
وأن يلتقطه ليحفظه لصاحبه، ليس هذا فحسب، بل يجب عليه أن يعلن عنه فى مكان التقاطه، وفى
الأسواق وفى أماكن اجتماع الناس سنة كاملة على الأقل، تكون اللقطة وديعة لدى الملتقط خلالها، لا
يحل له منها نتاجها المنفصل ولا المتصل، ولا أجرة له على حفظها، اللَّهم إلا ما ينفقه عليها لتحبا إن
كانت ذات حياة، أما لقطة المال والمتاع الذى لا يفسد بمرور الأيام، فيعلن عنها، إن جاء صاحبها
وأخبر بأوصافها، واطمأنت لصدقه نفس الملتقط سلمها له، أما بعد مرور العام فتنتقل من الوديعة
التى لا يجوز التصرف فيها ولا الانتفاع بها، إلى وديعة يتصرف فيها الملتقط تصرف الملكية مع
الضمان، إن جاء صاحبها فى يوم من الأيام، فإن كانت اللقطة إبلا أو نحوها، مما لا خطر منها ولا
عليها، إن هي تركت فى مكانها فعلى المسلم تركها، حتى يعود إليها مالكها فى مكان ضياعها، فهل
هناك تشريع أرقى من هذا التشريع؟ إنه بحق نشريع الحكيم الخبير.
المباحث العربية
(جاء رجل إلى النبي (8، فسأله) فى الرواية الثالثة ((أتى رجل رسول اللَّه ◌ُحَ﴾، وأنا
معه)) وفى رواية البخارى ((جاء أعرابى النبى ( 8)) وقد ذهب بعض المتأخرين أن السائل
المذكور هو بلال المؤذن، وفيه بعد، لأنه لا يوصف بأنه أعرابى، وقيل: السائل هو الراوى
نفسه، زيد بن خالد الجهنى، وفيه بعد أيضا، لظاهر الرواية الثالثة، ولأنه لا يوصف بأنه
أعرابى، نعم فى رواية لأحمد عن زيد بن خالد ((أنه سأل النبى {﴾، أو أن رجلا سأل)) على
الشك، قال الحافظ ابن حجر: لعله نسب السؤال إلى نفسه لكونه كان مع السائل، قال: وقد
ظفرت باسم السائل فيما أخرجه الحميدى والطبرانى وغيرهما عن عقبة بن سويد الجهنى،
عن أبيه قال: سألت رسول اللَّه مَلَ .. )) وهو أولى ما يفسر به المبهم.اهـ
فالسائل سويد الجهنى . اهـ وقد سأل آخرون فى غير هذا الحديث عن اللقطة،
بألفاظ مختلفة.
(عن اللقطة) بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض: لا
يجوز غيره، وقال الزمخشرى فى الفائق: اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكنها، وجزم الخليل بأنها
٥٨
بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، قال الأزهرى: هذا الذى قاله هو القياس، ولكن الذى سمع من
العرب، وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، وقال ابن برى: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن
الذى قاله الخليل هو القياس. وفيها لغتان أيضا: لقاطة بضم اللام، ولقطة بفتحها. اهـ والمراد من
اللقطة ما وجده الإنسان ضائعا أو ساقطا من صاحبه من غير الحيوان، أما الحيوان فيقال عنه:
ضالة. قال الأزهرى وغيره: يقال للضوال الهوامى والهوافى، واحدنها هامية وهافية، وهمت وهفت
وهملت إذا ذهبت على وجهها بلا راع. وفى الرواية الخامسة ((عن اللقطة الذهب أو الورق)) بكسر
الراء، وهو الفضة، و((الذهب)) بالجر، بدل من اللقطة، وذكر الذهب أو الفضة كالمثال، ولا فرق بينهما
وبين الجوهر واللؤلؤ والأمتعة والأدوات، والمقصود من السؤال عن اللقطة السؤال عن جواز التقاطها
من عدمه، وعما يفعل فيها إدا التقطت.
(اعرف عفاصها) بكسر العين. بعدها فاء ممدودة، بعدها صاد، الوعاء الذي تكون فيه النفقة،
جلدا كان أو غيره، وقبل له العفاص أخذا من العفص، وهو التنى، لأن الوعاء يثنى على ما فيه، وفى
بعض الروايات ((خرقتها)) بدل ((عفاصها)) والعفاص أيضا الجلد الدى يكون على رأس القارورة، وأما
الذى يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة. قال الحافظ ابن حجر:
فحيث ذكر العفاص مع الوعاء فالمراد به الثانى، وحيث لم يذكر العقاص مع الوعاء فالمراد به الأول.
والغرض معرفة الآلات التى تحفظ النفقة، ويلتحق بما ذكر حفط الجنس والصفة والقدر والكيل فيما
يكال، والوزن فيما يوزن، والذرع فيما يذرع. والمراد من الأمر بالمعرفة العلم والحفظ، وقال بعض
الشافعية يستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان.
(ووكاءها) بكسر الواو، الخيط الذى يشد به الوعاء، يقال: أوكيته إيكاء فهو موكى، بلا همز وفى
ملحق الرواية السابعة ((أعرف عفاصها ووكاءها وعددها)) وفى ملحق الرواية الثامنة ((فإن جاء أحد
يخبرك بعددها ووعائها ووكائها)».
(ثم عرفها سنة) معناه إذا أخذتها فعرفها سنة، أما أن الأخذ واجب أو مستحب فسبأتى فى
فقه الحديث، والمراد من التعريف الإعلان عنها بالصوت أو بالكتابة فى الموضع الذى وجدها فيه،
وفى الأسواق، وعلى أبواب المساجد، ومواضع اجتماع الناس، فيقول مثلا: من ضاع منه شىء؟ من
ضاع منه حيوان؟ من ضاع منه دراهم؟ ونحو ذلك. ويكرر ذلك بحسب العادة، فبعرفها أولا فى كل
يوم، ثم فى كل أسبوع، ثم فى كل شهر.
(فإن جاء صاحبها) فى الرواية الأولى جواب الشرط محذوف، تقديره: فأدها إليه، ظهر هذا
الجواب فى الرواية الثانية ولفظها ((فإن جاء ربها فأدها إليه)) والرواية الخامسة، ولفظها ((فإن جاء
طالبها يوما من الدهر فأدها إليه)» والرواية السادسة ولفظها «فإن جاء صاحبها، فعرف عفاصها
وعددها ووكاءها، فأعطها إياه)) والرواية السابعة، ولفظها ((فإن جاء صاحبها فأدها إليه)).
(وإلا فشأنك بها) أى وإن لم يجئ صاحبها، فحذف فعل الشرط، و((شأن)) منصوب على
٥٩
الإغراء، أى الزم شأنك، ويجوز الرفع على الابتداء، والجار والمجرور ((بها)) متعلق بمحذوف خبر، أى
شأنك متعلق بها، والشأن الحال، أى تصرف فيها، وفى الرواية الثانية ((ثم استنفق بها)) أى صيرها
نفقة لك، وفى الرواية الثالثة ((فإذا لم يأت لك طالب فاستنفقها)) وفى الرواية الرابعة ((فإن لم يجئ
صاحبها كانت وديعة عندك)) وفى الرواية الخامسة ((فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك))
و (تعرف)) بضم التاء وسكون العين وفتح الراء مبنى للمجهول أى: إن لم يعرفها أحد. وفى الرواية
السادسة ((وإلا فهى لك)) وفى الرواية السابعة ((فإن لم تعترف فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها)) أى
تملكها، و(«تعترف)) بضم التاء وسكون العين وفتح التاء الثانية، مبنى للمجهول، أى وإن لم يعترف بها
أحد ويخبر أنها له فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها، وهذه معرفة أخرى، فيكون الملتقط مأمورا
بمعرفتين، فيتعرفها أول ما يلتقطها، حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ولئلا نختلط وتشتبه بماله،
فإذا عرفها سنة، وأراد نملكها، استحب له أن يتعرفها أيضا مرة أخرى تعرفا وافيا محققا، ليعلم
قدرها وصفتها، فيردها إلى صاحبها، إذا جاء بعد تملكها وتلعها. وسيأتى مزيد لهذا فى فقه الحديث.
(قال: فضالة الغنم؟) مبتدأ خبره محذوف، أو خبر لمبتدأ محذوف والفاء فصيحة فى جواب
شرط مقدر، أى إذا كان هذا حكم لقطة الأشباء والنقود، فما حكم لقطة ضالة الغنم؟ أى الغنم
الضالة؟ وفى الرواية الخامسة ((وسأله عن الشاة)) أى عن الشاة الضالة؟
(قال: لك، أو لأخيك، أو للذئب) قال النووى: معناه الإذن فى أخدها و((لك ((خبر مبتدأ
محذوف، وفى الرواية الثانية والخامسة ((خذها، فإنما هى لك، أو لأخيك، أو للذئب)) كأنه قال: هى
ضعيفة، معرضة للهلاك، مترددة بين أن تأخدها أنت، أو أخوك فى الإنسانية، أعم من صاحبها، أو
ملتقط آخر، والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع، ففيه حث له على أخذها، لأنه إذا علم
أنه إن لم يأخذها بقبت للذئب دفعه ذلك إلى أخذها.
(قال: فضالة الإبل؟) أى ما حكم لقطة الإبل الضالة؟
(قال: مالك ولها؟) أى أى شىء لك معها؟ والاستفهام إنكارى، بمعنى النفى، أى لا شىء لك
معها، ولا شأن لك بها، وفى الرواية الثانية ((فغضب رسول اللّه *، حتى احمرت وجنتاه - أو احمر
وجهه- ثم قال: مالك ولها)) الوجنة ما ارتفع من الخدين، وإنما غضب صلى الله عليه وسلم لكثرة
أسئلة الرجل، وفى الرواية الرابعة ((فاحمار وجهه وجبينه وغضب))
(معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها) المراد من
سقائها كرشها، فهى تملؤه مرة واحدة، بحيث يكفيها أياما بدون حاجة للشرب، والمراد من حذائها
أخفافها، فهى تقوى بأخفافها على السير الطويل، وقطع الصحارى المترامية الأطراف التى لا ماء
فيها، فهى مستغنية عن الحفظ لها، بما ركب فى طباعها من الجلادة على العطش، وتناول المأكول
من غيرنعب، فلا تحتاج إلى ملتقط، ثم هى ممتنعة من الذئاب وغيرها من صغار السباع، التى كانت
فى صحارى العرب.
٦٠