النص المفهرس
صفحات 1-20
وراء!
فَبتع المنحة
شِرْح صَحِيمٌح مُسِكُلِمٍ
كتاب الأقضية -كتاب اللّقطة
كتَاب الجَهَاد والسِّيَرَ - كتاب الإِمَارة
كِتَابِ الصَّيِّدِ وَالذَبَائِ
الجزُ السَّابِعُ
الأستاذ الدكتور
مَسِىُ سَاهِين لاشين
دار الشروقـ
قَبْعُ المُعُ
شِرْع صَحِيح مُسِئُلِمٍ
جَمَيْع حُقُوق النّشر والطَّيع تَحَفُوظَة
الطّبْعَة الأولى
١٤٢٣ ھـ - ٢٠٠٢م
دار الشروقــ
القاهرة: ٨ شارع سيبويه المصري - رابعة العدوية - مدينة نصر
ص.ب .: ٣٣ البانوراما . تليفون: ٤٠٢٣٣٩٩ - فاكس: ٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢)
e-mail: dar@ shorouk.com
www.shorouk.com
بيروت: ص.ب .: ٨٠٦٤ - هاتف: ٣١٥٨٥٩ -٨١٧٢١٣ - فاكس: ٣١٥٨٥٩ ١ (٩٦١)
3
كتاب الأقضية
٤٥٤- باب الیمین.
٤٥٥ - باب حكم الحاكم لا يغير الباطن.
٤٥٦ - باب قضية هند.
٤٥٧- باب النهى عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهى عن منع وهات.
٤٥٨- باب بيان أجر الحاكم إذا أخطأ.
٤٥٩ - باب كراهة قضاء القاضى وهو غضبان.
٤٦٠- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.
٤٦١ - باب بيان خير الشهود.
٤٦٢ - باب اختلاف المجتهدين.
٤٦٣ - باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين.
٥
(٤٥٤) باب اليمين
٣٩٢٦ - { عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١) أَنَّ النِّبِيَّنَ﴿ قَالَ «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَغْوَاهُمْ
لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».
٣٩٢٧ - ٣عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَضَى بِالْيَمِينِ
عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
٣٩٢٨ - ٣ّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿مّ قَضَى بِيَمِينِ وَشَاهِدٍ.
المعنى العام
من الناس من يخاف الله ويتقى الحرام، بل والشبهات، ومنهم من لا يبالى فى كسده، من حلال
أم من حرام، بل من يتعمد أخذ الحرام، والتحايل على الاستيلاء على الحرام، فمن للمدعى عليه
المظلوم يحميه من ادعاء الظالم؟ وما هى الوسائل التى يحفظ بها القاضى حقوق الناس؟ إن القرآن
الكريم طلب من صاحب الحق المدعى أن يقدم البينة، شاهدين من الرجال، فإن لم يكونا رجلين
فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فماذا إذا لم يجد
المدعى إلا شاهداً واحداً؟ ولم يجد امرأتين معه؟ بين الحديث أن يمين المدعى مع الشاهد الواحد
يقوم مقام الشاهد الآخر، أو مقام المرأتين، وماذا لولم يجد المدعى إلا شاهداً واحداً؟ لا يثبت له حق
فى دعواه إلا بأحد أمرين. إما بالشهود وإما بإقرار المدعى عليه، ولولا هذين القيدين لاستبيحت الدماء
والأموال بالادعاءات الكاذبة الباطلة، وهل للمدعى حق مطلق فى طلب يمين المدعى عليه لبراءته
مما ادعى عليه؟ جمهور العلماء على ذلك، على أساس أن المدعى عليه، مهما كان، وفى جميع الأحوال،
تلوثت ذمته بالاتهام والادعاء، ولا تبرأ ذمته، ولا تنقى ساحته إلا بيمينه، ثم له بعد ذلك أن يرفع إلى
القضاء طلبا برد الشرف، أو تعويض الإساءة، أما المالكية فبرون أن المدعى لا يستجاب لطلبه يمين
المدعى عليه إلا إذا استقرعند الحاكم علاقة بينهما تجيز هذه الدعوى، لئلا يمتهن السفهاء أهل
الفضل والعظماء، وذوات الخدور بكثرة الادعاءات، وعلى القاضى أن يكون خبيراً بصيراً حكيما يضع
الأمور فى نصابها، والله المستعان.
(١) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةً عَنِ ابْنِ عَّاسٍ
(٢) وحَدَّثَنَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ بِشْرِ عَنِ نَافِعِ بْنِ غَمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِيَ مُلَیْکَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٣) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ قَالاَ حَدَّثَنَا زَيَّدٌ وَهُوَّ ابْنُ حُبَابٍ حَدَّثَنِي سَيْفٌُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنِي
قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ غَنِ عَمَّرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ
٧
المباحث العربية
(الأقضية) القضاء فى الأصل إحكام الشيء، وانتهاؤه، والفراغ منه، ويكون بمعنى الحكم، فمن
الأول قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] ومن الثانى قوله تعالى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْن﴾ [الإسراء: ٤] وسمى القاضى قاضيا لأنه يدرس
القضية، ويصدر الحكم فيها، ويكون بمعنى الإيجاب، يقال: قضى بمعنى أوجب، فيجوز أن يسمى
قاضيا لإيجابه الحكم على من حكم عليه. فالقاضى يجمع بين المعانى الثلاثة، يدرس المسألة وينتهى
منها، وينهيها، ثم يصدر حكمه، ثم يوجبه، ويسمى القاضى حاكما، وقراره حكما، لمنعه الظالم من
الظلم، يقال: حكمت الرجل، وأحكمته إذا منعته، وسميت حكمة الدابة -بفتح الحاء والكاف لمنعها
من الانفلات، وسميت الحكمة حكمة - بكسر الحاء وسكون الكاف - لمنعها النفس من هواها.
(لويعطى الناس بدعواهم) أى لو يعطى الناس ما يدعونه على الآخرين لمجرد
دعواهم بدون دليل.
(لادعى ناس دماء رجال وأموالهم) عرف الناس فى الأول للاستغراق، ونكره فى الثانى
لصدقه على البعض المبهم، والمعنى: لو أعطى كل أحد ما يدعيه لادعى بعض الناس ما ليس له، وليس
المقصود نفى الادعاء، بل المقصود نفى التمكن والاستيلاء على دماء الغير وأموالهم، فالمعنى: لو
يعطى الناس ما يدعون لمجرد دعواهم لتمكن ناس واستولوا على حقوق غيرهم.
(ولكن اليمين على المدعى عليه) أى ولكن يرد دعوى المدعى-إذا لم يكن له بينة- يمين
المدعى عليه، وهل العبارة تقصر اليمين على المدعى عليه، دون المدعى، فلا يحكم له بشاهد ويمين؟
أولا تقصر؟ خلاف يأتى فى فقه الحديث. واختلف الفقهاء فى تعريف المدعى، والمدعى عليه، قال
الحافظ ابن حجر: والمشهور فيه تعريفان: الأول: المدعى من يخالف قوله الظاهر، والمدعى عليه
بخلافه، والثانى: من إذا سكت ترك وسكوته، والمدعى عليه من لا يخلى سبيله إذا سكت. والأول
أشهر، والثانى أسلم، وقد أورد على الأول بأن المودع إذا ما ادعى الرد أو التلف، فإن دعواه تخالف
الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله.
(قضى بيمين وشاهد) أى قضى للمدعى الذى ليس لديه إلا شاهد واحد أن يقوم
يمينه مقام الشاهد الثانى، فلم يعد اليمين فى القضاء مقصوراً على المدعى عليه، وسيأتى
تفصيل الحكم فى فقه الحديث.
فقه الحديث
يقول النووى عن الرواية الأولى والثانية: هذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع، ففيه
٨
أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه، بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة، أو تصديق المدعى عليه، فإن
طلب يمين المدعى عليه، فله ذلك.
وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة فى كونه لا يعطى بمجرد دعواه، لأنه لوكان
يعطى بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولا يمكن للمدعى عليه أن يصون ماله ودمه،
وأما المدعى فيمكنه صيانتها بالبيئة. اهـ وقد وضح بعض العلماء الحكمة فى ذلك، فقال:
لأن جانب المدعى ضعيف، لأنه يقول خلاف الظاهر، فكلف الحجة القوية، وهى البيئة،
لأنها لا تجلب لنفسها نفعا، ولا تدفع عنها ضرراً، فيقوى بها ضعف المدعى، وجانب المدعى
عليه قوى، لأن الأصل فراغ ذمته، فاكتفى منه باليمين، وهى حجة ضعيفة، لأن الحالف
يجلب لنفسه النفع، ويدفع الضرر، فكان ذلك فى غاية الحكمة.
وهذا الذى ذكره النووى لا خلاف فيه بالنسبة للنقطة الأولى (لا يقبل قول المدعى بمجرد دعواه)
أما النقطة الثانية وهى (أن للمدعى طلب يمين المدعى عليه مطلقا) ففيها خلاف، ولذلك قال: وفى
هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعى والجمهور من سلف الأمة وخلفها أن اليمين توجه على كل من
ادعى عليه حق، سواء كان بينه وبينه اختلاط أم لا، وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة،
فقهاء المدينة: أن اليمين لا تتوجه إلى المدعى عليه إلا إذا كان بينه وبين المدعى خلطة (أى علاقة
معاملة أو شبهة أو صلاحية معاملة) لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل، بتحليفهم مراراً فى اليوم
الواحد، فاشترطت الخلطة، دفعاً لهذه المفسدة، واختلفوا فى تفسير الخلطة، فقيل: هى معرفته
بمعاملته ومدينته، وقيل: تكفى الشبهة، وقيل: هى أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: أن
يليق به أن يعامله بمثلها، قال: ودليل الجمهور حديث الباب، ولا أصل لا شتراط الخلطة فى كتاب
ولا سنة ولا إجماع اهـ
ولست مع النووى ولا مع الجمهور فى ذلك، والنصوص تقيد وتخصص بالقرائن، وليس من الحكمة
أن يقف رئيس الدولة، أو سيدات المجتمع المخدرات، أمام القضاء للحلف، كلما ادعى عليهم صعلوك
بأمر ما، ويعجبنى قول الاصطخرى من الشافعية: إن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعى لم
يلتفت إلى دعواه.اهـ
ثم إن الكوفيين خصصوا اليمين على المدعى عليه فى الأموال، دون الحدود، واستثنى مالك النكاح
والطلاق والعتاق والفدية، فقال: لا يجب فى شيء منها اليمين، حتى يقيم المدعى البيئة، ولو شاهدًا
واحدًا.
فتعميم الشافعية للحديث، فى الأفراد والأموال والحدود والنكاح ونحوه، لايخلو من تعقيب.
وقد استدل بالحديث فى قوله ((ولكن اليمين على المدعى عليه)) بأن المدعى لا يحلف، استظهار!
مع بينته، ولا يحلف مع شاهد، بدلا من الشاهد الثانى، وهى قضية الرواية الثالثة.
ولكن هذه العبارة لا قصر فيها، حتى يثبت الحكم للمذكور، وينفى عما عداه، وعبارة
٩
الرواية الثالثة صريحة فى قبول شاهد واحد ويمين، ويمنع الحنفية والشعبى والحكم
والأوزاعى واللبث والأندلسيون من أصحاب مالك قبول شاهد واحد ويمين، والحكم بناء على
ذلك، فى الأموال وما يقصد به الأموال، ويستدلون بقوله تعالى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْن مِن
رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَان .... ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالقول بالحكم بناءَ على
شاهد ويمين زيادة على ما فى القرآن، فهو يشبه النسخ، والسنة الآحادية لا تنسح القرآن،
ولا تقبل الزيادة من الأحاديث إلا إذا كان الخبر بها مشهورا، كما فى أحاديث ((لا يرث
الكافر المسلم)) و((لايقتل الوالد بالولد)) و((لايرث القاتل من القتيل)).
ويجيب الجمهور بأنه لا يلزم من التنصيص على الشىء نفيه عما عداه، والزيادة على ما
فى القرآن كما هنا لبست نسخا، ولا تشبه النسخ، لأن النسخ رفع الحكم، ولا رفع هنا، وأيضا
فالناسخ والمنسوخ لابد أن يتواردا على محل واحد، وهذا غير متحقق فى هذه الزيادة، فهى
أشبه بالتخصيص، وتخصيص الكتاب بالسنة جائز، كما فى قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ
ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] مع تحريم نكاح العمة مع بنت أخيها، وهو مجمع عليه. على أن حديث
القضاء بالشاهد واليمين مشهور، جاء من طرق كثيرة مشهورة، وثبت من طرق صحيحة
متعددة، فإن ادعى نسخه رد بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
وتفرع على هذا. هل يقضى باليمين مع الشاهد الواحد مع التمكن من الشاهدين؟ أو من شاهد
وامرأتين؟ أولا يقضى باليمين مع الشاهد الواحد إلا عند فقد الشاهدين؟ أو ما يقوم مقامهما من
المرأتين؟ وجهان عند الشافعية، واللَّه أعلم.
كما تفرع عليه. لو حلف المدعى عليه، ثم أراد المدعى إقامة البينة. هل تقبل منه؟ أولا؟ ذهب
مالك إلى أن من رضى ببمين غريمه، ثم أراد إقامة البينة بعدحلفه، أنها لا تسمع، إلا إن أتى بعذر
يتوجه له فى ترك إقامتها قبل استحلافه.
كما استدل بقوله ((ولكن اليمين على المدعى عليه» أن يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى، وفى
حديث اليهودى الذى سبق فى الأيمان والنذور، أن النبى{ # قال للمدعى المسلم ((بينتك أو يمينه))
فلما اعترض المسلم بأن المدعى عليه يهودى فاجر، لا يبالى باليمين، قال له صلى الله عليه وسلم
((ليس لك منه إلا ذلك)).
والله اعلم
١٠
(٤٥٥) باب حكم الحاكم لا يغير الباطن
٣٩٢٩ - ٤° عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٤) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَّ «إِنْكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ.
وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن يَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ. فَمَنْ
قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ».
٣٩٣٠ - ° عَنْ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٥) زَوْجِ النَّبِيِّنَ لِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ سَمِعَ جَلْبَةً
خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ
يَكُونَ أَبْلَغَ مِن بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ. فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ
قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا».
٣٩٣١ - ٦. وفي رواية عَنِ الزُّهْرِيّ(٦) بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثٍ يُونُسَ وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ
قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ:﴿ لَجَبَّةَ خَصْمٍ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ.
المعنى العام
إن حكم الحاكم المبنى على القواعد الشرعية واجب النفاذ، وليس للمحكوم عليه أن يمتنع عن
التنفيذ، مادامت قد قامت الببنة لدى الحاكم، أو حلف المدعى عليه عند عدم البيئة.
وقد يكون الحق فى جانب والحكم فى جانب آخر، نتيجة شهادة زور، أو نتيجة عجز المدعى عن
إثبات دعواه، أو فصاحة المدعى عليه بحيث يلبس على القاضى الحق بالباطل والباطل بالحق، ومع
ذلك يكون الحكم واجب النفاذ، والإثم فى هذه الحالة على المحكوم له بحق ليس له، إن هو أخذ حق
امرئ مسلم، وإن كان شبرا من عود شجر، وإن كان سواكا من أراك. فهو قطعة من النار، يأتى هذا
العود يوم القيامة سبخا من نار حامية، يحرق بدنه، فيكوى به جبهته وجنبه وظهره ويقال له: هذا ما
استوليت عليه بغيروجه حق.
إن الدنيا لا تغنى عن الآخرة، وما متاع الدنيا فى الآخرة إلا قليل، فليحذر الذين يأكلون أموال
الناس بالباطل يوم يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء.
(٤) حَدَّثَّا يَحْيَى بْنُ يَحْتِى التّمِيمِيُّ أَخْبُرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً عَنِ أَبِيهِ عَنِ زَيْنَبَ بِنْتٍ أَبِي سَلَمَةً عَنِ أُمِّ سَلَمَةً
- وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وحَدَّثَّا أَبُّ كُرَيْبٍ حَدَثْنَا ابْنُ نُمَيْرِ كِلاَهُمَا عَنِ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٥) وحَدَّثِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَىَ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزَُِّّ عَنِ زَيْبَ بِنْتِ أَبِي
سَلَمَةً عَنِ أُمِّ سَلّمَةً
(٦) وحَدَّثْنَا عَمْرٌوِ النَّقِدُ حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدََّنَا أَبِي عَنِ صَالِحٍ ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ
١١
إن الرسول / يحذر الفصحاء من أن يستغلوا فصاحتهم فى دعواهم الباطلة، يحذر الذين يلبسون
الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون، ويعلن أنه صلى الله عليه وسلم بشر، لا يعلم الغيب، وقد أمر
أن يحكم بين الناس بمقتضى قواعد الشرع، وربما حكم لامرئ بحق أخيه، ظنا أنه صادق، فمن قضی
له بحق مسلم فليعلم أنها قطعة من النار، فليأخذها أو يتركها وكل نفس بما كسبت رهينة.
المباحث العربية
(إنكم تختصمون إلى) الخطاب للخصوم الذين سمع أصواتهم، وهو فى بيت زوجه أم سلمة
فخرج إليهم، كما سيأتى فى الرواية الثانية، ولفظها ((سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم،
فقال ... )) والجلبة بفتح الجيم واللام اختلاط الأصوات، وفى ملحق الرواية الثانية ((لجبة)) بتقديم
اللام على الجيم، وهى لغة فيها، والخصم فتح الخاء وسكون الصاد مصدر، يطلق على الواحد وعلى
الاثنين وعلى الأكثر، وعلى المذكر والمؤنث، وقد يننى، كما فى قوله تعالى ﴿هَذَان خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾
[الحج: ١٩] وقد يجمع، كما فى رواية بلفظ ((خصوم)) كما جاء فى رواية للبخارى ((سمع خصوم)) وقد
وقع التصريح فى بعض الروايات عند أبى داود أن الخصومة كانت بين اثنين، وأنها كانت فى
مواريث لهما، ولفظها ((أتى رسول اللّه ◌ِ * رجلان يختصمان، فى مواريث لهما)) فلعل الجمع فى
((إنكم تختصمون إلى)) على لغة من يطلق الجمع على الاثنين فصاعدا، أو الخطاب لهما ولمن تجمع
من المارة على خصومتهما، ولعل الرجلين كانا فى طريقهما إليه صلى الله عليه وسلم، ليحكم بينهما،
وارتفعت أصواتهما بغير قصد، أو بقصد إثارة انتباهه، ليخرج إليهم إن شاء، بدلا من طرق بابه، أو
أنهما كانا فى الطريق إلى مكان آخر، فوقعت الجلبة فى هذا المكان صدفة، ورواية أبى داود تفيد
أنهما كانا قاصدين داره صلى اللّه عليه وسلم.
والمقصود من الباب ومن الحجرة الواردين فى الرواية الثانية بلفظ ((بباب حجرنه)) منزل أم
سلمة، كما صرح به فى ملحق الرواية، ولم تكن الخصومة بالباب، بل عند الباب قريبة منه، كأنها
مصاحبة له.
(ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) اللحن القدرة على التعبير عما يريد،
وقال النووى: ((ألحن)) بالحاء معناه أبلغ وأعلم بالحجة، كما صرح به فى الرواية الثانية.اهـ.
واختلف فى تعريف البلاغة، فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما فى قلبه، وقيل: إيصال المعنى
إلى الغير بأحسن لفظ، وقيل: إجمال اللفظ، واتساع المعنى، وعرفها المتأخرون من أهل المعانى
والبيان، بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والفصاحة خلو الكلام عن التعقيد.
والمراد هنا لعل بعض الخصوم يكون أقدر على إلباس الحق ثوب الباطل، والباطل ثوب الحق
بأدلته، من البعض الآخر.
(فأقضى له على نحو مما أسمع منه) أى فأقضى له بناء على ما يقع من إقناعه لى بحجته،
١٢
وفى الرواية الثانية ((فأحسب أنه صادق)) وفى رواية ((فأظنه صادقا)) وفى الكلام حذف، تقديره: وهو
فى الباطن والحقيقة كاذب.
(فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه) أى فمن أعطيته من حق أخيه شيئا فلا
يأخذه، وفى الرواية الثانية ((فمن قضيت له بحق مسلم)) والتقييد بالمسلم خرج على الغالب، إذ الكثير
فى معاملات المسلم، أن تكون مع المسلم، وليس المراد به الاحتراز عن الكافر، فإن مال الذمى
والمعاهد والمرتد فى هذا، كمال المسلم، فالمراد من الأخوه الأخوة فى الإنسانية.
(فإنما أقطع له به قطعة من النار) الفاء للتعليل، أى لا يأخذه لأنه قطعة من النار، وليس
المراد أنه الآن حين القضاء قطعة من نار تحرق، فقد يكون نافعا للمحكوم له فى الدنيا، ولكن المراد
أنه سيتحول إلى قطعة من النار يوم القيامة، يجبر على أخذها لتحرقه، وفى الرواية الثانية ((فإنما
هى قطعة من النار)) قال الحافظ ابن حجر: ضمير ((هى)) للحالة أو القصة. اهـ ويصح أن يعود إلى
القضية، أى المقضى به، أى فإن ما أقضى به بغير حق من مال المسلم قطعة من النار.
(فليحملها أو يذرها) فى رواية للبخارى ((فلبأخذها أو ليتركها)) قال النووي: ليس معناه
التخيير، بل هو التهديد والوعيد، كقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]
وكقوله سبحانه ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].اهـ
وحاصله النهى والتحذير من أخدها. لأنها غير حق، ولأنها قطعة من النار.
وقال ابن التين: هو خطاب للمقضى له (يقصد مطلقاً، سواء قضى له بحقه، أو بحق أخيه)
ومعناه أنه أعلم من نفسه، هل هو محق؟ أو مبطل، فإن كان محقا فليأخذ، وإن كان مبطلا فليترك،
فإن الحكم لا ينقل الأصل عما كان عليه. اهـ. وهذا المعنى لا يستقيم مع الحكم السابق، وأنه حق
الغير، وأنه قطعة من النار.
(إنما أنا بشر) البشر الخلق، يطلق على الجماعة والواحد، والمراد أنه # مشارك للبشر فى
أصل الخلقة، وإن زاد عليهم بمزايا اختص بها فى ذاته وصفاته، والحصرهنا مجازى، قصر قلب، لأنه
أتى به ردا على من زعم أن من كان رسولا فإنه يعلم كل غيب، حتى لا يخفى عليه المظلوم، أى ما أنا
إلا بشر والبشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا، إلا أن يطلعهم تعالى على شيء من ذلك،
وأنه يجوز عليه فى أمور الأحكام ما يجوز عليهم.
فقه الحديث
هذا الحديث حجة لمن يقول: إن النبى 8* قد يحكم بالشىء فى الظاهر، ويكون الأمر فى الباطن
خلافه، ولامانع من ذلك، إنما الممتنع أن يخبر عن أمر بأن الحكم الشرعى فيه كذا، ويكون ناشئا عن
اجتهاده، ويكون خطأ، فهو فى هذه الحالة لا يقر على الخطأ، أما ما نحن فيه فهو الحكم فى القضايا
١٣
بين الناس، بناء على البيئة واليمين، وقد أمر أن يحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، وهذا نحو قوله
صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى
دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه)) ولو شاء اللّه لأطلعه صلى اللَّه عليه وسلم على باطن
أمر الخصمين، فحكم بالواقع واليقين من غير حاجة إلى شهادة أو يمين، لكن لما أمر اللَّه تعالى أمته
باتباعه، والاقتداء به فى أقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى له حكمهم فى عدم الاطلاع على باطن الأمور،
ليكون حكم الأمة فى ذلك حكمه، فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذى يستوى فيه هو وغيره،
ليصح الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة، التى سيحكم بها الحكام من بعده،
من غير نظر إلى الباطن والواقع.
قال النووى: فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه قد يقع منه صلى اللَّه عليه وسلم فى
الظاهر مخالف الباطن وقد اتفق الأصوليون على أنه صلى الله عليه وسلم لا يقر على خطأ
فى الأحكام؟ فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين، لأن مراد الأصوليين
فيما حكم فيه باجتهاده، فهل يجوز أن يقع فيه الخطأ؟ فيه خلاف، الأكثرون على جوازه،
ومنهم من منعه، لكن الذين جوزوه قالوا: لا يقر على إمضائه، بل يعلمه الله تعالى به،
ويتداركه، وأما الذى فى الحديث فمعناه إذا حكم بغير اجتهاد، كما إذا حكم بالبيئة
واليمين، فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه، لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم
صحيح، بناء على ما استقربه التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلا، فإن كانا شاهدى
نور فالتقصير منهما، وممن ساعدهما، وأما الحكم فلا حيلة له فى ذلك، ولا عيب عليه
بسببه، بخلاف ما إذا أخطأ فى الاجتهاد، فإن هذا الذى حكم به ليس هو حكم الشرع.اهـ
وزاد بعضهم الأمر إيضاحاً، فقال: فى قصة ابن وليدة زمعة السابقة فى باب ((الولد للفراش)) حكم
* بالولد لعبد بن زمعة، وألحقه بزمعة، بناء على قاعدة: الولد للفراش. فلما كان الولد شبيها بعتبة
وليس شبيها بزمعة، قال لسودة بنت زمعة: احتجبى منه. أى احتياطا أنه ليس أخاها وليس ابنا
لزمعة، فحكم بالظاهر، واحتاط للباطن.
وفى قصة المتلاعنين، لما لاعنت المرأة فرق بينها وبين زوجها، ولم يبطل لعانها، ولم يحكم عليها
بالزنا، مع أن ابنها جاء مشبها من رميت به، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ((لولا الإيمان (أى بحكم
اللَّه وقضاء اللَّه والاحتكام إلى اللعان) لكان لى ولها شأن)).
ومنع قوم وقوع الخطأ فى اجتهاده، وقالوا: لو جاز وقوع الخطأ فى حكمه للزم أمر المكلفين
بالخطأ، لثبوت الأمر بانباعه فى جميع أحكامه، حتى قال الله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّلا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
وقالوا: إن الإجماع معصوم من الخطأ، فالرسول أولى بذلك، لعلو رتبته.
قال الحافظ ابن حجر: والجواب عن الأول: أن الأمر إذا استلزم إيقاع الخطأ، لا محذور فيه، لأنه
موجود فى حق المقلدين، فإنهم مأمورون باتباع المفتى والحاكم، ولو جاز عليه الخطأ. والجواب عن
١٤
الثانى: أن الملازمة مردودة، فإن الإجماع إذا فرض وجوده دل على أن مستندهم ما جاء عن الرسول
﴿ٌ، فرجع الانباع إلى رسول اللّهلَ ﴾، لا إلى نفس الإجماع.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - قال النووي: فى هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعى وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء
الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: أن حكم الحاكم لا يحيل الباطن، ولا يحل حراماً،
فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم به الحاكم، لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا
علبه بقتل، لم يحل للولى قتله، مع علمه بكذبهما، وإن شهدا بالزور أنه طلق امرأته، لم يحل لمن
علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضى بالطلاق، وقال أبو حنيفة: يحل حكم الحاكم الفروج،
دون الأموال، فقال: يحل نكاح المذكورة، وهذا مخالف لهذا الحديث الصحيح، ولإجماع من قبله،
ومخالف لقاعدة، وافق عليها هو وغيره، وهى أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال.اهـ
قال الشافعى: إنه لا فرق فى دعوى حل الزوجة، لمن قام بتزويجها بشاهدى زور، وهو يعلم
بكذبهما، وبين من ادعى على حر أنه فى ملكه، وأقام بذلك شاهدى زور، وهو يعلم حريته، فإذا
حكم له الحاكم بأنه ملكه، لم يحل له أن يسترقه بالإجماع.
وقال القرطبى: شنعوا على من قال ذلك - يقصد أبا حنيفة - قديما وحديثا، لمخالفة الحديث
الصحبح، ولأن فى هذا القول صيانة المال، وابتذال الفروج، وهى أحق أن يحتاط لها وتصان.اهـ
وقد حاول بعض الحنفية تبرير هذا القول، والدفاع عنه. فقال:
أ- جاء عن على ◌َّه ((أن رجلا خطب امرأة، فأبت، فادعى أنه زوجها، وأقام شاهدين، فقالت
المرأة: إنهما شهدا بالزور، فزوجنى أنت منه، فقد رضت، فقال شاهداك زوجاك، وأمضى
عليها النكاح)».
ورد بأن هذا لم يثبت عن علىّ ظه، وكيف يتوهم أن عليا قلبه حكم بصحة النكاح بعد علمه
بشهادة الزور؟ وكيف يتوهم أنه حكم بصحة النكاح مع أن المرأة أنكرت الركن الأساسي
فيه، وهو الإيجاب والقبول؟ وكيف تقول المرأة: زوجنى أنت منه، فقد رضيت، فلا يزوجها
زواجاً شرعياً صحيحاً، متفقا عليه ويمضى ويحكم بصحة زواج ثابت الفساد؟ أعتقد لو أن
هذه القصة ثابتة لكان معنى ((شاهداك زوجاك)) أى كانا سببا فى رضاها بك، وقبولها اليوم
بزواجك، بعد أن كانت غير راضية بك، وكان معنى قول الراوى ((وأمضى عليها النكاح)» أى
زوجها وعقد لها عليه، ويكفى فى هذا الدليل هذا الاحتمال، ليسقط به الاستدلال؟ ثم كيف
ينهض هدا الأثر لمقاومة الحديث الصحيح.؟
ب- وقال تبريرا لهذا الحكم: إن الحاكم فى النكاح قضى بحجة شرعية، أمر الله تعالى بها، وهى
البيئة العادلة فى علمه، ولم يكلف بالاطلاع على صدقهم فى باطن الأمر (وهذا يرد الأثر
السابق، فإن عليا ظ لم يحكم بناء على البيئة العادلة فى علمه، بل ثبت له أن البيئة غير
١٥
عادلة) فإذا حكم بشهادتهم، فقد امتثل ما أمر الله، فلو قلنا: لا ينفذ فى باطن الأمر، للزم
إبطال ما وجب بالشرع، وصيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة.
ورد هذا من وجوه: أولاً: صيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة إذا صادف حجة صحيحة.
ثانياً: لسنا فى مسألة الحكم، وإثم القاضى، وإنما نحن فى التنفيذ، ولا يلزم من حكم الحاكم
التنفيذ الفعلى فى باطن الأمر، فالرسول # إذا قضى لامرئ بحق امرئ لا إثم عليه، ومع ذلك
فالتنفيذ قطعة من النار، فكيف يباح للمنفذ أن يأخذها، وهو يعلم حقيقتها.
ثالثاً: أن أبا حنيفة يقع فى هذه الاعتراضات حين يقول بعدم التنفيذ فى الأموال، فهو لم يصن
الحكم عن الإبطال، وأبطل ما وجب بالشرع.
ج- وقال أيضا تبريرا لهذا الحكم: لوحكم الحاكم بالطلاق، بناء على شهادتى زور، فتزوجت رجلا
غيره، لولم ينفذ هذا الحكم باطنا، لبقيت حلالا للزوج الأول باطنا، وللثانى ظاهرا، ولو ابتلى
الثانى بمثل ما ابتلى به الأول، وحكم بالطلاق منه، بناء على شاهدى زور، حلت للثالث،
وهكذا، فتحل لجمع متعدد، فى زمن واحد.
ورد بأن هذا إلزام بما لا يقال، من الذى أباح لها أن نتزوج الثانى بناء على حكم
الحاكم؟ وهى وزوجها الثانى يعلمان أنه زور؟ إنهما إذا علما أن الحكم ترتب على
شهادتى زور، واعتمد على هذا الحكم، وتعمدا الدخول، فقدارتكبا المحرم، كما لو
كان الحكم بالمال، فأكله، ولو ابتلى الثانى كان الحكم كذلك بالنسبة للثالث، وهكذا
فكانوا كما لوزنوا ظاهرا، واحدا بعد واحد.
د- وأخيرا قال: إن الحديث صريح فى المال، وليس النزاع فيه.
ورد بأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، ولفظ الحديث عام ((فمن قضيت له بحق
مسلم)» والحق يكون فى الأموال وفى النكاح وغيرهما.
والحق أن هذا القول جدير بالتشنيع، وليس قائله معصوما من الخطأ، والله أعلم
٢- ويؤخذ من الحديث أيضا إثم من خاصم فى باطل، حتى استحق به فى الظاهر شيئا، هو فى
الباطن ليس حقا له.
٣- وإثم من احتال لأمر باطل بأى وجه من وجوه الحيل.
٤- وفيه أن المجتهد قد يخطئ، فيرد به على من زعم أن كل مجتهد مصيب.
٥- وفيه أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر على بذل الجهد.
٦- وأن النبى 8 كان يقضى بالاجتهاد، فيما لم ينزل عليه فيه شىء، قال الحافظ ابن حجر: وخالف
فى ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم.
١٦
٧- وفيه أن الحكم بين الناس يقع على ما يسمع من الخصمين بما لفظوا به، وإن كان فى
قلوبهم غيره.
٨- واستدل بالحديث لمن قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه، أخذا من رواية ((إنما أقضى له بما أسمع)).
بدليل الحصر فيها، وفى المسألة خلاف، لكن لو شهدت البيئة مثلا بخلاف ما يعلمه علما حسيا،
بمشاهدة أو سماع، يقينيا أو ظنيا راجحا، لم يجزله أن يحكم بما قامت به البيئة.
٩- قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن التعمق فى البلاغة، بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين
الباطل فى صورة الحق، وعكسه، مذموم. اهـ وهذه العبارة غير سليمة، وسلامتها أن يقال: إن
استخدام القدرة البلاغبة فى تزيين الباطل وعكسه مدموم. ولذلك قال الحافظ ابن حجر بعد: لو
كان ذلك فى التوصل إلى الحق لم يذم، وإنما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل فى صورة
الحق، فالبلاغة إذن لا تذم لذانها، وإنما تذم بحسب ما نستخدم فيه، وهى فى ذاتها ممدوحة،
وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب، وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته،
ولاسيما إن كان هذا الغبر من أهل الصلاح، فإن البلاغة إنما تذم من هذه الحيثية، بحسب ما
ينشأ عنها، من الأمور الخارجة عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغبرها، بل كل فتنة توصل إلى
المطلوب محمودة فى حد ذاتها، وقد تدم أو تمدح بحسب متعلقها. اهـ
١٠- وفبه أيضا موعظة الإمام الخصوم، ليعتمدوا الحق.
١١- وفيه عمل الحاكم بالنظر الراجح، وبناء الحكم عليه، وهو أمر إجماعى للحاكم والمفتى.
والله أعلم
١٧
(٤٥٦) باب قضية هند
٣٩٣٢ - ٣ِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧) قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لا يُعْطِي مِنَ الَّفَقَةِ مَا
يَكْفِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلا مَا أَخَذْتُ مِن مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِن جُنّاحٍ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِلَّ «خُذِي مِن مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ».
٣٩٣٣ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٨) قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى الَّبِيِّ﴿ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِيَاءِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن أَنْ يُذِلَّهُمُ
اللَّهُ مِن أَهْلِ حِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِيَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن أَنْ يُعِزَّهُمُ اللَّهُ
مِن أَهْلٍ خِبَائِكَ. فَقَالَ النّبِيُّ ◌َتِ «وَأَيْضًا وَالْذِي نَفْسِي بِيْدِهِ» ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكْ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَن أُتْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِن مَالِهِ بِغَيْرِ
إِذْنِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ :﴿ «لا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ».
٣٩٣٤ - ثْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٩) قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِعَةَ فَقَالَتْ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ خِيَاءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن أَن يَدِلُوا مِن أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا
أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ خِيَاءٌ أَحَبَّ إِلَيٍّ مِن أَنْ يَعِزُّوا مِن أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ
عَلَيَّ حَرَجٌ مِن أَنْ أُطْعِمَ مِنِ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ لَهَا: لا إِلا بِالْمَعْرُوفِ».
المعنى العام
هند بنت عتبة امرأة وافرة العقل من زعيمات نساء العرب، زوجة أبى سفيان بن حرب، أم
معاوية ظلت رائدة فى الكفر، محاربة رسول اللَّهِم﴿، مؤلبة رجال قريش عليه،، حتى ألقى اللَّه فى
قلبها نور الإيمان بعد فتح مكة، وبعد إسلام زوجها أبى سفيان. لما أسلم زوجها وبخته وأنبته وأخذت
(٧) حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
- وحَدْثَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَّيْرٍ وَأَبُوَ كُرَّيْبٍ كِلَّهُمَّا عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ وَوْكِيعٍ ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
يَحْيِّى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فَدَيْكٍ أَخْبُرَنَا الضَّحَّاكُ يَعْنِي ابْنَ
عُثْمَانَ كُلُّهُمْ عَنِ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(٨) وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبُّوَّنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُرْوَةَ عَن عَائِشَةً
(٩) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنِ عَمِِّ أَخْبُرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبِيْرِ أَنَّ عَائِشَةً
١٨
بلحيته، تهزه وتسخر منه، ثم تلبث يومين أو ثلاثة حتى قالت لأبى سفيان: إنى أريد أن أبايع رسول
اللَّهِ ﴾ قال: فافعلى، فذهبت فى نسوة محجبات، وبايعهن رسول اللَّهِ﴾ ولما ناقشته البيعة عرفها.
فقال: أنت هند. فكشفت عن أمرها برزانة وحكمة، قالت: يا رسول الله، والله لقد مضى على زمان
كان بيتك أبغض البيوت إلى نفسى، وكنت أتمنى أن يدل الله هذا البيت ذلا فوق ذل البشر،
وأصدحت اليوم أراك وأرى بيتك أحب البيوت إلى نفسى، ولا أنمنى لأحد أن يعزه اللَّه مثلما أتمنى
لك. قال لها رسول اللَّه ◌َ﴾: وأيضا سيريدك الله حباً لى بتمكين الإيمان فى قلبك. واستراحت هند
بهذا اللقاء، وأنست بهذا الجواب وهذا الاستقبال، فعرضت على رسول اللّه * دخيلة نفسها، وخاصة
أمرها، وسربيتها، وما يقع بينها وبين زوجها. قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح بخيل،
ممسك، مقتر فى النفقة على وعلى أولاده، لا يعطينا ما يكفينا، وأستطيع أن أكمل نقص نفقتنا من
ماله الذى تحت يدى، بدون علمه، دون أن يشعر، فهل على إثم إذا أنا أخذت من ماله بغير علمه؟ قال
لها صلى الله عليه وسلم, لا إثم عليك إذا أخذت من ماله بغير علمه ما هو حق مستحق لك ولبنيك
بشرط أن لا تزيدى عما نستحقين، وعما هو معروف عرفا وعادة أنه يكفيك ويناسب معيشة أمثالك.
المباحث العربية
(دخلت هند) ((هند)) روى بالصرف وبدون الصرف، ومن المعلوم أن ساكن الوسط يجوز فيه
الأمران، الصرف وتركه، كما فى نوح ودعد. وهند أم معاوية، وكان من أمرها لما قتل أبوها عتبة وعمها
شيبة وأخوها الوليد يوم بدر شق عليها، فلما كان يوم أحد، وقتل حمزة فرحت بذلك، وعمدت إلى
بطنه فشقتها، وأخذت كبده فلاكتها، فلما كان يوم الفتح ودخل أبو سفيان مكة مسلما- بعد أن
أسرته خيل النبى *، تلك الليلة فأجاره العباس - غضبت هند لأجل إسلامه، وأخذت بلحيته، ثم إنها
بعد استقرار النبى 88# بمكة جاءت فأسلمت وبايعت.
(إن أبا سفيان رجل شحيح) الشح البخل مع حرص، والشح أعم من البخل، لأن البخل
يختص بمنع المال، والشح بكل شيء، وقيل: الشح لازم كالطبع، والبخل عبر لازم. قال القرطبى: لم ترد
هند وصف أبى سفيان بالشح فى جميع أحواله، وإنما وصفت حالها معه، وأنه كان يقتر عليها وعلى
أولادها، وهذا لا يستلزم البخل مطلقا، فإن كثيراً من الرؤساء يفعل ذلك مع أهله، ويؤثر الأجانب،
استئلافا لهم.
وقال الخطابي: إن أبا سفيان كان رئيس قومه، ويبعد أن يمنع زوجته وأولاده النفقة فكأنه كان
يعطيها قدر كفايتها وولدها.
وفى الرواية الثانية ((رجل ممسك)) وفى الرواية الثالثة ((رجل مسيك)) بكسر الميم وتشديد السبن،
على المبالغة، مثل شريب وسكير، وضبط بفتح الميم وكسر السين مخففاً، على وزن شحيح. قال
النووى: الأول أشهر فى الرواية، والثانى أصح من حيث اللغة. من إمساك المال ومنعه من الإنفاق،
وهو الشح.
١٩
(لا يعطينى من النفقة ما يكفينى ويكفى بنى) لم تبين إن كان بنوها صغاراً أو كباراً.
(إلا ما أخذت من ماله بغير علمه) فى رواية البخارى ((إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم)) زاد
الشافعی فی روايته « سرا )».
(فهل على فى ذلك من جناح) ((من)) زائدة داخلة على المبتدأ فى سياق الاستفهام، والأصل
فهل على جناح وإثم فى أخذى من ماله بغير علمه؟ وبينت الرواية الثانية والثالثة مصرف ما تأخذه،
ففى الثانية ((فهل على حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه))؟ وفى الثالثة ((فهل على حرج
من أن أطعم من الذى له عيالنا)»؟ أى هل على إثم إن أطعمت عيالنا من ماله الذى له بغير إذنه؟ ولما
كان سؤالها غبر محدد المقدار، مما يدخل الإسراف كان جوابه صلى الله عليه وسلم مانعا الإسراف.
(خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك) والمراد من المعروف هنا ما يقره
الشرع والعرف والعادة من مقدار نفقة مثيلاتها، دون تقتبر أو إسراف، عملا بقوله تعالى ﴿لِيُنفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] وفى الرواية الثانية ((لا حرج
عليك أن تنفقى عليهم بالمعروف)) وفى الرواية الثالثة ((لا. إلا بالمعروف)) وبالرغم من أن الروايات
كلها تفيد الإذن لها بأن تأخذ من ماله بغير علمه إلا أنها لم تصرح نصا بذلك، بل أطلقت الأخذ
((خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك وما يكفى بنيك)). ((لا حرج عليك أن تنفقى عليهم بالمعروف))
وقوله ((لا. إلا بالمعروف)) هكذا هو فى جميع النسخ، وهو صحيح، والاستثناء استدراك بمعنى لكن،
والمعنى لا. أى لا حرج عليك أن تأخذى من ماله من غير علمه، لكن بالمعروف.
(والله ما كان على ظهر الأرض خباء أحب إلى من أن يذلهم الله من أهل خبائك)
قال القاضى عياض: أرادت بقولها ((أهل خياء)) نفسه صلى الله عليه وسلم، فكنّت عنه بأهل الخباء،
إجلالا له، قال: ويحتمل أن تريد بأهل الخباء أهل بيته. والخباء يعبر عن مسكن الرجل وداره، وأصل
الخباء خيمة من وبر أو صوف، ثم أطلقت على البيت كيفما كان.
(وأيضا. والذى نفسى بيده) يقال: آض يئيض إذا رجع، والمعنى ورجوعا منى على قولك. قال
ابن التين فيه تصديق لها فيما ذكرته. قال الحافظ ابن حجر: كأن ابن التين رأى أن المعنى: وأنا
أيضا بالنسبة إليك مثل ذلك. على معنى وأنا كذلك لم يكن على ظهر الأرض أحب إلى من أن يذلها
اللَّه منك. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب قول ابن التين، من جهة طرفى البغض والحب - أى هذه
الجملة، طرف البغض، والجملة الآنية طرف الحب - فقد كان فى المشركين من كان أشد أذى للنبى
* من هند وأهلها، وكان فى المسلمين-بعد أن أسلمت- من هو أحب إلى النبى{ منها ومن
أهلها، فلا يمكن حمل الخبر على ظاهره - أى ويحمل على المبالغة. وقال النووى وغيره: ((وأيضا))
خاص بما يتعلق بها، أى زال ورجعت عن بغضك لى، وحل محله ورجعت إلي حبك لى، وأيضا سيزيد
زوال بغضك لى. وسيزيد حبك لى كلما تمكن الإيمان من قلبك، ويصبح بغضه صلى الله عليه وسلم
لها، وحبه لها مسكوتا عنه.
٢٠