النص المفهرس
صفحات 601-620
وزيادة الثقة مقبولة، وأما الثانى فهذا التأويل مردود، لأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطربت
الأدلة الشرعية، ولم يكن بد من ارتكابه، وليس هنا شىء من ذلك، فوجب حمله على ظاهره.
٣٧- ومن قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الرابعة ((اذهبوا به فارجموه)) جواز استنابه الإمام من
يقيم الحد، قال العلماء: لا يستوفى الحد إلا الإمام أو من فوض ذلك إليه.
٣٨- ومن الرواية الثانية عشرة، قصة العسيف، من قول الرجل ((فسألت أهل العلم)) قال النووى: فيه
جواز استفتاء غير النبى * فى زمنه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر ذلك عليه، وأن الصحابة
كانوا يفتون فى حياة النبی ®څ وفى بلده.
٣٩- وجواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، أو من هو أفضل منه.
٤٠- ومن قوله ((الوليدة والغنم رد)) أن الصلح الفاسد يرد، وأن أخذ المال فيه باطل، يجب رده، قال
ابن دقيق العيد: وبهذا يتبين ضعف عذر من اعتذر من الفقهاء عن بعض العقود الفاسدة، بأن
المتعاوضين تراضيا، وأذن كل منهما للآخر فى التصرف، والحق أن الإذن فى التصرف مقيد
بالعقود الصحيحة.
٤١- وأن الحدود لا تقبل الفداء.
٤٢- ومن قوله ((وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام)) بعد إقرار الأب فى حضور الابن وسكوت الابن،
أخذ بعضهم صحة إقرار الأب على الابن، والصحيح أن إقرار الأب على الابن لا يقبل، ويحمل ما
حصل على أن الابن اعترف، وتبين أن الابن زنى وهو بكر، أو يكون هذا إفتاء، أى إن كان ابنك
زنى وهو بكر فعليه جلد مائة وتغريب عام، والأول أقرب.
٤٣- وعن قوله ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)) قال النووى: بعث أنيس محمول
عند العلماء من أصحابنا وغيرهم، على إعلام المرأة، بأن هذا الرجل قذفها بابنه، فلها عنده حد
القذف، فتطالب به، أو تعفو عنه، إلا أن تعترف بالزنا، فلا يجب عليه حد القذف، بل يجب عليها
حد الزنا، وهو الرجم، لأنها كانت محصنة ((امرأة هذا)) فذهب إليها أنيس، فاعترفت بالزنا، فأمر
النبى 8# برجمها، فرجمت، قال النووي: ولابد من هذا التأويل، لأن ظاهره أنه بعث لإقامة حد
الزنا، وهذا غير مراد، لأن حد الزنا لا يتوصل إليه بالتجسس والتفتيش عنه، بل لو أقر به الزانى
استحب أن يلقن الرجوع، فحينئذ يتعين التأويل المذكور.
٤٤- وذهب بعض العلماء إلى أن هذا البعث واجب على القاضى، فإذا قذف إنسان إنساناً معينا فى
مجلسه، وجب عليه أن يبعث إليه من يعرفه بحقه، من حد القذف، وقيل: لا يجب، قال النووي:
والأصح وجوبه.
٤٥- وفى الحديث الرجوع إلى كتاب اللَّه نصا، أو استنباطا.
٤٦- وجواز القسم على الأمر من غير استحلاف، لتأكيده.
٦٠١
٤٧- وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وحلمه على من يخاطبه بشيء من جفاء الأعراب،
مما لا يليق بمقامه.
٤٨- واستحباب التأسى به فى ذلك، فلا ينزعج الحاكم، ولا يغضب إذا قيل له مثلا: احكم بيننا
بالحق. قال البيضاوى: إنما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله، مع أنهما يعلمان أنه لايحكم إلا
بحكم الله، ليحكم بينهما بالحق الصرف، لا بالمصالحة، ولا الأخذ بالأرفق، لأن للحاكم أن يفعل
ذلك برضا الخصمين.اهـ
أى فليس فى كلامهما جفاء، ولا مجال هنا لاستنباط حلمه صلى الله عليه وسلم.
٤٩- وأن للإمام أن يأذن لمن شاء من الخصمين فى الدعوى، إذا جاءا معا، وأمكن أن كلا منهما
يدعى. وهذا على أساس أن الرجل وابنه مدعى عليهما، أما على أساس أن الرجل جاء يطلب
استرداد الغنم والوليدة، فهو المدعى، وصاحب الحق فى عرض الدعوى.
٥٠- ومن قوله ((وائذن لى)) استحباب استئذان المدعى والمستفتى الحاكم والعالم فى الكلام.
٥١- وفيه أن من أقر بحد، وجب على الإمام إقامته عليه، ولو لم يعترف مشاركه فى الجريمة.
٥٢- وأن من قذف غيره، لا يقام عليه حد القذف، إلا إن طلبه المقذوف. وفيه نظر، لأن المقذوف هنا
لم يكن حاضراً، وقد سبق أن بعث أنيس لها كان لإعلامها بحقها.
٥٣- وفيه أن المخدرة التى لا تعتاد البروز، لا تكلف الحضور لمجلس الحكم، بل يجوز أن يرسل إليها
من يحكم لها وعليها.
٥٤- وأنه يجوز لمن يعرض مسألته أن يتعرض لبعض الجوانب الخارجة عنها، ليخدم مسألته، فإن
الرجل قال: إن ابنى كان عسيفاً على هذا. ومسألته حكم الزنا، لكنه أراد أن يقيم لابنه معذرة ما،
وأن ابنه لم يكن مشهورا بالعهر، ولم يهجم على المرأة مثلا، ولا استكرهها، وإنما وقع له ذلك لطول
الملازمة، المقتضية لمزيد التأنيس والإدلال، فيستفاد منه الحث على إبعاد الأجنبى من الأجنبية،
مهما أمكن، لأن العشرة قد تفضى إلى الفساد، ويتسور بها الشيطان إلى الإفساد.
٥٥- وفيه جواز الاستنابة فى الحكم والحد، إذا قلنا: إن أنيسا أنيب فى ذلك، وبعث حاكما،
فاستوفى شروط الحكم، ثم استأذن فى رجمها، فأذن له فى رجمها.
٥٦- قال القاضى عياض: احتج قوم - بقصة أنيس - بجواز حكم الحاكم فى الحدود وغيرها بما أقر
به الخصم عنده، وهو أحد قولى الشافعى، وبه قال أبو ثور، وأبى ذلك الجمهور، فقال بوجوب ضبط
بشهادة عليه، قالوا: ويحتمل أن يكون أنيس قد أشهد على إقرارها، قبل رجمها، ثم إنها واقعة
عين، لا يحتج بها.
٥٧- وفيه الاكتفاء فى الاعتراف بالمرة الواحدة، لأنه لم ينقل أن المرأة تكرر اعترافها.
٥٨- والاكتفاء بالرجم، من غير جلد.
٦٠٢
٥٩- وجواز استئجار الحر.
٦٠- وجواز إجارة الأب ولده الصغير لمن يستخدمه، إذا احتاج لذلك.
٦١ - وأن حال الزانيين إذا اختلفا أقيم على كل واحد حده، لأن العسيف جلد، والمرأة رجمت، فكذا لو
كان أحدهما حرا، والآخر رقيقا، وكذا لوزنى بالغ بصبية، أو عاقل بمجنونة، حد البالغ والعاقل،
دونهما، وكذا عکسه.
٦٢- وفيه أن من قذف ولده، لا يحد له، لأن الرجل قال: إن ابنى زنى، ولم يثبت عليه حد القذف، كذا
قال الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، فقد أقر الابن، وجلد.
٦٣-ومن قصة اليهوديين فى الروايات من الثالثة عشرة، حتى السادسة عشرة، دليل على وجوب حد
الزنا على الكافر الذمى، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعية، وأنه يصح نكاحه، لأنه لا
يجب الرجم إلا على محصن فلولم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه، ولم يرجم.
وقال المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك: شرط الإحصان الإسلام، وأجابوا عن حديث
الباب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإسلام فى شىء،
وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما فى كتابهم، فإن فى التوراة الرجم على المحصن وغير
المحصن. قالوا: وكان ذلك أول دخول النبى # المدينة، وكان مأمورا باتباع حكم التوراة والعمل
بها حتى ينسخ ذلك فى شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى
﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْيَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي
الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] ثم نسخ ذلك بالتفرقة بين
من أحصن، ومن لم يحصن. قال الحافظ ابن حجر: وفى دعوى الرجم على من لم يحصن نظر.
وقال مالك: إنما رجم اليهوديين، لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة، فتحاكموا إليه، ورده الطحاوى
بأنه لولم يكن واجبا عليه مافعله. أقول: وليس بلازم أن يكون ما يفعله واجبا عليه. ثم قال
الطحاوى: وإذا أقام الحد على من لا ذمة له، فلأن يقيمه على من له ذمة أولى. اهـ
وسلم بعض المالكية بأنهما كانا من أهل العهد والذمة، واحتج بأن الحاكم مخير، إذا
تحاكم إليه أهل الذمة بين أن يحكم فيهم بحكم اللَّه، وبين أن يعرض عنهم، على ظاهر
قوله تعالى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ
شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]
فاختار صَلى اللّه عليه وسلم فى هذه الواقعة أَن يحكم بينهم. ورد بأن ذلك لا يستقيم على
مذهب مالك، لأن شرط الإحصان عنده الإسلام، وهما كانا كافرين، ودافع ابن العربى
عن هذا بأنهما كانا محكمين له فى الظاهر، ومختبرين ما عنده فى الباطن. هل هو نبى
حق؟ أو مسامح فى الحق؟ قال الحافظ ابن حجر: وهذا لا يرفع الإشكال، ولا يخلص
عن الإيراد. اهـ أى لأنه صلى الله عليه وسلم فى النهاية حكم ورجم، كيف؟ وهما
٦٠٣
كافران؟ وقال ابن العربى - وهو مالكى - والحق أحق أن يتبع، ولو جاءونى لحكمت
عليهم بالرجم، ولم أعتبر الإسلام فى الإحصان. اهـ. وفى وجهات النظر تفصيلات أخرى
لا يتسع لها المقام.
٦٤ - وفى الحديث قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. قال القرطبى: الجمهور على أن الكافر
لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر، لا فى حد، ولا فى غيره، ولا فرق بين السفر والحضر فى
ذلك، وقبل شهادتهم جماعة من التابعين وبعض الفقهاء، إذا لم يوجد مسلم، واستثنى أحمد حالة
السفر، إذا لم يوجد مسلم.
وقال النووى: الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر عند أبى داود («فدعا
بالشهود» فلعل الشهود كانوا مسلمين، وإلا فلا عبرة بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرا
بالزنا، قال الحافظ ابن حجر: لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ولم يحكم صلى اللّه عليه
وسلم فيهم، إلا مستندا لما أطلعه الله تعالى، فحكم فى ذلك بالوحى، وألزمهم الحجة
بينهم، كما قال تعالى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] وأن شهودهم شهدوا
عليهم عند أحبارهم بما ذكر، فلما رفعوا الأمر إلى النبى ® كان مستند حكمه ما أطلعه
الله عليه.
٦٥- استدل بقول ابن عمر فى نهاية الرواية الثالثة عشرة ((فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه)» أن
الرجل يرجم قائما والمرأة قاعدة، وتعقب أنه واقعة عين، فلا دلالة فيها، وفعلهما وقت الرجم ليس
حجة، وقد يقيها وهما واقفان، أووهما قاعدان.
٦٦ - وفيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها، ويخفون بعض ما فيها.
٦٧ - استدل به بعضهم على أن اليهود لم يسقطوا شيئا من ألفاظها. والاستدلال به لذلك غير واضح،
لاحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة فلا يدل على التعميم.
٦٨ - واستدل به بعضهم على أن التوراة التى أحضرت حينئذ كانت كلها صحيحة، سليمة من
التبديل، وهو مردود، باحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة أيضا.
٦٩ - ومن الرواية الثامنة عشرة وما بعدها ((زنا الأمة)) من قوله فى الرواية الثامنة عشرة ((إذا زنت أمة
أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد)» وقوله فى الرواية الواحدة والعشرين ((أقيموا على أرقائكم
الحد)) استدل على أن السيد يقيم الحد على من يملكه من جارية وعبد، أما الجارية فبالنص، وأما
العبد فبالإلحاق. وقد اختلف السلف فيمن يقيم الحدود على الأرقاء، فقالت طائفة: لا يقيمها إلا
الإمام، أو من يأذن له، وهو قول الحنفية، وعن الأوزاعى والثورى: لا يقيم السيد إلا حد الزنا، وقال
آخرون: يقيمها السيد، ولولم يأذن الإمام له، وهو قول الشافعى، وعن ابن عمر، فى الأمة إذا زنت،
ولا زوج لها، يحدها سيدها، فإن كانت ذات زوج، فأمرها إلى الإمام. أخرجه عبد الرزاق، وبه قال
مالك، إلا إن كان زوجها عبدا لسيدها، فأمرها إلى السيد، واستثنى مالك القطع فى السرقة، وهو
٦٠٤
وجه للشافعية، وفى آخر: يستثنى حد الشرب. وحجة الجمهور حديث على ظبه روايتنا الواحدة
والعشرين، واحتج ابن العربى لقول مالك فى الأمة المتزوجة بأن للزوج تعلقا بالفرج فى حفظه
عن النسب الباطل والماء الفاسد، فكان الأمر إليه، ورد هذا بأن حديث النبى * أولى أن يتبع،
وفيه ((من أحصن منهم، ومن لم يحصن)).
٧٠- فى قوله ((إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فيجلدها الحد)) غير مقيد بالإحصان، أنه لا أثر
للإحصان، وأن موجب الحد فى الأمة مطلق الزنا، ومعنى ((فليجلدها الحد)» أى الحد اللائق بها
المبين فى الآية، وهو نصف ما على الحرة، ففيه دليل على أن العبد والأمة لا يرجمان، سواء كانا
مزوجين، أم لا.
٧١- ومن قوله ((ولا يثرب عليها)) أنه لا يوبخ الزانى، بل يقام عليه الحد فقط، قاله النووى.
٧٢ - وأن الزانى إذا حد، ثم زنى ثانيا يلزمه حد آخر فإن زنى ثالثة لزمه حد آخر، فإن حد، ثم زنى
لزمه حد آخر، وهكذا أبدا، فأما إذا زنى مرات، ولم يحد لواحدة منهن، فيكفيه حد واحد للجميع.
٧٣ - أخذ بعضهم من قوله ((ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها، فليبعها ((وفى رواية ((البيع بعد الرابعة))
أن محصل الاختلاف هل يجلدها فى الرابعة قبل البيع؟ أو يبيعها بلا جلد؟ والراجح الأول.
٧٤- وفى الحديث أن الزنا عيب، يرد به الرقيق، للأمر بالحط من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا.
٧٥ - وفيه جواز عطف الأمر المقتضى للندب على الأمر المقتضى للوجوب، لأن الأمر بالجلد واجب،
والأمر بالبيع مندوب عند الجمهور، خلافا لأبى ثور وأهل الظاهر، وادعى بعض الشافعية أن سبب
صرف الأمر عن الوجوب أنه منسوخ. قال ابن بطال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحض على
مساعدة من تكرر منه الزنا، لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما فى ذلك من الوسيلة إلى تكثير
أولاد الزنا، وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له من الأمة، فلا يستقل به. وقد ثبت النهى عن
إضاعة المال، فكيف يجب بيع الأمة ذات القيمة، بحبل من شعر، لا قيمة له. فدل على أن المراد
الزجر عن معاشرة من تكرر منه ذلك.
٧٦ - وفيه جواز بيع الشىء النفيس بثمن حقير، قال النووى: وهذا مجمع عليه، إذا كان البائع عالما
به، فإن كان جاهلا، فكذلك عندنا وعند الجمهور، ولأصحاب مالك فيه خلاف.
٧٧- أخذ من الحديث بعضهم أن يلزم السيد عند بيع الأمة أن يبين حالها للمشترى، لأنه عيب،
والإخبار بالعيب واجب. قال النووي: فإن قيل: كيف يكره شيئاً ويرتضيه لأخيه المسلم؟
فالجواب لعلها تستعف عند المشترى، بأن يعفها بنفسه، أو يصونها بهيبته، أو بالإحسان إليها،
والتوسعة عليها، أو يزوجها، فالسبب الذى باعها لأجله، غير محقق الوقوع عند المشترى، وكثيرا
ما يتغير الحال بتغير المحل.
٧٨- ومن الرواية الواحدة والعشرين أن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إلى البرء.
والله أعلم
٦٠٥
(٤٥٠) باب حد الخمر
٣٩١٣- ٣٥ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٣٥) أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِ: أَبِيَّ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ
بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ. فَقَالَ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَالِينَ. فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.
٣٩١٤ - - وفي رواية «أَتِيّ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َّ بِرَجُلٍ» فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
٣٩١٥- ٣٦ عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٣٤) أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِوَ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ
وَالَّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. فَلَمَّا كَانْ عُمَرُ وَدِّنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى،
قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا
كَأَخَفِ الْحُدُودٍ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَالِينَ.
٣٩١٦ - ٣ عَن أَنَسٍ﴾(٣٧) أَنَّ النّبِيَِّ﴿ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنْعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْتَعِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمّا وَلُّمْ يَذْكُرِ الرِّيفَ وَالْقُرَى.
٣٩١٧ - ٣٨ عَن حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانٌ(٣٨) قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانُ بْنَ عَقَّانُ وَأَبِيَ
بِالْوَلِيدِ قَدْ صَّلَّى الصُّبْحَ رَكْعَيْنِ، ثُمَّ قَالَ أَزِيدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلانٍ أَحَدُهُمَا حُمْرَاهُ أَنَّهُ
شَرِبَ الْخَمْرَ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَّأُ، فَقَالَ: عُثْمَاهُ إِنَّهُ لَمْ يَقِيَّأُ حَتَّى شَرِبِهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ
قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ عَلِيٍّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَّلَّى قَارَّهَا (فَكَأَنَّهُ
وَجَدَ عَلَيْهِ) فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ جَعْفَرٍ: قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَجَلَدَهُ وَعَلِيٍّ يَعُدُّ حَتِى بَلَغَ أَرْبَعِينَ.
فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ :﴿ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَالِينَ وَكُلُّ سُنّةٌ
وَهَذَا أَحَبُّ إِلَّيَّ .
(٣٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشْارٍ قَالا حَدَّثًَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثْنَا شَعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قْتَادَةٌ يُحَدِّثُ عَنِ
أُنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- وَحَدََّا يَحْتِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِيُّ حَدًَّا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حَدََّا شُعْبَةُ حَدَّقْنَا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَنْسًا يَقُولُ
(٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَبِ حَدَّثَنَا مَّعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدْفَيِي أَبِي عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنْسِ
- وحَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثِى حَدَّثََّا يَحْتِى بْنُ سَُّعِيدٍ خَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٣٧) وحَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّْا وَكِيعٌ عَنِ هِشَامٍ عَنِ قَتَادَةً عَنْ أَنْسِ
(٣٨) وحَدََّا أَبُو بِكْرِ بْنُ أَبِّي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَلُوا حَذَّثْنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةً عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةً عِنِ
عَبْدِ اللَّهِ الدَّاتَاجِّ ح وَخَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ الْحَنْظَلِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ أَخْبَرَنَا يَخْتَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بَنَّ الْمُخْتَارِ حَدَّثَنَا
عَبْدُاللَّهِ بْنُ فَيْرُوَزَ مَوْلَى ابْنٍ عَامِرِ الدَّانَاجٍ حَدْثََّا خُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ
زَادٌ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ فِي رِوَايَتِهِ قَالَّ إِسْمَعِيلٌّ وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الذَّاتَاجِ مِنْهُ فَلَمْ أَحْفَظْهُ
٦٠٦
٣٩١٨- ٣٩ّ عَنْ عَلِيٍّ ﴾(٣٩) قَالَ: مَا كُنْتُ أَقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدَّا فَيَمُوتَ فِيهِ فَأَجِدَ مِنْهُ فِي
نَفْسِي إِلا صَاحِبَ الْخَمْرِ، لأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ لَمْ يَسُنَّهُ.
المعنى العام
العقل هبة اللَّه تعالى، ميزبه الإنسان على سائر مخلوقات الأرض، به يحس بالخير والشر،
فيستكثر من الخير، ويتباعد عن السوء، فالاعتداء على العقل، ولو للحظة واحدة، اعتداء على أقدس
مخلوق، وأشرف الأعضاء، والإنسان بجهله أحيانا يعالج مشاكله بالهروب منها بعض الوقت، مع أنه
يعلم يقينا أنه بذلك لا يحلها، بل ستظل معه حتى يعود إليها، إنه حين يلجأ إلى شرب الخمر،
فيغيب عن حقائق حياته، ويدخل فى متاهات الفكر، وسراديب الخيال، يهذى، وينفلت لسانه من
عقاله، فيسب حيث لا داعى للسب، ويتهارج ويتقاتل، وهو لا يدرك ما يفعل، ويكشف سراً، ويهتك
ستراً، ويقلب صورته التى خلقها الله فى أحسن تقويم، إلى شبح متمايل، وهيكل مترنح مضحك، مثير
للسخرية منه والاستهزاء به.
من هنا حرم اللَّه شرب الخمر، وجعل لشاربها عقاباً وحداً زاجراً لمن له قلب أو ألقى السمع،
عقاب يسوده الإهانة والذلة، وهو الضرب بالنعال أربعين، يضربه عامة الناس، وإن كان الشارب من
الخاصة، يضربه العظيم والحقير، والشريف والوضيع، مهما كان الشارب شريفا، فهذا الوليد بن عقبة،
فى عهد الخليفة عثمان بن عفان، وهو أخوه لأمه، وقد عينه والياً على الكوفة، يشرب ويسكر، فيأتى به
رعيته إلى عثمان فيأمر بضربه، ثم عزله، نعم عقاب الخمر رادع للنفوس الأبية الكريمة العزيزة، فى
زمن كان نور الإسلام يشاغف القلوب، فلما بعد النور، وفى عهد عمر بن الخطاب، ضعفت النفوس،
وكثر شاربو الخمر، المستهينون بعقوبته، فاستشار عمر كبار الصحابة أن يضيف إلى حد الخمر زيادة
على سبيل التعزير والتخويف، والتأديب والتهذيب، فأشاروا عليه بأن يجعل العقوبة ثمانين ضربة،
وأن يجعل الضرب جلداً بالسوط، بدلا من الضرب باليد، والثياب والنعال، ففعل، فحسم الداء، وقل
المرضى، وأصلح اللّه بالراعى الحازم القوى أمور المسلمين.
المباحث العربية
(الخمر) اللغة الفصحى تأنيث الخمر، وأثبت بعضهم فيها التذكير، ويقال لها: الخمرة
بفتح الخاء وسكون الميم، قيل سميت بذلك لأنها تخامر العقل، أى تخالطه وتغطيه، وقيل:
لأنها هى تخمر - بفتح الميم، مبنى للمجهول، أى تغطى حتى تغلى، أو لأنها تختمر،
كالعجين حين يتفاعل بالخميرة، قال الكرمانى: هذا تعريف من حيث اللغة، وأما بحسب
(٣٩) حَدَّْتِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الصَّرِيرُ حَدَّثََّا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْعِ حَدََّ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ عُمَّيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِي
- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَذََّنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثْنَاْ سُفْيَانُ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٦٠٧
العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة، ورده الحافظ ابن حجر، وسيأتى بسط
الكلام فى ذلك فى فقه الحديث.
(أتى برجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه صريحا، ووقع عند الإسماعيلى أنه
النعيمان، وقال ابن عبد البر: إن الذى كان قد أتى به قد شرب الخمر هو ابن النعيمان، فإنه قيل فى
ترجمة النعيمان: كان رجلا صالحا، وكان له ابن انهمك فى شرب الخمر، فجلده النبى {*، ثم قال:
وأظن أن ابن النعيمان جلد فى الخمر أكثر من خمسين مرة.
وفى البخارى عن عمر بن الخطاب به: ((أن رجلا كان على عهد رسول اللَّه ◌ُ ﴾، كان
اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول اللَّهِ﴾، وكان النبىلل* قد جلده
فى الشراب، فأتى به يوما، فأمر به، فجلد ... )) فيحتمل هذا ويحتمل غيرهما، فالذين أمر
بهم رسول اللَّه ﴿ أن يجلدوا كثيرون.
(قد شرب الخمر) فى رواية للبخارى ((قد شرب)) بحذف المفعول، للعلم به، وفى
رواية له «وهو سكران)».
(فجلده) أى أمر بجلده.
(بجريدتين نحو أربعين) قال النووى: اختلفوا فى معناه، فأصحابنا يقولون: معناه
أن الجريدتين كانتا مفردتين، جلد بكل منهما عددا، حتى كمل من الجميع أربعون، فالحد
أربعون، وقال آخرون ممن يقول: جلد الخمر ثمانون: معناه أنه جمعهما، وجلده بهما
أربعين جلدة، فيكون البالغ ثمانين.
قال: وتأويل أصحابنا أظهر، لأن الرواية الأخرى [روايتنا الثانية والثالثة] مبينة لهذه،
وأيضا فحديث على ه [روايتنا الرابعة] مبين لها. اهـ وفى الرواية الثانية ((جلد فى الخمر
بالجريد والنعال)».
(فلما كان عمر استشار الناس) أى فلما كان عمر خليفة استشار الناس، وظاهرها أن
الاستشارة وقعت فى أول خلافة عمر، وليس كذلك، ففى الرواية الثانية ((فلما كان عمر، ودنا الناس
من الريف والقرى، قال: ما ترون فى جلد الخمر»؟ والريف المواضع التى فيها المياه، والقريبة منها،
أى لما كان زمن عمر بن الخطاب ظه، وفتحت الشام والعراق، وسكن الناس فى الريف، وأقاموا فى
مواضع الخصب وسعة العيش وكثرة الأعناب والثمار، أكثروا من شرب الخمر، فاستشار عمر فى
زيادة حد الخمر، تغليظا عليهم، وزجراً لهم.
وفى رواية للبخارى عن السائب بن يزيد قال: ((كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللّه
﴿، وإمرة أبى بكر، فصدرا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان
آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا، وفسقوا جلد ثمانين» وهذه الرواية ظاهرها أن
٦٠٨
الاستشارة وقعت فى نهاية خلافة عمر، وليس كذلك أيضا، فإن الذى رجحه ابن حجر أن
الاستشارة وقعت وسط إمارته.
والمراد من ((الناس)) من كان حوله فى مجلسه بالمسجد حينئذ من الصحابة، من المهاجرين
والأنصار، ذكروا فيهم عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف.
(فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانين) هكذا وقع لبعض رواه مسلم
((ثمانين)) بالنصب ورواية الرفع ثابتة، وأعربت مبتدأ وخبراً، قال الفاكهى: الذى يظهر أن راوى
النصب وهم، واحتمال توهيمه أولى من ارتكاب ما لا يجوز لفظا ولا معنى، ووجهها بعضهم على تقدير
حذف عامل النصب، أى أخف الحدود أجده ثمانين، أو أجد أخف الحدود ثمانين، ويؤيد هذا التوجيه
ظاهر العبارة فى الرواية الثانية، ولفظها ((أرى أن تجعلها - أى تجعل العقوبة، التى هى للخمر حد -
كأخف الحدود)» يعنى المنصوص عليها فى القرآن، وهى حد السرقة بقطع اليد، وحد الزنا بالجلد
مائة، وحد القذف بالجلد ثمانين، فاجعلها ثمانين كأخف هذه الحدود. فعامل النصب المحذوف
تقديره: اجعل الحد أخف الحدود ثمانين، والكلام على التشبيه، أى كأخف الحدود.
وفى رواياتنا أن المشير على عمر طلبه هو عبد الرحمن بن عوف، وفى غير مسلم روايات تفيد أن
المشير بذلك على ، أخرجها مالك والطبرانى والطحاوى، والبيهقى وعبد الرزاق وابن أبى شيبة،
ومثلها عند أبى داود والنسائى، ولا تعارض، فقد يكون كل من على وعبد الرحمن قد أشار بذلك، فذكر
بعض الرواة عبدالرحمن لكبره، وذكر آخرون عليا لفضله.
(فأمربه عمر) أى فأمر بهذا القدر من الجلد عمر، وفى الرواية الثانية ((فجلد عمر ثمانين))
(عن حضين بن المنذر) قال النووى: هو بالضاد المعجمة، وليس فى الصحيح حضين
بالمعجمة غيره.
(شهدت عثمان بن عفان، وأتى بالوليد) جملة ((وأتى بالوليد)) حالية، أى وقد أتى بالوليد
على أنه شرب خمرا، ليقيم عليه الحد. والوليد هو ابن عقبة بن أبي معيط الأموى، أخو عثمان ابن
عفان لأمه، كان أبوه شديدا على المسلمين، كثير الأذى لرسول اللّه ، وكان ممن أسريبدر، فأمر
النبى # بقتله، نشأ الوليد وتربى فى كنف عثمان، فلما استخلف عثمان ولاه الكوفة، بعد عزل سعد
ابن أبى وقاص، واستعظم الناس ذلك، وصلى بالناس الصبح، فلما فرغ وكان فى سكره قال للمصلين:
أزيدكم للصبح ركعتين أخريين؟ بل روى أنه صلى بالناس الصبح أربعا، وهو سكران، فجلده عثمان،
وعزله بعد جلده عن الكوفة، وولاها سعيد بن العاص، قيل: كانت ولايته الكوفة سنة خمس وعشرين،
وعزل عنها سنة تسع وعشرين، واعتزل الفتنة، ولكنه كان يحرض معاوية على قتال على، ومات فى
خلافة معاوية.
(فقال عثمان: يا على، قم. فاجلده) أى فأقم عليه الحد، بنفسك، أو بأن تأمر من ترى بذلك.
٦٠٩
قال ذلك لعلى على سبيل التكريم له، وتفويض الأمر إليه فى استيفاء الحد، ويحتمل أن عثمان طلبه
أراد أن لا يضرب أخاه لأمه، وواليه على الكوفة أمام عامة الناس، ولذا نرى عليا، وقد قبل التفويض،
يأمر أحب وأقرب الناس إليه، ابنه الأكبر الحسن، ليقوم بالمهمة.
(ول حارها من تولى قارها) الحسن يخاطب أباه رضى الله عنهما، ويطلب منه أن يفوض
هذه المهمة لأحد أقارب عثمان، فقوله ((ول)) فعل أمر، يقال: ولىَّ بتشديد اللام- فلانا الأمر جعله وإليا
عليه، ((والحار)» بتشديد الراء الساخن، ومن العمل شاقه وشديده، و(القار)) بتشديد الراء البارد الهنىء
الطيب، وهذا مثل من أمثال العرب، معناه: ول شدتها وأوساخها من تولى هنيئها ولذاتها، والضمير
عائد إلى الخلافة والولاية، أى كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنىء الخلافة، ويختصون به، يتولون
نكدها وقاذوراتها، ومعناه: ليتول عثمان بنفسه هذا الجلد، أو ليول ذلك أقاربه الأدنين.
(فكأنه وجد عليه) أى فكأن عليا غضب وتألم على ابنه، لرفضه أمره، وإن كان محقا. يقال:
وجد عليه، بفتح الجيم، يجد بكسرها، وجدا بسكونها، وموجدة بكسرها، أى غضب عليه.
(فقال: يا عبدالله بن جعفر) أى فطلب على ه، من عبد الله بن أخيه جعفر بن أبى طالب
أن يقوم بالمهمة.
(وكل سنة) أى الاقتصار على الأربعين سنة النبى 8*، وبلوغ الثمانين سنة خلفائه رضى الله
عنهم، ومعناه أن عليا يعظم آثار عمر به، ويعتبر حكمه سنة، وأن أمره حق.
(وهذا أحب إلى) الإشارة قبل: إلى الثمانين التى فعلها عمر ظه، وقيل: إن عليا جلد الوليد
ثمانين، والإشارة إلى فعله.
(ما كنت أقيم على أحد حدا، فيموت فأجد منه فى نفسى إلا صاحب الخمر) الفاء
فى ((فيموت)) للسببية، والفعل منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وكذا ((أجد)) معطوف على
((يموت)) ومعناه أحزن، والمراد من صاحب الخمر شاربها، والمعنى لم أكن أحزن على موت يتسبب
عن إقامة حد إلا موت شارب الخمر المتسبب عن حده.
(لأنه إن مات وديته) بفتح الواو والدال وسكون الياء أى غرمت ديته، وأعطيتها لمن يستحق
قبضها، وعند النسائى وابن ماجه عن على ه قال: ((من أقمنا عليه حدا، فمات، فلا دية له، إلا من
ضربناه فى الخمر».
قال بعض العلماء: ((فإنه إن مات وديته)) بالفاء، لا باللام، وهكذا هو فى رواية البخارى بالفاء.
(لأن رسول اللّه ◌ِ﴿ لم يسنه) أى لم يقدر فيه حدا مضبوطا، ولم يحدد فيه عدداً معينا، فوق
الأربعين وفى رواية ((فإنما هو شيء صنعناه)) أى فإنما تحديده بثمانين وقع باجتهاد منا فى عهد
عمر، تعزيراً لا حداً.
٦١٠
فقه الحديث
حرمت الخمر بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَرْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ
فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَفَرِ وَالْمَيْسِرِ
وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١،٩٠]. والصحيح أنه كان فى عام
الفتح، قبل الفتح، وذهب بعضهم إلى أنه كان عام الحديبية سنة ست، قال الرازى فى أحكام القرآن:
يستفاد تحريم الخمر من هذه الآية من تسميتها رجسا، وقد سمى الله به ما أجمع على تحريمه، وهو
لحم الخنزير، كما يستفاد التحريم من قوله ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فكل ما كان من عمل الشيطان حرم
تناوله، ومن الأمر بالاجتناب، وهو للوجوب، وما وجب اجتنابه حرم تناوله، ومن الفلاح المرتب على
الاجتناب، ومن كون الشرب سببا للعداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتعاطى ما يوقع ذلك حرام، ومن
كونها تصد عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة، ومن ختام الآية بقوله تعالى ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُنتَهُونَ﴾؟ فإنه
استفهام معناه الردع والزجر، ولهذا قال عمر لما سمعها: انتهينا. انتهينا.اهـ
وقد روى البخارى ((من شرب الخمر فى الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها فى الآخرة)) وروى ((لايزنى
الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن)».
قال الحافظ ابن حجر: وقد انعقد الإجماع على أن القليل من الخمر المتخذ من العنب يحرم، كما
يحرم كثيره، وقال فى موضع آخر: والمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتد، فإنه يحرم تناول
قليله وكثيره بالاتفاق، وحكى ابن قتيبة عن قوم من مجان أهل الكلام أن النهى عنها للكراهة، وهو
قول مهجور، لا يلتفت إلى قائله، وحكى أبو جعفر النحاس عن قوم أن الحرام ما أجمعوا عليه، وما
اختلفوا فيه ليس بحرام، قال: وهذا عظيم من القول، يلزم منه القول بحل كل شيء اختلف فى
تحريمه، ولو كان مستند الخلاف واهيا. ونقل الطحاوى فى ((اختلاف العلماء)) عن أبى حنيفة: الخمر
حرام قليلها وكثيرها، والسكر من غيرها حرام، وليس كتحريم الخمر، والنبيذ المطبوخ لا بأس به، من
أى شيء كان، وإنما يحرم منه القدر الذى يسكر، وعن أبى يوسف: لا بأس بالنقيع من كل شيء، وإن
غلى، إلا الزبيب والتمر. قال: وكذا حكاه محمد عن أبى حنيفة، وعن محمد: ما أسكر كثيره، فأحب
إلى أن لا أشربه، ولا أحرمه، وقال الثورى: أكره نقيع التمر إذا غلى، ونقيع العسل لا بأس به.
وقد ذكرنا فى المباحث العربية معنى الخمر، وأصل اشتقاقها فى اللغة، وأما المراد منها فى
عرف الشرع واصطلاحه، فالحنفية يقصرونها على ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة. والجمهور
على أن المراد بها ما خامر العقل من الشراب، ويستدلون بما رواه البخارى عن ابن عمر - رضى الله
عنهما - قال: ((خطب عمر على منبر رسول اللّه ، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهى من خمسة
أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل)» وسئل ابن عمر عن شيء
يصنع بالسند من الأرز؟ فقال: ذاك لم يكن على عهد النبى {8: أو قال: على عهد عمر - وفى رواية
مكان ((العنب)). ((والزبيب)) قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والأبواب
٦١١
فى الأحاديث المرفوعة، لأن له عندهم حكم الرفع، لأنه خبر صحابى، شهد التنزيل، أخبر عن سبب
نزول الآية، وقد خطب به عمر على المنبر، بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم ينقل عن أحد منهم
إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر الآية المذكورة فى سورة المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ
وَالْمَيْسِرُ ..... ﴾ فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر فى هذه الآية ليس خاصا بالمتخذ من العنب،
بل يتناول المتخذ من غير العنب، قال الحافظ: ويوافقه حديث أنس الذى رواه البخارى ((قال أنس:
كنت قائما على الحى أسقيهم الفضيخ، فجاء آت، فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم
ياأنس، فاهرقها، قال: فهرقتها)) وفى رواية ((أن أنس بن مالك حدثهم أن الخمر حرمت، والخمر
يومئذ البسر والتمر)» والفضيخ اسم للبسر إذا نبذ، والبسر الذى يحمر أو يصفر، قبل أن يترطب. وفى
رواية عن أنس «وإنا نعدها يومئذ الخمر».
فحديث أنس يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من
العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذى قاله عمر، عن النبى ® صريحاً، أخرجه أصحاب السنن
الأربعة، وصححه ابن حبان، فعند أبى داود وابن حبان، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول
اللَّه ◌َل يقول: ((إن الخمر من العصير والزبيب، والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإنى أنهاكم عن كل
مسكر» ولأبى داود بلفظ ((إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر
خمراً، وإن من الشعير خمراً)) وكذا لأصحاب السذن.
فعمره على المنبر لم يكن فى مقام تعريف اللغة، بل كان فى مقام تعريف الحكم الشرعى،
فكأنه قال: «الخمر الذى وقع تحريمه فى لسان الشرع هو ما خامر العقل.
ثم إن الحكم الشرعى ينزل على ما يعهده المخاطبون وقد أخرج البخارى عن ابن عمر - رضى
الله عنهما - «نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ خمسة أشربة، ما فيها شراب العنب»
ماذا يقول الحنفية فى هذه الأحاديث؟
جعل الطحاوى هذه الأحاديث متعارضة. حديث لأبى هريرة فى صحيح مسلم ((الخمر
من هاتين الشجرتين، النخلة والعنبة)» فكون الخمر من شيئين يعارض حديث عمر
والنعمان بن بشيروابن عمر، وأنس يعد الخمر فى البر والتمر. فلما اختلفت الصحابة فى
ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد، فهو خمر،
ومستحله كافر، دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبى هريرة، إذ لو عملوا به لكفروا مستحل
نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل فى الخمر غير المتخذ من عصير العنب. اهـ
ورد عليه الحافظ ابن حجر بقوله: لا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل نبيذ التمر أن يمنعوا
تسميته خمرا، فقد يشترك الشيئان فى التسمية، ويفترقان فى بعض الأوصاف، مع أن الطحاوى
يوافق على أن حكم المسكر من نبيذ التمر حكم قليل العنب فى التحريم،، فلم تبق المشاحة إلا فى
التسمية، والجمع بين حديث أبى هريرة وغيره بحمل حديث أبى هريرة على الغالب والكثير، وليس فى
٦١٢
أسلوبه قصر، ويحمل حديث عمر وحديث من وافقه على إرادة استيعاب ماهو معهود حينئذ أن يتخذ
منه الخمر، وذكر بعض الأمور لا يتنافى مع ذكر الكل أو الأغلب.
وقال صاحب الهداية من الحنفية: لنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب.اهـ ورده
الحافظ ابن حجر بثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمرا. قال
الخطابى: وزعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير
المتخذ من العنب خمرا عرب فصحاء، فلولم يكن هذا الاسم صحيحاً لما أطلقوه.
وقال بعض الحنفية: إن الخمر من العنب، لقوله تعالى ﴿إِنِّي أَرَّانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ فهو يدل على أن
الخمر ما يعتصر، لا ما ينتبذ، ورد بأنه لا يفيد القصر، ولا دليل فيه على الحصر.
هذا. وفى الموضوع كلام آخر كثير، وسنعود إليه عند أحاديث كتاب الأشربة إن شاء اللَّه، وإنما
تعجلنا هذه العجالة لإلقاء الضوء على حد الخمر، هل يثبت على من شرب النبيذ، ولم يسكر؟ أولا
يثبت؟ قال النووى: اختلف العلماء فيمن شرب النبيذ - وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة
المسكرة - فقال الشافعى ومالك وأحمد - رحمهم الله تعالى - وجماهير العلماء من السلف والخلف:
هوحرام، يجلد فيه، كجلد شارب الخمر، الذى هو عصير العنب، سواء كان يعتقد إباحته، أو تحريمه،
وقال أبو حنيفة والكوفيون - رحمهم الله تعالى - لا يحرم ولا يحد شاربه، وقال أبو ثور: هو حرام،
يجلد بشربه من يعتقد تحريمه، دون من يعتقد إباحته.
والهدف من أحاديث الباب بيان حد الخمر، وعنه قال النووى: واختلف العلماء فى قدرحد
الخمر، فقال الشافعى، وأبو ثور وداود وأهل الظاهر وآخرون: حده أربعون. قال الشافعى وللإمام أن
يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات، على تسببه فى إزالة عقله، وفى تعرضه للقذف
والقتل، وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة، وغير ذلك.
ونقل القاضى عن الجمهور من السلف والفقهاء، منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعى والثورى وأحمد
وإسحق أنهم قالوا: حده ثمانون، واحتجوا بأنه الذى استقر عليه إجماع الصحابة، وأن فعل النبى تك%
لم يكن للتحديد، ولهذا قال فى الرواية الأولى ((نحو أربعين)) وحجة الشافعى وموافقيه أن النبى 80%.
إنما جلد أربعين، كما صرح به فى الرواية الثالثة، وأما زيادة عمر فتعزيرات، والتعزير إلى رأى الإمام،
وأما الأربعون فهى الحد المقدر الذى لابد منه، ولو كانت الزيادة حدا لم يتركها النبى { 0 وأبو بكر، ولم
يتركها على طلبه - بعد فعل عمر. ولهذا قال على ((وكل سنة)) ومعناه الاقتصار على الأربعين، وبلوغ
الثمانين سنة، قال النووى: وهذا الذى قاله الشافعى هو الظاهر الذى تقتضيه هذه الأحاديث، ولا
يشكل شىء منها. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وفى سياق قصة استشارة عمر ما يقتضى أنهم كانوا يعرفون أن الحد
أربعون، وإنما تشاوروا فى أمر يحصل به الارتداع، يزيد على ما كان مقررا، ويشير إلى ذلك ماوقع من
التصريح فى بعض طرقه أنهم احتقروا العقوبة، وانهمكوا فى الشرب، فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى
٦١٣
الحد المذكور قدره، إما اجتهاداً، بناء على جواز دخول القياس فى الحدود، فيكون الكل حدا، أو
استنبطوا من النص معنى يقتضى الزيادة فى الحد، لا النقصان منه، أو القدر الذى زادوه كان على
سبيل التعزير، تحذيرا وتخويفا، لأن من احتقر العقوبة إذا عرف أنها غلظت فى حقه، كان أقرب إلى
ارتداعه، فيحتمل أنهم ارتدعوا بذلك، ورجع الأمر إلى ماكان عليه قبل ذلك، فرأى على شبه الرجوع إلى
الحد المنصوص، وأعرض عن الزيادة، لانتفاء سببها ، ويحتمل أن يكون القدر الزائد كان عندهم
خاص بمن تمرد، وظهرت منه أمارات الاشتهار بالفجور، ويدل على ذلك أن فى بعض الروايات عند
الدارقطنى وغيره ((فكان عمر إذا أتى بالرجل الضعيف، تكون منه الزلة، جلده أربعين)» وكذلك عثمان،
جلد أربعين وثمانين.
وقد فهم بعضهم من قول على ه فى الرواية الخامسة ((لأن رسول اللَّه﴿ لم يسنه)) أن مراده لم
يشرع فى الخمر حدا معينا أصلا، لا دون الأربعين ولا الزيادة عليها، قال المازري: لوفهم الصحابى أن
النبى * حد فى الخمر حدا معينا، لما قالوا فيه بالرأى، كما لم يقولوا بالرأى فى غيره، فلعلهم فهموا
أنه ضرب فيه باجتهاده فى حق من ضربه.اهـ وقد يستأنس لهذا القول بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن
جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: ((كان الذى يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم، فلما كان
عمر فعل ذلك، حتى خشی، فجعله أربعين سوطا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا». فظاهره
أن عمر كان يضرب دون عدد، ثم جعله أربعين، وهذا الظاهر مستبعد، لورود النص بالأربعين فى
روايتنا الثانية، وإنما مراد رواية عبد الرزاق أن عمر جعل السوط آلة، بعد أن كان الضرب باليد
والنعال، قال الحافظ ابن حجر: فيحمل النفى فى قوله ((لم يسنه)) على أنه لم يحد الثمانين، أى لم
يسن الثمانين وقيل: أى لم يسن شيئا زائدا على الأربعين، وعلى هذا فقوله، فى روايتنا الخامسة)» لو
مات لوديته)) أى لومات بسبب مازاد على الأربعين وبذلك جزم البيهقى وابن حزم، ويحتمل أن يكون
الضمير فى ((لم يسنه)) لصفة الضرب، وكونها بسوط الجلد، أى لم يسن الجلد بالسوط، وإنما كان
يضرب فيه بالنعال وغيرها، أشار إلى ذلك البيهقى وابن حزم، وقال ابن حزم: لوجاء عن غير على من
الصحابة فى حكم واحد أنه مسنون، وأنه غير مسنون، لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه
الآخر، فضلا عن على، مع سعة علمه، وقوة فهمه، وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد - روايتنا الخامسة
- وخبر أبى ساسان - روايتنا الرابعة - فخبر أبى ساسان أولى بالقبول، لأنه مصرح فيه برفع
الحديث عن على، وخبر عمير موقوف على على، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدم المرفوع.
قال القاضى عياض: أجمعوا على وجوب الحد فى الخمر، واختلفوا فى تقديره. وتعقب بأن
الطبرى وابن المنذر وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها، وإنما فيها التعزير،
واستندوا إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر: سئل ابن شهاب: كم جلد رسول اللَّه ◌ِ﴾
فى الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدا، كان يأمر من حضره أن يضربوا بأيديهم ونعالهم حتى يقول
لهم: ارفعوا)) وما أخرجه أبو داود والنسائى بسند قوى، عن ابن عباس أن رسول اللَّه# لم يوقت فى
الخمر حدا، قال ابن عباس: ((وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى النبى 8®، فلما حاذى دار العباس
انفلت، فدخل على العباس، فالتزمه، فذكر ذلك للنبي {®، فضحك ولم يأمر فيه بشىء ». وأخرج
٦١٤
الطبرى عن ابن عباس «ما ضرب رسول اللّه * فى الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك، فغشى حجرته
من الليل سكران، فقال: ليقم إليه رجل، فيأخذه بيده، حتى يرده إلى رحله».
والجواب عن هذه الشبهة الواهية أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد، لأن أبا بكر تحرى
ما كان النبى# ضرب السكران، فصيره حدا، واستمر عليه، وكذلك استمر من بعده، وإن اختلفوا فى
العدد، وجمع القرطبى بين الأخبار، بأنه لم يكن أولا فى شرب الخمر حد، وعلى ذلك يحمل حديث ابن
عباس فى الذى استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير، على ما فى سائر الأحاديث التى لا تقدير فيها،
ثم شرع الجد، ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا، مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين، ومن هنا توخى
أبوبكر ما فعل بحضرة النبى *، فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين،
إما حدا، وإما تعزيرا.اهـ
أما كيفية الضرب ففى روايتنا الأولى ((فجلده بجريدتين)) وفى روايتنا الثالثة ((كان يضرب فى
الخمر بالنعال والجريد)» وفى رواية للبخارى عن أبى هريرة قال)) أتى النبى 8# برجل قد شرب،
فقال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه)»
وقد اختلف فى ذلك على ثلاثة أقوال، وهى ثلاثة أوجه عند الشافعية، أصحها يجوز
الجلد بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب بالأيدى والنعال والثياب، ثانيها يتعين الجلد،
ثالثها يتعين الضرب.
وحجة جواز الأمرين أن أحدهما فعل فى عهد النبى ، ولم يثبت نسخه، وفعل ثانيهما فى عهد
الصحابة فدل على جوازه، وأما تعين الجلد بالسوط فقد صرح به القاضى حسين من الشافعية، واحتج
بأنه إجماع الصحابة، وتعقب بأنه لا يسلم فيه إجماع الصحابة، واعتبر النووى هذا القول شاذا غلطا
ومنابذا الأحاديث الصحيحة، وقال: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب.اهـ
وأما تعين الضرب، ومنع الجلد بالسوط فقد جاء عن الشافعى فى الأم: لو أقام عليه الحد بالسوط
فمات، وجبت الدية. اهـ فسوى بينه وبين ما إذا زاد، فدل على أن الأصل الضرب بغير السوط. قال
الحافظ ابن حجر: وتوسط بعض المتأخرين، فعين السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال
للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم. وهو متجه.
قال النووي: قال أصحابنا: وإذا ضربه بالسوط، يكون سوطاً معتدلاً فى الحجم، بين القضيب
والعصا، فإن ضربه بجريدة فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة، ويضربه ضريا بين ضربين، فلا يرفع
يده فوق رأسه، ولا يكتفى بالوضع، بل يرفع ذراعه رفعاً معتدلاً.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- يؤخذ من قول عبدالرحمن بن عوف فى الرواية الثانية ((أرى أن تجعلها كأخف الحدود))
جواز القياس.
٢- ومن فعل عمر طه مشاورة القاضى والمفتى والحاكم أصحابه وحاضرى مجلسه فى الأحكام.
٦١٥
٣- ومن قول على ه فى الرواية الرابعة ((وكل سنة)) أن فعل الصحابى سنة، يعمل بها، وهو موافق
لقوله {* ((فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)» قاله النووى.
٤- وفى هذا دليل على أن علياً طلبه كان معظماً لآثار عمر، وأن حكمه وقوله سنة، وأن أمره حق، وكذلك
أبو بكر-رضى الله عنهم جميعا - وهذا يخالف ما عليه الشيعة.
٥- استدل بقول على ه فى الرواية الخامسة («إلا صاحب الخمر، لأنه إن مات وديته)) على
أن من وجب عليه الحد، فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعى، فمات، فلا دية فيه، ولا
كفارة، لا على الإمام، ولا على جلاده، ولا فى بيت المال، وأما من مات من التعزير
فمذهب الشافعية وجوب ضمانه بالدية والكفارة، وفى محل ضمانه قولان للشافعى،
أصحهما: تجب ديته على عاقلة الإمام، والكفارة فى مال الإمام، والثانى تجب الدية فى
بيت المال، وفى الكفارة وجهان، فى بيت المال، أو فى مال الإمام. وقال جماهير
العلماء: لا ضمان فيه، لا على الإمام، ولا على عاقلته، ولا فى بيت المال.
أما من مات فى حد الخمر فمذهب على ه واضح وصريح، وقال الشافعى: إن ضرب بغير السوط
فلا ضمان، وإن جلد بالسوط ضمن، قيل: الدية، وقيل: قدر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره،
والدية فى ذلك على عاقلة الإمام، وكذلك لومات فيما زاد على الأربعين.
٦- وقد يستدل بالرواية الأولى والرابعة، وبما رواه البخارى عن عقبة بن الحارث قال: ((جىء
بالنعيمان شاربا، فأمر النبى و من كان فى البيت أن يضربوه. قال فضربوه، فكنت أنا فيمن
ضربه بالنعال)) قد يستدل بذلك على جواز إقامة الحد فى البيت، خلافا لمن قال: لا يضرب الحد
سرا، وقد ورد عن عمر فى قصة ولده أبو شحمة، لما ضرب بمصر، فحده عمرو بن العاص فى
البيت، أن عمر أنكر عليه، وأحضره إلى المدينة، وضربه الحد جهراً، روى ذلك ابن سعد، وأخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر مطولا. قال الحافظ ابن حجر: وجمهور أهل العلم على
الاكتفاء، وحملوا صنيع عمر على المبالغة فى تأديب ولده، لا أن إقامة الحد لا تصح إلا جهرا.
٧- ومن قول عثمان *ه فى الرواية الرابعة ((إنه لم يتقيأ حتى شربها)) استدل لمالك وموافقيه على أن
من تقيأ الخمر يحد حد الشارب. قال النووي: ومذهبنا أنه لا يحد بمجرد ذلك، لاحتمال أنه شربها
جاهلا كونها خمرا، أو مكرها عليها، أو غير ذلك من الأعذار المسقطة للحدود. قال: ودليل مالك
هنا قوى، لأن الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور فى هذا الحديث، وقد يجيب
أصحابنا عن هذا بأن عثمان ه علم شرب الوليد، فقضى بعلمه فى الحدود، وهذا تأويل ضعيف
وظاهر كلام عثمان يرد على هذا التأويل. اهـ
٨- وقد يستدل بالرواية الأولى، وبرواية البخارى ((جيء بالنعيمان، وهو سكران)» على جواز إقامة الحد
على السكران فى حال سكره، وبه قال أهل الظاهر، والجمهور على خلافه، لأن المعنى المقصود
بالضرب فى الحد الإيلام، ليحصل به الردع.
٦١٦
٩- وفى هذه الأحاديث تحريم الخمر، ووجوب الحد على شاربها، سواء شرب كثيرا أم قليلا، وسواء
سکر أم لا.
(إضافة) ذكر الحافظ ابن حجر: أحاديث كثيرة تأمر بقتل شارب الخمر، إذا تكرر شربه
خامسة، ونقد هذه الأحاديث نقدا علميا، ثم قال: مال الخطابى إلى تأويل الحديث فى الأمر
بالقتل، فقال: قد يرد الأمر بالوعيد، ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما يراد الردع والتحذير، ثم قال:
ويحتمل أن يكون القتل فى الخامسة كان واجبا، ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة، على أنه لا
يقتل، وأما ابن المنذر فقال: كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به، ثم نسخ بالأمر
بجلده، فإن تكرر ذلك أربعا قتل، ثم نسخ ذلك بالأخبار الثابتة، وبإجماع أهل العلم، إلا من شذ،
ممن لا يعد خلافه خلافا. اهـ
وهو يشير بذلك إلى بعض أهل الظاهر، وقد استمر على هذا القول ابن حزم، واستدل له، وادعى أن
لا إجماع. ورد عليه الحافظ ابن حجر، بما لا يتسع له المقام.
والله أعلم
٦١٧
(٤٥١) باب قدر سوط التعزير
٣٩١٩ - ٤٠ قَن أَبِي بُرْدَةَ الأنْصَارِيِّ﴾(٤١) أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ «لا يُجْلَدُ أَحَدٌ
فَوْقَ عَشَرَةٍ أَسْوَاطٍ إِلا فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ».
المعنى العام
قدر الله عقوبات دنيوية لبعض المعاصى كالسرقة والزنا، والقذف والقتل، وسميت هذه العقوبات
فى الشريعة الإسلامية حدا، وترك العقوبات الدنيوية لبعض الذنوب، ليقدرها ولاة الأمور حسب حالة
المعصية وأثرها وظروفها، وحالة من عصى اللَّه والناس بها، وسميت هذه العقوبات فى الشريعة
الإسلامية بالتعزيرات.
ولما كانت المعاصى الأولى أكبر جرماً - غالباً- من الثانية كانت عقوبتها المقدرة أشد إيلاما
وإيذاء وتخويفا، فكان الإرشاد الإلهى لمن يقوم بمعاقبة الجانى فى المعاصى الثانية أن لا يبلغ
بعقوبتها أقل العقوبات التى شرعت للمعاصى الأولى أو أن لا يزيد على عشرة أسواط، إذا جردنا هذه
المعاصى عن الظروف والملابسات التى تستدعى مضاعفة العقوبات، على أن يؤدى التعزير إلى
معالجة المعاصى وتأديب العاصى وتحذير وتخويف من تسول له نفسه الوقوع فيها.
المباحث العربية
(التعزير) مصدر عزره، بفتح العين وتشديد الزاى المفتوحة، أى منعه ورده وأدبه، يقال: عزره
القاضى أى أدبه ودفعه ورده عن العودة إلى القبيح، ويكون بالفعل والقول، بحسب ما يليق.
(لايجلد أحد) قال النووى: ضبطوه بوجهين، أحدهما بفتح الياء وكسر اللام، والثانى بضم الياء
وفتح اللام، وكلاهما صحيح.
وهل الفعل مرفوع؟ و((لا)) نافية؟ أو مجزوم؟ و((لا)) ناهية؟ قولان، ويؤيد النهى رواية للبخارى
بلفظ (( لاتجلدوا )».
(فوق عشرة أسواط) فى رواية ((فوق عشر جلدات)) وفى أخرى ((لا عقوبة فوق عشر ضربات)).
(إلا فى حد من حدود الله) قال الحافظ ابن حجر: ظاهره أن المراد بالحد ما ورد فيه من
الشارع عدد مخصوص من الجلد أو الضرب، أو ورد فيه عقوبة مخصوصة. قال: والمتفق عليه من ذلك
(٤٠) حَدََّا أَحْمَّدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌوِ عَنِ بُكَيْرِ بْنِ الأَهْجِّ قَالَ بَيْئًا نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارِ إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ فَحَدَِّهُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الَّرَّخَمَنِ بْنُ جَابِرٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيّ
٦١٨
الزنا والسرقة وشرب الخمر والحرابة والقذف بالزنا والقتل، واختلف فى أشياء كثيرة، يستحق
مرتكبها العقوبة، هل تسمى عقوبته حداً؟ أولا؟ منها جحد العارية، واللواط، والقذف بشرب الخمر،
وترك الصلاة تكاسلاً.
وذهب بعضهم إلى أن المراد بالحد فى هذا الحديث حق الله، فيشمل كل معصية، فالحدود أوامر
اللَّه ونواهيه، وهى المراد بقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]
وبقوله ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وقوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وقوله ﴿وَمَنْ
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ [النساء: ١٤] فمعنى الحديث على هذا، لا يزاد على عشرة
أسواطً إلا على معصية ومحرم، فيزاد عليها.
فقه الحديث
اختلف السلف فى مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الليث وأحمد - فى المشهور عنه - وإسحق
وبعض الشافعية وأشهب من المالكية، وقالوا: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط.
وقال الجمهور: تجوز الزيادة على العشر، ولكن إلى أى حد؟ اختلفوا.
فقال الشافعى وجمهور أصحابه: لا يبلغ أدنى الحدود. واختلفوا. هل الاعتبار بحد الحر؟ فلا يبلغ
فى تعزير الحر أو العبد أربعين؟ أو الاعتبار بحد العبد؟ فلا يبلغ بالتعزير للحر أو العبد عشرين؟ أولا
يبلغ بتعزير كل إنسان أدنى حدوده؟ فلا يبلغ بتعزير الحر أربعين؟ ولا يبلغ بتعزير العبد عشرين؟
أقوال.
وقال أبو حنيفة: لا يبلغ بالتعزير أربعين.
وعن ابن أبى ليلى - فى رواية - وأبى يوسف: لا يزاد على خمس وتسعين.
وعن ابن أبى ليلى - فى رواية - لا يزاد على خمس وسبعين، وهى رواية عن مالك.
وعن عمر﴾: لا يجاوز به ثمانين، وهى رواية عن مالك، وأبى يوسف.
وعن عمر به أيضا أنه كتب إلى أبى موسى: لا تجلد فى التعزير أكثر من عشرين.
وعن عثمان ض ثلاثین، ومثله عن عمر.
وعن عمر وابن مسعود أنه يبلغ بالتعزير مائة سوط.
وعن مالك وأبى ثور وعطاء: لا يعزر إلا من تكرر منه، وأما من وقع منه معصية مرة واحدة، من
المعاصى التى لا حد فيها، فلا يعزر.
وقال ابن أبى ذؤيب وابن أبى يحيى: لا يضرب أكثرمن ثلاثة فى الأدب.
٦١٩
وقال باقى الجمهور: التعزير إلى رأى الإمام بالغا ما بلغ، ولا ضبط لعدد ضرباته، وهو
اختيار أبى ثور.
وأجاب الجمهور عن الحديث بأجوبة، منها:
١- أن الحديث مقصور على الجلد، فلا يزاد فيه على العشر وأما الضرب بالعصا والجريد واليد،
فيجوز الزيادة، لكن لا يبلغ أدنى الحدود. وهذا رأى الاصطرخى من الشافعية، قال الحافظ ابن حجر:
وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب.
٢ - ومنها أن الحديث منسوخ، دل على نسخه إجماع الصحابة، ورد بأنه قال به بعض التابعين
٣- ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع على أن التعزير يخالف الحدود.
٤- ومنها أن التعزير موكول إلى رأى الإمام من حيث التشديد فى الضرب أو التخفيف فيه، لا من
حيث العدد.
والله أعلم
٦٢٠