النص المفهرس

صفحات 581-600

٣٨٩٩ - ٣ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ أَتِيَ بِيَهُودِيِّ
وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زًَّا. فَالْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِوَ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ. فَقَالَ «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى
مَنْ زَّى؟» قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ
«فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» فَجَاءُوا بِهَا فَقَرَءُوهَا حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ، وَضَعَ الْفَتَى
الْذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمٍ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ
وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا فَإِذَا تَخْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ
﴿ فَرُجِمًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجْمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ.
٣٩٠٠ - ٣٣ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٧) أَنَّ رَسُولَ اللّهِفَ رَجْمَ فِي الرِّنْى ◌ُهُودِيْنِ
رَجُلًا وَامْرَأَةٌ زَلَيًا، فَأْتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿لَ بِهِمَا. وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِتَحْوِهِ.
٣٩٠١ - - وفي رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِع ◌ِ
بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنْيًا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْرٍ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَن نَافِعٍ.
٣٩٠٢ - ٣٥ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾(٢٨) قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ بِيَهُودِيٌّ مُحَمَّمًا
مَجْلُودًا فَدَعَاهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي
كِتَابِكُمْ؟» قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلا مِنْ عُلَّمَائِهِمْ، فَقَالَ «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الْذِي أَنْزّلَ
التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتّابِكُمْ؟» قَالَ: لا وَلَوْلا أَنْكَ
تَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ تَجِدُهُ الرَّجْمَ وَلَكِنْهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافًِا، فَكْنَا إِذَا أَخَذْنَا
الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَّمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَّى
شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا النَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿«اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ» فَأَمَرّ بِهِ فَرُجِمَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ
عَزَّ وَجْلَّ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُّنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِن
أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة / ٤١] يَقُولُ الْتُوا مُحَمَّدًالَّ فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالْحْمِيمِ
وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمٍ فَاحْذَرُوا، فَأَلْزَّلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَّا
(٢٦) حَدَّثَتِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُوِ صَالِحٍ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَقِىَ أَخْبُرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمْرَ أَخْرَهُ
(٢٧) وَحَدََّنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةً عَنْ أَيُّوبَ ح وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِّرِّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي
رِجَالٌ مِنِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَالِكَ بْنُ أَنَسٍ أَنْ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ عُمّرٌ
-ُ وحَدْثَنَا أَخْمَدُ بْنُّ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةٌ عَنَ نَّافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرِ
(٢٨) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيَّةَ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً قَالَ يُحَى أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَن عَبْدِ اللّهِ
ابْنِ مُرَّةً عَنِ الْرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
٥٨١

أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/ ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة/٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزّلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُون﴾ [المائدة/ ٤٧] فِي الْكُفْارِ كُلُّهَا.
٣٩٠٣ - - وفي رواية عَن الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ فَأَمَرَ بِهِ النّبِيُّ ◌َ فَرُجِمَ
وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِن نُزُولِ الآيَةِ.
٣٩٠٤ - ٢/ْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٢٨) قَالَ: رَجَمَ النَّبِيُّ:﴿ رَجُلا مِن
أَسْلَمَ وَرَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأْتَهُ.
٣٩٠٥ - - وفي رواية عَن ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ وَامْرَأَةٌ.
٣٩٠٦ -٢٩١ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ الشَّيْبَانِيّ(٢٩) قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى هَلْ رَجَمَ رَسُولُ
اللّهِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: بَعْدَ مَا أَنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ أَمْ قَبْلَهَا؟ قَالَ: لا أَدْرِي.
٣٩٠٧ - ٣٢ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَِّ(٣٠) أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «إِذَا زَّتْ
أَمَّةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلا يُفَرِّبْ عَلَيْهَا. ثُمَّ إِنْ زَنّتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلا
يُقَرِّبْ عَلَيْهَا. ثُمَّ إِنْ زَكَتِ الثَّالِفَةَ فَتَبَيِّنَ زِنَاهَا فَلْبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِن شَعَرٍ».
٣٩٠٨- ٣١ عن أبي هُرَيْرَةَ﴾(٣١) عَنِ النّبِيِّ :﴿ فِي جَلْدِ الأَمَّةِ إِذَا زَنَتْ فَلاَثًا «ُثُمَّ ◌ِّبِعْهَا
فِي الرَّابِعَةٍ».
٣٩٠٩ - ٣٣ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَّلَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ؟.
- حَدََّا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
(٢٨°م) وحَدَّثَتِي هَارُونَّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبِيْرِ أَنَّهُ
- حَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ سَمِعَ جَابِرًا حَدَّقْنَا ابْنُ جُرَيْج
(٢٩) وَحَدَّثَنَا أَبَّ كَامِلِ الْجَخْدَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ حَدَّثَنَا سُلَيَّمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَّأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى حِ وَحَدَّثًّا أَبُو
بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْئَةً وَاللَّفْظُ لَّهُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ الشَِّانِيِّ
(٣٠) وحَّدَّقَتِي عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَن سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَن أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٣١) حَدَّثََّا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ غَيْنَةَ حٍ وَحَذَّقْنَا عَبْدُ بْنُ حُمّيْدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ◌ّكْرٍ
الْبُرْسَالِيُّ أَخْبَرَلَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانِ كِلَاهُمَّاً عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوَسَى حَ وَحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّقْنَا أَبُوٍ أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ
عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَّرَ حْ وَحَدَّثْتِي هَارُونِ بْنُ سَعِيدٍ الأَثَّلِيُّ حَدْثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّفِي أُسَامَّةُ بْنُ زَيْدٍ حٍ وٍحَدَّقْنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ
وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسَّحْقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَن عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَقَ كُلُّ هَؤُلاءِ عَن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنٍ
النَّبِيَِّ﴿ إِلا أَنْ ابْنَ إِسْحَّقَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ عَن سَعِيدٍ عَنِ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٣٢) خَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْلِمَةَ الْقَغْنَبِيُّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ حِ وَحَدَّثَمَا يَحْتِى بَنُ يَحْتِى وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
٥٨٢

قَالَ «إِنْ زَلَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَّتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَّلَّتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِعُوهَا وَلَوْ
بِضَّفِيٍ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِفَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. وَقَالَ الْقَغْنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ وَالضَّفِيْرُ الْحَبْلُ.
٣٩١٠- ٣٣ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدٍ بْنٍ خَالِدِ الْجُهَيِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِع ◌َل
سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ بِمِثْلٍ حَدِهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ وَالصَّغِيرُ الْحَبْلُ.
٣٩١١ - ٣٤ عَن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ(٣٤) قَالَ: خَطَبَ عَلِيٍّ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى
أَرِقَائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ زَّنَتْ فَأَمَرَِّي أَنْ
أَجْلِدَهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ؛ فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ
* فَقَالَ أَحْسَنْتَ.
٣٩١٢ -- وفي رواية عَنِ السُّدِّيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ
وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ «اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَّلَ»
المعنى العام
قال تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الرَّنَّى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٣] وقد أودع اللَّه فی طبيعة
الإنسان الغيرة على عرضه، بل وجد نوع من الغيرة عند بعض الطيور، وبعض الحيوانات، ولكن حماية
الأعراض، وحرص الرجال على عفة نسائهم، وحرص النساء على عفة رجالهن بلغت عند العرب وفى
الإسلام مبلغا لم يبلغه من قبل، ولم يرهف حس آدمى إلى أحسن منه بعد، لقد وصف القرآن نساء
الجنة بأنهن حور مقصورات فى الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، وأمر أزواج محمد و أن
يحجبن أشخاصهن عن الرجال، وأمر أزواج النبي و8 ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من
جلابيبهن، وذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وأغلق منافذ الزنا بتحريم كشف العورة، وتحريم النظر،
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِن
أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُنْدِينَ زِينَتَهُنَّ.﴾ [النور: ٣١].
(٣٣) وِحَدَّثْنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ حَدَّتِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ
عُتْبَةً عِنِ أَبِي هُرَيْرَةٌ
- حَدَِّي عَمْرٌوِ الْنّاقِدُ حَدََّا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ بْنِ سَعْدٍ حَدَّقَتِي أَبِي عَنِ صَالِحٍ حٍ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنٍ خَالِدِ الْجُهْنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ◌ْ بِمِثْلٍ حَدِيثِ مَالِكٍ
وَالشَّكُّ فِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا فِيَ بِيْعِهَا فِي الثَّالِئَةِ أَوِ الرَّابِعَّةِ.
(٣٤) حَدََّا مُحْمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدِّمِيُّ حَدَّثَنَا سُلَّيْمَانٌ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ السُّدِّيِّ عَن سَعْدٍ بْنِ عَيْدَةً عَن أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ
- وحَدَّثَّهِ إِسَّحْقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا يَحْتَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا إِسْوَائِيلُ عَنِ السُّدِّيّ
٥٨٣

وجعل الإسلام طهارة الفروج علامة من علامات الإيمان، فقال ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي
صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿ وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إِلا عَلَى أَرْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ
مُلُومِيَنَ﴾ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُم الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ١ وَمَا بعدها].
أمام هذه الحصون المنيعة من ارتكاب الفاحشة كان لابد من عقاب شديد مرعب مخيف قاس
مزعج لمن يتسلق هذه الأسوار، ويرتكب هذا الأمر المقيت، فكان قوله تعالى ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ
مِن نِسَائِكُمْ فَاسْتَشَهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
أُوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥].
ثم كان للثيب المتزوج الذى وطئ ولو مرة فى نكاح صحيح ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما
البتة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم)) وكان للبكر الذى لم ينكح أصلاً في نكاح صحيح ﴿الزَّانِيَةُ
وَالرَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِن الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
فالبكر يجلد مائة جلدة، وينفى عن موطن زناه لمدة عام، والثيب المحصن يرجم ويرمى بالحجارة
حتى الموت، موت بطئَ، مؤلم، مخز، حقير، ولولا أن اللَّه يقول ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾
لما نفذ فى مسلم أو مسلمة.
لقد كان رسول اللّه * يكره أن يعترف زان بزناه، ويقربه، بعد أن ستره الله، كان يحب أن يستر
الزانى نفسه ويستغفر اللَّه ويتوب إليه، ولا يفضح نفسه، ويفضح شريكته، ويفضح كل من يتصل بهما
من قريب أو بعيد بل كان بعد اعتراف الزانى أمامه يلقنه التراجع عن إقراره، ويعرض عنه المرة بعد
المرة، ويرده عن لقاء بعد لقاء، فإذا لم يكن بد، وشهد أربعة شهداء، أو أقر الزانى إقرارات لا شبهة
فيها أمر برجمه ورجمها. ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم باشر الرجم بنفسه، أو حضره حتى
النهاية، بل كل ما ثبت أنه أمر برجمهم طيلة حياته خمسة، ماعز، وشريكته الغامدية، والجهنية
صاحبة العسيف، واليهودى وصاحبته اليهودية، ولولا إقرار الزانى والزانية لتوقف حد الرجم أو كاد، بل
حد الزنا بعامة، إذ لا يكاد يتحقق شهادة أربعة من الشهداء يشهدون أنهم رأوا بأعين رءوسهم دخول
ذكر الرجل فى فرج الأنثى، وغيابه كغياب المرود فى المكحلة؟ وفوق ذلك يدرأ الحد بالشبهات كأن
يدعى الجنون أو الإكراه أو شبهة الحل بأى وجه من الوجوه.
فما أكثر الزنا فى واقع الحياة ولكنه الستار الحليم، الغفور الرحيم.
المباحث العربية
(خذوا عنى. خذوا عنى) أى خذوا عنى حكم الزانية والزانى. كرر فى هذه الرواية للتأكيد، وفى
الرواية الثانية بدون تكرير، والظاهر أن هذه العبارة قصد منها إعلان سروره #، واستبشاره بما نزل
عليه، ففى الرواية الثانية أنه قال ذلك عقب الوحى.
٥٨٤

(كان نبى اللَّه: ﴿﴿ إذا أنزل عليه كرب لذلك) أى إذا أنزل عليه الوحى كرب - بضم الكاف
وكسر الراء، مبنى للمجهول، أى أصابه كرب وشدة تأخذ بنفسه كالمخنوق لثقل الوحى.
(وتربد له وجهه) بفتح التاء والراء وتشديد الباء المفتوحة بعدها دال، يقال: اريد وجهه بتشديد
الدال، أى احمر حمرة فيها عبوس وغبرة.
(فلقى كذلك) الفعل مبني للمجهول، أى لقيه أصحابه يوما على هذه الحالة.
(فلما سرى عنه قال: خذوا عنى) أى فلما زال ما به، وكشف عنه قال ...
(قد جعل اللَّه لهن سبيلا) يشير بذلك إلى قوله تعالى ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ
لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] والمعنَى قد جعل لهن مخرجا، غير الحبس حتى الموت.
(البكر بالبكر جلد مائة، ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) أى زنا الرجل
البكر بالفتاة البكر، حده جلد مائة جلدة لكل منهما، وتغريب سنة للرجل، كما سيأتى فى فقه
الحديث، وزنا الرجل الثيب- أى المحصن الذى سبق له الزواج، بالمرأة الثيب، التى سبق لها الزواج
جلد مائة جلدة لكل منهما والرجم لكل منهما، وعلم من هذا حكم زنا الرجل البكر بالمرأة الثيب، وزنا
الرجل الثيب بالفتاة البكر، وكان يكفى أن يقول: البكر جلد مائة، والثيب الرجم، لكن المقام مقام
تفصيل، وسيأتى مزيد بحث لهذا فى فقه الحديث وفى الرواية الثانية ((الثيب بالثيب، والبكر بالبكر،
جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفى سنة)) وفيها لف ونشر مرتب، «جلد مائة ثم
رجم بالحجارة)) يرتبط بالثيب بالثيب، و((جلد مائة ثم نفى سنة)» يرتبط بالبكر بالبكر. وقوله ((جلد
مائة)) بالإضافة عند الأكثرين، وقرأه بعضهم بتنوين ((جلد)) وتنوين ((مائة)) والمراد من النفى
التغريب، واختلف فى مسافته على ما سيأتى فى فقه الحديث.
(فكان مما أنزل عليه آية الرجم) أراد بها ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالا
من اللَّه، والله عزيز حكيم)) قال النووي: وهذا مما نسخ لفظه، وبقی حکمه.
(أتى رجل من المسلمين رسول اللَّه ) أى من عامة المسلمين، ليس من أكابرهم،
ولا بالمشهور فيهم وفى الرواية الثامنة ((أن رجلا من أسلم، يقال له: ماعزبن مالك أتى رسول اللَّه ﴿)
وفى الرواية العاشرة ((أن ماعزبن مالك الأسلمى أتى رسول اللَّه﴿)) ففى هذه الروايات أن ماعز!
أتى من تلقاء نفسه، وفى الرواية السادسة ((أُتِىَ رسول اللَّه﴾ ﴿ برجل قصير أشعث ذى عضلات))
فهذه الرواية تدل على أنه جىء به، وفى غير مسلم أن قومه أرسلوه إلى النبى صل، فقال النبى 18 للذى
. أرسله: لو سترته بثوبك يا هزال لكان خيرا لك، وكان ماعز عند ((هزال)) ولا تعارض فمن جىء به فقد
جاء، ومن أرسل فقد جاء.
٥٨٥

ومعنى ((أشعث)) وهو ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل، مجرور بالفتحة، متلبد الشعر،
متغيره وسخه، ومعنى ((ذى عضلات)) كثير العضلات، بارزها، والعضلة، ما اجتمع من اللحم فى أعلى
الساق والذراع، وهذا الوصف يوحى بالشدة والقوة.
(فقال: يا رسول الله، إنى زنيت) فى الرواية العاشرة ((إنى قد ظلمت نفسى وزنيت، وإنى
أريد أن تطهرنى)) وفى الرواية الحادية عشرة ((إنى أصبت حدا، فأقمه على)) وفى الرواية الثامنة ((إنى
أصبت فاحشة، فأقمه على)) وفى الرواية التاسعة ((طهرنى)) ولا تناقض، فقد يقول الرجل كل ذلك،
وينقل كل راو بعض ماقال.
(فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله، إنى زنيت، فأعرض عنه،
حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول اللَّه
*، فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول اللَّه ◌ِ﴾:
اذهبوا به، فارجموه) وفى الرواية الخامسة ((فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول
اللَّهِ وَله: فلعلك)) فى هذه الرواية اختصار، واكتفاء، اعتمادا على دلالة الكلام والحال على المحذوف،
أى لعلك قبلت؟ أو لعلك غمزت؟ فظننت ذلك زنا؟ ((قال: لا. والله إنه قد زنى الأخر)» الهمزة بدون مد،
والخاء مكسورة، ومعناه الأرذل والأبعد والشقى واللئيم، وأصله الأخير المتأخر عن الخير، المؤخر
المطروح. ومعنى ((تنحى تلقاء وجهه)) انتقل من الناحية التى كان فيها إلى الناحية التى يستقبل بها
وجه النبى *، بعد أن أعرض عنه ، وحول وجهه عنه إلى الجهة الأخرى، ومعنى ((حتى ثنى ذلك
عليه أربع مرات)) حتى كرر ذلك أربع مرات، يقال: ثنى الشىء بتخفيف النون، يثنيه، ثنيا، إذا عطفه،
ورد بعضه على بعض.
ففى هاتين الروايتين نجد المراجعة أربع مرات فى مجلس واحد، لكن الرواية التاسعة تقول
((فقال: يارسول اللَّه، طهرنى. فقال: ويحك)) أى ويلك وهلاكك، يقال: ويحك وويحالك ((ارجع
فاستغفر الله وتب إليه، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول اللّه، طهرنى. فقال النبى ل*
مثل ذلك، حتى كانت الرابعة)) ويمكن الجمع بينهما بأن التحول من وجه إلى وجه كان بعد الرجوع
غير بعيد، لكن الرواية العاشرة تفيد أن الرسول {# رده يوما بعد يوم، ويمكن الجمع بأن الترديد حصل
فى يوم، ثم فى أيام، ثم بالغ فى الاستيثاق فى اليوم الأول، بسؤاله ((أبك جنون))؟ ((أشربت خمرا)»؟
((فقام رجل فاستنكهه)) وبالغ فى شم رائحة فمه، ثم بسؤاله عن صفة فعله، ففى بعض الروايات ((هل
ضاجعتها؟ قال نعم. قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم. وفى رواية ذكر لفظ
الجماع الدارج، من غير أن يكنى، وفى رواية ((قال: حتى دخل ذلك منك، فى ذلك منها؟ قال: نعم))
قال: كما يغيب المرود فى المكحلة؟ والرشا فى البئر؟ قال: نعم)) ثم بعد الترديد أياما سأل أهله.
وكان ماعزبن مالك يتيما فى حجر ((هزال)) فأصاب امرأة من الحى.
(فيم أطهرك؟ فقال من الزنا) كذا في الرواية التاسعة وكان الظاهر أن يقول: مم أطهرك؟
٥٨٦

قال النووى: هكذا هو فى جميع الأصول ((فيم))؟ بالفاء والياء، وهو صحيح، وتكون ((فى)) للسببية، أى
بسبب ماذا أطهرك؟ اهـ مثلها فى قوله { ((دخلت امرأة النار فى هرة حبستها)».
(ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسا) كذا في الرواية الثامنة، وفى الرواية التاسعة
سألهم: ((أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشرب خمرا)»؟ وفى الرواية العاشرة ((فقال:
أتعلمون بعقله بأسا؟ تذكرون منه شيئا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وَفِىَّ العقل)» أى كامله ووفيره ((من
صالحينا، فيما نرى)) بضم النون، أى فيما نظن .... )) ((فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله)).
(إلا أنه أصاب شيئا) الاستثناء منقطع، بمعنى لكنه، والمراد من الشىء جريمة الزنا، ويمكن
أن يكون متصلا وأن الزنا نقص فى العقل. وفى الرواية العاشرة أن سؤال قومه تكرر فيحمل على
سؤال بعضهم مرة، وبعضهم مرة، للاستيثاق.
(فرجمه) أى أمر برجمه، وفى الرواية السادسة والسابعة والتاسعة والعاشرة ((فأمر به، فرجم))
وفى الرواية الثامنة ((فأمرنا أن نرجمه)).
(فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد) وهو مقبرة أهل المدينة، وأصل البقيع المكان المتسع، ذو
الأشجار المختلفة، والغرقد نوع من الشجر، من الفصيلة الباذنجانية، تؤكل ثمرتها، وتسمى الغرقد.
(فما أوثقناه، ولا حفرنا له) فى الرواية العاشرة ((فلما كان الرابعة حفرله حفرة)) قال
الحافظ ابن حجر: يمكن الجمع بأن المنفى حفرة عميقة، لايمكنه الوثوب منها، والمثبت حفيرة
صغيرة، أمكنه الوثوب منها، أو أنهم فى أول الأمر لم يحفروا، ثم لما فر، فأدركوه حفروا له حفرة لا
يمكنه الوثوب منها، فانتصب لهم فيها، حتى فرغوا منه.
(فرجمناه بالمصلى) المراد مصلى الجنائز ببقيع الغرقد.
(فرميناه بالعظم والمدر والخزف) ((المدر)) بفتحات الطين اللزج المتماسك، و((الخزف))
بفتحات، الآنية التى تتخذ من الطين المحروق، والمراد ما تكسر منها.
(فاشتد، واشتددنا خلفه، حتى أتى عرض الحرة، فانتصب لنا) ((اشتد)) أى جرى
وأسرع، وفى الرواية الرابعة ((فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة)) أى فلما أصابته الحجارة
بحدها، وآلمته هرب، و ((عرض الحرة)) بضم العين وسكون الراء، والحرة بفتح الحاء، أى جانب
الأرض ذات الحجارة السوداء، وهى منطقة مشهورة بظاهر المدينة.
(فرميناه بجلاميد الحرة) فسرها الراوى بحجارة الحرة، جمع جلمود بضم الجيم،
وهو الصخر.
(حتى سكت) قال النووى: هو بالتاء فى آخره. هذا هو المشهور فى الروايات. قال القاضى
عياض: ورواه بعضهم ((سكن)» بالنون، والأول الصواب، ومعناه مات.
٥٨٧

(ثم خطب )، وفى الرواية الثامنة ((ثم قام رسول اللَّه﴿ خطيبا من العشى)) من اليوم نفسه.
(ألا كلما نفرنا، غازين فى سبيل اللَّه خلف أحدهم؟) أى تخلف أحد الناس عنا، وبقى
فى المدينة، حيث لا رجال وفى الرواية السادسة ((كلما نفرنا غازين فى سبيل اللّه، تخلف أحدكم))؟
وفى الرواية الثامنة ((أوكلما انطلقنا غزاة فى سبيل الله، تخلف رجل فى عيالنا)»؟ أى فى نسائنا؟
وفى ملحقها ((فما بال أقوام إذا غزونا، يتخلف أحدهم عنا))؟
(له نبيب كنبيب التيس) ((التيس)) ذكر الماعز، ونبيب التيس صياحه وصوته عند
ركوبه على أنثاه.
(يمنح أحدهم الكثبة) بضم الكاف وسكون الثاء، كل قليل مجتمع من طعام أولبن أو غير
ذلك، وفى الرواية السادسة ((يمنح إحداهن الكثبة)) وفيها ((ينب نبيب التيس)) و((لاينب)) بفتح الياء
وكسر النون وتشديد الباء.
(أما والله. إن يمكنى من أحدهم لأنكلنه عنه) ((يمكنى)) بضم الياء وسكون
الميم وكسر الكاف، مضارع أمكن، أى إن يمكنى اللَّه من أحد هؤلاء، لأجعلنه نكالا، أى عظة
وعبرة لمن بعده، بما أصيبه من العقوبة عن هذا الفعل القبيح. وفى الرواية السادسة ((إن
اللَّه لا يمكنى من أحد منهم إلا جعلته نكالا، أو نكلته)) يقال: نكل به، بتشديد الكاف، أى
عاقبه بما يردعه، ويخيف غيره من إتيان صنيعه.
(ثم جاءته امرأة من غامد، من الأزد) قال النووى: ((غامد)» بالغين، بطن من جهينة، وكأنه
يجمع بذلك بين روايتنا التاسعة والعاشرة عن بريدة، وبين روايتنا الحادية عشرة، عن عمران، وفيها
((أن امرأة من جهينة، على أن القصة واحدة، ومال الحافط ابن حجر إلى أنهما قضيتان، فقال: جمع
بين روايتى ((بريدة)» بأن فى الثانية زيادة، فتحمل الأولى على أن المراد بقوله ((إلى رضاعه)» أى
تربيته، وجمع بين حديثى عمران وبريدة، أن الجهنية كان لولدها من يرضعه، بخلاف الغامدية.
(فقال: حتى تضعى مافى بطنك) غاية لمحذوف، تقديره: لا أطهرك حتى تضعى ما فى
بطنك. وفى الرواية العاشرة ((إما لا)) قال النووى: هو بكسر الهمزة من ((إما)) وتشديد الميم، وبالإمالة،
ومعناه: إذا أبيت أن تسترى على نفسك، وتتوبى، وترجعى عن قولك، فاذهبى حتى تلدى. اهـ
وفى الرواية الحادية عشرة («فدعا نبى اللَّه ﴾ ﴿ وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتنى بها))
قال النووى: هذا الإحسان له سببان: الأول: الخوف عليها من أقاربها، أن تحملهم الغيرة، ولحوق
العاربهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها، تحذيرا لهم من ذلك. الثانى: أمر بالإحسان إليها رحمة
بها، إذ قد تابت، وحرض على الإحسان إليها لما فى نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها
الكلام المؤذى، ونحو ذلك، فنهى عن هذا كله.
وفى الرواية التاسعة ((فكفلها رجل من الأنصار)) أى قام بمؤنتها ومصالحها، وليس هو
٥٨٨

من الكفالة بمعنى الضمان، لأن هذا لا يجوز فى الحدود. ((حتى وضعت، فأتى النبي {﴾.
فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إذا لا نرجمها، وندع ولدها صغيرا، ليس له من يرضعه،
فقام رجل من الأنصار، فقال إلى رضاعه يا نبى الله، قال: فرجمها)) وظاهر هذه الرواية أنها
لم ترضعه حتى الفطام، وتوجيهها أن الرجل الأنصارى قال ذلك بعد الفطام، وأراد بالرضاع
تربيته وحضانته، وسماها رضاعا مجازا. قاله النووى.
وهذا التوجيه ضرورى، ففى الرواية العاشرة ((فلما ولدت أتته بالصبى فى خرقة. قالت: هذا قد
ولدته، قال: اذهبى، فأرضعيه، حتى تفطميه)» يقال: فطم، بفتحات، يفطم، بكسر الطاء ((فلما فطمته
أتت بالصبى، فى يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبى الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبى
إلى رجل من المسلمين)) فهذه الرواية صريحة فى أن رجمها كان بعد فطامه وأكله الخبز، وهما قضية
واحدة، والروايتان صحيحتان، فتعين تأويل الأولى، وحملها على وفق الثانية.
(فيقبل خالد بن الوليد بحجر) أصله: فأقبل خالد بن الوليد بحجر، ولكنه عبر عن الماضى
بالمضارع استحضاراً للصورة.
(فتنضح الدم على وجه خالد) قال النووى ((فتنضح)) روى بالحاء، وبالخاء، والأكثر على
الحاء، ومعناه ترشش وانصب، اهـ يقال: نضح الثوب بالماء رشه به، وتنضح الماء على الشيء
ترشش عليه ،ونضخ الشيء بالماء بلله ورشه، وتنضخ الدم على الوجه رشه وتناثر عليه.
٠٠
(لوتابها صاحب مكس لغفرله) ((المكس)) الضريبة، يأخذها المكاس، ممن يدخل البلد، من
التجار، وجمعه مكوس، قال النووى: وهو من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات
الناس له، وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها فى
غير وجهها.
(فصلى عليها) فى الرواية الحادية عشرة (ثم أمربها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال
له عمر: تصلى عليها يا نبى الله، وقد زنت)»؟ قال النووى: أما الرواية الثانية فصريحة فى
أن النبى صلى عليها، وأما الرواية الأولى فقال القاضى عياض: هى بفتح الصاد واللام
عند جماهير رواة مسلم، قال: وعند الطبرى بضم الصاد، قال: وكذا هو فى رواية ابن أبى
شيبة وأبى داود، وفى رواية لأبى داود ((ثم أمرهم أن يصلوا عليها)) قال القاضى: ولم يذكر
مسلم صلاته : على ماعز، وقد ذكرها البخارى. اهـ قلت: ورواية ضم الصاد لا تمنع من
كونه®# صلى عليها، ولا رواية أبى داود (ثم أمرهم أن يصلوا عليها)» لاحتمال أن يكون
أمرهم، وصلى بهم، فتفهم الرواية المحتملة على الرواية الصريحة، حيث لا تعارض.
(فإذا وضعت فائتنى بها، ففعل) أى فعل وليها ما أمر به.
(فأمربها نبى اللَّه:﴿، فشكت عليها ثيابها) هكذا هو فى معظم النسخ ((فشكت)» وفى
٥٨٩

بعضها ((فشدت)) بالدال بدل الكاف، وهما بمعنى، يقال: شك عليه الثوب، بالبناء للمجهول، أى جمع
واتصل ولصق بعضه ببعض.
(أنشدك الله) بفتح الهمزة وضم الشين بينهما نون ساكنة، أى أسألك رافعا نشيدى - وهو
صوتى - إلى اللَّه. هذا أصل استعماله، لكنه كثر استعماله من غير رفع صوت، على معنى أسألك بالله،
ثم استعمل فى كل مطلوب مؤكد، ولو لم يقصد استحلاف.
(إلا قضيت لى بكتاب الله) أى بما تضمنه كتاب اللَّه، فالمراد من كتاب اللَّه القرآن، وقيل:
المراد من كتاب اللَّه حكم اللَّه الذى حكمه به، وكتبه على عباده، ولعل الأعرابى قصد الإشارة إلى آية
الرجم المنسوخة، أو آية ((﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ أو آية الجلد ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَّا مِائَةً
جَلْدَةٍ﴾ أو آيات النهى عن أكل أموال الناس بالباطل، لأن خصمه كان قد أخذ منه الغنم والوليدة، أو
قصد العدالة مطلقا في جميع أركان الحادثة، وكأنه قال: لا أسألك، ولا أطلب منك إلا الحق، ولم
يتوهم الأعرابى أن الرسول * قد يحكم بغير الحق، وبغير كتاب الله، حتى يقال: لم سأل هذا السؤال،
ولكنه قصد الإعلان بذلك عن قبوله ورضاه لما يصدر من الأحكام.
(فقال الخصم الآخر، وهو أفقه منه: نعم. فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لى) أن
أقص عليك القضية. جملة ((وهو أفقه منه)) معترضة بين القول والمقول، المراد إما إعلان الراوى أن
الثانى أكثرفقها من الأول بصفة عامة، عن طريق معرفته بهما قبل أن يتحاكما، فلا دخل لها فيما
تكلما، وإما إعلان أن الثانى أعلم بتفاصيل القضية وحسن عرضها من الأول، وإما لأدبه واستئذانه فى
الكلام، وحذره من الوقوع فى التقدم على رسول اللَّه ◌ِ ﴾.
(إن ابنى كان عسيفا على هذا، فزنى بأمرأته) فى رواية البخارى ((إن ابنى هذا)) مما يفيد
أن الابن كان حاضرا، والإشارة فى ((كان عسيفا على هذا» لخصم المتكلم، وهو زوج المرأة، والعسيف
الأجير، وجمعه عسفاء، كأجير وأجراء، وفقيه وفقهاء، ويطلق أيضا على الخادم وعلى العبد، وسمى
الأجير عسيفا، لأن المستأجر يعسفه فى العمل، والعسف الجور، أو العسيف الراعى والقائم علىى
الشىء، يقال: هو يعسف ضيعتهم، أى يرعاها ويقوم عليها، و((على)) بمعنى ((عند)) وفى النسائى ((كان
ابنى أجيرًا لامرأته)) وفى رواية ((كان ابنى عسيفا فى أهل هذا)) وكأن الرجل استخدمه فيما تحتاج
إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سببا لما وقع له معها.
(وإنى أخبرت أن على ابنى الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة) أى وجارية
مملوكة، وفى رواية للبخارى ((بمائة شاة وخادم)) وفى رواية ((بمائة شاة وجارية لى)) ولم يبين فى
الروايات من الذى أفتاه بذلك، فهنا ((أخبرت)) بالبناء للمجهول. وفى رواية ((فقالوا لى: على ابنك
الرجم» وفى رواية ((فأخبرونى أن على ابنى الرجم)) أى فظن أن هذا حق لخصمه، يصح أن يتنازل
عنه على مال يأخذه، فاتفق مع خصمه على هذا الفداء، وسلمه إياه.
(فسألت أهل العلم، فأخبرونى أنما على ابنى جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة
٥٩٠

هذا الرجم) يقصد أنه إن كان هذا القول حقا، فرد على الغنم والوليدة، ونفذ الحكم فى ابنى، وفى
امرأة خصمی.
و «ما)» فى ((أنما)) موصولة، أى فأخبرونى أن الذى على ابنى الجلد، وليس الرجم وإنما الرجم على
امرأته، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم الخصمين، ولا الابن، ولا المرأة.
(الوليدة والغنم رد) أى مردودة، ومعناه أنه يجب على خصمك ردها عليك، وفى رواية للبخارى
((المائة شاة والخادم رد ((وفى رواية ((أما غنمك وجاريتك فرد عليك)) أى مردودة، من إطلاق المصدر
على اسم المفعول، كقولهم: ثوب نسج، أى منسوج.
(وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام) وفى رواية ((وأما ابنك فنجلده مائة جلدة، ونغربه
سنة)) وفى رواية ((وجلد ابنه مائة، وغربه عاما)) وهذا ظاهر فى أن قوله {# حكم وليس فتوى، قال
النووى: وهو محمول على أن النبى 18 علم أن الابن كان بكراً، وأنه اعترف بالزنا، وقرينة اعترافه
حضوره مع أبيه، وسكوته عما نسبه إليه، وأما العلم بكونه بكرا، فوقع صريحا فى رواية، ولفظها ((كان
ابنى أجيرا لامرأة هذا. وابنى لم يحصن)».
(واغد يا أنيس إلى امراة هذا، فإن اعترفت فارجمها) هذا أيضا دليل على أن
المقام مقام حكم، وليس مقام فتوى، و«اغد» أى اذهب أول النهار، وقيل: المراد الذهاب
والتوجه مطلقا وليس المراد التأخير إلى أول النهار، بدليل رواية «قم يا أنيس، فسل امرأة
هذا)) و((أنيس)) بالتصغير هو ابن الضحاك الأسلمى، معدود فى الشاميين، والمرأة أيضا
أسلمية ولعل هذا سراختياره لهذه المهمة.
(أتى بيهودى ويهودية قد زنيا) جاء فى الرواية الخامسة عشرة ظروف هذا الإتيان، ولفظها
((مُرَّ على النبى 8# بيهودى محمما)) بضم الميم وفتح الحاء، وتشديد الميم المفتوحة، بعدها ميم، أى
مسودا وجهه بالحمم، بضم الحاء، أى بالفحم ((مجلودا)) أى مضروبا جلده بالسوط ونحوه ((فدعاهم
﴿)» أى دعا الرجل والمرأة ومن معهما ممن ينفذ عليهما الحكم، وعلى هذا المعنى يحمل ملحق
الرواية الرابعة عشرة ((أن اليهود جاءوا إلى رسول اللَّه ﴿ برجل منهم وامرأة قد زنيا ... )).
(فانطلق رسول اللّهَ ﴿، حتى جاء يهود) معناه أن رسول اللَّه ﴿ أبقى الرجل والمرأة فى
حيازته، وذهب مع بعض أصحابه إلى محلة اليهود، ليناقش أئمتهم، ويستخرج منهم الحكم الحقيقى
الذى أخفوه، ويبطل فعلهم الذى استحدثوه.
(فقال: ما تجدون فى التوراة على من زنى؟) سؤال استنطاق وتقرير لإلزامهم
بما فى كتابهم، وليس لتقليدهم، ولا لمعرفة الحكم منهم، ولعل الله أوحى إليه أن الرجم فى
التوارة التى فى أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا
لم يخف ذلك عليه حين كتموه .
(قالوا: نسود وجوههما ونحملهما، وتخالف بين وجوههما، ويطاف بهما) فى
٥٩١

طرقات المدينة، وقولهم: ((ونحملهما)) رويت بضم النون وفتح الحاء وتشديد الميم المكسورة، أى
نجعلهما حملا على جمل أو بغل، وفى بعض النسخ ((ونجملهما)) بالجيم بدل الحاء، أى نضعهما فوق
الجمل، وفى بعضها ((نحممهما)) بميمين، أى نسود وجوههما، وهذا الأخير ضعيف، لسبق («نسود
وجوههما)» وصورة المخالفة بين وجوههما أن يلصق ظهر كل منهما بظهر الآخر، فيكون وجه أحدهما
إلى الأمام، ووجه الآخر إلى الخلف، قال : أهكذا تجدون حد الزنا فى كتابكم؟ قالوا: نعم.
(قال: فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين) أى فأتوا بالتوراة فاتلوها.
(فجاءوا بها، فقرءوها) وما كان لهم أن يمتنعوا، فهم تحت حكمه # بالمدينة.
(حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذى يقرأ، يده على آية الرجم، وقرأ ما بين
يديها، وما وراءها) أى ما قبلها من الآيات، وما بعدها، ولم يقرأها.
(فدعا رجلا من علمائهم) ليجتمع به على انفراد، ويعيد السؤال عليه على انفراد، لعله يبيح
بالسر الذى جعلهم يغيرون القول الذى أنزله الله، ويبدلون ويحرفون الكلم عن مواضعه، وقد تحقق
للرسول 8 ما قصده.
(فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه) أى إذا أخذنا الشريف زانيا، وثبت عندنا زناه
تركناه، فلم نرجمه.
(فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شىء، نقيمه على الشريف والوضيع) أى قال أئمة اليهود
بعضهم لبعض: تعالوا. فلنتفق على عقاب نطبقه على الشريف والوضيع.
(فأمر به فرجم) أى وأمر بالمرأة فرجمت، ففى الرواية الثالثة عشرة ((فأمر بهما رسول اللَّه عَل﴾.
فرجما)» وفى الرواية الرابعة عشرة ((رجم فى الزنا يهوديين، رجلا وامرأة)» وفى الرواية السادسة عشرة
((رجم النبى 8 رجلا من أسلم)) وهو ماعز ((ورجلا من اليهود وامرأته)) أى صاحبته التى زنى بها، ولم
يرد زوجته.
والظاهر أن الرجل والمرأة اليهوديين رجما فى مكان واحد، وفى وقت واحد، ففى الرواية الثالثة
عشرة قال ابن عمر: «كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه)» أى ينحنى عليها،
ويحيطها بنفسه، يحميها من الحجارة ويتلقاها هو بدلها.
(فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها) التثريب التعنيف، أى لا يعذفها، ولا يؤنبها، ولا يلومها
على الذنب، فقد فقدت حريتها الكاملة.
(ولو بحبل من شعر) فى الرواية المتممة للعشرين ((ثم بيعوها، ولو بضفير)) وفى ملحقها فسر
ابن شهاب الضفير بالحبل، والمراد المبالغة فى حقارة القيمة، بحيث يسرع البائع ويمضى بيعها و
لايتربص بها طلب الراغبين بالثمن العالى، وليس المراد بيعها بقيمة الحبل حقيقة، فهو من قبيل ((
من بنى للَّه مسجدا ولو كمفحص قطاه ».
٥٩٢

(اتركها حتى تماثل) بفتحات، مضارع حذف منه إحدى التاءين، وأصله تتماثل، يقال:
تماثل المريض من علته إذا قارب البرء، فأشبه الصحيح، أى اتركها حتى تقارب الشفاء أو تشفى.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- حد الزانى إذا كان بكرا حرا، والمراد بالبكر من لم يجامع فى نكاح صحيح، وهو بالغ عاقل، فيعد
بكرا من جامع بوطء شبهة، أو بنكاح فاسد، أو غيرهما.
قال النووي: وأجمع العلماء على وجوب جلد الزانى البكر مائة جلدة، سواء زنى ببكر، أو زنى
بثيب، حرة أو أمة. والجمهور على أنه يجب مع الجلد نفيه وتغريبه سنة، وقال الحسن: لايجب
النفى.اهـ والحنفية على أنه لا نفى، وقالوا: ليس فى الآية ذكر للنفى، ولا يزاد على القرآن بخبر
الواحد، وحد الزانية إذا كانت بكرا حرة مائة جلدة أيضا، سواء زنى بها بكر، أو زنى بها محصن،
وسواء كان الزانى بها حراً أو عبداً، أما تغريبها سنة فمذهب الشافعى وبعض العلماء، وظاهر
الرواية الأولى يؤيده، ففيها (البكر بالبكر جلد مائة، ونفى سنة)) قالوا: والرسول﴿ مبين للكتاب،
فزاد التغريب على قوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]
قالوا: وخطب عمر بذلك على رءوس الناس، وعمل به الخلفاء الراشدون، فلم ينكره أحد، فكان
إجماعا. واختلفوا فى المسافة التى ينفى إليها، فقيل: هى إلى رأى الإمام، وقيل: إلى مسافة
القصر، وقيل: إلى ثلاثة أيام بالإبل، وقيل: إلى يومين، وقيل إلى يوم وليلة، وقيل: من عمل إلى
عمل، وقيل: إلى ميل، وقيل: إلى ما ينطلق عليه اسم نفى. وشرط بعض المالكية الحبس فى
المكان الذى ينفى إليه.
وقال مالك والأوزاعى: لا نفى على النساء، وروى ذلك عن على رضى الله عنه، قالوا: لأنها عورة، وفى
نفيها تضييع لها، وتعريض لها للفتنة، ولهذا نهيت عن المسافرة إلا مع محرم.
٢- ويؤخذ من الرواية الثامنة عشرة وما بعدها أن حد الجارية الأمة، وكذا العبد الجلد، سواء كانا
محصنين بالتزويج أم لا، وحدهما نصف حد الحر، قال تعالى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ففيه بيان من أَحصنت، فحصل
من الآية الكريمة والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، لأن الذى
ينصف الجلد، أما الرجم فلا ينصف، وقد أجمعوا على أن الأمة المزوجة إذا زنت لا ترجم،
والرواية الثامنة عشرة ((إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد)) مطلقة، تتناول
المزوجة وغير المزوجة، وهذا مذهب الشافعى ومالك وأبى حنيفة، وأحمد وجماهير علماء الأمة،
وقال جماعة من السلف: لا حد على من لم تكن مزوجة من الإماء والعبيد، وممن قاله ابن عباس
وطاووس وعطاء وابن جريج وأبو عبيدة.
٥٩٣

أما النفى للرقيق إذا زنى فقد ذهب إليه الشافعية، والصحيح عندهم أنه ينفى نصف سنة، وفى
وجه ضعيف لبعضهم ينفى سنة كاملة، وفى قول ثالث للشافعية: لا نفى على رقيق، وهو قول
الأئمة الثلاثة، لأنه لا وطن له، وفى نفيه قطع حق السيد.
٣- كما يؤخذ من الحديث حد الثيب الحر، ذكرا كان أو أنثى، وهو الرجم، قال النووى: أجمع العلماء
على رجم المحصن، وهو الثيب، والمراد بالثيب من جامع فى دهره مرة من نكاح صحيح وهو بالغ
عاقل حر، والرجل والمرأة فى هذا سواء، وسواء فى كل هذا المسلم والكافر، والرشيد والمحجور
عليه لسفه.
قال: ولم يخالف فى رجم المحصن أحد من أهل القبلة، إلا ما حكى القاضى عياض وغيره عن
الخوارج وبعض المعتزلة، كالنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم، وقال ابن بطال: أجمع
الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدا عالما مختارا فعليه الرجم، ودفع ذلك
الخوارج وبعض المعتزلة، واعتلوا بأن الرجم لم يذكر فى القرآن، وحكاه ابن العربى عن طائفة من .
أهل المغرب لقيهم، وهم من بقايا الخوارج، واحتج الجمهور بأن النبى 8# رجم، وكذلك الأئمة
بعده، كما استدلوا بحديث عبادة وعمر بن الخطاب، روايتنا الأولى والثانية والثالثة.
قال النووى: واختلفوا فى جلد الثيب مع الرجم، فقالت طائفة: يجب الجمع بينهما، فيجلد، ثم
يرجم، وبه قال على بن أبى طالب والحسن البصرى وإسحق بن راهويه، وداود وأهل الظاهر،
وبعض أصحاب الشافعى، وقال جماهير العلماء: الواجب الرجم وحده، وحجتهم أن النبى 98
اقتصر على رجم الثيب فى أحاديث كثيرة، منها قصة ماعز والغامدية، وقوله لأنيس [فى
روايتنا الثانية عشرة] ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))اهـ
أما ما أشار إليه النووى عن على ، فقد روى على بن الجعد ((أن عليا أتى بامرأة زنيت، فضربها
يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة)) وكذا عند النسائى والدارقطنى، زاد ابن الجعد ((فقيل لعلى:
جمعت حدين؟ قال: جلدتها بالقرآن، ورجمتها بالسنة)) وقال أبى بن كعب مثل ذلك. قال
الحازمى: ذهب أحمد وإسحق وداود وابن المنذر إلى أن الزانى المحصن يجلد، ثم يرجم.اهـ
وروايتنا الأولى تؤيد هذا القول، ولفظها ((والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)» والرواية الثانية
((الثيب بالثيب، جلد مائة، ثم رجم بالحجارة)) ويقولون: ليس فى قصة ماعزومن ذكر معه
تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم، لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه، ولكونه الأصل، فلا يرد
ما وقع التصريح به بالاحتمال، فالسكوت عن الشىء لا يدل على سقوطه.
ويجيب الجمهور بأن قصة ماعزجاءت من طرق متنوعة، بأسانيد مختلفة، ولم يذكر فى شىء
منها أنه جلد، وكذلك الغامدية والجهنية، واليهوديين، وقال فى ماعز ((اذهبوا فارجموه)) وكذا فى
حق غيره، ولم يذكر الجلد، فدل ترك ذكره على عدم وقوعه، ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه.
ثم إن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة بن الصامت، فهو منسوخ، والناسخ له ما ثبت فى
٥٩٤

قصة ماعز، نعم حديث عبادة ناسخ لما شرع أولا من حبس الزانى فى البيوت، فنسخ الحبس
بالجلد، وزيد الثيب بالرجم.
وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور، لأن نزولها كان فى قصة الإفك سنة أربع أو
خمس أو ست، والرجم كان بعد ذلك، فقد حضره أبو هريرة، وقد أسلم سنة سبع، وحضره ابن
عباس، وقد جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع.
وقال القاضى عياض: شذت فرقة من أهل الحديث، فقالت: إن الجمع بين الجلد والرجم، خاص
بالشيخ والشيخة - أى من جاوز الأربعين محصنا - وأما الشباب المحصن، فيرجم فقط، وهذا
من المذاهب المستغربة حكاها ابن المنذر وابن حزم عن أبي بن كعب. قال النووي: وهو مذهب
باطل. ودافع عنه الحافظ ابن حجر بما هو غير مسلم.
٤- ومن قوله فى الرواية الثانية ((خذوا عنى. خذوا عنى. فقد جعل الله لهن سبيلا ... إلخ)) أن الآية
الخامسة عشرة من سورة النساء، وهى قوله تعالى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
أَوْ تَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ غير معمول بظاهر حكمها، سواء قلنا: إن الحديث مبين لها، ومفسر
لها، وهى محكمة، أو قلنا: إنها منسوخة بالآية التى فى أول النور ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً جَلْدَةٍ﴾ وقيل: إن آية النور فى البكرين وآية النساء فى الثيبين، والحديث مبين
لها ومفسر، ويمكن أن يكون الحديث ناسخا لها، على القول بأن السنة المشهورة تنسخ القرآن.
٥- ومن الرواية الثالثة من قول عمر ((فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها، ووعيناها، وعقلناها)»
وقوع النسخ فى القرآن، وهذا مما نسخ لفظه، وبقى حكمه، وقد وقع نسخ الحكم دون اللفظ، ومثل
له بقوله تعالى ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] بعد قوله
﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَّقَةٌ﴾ وقوله ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ بعد قوله ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَّيْنِ وَإِنْ
يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِن الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٦٥] كما وقع نسخ اللفظ والحكم جميعا.
قال النووى: فمما نسخ لفظه ليس له حكم القرآن فى تحريمه على الجنب ونحو ذلك، وفى ترك
الصحابة كتابة هذه الآية دلالة ظاهرة على أن المنسوخ لا يكتب فى المصحف اهـ وهو يشير بذلك
إلى رواية للموطأ لهذا الحديث، وفيها أن عمر قال ((والذي نفسي بيده. لولا أن يقول الناس: زاد
عمر ما ليس فى كتاب اللَّه لكتبتها بيدى)) والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)) وأخرج
النسائى أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت ((ألا تكتبها فى المصحف؟ قال: لا. ألا ترى أن
الشابين الثيبين يرجمان؟ ولقد ذكرنا ذلك، فقال عمر: أنا أكفيكم. فقال: يارسول اللَّه، أكتبنى
آية الرجم، قال لا أستطيع)) وأخرج الحاكم ((قال عمر لزيد بن ثابت: لما نزلت أتيت النبي ◌ُ *..
فقلت: أكتبها؟ فكأنه كره ذلك)) ثم قال عمر لزيد بن ثابت: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن
جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم))؟ قال الحافظ ابن حجر: فيستفاد من هذا السبب فى
نسخ تلاوتها، وهو كون العمل على غير الظاهر من عمومها.
٥٩٥

٦ - ومن ((قول عمر)) فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم فى كتاب اللَّه))
كرامة من كرامات عمر ه ويحتمل أنه علم بذلك من جهة النبى { 4*
٧- ومن قوله ((إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف)) قال النووى: وأجمعوا على أن البيئة
أربعة شهداء ذكور وعدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا، ولا يقبل دون الأربعة، وإن اختلفوا فى
صفاتهم. وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنا، وهو محصن، يصح إقراره بالحد
واختلفوا فى اشتراط تكرار إقراره أربع مرات. وأما الحبل وحده فمذهب عمر بن الخطاب تطل به
وجوب الحد به، إذا لم يكن لها زوج ولا سيد، وتابعه مالك وأصحابه، فقالوا: إذا حبلت، ولم يعلم
لها زوج ولاسيد، ولا عرفنا إكراهها، لزمها الحد، إلا أن تكون غريبة طارئة، وتدعى أنه من زوج أو
سيد، قالوا: ولا تقبل دعواها الإكراه، إذا لم تقم بالاستغاثة عند الإكراه، قبل ظهور الحمل. وقال
الشافعى وأبو حنيفة وجماهير العلماء: لا حد عليها بمجرد الحبل، سواء كان لها زوج أو سيد، أم
لا، سواء الغريبة وغيرها، وسواء ادعت الإكراه أم سكتت، فلا حد عليها مطلقا، إلا ببينة أو
اعتراف، لأن الحدود تسقط بالشبهات. والحق مع الجمهور، فالحمل يحصل بوسائل كثيرة غير
الزنا، وبخاصة فى هذه الأزمنة التى تقدم فيها العلم. والله أعلم.
٨- ومن الرواية الرابعة إلى العاشرة قصة ماعز والغامدية من إعراض الرسول # عن ماعز التعريض
للمقر بالزنا، بأن يرجع، ويقبل رجوعه، وجاء عن مالك رواية: أنه لا أثر لرجوعه، وهو ضعيف.
٩- واحتج أبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وموافقوهم بإقرار ماعز أربع مرات، على أن الإقرار بالزنا
لا يثبت، ولا يرجم به المقر، حتى يقر أربع مرات، واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء، إقراره
أربع مرات، فى أربع مجالس، وقال مالك والشافعى وآخرون: يثبت الإقرار بالزنا بمرة واحدة،
ويرجم، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))
ولم يطلب إليه سماع أربعة إقرارات، وحديث الغامدية ليس فيه أربعة إقرارات، واستند الأولون
إلى القياس على عدد شهود الزنا، دون غيره من الحدود، ورده الجمهور بأنه لو كان هذا القياس
صحيحا لم يقتل القاتل بإقراره حتى يقرمرتين، لأنه لا يقبل فيه إلا شاهدان، مع أن الجميع
يتفقون على أنه يكفى فيه مرة واحدة.
والجمهور على أن إقرار ماعز المتعدد كان لزيادة التثبت من النبى 8 94.
١٠- ومن سؤال أهل ماعز عنه استحباب تثبت الإمام، والمبالغة فى هذا التثبت قدر الإمكان.
١١- وفى الحديث منقبة عظيمة لماعز بن مالك، لأنه استمر على طلب إقامة الحد عليه، مع توبته،
ليتم تطهيره، ولم يرجع عن إقراره، مع أن الطبع البشرى يقتضى ألا يستمر على الإقرار، بما
يقتضى إزهاق نفسه، فجاهد نفسه على ذلك، وغلب نفسه، وأقر من غير اضطرار إلى إقامة ذلك،
مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة، ولا يقال لعله لم يعلم أن الحد بعد أن يرفع إلى
الإمام يرتفع بالرجوع، لأنه فى الرواية التاسعة قد طلب منه الرجوع والاستغفار والتوبة.
٥٩٦

١٢- ويؤخذ من طلب الرجوع والتوبة والاستغفار أنه يستحب لمن وقع له مثل قضيته أن يتوب إلى
اللَّه تعالى، ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد.
١٣ - وأنه يستحب لمن اطلع على ذلك أن يستر عليه، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال صلى
اللَّه عليه وسلم فى هذه القضية ((لو سترته بثويك لكان خيرا لك)) وبهذا جزم الشافعى، فقال:
أحب لمن أصاب ذنبا، فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز، وقال
ابن العربى: هذا كله فى غير المجاهر، فأما إذا كان متظاهرا بالفاحشة، فإنى أحب مكاشفته،
والتبريح به، لينزجر هو وغيره، وقد استشكل استحباب الستر، مع ما وقع من الثناء على ماعز
والغامدية، وأجيب بأن الغامدية كان قد ظهر بها الحمل، مع كونها غير ذات زوج، فتعذر
الاستتار، ومن هنا قيد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هناك ما يشعر بضده، فإن وجد
فالرفع إلى الإمام، ليقيم عليه الحد أفضل.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن الستر مستحب، والرفع لقصد المبالغة فى التطهير أحب.
١٤ - وفيه مشروعية الإقرار بفعل الفاحشة، عند الإمام وفى المسجد، والتصريح فيه بما يستحى من
التلفظ به من أنواع الرفث فى القول، من أجل الحاجة الملجئة إلى ذلك.
١٥- ومن قوله ((أبك جنون))؟ أن إقرار المجنون لاغ، لا يعمل به، ولا يرجم المجنون، إن زنى فى حال
الجنون، وهو إجماع.
١٦ - ومن قوله ((أشرب خمرا)) أن إقرار السكران لاغ لا يعمل به، والذين اعتبروه قالوا: إن عقله زال
بمعصيته، وقد تكون قصة ماعز متقدمة على تحريم الخمر.
١٧- ومن قوله فى الرواية الخامسة ((لعلك)) أن الإمام يلقن الرجوع عن الإقرار بالزنا، ومحاولة التعلق
بشبهة ليدرأ عنه الحد، وأنه يقبل رجوعه، لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء، بخلاف حقوق
الآدميين وحقوق اللَّه المالية، كالزكاة والكفارة وغيرهما، فلا يجوز التلقين فيها، ولو رجع لم يقبل
رجوعه، وقد جاء التلقين للرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبى * وعن الخلفاء الراشدين، ومن
بعدهم، واتفق العلماء عليه.
١٨ - ومن قوله فى الرواية الرابعة ((فهل أحصنت))؟ أن الإمام يسأل عن شروط الرجم، من الإحصان
وغيره، سواء ثبت بالإقرار، أو بالبينة، ومؤاخذة الإنسان بإقراره.
١٩ - وفيه ترك سجن من اعترف بالزنا فى مدة الاستثبات، وفى الحامل حتى تضع وقيل: إن المدينة
لم يكن بها حينئذ سجن، وإنما كان يسلم كل جان لوليه، وقال ابن العربى: إنما لم يؤمر بسجنه
ولا التوكيل به، لأن رجوعه مقبول، فلا فائدة فى سجنه مع جواز الإعراض عنه إذا رجع.
٢٠- وفيه أن الإمام لا يشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقر، وإن كان ذلك مستحبا، لأن الإمام إذا بدأ مع
كونه مأمورا بالتثبت والاحتياط فيه، كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل فى الحكم، ولهذا
يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبيئة.
٥٩٧

٢١ - وفى تفويض أنيس وأمره للصحابة برجم ماعز، جواز تفويض الإمام إقامة الحد لغيره.
٢٢- ومن قوله فى الرواية الثامنة ((فما أوثقناه، ولا حفرنا له)) قال النووي: هكذا الحكم عند
الفقهاء فى الإيثاق، أما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء، قال مالك
وأبوحنيفة وأحمد فى المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما، وقال قتادة وأبو ثور وأبو
يوسف، وأبو حنيفة فى رواية: يحفر لهما، وقال بعض المالكية: يحفرلمن يرجم بالبيئة،
لا من يرجم بالإقرار، أما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل، سواء ثبت زناه بالبيئة أم
بالإقرار، وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا:
أحدها: يستحب الحفر لها إلى صدرها، ليكون أسترلها، والثانى: لا يستحب ولا يكره. بل هو إلى
خبرة الإمام. والثالث: وهو الأصح إن ثبت زناها بالبيئة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا،
ليمكنها الهرب إن رجعت.
فمن قال بالحفرلها احتج بأنه حفر للغامدية، ففى الرواية العاشرة ((ثم أمربها، فحفر
لها إلى صدرها)) وكذا لماعز فى الرواية العاشرة ((فلما كان الرابعة حفرله حفرة))
ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى فى ماعز ((أنه لم يحفرله)) أن المراد لم يحفر له حفرة
عظيمة عميقة، وإنما حفرله حفيرة، تمكن من تسلقها والهرب. وأما من قال: لا يحفر،
فاحتج برواية ((فما أوثقناه ولاحفرنا له)) قال النووى: وهذا المذهب ضعيف، لأنه منابذ
لحديث الغامدية، ولرواية الحفر لماعز، وأما من قال بالتخيير فظاهر، وأما من فرق بين
الرجل والمرأة، فيحمل رواية الحفر لماعز على أنه لبيان الجواز، وهذا تأويل ضعيف،
ومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين.اهـ روايتنا الثالثة عشرة.
٢٣ - ومن شم رائحة الخمر أخذ أصحاب مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد - حد الخمر-من وجد
منه ريح الخمر، وإن لم تقم عليه بينة بشربها، وإن لم يقر بالشرب، ومذهب الشافعى وأبى حنيفة
وغيرهما أنه لا يحد بمجرد ريحها، بل لابد من بينة على شرابه، أو إقراره، وليس فى هذا الحديث
دلالة لأصحاب مالك، فالسؤال هنا عن شربه الخمر، وشم رائحته، لا لإقامة حد الخمر بالرائحة،
ولكن لإيجاد شبهة فى إقراره بالزنا، ليدرأ عنه الحد.
٢٤ - وعن قوله فى الرواية الرابعة ((فرجمناه بالمصلى)) قال البخارى وغيره من العلماء: فيه دليل على
أن مصلى الجنائز والأعياد، إذا لم يكن قد وقف مسجدا، لا يثبت له حكم المسجد، إذ لوكان له
حكم المسجد لتجنب الرجم فيه، خشية تلطخة بالدماء والميتة. وذكر الدارمى - وهو من
الشافعية- أن المصلى الذى للعيد ولغيره - إذا لم يكن مسجدا - هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه
وجهان، أصحهما: ليس له حكم المسجد .
٢٥- وعن قوله ((فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة، فرجمناه)) قال النووي:
اختلف العلماء فى المحصن إذا أقر بالزنا، فشرعوا فى رجمه، ثم هرب، هل يترك؟ أم
٥٩٨

يتبع ليقام عليه الحد؟ فقال الشافعى وأحمد وغيرهما: يترك ولا يتبع، فإن رجع عن
الإقرار ترك، وإن أعاد الإقرار رجم، وقال مالك فى رواية وغيره: إنه يتبع ويرجم، واحتج
الشافعى وموافقوه بما جاء فى رواية أبى داود أن النبى # قال)) ألا تركتموه حتى أنظر
فى شأنه))؟ وفى رواية ((هلا تركتموه؟ فلعله يتوب، فيتوب الله عليه))؟ واحتج الآخرون
بأن النبى 18# لم يلزمهم ذنبه، مع أنهم قتلوه بعد هربه، وأجاب الشافعى وموافقوه عن
هذا بأنه لم يصرح بالرجوع، وقد ثبت إقراره، فلا يتركه حتى يصرح بالرجوع، قالوا:
وإنما قلنا: لا يتبع فى هربه، لعله يريد الرجوع، ولم نقل: إنه سقط الرجم بمجرد الهرب.
٢٦ - ويؤخذ من قوله ((فرميناه بالعظام والمدر والخزف)» دليل لما اتفق عليه العلماء أن
الرجم يحصل بالحجر أو المدر أو العظام أو الخزف أو الخشب وغير ذلك مما يحصل به
القتل، ولا تتعين الأحجار.
٢٧- ومن قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية التاسعة لماعز ((ارجع فاستغفر اللَّه، وتب إليه)» دليل
على سقوط المعاصى الكبائر بالتوبة، وهو بإجماع المسلمين، إلا ما جاء عن ابن عباس فى عدم
قبول توبة القاتل خاصة، قال النووى: فإن قيل: فما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة، وهى
محصلة لغرضهما، وهو سقوط الإثم؟ بل أصرا على الإقرار، واختارا الرجم؟ فالجواب أن تحصيل
البراءة بالحدود، وسقوط الإثم متيقن على كل حال، لاسيما وإقامة الحد بأمر النبى {#، وأما
التوبة فيخاف ألا تكون نصوحا، وأن يخل من شروطها، فتبقى المعصية وإثمها دائما عليه،
فأرادا حصول البراءة بطريق متيقن، دون ما يتطرق إليه احتمال.
٢٨ - ومن قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية التاسعة: ((استغفروا لماعز ... لقد تاب توبة لوقسمت
بين أمة لوسعتهم».
ومن لوم خالد على سبه الغامدية ومن قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية العاشرة والحادية
عشرة ((لقد تابت توبة .. إلخ)) دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التى حد لها، وقد جاء ذلك
صريحا فى حديث عبادة بن الصامت، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ((من فعل شيئا من ذلك،
فعوقب به فى الدنيا، فهو كفارة له)) قال النووى: ولا نعلم فى هذا خلافا. اهـ
أما قوله عن ماعز فى الرواية الثامنة ((فما استغفرله، ولاسبه)) فقد قال النووى: أما عدم السب
فلأن الحد كفارة له، مطهرة له من معصيته، وأما عدم الاستغفار - أى فى نفس وقت الرجم -
فلئلا يغتر عليه، فيقع فى الزنا اتكالا على استغفار رسول اللَّه ◌َ﴾.
٢٩ - ومن خطبة النبى 18 بعد رجم ماعز استحباب خطبة الإمام عند الأمور المهمة وتبصير المسلمين
بالأخطار، والاستفادة من ظروف الأحداث فى الترغيب والترهيب.
٣٠ - ومن قوله ((حتى تضعى ما فى بطنك)) فى الرواية التاسعة أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع، سواء
كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه، لئلا يقتل جنينها، قال النووي: وكذا لوكان حدها
الجلد وهى حامل، لم تجلد بالإجماع، حتى تضع.
٥٩٩

٣١ - وأن المرأة ترجم إذا زنت، وهى محصنة، كما يرجم الرجل، وهذا الحديث محمول على أنها
كانت محصنة، لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن.
٣٢- وأنه من وجب عليها قصاص وهى حامل لا يقتص منها، حتى تضع، وهذا مجمع عليه.
٣٣- ومن قوله فى الرواية التاسعة ((لا نرجمها وندع ولدها صغيرا، ليس له من يرضعه)) أن
الحامل الزانية لا ترجم، ولا يقتص منها بعد الوضع، حتى تسقى الولد اللبن، ويستغنى
عنها، ولو بلبن غيرها.
قال النووى: واعلم أن مذهب الشافعى وأحمد وإسحق والمشهور من مذهب مالك أنها لا ترجم،
حتى تجد من ترضعه، فإن لم تجد أرضعته، حتى تفطمه، ثم ترجم. وقال أبو حنيفة ومالك فى
رواية عنه: إذا وضعت رجمت، ولا ينتظر حصول مرضعة.
٣٤ - ومن قوله فى الرواية الحادية عشرة ((فشكت عليها ثيابها)) استحباب جمع أثوابها عليها عند
الرجم، وشدها بحيث لا تنكشف عورتها فى تقلبها وتكرار اضطرابها، قال النووى: واتفق العلماء
على أنه لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل، فالجمهور على أنه يرجم قائما، وقال مالك: قاعدا، وقال
غيره: يخير الإمام بينهما.
٣٥ - ومن قوله ((فأمر بها، فرجمت)) وقوله ((وأمر الناس فرجموها ((وفى حديث ماعز ((أمرنا أن
نرجمه («فيها كلها دلالة لمذهب الشافعى ومالك وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا
لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقا، وكذا الشهود إن
ثبت ببينة.
ويبدأ الإمام بالرجم، إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، وحجة الشافعى أن النبى
** لم يحضر أحدا ممن رجم.
٣٦ - ومن الرواية الحادية عشرة، من صلاة النبى # على الغامدية بعد رجمها قال النووي: وقد اختلف
العلماء فى الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك وأحمد للإمام ولأهل الفضل، دون باقى الناس،
ويصلى عليه غير الإمام وأهل الفضل، وقال الشافعى وآخرون: يصلى عليه الإمام وأهل الفضل
وغيرهم، والخلاف بين الشافعى ومالك إنما هو فى الإمام وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على
أنه يصلى، وبه قال جماهير العلماء، قالوا: فيصلى على الفساق والمقتولين فى الحدود والمحاربة
وغيرهم، وقال الزهرى: لا يصلى أحد على المرجوم وقاتل نفسه، وقال قتادة ((لا يصلى على ولد
الزنا)»، واحتج الجمهور بهذا الحديث.
وأجاب أصحاب مالك بجوابين: أحدهما: أنهم ضعفوا رواية الصلاة، لكون أكثر الرواة
لم يذكروها.
والثانى: تأولوها على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة، أو دعا، فسمى صلاة على المعنى
اللغوى، قال النووى: وهذان الجوابان فاسدان. أما الأول فإن هذه الزيادة ثابتة فى الصحيح،
٦٠٠