النص المفهرس
صفحات 541-560
«فَأَتِيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: حَتَّى ظَنِّنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. قَالَ
«أَيْسَ بِالْبِلْدَةِ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَغْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ
حَرَامٌ كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فَلْيُبلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» قَالَ: ثُمَّ
انْكَفّاً إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنٍ فَذَبَحَهُمَا وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ فَقَسَمَهَا بَيْنَا.
٣٨٥٧ - - عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ جَلَسَ النَّبِيِّ ◌ِ﴿
عَلَى بَعِيرٍ. قَالَ: وَرَجُلٌ آخِذٌ بِمَامِهِ (أَوْ قَالَ بِخِطَامِهِ) فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.
٣٨٥٨- ٣١. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﴾(٣١) قَالَ: خَطَبًَّا رَسُولُ اللَّهِ لَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ «أَيُّ يَوْمٍ
هَذَا؟» وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَذْكُرُ «وَأَغْرَاضَكُمْ» وَلا يَذْكُرُ ثُمْ
الْكَفَأْ إِلَى كَبْشَيْنٍ وَمَا بَعْدَهُ وَقَالَ: فِي الْحَدِيثِ «كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي
بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمٍ تَلْقَوْنٌ رَّبَّكُمْ أَلا هَلْ بَلِّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ «اللّهُمَّ اشْهَدْ».
المعنى العام
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ وَنَّحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعَلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وخلق آدم وحواء، وأنزلهما من الجنة إلى الأرض، وأنزل معهما إبليس عدوهما، وحذرهما منه، بل
حذر ذريتهما منه، فقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أُخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِن الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا
لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمًا﴾ [الأعراف: ٢٧] وكان سفك الدماء البشرية على هذه الأرض نتيجة مهمة
من نتائج كفاح إبليس مع ابن آدم، فهو أكبر إفساد فى الأرض، وقد بدأ فى حياة آدم عليه السلام،
ومع ولدين من أولاده، قابيل وهابيل، ووضحت مسالك البشر فى دنياهم من مناظرتهما ومجادلتهما،
بشر يحترمون الآدميين، ويخافون اللَّه، ويجتنبون الآثام، ليبتعدوا عن نار يوم القيامة، وبشر لا
يخافون اللَّه، ولا يحترمون الآدميين، ويستهينون بالقتل، وإراقة الدماء، ويذكرنا الله بعد حين من
الدهر بمناقشتهم وجدالهم، فيقول ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأُ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقّ إِذْ قَرََّا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا
وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَّبِّلُ اللَّهُ مِن الْمُتَّقِين ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِلَّقْتُلَنِي مَا
- حَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّقْنَا حَمَّدُ بْنُ مَسْعَدَةً عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةً
(٣١) حَدَّقْنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ بْنِ مَيْمُونِ حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ خَدَّقَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي بَكْرَةَ وَعَنِ رَجُلٍ آخَرَ هُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةً وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَفَّرِو بْنِ جَبْلَةً وَأَحْمَدٌ بْنَّ
خِرَاشٍِ فَالا حَدََّنَا أَبَّوْ عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّقَا قُرَّةُ بِإِسْنَادٍ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ (وَسَمَّى الرَّجُلَ خُمَيْدَ بْنّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)
عَنْ أَبِّ بَكْرَةً
٥٤١
أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِنْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ
مِن أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيَهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِن الْخَاسِرِينَ ﴾
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الأَرْضِ لِيُرِيَّهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةً أَخِهِ قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَرْتُ أَن أَكُونَ مِثْلَ
هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِى سَوْءَّةً أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴿ مِنِ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ
قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَّفْسِ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَميعا﴾ [المائدة: ٢٧ ومابعدها] ومن
أجل ذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه نصيب من ذنب كل من يقتل مسلما، فهو الذى سن القتل
وابتدعه فى بنى آدم ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
وجاءت الشرائع السماوية كلها، شريعة بعد شريعة، تعظم إراقة دماء البشر، وتحذر من اعتداء
الإنسان على أخيه الإنسان، وتغلظ حرمة الدماء والأموال والأعراض، وكم حذر رسول الإسلام محمد
*، وكم أنذر، فقال: إن أول خصمين يوم القيامة، يقفان فى ساحة القضاء، بين يدى أحكم
الحاكمين، قاتل ومقتول، قاتل يقف مكتوف اليدين مغلولهما، مقيد الرجلين، فى سلسلة ذرعها
سبعون ذراعا، مطرق الرأس ذليلا، ومقتول يحمل بين يديه رأسه، يسيل الدم ويتدفق من عروقه
وأوداجه، يقول المقتول رب: سل هذا القاتل. فيم قتلنى؟ منظر رهيب، وقضاء عادل، يوم يقتص للشأة
من شاة كانت نطحتها فى الدنيا.
كم حذر صلى اللّه عليه وسلم من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وكم حذر القرآن الكريم،
حتى كانت الوصية الأخيرة التى قدمها رسول اللّه لأمته، فى حجة الوداع، فكان فيها: أيها الناس.
إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، يوم النحر، فى شهركم هذا الذى حرمه
اللَّه، فى بلدكم هذه التى حرمها ربكم. هذا بلاغى عن ربى لكم، فبلغوه لمن وراءكم. ألا هل بلغت. اللَّهم
فاشهد أننى قد بلغت. فسلام اللَّه عليك يا رسول اللَّه نشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة،
ونصحت الأمة وكشفت الغمة، وعبدت ربك حتى أتاك اليقين.
فصلى الله وسلم وبارك عليك وعلى آلك وأصحابك ومن اتبع هداك إلى يوم الدين.
المباحث العربية
(لايحل دم امرئ مسلم) وفى الرواية الثانية ((لايحل دم رجل مسلم)) والمراد لا يحل إراقة دم
امرئ مسلم أى إراقة دمه كله، وهو كناية عن قتله.
(يشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول اللّه) هذه صفة ثانية، ذكرت لبيان أن المراد بالمسلم
هو الآتى بالشهادتين أو حال مقيدة للموصوف، إشعاراً بأن الشهادة هى العمدة فى حقن الدماء،
ويشهد له قوله { لأسامة ((كيف تصنع بلا إله إلا الله))؟ فهى صفة مفسرة لقوله ((مسلم)) وليست قيدا
فيه، إذ لا يكون مسلما إلا بذلك.
(إلا بإحدى ثلاث) استثناء من عموم الأحوال، أى لا يحل دم امرئ مسلم فى حال من الأحوال
٥٤٢
إلا فى حالة من أحوال ثلاث أو من عموم العلل والأسباب، أى لا يحل دم امرئ مسلم لسبب من
الأسباب ولخصلة من الخصال إلا بخصلة من ثلاث وفى الرواية الثانية ((إلا ثلاثة نفر)) أى لا يحل دم
أى رجل من المسلمين إلا ثلاثة رجال.
(النفس بالنفس) ذكرت أولا فى رواية البخارى، وذكرت ثانيا فى روايتنا الأولى، وثالثا فى
روايتنا الثانية.
والمراد به القصاص بشروطه، أى يحل دم النفس القاتلة عمدا بغير حق بسبب قتلها النفس
الأخرى وفى رواية للبزار («من قتل نفسا ظلما)».
(الثيب الزان) قال النووى: هكذا هو فى النسخ ((الزان)) من غير ياء بعد النون، وهى لغة
صحيحة قرئ بها فى السبع، كما فى قوله تعالى ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] والأشهر فى اللغة
إثبات الياء.
والمراد رجمه بالحجارة حتى يموت، أى فيحل قتله، وعند النسائى ((ورجل زنى بعد إحصان))
(والتارك لدينه، المفارق للجماعة) وفى الرواية الثانية ((التارك الإسلام)) بنصب ((الإسلام))
مفعول ((التارك)) ((والمفارق الجماعة)) بلام الجر، أو ((المفارق الجماعة)) بنصب ((الجماعة)) مفعول
((المفارق)) والواوفى الرواية الثانية الداخلة على ((المفارق)) واو تفسيرية، فالمراد من المفارق
للجماعة التارك لدينه، وإلا لصارت الخصال أربعا، والمراد بالجماعة جماعة المسلمين.
(إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل) يشير بذلك
إلى القصة التى قصها القرآن عن ابنى آدم، إذ قتل أحدهما أخاه، واختلف فى القاتل، قال الحافظ
ابن حجر: والمشهور قابيل والمقتول هابيل، وقيل غير ذلك، وقيل فى سبب القتل أن آدم كان يزوج
ذكر كل بطن من ولده، بأنثى البطن الآخر، وأن أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل، فأراد
قابيل أن يستأثر بأخته، فمنعه آدم، فلما ألح عليه أمرهما أن يقربا قربانا، فقرب قابيل حزمة من
زرع، وكان صاحب زرع، وقرب هابيل بقرة سمينة، وكان صاحب ضرع، فنزلت نار، فأكلت قريان
هابيل، دون قابيل. هذا هو المشهور.
والكفل بكسر الكاف الجزء والنصيب، وقال الخليل: هو الضعف، والمناسب هنا الأول، والمراد من
((سن)) بفتح السين وتشديد النون، ابتدع، فالسنة لغة الطريقة المبتدعة، غير المسبوقة.
(أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء) ((فى الدماء)) متعلق بمحذوف، أى
يقضى فى الدماء التى وقعت بين الناس فى الدنيا، أى أول القضايا التى تعرض يوم القيامة قضايا
الدماء، وفى ملحق الرواية (أول ما يحكم بين الناس فى الدماء)) زاد فى رواية ((ويأتى كل قتيل، قد
حمل رأسه، فيقول: يارب سل هذا. فيم قتلنى))؟ وفى رواية ((يأتى المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه،
ملببا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دما، حتى يقف بين يدى اللَّه)) ولا يعارض هذا حديث ((أول
٥٤٣
ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة)) إذ الأولية فى كل منهما مقيدة، فهناك الأولية بالنسبة
لمعاملات الخلق، والأولية بالنسبة لمعاملة الخالق.
(إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا
عشر شهرا) المراد بالزمان السنة، ولفظ الزمان فى الأصل يطلق على القليل والكثير من
الوقت، والمراد باستدارته إلى الوضع الذى كان عليه يوم خلق السموات والأرض وقوع
تاسع ذى الحجة فى شهر مارس، وهو آذار، وهو برمهات بالقبطية، وفيه يستوى الليل
والنهار، عند حلول الشمس برج الحمل. وفى رواية عند ابن مردويه ((إن الزمان قد استدار،
فهو اليوم، كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)» والكاف فى ((كهيئته)) صفة لمصدر
محذوف، تقديره: استدارة مشبهة وضعه يوم خلق الله السموات والأرض.
قال النووى: قال العلماء: معناه أنهم فى الجاهلية كانوا يتمسكون بملة إبراهيم عليه السلام فى
تحريم الأشهر الحرم، وكان يشق عليهم منع القتال ثلاثة أشهر متواليات، فكانوا إذا احتاجوا إلى
قتال، أخروا تحريم المحرم إلى الشهر الذى بعده، فيغيرون الأسماء، يسمون المحرم صفرا، وصفر
المحرم، ثم يؤخرونه فى السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون فى سنة بعد سنة، حتى اختلط
عليهم الأمر، وصادفت حجة النبى 18 رجوع المحرم إلى موضعه.اهـ
فكان نتيجة ذلك أن تغيرت الأشهر الحرم عن مكانها الحقيقى، حتى كادت تصبح أربعة مطلقة
من السنة والمراد من ((السنة)) فى الحديث السنة الهجرية، أى العربية الهلالية اثنا عشر شهرا. قال
اللَّه تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أى فى اللوح المحفوظ ﴿يَوْمَ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالَأَرْضَ﴾ [التوبة: ٣٦] أى فى ابتداء إيجاد العالم.
والشهر العربى القمرى يرتبط برؤية الهلال شرعا بالشرط المعروف فى الفقه، وحقيقة يرتبط
باجتماع القمر مع الشمس فى نقطة، وعوده بعد المفارقة إليها، ولا دخل للخروج من تحت الشعاع، إلا
فى إمكان الرؤية، بحسب العادة الشائعة، ومدة ما ذكر (الإس ٢٩) تسعة وعشرون يوما، ومائة وواحد
وتسعون جزءا من ثلاثمائة وستين جزءا لليوم بليلته، وتكون السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين
يوما، وخمس يوم وسدسه وثانية، وذلك أحد عشر جزءا من ثلاثين جزءا من اليوم بليلته (٣١ ٣٥٤
يوما) وكانوا إذا اجتمع من هذه الأجزاء أكثر من نصف عدده حسبوه يوما كاملا، وزادوه فى الأيام،
وتكون تلك السنة حينئذ كبيسة،، وتكون أيامها (٣٥٥) ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوماً.
ولما كان مدار الشهر الشرعى على الرؤية اختلفت الأشهر، فكان بعضها ثلاثين يوما، وبعضها
تسعة وعشرين يوماً، ولا يتعين شهر للكمال، وشهر للنقصان، بل قد يكون الشهر ثلاثين يوما فى بعض
السنين وتسعة وعشرين يوما فى بعض آخر منها، أما ما فى الصحيحين، من قوله{ («شهرا عيد لا
ينقصان. رمضان وذو الحجة)) فمحمول على معنى لا ينقص أجرهما وثوابهما، وقيل: معناه لا
ينقصان جميعا فى سنة واحدة غالبا.
٥٤٤
(منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم ورجب شهر
مضر، الذى بين جمادى وشعبان) كان العرب قبل الإسلام يؤرخون بالحوادث الكبيرة، فيقال:
عام الفيل، وعام موت هشام بن المغيرة، ونحو ذلك ولما هاجر النبى # اتخذ كثير من المسلمين
هجرته مبدأ لتاريخهم، وكانت فى ربيع الأول وتناسوا ما قبله، وسموا السنوات بأسماء الحوادث
الكبرى، كعام الحديبية، وعام الفتح، وعام العسرة، وظل الأمر على هذا المنوال إلى خلافة عمر تظله
حيث روى أنه - رضى الله عنه - رفع إليه صك مؤرخ بشعبان، فقال: أى شعبان هو؟ وجمع أهل
الرأى، وطلب منهم أن يضعوا للناس تاريخا، يتعاملون عليه، ويضبط أوقاتهم، حيث اتسعت بلادهم،
وكثرت أموالهم ومعاملاتهم، فذكروا له تاريخ اليهود، فما ارتضاه، وذكروا له تاريخ الفرس، فما ارتضاه،
فاستحسنوا تاريخ الهجرة، وجعلوا أول شهورها المحرم، فأصبحت الأشهر الحرم الثلاثة المتوالية
(القعدة والحجة والمحرم) من سنتين، وكانت قبل من سنة واحدة.
وإنما أضيف ((رجب)) إلى مضر، لأنهم كانوا متمسكين بحرمته وتعظيمه، بخلاف غيرهم الذين
نقلوه إلى شعبان ونقلوا شعبان مكانه، فسموا شعبان رجبا، وسموا رجبا بشعبان، فوصف بكونه بين
جمادى وشعبان فى الحديث تأكيدا لمكانه بين الشهور، و((ذو القعدة)) بفتح القاف، و((ذو الحجة))
بكسر الحاء فى اللغة المشهورة، ويجوز فى لغة قليلة كسر القاف وفتح الحاء.
(أى شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم) إلخ. قال النووى: هذا السؤال والسكوت والتفسير،
أراد به التفخيم والتقرير والتنبيه على عظم مرتبة هذا الشهر والبلد واليوم، ليبنى على هذا التعظيم
والتفخيم تعظيم شأن المشبه، وهو الدماء والأموال والأعراض، وقولهم: ))اللَّه ورسوله أعلم)) فوضوا علم
الشهر والبلد واليوم إلى الرسول #، مع أنهم يعلمونها حق العلم، لأنهم فهموا أنه { لا يخفى عليه
أنهم يعرفون الجواب، ففهموا أنه ليس المراد الإخبار بالأسماء، وأن المراد من السؤال شىء آخر،
ففوضوا العلم به.
(أليس البلدة؟) ((ال)) فيها للكمال، أى البلدة الجامعة للخير، المستحقة لجمع
فضائل هذا الاسم.
(فلا ترجعن بعدى كفارا - أوضلالا - يضرب بعضكم رقاب بعض) («ترجعن)) بضم
العين، ونون التوكيد، وفى ملحق الرواية ((فلا ترجعوا)) ومعنى ((بعدى)) بعد فراقى من موقفى هذا، أى
بعد الآن، أو من ورائى وخلفى، أى لا تخلفونى فى أنفسكم بغير الذى أمرتكم به، أو بعد مماتى، ويكون
النبى ، قد تحقق أن هذا لا يكون فى حياته، فنهاهم عنه بعد مماته، وفى لفظ للبخارى ((لا ترتدوا)).
و((يضرب)) روى بالجزم، وروى بالرفع، وضرب الرقاب كناية عن القتل، فالمعنى لا يقاتل فيقتل
بعضكم بعضا، وقال الخطابى: المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا
لبسه، وقيل: معناه لا يكفر بعضكم بعضا، فتستحلوا قتال بعض.
٥٤٥
(ألا ليبلغ الشاهد الغائب) المراد من ((الشاهد)) الحاضر السامع.
13
(لما كان ذلك اليوم) أى يوم حجة الوداع، وفى منى.
(قعد على بعيره) الضمير للرسول وَ*، وإن لم يسبق له ذكر، للعلم به، كقوله تعالى ﴿حَتّى
تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
(وأخذ إنسان بخطامه) أى خطام البعير، وهو بكسر الخاء الزمام، وهو الحبل الذى يوضع
على أنف البعير ليقاد به. والقصد هنا من إمساكه والأخذ به، منعه من الحركة والاضطراب.
(ثم انكفأ إلى كبشين أملحين) ((انكفأ)) بهمز فى آخره، أى انقلب، والأملح هو الذى فيه
بياض وسواد، والبياض أكثر.
(وإلى جزيعة من الغنم، فقسمها بيننا) ((الجزيعة)) بضم الجيم وفتح الزاى، ورواه بعضهم
بفتح الجيم وكسر الزاى، وكلاهما صحيح، والأول هو المشهور، وهى القطعة من الغنم، وأصلها القليل
من الشىء وكأنه قسم مجموعة قليلة من الشياه على أصحابه الذين لا يملكون ذبائح، ليذبحوها.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- تغليظ حرمة الدماء، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة، المترتبة عليه، وتفويت المصلحة الناتج
عنه، وإراقة دم الإنسان غاية فى ذلك.
٢- وفى قوله ((الثيب الزانى)) دليل على قتل الزانى المحصن بالرجم، قال النووي: وهذا
بإجماع المسلمين .
٣- وبقوله ((النفس بالنفس)) استدل أصحاب أبى حنيفة على قتل المسلم بالذمى، والحر بالعبد،
وجمهور العلماء - مالك والشافعى والليث وأحمد- على خلافه.
٤ - استدل بقوله ((التارك لدينه)) على أن الردة عن الإسلام سبب لإباحة دم المسلم، وهو محل إجماع
فى الرجل، أما فى المرأة ففيها خلاف.
٥- استدل بهذا الحديث الجمهور على أن المرأة فى الردة حكمها حكم الرجل، لاستواء حكمهما فى
الزنا، وتعقب بأنها دلالة اقتران، وهى ضعيفة.
٦- استدل بقوله ((المفارق للجماعة)) على إباحة دم المخالف والخارج على الإجماع، فيكون متمسكا
لمن يقول: مخالف الإجماع كافر، قال ابن دقيق العيد: وقد نسب ذلك إلى بعض الناس. قال:
وليس ذلك بالهين، فإن المسائل الإجماعية، تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع،
٥٤٦
كوجوب الصلاة مثلا، وتارة لا يصحبها التواتر، فالأول يكفر جاحده، لمخالفة التواتر، لا لمخالفة
الإجماع، والثانى لا يكفربه، قال فى شرح الترمذى: الصحيح فى تكفير منكر الإجماع، تقييده
بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة، كالصلوات الخمس.
٧- واستدل به على إباحة دم كل خارج عن الجماعة ببدعة، كالروافض والخوارج وغيرهم قاله النووى.
قال الحافظ ابن حجر: والقول فى القدرية وسائر المبتدعة مفرع على القول بتكفيرهم.
٨- قال بعضهم: إن حصر ما يباح دمهم فى هذه الثلاثة من قبيل العام المخصوص، فهناك غيرهم
ممن يباح دمهم، كالصائل، فإنه يباح دمه فى الدفع، وقد يجاب عن هذا بأنه داخل فى المفارق
للجماعة، أو يكون المراد: لا يحل تعمد قتله، بمعنى أنه لا يحل قتله إلا مدافعة، بخلاف الثلاثة.
وكالبغاة: لقوله تعالى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] وقد يجاب بأن الآية تبيح القتال،
وليس القتل، بدليل أنه لواستسلم لم يقتل.
وكالزنديق: وقد يجاب بأن قتله استصحاب لكفره، فإن تاب لم يقتل.
وكمانعى الزكاة: وقد يجاب بأنها تؤخذ منه قهرا، فإن نصب القتال قوتل، وليس بقتل.
وكتارك الصلاة: عند من لا يكفره، وقد اختلف فيه، فذهب أحمد وإسحق وبعض المالكية، ومن
الشافعية ابن خزيمة وغيره إلى أنه يكفر بذلك، ولولم يجحد وجوبها، وذهب الجمهور إلى أنه
يقتل حدا، وذهب الحنفية ووافقهم المزنى إلى أنه لايكفر، ولا يقتل.
٩- وفى الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه، ولو انتقل عنه، لاستثنائه المرتد من المسلمين،
وهو باعتبار ما كان.
١٠- ومن الرواية الثالثة أن كل من ابتدع شيئا من الشركان عليه مثل وزر كل من اقتدى به فى ذلك
العمل، إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئا من الخير، كان له مثل أجركل من يعمل به إلى
يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح ((من سن سنة حسنة ... ومن سن سنة سيئة ... ))
وللحديث الصحيح ((من دل على خير، فله مثل أجر فاعله)).
١١- ومن الرواية الخامسة وما بعدها أن الأشهر الحرم أربعة، وقد أجمع على ذلك المسلمون، ولكن
اختلفوا فى الأدب المستحب فى كيفية عدها فقالت طائفة من أهل الكوفة وأهل الأدب: يقال:
المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، ليكون الأربعة من سنة واحدة، وقال علماء المدينة والبصرة
وجماهير العلماء: هى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد. قال النووي:
وهذا هو الصحيح الذى جاءت به الأحاديث الصحيحة.
١٢- ومن قول الصحابة ((اللَّه ورسوله أعلم)) أدب الصحابة، ودقة فهمهم، وحسن جوابهم.
١٣- ومن قوله ((ليبلغ الشاهد الغائب)) وجوب تبليغ العلم، وهو فرض كفاية، وقد يتعين فى
حق بعض الناس.
٥٤٧
١٤ - ومن قوله ((فلعل بعض من يبلغه، يكون أوعى له من بعض من سمعه» جواز رواية الفضلاء
وغيرهم، من الشيوخ الذين لا علم لهم ولافقه، إذا ضبط ما يحدث به.
١٥- قال المهلب: فيه أنه يأتى فى آخر الزمان من يكون له من الفهم فى العلم، ما ليس لمن تقدمه،
إلا أن ذلك يكون فى الأقل.
١٦ - وفيه دلالة على جواز تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدث به، ويجوز
وصفه بأنه من أهل العلم.
١٧ - ومن خطبة الرسول # على بعيره استحباب الخطبة على موضع عال، من منبر وغيره، سواء
خطبة الجمعة والعيدين وغيرهما، وحكمته أنه كلما ارتفع كان أبلغ فى إسماعه الناس، ورؤيتهم
إياه، ووقوع كلامه فى نفوسهم.
١٨- ومن قوله ((أليس البلدة)»؟ أن المطلق قد يحمل على الكامل، فهو اسم خاص بمكة، وهى المرادة
بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١].
١٩- ومن قوله ((أى شهر هذا)) إلخ تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ما يمكن من تكراره ونحوه.
٢٠- وفيه مشروعية ضرب المثل، وإلحاق النظير بالنظير، ليكون أوضح للسامع. وإنما شبه حرمة الدم
والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد، لأن المخاطبين بذلك كانوا يعظمون هذه الأشياء، ولا
يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، فقدم السؤال عنها تذكيراً لحرمتها،
وتقريراً لما ثبت فى نفوسهم، ليبنى عليه ما أراد تقريره على سبيل التأكيد.
والله أعلم
٥٤٨
(٤٤٦) باب صحة الإقرار بالقتل
٣٨٥٩- ٣٣ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ (٣٢) عَن أَبِيهِ ﴿ه قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النّبِيِّ ﴿ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ
يَقُودُ آخَرَ بِيِسْعَةٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا قْتَلَ أَخِيٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِمَِّ«أَقْتَلْتَهُ؟» (فَقَالَ
إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ) قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتَهُ. قَالَ «كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟» قَالَ: كُنْتُ أَنّا وَهُوَ
نَخْتَبِطُ مِن شَجَرَةٍ فَسَيَِّي فَأَغْضَيَتِي فَضَرَيْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْئِهِ فَقَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ الَّبِيُّلَتِ «هَلْ
لَكَ مِن شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَن نَفْسِكَ؟» قَالَ مَا لِي مَالٌ إِلَّ كِسَائِي وَفَأْسِي. قَالَ «فَتَرَى قَوْمَكَ
يَشْتَرُونَكَ؟» قَالَ: أَنَّا أَهْوَهُ عَلَى قَوْمِي مِن ذَاكَ فَرَمَى إِلَيْهِ بِيِسْعَتِهِ وَقَالَ «دُونَكَ صَّاحِبَكَ»
فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ» فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ إِنَّهُ بَلَغَيِي أَنْكَ قُلْتَ «إِن قَتْلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ» وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ «أَمَا تُرِيدُ
أَنْ يَبُوءَ بِلْمِكَ وَإِلْمٍ صَاحِبِكَ؟» قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ (لَعَلَّهُ قَالَ) بَلَى. قَالَ «فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ» قَالَ:
فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
٣٨٦٠- ٣ عَن عَلْقَمَةَ بْنٍ وَائِلٍ(٣٣) عَن أَبِيهِ عَّهِ قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َّ بِرَجُلٍ فَلَ رَجُلا
فَأَقَادّ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مِنْهُ فَانْطَلْقَ بِهِ وَفِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ يَجُرُّهَا. فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَّ
«الْقَائِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَأَتَى رَجُلُ الرَّجُلَ فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِوَ فَخَلَّى عَنْهُ. قَالَ
إِسْمَعِيلُ بْنُ سَالِمٍ فَذَكْرْتُ ذَلِكَ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ. فَقَالَ: حَدَّتِي ابْنُ أَشْوَعَ «أَنَّ النّبِيِّ ◌ِلُ
إِنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ فَأَتِى».
المعنى العام
سبق فى حديث اليهودى الذى قتل الجارية بالحجارة أنه أخذ بإقراره واعترافه، واقتص منه
بالطريقة نفسها التى قتل بها الجارية، فالإقرار سيد الأدلة، كما يقولون، وكان يكفى لصحة الإقرار
بالقتل العمد، وللعمل بهذا الإقرار الحديث المشار إليه سابقا، وما هو معلوم فى نفوس الصحابة، كما
كان من المناسب أن يوضع هذا الحديث وذاك تحت باب واحد، من حيث دلالة كل منهما على
صحة الإقرار بالقتل.
لكن ذاك الحديث استدل به على القصاص بالحجر ونحوه.
(٣٢) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَادٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدَّهُ أَنْ
أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ:
(٣٣) وحَدِّْي مُحَمَّدُ بْنُ حَاِمٍ حَدََّا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانْ حَدََّنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا إِسْمَعِلُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَلْقَمَةٌ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِهِ
٥٤٩
وهذا الحديث يبرز أن القتل أو الضرب بما يقتل غالبا كالفأس هو من القتل العمد، وإن لم يقصد
الضارب القتل، وإن كان مثارا أو مغضبا، فهذا الرجل لايملك إلا ثوبه وفأسه، خرج يجمع بعض
الحشائش وعلف المواشى، ليبيعها، ويعيش من ثمنها، فشاء القدر أن يجعل له منافسا على هذا الرزق
الضيق، وأن يتسابق هو وآخر فى جمع أوراق شجرة، واحتك أحدهما بالآخر، فكان السباب وكان
التصارع، وأسرع أحدهما إلى فأسه فضرب الآخر على رأسه، فكان قدره، ولم يهرب القاتل من هول
الموقف، فليس القتل حرفته، ولم يظن أن الضربة قاتلة، وتجمع الناس حوله، ومعهم أخو القتيل،
وكان الإسلام قد هذب نفوس البدو، وأقنعهم بضبط النفس، وكظم الغيظ، ورفع الأمر للقضاء، فلم تمتد
يد الأخ إلى القاتل، ولم يمسسه أحد بسوء، ولكنهم ربطوه من عنقه بحبل، واقتادوه إلى رسول اللَّه ◌ُ﴿.
وقال أخو المقتول: يا رسول اللَّه؛ هذا قتل أخى. وسأله رسول اللَّه ◌ُ ﴿ أقتلته؟ قال: نعم قتلته. قال
له: لم وكيف قتلته؟ قال: كنا نجمع سويا أوراق شجرة لبيعها، فتزاحمنا، فدفعنى ودفعته، فسبنى
سبا جارحاً، فضربته بفأس على رأسه، فكانت القاضية، فقال له رسول اللّه *: هل تملك دية
القتيل؟ قال: لا أملك إلا ثوبى وفأسى. قال: هل يدفع أهلك دية القتيل؟ قال: لا يملكون دية، ولا
يهمهم أمرى. قال: لأخ القتيل؟ هل تعفو ولك الأجر من الله؟ قال: لا. قال: خذه فاقتص منه، فأخذه
الرجل ومضى، وسمع أحد الحاضرين رسول اللّه# يقول: إن قتله فقد صار مثله، لا فضل لأحدهما
على الآخر، فجرى إليه، وبلغه مقالة رسول اللّه®، فرجع به، فقال: يا رسول اللَّه ألست أذنت لى
بقتله؟ قال: نعم، ولكنك لو عفوت عنه كان لك أجرك وأجر أخيك. فعفا عنه وأطلقه.
المباحث العربية
(إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة) النسعة بكسر النون، وسكون السين، وفتح العين ضفيرة من
جلود، أى حبل مضفور من جلود، والنسع بكسر النون سير طويل عريض، تشد به الحقائب أو الرحال،
وكان ولى المقتول قد ربط القاتل بسير طويل عريض من الجلد فى رقبته، وأمسك بطرف النسعة،
يقوده بها إلى رسول اللّه ◌ِ﴾.
(أقتلته؟) استفهام حقيقى من رسول اللَّه®، موجه إلى القاتل.
(فقال: إنه لولم يعترف أقمت عليه البيئة) أى فقال أخو المقتول-حين رأى القاتل وقد
تلكأ فى الجواب - إنه لولم يقر ويعترف جئت بالشهود.
(قال: نعم قتلته) أى اعترف القاتل، ولم يكتف بنعم، بل أكد الجواب بالتصريح
بمضمون ((نعم)».
(كيف قتلته)؟ استفهام عن كيفية القتل، للتأكد من استعمال القتل فى معناه الحقيقى، ومن
كونه عمداً، أو خطأ.
٥٥٠
(كنت أنا وهو نختبط من شجرة) أى نجمع الخبط، بفتح الخاء والباء، وهو ورق الشجر
الساقط بسب الخبط - بسكون الباء - يقال: خبط الشجرة بالمخبط، أى ضربها به، ليسقط ورقها، وفى
رواية «كنت أنا وهو نحتطب من شجرة)»، بالنون المفتوحة والحاء الساكنة، بعدها تاء ثم طاء، أى
نجمع الحطب، والحطب كل ما جف من زرع وشجر، توقد به النار، وفى حديث عمر ((ولقد رأيتنى
بهذا الحبل أحتطب مرة وأختبط أخرى)) أى فكان الرجلان يضربان شجرة، بالعصا ونحوها ليسقط
الورق فيجمعانه علفا ».
(فضربته بالفأس على قرنه) قرن الإنسان جانب رأسه، مكان القرن من الحيوان ذى القرن.
(هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟) كدية للقتيل، تفدى به نفسك من القصاص؟
(فترى قومك يشترونك) أى يدفعون دية القتيل ، كمقابل لحياتك؟
(فرمى إليه بنسعته) كأن رسول اللَّه كان ممسكا بالحبل المربوط به الرجل، أو كان الحبل
قريباً منه، فألقى بالحبل إلى ولى المقتول، يمكنه منه.
وفى الرواية الثانية ((فأقاد ولى المقتول منه)) أى مكنه من القود والقصاص ((فانطلق به، وفى
عنقه نسعة يجرها)» كان هذا بعد أن طلب الرسول 83 من ولى المقتول أن يعفو عن القاتل، فأبى كما
جاء فى ملحق الرواية الثانية.
(وقال: دونك صاحبك) ((دون)) هنا اسم فعل، بمعنى خذ، وصلت بكاف الخطاب،
و«صاحبك)» مفعول به.
(إن قتله فهو مثله) قال النووى: الصحيح فى تأويله أنه مثله، فى أنه لا فضل ولا منة لأحدهما
على الآخر، لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لوعفا عنه، فإنه يكون له الفضل والمنة وجزيل ثواب
الآخرة، وجميل الثناء فى الدنيا، وقيل: فهو مثله فى أنه قاتل، وإن اختلفا فى التحريم والإباحة، ومثله
فى أنهما استويا فى إطاعتهما الغضب، ومتابعة الهوى، لا سيما وقد طلب النبى 108 منه العفو.
(أما تريد أن يبوء بإثمك، وإثم صاحبك؟) قيل: معناه يتحمل إثم المقتول،
بإتلافه نفسه، وإثم الولى، لكونه فجعه فى أخيه؟ قال النووى: ويكون قد أوحى إليه وم
بذلك فى هذا الرجل خاصة، ويحتمل أن معناه: يكون عفوك عنه سببا لسقوط إثمك وإثم
أخيك المقتول، والمراد إثمهما السابق، بمعاص لهما متقدمة، لا تعلق لها بهذا القاتل،
فيكون معنى ((يبوء)) يسقط، وأطلق هذا اللفظ عليه مجازاً.
(قال: بلى. قال: فإن ذاك كذاك) أى قال: ولى المقتول: بلى. أريد أن يبوء بإثمى وإثم أخى.
قال : فإن ذلك العفو المطلوب يشبه أن يبوء بإثمك وإثم أخيك.
(القاتل والمقتول فى النار) عبارة قيلت فى المتقاتلين، إذا التقى المسلمان بسيفيهما فى
٥٥١
المقاتلة المحرمة، وإنما ذكرت هنا للتعريض والتخويف، وليس المراد بهذه العبارة ولى المقتول إذا
اقتص من القاتل، لأنه إنما أخذه ليقتله، بأمر النبى 8*، وسيأتى فى فقه الحديث توضيحه ونظائره.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- أن الإقرار بالقتل مقبول، ويعمل به، بل الحكم بالإقرار حكم يقينى، والحكم بالبيئة ظنى.
قاله النووى.
٢ - جواز سؤال المدعى عليه، قبل مطالبة المدعى بالبيئة، فلعل المدعى عليه يقر، فيستغنى المدعى
والقاضى عن التعب فى إحضار الشهود وتعديلهم.
٣- الإغلاظ على الجناة، وربطهم، واقتيادهم، وإحضارهم إلى ولى الأمر. إذا أقر الرسول و8 * ربط القاتل،
وسلم حبله لولى القتيل.
٤- وفيه سؤال الحاكم وغيره، ولى الدم العفو عن الجانى.
٥- وجواز العفو بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم.
٦- وجواز أخذ الدية فى قتل العمد، لقوله {₪ فى تمام الحديث ((هل لك من شيء تؤديه عن نفسك)»؟
وأن ولى المقتول بخير النظرين: إما أن يقتص، وإما أن يأخذ الدية.
٧- قال بعض العلماء: فيه أنه يستحب للمفتى-إذا رأى مصلحة فى التعريض للمستفتى-
أن يعرض تعريضا يحصل به المقصود، مع أنه صادق فيه، قالوا: ومثاله أن يسأله
إنسان عن القاتل، هل له توبة؟ ويظهر للمفتى- بقرينة - أنه إن أفتى بأن له توبة،
ترتب عليه مفسدة، كأن يستهون القتل، لكونه يجد منه بعد ذلك مخرجا بالتوبة، فيقول
المفتى فى هذه الحالة: صح عن ابن عباس أنه قال: لا توبة لقاتل. فهو صادق فى أنه
صح عن ابن عباس ،وإن كان المفتى لا يعتقد ذلك، ولا يوافق ابن عباس فى هذه
المسألة، لكن السائل إنما يفهم منه أنه يوافق ابن عباس، وكمن يسأل عن الغيبة فى
الصوم، هل يفطر بها الصائم؟ فيقول: جاء فى الحديث)) الغيبة تفطر الصائم)) قاله
النووى. وحاصله استخدام المعاريض، والتورية فى الفتوى للمصلحة، وفى التعاريض
مندوحة عن الكذب.
وأن النبى # استخدم هذا الأسلوب فى هذا الحديث فى موضعين. الأول فى قوله ((إن قتله فهو
مثله)» فهو صادق فى هذا القول حسب مراده الذى شرحناه فى المباحث العربية، لكنه يوهم ولى
المقتول معنى آخر، قد يؤدى إلى خوفه، وعفوه عن القاتل وهو الذى حصل، والعفو مصلحة للولى،
وللمقتول فى دينهما، وفيه مصلحة للجانى، وهو إنقاذه من القتل، فلما كان العفو مصلحة توصل
إليه بالتعريض.
٥٥٢
الموضع الثانى: قوله : ((القاتل والمقتول فى النار)) فهو فى مسألة أخرى تغاير ما نحن فيه
وإنما ذكرهنا تعريضا وتخويفا، لعل الولى يفهم منه دخوله فى معناه فيعفو، وهذا ما حصل.
٨- استدل بقوله ((أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك)) أن قتل القصاص لا يكفر ذنب القاتل
بالكلية، وإن كفرها بينه وبين الله، كما جاء فى الحديث الآخر ((فهو كفارة له)) ويبقى حق
المقتول.
والله أعلم
٥٥٣
(٤٤٧) باب دية الجنين، ووجوب الدية في قتل الخطأ
٣٨٦١- ٣٤ عَن أَبِي هُرَيْرَةً﴾(٣٤) أَنَّ امْرَأَتَيْنٍ مِن هُذَيْلٍ رَمّتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى فَطَرَحَتْ
جَبِينَهَا فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ ◌َ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
٣٨٦٢- ٣٥ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٥) أَنَّهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِلَ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِن تَّني
لَحْبَانٌ سَقَطَ مَّيًِّا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الْتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُؤْفِيَتْ. فَقَضَى
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِيْنِهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصّبْتِهَا.
٣٨٦٣ - ٣٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٦) قَالَ: اقْتَلَّتِ امْرَأَتَانٍ مِن هُذَيْلٍ. فَرَمَتْ إِحْدَاهُمًا
الأُخْرَى بِحَجْرٍ فَقَتَلْهَا وَمَا فِي بَطْيِهَا. فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ، فَقَضَى رَسُولُ اللّهِلَّ
أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَيْهَا وَوَرَّلَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ.
فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبٌ وَلا أَكَلَ وَلا نَطَقَ وَلا
اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَلِ «إِنَّمَا هَذَا مِن إِخْوَانِ الْكُهَّانِ» مِن أَجْلٍ سَجْعِهِ
الَّذِي سَجْعَ.
٣٨٦٤ - - عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: اقْتَلْتِ امْرَأْتَانِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ
وَوَرَّقَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. وَقَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ كَيْفَ تَعْقِلُ؟ وَلَمْ يُسَمِّ حَمَلَ بْنَّ مَالِكٍ.
٣٨٦٥- ٣٧ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَ﴾(٣٧) قَالَ: ضَرَبِتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودٍ فُسْطَاطٍ وَهِيَ
خُبْلَى فَقَتَلْهَا. قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَائِيَّةٌ. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَّةٍ
الْقَائِلَةِ وَغُرَّةٌ لِمَا فِي بَطْيِهَا. فَقَالَ: رَجُلٌ مِن عَصَّبَةِ الْقَاتِلَةِ. أَنَغْرَمُ دِيَّةَ مَنْ لا أَكَلَ وَلا شَرِبَ
وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ «أَسْجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟» قَالَ: وَجَعَلَ
عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ.
(٣٤) حَدْفَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى قَالَ قَرَأْتُ عْلَى مَّالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَّةً عَنْ أَبِيٍ هُرَيْرَةً
(٣٥) وحَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّقَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٌٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍَ عَنْ أَبِيٍ هُرِّيْرَهُ
(٣٦) وحَدَِّي أَبُو الطَّاهِرِ حَدَّثََّا ابْنُ وَهْبٍ حَ وَحَدْفَّا خَرْمَلَّةُ بْنِّ يَحْتِى التّجِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَلِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَّمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً
- وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ خُّمَيْدٍ أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرْنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَّلَمَةً عَنْ أَبِي هُرِيْرَةً
(٣٧) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ عَن مَنْصُورٍ ثَن إِبْرَاهِيمَ عَنَ عُبَيْدِ بْنٍ نُضَيْلَةَ الْخْزَاعِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ
٥٥٤
٣٨٦٦- ٣٨ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَ﴾(٣٨) أَنَّ امْرَأَةٌ قَتْلَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودٍ فُسْطَاطٍ فَأْتِيَ فِيهِ
رَسُولُ اللَّهِل ◌َ﴿ فَقَضَى عَلَى عَاقِلَيْهَا بِالدِّيَةِ، وَكَانَتْ حَامِلا فَقَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ. فَقَالَ بَعْضُ
عَصَّتِهَا أَنَدِي مَنْ لا طَعِمَ وَلا شَرِبَ وَلا صَاحَ فَاسْتَهَلَّ؟ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. قَالَ: فَقَالَ «سَجْعٌ
كَسَجْعِ الأُغْرَابِ».
٣٨٦٧ - - وفي رواية عَن مَنْصُورِ يإِسْنَادِهِمُ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ غَيْرَ أَنَّ فِيهِ:
فَأَسْقَطَتْ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّ فَقْضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ وَجَعَلَهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمُرْأَةِ وَلَمْ
يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ دِيّةَ الْمَرْأَةِ.
٣٨٦٨- ٣٩ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مُخْرَمَةً(٣٩) قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطْابِ النَّاسَ فِي مِلاصٍ
الْمَرََّةِ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَّةٍ. قَالَ: فَقَالَ
عُمَّرُ: الْتِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ. قَالَ: فَشَهِدٌ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةً.
المعنى العام
حقا إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وإن الغضب ميدان إبليس وجنوده، ينفخ فى أوداج
الغاضب حتى يخرجه عن طبعه وعقله، ويدفعه إلى ارتكاب ما هو أكبر وأخطر، فإذا كان الغضب بين
مخلوقين من طبعهما العداوة والمضرة، كان الطريق أمام الشيطان سهلا، فإذا كان بين امرأتين
ناقصتى عقل ودين، وفى الوقت نفسه هما ضرتان، زوجتان لرجل واحد، ترى كل منهما أن الأخرى لا
تألو جهداً فى الإضرار بها، ومنع الخير عنها كان طريق الشيطان معبداً، وهذه قصة ضرتين فى
فسطاطين متجاورين، يفصل بينهما فاصل من قماش الخيام، تتراميان بالكلام، ثم بالسباب
والشتائم، ثم تخرج الخالية إلى الحامل، فترميها بحجر، فيصيب بطنها، فترد بالتهديد والوعيد فتثنى
عليها بعمود الخباء أو بوتد مما يشد به الخباء، فترميها به فى بطنها، فتصرخ وتستغيث، وما هى إلا
ساعات حتى ينزل الدم والحمل، والمرأة تئن وتتوجع مما بها من آلام، ويرفع الأمر إلى رسول اللَّه الات
فيحكم على الضاربة بعبد أو أمة تدفع للمضروبة، دية لجنينها، يدفعها عصبتها، ولم يعرف العرب قبل
ذلك دية للجنين، فيعترضون. كيف تدفع دية لحمل لم يأكل ولم يشرب ولم يصرخ؟ ولم نسمع له صوتا
(٣٨) وحَلَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّا يَحْتِى بْنُ آدَمَ حَدَََّّا مُفْضَّلٌ عَن مَنْصُورٍ عَن إِبْرَاهِيمٌ عَنِ عُبَيْدٍ بْنٍ نُضَيْلَةً عَنِ الْمُغِيرَةِ
- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَمُحَمِّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُّ مَهْدِيّ عَنَ سُفْيَانَ عَنَ مَنْصُورٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ
مَغْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَمُفَضَّلِ
- وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِّ بْنُ أَبِي ◌َنْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَارِ قَالُوا حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ شُعْبَةً عَنِ مَنْصُورٍ
(٣٩) وحّدََّا أَبُو بَكْرٍ بَّنُ أَبِيَ شَيْئَةٌ وَأَبُو كُرِّيْبٍ وَإِسْجَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمٌّ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ) (قَالَ إِّسْحَقُ أَخْبُرَنَا قَالَ وَقَّالَ الآخَرَانِ
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنَ هِشَامٍ بْنٍ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عَنِ الْمِسْوَّرِ
٥٥٥
فيقول رسول اللَّه ﴿ هذا حكم اللّه، ودعونا من السجع الذى تقولون، وبعد قليل تموت المرأة متأثرة
بالضربة التى أصابتها، ويعلن الرسول # حكم الله وأن الدية على عصبة القاتلة، أما المقتولة فيرثها
زوجها وأولادها.
المباحث العربية
(أن امرأتين من هذيل) فى الرواية الثانية أن المقتولة من بنى لحيان، ولحيان بطن من
هذيل، وفى الرواية الرابعة أنهما ضرتان، وعند أبى داود أنهما كانتا تحت حمل بن مالك بن النابغة،
وعند الطبرانى أن اسم المرأتين مليكة بنت عويمر، وأم عفيف بنت مسروح، فضربت أم عفيف مليكة،
((وحمل)) بفتح الحاء والميم.
(رمت إحداهما الأخرى) فى الرواية الثالثة ((رمت إحداهما الأخرى بحجر)) وفى الرواية
الرابعة ((ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهى حبلى)) وفى رواية ((بعمود فسطاط، أو خباء))
الخباء بيت من وبر أو شعر أو صوف، يكون على عمودين أو ثلاثة، فهو أصغر كثيرا من الفسطاط،
والظاهر أنها حذفتها مرة بحجر، ومرة بعمود خشبى صغير، قال النووى: هذا محمول على حجر صغير
وعمود صغير، لا يقصد به القتل غالبا، فيكون شبه عمد.اهـ وفى رواية عند أحمد ((فضربت أم عفيف
مليكة بمسطح)» بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء، وهو عمود الخباء، وفى رواية للبخارى
((فأصاب بطنها وهى حامل)).
(فطرحت جنينها) الجنين على وزن العظيم حمل المرأة ما دام فى بطنها، سمى بذلك
لاستتاره، فإن خرج حيا فهو ولد، وإن خرج ميتا فهو سقط، بضم السين وكسرها وسكون القاف، ذكرا
كان أو أنثى، ويطلق عليه جنين ما لم يستهل صارخا، وفى ملحق الرواية الخامسة ((فأسقطت)) بفتح
الهمزة، يقال: أسقطت الحامل جنينها، ألقته سقطا، وفى الرواية الثالثة ((فقتلتها وما فى بطنها))
والتعبير بقتلتها باعتبار المآل، فإن المرأة ماتت بعد نزول جنينها ميتا بفترة، ففى الرواية الثانية،
بعد أن قضى رسول اللّه * بدية الجنين ((ثم إن المرأة التى قضى عليها بالغرة توفيت ... )) فقضى
رسول اللَّه# بشأنها ما قضى. قال النووى: قال العلماء: هذا الكلام، أى قوله ((إن المرأة التى قضى
عليها بالغرة توفيت)» قد يوهم خلاف مراده، والصواب أن المرأة التى ماتت هى المجنى عليها، أم
الجنين لا الجانية، وقد صرح به فى الحديث بعده - روايتنا الثالثة - بقوله ((فقتلتها وما فى بطنها))
فيكون المراد بقوله ((التى قضى عليها بالغرة)) أى التى قضى لها بالغرة، فعبر بعليها عن ((لها)).
(بغرة عبد أو أمة) قال النووى: ضبطناه على شيوخنا فى الحديث والفقه ((بغرة)» بالتنوين،
وهكذا قيده العلماء فى كتبهم، وفى مصنفاتهم فى هذا، وفى شروحهم، وقال القاضى عياض: الرواية فيه
((بغرة)) بالتنوين، وما بعده بدل منه، قال: ورواه بعضهم بالإضافة. قال: والأول أوجه وأقيس.
قال النووي: ومما يؤيده ويوضحه رواية البخارى فى صحيحه ((قضى رسول اللَّهل﴾﴿ بالغرة، عبداً
٥٥٦
أو أمة)) وقد فسر الغرة فى الحديث بعبد أو أمة، و((أو)) هنا للتقسيم لا للشك. فالمراد بالغرة عبد أو أمة.
قال الجوهرى: كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله - من إطلاق الجزء وإرادة الكل كما قالوا: أعتق رقبة،
وأصل الغرة بياض فى الوجه ولهذا قال أبو عمرو: المراد بالغرة الأبيض منهما خاصة وسيأتى فى فقه
الحديث وفى رواية ((غرة عبد أو أمة، عشر من الإبل، أو مائة شاة» فدية الجنين عشر الدية.
(فقضى رسول اللَّه بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها) أى وأن
الدية على عصبتها. ومرجع الضمائر يؤهم خلاف المراد، والمعنى: قضى بأن ميراث المقتولة لزوجها
وبنيها، وأن العقل والدية على عصبة القاتلة، وفى الرواية الثالثة ((وقضى بدية المرأة على عاقلتها)) أى
قضى بدية المرأة المقتولة، على عاقلة المرأة القاتلة ((وورثها ولدها ومن معهم)) وورث المقتولة أولادها
وزوجها الذى معهم، يوضح ذلك الرواية الرابعة، ولفظها ((فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة)).
وقد أراد أبو القاتلة وأخوها أن يتهربا من الاشتراك فى دية المقتولة وجنينها، وأن يحملا بنيها
الدية، فعند البيهقى ((فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها)) وفى رواية ((فقال أخوها: إن لها ولدا هم سادة
الحى، وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم؟ قال: بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها)).
كما حاول عم المقتولة أن يزيد فى الدية، فادعى أن الجنين يستحق دية رجل كبير، ففى رواية
((فقال عمها: إنها قد أسقطت غلاما قد نبت شعره؟ فقال أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما
استهل، ولا شرب، ولا أكل، فمثله يطل)» وبهذا حاول أبو القاتلة أن يتهرب من دية الجنين، بعد أن
قضى عليه بالاشتراك فى دية المرأة.
وفى الرواية الثالثة أن الذى سجع هو الزوج، حمل بن النابغة، وفى الرواية الرابعة
والخامسة أن الذى سجع رجل من عصبة القاتلة، وفى رواية عند الطبرانى ((فقال أخوها
العلاء ابن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل هذا
يطل)) قال الحافظ ابن حجر: يجمع بين هذا الاختلاف بأن يكون كل من أبيها وأخيها
وزوجها، قالوا ذلك لأنهم كلهم من عصبتها، فإن المقتولة عامرية، والقاتلة هذلية، اهـ
ويتصور الزوج من العصبة حين يكون ابن عم لها. وعندى عدم الاعتماد على الرواية التى
ذكرت الزوج، فهو سيرث أكثر مما يغرم فهو أب للجنين مما يبعد اعتراضه.
أما أبناء القاتلة فإن كانوا من زوجها حمل بن النابغة فهم من عصبتها وعاقلتها، وإن كان أبوهم
من غير عصبتها فهم ليسوا من عصبتها، ولا يعقلون.
( .. ولا استهل؟ فمثل ذلك يطـل) استهل الصبى رفع صوته بالبكاء وصاح عند
الولادة، أما لفظ ((يطل)» فقد قال النووى: روى فى الصحيحين وغيرهما بوجهين، أحدهما
((يطل)) بضم الياء وتشديد اللام، ومعناه يهدر ويلغى ولايضمن، والثانى ((بطل)) بفتح الباء
والطاء وتخفيف اللام، فعل ماض من البطلان، وهو بمعنى الملغى أيضا، وأكثر نسخ بلادنا
بالياء المثناة، ونقل القاضى: أن جمهور الرواة فى صحيح مسلم ضبطوه بالباء الموحدة،
٥٥٧
قال أهل اللغة: يقال: طل دمه بضم الطاء، وأطل أى هدر، وأطله الحاكم وطله أهدره، وجوز
بعضهم: طل دمه بفتح الطاء فى اللازم، وأباها الأكثرون.
(إنما هذا من إخوان الكهان) المشار إليه الرجل الذى سجع، وفى الرواية الرابعة ((أسجع
كسجع الأعراب)»؟ وفى الرواية الخامسة ((سجع كسجع الأعراب)) وأصل السجع الاستواء، وفى
الاصطلاح تناسب آخر الكلمات لفظا، وقوله فى الرواية الثالثة ((من أجل سجعه الذى سجع)) هو من
تفسير الراوى. والكهان جمع كاهن، والكهانة بفتح الكاف، ويجوز كسرها ادعاء علم الغيب، والكاهن
لفظ يطلق على العراف، والذى يضرب بالحصى والمنجم، وكانت الكهانة فى الجاهلية فاشية،
خصوصا فى العرب، لانقطاع النبوة فيهم. ومن عادتهم تكلف السجع فى كلامهم، فشبه الساجع بهم
للتنفير من فعله.
(استشار عمر بن الخطاب الناس فى ملاص المراة) يقال: أملصت المرأة والناقة إذا
رمت ولدها، وإذا قبضت على شىء، فسقط من يدك قلت: أملص من يدى إملاصا، وملص ملصا،
فالمراد من إملاص المرأة إسقاطها. وفى رواية للبخارى ((قال عمر: أيكم سمع من النبى { لا فى
إملاص المرأة شيئا؟ )».
(اثتنى بمن يشهد معك. قال: فشهد محمد بن مسلمة) وفى رواية للبخارى ((فقال عمر:
من يشهد معك؟ فقام محمد، فشهد بذلك)) وفى رواية ((فقال: ائتنى بمن يشهد معك، فجاء محمد بن
مسلمة، فشهد له)) وفى رواية ((لاتبرح حتى تجىء بالمخرج مما قلت، قال: فخرجت، فوجدت محمد
ابن مسلمة، فجئت به، فشهد معى أنه سمع النبى {ژ قضی به ».
فقه الحديث
قال النووى: اتفق العلماء على أن دية الجنين هى الغرة، سواء كان الجنين ذكرا أم أنثى، وإنما
كان كذلك، لأنه قد يخفى، فيكثر فيه النزاع، فضبطه الشرع بضابط يقطع النزاع، وسواء كان خلقه
كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور فيهاً خلق آدمى، ففى كل ذلك الغرة بالإجماع، ثم
الغرة تكون لورثته على مواريثهم الشرعية، وهذا الشخص يورث ولا يرث، ولا يعرف له نظير إلا من
بعضه حر، وبعضه رقيق، فإنه رقيق لا يرث عندنا، وهل يورث؟ فيه قولان، أصحهما يورث، هذا
مذهبنا ومذهب الجماهير. وحكى القاضى عن بعض العلماء أن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون
ديته لها خاصة.
قال: واعلم أن المراد بهذا كله إذا انفصل الجنين ميتا، أما إذا انفصل حيا، ثم مات، فيجب فيه
كمال دية الكبير، فإن كان ذكرا وجب مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون، وهذا مجمع عليه.
وسواء فى هذا كله العمد والخطأ، ومتى وجبت الغرة فهى على العاقلة، لا على الجانى، هذا مذهب
الشافعى وأبى حنيفة وسائر الكوفيين، وقال مالك والبصريون: تجب على الجانى، وقال الشافعى
وآخرون: يلزم الجانى الكفارة، وقال بعضهم: لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك وأبى حنيفة.اهـ
٥٥٨
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- استدل بعضهم بلفظ الغرة - وهى فى الأصل البياض - بأنه لا يجزئ الأسود، قال: ولولا أن رسول
اللَّه أراد بالغرة معنى زائدا على شخص العبد والأمة، لما ذكرها، ولاقتصر على قوله: عبد أو
أمة. قال النووي: وهذا خلاف ما اتفق عليه الفقهاء، أنه تجزئ فيها السوداء ولا تتعين البيضاء،
وإنما المعتبر عندهم أن تكون قيمتها عشردية الأم، أو نصف عشر دية الأب.
٢- حكى عن طاووس وعطاء ومجاهد أن دية الجنين، عبد أو أمة أو فرس، أخذا من رواية فى غير
الصحيحين. قال النووي: وهى رواية باطلة.
٣- استدل بإطلاق لفظ ((عبد أو أمة)) على أنه لا يشترط سن معين، واستنبط الشافعى من ذلك أن
يكون منتفعا به، فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين، لأن من لم يبلغها لا يستقل غالبا بنفسه،
فيحتاج إلى التعهد بالتربية، فلا يجبر المستحق على أخذه، وأخذ بعضهم من لفظ الغلام الوارد
فى بعض الروايات أن لا يزيد على خمس عشرة، ولا تزيد الجارية على عشرين، والراجح كما قال
ابن دقيق العيد أنه يجزئ، ولو بلغ الستين، وأكثر منها ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم.
٤- استدل بقوله فى الرواية الثالثة ((وقضى بدية المرأة على عاقلتها)) بأن شبه العمد، الدية فيه على
العاقلة، ولا يجب فيه قصاص، ولا دية على الجانى، وهذا مذهب الشافعى والجماهير.
٥- وأن دية الخطأ على العاقلة إنما تختص بعصبات القاتل.
٦- استدل به من كره السجع فى الكلام، قال الحافظ ابن حجر: وليس على إطلاقه، بل المكروه منه ما
يقع مع التكلف، وفى مواجهة الحق ومدافعته، كما وقع من الرجل، وأما السجع الذى وقع من
الرسول /*، فى بعض الأوقات فليس من هذا، لأنه لا يعارض به حكم الشرع، ولا يتكلفه، فلا نهى
فيه، بل هو حسن، ويؤيد ذلك قوله { ل ((كسجع الأعراب)) فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم.
والحاصل أن السجع ينقسم إلى أربعة أنواع: فالمحمود ما جاء عفوا فى حق، ودونه ما يقع
متكلفا فى حق أيضا، والمذموم عكسهما.
٧- وفى الحديث رفع الجناية للحاكم.
٨- ويؤخذ من الرواية السادسة سؤال الإمام عن الحكم، إذا كان لا يعلمه، أو كان عنده شك، أو أراد
الاستثبات.
٩- أن الوقائع الخاصة قد تخفى على الأكابر، ويعلمها من دونهم، وفى ذلك رد على المقلد إذا استدل
عليه بخبر يخالفه، فيجيب: لو كان صحيحاً لعلمه فلان مثلا.
١٠- استدل بقول عمر: لتأتين بمن يشهد معك على اعتبار العدد فى الرواية، وأنه يشترط أن لا يقبل
أقل من اثنين، كما هو فى غالب الشهادات. قال ابن دقيق العيد: وهو ضعيف، فإنه قد ثبت قبول
الفرد فى عدة مواطن، وطلب العدد فى صورة جزئية، لا يدل على اعتباره فى كل واقعة، لجواز
٥٥٩
المانع الخاص بتلك الصورة، أو وجود سبب يقتضى التثبت، وزيادة الاستظهار، ولا سيما إذا
قامت قرينة.
١١- استدل بورود القصة فى جنين الحرة على أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة، وقد تصرف
الفقهاء فى ذلك، فقال الشافعية: الواجب فى جنين الأمة عشر قيمة أمه، كما أن الواجب فى
جنين الحرة عشر ديتها.
١٢- وعلى أن الحكم المذكور خاص بمن يحكم بإسلامه، ولم يتعرض لجنين محكوم بتهوده أو تنصره،
ومن الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعا. قال الحافظ: وليس هذا من الحديث.
والله أعلم
٥٦٠