النص المفهرس
صفحات 461-480
فَقُلْنَا: إِنَّا أَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لا يَحْمِلْنَا فَأَثْنَاهُ فَأَخْبُرْنَاهُ. فَقَالَ «إِنّي لا
أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلا أَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
٣٧٥٦ - - وفي رواية عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مُشَاةً فَأَتَيْنَا نَبِيَّ اللَّهِ﴿َ تَسْتَحْمِلُهُ. بِنَحْوٍ
حدیثٍ جَرِيرٍ.
٣٧٥٧ - ١١ عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ﴾(١١) قَالَ أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النّبِيِّ :﴿ ثُمَّ وَجْعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ
الصِّيَةَ قَدْ نَامُوا فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ فَحَلَفَ لا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلٍ صِبْيَتِهِ ثُمَّ بَدًا لَهُ فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا
فَلْيَأْبِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ».
٣٧٥٨ - ١٣ِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى
غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ».
٣٧٥٩ - ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «مَنْ خَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى
غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ».
٣٧٦٠ - ١٤ عَنْ سُهَيْلٍ(١٤) فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ مَالِكِ «فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ وَلْيَفْعَلْ الْذِي
هُوَ خَيْرٌ».
٣٧٦١ - ٥ ١ عَنْ تَمِيمٍ بْنِ طَرَفَةً(١٥) قَالَ: جَاءٌ سَائِلٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَسَأَلَهُ نَفْقَةٌ فِي ثَمّنٍ
خَادِمٍ أَوْ فِي بَعْضٍ ثَمّنٍ خَادِمٍ. فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ إِلا دِرْعِي وَمِعْفَرِي فَأَكْتُبُ إِلَى
أَهْلِي أَنْ يُعْطُوكَهَا. قَالَ: فَلَمْ يَرْضَ فَغَضِبَ عَدِيٌّ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا ثُمَّ إِنْ
الرَّجُلَ رَضِيَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ
ثُمَّ رَأَى أَنْقَى لِلّهِ مِنْهَا فَلْيَأْتِ النَّقْوَى مَا حَنْتُ يَمِينِي».
(١١) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُّ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَّةَ الْفَزَارِيُّ أَخْبُرَّنًا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٢) وحَدَّثَبِي أَبُو الطَّاهِرِ حَدَّقْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِيَ مَالِكٌ عَنْ سَّهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَّالِحٍ عَنْ أَبِيَّةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٣) وحَدَِّي زُهَيْرُ بْنْ حَرْبٍ حَدَّنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّتِي عَبْدُ الْعَزِيِّزِ بَنَّ الْمُطْلِبِ عَنَّ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٤) وحَدَّتِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكْرِيَّاءَ حَدَّقْنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّقَتِي سُلَيْمَانُ (يَعْنِيِ ابْنَ بِلالٍ) حَدَّتِي سُهَيْلٌ
(١٥) حَدَّقَا فُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ رُفَّيْعٍ) عَنْ تُمِيمٍ بَّنٍ طَرَفَةً
٤٦١
٣٧٦٢ - ١٢٦ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَظِ(١٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِفَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ
فَرَّأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ».
٣٧٦٣- ١٧ عَنْ عَدِيّ ◌َ﴾ (١٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى الْيَمِينِ
فَرَّأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
٣٧٦٤- ١ ١ِ عَنْ تَمِيمٍ بْنِ طَرَفَةً(١٨) قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَائِمٍ وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ مِائَةَ
دِرْهَمٍ. فَقَالَ: تَسْأَلُنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَنَا ابْنُ حَاتِمِ؟ وَاللَّهِ لا أُعْطِيكَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ رَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الْذِي هُوَ خَيْرٌ».
٣٧٦٥ - - وفي رواية عَنْ تَمِيمٍ بْنٍ طَرَفَةً قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ أَنَّ رَجُلا سَأَلَهُ فَذَكَرَ
مِثْلَهُ وَزَادَ وَلَكَ أَرْبَعمِائَة فِي عَطَّائِي.
٣٧٦٦- ١٢ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَ﴾(١٩) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ «يَا عَبْدَ
الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيْتَهَا عَنْ
غَيْرٍ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِنْكَ
وَانْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
٣٧٦٧ - - وفي رواية عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُّرَةَ عَنِ النّبِيِّ :﴿َ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَّيْسَ فِي
حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِهِ ذِكْرُ الإِمَارَةِ.
(١٦) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَادٍ حَدْقَا أَبِي حَدْقَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ تَمِيمٍ بْنٍ طَرِّفَةٌ عَنْ عَدِيٍّ
(١٧) حَدَّثَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ الْبَجَلِيِّ (وَاللّفْظُ لابْنٍ طَرِّيْفٍَ) قَالا حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَن
الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ تَمِيمِ الطّائِيِّ عَنْ عَدِيٍّ
- وحّدْقَّا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ فُضَّيْلٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ تَمِيمِ الطّائِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ
حَاتِمِ أَنَّهُ سَمِعَ النّبِيِّ ﴿ يَقُولُ ذَلِكَ
(١٨) حَدَّثْنَا مُحَمِّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدْلَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَّاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمٍ بْنِ طّرَفَةً
- حَدْثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّْا بَهَّزٌ حَدَّقْنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سِمَاكٌ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيْمَ بْنَ طَرَفَةً
(١٩) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ خُدْفَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ حَدَّثَنَا أَبُوَ الْعَبَّاسِ الَّمَاسَرْجَسِيُّ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ بِهَذَا الْحَدِيثِ
- حَدَّقَيِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُّسَ وَمَنْصُورٍ وَحُمَيْدٍ حَ وَ حَدْقَنَا أَبُوِ كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّاذُ بْنُ
زَيْدٍ عَنْ سِمَّاكِ بْنِ عَطِيَّةً وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهِشَامٍ بْنِ حَسَّانَ فِي آخْرِينَ حِ وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُّعَاذٍ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِهٍ
ح وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بَنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُّ عَامِرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنَّ قَتَادَةً كُلُّهُمْ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمْرَةً
٤٦٢
المعنى العام
يقول الله تعالي: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِفِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ
إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطَّعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيزَ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وهكذا شرع اللَّه عبادة مالية أو بدنية فداء
لليمين، وكفارة للحنث فيه، وإذا كان اليمين عقدا وتعهداً من الحالف مع ربه، فقد جعل الله جل
شأنه تحلة هذا العقد، وفك رباطه بهذه الكفارة، حيث قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
[التحريم: ٢] فأصبح الحالف بين خيرين، إما أن يمضى ما حلف عليه، فيبربيمينه وعهده مع ربه،
وينتفع بتحقيق ما حلف عليه إذا كان من وجوه الخير، وإما أن يكفر عن يمينه، بتلك العبادة المالية
أو البدنية، وفى كل خير، فإذا حلف أن يفعل مباحا أو خيرا، فرأى خيراً مما حلف عليه رسم له
الحديث الشريف طريقا إلى الحصول على الخيرين معا، أن يفعل الشىء الذى حلف ألا يفعله، أو أن
يترك الشىء الذى حلف أن يفعله، وليكفر عن يمينه، فالارتقاء بالخير تقوى، وتكفير اليمين تقوى،
واغتنام الخيرين أفضل من خير واحد، ومن تقوى واحدة.
وبدأ بنفسه صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً، فقال ((إنى - واللَّه - إن شاء اللّه - لا أحلف على
يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير، وتحللتها» وطبق هذا القانون على نفسه، يوم
جاءه أبو موسى الأشعرى يطلب لنفسه ولجماعة من الأشعريين نوقا يركبونها، ويحملون عليها زادهم
فى سفرهم إلى غزوة العسرة، غزوة تبوك، إنهم مشاة لا يملكون ما يحملهم، وإن الطريق طويل من
المدينة إلى تبوك، والحر شديد، والرسول 8# يوزع على المحتاجين ما عنده من إبل، ليتعاقب على
البعير الواحد من يتعاقبون، ويأتى أبو موسي، وقد نفد ما عنده صلى الله عليه وسلم، فيسأل، وهو يظن
وجود الفضل، ويعتذر الرسول #، بأنه ليس عنده ما يحملهم عليه، ويلح أبو موسى لشدة حاجته، وأكثر
ما كان يؤلم الرسول : أن يعجز عن مساعدة المحتاجين، وكم يغضبه أن يلح من لا يعرف حاله،
فقال لأبى موسي: واللَّه ما أحملكم، لأنى لا أجد ما أحملكم عليه، وانصرف أبو موسى حزينا، وبعد
قليل جاء رسول اللّه* غنيمة، فيها إبل، فدعا أباموسى وأعطاه ستا منها، له ولأصحابه، فلما وصل
أصحابه قالوا: لقد حلف صلى الله عليه وسلم ألا يعطينا، لعله نسى، فلنذكره، فلما جاءوه قال: لم أنس
يمينى، ولكنى - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يمينى،
وفعلت الذى هو خير، صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
(أبو موسى الأشعرى) عبد الله بن قيس، مشهور باسمه وكنيته، قدم المدينة بعد فتح خيبر،
صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبى طالب، فقدموا جميعا، استعمله النبى # على بعض اليمن،
واستعمله عمر على البصرة.
٤٦٣
(أتيت النبى فى رهط من الأشعريين نستحمله) أى يطلبون منه أن يحملهم على
أبعرة من عنده، أى يطلبون منه ما يحملهم ويحمل أمتعتهم، والجملة صفة ثانية لرهط، والرهط
الجماعة من ثلاثة - أو من سبعة - إلى عشرة - أو إلى ما دون العشرة.
و((فى)) فى قوله ((فى رهط)) سببية، أى بسبب رهط، كقوله صلى الله عليه وسلم ((دخلت امرأة
النار فى هرة)» وإسناد اللإتيان إلى الجماعة - فى قوله فى الرواية الرابعة ((أتينا رسول اللَّه ◌ُ﴾
نستحمله)) من قبيل إسناد الفعل إلى الراضين به، كقوله ((فعقروا الناقة)» والرواية الثانية توضح أن
أصحابه أرسلوه نيابة عنهم. والأشعريون قومه من أهل اليمن، وجمع الحافظ ابن حجر بأن أبا موسى
حضرهو والرهط، فباشر الكلام بنفسه عنهم. وهذا الجمع تستبعده الرواية الثانية، إذ طلب من
أصحابه أن يستوثقوا من نقله عن الرسول {10. وقوله فى الرواية الثانية ((أسأله لهم الحملان)) بضم
الحاء، أى الحمل، وفى كتب اللغة: الحملان ما تحمل عليه الأمتعة من الدواب، وعند البخارى ((وهو
يقسم نعما - بفتح النون والعين - من نعم الصدقة)) فبين سبب الإتيان فى هذا الوقت، ولعل النعم
انتهى توزيعها ونفدت حين وصوله، فتألم رسول اللّه * لشدة حاجة أصحابه إلى الظهر مع نفاد ما
عنده، فكان غاضبا، حين طلب أبو موسى الأشعرى، فكان فى رده بعض العنف، وبهذا عذره أبوموسي،
وعذر نفسه، حيث قال فى الرواية الثانية ((ووافقته وهو غضبان ولا أشعر».
(والله لا أحملكم، وما عندى ما أحملكم عليه) الجملة الثانية كالتعليل للجملة الأولي، وقد
قدمت على الجملة الأولى فى الرواية الرابعة، وفى الرواية الثانية، ((والله لا أحملكم على شىء))
والظاهر أن أبا موسى ألح فى الطلب، ففى الرواية الثانية ((فرجعت حزينا، من منع رسول اللَّه ﴾.
ومن مخافة أن يكون رسول اللَّه﴿، قد وجد فى نفسه على)) يقال: وجد فلان، بفتح الجيم يجد،
بكسرها، وجداء بسكونها مع فتح الواو، إذا حزن ووجد عليه إذا غضب، وهؤلاء الأشعريون ليسوا من
البكائين، الذين قال الله فيهم)) ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
تَوَلّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَرْنًا .. ﴾ [التوبة: ٩٢].
(فلبثنا ما شاء اللَّه) أى فلبثنا زمنا شاءه الله، وفى الرواية الثانية ((فلم ألبث إلا سويعة))
والساعة فى اللغة جزء من أجزاء الوقت، قل أو كثر، فالمعنى لم ألبث إلا وقتا، وليس المراد منها هنا
جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا من الليل والنهار، والظاهر أنه لبث جزءًا من نهار.
(ثم أتى بإبل) فى الرواية الثالثة ((فأتى رسول اللَّه ﴿ بنهب إبل)) بالإضافة، وبتذوين ((نهب)»
و(«إبل» بدل منه. والنهب بفتح النون وسكون الهاء بعدها باء، الغنيمة، وأصله ما يؤخذ اختطافا،
بحسب السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين.
وفى الرواية الثانية، ((ابتاعهن حينئذ من سعد)) قال الحافظ ابن حجر، ويجمع بينهما باحتمال
أن تكون الغنيمة لما حصلت حصل لسعد منها القدر المذكور، فابتاع النبى 8 منه نصيبه، فحملهم
عليه، قيل: هو سعد بن عبادة.
٤٦٤
(فأمرلنا بثلاث ذود) معطوف على محذوفات أبرزتها الرواية الثانية، وفى رواية
البخارى ((فقيل: أين هؤلاء الأشعريون؟ فأتينا، فأمرلنا)» والذود بفتح الذال وسكون الواو
من الثلاث إلى العشر من النوق، وقيل: إلى السبع، وقيل: من الاثنتين إلى التسع، و((ثلاث
ذود)) من إضافة الشىء إلى نفسه، وبتنوين ((ثلاث)) و((ذود)) بدل، أى بثلاث هى ثلاث نوق،
وفى روايتنا الرابعة ((بثلاثة ذود)) والصواب الأول، لأن الذود مؤنث، ووجهها الحافظ ابن
حجر، بأن الذود قد يطلق على الذكر والأنثى، وقال النووى: وهو صحيح، يعود إلى معنى
الإبل، وهو الأبعرة، وظاهر هذه الرواية أن الرسول 8# حملهم على ثلاث نوق، لكن الرواية
الثالثة، تقول ((فأمرلنا بخمس ذود)) قال ابن التين: الله أعلم أيهما يصح، قال الحافظ ابن
حجر، لعل الجمع بينهما يحصل من الرواية الأخرى روايتنا الثانية ((ولفظها ((خذ هذين
القرينين - أى البعيرين المقرون أحدهما بصاحبه - وهذين القرينين، لستة أبعرة)» فلعل
رواية الثلاث باعتبار ثلاثة أزواج إذ كان كل اثنين قد ربطا ببعضهما كأنهما واحد - ورواية
الخمس باعتبار أن أحد الأزواج كان قرينه -صغيرا - تابعا له، فاعتد به تارة، ولم يعتد به
أخرى. أو أن أحد الأزواج كان سنمه مخالفاً للخمسة، فلم يكن غر الذرى، ويمكن أن يجمع
بأنه أمرلهم بثلاث ذود أولاً، ثم زادهم اثنتين.
(غر الذرى) ((الذرى)) بضم الذال وكسرها، وفتح الراء المخففة، جمع ذروة، بكسر الذال وضمها.
وذروة كل شىء أعلاه، والمراد هنا الأسنمة، ((والغر)) البيض، وكذلك ((البقع)) الوارد فى الرواية الرابعة،
المراد بها البيض، وأصلها ما كان فيه بياض وسواد، والمعنى أمر لنا بإبل بيض الأسنمة.
(ما أنا حملتكم، ولكن اللَّه حملكم) قيل: معناه نسبة الأفعال الاختيارية إلى اللّه، وإن اللَّه
خالق كل شىء، وقيل: معناه أن اللَّه تعالى آتانى ما أحملكم عليه، وقيل: معناه أن اللَّه أمرنى أن
أحملكم، فاشتريت لكم ما يحملكم، ويكون قد أوحى إليه أن يحملهم.
(وإنى -إن شاء اللَّه- لا أحلف على يمين) التعليق على المشيئة يقال له استثناء، فكأن
فيه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، ومعنى ((لا أحلف على يمين)) أى لا أحلف على شىء، وهو محلوف
اليمين، فأطلق عليه لفظ ((يمين (للملابسة، والمراد ما شأنه يكون محلوفا عليه، فهو من مجاز
الاستعارة، ويجوز أن يكون ((على)) بمعنى الباء، ورجح الأول بقوله ((ثم أرى خيرا منها)) لأن الضمير
((منها)) لا يصح عوده على اليمين، بل على المحلوف عليه.
(إذ هم معه فى جيش العسرة، وهى غزوة تبوك) وكانت فى شهر رجب من سنة تسع،
و(«تبوك)) مكان معروف، فى نصف المسافة من طريق المدينة - دمشق، والمشهور فى ((تبوك)) المنع
من الصرف للعلمية والتأنيث، ومن صرفها أراد الموضع، خرج المسلون فى قلة من الظهر، وفى عسرة
من الماء والنفقة، وفى حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير، فيشربون ما فى كرشه من الماء،
فسميت غزوة العسرة.
٤٦٥
(وعليها لحم دجاج) مثلث الدال، الواحدة دجاجة، مثلثة الدال أيضا، وقيل: إن الضم ضعيف.
(فدخل رجل من بنى تيم الله، أحمر، شبيه بالموالي) ((أحمر)) أى أحمر اللون، والمراد
من ((الموالي)) العجم، قال الحافظ ابن حجر: وهذا الرجل هو زهدم الراوى، أبهم نفسه، ففى ملحق
الرواية الثالثة ((عن زهدم قال: دخلت على أبى موسى، وهو يأكل لحم دجاج .... الحديث، وعند
البيهقى عن زهدم قال: رأيت أبا موسى يأكل الدجاج فدعانى، فقلت: إنى رأيته يأكل نتنا؟ فقال:
ادن فكل فقلت: إنى حلفت لا آكله)».
(فتلكأ) أى تمنع وتوقف.
(إنى رأيته يأكل شيئا فقذرته) أى إنى رأيت جنس هذا الدجاج - وليس المراد المأكول عند
أبى موسى نفسه - يأكل شيئا نتنا، أو قذرا، ((فقذرته ((بكسر الذال وفى رواية ((إنى رأيتها تأكل قذرا)»
وكأنه ظن أنها أكثرت من ذلك، بحيث صارت جلالة، فبين له أبو موسى أنها ليست كذلك، أو أنه لا
يلزم من كون تلك الدجاجة التى رآها كذلك أن يكون كل الدجاج كذلك.
(هلم أحدثك عن ذلك) أى عن الطريق فى حل اليمين.
(أغفلنا رسول اللّه : ﴿ يمينه) «أغفلنا)» بسكون اللام، أى جعلناه غافلا، ومعناه كنا سبب
غفلته عن يمينه، ونسيانه إياها، وما ذكرناه إياها، أى أخذنا منه ما أخذنا، وهو ذاهل عن يمينه.
(وتحللتها) معنى ((تحللتها)) خرجت من حرمتها، إلى ما يحل منها، وذلك يكون بالكفارة.
(قال: إنى -والله- ما نسيتها) رد لقولهم: أفنسيت يارسول اللَّه؟ أى ما نسيت يمينى.
(فليأتها، وليكفر عن يمينه) كذا فى الرواية الخامسة، وفى الرواية الأولى تقديم التكفير على
الإتيان، وكذا السادسة ((فليكفر عن يمينه، وليفعل)) أى وليفعل غير ما حلف عليه، وفى الرواية الثامنة
((ثم رأى أتقى لله منها، فليأت التقوى)) وهى بمعنى ((الذى هو خير)) وفى الرواية التاسعة ((فليأت
الذى هو خير، وليترك يمينه)) أى وليترك ما حلف عليه، ويكفر عن يمينه. وفى كل الروايات العطف
بين الإتيان والتكفير بالواو، وهى لا تقتضى ترتيبا ولا تعقيبا، وسيأتى فى فقه الحديث حكم تقديم
التكفير على الحنث.
(فسأله نفقة فى ثمن خادم) أى إعانة مالية يستكمل بها ثمن عبد يخدمه، وفى الرواية
الحادية عشرة ((يسأله مائة درهم» فيمكن أن تكون قصة واحدة، ويحتمل أن تكونا حادثتين.
(ليس عندى ما أعطيك إلا درعى ومغفرى .... ) المغفر زرد ينسج على قدر الرأس يلبس
تحت القلنسوة عند الحرب، وفى الرواية الحادية عشرة ((تسألنى مائة درهم، وأنا ابن حاتم))؟ أى
الطائى أى الجواد ابن الجواد، الذى يقصد فى عظائم الأمور، لا فى تافهها؟ فإن كانتا فى قصتين فلا
٤٦٦
إشكال، وإن كانت قصة واحدة، فيحتمل أن الرجل سأل مائة درهم، فاستحقرها عدى، فقال ما قال،
وعرض درعه ومغفره، وهما يساويان مئات الدراهم، فلم يرض الرجل أن يجرد عديا من عدة قتاله،
ولعله لم يصدقه، مما أغضب عديا، فحلف، ولعله غضب لأن الرجل لم يتوجه بهذا الفخار، ثم جاءه
مال، فأعطى الرجل أربعة أو خمسة أمثال ما طلب، كرما وجودا.
(وكلت إليها) بضم الواو، وكسر الكاف مخففا ومشددا، وسكون اللام، ومعنى المخفف صرفت
إليها، ومن وكل إلى نفسه هلك، ومنه فى الدعاء، ((ولا تكلنى إلى نفسى)) والمراد من الإمارة الولاية
مطلقا، فيدخل فيها القضاء والحسبة وكل ما يتعلق بالحكم، وفى بعض نسخ مسلم)) أكلت إليها))
بالهمزة. قاله النووى. والمعنى أن من طلب الإمارة، فأعطيها تركت إعانته عليها، من أجل حرصه،
ومن لم يكن له عون من اللَّه على عمله، لا يكون فيه كفاية لذلك العمل، ومن المعلوم أن كل ولاية لا
تخلو من المشقة، فمن لم يكن له من اللَّه إعانة تورط فيما دخل فيه، وخسر دنياه وعقباه، فمن كان ذا
عقل لم يتعرض للطلب أصلا، بل إذا كان كفأ، وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة، قال
ابن التين: وهو محمول على الغالب، فقد سألها يوسف وقال ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَرَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف:
٥٥] وقال سليمان ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] قال: ويحتمل أن يكون ذلك فى غيرالأنبياء.
فقه الحديث
قال النووى: فى هذه الأحاديث دلالة على أن من حلف على فعل شىء، أو تركه، وكان الحنث
خيرا من التمادى على اليمين، استحب له الحنث، وتلزمه الكفارة، وهذا متفق عليه، وأجمعوا على أنه
لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على
اليمين، واختلفوا فى جوازها بعد اليمين، وقبل الحنث، فجوزها مالك والأوزاعى والثورى والشافعى
وأربعة عشر صحابياً وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها
بعد الحنث، واستثنى الشافعى التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث، لأنه عبادة بدنية، فلا
يجوز تقديمها على وقتها، كالصلاة وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال فيجوز تقديمه، كما يجوز
تعجيل الزكاة، واستثنى بعض أصحابنا حنث المعصية، فقال: لايجوز، لأن فيه إعانة على المعصية،
والجمهور على إجزائها، كغير المعصية.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وأشهب المالكى: لايجوز تقديم الكفارة على الحنث بأى حال، ودليل
الجمهور ظواهر هذه الأحاديث - ففى بعضها تقديم الكفارة على الحنث - والقياس على تعجيل
الزكاة. اهـ
ووافق الحنفية داود الظاهرى، وخالفه ابن حزم، واحتج لهم الطحاوى بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةٌ
أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَقْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن المراد إذا حلفتم، فحنثتم، ورده مخالفوهم، فقالوا: بل المراد
إذا حلفتم فعزمتم على الحنث، أو المراد ما هو أعم من ذلك، واحتجوا أيضا بأن الكفارة بعد الحنث
فرض، وإخراجها قبله تطوع، فلا يقوم التطوع مقام الفرض.
٤٦٧
واحتج الجمهور بأن عقد اليمين، لما كان يحله الاستثناء، وهو كلام، فلأن تحله الكفارة، وهى فعل
مالی أو بدنی من باب أولى.
وقال ابن حزم: أجاز الحنفية تعجيل الزكاة قبل الحول، وتقديم زكاة الزرع، وأجازوا
تقديم كفارة القتل، قبل موت المجنى عليه. اهـ أى فيلزمهم القول بجواز تعجيل كفارة
اليمين، قبل الحنث. واللَّه أعلم.
ويستفاد من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الأولى والثالثة ((إنى واللَّه - إن شاء الله - لا أحلف على
يمين ..... )) الاستثناء فى اليمين، فإذا قال: لأفعلن كذا إن شاء اللّه، أو إلا أن يشاء الله، أو لا أفعل
كذا إن شاء الله، أو إن أراد الله، أو إن اختار اللَّه، فقد استثنى، وقد اتفقوا على أن من قال ذلك،
وقصد به التبرك فقط، ففعل، يحنث، وإن قصد الاستثناء فلا حنث عليه، واتفقوا على دخول
الاستثناء فى كل ما يحلف به، إلا الأوزاعى، فقال: لا يدخل فى الطلاق والعتق والمشى إلى بيت
اللَّه، وكذا جاء مثله عن مالك وطاووس، وعن أحمد: يدخل الجميع إلا العتق.
٢- وجواز الحلف من غير استحلاف، لتأكيد الخبر، ولو كان مستقبلا.
٣- وفي الحديث أن تعمد الحنث فى مثل ذلك يكون طاعة، لا معصية.
٤- وفى حمله صلى الله عليه وسلم للأشعريين تطبيب قلوب الأتباع، واستدراك جبر خاطر السائل.
٥- ومن قوله: ((واللَّه لا أحملكم) جواز اليمين عند المنع.
٦- ورد السائل الملحف عند تعذر الإسعاف.
٧- وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول.
٨- ومن قولهم ((لا يبارك اللَّه لنا)) أن من أخذ شيئا، يعلم أن المعطى لم يكن راضيا بإعطائه لايبارك
له فیه.
٩- أخذ بعضهم من قوله ((إلا كفرت عن يمينى)) أن النبى * لا يترك التكفير، وروى عن الحسن
البصرى أن النبى# لم يكفر أصلا، لأنه مغفور له، وإنما نزلت كفارة اليمين تعليما للأمة.
١٠- ومن قوله ((ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم)) إزالة المئة عن المعطى، بإضافة النعمة
لمالكها الأصلى.
١١- ومن الرواية الثالثة إباحة لحم الدجاج، إنسيه ووحشيه.
١٢ - وإباحة ملاذ الأطعمة والطيبات.
١٣ - ومن قوله ((فدعا بمائدته)) استخدام الكبير من يباشر له نقل طعامه، ووضعه بين يديه، قال
القرطبى: ولا يناقض ذلك الزهد، ولا ينقصه، خلافا لبعض المتقشفة، قال الحافظ ابن حجر:
والجواز ظاهر، وأماكونه لا ينقص الزهد، ففيه وقفة.
٤٦٨
١٤ - دخول المرء على صديقه، فى حال أكله.
١٥- استدعاء صاحب الطعام الداخل، وعرضه الطعام عليه، ولو كان قليلا، لأن اجتماع الجماعة على
الطعام سبب للبركة فيه.
١٦ - وأن أكل الطيور لبعض القاذورات لا يحرم أكلها، واستثنى بعضهم التى تكثر من أكل القاذورات
وظاهر صنيع أبى موسى أنه لم يبال بذلك، واختلف الفقهاء فى حكم أكل الجلالة، وهى الدابة
التى تأكل الجلة، وهى البعر، وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع، والمعروف
التعميم، وفى الحديث من طرق صحيحة النهى عن لحوم الجلالة، وقد أطلق الشافعى كراهة
أكلها، إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وفى وجه إذا أكثرت من ذلك، ورجح أكثرهم أنها كراهة
تنزيه، ومن حجتهم أن العلف الطاهراذا صار فى كرشها تنجس، فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع
ذلك فلا يحكم على اللحم واللبن بالنجاسة، فكذلك هنا. وذهب جماعة من الشافعية - وهو قول
الحنابلة - إلى أن النهى للتحريم، قال الحافظ ابن حجر: وفى معنى الجلالة ما يتغذى بالنجس،
كالشاة ترضع من كلبة، وعن بعض السلف أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا، وبعضهم لا
يأكلها إلا بعد أن يعلفها أربعين يوما.
١٧ - ومن الرواية السابعة عشرة كراهة سؤال الولاية، وأن من سألها لا يكون معه إعانة من اللّه تعالى.
والله أعلم
٤٦٩
(٤٣٦) باب اليمين على نية المستحلف
٣٧٦٨ - ٢٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدَّقُكَ
عَلَيْهِ صَاحِبُكَ» وَقَالَ عَمْرٌو «يُصَدَّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ».
٣٧٦٩ - ٢١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «الْيَمِينُ عَلَى
نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ».
المعنى العام
يقول صلى الله عليه وسلم:)) إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) هذا التعميم ليس
مرادا فى كل الأحوال، فقد تضيع بذلك حقوق الآخرين، وبخاصة إذا كان اليمين بديلا عن البيئة،
أمام القضاء، وبطلب من القاضى ويترتب عليه حكم القاضى، إن التورية فى مثل هذه الحالة،
واستخدام ألفاظ لها ظاهر معنى وخفى معنى، وإرادة الخفى منها عند الحلف، يخدع الحاكم، ويضر
بالعدالة، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم عن هذه الحالة ((يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك)).
((اليمين على نية المستحلف)).
المباحث العربية
(المستحلف) بكسر اللام، أى طالب الحلف.
فقه الحديث
قال النووى: هذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضى، فإذا ادعى رجل على رجل
حقا، فحلفه القاضى، فحلف، وورى، فنوى غير ما نوى القاضى، انعقدت يمينه على ما نواه القاضى،
ولا تنفعه التورية. وهذا مجمع عليه، ودليله هذا الحديث والإجماع.
فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضى، وورى، تنفعه التورية، ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من
غير تحليف، أو حلفه غير القاضى وغير نائبه فى ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضى،
(٢٠) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ قَالَ يَحْتَى أَخْرَنَا هُشَيْمُ نِنُ بَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ وقَالَ عَمْرُو حَدَّقْنَا هُشَيْمُ
ابْنُ بَشِيرٍ أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢١) وَحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي هِيَةً خَدَّا يَزِيُّ بْنُ ◌َهَارُونَ عَنْ هُثَيْمٍ عَنْ عَبَّدٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَيْرَةَ
٤٧٠
وحاصله أن اليمين على نية الحالف فى كل الأحوال، إلا إذا استحلفه القاضى أو نائبه فى دعوى
توجهت عليه، فتكون على نية المستحلف، أما إذا حلف عند القاضى من غير استحلاف القاضى فى
دعوي، فالاعتبار بنية الحالف، وسواء فى هذا كله اليمين باللَّه تعالى، أو بالطلاق والعتاق، إلا أنه إذا
حلفه القاضى بالطلاق أو بالعتاق، تنفعه التورية، ويكون الاعتبار بنية الحالف، لأن القاضى ليس له
التحليف بالطلاق والعتاق، وإنما يستحلف بالله تعالى.
واعلم أن التورية، وإن كان لا يحنث بها، لا يجوز فعلها، حيث يبطل بها حق مستحق، وهذا
مجمع عليه. هذا تفصيل مذهب الشافعى وأصحابه، ونقل القاضى عياض عن مالك فى ذلك اختلافا
وتفصيلا، فقال: لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف، ومن غير تعلق حق بيمينه، له
نيته، ويقبل قوله، وأما إذا حلف لغيره فى حق، أو وثيقة متبرعا، أو بقضاء عليه، فلا خلاف أنه يحكم
عليه بظاهر يمينه، سواء حلف متبرعاً باليمين، أو باستحلاف، وأما فيما بينه وبين اللَّه تعالى فقيل:
اليمين على نية المحلوف له، وقيل: على نية الحالف، وقيل: إن كان مستحلفا فعلى نية المحلوف له،
وإن كان متبرعا باليمين فعلى نية الحالف، وقيل: عكسه، وقيل: تنفعه نيته فيما لا يقضى به عليه،
ويفترق التبرع فيما يقضى به عليه، وحكى عن مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو
فيه آثم حانث، وما كان على وجه العذر فلا بأس به، وروى عن مالك: ما كان على وجه المكر والخديعة
فله نيته، وما كان فى حق فهو على نية المحلوف له. قال القاضى: ولا خلاف فى إثم الحالف بما يقع
به حق غيره، وإن وری.
والله أعلم
٤٧١
(٤٣٧) باب الاستثناء فى اليمين وغيرها
٣٧٧٠ - ٢ ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٢٢) قَالَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ سِتُّونَ امْرَأَةً، فَقَالَ لِأَطُوفَنَّ عَلَيْهِنَّ
الَّيْلَةَ فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَتَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا يُقَائِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمْ
تَحْمِالْ مِنْهُنَّ إِلا وَاحِدَةٌ فَوَلَدَتْ نِصْفَ إِنْسَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ﴿ِ «لَوْ كَانَ اسْتَثْنَى لَوَّلَدَتْ
كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلامًا فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
٣٧٧١ - ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٢٣) عَنِ النَّبِيِّفَ قَالَ «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَّ نَبِيُّ اللَّهِ
لِأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْنِي بِغُلامٍ يُقَائِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَوْ
الْمَلَكُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ وَنْسِيَ فَلَمْ تَأْتٍ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ إِلا وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقٌّ
غُلامِ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ «وَلَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَخْنَثْ وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَتِهِ».
٣٧٧٢- ثُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٤) قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لأُطِيفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ
امْرَأَةٌ تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقِيلَ لَهُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ فَأَطَافَ
بِهِنَّ فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «لَوْ قَالَ إِنْ شَاءً
اللَّهُ لَمْ يَخْنَثْ وَكَانُ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ».
٣٧٧٣- ٢/ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٥) عَنِ النّبِيِّ :﴿ قَالَ «قَالَ سُلَيْمَانُ ابْنُ دَاوُدَ لِأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ
عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ
يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَطَافٌ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَجَاءَتْ بِثِقٌ رَجُلٍ.
وَائِمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ».
(٢٢) حَدَّثَتِي أَبُو الرَّبِعِ الْعَتِكِيُّ وَأَبُوِ كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي الرَّبِعِ قَالا حَدْقَا حَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ حَدَّثْنَا
أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٣) وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللّفْظُ لابْنٍ أَبِي عُمَّرَ) قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ هِشَامٍ بْنِ حُجْيْرٍ عَنْ
طّاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- وحّدَّقَا ابْنُّ أَبِي عُمَّرَ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ أَبِي الزَِّادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ◌َ﴿ مِثْلَهُ أَوْ تَحْوَهُ.
(٢٤) وحَدَّقْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّرَاقِ بَّنْ هَمَّامٍ أَخْبُرَنَا مَعْمَرَّ عَنْ أَبَّنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٥) وَحَدَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثْبِي وَرْقَاءً عَنْ أَبِي الزََّادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٤٧٢
٣٧٧٤ - - عَنْ أَبِي الزِّنَادٍ (٣) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنْهُ قَالَ «كُلُّهَا تَحْمِلُ غُلامًا يُجَاهِدُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ».
المعنى العام
سأل اليهود رسول اللَّه بواسطة كفار قريش عن قصة أصحاب الكهف فقال لهم: غداً أجيبكم.
ولم يقل: إن شاء اللّه، فتأخر الوحي، ثم نزلت القصة ونزل قوله تعالى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ
غَدَاهُ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] وأخذ الوحى يذكر المسلمين بهذا الاستثناء، الذى يفوض
الأمور إلى خالقها وأنه ما من شىء يقع فى الكون إلا بإذنه، ولا يقع فى ملكه إلا ما يريد والإنسان
مهما بلغت قوته وسلطته هو وعمله فى قبضة القاهر فوق عباده، فلا يظنن أنه يفعل الشىء بحوله
وقوته، دون مشيئة ربه، وإرادته وقوته، ولا يظن أنه سيفعل غداً كذا وكذا، فيعد، ويجزم، ويحلف، دون
أن يفوض لله الأمر، فقد لا يأتى عليه الغد هو نفسه، وقد يجيء عليه الغد وهو عاجز عن الفعل، وقد
ينسى ما وعد به، وقد يكون ما تمناه فى غده ورجاه، وظن أنه ميسور، قد لا يكون فى دائرة مقدوره
ومشيئته أصلا. بل هو فى محض مشيئة الله وإرادته، كالحمل والولد والحياة.
وهكذا يذكر رسول اللَّه# أمته بهذه الحقيقة بين الحين والحين، ويقص عليهم فى هذا
الحديث ما قصه الله عليه فى وحيه، عن أخيه سليمان بن داود عليهما السلام، مما يؤكد
هذه الحقيقة، فيقول: لقد كان لسليمان عليه السلام ملكا ليس لأحد من بعده، وكان تحته
من النساء ستون أو سبعون أو تسعون امرأة، وكانت جنوده لا قبل لمن حوله من الملوك
بها، وكان يطمع فى زيادة هذه القوة بفرسان من صلبه، فتمنى على الله أن يعينه على أن
يطوف على نسائه جميعهن فى ليلة واحدة، فتحمل كل واحدة ذكرا، فيصير رجلا فارسا، ولو
أنه أجيب لذلك ربما قدر له مائة رجل فى كل عام، لكنه نسى أن يقول: إن شاء اللّه،
بلسانه، وهى دائما فى عقيدته، وخاطره، لكنه لم ينطق بها لسانه فعاقبه ربه، طاف على
نسائه كلهن - ربما مرات- فلم تحمل واحدة منهن، غيرامرأة واحدة، حملت وبعد تسعة
أشهر ولدت نصف طفل، وألقته القابلة على كرسيه متعجبة، فتذكر سليمان خطأه،
واستغفر ربه، ونزل على محمد{ قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى
كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ رَبِّ اغْفِرْلِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَقَّابُ﴾ [ص: ٣٥،٣٤].
(-) وحَدَِّهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا خَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةً عَنْ أَبِي الرِّنَادِ
٤٧٣
المباحث العربية
(كان لسليمان ستون امرأة) فى الرواية الثانية ((لأطوفن الليلة على سبعين امرأة)»
وفى الرواية الرابعة ((لأطوفن الليلة على تسعين امرأة)) وعند النسائى وابن حبان)) مائة
امرأة)) وفى رواية ((مائة امرأة أو تسع وتسعون)) بالشك، فمحصل الروايات: ستون -
سبعون- تسعون - تسع وتسعون- مائة.
وقد رجح بعض العلماء رواية السبعين، وحاول بعضهم الجمع بين الروايات، فقال
النووى: هذا كله ليس بمتعارض، لأنه عند جماهير الأصوليين من مفهوم العدد، ولا يعمل به،
وليس فى ذكر القليل نفى الكثير. اهـ ومعناه أن العبرة بالكثير، فمن قال عندى مائة شاة هو
صادق لوقال: عندى خمسون أو سبعون، فهو بحق عنده المائة، وعنده ما دونها، ولم يرتض
الحافظ ابن حجر هذا الرأى بحجة أن مفهوم العدد معتبر عند كثير من الأصوليين.
وارتضى فى الجمع بين الروايات أن الستين كن حرائر، وما زاد عليهن كن سرارى أو
بالعكس ويقصد بما فوق الستين ما بين التسعين والمائة، فمن قال: تسعون ألغى الكسر
ومن قال مائة، جبر الكسر، ومن هنا وقع التردد فى رواية المائة والتسع والتسعين، أما رواية
السبعين فحملها على قصد المبالغة والتكثير، فإن السبعة يقصد بها الكثرة فى الآحاد،
والسبعين يقصد بها الكثرة فى العشرات والسبعمائة يقصد بها الكثرة فى المئات ومن ذلك
قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرمَا
نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وقوله ﴿اسْتَغْفِرْلَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْلَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْلَّهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وقوله ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَّ سَنَّابِلَ فِي كُلِّ
سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
(فقال: لأطوفن عليهن الليلة) فى الرواية الثالثة ((لأطيفن)) بضم الهمزة وهما لغتان، يقال:
طاف بالشىء، وأطاف به، إذا دار حوله، وتكرر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع، واللام فى جواب
القسم المحذوف، أى والله لأطوفن يشير إلى ذلك قوله فى الرواية الثانية والثالثة ((لم يحنث (لأن
الحنث لايكون إلا عن قسم، والقسم لابد له من مقسم به، وقال بعضهم: اللام ابتدائية، والمراد بعدم
الحنث، وقوع ما أراد، وجزم النووى بأن الذى جرى منه ليس بيمين، لأنه ليس فى الحديث تصريح
بيمين، وتعقبه الحافظ ابن حجر، بأن لفظ اليمين ثبت فى بعض طرق الحديث، ثم قال الحافظ:
واختلف فى الذى حلف عليه، هل جميع ماذكر؟ أو دورانه على النساء فقط، دون ما بعده، من الحمل
والوضع وغيرهما؟ والثانى أوجه، لأنه الذى يقدر عليه، بخلاف ما بعده، فإنه ليس إليه وإنما هو مجرد
تمنى حصول ما يستلزم جلب الخير له، وإلا فلوكان حلف على جميع ذلك لم يكن إلا بوحى، ولو كان
بوحى لم يتخلف، ولو كان بغير وحى لزم أنه حلف على غير مقدور له، وذلك لا يليق بجنابه. قال
الحافظ: قلت: وما المانع من جواز ذلك، ويكون من شدة وثوقه بحصول مقصوده، جزم بذلك وأكد
٤٧٤
بالحلف، فقد ثبت فى الحديث الصحيح ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) اهـ وأشم فى
كلام الحافظ ابن حجر رحمه اللّه طنطنة بعض الصوفية، والإقسام فى الحديث الذى ساقه مراد به
الرجاء، كقول الصحابى: أقسمت عليك يارب أن لا تغيب شمس هذا اليوم حتى أطأ بعرجتى فى
خضر الجنة ((فلم تغب شمس اليوم حتى كان شهيدا، فقد رجا، وتحقق رجاؤه، والرجاء والتمنى من
باب واحد، وبينهما وبين الحلف بعد، ومن المستبعد حقا على عامة المسلمين، فضلا عن الأنبياء أن
يقسموا على غيبى عند اللَّه، لا يملكون منه شيئا، وهو الحمل، وأن يكون ذكرا، وأن يعيش، وأن يكون
فارسا، وأن يجاهد فى سبيل اللّه.
(فتلد كل واحدة منهن غلاما فارسا) سمى الطفل المولود غلاما وفارسا باعتبار ما سيكون،
لشدة تعلقه بالهدف من الحمل.
(فلم تحمل منهن إلا واحدة) معطوف على محذوف، تقديره: فطاف عليهن، وقد صرح به فى
الرواية الرابعة، وفى الرواية الثانية ((فلم تأت واحدة من نسائه ((أى بمولود، وفى الرواية الثالثة ((فلم
تلد منهن إلا امرأة واحدة «والمقصود من نفى الولادة نفى الحمل.
(فولدت نصف إنسان) فى الرواية الثانية ((جاءت بشق غلام)) وفى الرواية الرابعة ((بشق
رجل)) وفى رواية للبخارى ((ولم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا أحد شقيه)) قال النووى: قيل: هو الجسد
الذى ذكره الله تعالى أنه ألقى على كرسيه، فى قوله ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ
أَنّابٌ﴾ [ص: ٣٤].اهـ
قال الحافظ ابن حجر: كذا حكاه النقاش فى تفسيره، وهو صاحب مناكير وقال غير واحد من
المفسرين: إن المراد بالجسد المذكور فى الآية شيطان، وهو المعتمد، قال مجاهد: ﴿أَلْقَيْنَا عَلَى
كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ شيطانا، يقال له: آصف، قال له سليمان: كيف تفتن الناس؟ قال: أرنى خاتمك
أخبرك، فأعطاه، فرماه آصف فى البحر، فذهب ملك سليمان، وقعد آصف على كرسيه، وتقمص
شخصية سليمان، وقام يحكم بين الناس، ومنعه اللَّه نساء سليمان، فلم يقربهن، وفى رواية أن
الشيطان أتاهن فى حيضهن، وأعطت امرأة حوتا لسليمان، فلما فتح بطنه وجد خاتمه فى بطنه، فرد
اللَّه له ملكه، وفر آصف، فدخل البحر.اهـ
فالمراد بالجسد الذى ألقى على الكرسى -على ما قاله النووى - هو شق الإنسان الذى ولد له،
ومعنى إلقائه على كرسيه، وضع القابلة له عليه ليراه.
والمراد من الجسد -على ما اعتمده الحافظ ابن حجر- الشيطان، وأطلق عليه ((جسد)» لأنه إنما
تمثل بصورة غيره، وهو سليمان عليه السلام، وتلك الصورة المتمثلة ليس فيها روح صاحبها الحقيقى،
وإنما حل فى قالبها ذلك الشيطان، فلذا سمى جسدا، وعبارة القاموس صريحة فى أن الجسد يطلق
على الجنى.
والذى اعتمده الحافظ ابن حجر، ليس معتمدا عند المحققين من المفسرين، رغم أن روايته
٤٧٥
أخرجها النسائى وابن جرير وابن أبى حاتم، وقال عنها ابن حجر والسيوطي: بسند قوى عن ابن
عباس، فقد قال أبو حيان وغيره: إن هذه المقالة من أوضاع اليهود وزنادقة السوفسطائية، ولا ينبغى
لعاقل أن يعتقد صحة ما فيها، وكيف يجوز تمثل الشيطان بصورة نبي، حتى يلتبس أمره عند الناس؟
ويعتقدوا أن ذلك المقصود هو النبى؟ ولو أمكن وجود هذا، لم يوثق بإرسال نبى، نسأل اللَّه تعالى
سلامة ديننا وعقولنا، قال: ومن أقبح ما فيها زعم أن الشيطان تسلط على نساء نبيه، حتى وطئهن،
وهن حيض. الله أكبر. هذا بهتان عظيم، ونسبة الخبر إلى ابن عباس - رضى الله عنهما- لا نسلم
صحتها، وكذا لا نسلم دعوى قوة سنده إليه.
وقال ابن المنذر ما معناه: إن ذلك من أخبار كعب، ومعلوم أن كعبا يرويه عن كتب اليهود، وهى
لا یوثق بها.
(لوكان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلاماً فارساً) المراد من الاستثناء هنا، قول:
إن شاء اللَّه. كما صرح به فى الروايات الثلاث التالية. قال النووي: وهذا محمول على أن النبى 0#
أوحى إليه بذلك فى حق سليمان، لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا.
(فقال له صاحبه، أو الملك) قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظاهر، وقيل: القرين، وقيل:
صاحب له آدمي، وقيل: خاطره، وهو بعيد.
(فلم يقل، ونسى) قال النووى: ضبطه بعض الأئمة بضم النون وتشديد السين، وهو
ظاهر حسن.اهـ
وفى الرواية الرابعة ((فلم يقل: إن شاء اللَّه)) وفى رواية للبخاري ((ونسى أن يقول: إن شاء اللَّه))
ومعنى «فلم يقل)» أى بلسانه، لا أنه أبى أن يفوض إلى اللَّه، بل كان ذلك ثابتا فى قلبه، لكنه اكتفى
بذلك أولا، ونسى أن يجريه على لسانه، لشيء عرض له، لما قيل له، وقيل: نسى أن يقصد الاستثناء
الذى يرفع حكم اليمين، يشير إلى ذلك قوله ((ولو قال: إن شاء اللّه لم يحنث)».
(وايم الذى نفس محمد بيده) اليمين الحلف، والقسم، مؤنث، سمى باسم يمين اليد، لأنهم
كانوا يتماسحون بأيمانهم، فيتحالفون، وفى الصحاح: لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم
يمينه على يمين صاحبه، والواو فى ((وايم)) استئنافية، و((ايم)) بضم الميم مبتدأ، خبره محذوف،
والتقدير: ايم الذى نفس محمد بيده قسمى، أى أيمان اللَّه قسمى، وأصل ((ايم)) أيمن، جمع يمين،
وهمزتها فى الأصل همزة قطع، خففت، وصارت همزة وصل، لكثرة استعمالهم لها، كما حذفت تخفيفا
لكثرة الاستعمال.
(وكان دركاله فى حاجته) ((دركا)) بفتح الدال والراء، أى إدراكا، قال تعالى ﴿لا
تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] وفى رواية للبخارى ((وكان أرجى لحاجته)) والمراد أنه
كان يحصل له ما طلب.
٤٧٦
فقه الحديث
قال القاضى: أجمع المسلمون على أن قول: ((إن شاء الله)) يمنع انعقاد اليمين، إذا كان متصلا
باليمين، ولا خلاف فى ذلك إذا كان اليمين بالله تعالى.
قال: واختلفوا فى الاتصال، فقال مالك والأوزاعى، والشافعى والجمهور: هو أن يكون قوله ((إن
شاء اللَّه)) متصلا باليمين، من غير سكوت بينهما، قال مالك: إذا سكت، أو قطع كلامه، فلا استثناء،
وقال الشافعى: يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول، ووصله أن يكون نسقا، فإن كان بينهما سكوت
انقطع، إلا إن كانت سكتة تذكر، أو تنفس، أو مرض عى، أو انقطاع صوت، وكذا يقطعه الأخذ فى
كلام آخر.
وعن طاووس والحسن وجماعة من التابعين أن له الاستثناء مالم يقم من مجلسه، وعن أحمد
نحوه، وقال: ما دام فى ذلك الأمر. وقال قتادة: مالم يقم، أو يتكلم، وعن عطاء: قدر حلب ناقة. وقال
سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر، وعن مجاهد سنتين، وعن ابن عباس أقوال: شهر. أربعة أشهر. سنة.
له الاستثناء أبدا، متى تذكره. قال أبو عبيد: وهذا لا يؤخذ على ظاهره، لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحد
فى يمينه، وأن لا تتصور الكفارة التى أوجبها اللَّه على الحالف، ووجه ما ورد عن هؤلاء بأن مرادهم
سقوط الإثم عن الحالف، لتركه التبرك بقوله ((إن شاء اللَّه)) لأنه مأمور به، فى قوله تعالى ﴿وَلا تَقُولَنَّ
لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤،٢٣] فكأنهم يقولون: إذا نسى أن يقول: إن
شاء اللّه، يستدركه، ولم يريدوا أن الحالف، إذا قال ذلك بعد أن ينقضى كلامه، أن ما عقده باليمين
ينحل، وأنه بذلك يمنع الحنث.
واتفق العلماء - كما حكاه ابن المنذر - على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفظ به المستثنى،
وأنه لا يكفى القصد إليه بغير لفظ، وحكى عن بعض المالكية صحة الاستثناء بالنية، من غير لفظ.
وهل يعمل بالاستثناء فى غير اليمين باللّه؟ قال النووي: مذهب الشافعى والكوفيين
وأبى ثور وغيرهم صحة الاستثناء فى جميع الأشياء، حتى فى الطلاق والعتق، فلوقال: أنت
طالق إن شاء اللَّه، أو أنت حر إن شاء اللّه، أو أنت على كظهر أمى إن شاء اللّه، أولزيد فى
ذمتى ألف درهم إن شاء اللَّه، أو إن شفى اللَّه مريضى فلله على صوم شهر إن شاء اللّه، صح
الاستثناء فى كل ذلك، ولا ينعقد، ولا حنث.
وقال مالك والأوزاعى: لا يصح الاستثناء فى شىء من ذلك، إلا اليمين باللّه تعالي، وحكى عن
الأوزاعى وطاووس: لا يدخل الاستثناء فى الطلاق والعتق والمشى إلى بيت الله، وعن مالك مثله، وعنه
مثله إلا المشى، وقال الحسن وقتادة وابن أبى ليلى والليث: يدخل فى الجميع إلا الطلاق، وعن أحمد،:
يدخل فى الجميع إلا العتق، واحتج بتشوف الشارع له.
٤٧٧
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أنه يستحب للإنسان، إذا قال: سأفعل كذا، أن يقول: إن شاء الله تعالي.
٢- وأنه إذا حلف، وقال متصلا بيمينه: إن شاء اللَّه، لم يحنث بفعله المحلوف عليه.
٣- وخصوصية سليمان فى عدد نسائه.
٤- وفيه ما اختص به الأنبياء من القوة والإطاقة على جماع هذا العدد من النساء فى ليلة واحدة.
قاله النووى.
٥- ومن قوله ((لوكان استثنى لولدت .... )) جواز قول ((لو)) و((لولا)) قال النووي: قال
القاضى عياض: هذا يستدل به على جواز قول ((لو)) و ((لولا)) وقد جاء فى القرآن كثيرا،
وفى كلام الصحابة والسلف، وترجم البخارى على هذا: باب ما يجوز من اللو، وأدخل
فيه قول لوط ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةٌ﴾ [هود: ٨٠] وقول النبي® ((لو كنت راجما بغير بينة
لرجمت هذه)) و((لومد لى الشهر لواصلت)) و((لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت
على قواعد إبراهيم ((و(«لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)» وأمثال هذا. قال: والذى
يتفهم من ترجمة البخارى، وما ذكره فى الباب من القرآن والآثار، أنه يجوز استعمال
((لو)) و((لولا)) فيما يكون للاستقبال وهو ما يمتنع فعله لوجود غيره، فى ((لولا)) وما يمتنع
فعله لا متناع غيره فى «لو)» لأنه لم يدخل فى الباب سوى ما هو للاستقبال، أو ما هو
حق صحيح متيقن، كحديث ((لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)» دون الماضى
والمنقضى، أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق، وقد ثبت فى الحديث الآخر،
فى صحيح مسلم ((وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر
اللَّه، وما شاء فعل)) قال القاضى، قال بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم
والقطع بالغيب، أنه لوكان كذا لكان كذا، من غير ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى
سابق قدره، فأما من قاله على التسليم، ورد الأمر إلى مشيئته، فلا كراهة فيه، والذى
عندى أن ((لو)» و «لولا)) سواء إذا استعملتا فيما لم يحط به الإنسان علما، ولا هو داخل
تحت مقدور قائلهما، مما هو تحكم على الغيب، واعتراض على القدر، مثل قول
المنافقين ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] و﴿لَوْكَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا
قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] و﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِن الأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]
فمثل هذا هو المنهى عنه، وأما هذا الحديث الذَى نحن فيه، فإنما أخبر صلى اللّه عليه
وسلم فيه عن يقين نفسه، أن سليمان لوقال: إن شاء اللّه، لجاهدوا، إذ ليس هذا مما
يدرك بالظن والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقة، أعلمه الله تعالى بها، فلا معارضة بين
هذا، وبين حديث النهى عن ((لو)) وقال تعالى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِن اللَّهِ سَبَقَ
لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنًا.﴾ [الزخرف: ٣٣]
لأن الله تعالى مخبر فى كل ذلك عما مضى، أو يأتى عن علم، خبرا قطعيا، وكل ما يكون
٤٧٨
من (لو)) و((لولا)) مما يخبر به الإنسان عن علة امتناعه من فعله، مما يكون فعله فى
قدرته، فلا كراهة فيه، لأنه إخبار - حقيقة- عن امتناع شىء لامتناع شىء وامتناع شىء
لحصول شىء، فلا كراهة، إلا أن يكون كاذبا فى ذلك، كقول المنافقين ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا
لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
٦- أن فى ذكر ((إن شاء الله)) رجاء لحصول المقصود، وفى ترك الاستثناء خشية عدم
حصول المطلوب.
٧- وفى فضل فعل الخير، وتعاطى أسبابه . .
٨- ومن إتيان سليمان نساءه بهذا القصد أن كثيرا من المباحات والملذات يصير مستحبا بالنية.
٩- ومما تمناه سليمان جواز الإخبار عن الشىء الذى قد يحصل فى المستقبل، والبناء
عليه، إذا غلب على الظن، فإن سليمان جزم بما قال، ولم يكن ذلك عن وحى، وإلا لوقع،
قال القرطبى: ولا يظن بسليمان عليه السلام أنه قطع بذلك على ربه، لا يظن ذلك إلا من
جهل حال الأنبياء، وأدبهم مع ربهم.
١٠ - وفيه جواز السهو والنسيان على الأنبياء، وأن ذلك لا يقدح فى علو منصبهم.
١١ - وفيه جواز إضمار المقسم به فى اليمين، لقوله ((لأطوفن)) مع قوله صلى اللّه عليه وسلم
((لم يحنث)).
١٢ - وفيه حجة للحنفية، حيث قالوا: لا يشترط التصريح بمقسم به معين، فمن قال أحلف، أو أشهد
ونحو ذلك فهو يمين، وقيده المالكية بالنية، وقال بعض الشافعية: ليست بيمين مطلقا.
١٣- وفيه استعمال الكناية فى اللفظ الذى يستقبح ذكره، لقوله ((لأطوفن)) بدل قوله
((لأجامعن)) كذا قيل.
(وفى كثير من هذه المآخذ نظر من حيث إن كلام سليمان لم يكن بالعربية، ولم تكن فى لغته هذه
الأسرار البلاغية، وكثير منها مبنى على أن شرع من قبلنا شرع لنا).
١٤- وفى قوله صلى الله عليه وسلم، فى الرواية الرابعة ((وأيم الذى نفس محمد بيده)» جواز الحلف
بهذا اللفظ، واختلف العلماء فى ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: هو يمين، وقال الشافعية: إن نوى
به الیمین فھو یمین، وإلا فلا.
والله أعلم
٤٧٩
(٤٣٨) باب الإصرار على اليمين
٣٧٧٥ - ٢٢٦ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُبِّهٍ(٢٦) قَالَ: هَذَا مَا حَذَّنَا أَبُو هُرِّيْرَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِعَهُ فَذَكَّرَ
أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ «وَاللَّهِ لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللّهِ
مِنْ أَن يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ».
المعنى العام
قلنا قبل بابين: إن اللَّه تعالى شرع كفارة اليمين كعبادة مالية أو بدنية، إطعام عشرة مساكين
من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
وقلنا: إن الحالف إذا وجد خيرا مما حلف عليه كان بين خيرين، عليه أن يقدم أحسنهما
بالإنجاز، وهو غير المحلوف عليه، ويكفر عن يمينه، وبذلك يحصل على الخيرين معا.
وهذا الحديث يعالج حالة من حالات التزمت والجهل، حين يظن الحالف أن الكفارة للحنث
معصية، وأن تحقيق ما حلف عليه خير من الحنث مع الكفارة، ولو كان فيما حلف عليه ضرر له
وللآخرين، وهذا فهم خاطئ، لأن الحنث مع الكفارة عبادة مطلوبة، ومقدمة مالم يكن المحلوف عليه
طاعة وعبادة أكبر منها، وصدق الله العظيم، حيث يقول ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ
وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
المباحث العربية
(لأن يلج أحدكم بيمينه فى أهله) ((لأن)) اللام المفتوحة فى جواب القسم، و((أن)) بفتح
الهمزة وسكون النون الناصبة، و((يلج)) بفتح الياء، وفتح اللام، وتشديد الجيم، من اللجاج، وهو
الإصرار على الشىء، يقال: لج فى الأمر، يلج بكسر اللام فى المضارع، لجاجا بفتح اللام ولجاجة،
لازمه وأبى أن ينصرف عنه، وفى القرآن الكريم ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرِّلَلَجُّوا فِي
طَغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] والمعنى لأن يتمادى ويصر أحدكم على تنفيذ يمينه وتحقيق ما
حلف عليه، وذكر الأهل ليس للاحتراز عن غيرهم، بل للتهيج والإثارة، والمسلمون جميعا كالأهل.
(آثم له عند اللَّه من أن یعطی کفارته التى فرض الله) «آثم)» بهمزة ممدودة، أفعل
تفضيل، أى أكثر إثما وذنبا، وأصل أفعل التفضيل اشتراك أمرين فى صفة، وزيادة أحدهما على الآخر
(٢٦) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ
٤٨٠