النص المفهرس
صفحات 341-360
(توفى والدى- أو استشهد) والدى. فقد استشهد أبوه فى أحد رضي الله عنه.
(ولى أخوات صغار) فى رواية لمسلم سبقت فى كتاب النكاح ((وترك تسع بنات - أو سبع-))
وفى رواية ((ست)) قال الحافظ ابن حجر: فكأن ثنتين منهن أو ثلاثة كن متزوجات من تسع، فقصد
الكل تارة، وقصد غير المتزوجات تارة أخرى.
(فكرهت أن أتزوج إليهن مثلهن) فى الصغر، وعدم الدراية، وعدم القدرة على رعاية الشئون،
والمعنى فكرهت أن أتزوج مثلهن مضمومة إليهن.
(فلا تؤدبهن، ولا تقوم عليهن) وفى رواية ((فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن))
(فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن، وتؤدبهن) فى رواية ((فأحببت أن أجىء بامرأة تقوم عليهن
وتصلحهن)) وفى رواية ((تقوم عليهن وتمشطهن)) وفى رواية ((تجمعهن، وتمشطهن، وتقوم عليهن)) ذكر
ابن سعد أن هذه المرأة كان اسمها سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسیة.
وفى رواية سبقت ((قال: أصبت)) وفى أخرى ((قال: فبارك اللَّه لك، أوقال لى خيرا)) وفى ثالثة
((أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس)) أى الزم العقل والذكاء والظرف فى معالجتك أمور
زوجك وأخواتك. وظاهر إحدى روايات مسلم أن البيع كان بعد حديث الزواج، ولفظها بعد أن ذكر
محادثة الزواج ((ثم قال: أتبيع جملك ... إلخ)).
(فاستأذنته، فأذن لى) أى استأذنته فى أن أسبقه وأسبق القوم إلى المدينة، فأذن لى،
فتقدمت الناس إلى المدينة.
(حتى انتهيت. فلقينى خالى، فسألنى عن البعير) أى حتى انتهيت إلى المدينة وإلى
بيتى، ولعل سر سؤال خاله عن البعير أنه رآه يسير كأحسن بعير بعد أن كان ضعيفا.
(فلامنى فيه) اللوم سببه أن البعير كان على هذا مرغوبا فيه عندهم، ولم يكن لهم ناضح سواه،
كما سبق، وليس لأنه باعه لرسول اللّه:﴿، وبثمن أقل مما يستحق.
(فلما قدم صرارا أمر ببقرة فذبحت) ((صرار)) بفتح الصاد وكسرها، والكسر أشهر وأفصح،
وتخفيف الراء، وهو موضع قريب من المدينة، وقال الخطابى: هى بئر قديمة، على ثلاثة أميال من
المدينة، وضبطه بعض الرواة فى مسلم والبخارى ((ضرار)) بالضاد، وهو خطأ، و((صرار)) غير مصروف،
والمشهور صرفه.
وفى الرواية الثامنة ((فنحرت)) والنحر الذبح هنا، جمعا بين الروايات، والمشهور أن النحر فى
الإبل خاصة، أى الطعن فى المنحر، وهو أعلى الصدر، حتى يبدو الحلقوم من أعلى الصدر، أما الذبح
فهو فى الرقبة بقطع الودجين ويكون فيما عدا الإبل.
٣٤١
وكان من عادة الرسول # أن لا يدخل المدينة فجأة، فنزل بأصحابه قبلها بثلاثة أميال، وذبح
لهم، ليأكلوا، ويستريحوا، حتى يستعد النساء للقاء الأزواج.
(فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدنى ثمنه) فى الرواية الثانية ((فلما قدم رسول اللّه ◌ُ ﴾
المدينة غدوت إليه بالبعير)) أى ذهبت إليه بالبعير صباحا، وفى الرواية الخامسة ((فلما قدمت
المدينة أتيته به)) أى فلما قدمت المدينة، واسترحت عند أهلى، وأصبحت أتيته به، وفى الرواية
الثالثة ((فلما قدمت المدينة قال رسول اللّه ** لبلال: اعطه ... إلخ)) وفى الرواية السابعة ((فلما قدم
المدينة أمرنى أن آتى المسجد، فأصلى ركعتين، ووزن لى ثمن البعير)» وعند مسلم فى رواية سبقت فى
كتاب النكاح ((وقدمت بالغداة، فجئت المسجد، فوجدته على باب المسجد، فقال: الآن حين
قدمت؟ قلت: نعم. قال: فدع جملك، وادخل، فصل ركعتين، قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت، فأمر
بلالاً أن يزن لى أوقية)) فوزن لى بلال، فأرجح فى الميزان)) أى بعلم الرسول ﴿، وبأمره، ففى الرواية
الثالثة ((قال لبلال: أعطه أوقية من ذهب، وزده، قال: فأعطانى أوقية من ذهب، وزادنى قيراطا، قال:
فقلت: لا تفارقنى زيادة رسول اللّه ◌َ﴿)) (أى سأحتفظ بها فى كيس كبركة، لا أنفقه أبدا) فكان
القيراط فى كيس لى، فأخذه أهل الشام يوم الحرة)) بفتح الحاء، والحرة الحجارة السوداء، والمراد
حرة المدينة، ويوم الحرة كان سنة ثلاث وستين، وكان قتال ونهب من أهل الشام لأهل المدينة.
(ثم رجعت، فأرسل فى أثرى) أى بعد أن نقدنى ثمن البعير وسلمته إياه، رجعت إلى أهلى،
فأرسل عقب عودتى سريعا يطلبنى، فجئته، فى رواية لمسلم سبقت ((قال: فانطلقت فلما وليت قال:
ادع لى جابرا، فدعيت، فقلت)) - أى فى نفسى، فى طريقى إليه - ((الآن يرد على الجمل)) - أى
ويسترد ثمنه، ((ولم يكن شىء أبغض إلى منه)) أى من رده، لسعادتى بمعاملة النبى ﴾.
(أترانى ماكستك لآخذ جملك؟) ((ترانى)) بضم التاء، أى أتظنى، والمماكسة فى البيع
والشراء هى المساومة، والمراد هنا المكالمة فى النقص من الثمن، وأصلها النقص مطلقا.
(خذ جملك ودراهمك، فهو لك) فى الرواية الثانية ((فأعطانى ثمنه، ورده على)) وفى الرواية
الخامسة ((فزادنى وقية، ثم وهبه لى)) والمقصود بالأوقية الأوقية الأولى. وفى الرواية السادسة ((لك
الثمن ولك الجمل.لك الثمن ولك الجمل)» كررها مرتين، لأنه أمر مستغرب.
فقه الحديث
ما يتعلق بهذا الحديث من أحكام النكاح سبق فى كتاب النكاح، باب نكاح ذات الدين ونكاح
البكر، [باب رقم ٣٩٣] كما سبق هناك كثير مما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
ونضيف هنا:
قال النووى: حديث جابر حديث مشهور، واحتج به أحمد ومن وافقه على جواز بيع الدابة، مع
اشتراط البائع لنفسه ركوبها، وقال مالك: يجوز إذا كانت مسافة الركوب قريبة، وحمل هذا الحديث
٣٤٢
على هذا. وقال الشافعى وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلت المسافة أو كثرت، ولا ينعقد
البيع، واحتجوا بالحديث السابق فى النهى عن بيع الثنيا - أى الاستثناء فى البيع، وقد سبق قريبا أن
النهى عنه لأن المستثنى غالبا مجهول- وبالحديث الآخر فى النهى عن بيع وشرط، وأجابوا عن
حديث جابر بأنها قضية عين، تتطرق إليها احتمالات، قالوا: ولأن النبى - أراد أن يعطيه الثمن، ولم
يرد حقيقة البيع، قالوا: ويحتمل أن الشرط لم يكن فى نفس العقد، وإنما يضر الشرط إذا كان فى
نفس العقد، ولعل الشرط كان سابقا، فلم يؤثر، ثم تبرع صلى الله عليه وسلم بإركابه.اهـ
وقال ابن سيرين وعبد الله بن شبرمة التابعيان، وحماد بن أبى سليمان: البيع صحيح
والشرط صحيح.
وقال الحسن البصرى والنخعى وابن أبى ليلى وأبو ثور وابن المنذر: البيع صحيح،
والشرط باطل لاغ.
وقال أحمد وإسحق: إن شرطا شرطاً واحداً صح البيع، ولزم الشرط، وإن شرطا شرطين فأكثر
بطل البيع.
ويؤخذ من الحديث بالإضافة إلى المآخذ المذكورة فى كتاب النكاح
١ - جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع.
٢- وجواز المماكسة فى البيع.
٣- واستحباب الابتداء بالمسجد، وصلاة ركعتين فيه عند القدوم من السفر.
٤- وأن نافلة النهار يستحب كونها ركعتين ركعتين، كصلاة الليل. وهو مذهب الشافعية
ومذهب الجمهور.
٥- استحباب الدلالة على الخير.
٦- قال النووى: فيه التبرك بآثار الصالحين، لقوله ((لا تفارقه زيادة رسول اللّه وَ ﴿))
٧- وجواز تقدم بعض الجيش الراجع، بإذن الأمير.
والله أعلم
٣٤٣
(٤١٩) باب اقتراض الحيوان وحسن الوفاء
٣٦١٥ - ١١٨ عَنْ أَبِي رَافِعٍ﴾(١١٨): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ِ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا. فَقَدِمَتْ
عَلَيْهِ إِيلٌ مِنْ إِيلِ الصَّدَقَةِ. فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ
أَجِدْ فِيهَا إِلا خِيّارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ «أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً».
٣٦١٦- ١١٩ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ◌َِ(١١٩) مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ﴿ بَكْرًا. بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنْهُ قَالَ «فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءٌ».
٣٦١٧ - ٠ ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٢٠) قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ حَقٌّ فَأَغْلَظَ لَهُ.
فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النّبِيِّ ◌َ. فَقَالَ النَّبِيُّ : ﴿: «إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالا» فَقَالَ لَهُمُ «اشْتَرُوا لَهُ
سِبًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ)» فَقَالُوا إِنَّا لا نَجِدُ إِلا سِنَّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنّهِ. قَالَ «فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ
مِنْ خَيْرِكُمْ - أَوْ خَيْرَكُمْ - أَحْسَنُكُمْ قَضَاءٌ)».
٣٦١٨ - ١ ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٢١) قَالَ: اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: سِنًا. فَأَعْطَى سِنَّا فَوْقَهُ.
وَقَالَ «خِيَارُكُمْ مَحَاسِئُكُمْ قَضَاءٌ)».
٣٦١٩- ١٢٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٢٢) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَتْقَاضَى رَسُولَ اللَّهِل ◌َ بَعِيرًا. فَقّالَ
«أَعْطُوهُ سِنًا فَوْقَ سِنِّهِ» وَقَالَ «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءٌ)».
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿هَلْ جَرَاءُ الإِحْسَانِ إِلّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]؟ ويقول ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِدَّةٍ
فَحَيُّوا بأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] أدب عام رفيع من آداب الإسلام، أن يوفى المدين دينه
فور التمكن من الأداء، وأن يحسن إلى الدائن عند الوفاء، بالزيادة أو بالكلمة الطيبة، والشكر على ما
(١١٨) حَدَّثَّا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَّاءِ بْنِ يَسَّارٍ
عن أبي رافع
(١١٩) حَدَّثَا أَبُو كُرَّيْبٍ. حَدْقْنَا خَالِدُ بْنُ مُخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ. أَخْبُرَّنَا عَطّاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَّافِعٍ
(١٢٠) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ بْنٍ عُثْمَانُ الْعَبْدِيُّ. حَدَّقَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كْهْلٍ، عَنْ أَبِي
سَلّمَةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٢١) حَدَّا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنٍ صَالِحٍ، عَنْ سَلَّمَةٌ بْنٍ كُهَيْلٍ. عَنْ أَبِي سَلَّمَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَّيْرٍ. حَدَثْنَا أَبِي. خَدَّا سُفْيَانُ عَنْ سَلّمَةٌ بْنٍ كُهَيَّلٍ، عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٣٤٤
قدم من معروف، وأن يتحمل المدين مطالبة الدائن، وإن شدد، فهو صاحب حق، مادام يطالب فى
حدود الآداب، وإن ألح.
بهذه الآداب يتم التعاون بين المسلمين، ويصبح مثل المؤمنين كمثل اليدين تغسل إحداهما
الأخرى، ولا يخشى القادر إقراض المحتاج، ويجد المحتاج من يساعده عند الشدائد. وكان رسول اللّه
* المثل الأعلى فى تطبيق هذه الآداب. وكيف لا وقد كان خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم.
كان صلى الله عليه وسلم يمر على بيوته الشهر والشهران ثلاثة أهله فى شهرين، لا يوقد فى بيته
نار، لعدم وجود ما يطهى بالنار، فلم يكن يستقرض لنفسه شاة ولا بعيرا، ولكنه كان يقترض للفقراء
حين لا يكون فى بيت المال ما يحتاجون، فإذا جاءت إبل الصدقة، سدد ما اقترض، بما هو مثله، أو
بأحسن مما اقترض، وكان يتحمل شدة صاحب الحق، ويقول: إن لصاحب الحق مقالا، وكان يدعو
إلى إكرام المقرض، والإحسان عند أداء الحقوق، ويقول ((خيركم أحسنكم قضاء)» بهذا يقول الدائن
للمدين ((أوفيتنى أو فى اللَّه بك وأوفاك))
المباحث العربية
(استسلف من رجل بكرا) يقال: أسلفت رجلا مالا، وسلفته مالا، بتشديد اللام، أقرضته إياه،
ويقال: استلف واستسلف من رجل مالا، أى اقترض، والبكر بفتح الباء وسكون الكاف الصغير من
الإبل، كالغلام من الآدميين، والأنثى بكرة وقلوص، وهى الصغيرة من الإبل، كالجارية من الآدميين.
(لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا) بفتح الراء، وتخفيف الياء، وهو من الإبل ما استكمل ست
سنين ودخل فى السابعة، والذكر رباع، والأنثى رباعية بتخفيف الياء. أى لم أجد فى إبل الصدقة إلا
ما هو خير من سنه، لم أجد إلا رباعيا.
(إن خيار الناس أحسنهم قضاء) («خيار) جمع خير بفتح الخاء وسكون الياء،
ومثله أخيار وخيور.
وفى الرواية الثانية ((إن خير عباد الله)) وفى الرواية الثالثة ((إن خيركم)) وفى الرواية الرابعة
((خياركم)) وفى الرواية الخامسة ((خيركم)) قال العلماء: لما أضيف أفعل أى ((خير)) والمقصود به
الزيادة جازفيه الإفراد والجمع، ومثله ((أحسنكم)) ففى الرواية الأولى والثانية ((أحسنهم قضاء)) وفى
الرواية الثالثة والخامسة ((أحسنكم قضاء)) وفى الرواية الرابعة ((محاسنكم قضاء)) و((من)) مقدرة فى
((خيار الناس)) و((خير عباد اللَّه)) وقد صرح بها فى الرواية الثالثة، فإن من فعل ذلك ليس خير عباد
اللَّه على الإطلاق، بل من خيرهم.
(كان لرجل على رسول اللَّه:# حق، فأغلظ له) أى فى المطالبة به، أى شدد المطالبة، من
غير قدر زائد، قال الحافظ بن حجر: ويحتمل أن يكون الإغلاظ بغير ذلك، ويكون صاحب الدين كافرا،
٣٤٥
فقد قيل: إنه كان يهوديا، والأول أظهر، فقد روى أنه كان أعرابيا، وكأنه جرى على عادته من جفاء
المخاطبة. قيل: إنه العرباض بن سارية، وقيل: غيره. والقصة وقعت للعرباض ولغيره.
(فهم به أصحاب النبى ) أى أرادوا أن يؤذوه بالقول أو الفعل، لكن لم يفعلوا أدبا مع
النبى ﴾.
(إن لصاحب الحق مقالا) أى حجة قوية، وجرأة فى الطلب، لكن مع مراعاة الأدب المشروع.
(اشتروا له سنا) أى جملاله سن معين. قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين رواية ((اشتروا له))
والرواية الأولى، وأن القضاء من إبل الصدقة بأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالشراء أولا، ثم قدمت إبل
الصدقة، فأعطاه منها، أو أنه أمر بالشراء من إبل الصدقة ممن استحق منها شيئا، ويؤيده رواية ابن
خزيمة ((إذا جاءت الصدقة قضيناك)).
فقه الحديث
قال النووى: الحديث فى اقتراض الحيوان، وفيه ثلاثة مذاهب:
الشافعى ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف أنه يجوز قرض جميع الحيوان، إلا الجارية
لمن يملك وطأها، فإنه لا يجوز، ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطأها، كمحارمها، والمرأة والخنثى.
والمذاهب الثانى مذهب المزنى وابن جرير وداود أنه يجوز قرض الجارية وسائر
الحيوان لكل واحد.
والثالث مذهب أبى حنيفة والكوفيين أنه لا يجوز قرض شىء من الحيوان، وهذه الأحاديث ترد
عليهم ولا تقبل دعواهم النسخ بغير دليل. اهـ واحتجوا بحديث النهى عن بيع الحيوان بالحيوان
نسيئة، وهو حديث قد روى عن ابن عباس مرفوعا، أخرجه ابن حبان والدارقطنى وغيرهما، ورجال
إسناده ثقات، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه الترمذى، وفى سنده مقال، وهو حديث صالح
للحجة فى الجملة، وادعى الطحاوى أنه ناسخ لحديث الباب، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال،
والجمع بين الحديثين ممكن، فقد جمع بينهما الشافعى وجماعة، بحمل النهى على ما إذا كان نسيئة
من الجانبين، ويتعين المصير إلى ذلك، لأن الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما باتفاق، وإذا
كان ذلك هو المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز استقراض الحيوان والسلم فيه.
واعتل من منع قرض شىء من الحيوان كذلك بأن الحيوان يختلف اختلافا كبيرا يمنع من
الوقوف على حقيقة المثلية فيه، وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف، بما يدفع التغاير، وقد
جوز الحنفية التزويج والكتابة على الرقيق الموصوف فى الذمة، مع احتمال الاختلاف بين الوصف
وبين الواقع.
وقد استشكل على حديث الباب، فقيل: كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذى يستحقه
٣٤٦
الغريم، مع أن الناظر على الصدقات لا يجوزله التبرع منها؟ وأجيب بأنه يحتمل أنه صلى الله عليه
وسلم اقترض لنفسه، فلما جاءت إبل الصدقة، وأعطى المستحقون إبلاء اشترى من أحدهم بعيرا
رباعيا، فملكه النبى ® بثمنه، وأوفاه، متبرعا بالزيادة من ماله، ويدل على هذا ما جاء فى رواية أبى
هريرة ((أن النبى قال: اشتروا له سنا)» قال النووى: فهذا هو الجواب المعتمد، وقد قيل فيه أجوبة
أخرى، منها أن المقترض كان أحد المحتاجين، استقرض لنفسه من آخر، فلما جاءت إبل الصدقة
أعطاه منها، وأمره بالقضاء، فلم يكن صلى الله عليه وسلم طرفا فى الاستقراض والأداء. اهـ وهذا الرد
غير مقبول لأن ألفاظ الحديث تبعد ذلك وبخاصة الرواية الثالثة فالجواب هو الأول.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - جواز المطالبة بالدين، إذا حل أجله.
٢- وفيه حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه.
٣- وأن من عليه دين لا ينبغى له مجافاة صاحب الحق والإساءة إليه لمطالبته، فإن له مقالا، لكن
بالآداب الشرعية.
٤- وأن من أساء الآداب على الإمام استحق التعزير بما يقتضيه الحال، إلا أن يعفو الإمام.
٥- وفيه أن الاقتراض فى الأمور المباحة لا يعاب، فكيف فى البر والطاعة؟
٦- وأن للإمام أن يقترض على بيت المال، لحاجة بعض المحتاجين، ليوفى ذلك من مال الصدقات.
٧- وفيه حسن القضاء، وأنه يستحب لمن عليه الدين، من قرض وغيره أن يرد أجود من الذى عليه،
وهذا من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة فهو منهى عنه، لأن المنهى عنه ما
كان مشروطا فى عقد القرض، قال النووى: ومذهبنا أنه يستحب الزيادة فى الأداء، عما عليه،
ويجوز للمقرض أخذها، سواء زاد فى الصفة، أو فى العدد، بأن أقرضه عشرة، فأعطاه أحد عشرة،
ومذهب مالك أن الزيادة فى العدد منهى عنها، وحجة أصحابنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم
((خيركم أحسنكم قضاء)».
٨- وفى هذه الأحاديث جواز السلف فى الحيوان، وحكمه حكم القروض.
٩- واستدل به الشافعى على جواز تعجيل الزكاة على أساس أن استقراضه صلى الله عليه وسلم كان
للمحتاجين مستحقى الزكاة، فأعطاهم من الزكاة عاجلة حتى جاءت إبل الصدقة.
واللَّه أعلم
٣٤٧
(٤٢٠) باب بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلا
٣٦٢٠ - ١٣ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٢٣): قَالَ جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ :﴿ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَشْعُرْ أَنْهُ
عَبْدٌ فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ. فَقَالَ لَهُ النِّبِيُّلِ «بِعْنِيهِ» فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنٍ. ثُمَّ لَمْ يُبَابِعْ أَحَدًا
بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ «أَعْبْدٌ هُوَ؟».
المعنى العام
ما زال الموضوع فيما يجوز بيعه، وما لا يجوز، ولما كنا فى أبواب سابقة ذكرنا الربا فى أصناف
معينة الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح وكان
الاختلاف بين العلماء فى القياس على هذه الأصناف أو عدم القياس عليها، كان من تمام الموضوع
النص على بيع الحيوان بالحيوان مقابضة، أو نسيئة، وهذا الحديث يصور قصة عبد أسلم، وسمع
بالهجرة وبأجرها، فسافر من موطن سيده بدون علمه إلى المدينة، وطالب أن يبايع رسول اللّه ◌ُ *
على الهجرة، وظن الرسول الكريم أنه حر، فبايعه، فلما علم سيده بهجرته جاء إلى رسول اللّه 4*
يطلب رده. فاعتذر إلى سيده بأنه لم يكن يعلم أنه عبد، وإلا لما بايعه إلا بإذن سيده، وطلب أن
يشتريه من سيده بعبدين أسودين، وقبل السيد ولم يعد صلى الله عليه وسلم يبايع أحدا حتى يتحقق
منه، أعبد هو فلا يبايعه، إلا بإذن سيده، أم حرفيبايعه. صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
...
(على الهجرة) من مكة إلى المدينة، فقبل النبى ® بيعته. فلا يصح رجوعه إلى دار الكفر.
(فجاء سيده) من موطنه إلى رسول اللّه ل:﴿ بالمدينة.
(أعبد هو؟) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، وفى بعض النسخ ((أعبد هو أوحر))؟
فقه الحديث
لا يجوز بيع العبد المسلم لكافر. والحديث يفيد أن الرسول # باع الرجل عبدين أسودين، ولم
يبين هل كانا مسلمين؟ أو كافرين، وهل السيد المشترى كان مسلما؟ أو كافرا؟ فهذا الحديث
محمول على أن السيد كان مسلما، أو أن العبدين الأسودين كانا كافرين.
(١٢٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْمَى الْتَمِيمِيُّ وَابْنُ رُمْحٍ. قَالا: أَخْبَرَّنَا اللَّيْثُ. ح وحَدْقَيِيهِ فُقَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّقْنَا لَيْثٌ عَنْ
أَبِي الزُبَيْرِ عَنْ جَابٍِ
٣٤٨
ولم يبين الحديث كيف ثبتت ملكية السيد للعبد المهاجر؟ والملكية تثبت بالبيئة، أو بتصديق
العبد للسيد قبل إقراره بالحرية، أو بهما معا.
قال النووى: وجواز بيع عبد بعبدين، وبعير ببعيرين جائز مجمع عليه، إذا تم التقابض، ولم يكن
أحدهما نسيئة إلى أجل، سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة. فإن باع عبدا بعبدين، أو بعيرا
ببعيرين إلى أجل فمذهب الشافعى والجمهور جوازه، وقال أبو حنيفة: لا يجوزاهـ لكن الحافظ ابن
حجر يقول: وشرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون وأحمد مطلقا، واحتج الجمهور بحديث
عبدالله بن عمرو ((أن النبى{ أمره أن يجهز جيشا)) ... وفيه «فابتاع البعير بالبعيرين بأمر رسول
اللَّه ◌َ﴿)) أخرجه الدارقطنى وغيره، وإسناده قوى. واحتج البخارى لهذا بأن ابن عمر اشترى راحلة
بأربعة أبعرة، وبقول ابن عباس: قد يكون البعير خيرا من البعيرين، وبأن رافع بن خديج اشترى بعيرا
ببعيرين فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدا إن شاء الله. وبأن ابن المسيب قال: ((لا ريا فى
الحيوان، البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل)) اهـ
وفى الحديث ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق والإحسان العام، فإنه كره أن
يرد ذلك العبد خائبا مما قصده من الهجرة، وملازمة الصحبة، فاشتراه ليحقق له ما أراد.
والله أعلم
٣٤٩
(٤٢١) باب الرهن
٣٦٢١ - ٤ ١٢ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٢٤) قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ مِنْ يَهُودِيِّ
طَعَامًا بِتَسِيئَةٍ فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا.
٣٦٢٢ - ١٣٥ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٣٥) قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ﴿ مِنْ يَهُودِيِّ
طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
٣٢٢٣ - ٦َّ عَنِ الأَغْمَشِ(١٢٦) قَالَ: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. فَقَالَ:
حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ِ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيِّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ.
وَرَمْنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ.
٣٦٢٤ - - عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النّبِيِّ ﴿، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ.
المعنى العام
غنم المسلمون من غزوة حنين وحدها من السبى ستة آلاف نفس، بين نساء وأطفال، ومن الإبل
أكثر من أربعة وعشرين ألفا، ومن الغنم أربعين ألفا ولرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خمس هذه
المغانم، بنص القرآن الكريم، أى كان له ألف ومائتا عبد، وخمسة آلاف بعير، وثمانية آلاف شاة من
معركة واحدة، فأين ذهبت هذه الأموال، حتى يبيت جائعا هو وأزواجه؟ وحتى يقول لخادمه أنس
به ما أصبح ولا أمسى فى بيوت محمد- وهى تسع بيوت - إلا صاع واحد من شعير، أربع حفنات من
شعير فى تسع بيوت، أين ذهبت هذه الأموال حتى اقترض صلى اللّه عليه وسلم ثلاثين صاعا شعيرا
من يهودى فى المدينة، ورهن فى مقابلها درعه؟ إعلان صارخ للعالم يقول: لم يكن محمد # يعيش
لنفسه، بل لم يكن أزواجه - رضى الله عنهن - وقد قبلن هذه الحياة يعشن لأنفسهن، لقد قسم كل ما
أعطاه الله على المسلمين، ألا فليسمع ملوك الأرض وحكامها أن محمداً : مات ودرعه مرهونة عند
يهودى فى مقابل شعير يأكله هو وأهله، ولم يترك إلا سلاحه وبغلته، وسريرا من جريد، ووسادة
(١٢٤) حَدْثَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ وَمُحَمِّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (وَاللّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْبَى: أَخْبُرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ:
حَدْقَنَا أَبُو مُعَاوِيَةٌ) عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوِّدِ عَنْ عَائِشَةٌ
(١٢٥) حَدَّثَّا إِسْحَقُ بَّنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ خَشَرَمٍ. قَالا: أَخْبُرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ
عَنْ عَائِشَةً
(١٢٦) حَدْقَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَعْرُوِيُّ. حَدْقَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الأَعْمَشِ
- حَدْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً. حَدََّا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: حَدْفِي الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةٌ
٣٥٠
حشوها ليف، ليس من فقر ألم به، ولكن من كرم وجود، ورعايته لرعيته، ورأفة ورحمة بالمؤمنين. صلى
اللَّه عليه وسلم.
المباحث العربية
(الرهن) بفتح الراء وسكون الهاء، فى اللغة الاحتباس، ومنه قوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ
رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وفى الشرع جعل مال وثيقة على دين، ويطلق أيضا على العين المرهونة، تسمية
للمفعول باسم المصدر.
ويجمع على رهان بكسر الراء، وعلى رهن بضم الراء والهاء.
(اشترى رسول اللَّه : ﴿ من يهودى طعاما بنسيئة) بفتح النون وكسر السين، أى بأجل،
وقد بينت بعض روايات البخارى نوع الطعام بأنه الشعير، ولفظها ((ولقد رهن رسول اللّه ◌ُ ل درعه
بشعير)) وفى رواية له ((ولقد رهن النبى ﴿ ﴿ درعا له بالمدينة عند يهودى، وأخذ منه شعيرا لأهله)) كما
بينت بعض رواياته مقدار الشعير، ولفظها «توفى النبى 8# ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين، يعنى
صاعا من شعير)) وأخرج أحمد وابن ماجه والطبرانى والترمذى والنسائى أن مقدار الشعير كان
عشرين، قال الحافظ ابن حجر: ولعله كان دون الثلاثين وفوق العشرين فجبر الكسرتارة، وألغى
أخرى، كما بينت رواية عند ابن حبان أن قيمة هذا الشعير كانت دينارا، وبينت رواية عند الشافعى
والبيهقى اسم هذا اليهودى، ولفظها ((أن النبى ® رهن درعا له عند أبى الشحم اليهودى، رجل من
بنى ظفر، فى شعير)) و((أبو الشحم)) بفتح الشين وسكون الحاء، اسمه كنيته، و((ظفر)» بفتح الظاء
والفاء بطن من الأوس، وكان حليفا لهم.
فقه الحديث
قال النووى: فى الحديث جواز الرهن فى الحضر، وبه قال الشافعى ومالك وأبو حنيفة وأحمد
والعلماء كافة، إلا مجاهداً [والضحاك، فيما نقله الطبرى عنهما] فقالا: لا يجوز الرهن إلا فى السفر،
تعلقا بقوله تعالى ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرِ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وبه قال داود
وأهل الظاهر، واحتج الجمهور لقولهم مِّن حيثّ المعنى بأنَ الرهن شرع توثقة على الدين، لقوله تعالى
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيده
بالسفر لأنه مظنة فقد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب، واحتجوا بهذا الحديث، وهو مقدم على دليل
خطاب الآية، وقال ابن حزم: إن شرط المرتهن الرهن فى الحضر لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن
جاز قال: وأما اشتراء النبى # الطعام من اليهودى، ورهنه عنده، دون أغنياء وميسورى الصحابة،
فقيل: فعله لبيان جواز ذلك، وقيل: لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عند اليهودى،
وقيل: لأن الصحابة لا يأخذون رهنه صلى اللّه عليه وسلم، ولا يقبضون منه الثمن، فعدل إلى معاملة
اليهودى، لئلا يضيق على أحد من أصحابه، والتعليل الأول أولى.
٣٥١
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار، إذا لم يتحقق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن
يبيع أهل الحرب سلاحا وآلة حرب، وما يستعينون به فى إقامة دينهم.
٢- وجواز معاملة من أكثر ماله حرام.
٣- وثبوت أملاك أهل الذمة فى أيديهم.
٤- وجواز الشراء بالثمن المؤجل.
٥- واتخاذ الدروع والعدد وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح فى التوكل.
٦- وأن أكثر قوت أهل ذلك العصر كان الشعير.
٧- وفيه ماكان عليه صلى الله عليه وسلم من التواضع والزهد فى الدنيا، والتقلل منها مع قدرته عليها.
٨- وما كان عليه من الكرم الذى أفضى به إلى عدم الادخار، حتى احتاج إلى رهن درعه.
٩- وما كان عليه من الصبر على ضيق العيش، والقناعة باليسير.
١٠- وفيه فضيلة لأزواجه-رضى الله عنهن-لصبرهن معه على ذلك.
١١ - وفيه أن حديث ((نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يقضى عنه)) محله نفس غير الأنبياء، فإنها لا
تكون معلقة بدين، فهى خصوصية، وقد ذكر بعض العلماء أن أبا بكرافتك الدرع، بعد النبى { 8*،
وسلمها لعلى بن أبى طالب.
والله أعلم
٣٥٢
(٤٢٢) باب السلم
٣٦٢٥ - ٧ ٣ ١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا (١٢٧) قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ: ﴿َ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِقُون
فِي الْثّمَارِ السَّنَّةَ وَالسَّنَتَيْنِ. فَقَالَ «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ،
إِلَى أَجْلٍ مَعْلُومٍ».
٣٦٢٦ - ١٣٨عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا (١٢٨) قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِعِ
وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِعَةِ «مَنْ أَسْلَفَ فَلا يُسْلِفْ إِلا فِي كَيْلٍ
مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ».
٣٦٢٧ - - وفي رواية عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَلَمْ
يَذْكُرْ «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
٣٦٢٨ - - وفي رواية عَنِ ابْنٍ أَّبِي نَجِيحٍ، يإِسْنَادِهِمْ. مِعْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَُيْنَةَ، يَذْكُرُ فِيهِ «إِلَى
أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
المعنى العام
علاقة السلم بكتاب البيع أنه شراء سلعة موصوفة فى الذمة بثمن عاجل، وقد تناولت الأحاديث
بيوعا ممنوعة بعد أن كانت فى الجاهلية سائدة منتشرة، وبيوعا جائزة يظن أن تمنع، لكنها للحاجة
إليها أجيزت مع ما فيها من غرر محتمل، وجهالة يغض الطرف عنها، لما تعود على المتعاملين
بالفائدة، ولما يعود منعها بالضرر الذى لا يحتمل. من هذا النوع السلم، فكثيرا ما يحتاج الناس شراء
شىء ليس موجودا فى الحال فى يد البائع، ولكنه محقق الوجود عنده غالبا فى وقت يتفق عليه
الطرفان، وقد يكون من مصلحة البائع تسويق بضاعة قبل حيازته لها صالحة للبيع، كالثياب قبل
نسيجها، والبترول قبل استخراجه، ويكون من مصلحة المشترى الاطمئنان على وصول السلعة عند
الحاجة إليها، وقد يستغرق وصولها أياما وشهورا، من هنا أجاز الشارع بيع الشىء الموصوف فى
(١٢٧) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَعَمْرٌوِ النَّقِدُ (وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى) (قَالَ عَمْرٌو: حَدْثَا وَقَالَ يَحْتَى: أَخْبُرَنَا سُفْيَاهُ بْنُ عُنَيْنَةً) عَنِ ابْنٍ
أَبِي نَجِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ، عَنْ أَبِي الْمِنْھَالِ عِنِ ابْنِ عبَّاسٍ
(١٢٨) خَدَّثَا شَّاتُ بْنُ فَرُوعَ. حَدَّثَا عَبَّدُ الْوَارِثِ عَنِ ابْنِ أَبِيَ نَجَيْحٍ. خُدَّثَتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
- حَدَّقَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيِيَةً وَإِسْمَّعِيلُ بَّنُ سَالِمٍ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْئَةً
- حَدْقْنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَّ. قَالاَ: حَدََّا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنًا مُحَمّدُ بَنُ بَثَّارٍ. حَدَّقْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ.
كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَان
٣٥٣
الذمة المقدور على تسليمه، بشرط أن يكون معلوم الكيل إذا كان مكيلاً، معلوم الوزن إذا كان موزونا،
معلوم العد إذا كان معدوداً، معلوم المقياس إذا كان مقيسا، وبصفة عامة معلوم المقدار، وأن يكون
أجل التسليم معلوما.
المباحث العربية
(السلم) بفتح السين واللام، هو السلف، وزنا ومعنى، وذكر الماوردى أن السلف لغة أهل العراق،
والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه فى المجلس، فالسلف أعم .
والسلم شرعاً: بيع موصوف فى الذمة وقيل: عقد على موصوف فى الذمة ببذل يعطى عاجلاً،
وبعضهم يقيد التعريف بلفظ السلم، وذكروا فى تعريفه عبارات أخرى.
(قدم النبى : المدينة) أى مهاجرا. وفى الرواية الثانية بدون ذكر المدينة، وهى مقصودة.
(وهم يسلفون فى الثمار) الضمير لأهل المدينة، وفى الرواية الثانية ((والناس يسلفون)) فأل
فى الناس للعهد، أى ناس المدينة وفى الرواية الثانية بدون ((فى الثمار)» وذكرها ليس قيدا، فقد كانوا
يسلفون فى الثياب والحيوان.
(السنة والسنتين) أى إلى أجل، وعند البخارى ((لعام ولعامين)) أو قال ((عامين أو ثلاثة)) وفى
رواية ((السنتين والثلاثة)) وقوله ((السنة والسنتين)) منصوب، إما على نزع الخافض، أى إلى السنة،
وإلى السنتين، أو على المصدر أى إسلاف السنة، فالإسلاف مصدر منصوب، فلما حذف قام المضاف
إليه مقامه ..
(من أسلف فى تمر) وفى رواية ((من سلف)) بتشديد اللام، وفى بعض النسخ ((تمر)) بالتاء،
وفى بعضها ((ثمر)) بالثاء، وهو أعم، وفى رواية للبخارى ((من أسلف فى شىء)) وهى أشمل، وفى
روايتنا الثانية ((من أسلف)».
(فى كيل معلوم، ووزن معلوم) الواو بمعنى ((أو)) والمراد اعتبار الكيل فيما يكال،
والوزن فيما يوزن، ويلحق بهما العدد فيما يعد، والقياس فيما يقاس بالأذرع ونحوها، لأن
القصد عدم الجهالة بالمقدار.
ويشترط فى كل ذلك تحديد نوع الكيل والوزن والقياس، لاختلافها باختلاف الأماكن.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حكى عن ابن المسيب.اهـ
وقال النووى: وأجمع المسلمون على جواز السلم.اهـ أى السلم المؤجل.
٣٥٤
واختلفوا فى بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع،
واختلفوا هل هو عقد غرر، جوز للحاجة؟ أم لا؟
واختلفوا فى جواز السلم الحال، مع إجماعهم على جواز المؤجل، فجوزه الشافعى وآخرون، ومنعه
مالك وأبو حنيفة وآخرون، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم ((إلى أجل معلوم)) فالأجل المعلوم
شرط صحة، كالكيل المعلوم، والوزن المعلوم، وقال الشافعية: إذا جاز السلم مع الأجل، وفيه من الغرر
ما فيه، فمع الحال أولى، لكونه أبعد عن الغرر، وحملوا الأمر فى قوله: ((فليسلف إلى أجل معلوم)» على
العلم بالأجل إذا كان هناك أجل، لا على أنه يشترط الأجل، فالشرط العلم، وليس الأجل، والمعنى: من
أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم، لا مجهول. وهذا هو المراد من قوله: ((فى كيل معلوم)) أى إن
كان هناك كيل فليسلم فى كيل معلوم، وإن كان هناك وزن فليسلم فى وزن معلوم، فالكيل ليس بشرط،
والوزن ليس بشرط، إذ يجوز السلم فى الثياب بالذرع والقياس.
ثم اختلفوا فى المراد بالأجل المعلوم، هل يلزم تحديده باليوم والشهر مثلا؟ أو يكفى وصفه
التقريبى؟ ذهب بعض العلماء إلى الأول، واعتمدوا على قول ابن عباس: لا تسلف إلى العطاء -أى إلى
يوم وصول العطاء من الأمير- ولا إلى الحصاد، واضرب أجلاءاهـ فهم يشترطون تعيين الأجل بشىء لا
يختلف، فإن خروج العطاء قد يختلف ولو بيوم، وكذلك الحصاد، وقدوم الحاج، وأجاز ذلك مالك وأبو
ثور، واختار ابن خزيمة من الشافعية توسيع الأجل، فأجاز تأقيته إلى ميسرة.
واختلفوا: هل يشترط قبض المال المبذول فى مجلس العقد؟ أو يجوز التفرق قبل القبض؟ قال
مالك: يجوز التفرق فى السلم قبل القبض، إن كان بغير شرط، لأنه لم يذكر فى الحديث، وقال
الشافعى والكوفيون: يفسد بالافتراق قبل القبض، لأنه يصير من باب بيع الدين بالدين.
واختلفوا: هل يشترط فى السلم تحديد مكان القبض؟ قال أحمد وإسحق وأبوثور: يصح السلم إذا
لم يذكر مكان القبض، لأنه لم يشترط فى الحديث، وزاد مالك: ويقبضه فى مكان السلم، وقال الثورى
وأبو حنيفة والشافعى: لا يجوز السلم فيما له حمل ومؤنة إلا أن يشترط فى تسليمه مكانا معلوما.
واختلفوا: هل يجوز السلم إلى من ليس عنده أصل مما أسلم فيه؟ على معنى هل يصح السلم فى
قمح لمن لا يزرع ولا يتاجر فى القمح، وفى العنب إلى من لا يملك شجرة عنب؟ الجمهور على جوازه،
فالحديث لا يشترط ذلك، وقد روى البخارى عن عبد الله بن أبي أوفى ه قال: ((كان أصحاب النبى
فى عهد النبى # يسلفون فى الحنطة .. فقيل له: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن
ذلك)) وعن عبد الرحمن بن أبزى ((كان أصحاب النبى {8# يسلفون على عهد النبي 18 ولم نسألهم: ألهم
حرث أم لا))؟ فاستفيد الحكم من عدم الاستفصال، وتقرير النبى على ذلك.
واختلفوا: هل يجوز السلم فى الموزون كيلا؟ قال النووى: يجوز السلم فى المكيل وزنا بلا خلاف،
وفى جواز السلم فى الموزون كيلا وجهان، لأصحابنا، أصحهما جوازه، كعكسه.اهـ ولعل من منع يرى
أن وزن المكيل يعطى دقة أكثر، أما كيل الموزون فهو أقل دقة، والحق أن الجوازليس على الإطلاق،
٣٥٥
بل الجواز حيث يكون الكيل ضابطا كالوزن، والمنع حيث يكون الكيل غير ضابط، فالبرتقال مثلا،
كيله لا يضبطه، والمعدود كالبيض، يكفى فيه العد، إلا أن يتفاوت تفاوتاً يقتضى اختلاف الثمن.
واختلفوا: فى السلم فى الحيوان، ذكر البخارى معلقاً عن الحسن البصرى أنه كان لا يرى بأساً
بالسلف فى الحيوان، إذا كان شيئاً معلوماً إلى أجل معلوم، وقال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا فى
مكيل أو موزون، ولا يجوز فى مزروع ولا معدود ولاشىء غير ما ذكر فى النص.
والله أعلم
٣٥٦
(٤٢٣) باب تحريم الاحتكار فى الأقوات
٣٦٢٩ -٩ ٣ ١ عَنْ مَعْمَرِ ضَ﴾(١٢٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» فَقِيلَ
لِسَعِيدٍ فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَرًا الْذِي كَانٌ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ.
٣٦٣٠ - ١٣ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴾(١٣٠) عَنْ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ قَالَ «لا يَحْتَكِرُ
إِلا خَاطِئِ».
المعنى العام
الإسلام دين المحبة والتعاون والإيثار، يدعو إلى كل ما يحقق ذلك، ويحرم كل ما يؤدى إلى
نقيض ذلك، يحذر من كل ما يبعث الشقاق والتقاطع، ويمنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان،
واستغلال حاجة المحتاج، والإثراء على حساب المضطرين، وأصعب ما لا يستغنى عنه الإنسان
القوت والطعام، من هنا يحرم الإسلام احتكاره واحتباسه عن المحتاجين، لإذلالهم وإخضاعهم، أو
للثراء على حساب حاجتهم وشدتهم، فإن الله فى عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن نفس
عن مؤمن كرية من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن شق على الناس شق
اللَّه عليه، ويقول صلى الله عليه وسلم ((الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون)) أخرجه ابن ماجه والحاكم
ويقول ((من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللَّه بالجذام والإفلاس)) ويقول ((من احتكر حكرة،
يريد أن يغالى بها على المسلمين فهو خاطئ».
المباحث العربية
(من احتكر فهو خاطئ) يقال: حكر من باب فرح، فهو حكر، كفرح، والاسم الحكرة، بضم
الحاء وسكون الكاف، وكذلك الحكر، وأصل الحكرة الجمع والإمساك، والمراد منها هنا حبس السلعة
عن البيع، وقال الكرمانى: الحكرة احتكار الطعام، أى حبسه يتربص به الغلاء، واشترط الفقهاء لها
(١٢٩) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْبٍ. حَدَّثْنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ يَحْتِى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ
الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ مَعْمَّرًا قَالَ:
(١٣٠) حَدََّنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَنِيُّ. حَدْثَا حَائِمُ بْنُ إِسْمَعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان. عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ عَمْرِو بْنٍ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ
ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ مَغَمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
- قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مَسْلِمَ: وَحَدْفَتِي بَعْضُ أَصْحَابًِا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنِ. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيِى.
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسْيَّبِ، عَنَّ مَعْمَرٍ بْنٍ أَبِي مَعْمَرٍ، أَحَدٍ يَنِي عَدِيِّ بْنٍ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسَّولُ اللَّهِ لَل.
فَذَكَرٌ بِمِغْلٍ خَدِيثٍ سُلّمَائ بْنٍ بِلالٍ عَنْ يُخْتِى.
٣٥٧
شروطا. «والخطأ)» كما يقول أهل اللغة بفتح الخاء والطاء، والخطء بفتح الخاء وسكون الطاء ضد
الصواب، وخطئ الرجل يخطأ، من باب فرح أذنب، وتعمد الذنب، أما أخطأ فيقال لمن سلك سبيلا
خطأ، عامدا، أو غير عامد، وقيل: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ من تعمد غير
الصواب، وقال أبو عبيد: خطئ خطأ من باب علم، وأخطأ، بمعنى واحد، لمن يذنب على غير عمد.
فقه الحديث
قال النووى: هذا الحديث صريح فى تحريم الاحتكار، قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو
الاحتكار فى الأقوات خاصة، وهو أن يشترى الطعام فى وقت الغلاء، للتجارة، ولا يبيعه فى الحال، بل
يدخره، ليغلو ثمنه، فأما إذا جاءه من أرضه، أو اشتراه فى وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه فى وقت
الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه فى وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات
فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال. هذا تفصيل مذهبنا. قال العلماء: والحكمة فى تحريم الاحتكار دفع
الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه، ولم
يجدوا غيره أجبر على بيعه، دفعا للضرر عن الناس.
ثم قال: وأما ما ذكر عن سعيد بن المسيب ومعمر راوى الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن
عبد البروآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار الأقوات عند الحاجة إليها
والغلاء، وكذا حمله الشافعى وأبو حنيفة وآخرون، وهو صحيح.
والله أعلم
٣٥٨
(٤٢٤) باب النهى عن الحلف فى البيع
٣٦٣١ - ١٣١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٣١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ
لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ».
٣٦٣٢ - ١٣٢ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ﴾(١٣٢): أَنْهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِل ◌َ يَقُولُ «إيّاكُمْ
وَكَفْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ».
المعنى العام
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنظُؤَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةٍ وَلا يُرَّكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] وفى سبب
نزول هذه الآية يقول عبد الله بن أبى أوفى: إن رجلا أقام سلعة، وهو فى السوق، فحلف بالله لقد
أعطى بها ما لم يعط، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت. ويقول صلى الله عليه وسلم ((ثلاثة لا
يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. رجل على فضل ماء بالطريق، يمنع منه ابن
السبيل، ورجل بايع إماما، لا يبايعه إلا لدنياه، فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له، ورجل بايع
رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا، فصدقه فأخذها، ولم يعط بها)) ويقول
صلى الله عليه وسلم ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذى لا يعطى شيئا إلا منه، والمنفق
سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره».
المباحث العربية
(الحلف) بفتح الحاء وكسر اللام، وعن ابن فارس: بسكون اللام أيضا والمراد به اليمين الكاذبة.
(منفقة للسلعة، ممحقة للربح) ((منفقة)) بفتح الميم وسكون النون وفتح الفاء والقاف، على
وزن مفعلة، بلفظ اسم المكان، من نفق المبيع إذا راج، ضد كسد. و((ممحقة)» على الوزن نفسه، من
المحق، وهو النقص، ونقص الربح مراد به نقص البركة، والمعنى أن الحلف الكاذب فى البيع وإن
روج السلعة، وزاد فى المال صورة، فإنه يمحق البركة، ومحق البركة يفضى إلى اضمحلال العدد فى
الدنيا غالبًا.
(١٣١) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثْنَا أَبُو صَفْوَانُ الأُمّوِيُّ. ح وحَدَِّي أَبُوِ الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمَّسْيَّبِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ:
(١٣٢) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شِئَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِنْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنٍ أَبِيٍ شَنِيَةَ) (قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبُرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ:
حَدَّثْنَا: أَبُو أُسَّمَةَ) عَنِ الْوَّلِيدِ بْنٍ كَثِيرٍ، عَنَّ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِّيَ قَّادَةً
٣٥٩
(إياكم وكثرة الحلف) ((إياكم)) أصلها أى باعدوا أنفسكم، فحذف الفعل والفاعل
والمفعول لكثرة الاستعمال، فانفصل الضمير فقيل: إياكم، ((وكثرة الحلف)» معطوف عليه،
ويعرف هذا فى النحو بالتحذير.
(فإنه ينفق، ثم يمحق) يقال: نفقت السلعة، تنفق بفتح التاء وسكون النون وضم الفاء،
وأنفق الحلف السلعة، ينفقها بضم الياء وسكون النون وكسر الفاء، أى يروجها، ويرغب فيها. ويقال:
محق الحلف السلعة يمحقها بفتح الحاء ثلاثى أى يهلكها.
فقه الحديث
الحلف صادقاً من غير حاجة مكروه، والكذب فى البيع بدون الحلف حرام، ما حق لبركة البيع،
مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فى
بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)) فالحلف مع الكذب لترويج السلعة وتغرير المشترى
يتضمن ثلاثة جرائم. الكذب، وتأكيده بالحلف، والإضرار بالمسلم، وللحلف فى البيع صور، أن يحلف
البائع أنه أعطى - بفتح الهمزة -أى دفع فى السلعة كذا وهو لم يدفع، أو يحلف أنه أعطى- بضم
الهمزة - أى عرض عليه ثمنا لها كذا وهو لم يعرض عليه ذلك، أو يحلف المشترى أنه اشترى أو عرض
عليه مثلها بأنقص، أو أحسن منها بهذا الثمن، وهو كاذب، وكل ذلك الحلف إن أدى إلى زيادة
المكسب بائعا أو مشتريا نتيجته المحق والخسارة فى الدنيا والآخرة .
والله أعلم
٣٦٠