النص المفهرس
صفحات 321-340
(بالصاعين من الجمع) بفتح الجيم وسكون الميم، أى المجموع من البقايا ونوافل أنواع
التمر، وهو من أردأ ما يباع من التمر، وفسره فى الرواية الرابعة والعشرين بأنه ((الخلط من التمر)»
بكسر الخاء وسكون اللام، أى المخلوط من أنواع مختلفة.
(وكذلك الميزان) أى لا يجوز التفاضل فى الموزونات الربوية إذا اتحد جنسها، كما لم يجز
التفاضل فى المكيل.
(بتمر برنى) بفتح الباء وسكون الراء، بعدها نون، ثم ياء مشددة، وهو نوع جيد من التمر
معروف، أصفر مدور، وعند أحمد ((خير تمراتكم البرنى، يذهب الداء، ولا داء فيه)).
(لمطعم النبى ) فى رواية البخارى ((لنطعم)) بضم الذون، وفى رواية ((ليطعم)) بفتح الياء
وفتح العين، بينهما طاء ساكنة.
(أوه. عين الربا) المراد بعين الربا نفس الربا، وكلمة ((أوه)) ذكرت هنا مرة واحدة، وفى
البخارى ذكرت مرتين، وهى كلمة تقال عند التوجع والتحزن، وفيها لغات، أشهرها فى الروايات
((أوه)) بفتح الهمزة، وواو مفتوحة مشددة، بعدها هاء ساكنة، وتقال بنصب الهاء منونة، ويقال ((أوه))
بإسكان الواو، وكسر الهاء، منونة وغير منونة، ويقال ((أوه)) بكسر الواو، وسكون الهاء، ويقال ((أو))
بحذف الهاء وتشديد الواو المكسورة المنونة، ويقال ((آه)) بمد الهمزة، وتنوين الهاء مكسورة، وساكنة،
ومن العرب من يمد الهمزة، ويجعل بعدها واوين، ثم هاء ((آووه)) قيل: لتطويل الصوت بالشكاية، قال
ابن التين: إنما تأوه صلى الله عليه وسلم ليكون أبلغ فى الزجر، وقاله إما للتألم من هذا الفعل، وإما
من سوء الفهم.
(إذا رابك من تمرك شىء فبعه) يقال راب الرجل يروب روبا إذا تحير وفترت نفسه،
ويقال: رابه الأمر، أى أوقعه فى الظن والشك.
(فأنكرت ذلك لقولهما) أى أنكرت قول أبى سعيد، بسبب ما سمعته من قول ابن
عمر وابن عباس.
(وكان تمر النبى هذا اللون) أى هذا الصنف، وأشار إلى صنف ردىء.
(فكرهه) أى فرجع عن فتواه الأولى، وكره ما أجازه.
(أرأيت هذا الذى تقول) أى أخبرنى عن هذا الذى تقوله، وفى الرواية المتممة للثلاثين
((أرأيت قولك فى الصرف)) والمراد من الصرف هنا صرف الدنانير بدنانير والدراهم بدراهم، الجنس
بجنسه من كبير إلى صغير، كما هو واضح من الرواية السابعة والعشرين.
(كلا. لا أقول) هكذا هو فى النسخ التى بين يدى، فى الرواية المتممة للثلاثين، ونقل الحافظ . .
٣٢١
ابن حجر عن مسلم بلفظ «كل ذلك لا أقول» وهكذا رواه البخارى. قال الحافظ: بنصب ((كل)) على أنه
مفعول مقدم، وهو فى المعنى نظير قوله عليه الصلاة والسلام فى حديث ذى اليدين ((كل ذلك لم يكن))
فالمنفى هو المجموع، اهـ
(وأما كتاب الله فلا أعلمه) أى لا أعلم هذا الحكم فيه، فالضمير يعود على الحكم، وليس على
((كتاب الله)».
فقه الحديث
أجمع المسلمون على تحريم الربا، وعلى أنه من الكبائر، وحكى الماوردى أنه كان محرما فى
جميع الشرائع.
والقرآن الكريم صريح فى أن اليهود أكلوه وهو محرم عليهم، إذ يقول ﴿فَبِظُلْمِ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا « وَ أَخْذِهِمُ الرِّبًا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ
أَمْوَالَ النَّاسَ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١].
والأصل فى تحريمه قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْحَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِن الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله تعالى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِن الرَِّا إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا فَأُذَنُوا بِحَرْبٍ
مّنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩،٢٧٨].
وقوله صلى الله عليه وسلم ((لعن الله آكل الربا وموكله ... )) الحديث روايتنا الواحدة والثلاثون،
والثانية والثلاثون.
وكان الربا فى الجاهلية يوم نزلت هذه الآيات الزيادة فى المال بزيادة الأجل، وكان أحدهم إذا
حل أجل دينه، ولم يوفه الغريم أضعف له المال، وأضعف الأجل، ثم يفعل كذلك عند الأجل الآخر، وهو
معنى قوله تعالى ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠] فكان قوله تعالى ﴿وَإِن تُبْتُمْ
فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ مبينا المراد من التحريم، وهو الزيادة مطلقا على رأس المال، وجاءت السنة،
فبينت وأضافت الأصناف الواردة فى هذه الأحاديث على ما كان معهودا من الربا.
والخلاف بين العلماء - بعد إجماعهم على تحريم ما نصت عليه السنة- فى هل السنة مفسرة
للمجمل؟ وكل ما جاءت به السنة من أحكام الربا بيان لمجمل القرآن؟ نقدا، أو نسيئة؟ أم ما جاءت
به السنة أحكام زائدة، مضافة إلى ما جاء به القرآن؟ ثم هل يقاس على ماجاءت به السنة ما فى
معناه؟ أو يلتزم فقط بما نصت عليه السنة؟ ثم هل التعامل بالربا حرام مع المحاربين وفى دار
الحرب؟ أو حرمته خاصة بدار الإسلام ومع غير المحاربين؟ وسيأتى قريبا تفصيل هذا الخلاف.
والعجيب أن بعض الجهلة المتحللين المغرضين يحاولون تحليل الربا بتغيير اسمه، ظنا منهم أن
٣٢٢
تغيير الاسم يغير المسمى، فيطلقون على المعاملات الربوية للبنوك فى هذه الأيام إطلاقات من
خيالهم، وواقع هذه المعاملة أن يودع شخص فى البنك مبلغا، ويتفق مع البنك على أخذ زيادة عن
المبلغ بنسبة معينة كل شهر أو كل عام، ويقوم البنك بإقراض هذه المبالغ لآخرين بزيادة أكثر،
يستفيد البنك من هذا الفرق.
مرة يطلقون عليه إنه ليس من ربا الجاهلية، لأن ربا الجاهلية كان دينا لا زيادة فيه فى العام
الأول، وتبدأ الزيادة بعد حلول الأجل، وهذه التفرقة لا يقبلها عاقل، إذ كيف تحرم الزيادة التى تحدث
بعد عام؟ ولا تحرم الزيادة التى تبدأ من اليوم؟ ومرة يقولون: إن ما يأخذه البنك ليس دينا، لأن
المودع يعطى البنك باختياره، ويرد البنك بنفسه هذا القول، إذ يكتب فى دفاتره وفى أوراقه المتعامل
بها بين الطرفين (دائن ومدين) ثم إذا جاز هذا بالنسبة للمودع، فماذا يقولون للمقترض من البنك؟
ومرة يقولون: إن علة تحريم الربا استغلال حاجة المحتاج، وليس فى معاملة البنوك استغلال
حاجة المحتاج، وهو قول ظاهر البطلان، فالمودع محتاج للإيداع، والمقترض محتاج للقرض، والبنك
محتاج لكل منهما، وإلا لما قام، والكل يستغل حاجة المحتاج، ومرة يقولون: إنها شركة ومضارية،
وإن فقدت الصيغة الشرعية، والرد عليهم أن الشركة أو المضاربة تقوم على تحمل المكسب والخسارة،
والمودع فى البنك لا يتحمل الخسارة، ثم ماذا يقولون حين إقراض البنك هذه المبالغ لمحتاج ينفقها
فى حلال أو حرام؟ هل البنك يكون مشاركا للمقترض فى مشاريعه؟ ربحت أو خسرت؟ ومرة
يقولون: إنها معاملة حديثة، لم تكن موجودة، فلا يحكم عليها بالتحريم، ولا بالربا، وهذا أعجب مما
مضى، فهو يشبه قولنا: أنا لم أكن موجودا، فلا يسرى علىّ حكم أبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما.
ذكرت هذه الشبهات والرد عليها لأنها مثارة فى مصر فى هذه الأيام. واللَّه الهادى سواء السبيل.
والأعيان التى نصت الأحاديث على تحريم الربا فيها هى: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر
والملح، قال النووى فى المجموع: أجمع المسلمون على تحريم الربا فى هذه الأعيان الستة، المنصوص
عليها، واختلفوا فيما سواها، فقال داود الظاهرى وسائر أهل الظاهر والشيعة والفاسانى وسائر ثقات
الناس: لا تحريم فى الربا فى غيرها، وحكاه صاحب الحاوى عن طاووس ومسروق والشعبى وقتادة
وعثمان البتى. وقال سائر العلماء: لا يتوقف تحريم الربا عليها، بل يتعداها إلى ما فى معناها، وهو ما
وجدت فيه العلة التى هى سبب التحريم، واختلفوا فيها.
فأما الذهب والفضة: فالعلة عند الشافعى فيهما كونهما جنس الأثمان غالبا -وقوله ((غالبا)»
احتراز عن الفلوس لوراجت، وصارت أثمانا، وهذه العلة قاصرة على الذهب والفضة، ويدخل فيها
الأوانى والتبر وغير ذلك.
وقال أبو حنيفة: العلة فيها الوزن فى جنس واحد، فألحق بها كل موزن، كالحديد والنحاس.
والرصاص والقطن والكتان والصوف وكل ما يوزن فى العادة، لكنه قال: إن المضروب من النحاس
والحديد والرصاص لا ربا فيه، بل يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا، وإنما الربا فى هذه الأصناف فى
٣٢٣
التبر منها [أى الخام]، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية المتممة للعشرين ((وكذلك
الميزان)» وأجاب الشافعية عن الحديث بأجوبة، منها جواب البيهقى، قال: قد قيل: إن قوله ((وكذلك
الميزان)) من كلام أبى سعيد الخدرى، موقوف عليه فلا يستدل به، الثانى جواب القاضى أبى الطيب
وآخرين، أن ظاهر الحديث غير مراد، فإن الميزان نفسه [الآلة] لاربا فيه فأرادوا به الموزون، وأرادوا
شموله وعمومه لكل موزون، وهذه الدعوى غير صحيحة وغير مقبولة: أنه يحمل الموزون على الذهب
والفضة، جمعا بين الأدلة.
وأما الأعيان الأربع فالعلة فيها عند الشافعى فى الجديد وهو مذهب أحمد وابن المنذر، أنها
مطعومة بدليل الرواية التاسعة عشرة، وفيها ((الطعام بالطعام مثلاً بمثل)) والطعام اسم لكل ما يطعم،
فعلى هذا يحرم الربا فى كل ما يطعم من الأقوات والأدام والحلاوات والفواكه والأدوية. وعند الشافعى
فى القديم: العلة فيها أنها مطعومة مكيلة، أو مطعومة موزونة، فلا يحرم إلا فى مطعوم يكال أو يوزن،
فنفاه عن كل ما لا يؤكل ولا يشرب، وعما يؤكل أو يشرب لكنه لا يكال ولا یوزن.
والعلة عند أبى حنيفة: كونه مكيل جنس، فحرم الربا فى كل مكيل وإن لم يؤكل كالجص، ونفاه
عما لا يكال ولا يوزن، وإن كان مأكولا. والعلة عند مالك: كونه مقتاتا مدخر جنس، فحرم الربا فى كل
ما كان قوتا مدخرا، ونفاه عما ليس بقوت كالفواكه، وعما هو قوت لا يدخر كاللحم: والعلة عند ابن
سيرين وبعض الشافعية: الجنسية، فحرموا الربا فى كل شىء بيع بجنسه، كالتراب بالتراب
متفاضلا، والثوب بالثوبين، والشاة بالشاتين. والعلة عند ربيعة: كونه جنسا تجب فيه الزكاة، فحرم
الربا فى كل جنس تجب فيه الزكاة من المواشى والزروع وغيرها، ونفاه عما لا زكاة فيه. وهناك أقوال
أخرى فى العلة وما تنطبق عليه، فى ذكرها طول لا يناسب المقام.
أحوال بيع الربوى وأحكامه:
لبيع الربوى ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يبيعه بجنسه، فيحرم فيه ثلاثة أشياء التفاضل، والنساء، والتفرق قبل التقابض، وهو
صريح الأحاديث ((مثلاً بمثل، يداً بيد)) وظاهر الرواية السابعة والعشرين والروايات الثلاث بعدها أن
ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهما كانا أولا يعتقدان أنه لا ريا فيما كان يدا بيد، وأنه يجوز بيع
درهم بدرهمين، ودينار بدينارين، وصاع تمر بصاعين من التمر، وكذا الحنطة، وسائر الربويات، كانا
يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلا وأن الربا لا يحرم فى شىء من الأشياء إلا إذا كان
نسيئة، وهذا معنى قوله فى الرواية الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين أنه سألهما عن الصرف،
فلم يريا به بأسا، يعنى الصرف متفاضلا، كدرهم بدرهمين، وكان معتمدهما حديث أسامة بن زيد-
روايتنا الثامنة والعشرين-)) إنما الربا فى النسيئة)) ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم
بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلا، حين بلغهما حديث أبى سعيد، وقد جاء رجوعهما عن ذلك
صريحًا فى روايتنا السادسة والعشرين، قال النووى: هذه الأحاديث التى ذكرها مسلم تدل على ابن
عمروابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهى عن التفاضل فى غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه،
٣٢٤
وأما حديث أسامة فقد قال قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل
بظاهره وهذا يدل على نسخه، وتأوله آخرون بأنه محمول على غير الربويات، كبيع الدين بالدين
مؤجلا، أو أنه محمول على الأجناس المختلفة، أو أنه مجمل، وحديث عبادة وأبى سعيد الخدرى
وغيرهما مبين، فوجب العمل بالمبين، وتنزيل المجمل عليه.اهـ
ثانيها: أن يبيعه جنسه، لكن بما يجمعهما علة واحدة، كالذهب بالفضة، وكالحنطة بالشعير أو
بالتمر أو بالملح، فيجوز التفاضل، ويحرم النساء والتفرق قبل التقابض، لقوله فى الرواية السابعة
((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد)) وقوله فى الرواية الثانية عشرة ((ما
كان يداً بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا)) وقولهما فى الرواية الثالثة عشرة (نهى رسول اللَّه
به عن بيع الورق بالذهب دينا)» وموقف عمر بن الخطاب طه وحديثه فى الرواية الخامسة واضح
فى ذلك وصريح، قال النووى: وجوز إسماعيل بن علية التفرق عند اختلاف الجنس، وهو محجوج
بالأحاديث والإجماع ولعله لم يبلغه الحديث، فلو بلغه لما خالفه.اهـ
ثالثها: أن يبيعه بغير جنسه، مما لا يجمعهما علة واحدة، كالقمح بالذهب، فيجوز التفاضل
والنساء والتفرق قبل التقابض.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من قوله ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ... إلخ)) أخذ العلماء أنه يتناول جميع أنواع الذهب والورق، من
جيد وردىء، وصحيح ومكسور، وحلى وتبر، وغير ذلك، وسواء الخالص والمخلوط بغيره، قال
النووى: وهذا كله مجمع عليه.
٢- وأنه يستوى فى تحريم الربا الرجل والمرأة والعبد والمكاتب بالإجماع.
٣- وظاهر التعميم أنه لا فرق فى تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حراما فى دار
الإسلام كان حراما فى دار الحرب، سواء جرى بين مسلمين، أو مسلم وحربى، وسواء دخلها
المسلم بأمان أم بغيره.
قال النووى فى المجموع: هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد وأبو يوسف والجمهور، وقال أبو
حنيفة: لا يحرم الربا فى دار الحرب بين المسلم وأهل الحرب، ولا بين مسلمين لم يهاجرا منها،
واحتج له بحديث ((لا ربا بين مسلم وحربى فى دار الحرب)) ولأن أموال أهل الحرب مباحة بغير
عقد، فالعقد الفاسد أولى. واحتج الجمهور بعموم القرآن والسنة وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه
ضعيف.
٤- واستدل أصحاب مالك بالرواية الخامسة، وأنه لم يصح البيع مع انتظار الخادم، على أنه يشترط
التقابض عقب العقد، حتى لو أخره عن العقد، وقبض فى المجلس لا يصح عندهم، والجمهور
يقول بصحة القبض فى المجلس، وإن تأخر عن العقد يوما أو أياما ما لم يتفرقا. وليس فى هذا
الحديث حجة لأصحاب مالك، لأنه يحتمل أن طلحة قال ذلك ظانا جوازه، ولم يكن بلغه حكم
المسألة، فأبلغه عمره فترك المصارفة.
٣٢٥
٥- قال ابن عبد البر: وفى هذا الحديث أن الكبيريلى البيع والشراء لنفسه، وإن كان له
وكلاء وأعوان يكفونه.
٦- ومن قوله ((أرنا ذهبك)) وفى رواية البخارى ((فتراضيا)) جواز المماكسة فى البيع، وتقليب السلعة،
وفائدته الأمن من الغبن.
٧- وأن من العلم ما قد يخفى على الرجل الكبير، حتى يذكره غيره.
٨- وأن الإمام إذا سمع أو رأى شيئا لا يجوز، ينهى عنه، ويرشد إلى الحق، ويتفقد أحوال الرعية.
٩- وأن من أفتى بحكم، حسن أن يذكر دليله.
١٠- وفى حلف عمر طلبه جواز اليمين لتأكيد الخبر.
١١- وفيه الحجة بخبر الواحد.
١٢- وأن الحجة على من خالف فى حكم من الأحكام التى فى كتاب اللَّه أو فى حديث رسوله.
١٣- وفى قوله ((البربالبرريا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء))
دليل ظاهر على أن البر والشعير صنفان، وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة والثورى وفقهاء
المحدثين وآخرين، وقال مالك والليث والأوزاعى ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين:
إنهما صنف واحد، وهو محكى عن عمر وسعيد وغيرهما من السلف رضى الله عنهم، واستدلوا
بقوله ((الطعام بالطعام مثلا بمثل)) فى روايتنا التاسعة عشرة، فقالوا: لا يجوز بيع أحدهما بالآخر
متفاضلا. واحتج الشافعى والجمهور بما سبق، وقالوا: يجوز التفاضل بينهما كالحنطة والأرز.
واتفقوا على أن الدخن صنف، والذرة صنف، والأرز صنف، إلا الليث وابن وهب، فقالا: هذه الثلاثة
صنف واحد.
١٤ - وفى الرواية السادسة، من قوله ((فرد الناس ما أخذوا)» دليل على أن البيع المذكور باطل.
١٥- وفى موقف عبادة بن الصامت طه الاهتمام بتبليغ السنن، ونشر العلم، وإن كرهه من كرهه.
١٦ - وفيه القول بالحق، وإن كان المقول له كبيرا.
١٧- وأخذ بعضهم من قوله ((الآخذ والمعطى فيه سواء)» فى الرواية الثامنة مساواتهما فى الإثم،
والتحقيق أن المراد أنهما سواء فى أصل الإثم، لا فى مقداره.
١٨ - ومن الرواية الثانية عشرة من قوله ((باع شريك لى ورقا بنسيئة إلى الموسم)) استنبط البخارى
الاشتراك فى الذهب والفضة.
قال ابن بطال: أجمعوا على أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج صاحبه، ثم
يخلطا ذلك، حتى لا يتميز، ثم ينصرفا جميعا، إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه،
وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم والدنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما،
٣٢٦
والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعى ومالك فى المشهورعنه والكوفيون إلا الثورى، وزاد الشافعى
أيضا أن لا تختلف الصفة، كالصحاح والمكسرة.
١٩ - ومن الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة ما كان عليه الصحابة من التواضع، وإنصاف بعضهم
بعضا، ومعرفة أحدهم حق الآخر.
٢٠ - واستظهار العالم فى الفتيا بنظيره فى العلم.
٢١ - وفى حديث فضالة، روايتنا الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة أنه لا
يجوز بيع ذهب مع غيره، بذهب، حتى يفصل، فيباع الذهب بوزنه ذهبا، ويباع الآخر بما أراد،
وكذا لا تباع فضة مع غيرها بفضة، وكذا الحنطة مع غيرها بحنطة، وكذا سائر الربويات، بل لابد
من فصلها، قال النووى: وهذه هى المسألة المشهورة فى كتب الشافعى وأصحابه وغيرهم،
المعروفة بمسألة ((مد عجوة)) وصورتها بيع مد عجوة ودرهم بمدى عجوة، أو بدرهمين، وهو لا يجوز
لهذا الحديث، وهو منقول عن عمر بن الخطاب ظه وابنه وجماعة من السلف، وهو مذهب
الشافعى وأحمد وإسحق ومحمد بن الحكم المالكى، وقال أبو حنيفة والثورى والحسن بن صالح:
يجوز بيعه بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله، ولا بدونه، وقال مالك وأصحابه وآخرون:
يجوز بيع السيف المحلى بذهب، يجوز بيعه بذهب إذا كان الذهب فى المبيع تابعا لغيره، وقدروه
بأن يكون الثلث فما دونه، وقال حماد بن أبى سليمان: يجوز بيعه بالذهب مطلقا، سواء باعه
بمثله من الذهب أو أقل منه، أو أكثر. وهذا غلط مخالف لصريح الحديث. واحتج أصحابنا
بحديث القلادة، وأجابت الحنفية بأن الذهب كان فيها أكثر من اثنى عشر دينارا، واشتراها
باثنى عشر دينارًا، قالوا: ونحن لا نجيز هذا، وإنما نجيز البيع إذا باعها بذهب أكثر مما فيها،
فيكون ما زاد من الذهب المنفرد فى مقابلة الخرز ونحوه، مما هو مع الذهب المبيع، فيصير
كعقدين، وأجاب الطحاوى بأنه إنما نهى عنه لأنه كان فى بيع الغنائم، لئلا يغبن المسلمون فى
بيعها. قال النووي: قال أصحابنا: وهذان الجوابان ضعيفان، لا سيما جواب الطحاوى، فإنه
دعوى مجردة. قال أصحابنا: ودليل صحة قولنا، وفساد التأويلين أن النبى 8# قال: ((لا يباع حتى
يفصل)» وهذا صريح فى اشتراط فصل أحدهما عن الآخر فى البيع، وأنه لا فرق بين أن يكون
الذهب المبيع قليلا أو كثيرا، وأنه لا فرق بين بيع الغنائم وغيرها.
٢٢- ومن الرواية المتممة للعشرين، من قوله ((بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا)» أخذ الشافعية
وموافقوهم أن العينة ليست بحرام، وهى الحيلة التى يعملها بعض الناس، توصلا إلى مقصود
الربا، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين، فيبيعه ثوبا بمائتين، ثم يشتريه منه بمائة، قال
النووى: وموضع الدلالة من هذا الحديث أن النبى { قال: ((بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا »
ولم يفرق بين أن يشترى من المشترى، أو من غيره، فدل على أنه لا فرق، وهذا كله ليس بحرام عند
الشافعى وآخرين، وقال مالك وأحمد: هو حرام.
٢٣- وفى قوله ((هذا الربا. فردوه)) فى الرواية الثالثة والعشرين، دليل على أن المقبوض ببيع فاسد
٣٢٧
يجب رده على بائعه، وإذا رده استرد الثمن، قال النووى: فإن قيل: فلم لم يذكر فى الحديث
السابق (روايتنا المتممة للعشرين والواحدة والعشرين والثانية والعشرين) أن النبى # أمر برده؟
فالجواب: أن الظاهر أنها قضية واحدة، وأمر فيها برده، فبعض الرواة حفظ ذلك، وبعضهم لم
يحفظه، فقبلنا زيادة الثقة، ولو ثبت أنهما قضيتان لحملت الأولى على أنه أيضا أمر به، وإن لم
يبلغنا ذلك، ولو ثبت أنه لم يأمر به، مع أنهما قضيتان لحملناها على أنه جهل بائعه، ولا يمكن
معرفته، فصار مالا ضائعا لمن عليه دين بقيمته، وهوالثمن الذى قبضه عوضا، فلا إشكال فى
الحديث.
٢٤ - وفى قصة أبى سعيد مع ابن عمر وابن عباس أن العالم يناظر العالم، ويوقفه على معنى قوله،
ويرده من الاختلاف إلى الاجتماع، ويحتج عليه بالأدلة.
٢٥- وفيه إقرار الصغير للكبير بفضل التقدم.
٢٦ - وفى الرواية الواحدة والثلاثين والثانية والثلاثين تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين،
والشهادة عليهما.
٢٧- وفيهما تحريم الإعانة على الباطل.
والله أعلم
٣٢٨
(٤١٧) باب الحلال بين والحرام بين، وبينهما متشابهات
٣٦٠٤ - لها عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنِ النَّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ رَ﴾(١٠٧) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ يَقُولُ (وَأَهْوَى النَّعْمَانُ بِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذَيْهِ) ((إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌّ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا
مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. وَمَنْ وَقَّعَ فِي
الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ. كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَّى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ
مَلِكٍ حِمِّى. أَلا وَإِنَّ حِمَّى اللَّهِ مَحَارِمُهُ. أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُصْفَةٌ، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ
الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ».
٣٦٠٥ - لَهُ عَنْ عَامِرِ الشَّغْبِيِّ(١٠٨) أَنَّهُ سَمِعَ تُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ وَهُوَ يَخْطُبُ النّاسَ بِحِمْصَ وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ يَقُولُ «الْحَلالُ بَيِّنّ
وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ زَكْرِيَّاءً عَنِ الشَّعْبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ «يُوشِكُ أَنْ يَقُعَ فِيهِ».
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ويقول عن الرسولِ﴾
﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وإن اللَّه يغار على حرماته، ويغضب
إذا ارتكبت محارمه، وما لحق رَسول اللَّهِ* بالرفيق الأعلى إلا كانت الشريعة واضحة المعالم،
حلالها وحرامها، إذ يقول: ((تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها)) وهنا يقول ((الحلال بين،
والحرام بين)) كل المسلمين يعلمون الحلال من المأكل والمشرب والملبس والمركب والنكاح
والمعاملات وما يحتاجونه فى حياتهم، ومن خفى عليه منهم حكم وجد العلماء والراسخين فى العلم
بجواره، وهم كثيرون بحمد الله، مستجيبون لكل سائل فى ليل أو نهار، دون مقابل، فتلك رسالتهم،
وهذا واجبهم، فلا عذر لجاهل أو متجاهل، ولا عذر لمشتبه فى الأحكام، فقد ترك صلى الله عليه وسلم
(١٠٧) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدََّا زَكْرِيَّاءُ عَنِ الشَّغِيِّ عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
- وحّدَّْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّةً. حُدَّقْنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَّنَا عِيسَى بْنُ يُوْنُسََ. قَالَ: حَدََّا زَكَرِيَّاءُ
بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
- وحَذََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَبِيٍ فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيِّ. ح وحَدْقَا قُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْفَّا يَعْقُوبُ (يَعْنِيٍ
ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيِّ) عَنِ ابْنِ عَجْلاَنْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنٍ سَعِيدٍ. كُلَّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ الْنِيِّ
* بَهَذَا الْحَدِيثَ. غَيَّرَ أَنْ خَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَتُمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَأَكْثَرُ.
(١٠٨) حَدَّقًّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّقَتِي أَبِي عَنْ جَدِّي. حَدَِّي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَِّي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ
عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ الشَّغْبِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ تُعْمَانَ بْنَّ بَشِيرٍ بْنِ سَعْدٍ
٣٢٩
فينا ما إن تمسكنا به لن نصل بعده أبدا، كتاب الله وسنته، نعم هناك بعض الأمور القليلة يخفى
حكمها على العامة، ويترددون فى حلها وحرمتها، بل قد يخفى حكمها على غير الراسخين فى العلم،
فيبدو خلاف فيها بين العلماء، منهم من يحلها، ومنهم من يحرمها، وواجب الكل حينئذ اتقاؤها،
والبعد عنها، كأنها محرمة باتفاق ويظهور، دون إخفاء، فإن كانت فى حقيقة الأمر محرمة فقد برئ
منها، واجتنبها، وبَعُد عنها، وإن كانت فى حقيقة الأمر حلالاً، وبعد عنها خوفا من الوقوع فى الحرام،
أثيب على هذا القصد، ونال أجرا، فالبعد عنها مكسب على كل حال والوقوع فيها خسارة على كل
حال، إن كانت حراما ووقع فيها، فالويل له، وإن كانت حلالاً، ووقع فيها تجرأ على الوقوع فى
أمثالها، وتساهل فى الشبهات، ولم يتحرزعما هو قريب من المحرمات، فيقع فى الحرام من غير
قصد، والعاقل من ترك ما يريبه، ويشك فيه، وعمل بما لا يريبه، ولا يشك فيه، عملا بقوله صلى الله
عليه وسلم ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذرا مما به البأس)» وطهارة
القلب، وإبعاده عن الريب والشك أفضل الطاعات.
المباحث العربية
(الحلال بين والحرام بين) أى الأمور التى حكمها الحل ظاهرة بحكمها، فى ذاتها، ووصفها،
وأدلة حكمها ظاهرة، وكذا الأمور التى حكمها الحرمة، فأكل الخبز والفواكه والعسل والسمن ولبن
مأكول اللحم، ولبس ثياب القطن بألوانها، والجلوس والوقوف والمشى والنوم، كل هذه أمور ظاهرة
الحل، وشرب الخمر وأكل الخنزير والميتة والزنا والكذب وأشباه ذلك أمور ظاهرة الحرمة، فلفظ
((الحلال)) مراد به الذات الموصوفة بهذا الوصف، وقد يراد الحكم نفسه والوصف، فيكون المعنى:
الحل فى هذه الأمور بين، والحرمة فى تلك الأمور بينة، ومعنى ظهورها أنه يعلمها العامة والخاصة
من الناس، وإن جهل بعضها الشواذ من البشر.
(وبينهما مشتبهات) بسكون الشين وفتح التاء وكسر الباء، أى أمور مكتسبات الشبه
بالحلال، ومكتسبات الشبه بالحرام، وفى رواية للبخارى ((وبينهما أمور مشتبهة)) بسكون الشين وفتح
التاء وكسر الباء وفتحها، وفى رواية للبخارى ((وبينهما مشبهات)) بفتح الشين، وفتح الباء المشددة،
أى شبهها الناس بالحلال تارة، وبالحرام أخرى، لخفاء حكمها، فصار حكمها غير واضح على التعيين،
وفى رواية الدارمى ((وبينهما متشابهات)) أى اكتسبت التشابه بالأمرين المتضادين، والمعانى فى
الألفاظ المختلفة متقاربة، وسيأتى فى فقه الحديث آراء العلماء فى المراد بها.
(لا يعلمهن كثير من الناس) أى لا يعلم حكمهن، وجاء واضحا فى رواية الترمذى بلفظ ((لا
يدرى كثير من الناس أمن الحلال هى؟ أم من الحرام؟» ومفهوم «كثير» أن معرفة حكمها ممكن
وواقع، يعلمه القليل من الناس، وهم العلماء المتخصصون المجتهدون، فهى شبهات-على هذا-فى
حق غيرهم، أما فى حقهم فتصبح بينة الحل أو الحرمة، ويمكن أن يراد بالكثير الكل، أو يعطل
المفهوم، ويراد بالمتشابهات أمور قليلة تعارضت أدلتها، فلم يظهر للمجتهد ترجيح أحدها، وتكون
٣٣٠
الحكمة من وجودها كذلك فى التشريع أن تكون شاهدا على قصور العقل البشرى، فلا يغتر، ولا يتمرد،
ويستسلم، ويعترف بصحة قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ني
عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وهذان القولان يتساوقان مع قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ
آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ رَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَةَ مِنْهُ
ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلَّمِ يَقُولُونَ آمَّنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدٍ
رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] فالرأى الأول يتفق مع مَن وقف على ﴿وَالِرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أى يعلمون تأويله،
والرأى الثانى يتفق مع من وقف على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ أى والراسخون فى العلم لا يعلمون
تأويله، ويسلمون به.
(فمن اتقى الشبهات) أى جعل بينه وبين الوقوع فيها وقاية، أى من بعد عنها، وحذر منها،
ومن الوقوع فيها، واستوثق فى دراستها للعلم بحكمها و((الشبهات)) بضم الشين وضم الباء، جمع
شبهة، وفى راوية للبخارى ((فمن اتقى المشبهات)).
(استبرأ لدينه وعرضه) السين والتاء للطلب، أى طلب البراءة والنقاء لدينه من النقص،
ولعرضه من الطعن فيه -وعرض الإنسان موضع الذم والمدح فيه- أو للصيرورة، أى صار دينه بريئا
نقيا من النقص، وصار عرضه بعيدا عن الطعن، لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات لم يسلم من
طعن الطاعنين.
(ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام) أى عرض نفسه للوقوع فى الحرام، وفى رواية
للبخارى «فمن ترك ما شبه عليه من الإثم، كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من
الإثم أوشك أن يواقع ما استبان)) وفى التشبيه الآتى زيادة إيضاح.
(كالراعى يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه) فى رواية للبخارى ((كراعٍ يرعى حول
الحمى، يوشك أن يواقعه)) والمراد من الحمى المكان المحمى.
(ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى اللَّه محارمه) كان ملوك العرب يجمعون لمراعى
مواشيهم أماكن مختصة، يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم، بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبى صلى
الله عليه وسلم بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة، المراقب لرضا الملك، يبتعد عن ذلك
الحمى، خشية أن تقع مواشيه فى شىء منه، فبعده أسلم له، مهما اشتد حذره، وغير الخائف، غير
المراقب يقرب منه، ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد ماشية شاردة، فتقع فيه بغير اختياره، أو
يمحل المكان الذى هو فيه، ويرى الخصب فى الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه لاعتياده التساهل،
فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقا، وحماه محرماته، من قرب منها بالوقوع فى الشبهات قرب من
الوقوع فى الحرام.
قال الحافظ ابن حجر: وقد ادعى بعضهم أن التمثيل من كلام الشعبى، وأنه مدرج فى الحديث،
وتردد ابن عون الراوى عن الشعبى- فى رفعه، وقال: لا أدرى المثل من قول النبى {؟ أو من قول
٣٣١
الشعبى؟ قال الحافظ: وتردد ابن عون فى رفعه لا يستلزم كونه مدرجا، لأن الأثبات قد جزموا
باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرواة، ومما يقوى
عدم الإدراج ثبوت المثل مرفوعا فى رواية ابن عباس وعمار بن ياسر أيضا.اهـ
ولفظ ((ألا)) للتنبيه على صحة ما بعدها وتأكيده، وتكريرها للإشارة إلى عظم شأن ما بعدها.
والمراد من المحارم المحرمات، أى فعل الشيء المحرم، أو ترك الواجب المأمور به، وقد ثبتت الواو
بين ((ألا)) وما بعدها فى روايتنا، وسقطت فى بعض الروايات، كما سقط من روايتنا ورواية للبخارى
لفظ ((فى أرضه)».
(ألا وإن فى الجسد مضغة) المضغة القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ، قالوا: المراد تصغير
القلب بالنسبة إلى باقى الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب.
(إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) قال أهل اللغة: يقال:
صلح الشىء وفسد بفتح اللام، وفتح السين، وضمهما، والفتح أفصح وأشهر.
(ألا وهى القلب) خص القلب بذلك لأنه أمير البدن، ويصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده
تفسد، والمراد به ما يتعلق به من قدرة الفهم، وسيأتى فى فقه الحديث أقوال العلماء فى مكان قدرة
الإدراك والفهم .
(يخطب الناس بحمص) ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، مدينة بالشام، وفى رواية
((بالكوفة)) مدينة بالعراق، قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينهما بأنه سمع منه مرتين، فإنه ولى إمرة
البلدين، واحدة بعد الأخرى.
فقه الحديث
قال النووى: أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التى
عليها مدار الإسلام، وقال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث ((الأعمال
بالنية)) وحديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) زاد أبو داود حديث ((لا يؤمن أحدكم حتى
يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) وزاد بعضهم حديث ((ازهد فى الدنيا يحبك الله، وازهد ما فى أيدى
الناس يحبك الناس)) قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه وسلم نبه فيه على إصلاح
المطعم والمشرب والملبس، وغيرها، وأنه ينبغى ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية الدين والعرض،
ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب.اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث فيه تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيح، لأن
الشىء إما أن ينص على طلبه، مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه، مع الوعيد على فعله، أو لا
ينص على واحد منهما، فالأول الحلال البين، والثانى الحرام البين، والثالث مشتبه، لخفائه، فلا يدرى
هل هو حلال؟ أو هو حرام؟
٣٣٢
ثم قال: وقد توارد أكثر المحدثين على إيراد هذا الحديث فى كتاب البيوع، لأن الشبهة فى
المعاملات تقع فيها كثيرا، وله تعلق أيضا بكتاب الإيمان، وبالنكاح، وبالصيد والذبائح، والأطعمة
والأشربة، وغير ذلك مما لا يخفى.
ثم قال: وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء:
أحدها: تعارض الأدلة. أقول: دليل يجذبها نحو الحرام، ودليل يجذبها نحو الحلال، يجتهد فى
فهمها المجتهدون، فيلحقها بعضهم بالحلال إلحاقا غير واضح، ويلحقها بعضهم بالحرام إلحاقا غير
واضح، وبعضهم يتوقف عجزا عن إلحاقها بأحد الأمرين، والاستبراء لمن ألحقها بالحلال إلحاقا غير
واضح وغير مسلم من عامة العلماء، أن لا يقربها بنفسه، وأن لايعلن للناس حلها، فيقع فيها العامة
على أنها حلال، والعامة فى هذه الحالة لا يبرءون من المسئولية، إذ أصموا آذانهم عن المعارضين، ولم
يتقوا الشبهات، قال الحافظ ابن حجر: وماكان هذا سبيله ينبغى اجتنابه لأنه إن كان فى نفسه
وواقع الأمر حراما فقد برئ من تبعته، وإن كان حلالا فقد أجر على تركه بهذا القصد.
ثانيها: اختلاف العلماء. أقول: أى الأمور التى اختلف العلماء فى حكمها أحلال هى؟ أم حرام؟
اختلافا غير مدعم، وغير مطمئن للنفس، مثير للريب والشك.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا التفسير منتزع من التفسير الأول.
ثالثها: أن المراد بها مسمى المكروه، لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك.
رابعها: أن المراد بها المباح، ولا يمكن لقائل هذا أن يحمله على متساوى الطرفين من كل وجه،
بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوى الطرفين باعتبار ذاته، راجح
الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج، قال بعضهم: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من
المكروه تطرق إلى الحرام والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه. قال
الحافظ: وهو منزع حسن، ويؤيده رواية ابن حبان ((اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من
فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه))
والمعنى أن بعض الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقا إلى مكروه أو محرم ينبغى اجتنابه،
كالإكثار مثلا من الطيبات، فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب، الموقع فى أخذه ما لا يستحق، أو يفضى
إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان.
ثم قال: والذى يظهر لى رجحان الوجه الأول، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادا، ويختلف
ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك إلا فى الاستكثار من
المباح، أو المكروه، كما تقرر قبل، ودونه تقع له الشبهة فى جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال. اهـ
والتحقيق أن المكروه وخلاف الأولى اللذيْن أشار إليهما الحافظ ابن حجر لا يطلق عليهما
شبهات مادام الحكم الشرعى بينا واضحا، وإن كان البعد عنهما يباعد بين المسلم وبين الحرام
والكثرة منهما تقرب المسلم من الحرام، فهذا التوجيه إن استقام مع الجزء الثانى من الحديث لا
٣٣٣
يستقيم مع الجزء الأول، والمستقيم مع الجزأين معا هو التفسير الأول والثانى، ويؤيدهما حديث («دع
ما يريبك إلى ما لا يريبك)) أخرجه الترمذى والنسائى وأحمد وابن حبان والحاكم. واللَّه أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - قال النووى: احتج بعضهم بهذا الحديث على أن العقل فى القلب، لا فى الرأس، وفيه
خلاف مشهور، ومذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنه فى القلب، وقال أبو حنيفة:
هو فى الدماغ، وقد يقال: فى الرأس، وحكوا الأول أيضا عن الفلاسفة، والثانى عن
الأطباء قال المازري: واحتج القائلون بأنه فى القلب بقوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي
الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَّذِكْرَى
لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] وبهذا الحديث، فإنه صلى اللّه عليه وسلم جعل صلاح
الجسد وفساده تابعا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده
تابعا للقلب، فعلم أن الدماغ ليس محلا للعقل، واحتج القائلون بأنه فى الدماغ بأنه إذا
فسد الدماغ فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع فى زعمهم، ولا حجة لهم فى
ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل
ليس فيه، ولا امتناع من ذلك. فقال المازري: لا سيما على أصولهم فى الاشتراك الذى
يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين الرأس والمعدة والدماغ اشتراكا.اهـ
والحق أن هذا الخلاف لا يستقيم بعد ثبوت الحقائق العلمية التشريحية بأن القوة المدركة
العاقلة فى الرأس، لا فى القلب، أما الآيات والأحاديث التى أسندت التفكير للقلب فمن السهل
توجهيها، إذ الأمور قد تنسب للسبب البعيد على الحقيقة، وللسبب القريب المباشر على الحقيقة
أيضا، فتقول: قطع الجزار اللحم، وتقول: قطع السكين اللحم، ولا شك أن القلب مصدر الحياة
لجميع أعضاء الجسم، ومنها الدماغ .
٢- وفى الحديث تأكيد السعى نحو إصلاح التفكير، وحمايته من الفساد.
٣- استدل به ابن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النبى صل قال: الحافظ: وفى الاستدلال بذلك
نظر، إلا إن أراد أنه مجمل فى حق بعض دون بعض.
٤- استدل به البخارى على أن الاستبراء للعرض والدين من أمور الإيمان.
٥- وفيه حث على الورع.
والله أعلم
٣٣٤
(٤١٨) باب بيع البعير واستثناء ركوبه
٣٦٠٦- ١:٩ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(١٠٩): أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ
أَعْيَا فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ:﴿ فَدَهَا لِي وَضَرَّبَهُ فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. قَالَ
«بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ» قُلْتُ: لا. ثُمَّ قَالَ «بِغْنِيهِ» فَبِعْتُهُ بِوَقِيَّةٍ وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلاَتَهُ إِلَى أَهْلِي. فَلَمَّا
بَلَّغْتُ أَتْتُهُ بِالْجَمْلِ فَتَقْدَنِي ثَمَّنَّهُ ثُمَّ رَجَعْتُ. فَأَرْسَلَ فِي أَقَرِي فَقَالَ «أَتْرَانِي مَّا كَسْتُكَ لآخُذَ
جَمّلَكَ؟ خُذَّ جَمَّلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ».
٣٦٠٧- للإ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمًا (١١٠) قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِعَل
فَتَلَاحَقَ بِي وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا وَلا يُكَادُ يَسِيرُ قَالَ: فَقَالَ لِي «مَا لِيَعِيرِكَ؟» قَالَ: قُلْتُ:
عَلِيلٌ قَالَ: فَتَخَلْفَ رَسُولُ اللَّهِوَ فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الإِيلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ.
قَالَ: فَقَالَ لِي «كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكُنُكَ قَالَ «أَقْتِعُنِيهِ؟»
فَاسْتَحْبَيْتُ وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ فَيِعْتُهُ إِيَّهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى
أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي عَرُوسٌ فَاسْتَأْذَنْتُ. فَأَذِنَ لِي. فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ
إِلَى الْمَدِينَةِ. حَتَّى الْتَهَيْتُ. فَلْقِيَّنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ. فَأَخْبَرُّتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهٍ فَلامَيِي
فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ «مَا تَرَوَّجْتَ؟ أَبِكْرًا أَمْ نًَّا؟ فَقُلْتُ
لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثًَّا، قَالَ «أَفَلا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلاعِيُكَ وَتُلاعِبُهَا؟» فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُؤُفّيَ
وَالِدِي (أَوِ اسْتُشْهِدَ) وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ. فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ. فَلا تُؤَدِّبُّهُنَّ وَلا
تَقُومُ عَلَيْهِنَّ. فَتَزَوَّجْتُ تًَّا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِالْمَدِينَةَ.
غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَغْطَانِي فَمَّنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ.
٣٦٠٨ - الا عَنْ جَابِرٍ﴾(١١١) قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكّْةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَحَ رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَاعْتَلَّ
جٌمّلِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِي «بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا﴾ قَالَ: قُلْتُ: لا. بَلْ هُوَ
(١٠٩) حَدْثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَّيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّقَنَا زَكْرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ خَلَّيِي جَابِرُ
- وحّدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ. أَخْبُرَنَاً عِيسَى (يَّغْنِي ابْنَ يُونُسَّ) عَنْ زَكَرِيََّاءً عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. بِمِثْلِ
حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.
(١١٠) حَدََّا عُثْمَانُ بْنُّ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانِ) (قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبُرْنَا. وَقَالَ عُثْمَان:" حَدَّقْنَا جَرِيعٌ عَنْ
مُغِيرَةً عَنِ الشّعْبِيِّ عَنْ جَابٍ
(١١١) حَذَّا عُثْمَانُ بْنَّ أَبِي شََّةٌ. حَدْقَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ
٣٣٥
لَكَ. قَالَ «لا بَلْ بِعْنِيهِ» قَالَ: قُلْتُ: لا. بَلْ هُوَ لَكَ يّا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «لا بَلْ بِعْيِيهِ» قَالَ:
قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوْقِيَّةَ ذَهَبٍ فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ «قَدْ أَخَذْتُهُ فَتَبْلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ» قَالَ:
فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ لِلالِ «أَعْطِهِ أُوْقِيَّةٌ مِنْ ذَهَبٍ. وَزِدْهُ)) قَالَ: فَأَعْطَانِي
أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ. وَزَادَنِي قِرَاطًا. قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُبِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. قَالَ: فَكَّان
فِي كِيسٍ لِي فَأَخَذَهُ أَمْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ.
٣٦٠٩- ٣ ١١ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(١١٢) قَالَ: كُنَّا مَعَ النّبِيِّ ◌َ فِي سَفَرٍ.
فَتَخَلْفَ نَاضِحِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: فَنَحْسَهُ رَسُولُ اللَّهِوَ ثُمَّ. قَالَ لِي «ارْكَبْ
بِاسْمِ اللَّهِ» وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ: فَمّا زَالَ يَزِيدُنِي وَيَقُولُ «وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ».
٣٦١٠ - ٣ ١١ عَنْ جَابِرٍ﴾(١١٣) قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلَّيَّ النّبِيُّ :﴿ وَقَدْ أَعْيَا بَعِيرِي. قَالَ: فَنَحْسَهُ
فَوَقَبَ. فَكُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْبِسُ خِطّمَهُ لأَسْمَعَ حَدِيثَةُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَلَحِقِّي النَّبِيُّ ◌َّ فَقَالَ
«يعْنِيهِ» فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسٍ أَوَاقٍ. قَالَ: قُلْتُ: عَلَى أَنْ لِي ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ «وَلَكَ ظَهْرُهُ
إِلَى الْمَدِينَةِ» قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَنْتُهُ بِهِ، فَرَادَنِي وُقِيَّةٌ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِي.
٣٦١١- ٤ ١ِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا(١١٤) قَالَ: سَافَرْتُ مَحَ رَسُولِ اللّهِ
فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ (أَظُنَّهُ قَالَ غَازِيًّا). وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ «يَا جَابِرُ أَتَوَقْتَ الثَّمَنَ؟»
قُلْتُ: لَعَمْ. قَالَ «لَكَ الثَّمَنُ وَلَكَ الْجَمَلُ. لَكَ الثَّمَنُ وَّلَكَ الْجَمَلُ».
٣٦١٢- ٥ ١٣ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا(١١٥) قَالَ: اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللَّهِع ◌َل
بَعِيرًا بِوُفِيََّيْنِ وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَّيْنٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ، فَأَكَلُوا مِنْهَا.
فَلْمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرِّي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ فَأُصِّلِّيَ رَكْعَيْنٍ وَوَزَدَ لِي ثَمّنَ الْبَعِيرِ فَأَرْجَحَ لِي.
٣٦١٣ - ١١٦ عَنْ جَابِرٍ ضَّهِ(١١٢) عَنِ النَّبِيِّ :﴿ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ. غَيْرَ أَنْهُ قَالَ: فَاشْتَرَاهُ
مِّي بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقِيَّغَيْنِ وَالدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَّيْنِ. وَقَالَ: أَمَرَ بِبَقْرَةٍ
فَتُحِرَتْ، ثُمَّ قَسَمَ لَحْمَهَا.
(١١٢) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدْقَهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدْثَّا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةً عَنْ جَابٍِ
(١١٣) وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيِعِ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّدٌ. حَدََّا أَيُوبُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِ
(١١٤) حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مَّكِّرَمِ الْعَمِّيُّ. حَدْفَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَقّ. حَدَّثَنَّا بَشِيرُ بَنُ عُقْبَةً ◌َنْ أَبِي الْمُعَوَكَّلِ الْنَاجِيِّ عَنْ جَابٍِ
(١١٥) حَدَّْا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُّعَاذِ الْعَنْبُرِيُّ. حَدَّقْنَا أَبِي. خَدْفَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ أَنْهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(١١٦) حَدَّلْيِي يَحْتِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثَيُّ. حَدْثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدََّا شَعْبَةُ. أَخْرَنَا مُحَارِبٌ عَنْ جَابٍِ
٣٣٦
٣٦١٤- ١١٧ عَنْ جَابِرٍ﴾(١١٧) أَنَّ النّبِيِّ:﴿ قَالَ لَهُ «قَدْ أَخَذْتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَّانِيرَ.
وَلَّكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ».
المعنى العام
صورة إسلامية مشرقة، صورة الإمام القائد الأعظم مع جنده، أوصغار جنده، وكيف يتتبع أحوالهم،
ويساعدهم، ويتفقد أمورهم الخاصة، ويسامرهم، ويرشدهم إلى مصالحهم، صورة القائد الذى يتصدر
الجند فى المعارك، ولا يتصدرهم فى طريق العودة، بل يسير أمامهم أحيانا، وفى وسطهم أحيانا، وفى
مؤخرتهم أحيانا، يعين الضعيف، وينجد ذا الحاجة، صورة الإمام الأعظم الذى يعطى دون أن يمن،
ودون أن يجرح المعطى.
هذا رسول اللَّه ◌َ ﴿ يعود من غزوة ذات الرقاع، فى السنة الخامسة للهجرة، يعود بجيشه
بعد نصر الله، وفى الجند جابر بن عبد الله، الصحابى المشهور، يركب جملاًله عليلاً، اشتد
به الإعياء حتى لا يكاد يسير، فتخلف جابر عن آخر القوم، وكاد يترك الجمل فى الصحراء،
ويسير على أقدامه، وبينما هو يتدبر أمره فوجئ بمن يناديه من خلفه: جابر؟ فالتفت، فإذا
هو رسول اللّه *. قال: لبيك يا رسول الله. قال: مالك تأخرت؟ ما لبعيرك؟ قال: بعيرِى
عليل، لايكاد يسير، فنزل رسول اللّه عن ناقته، ونزل جابر عن جمله، أدباً مع رسول الله
*، وسار رسول اللَّه# إلى خلف بعيرٍ جابر، فنخسه فى عجزه بعصاة كانت معه، فقفز
البعير من النخسة، وسمع جابر رسول اللّه *، يدعو للبعير بالبركة، ثم قال: يا جابر: اركب
بعيرك باسم الله. فركب جابر بعيره، وركب رسول اللّه * ناقته، وتجول بين الجند، ركب
جابر بعيره، فإذا هو غير البعير، بعير يسير سيرا لم يسر مثله قبل، بل لا يسير مثله بعير، إنه
يسابق إبل القوم، إنه يسبقهم، ويسير قدامهم ومرة أخرى يجد رسول اللّه # بجواره، يقول
له: يا جابر. قال: لبيك يا رسول الله. قال: كيف ترى بعيرك؟ ماذا فعل؟ قال: حصلت له
بركتك يا رسول الله، ها هو كأحسن بعير، بفضل دعائك، ها هو ذا يحاول سبق ناقتك،
أشده من خطامه لأمنعه من الإسراع، لتتقدم علىّ يا رسول الله، قال: يا جابر. أتزوجت بعد
وفاة أبيك؟ قال: نعم، وأنا عروس، لهذا أستأذنك فى أن أسبق الجيش إلى المدينة. قال: لا
بأس. فماذا تزوجت؟ بكرا؟ أم ثيبا؟ قال: ثيبا، قال: فلم لم تتزوج بكراً وأنت شاب فى
مقتبل الشباب؟ لم لم تتزوج بكرا تلاعبها وتلاعبك؟ لم لم تتزوج عذراء تضاحكها
وتضاحكك؟ قال: لقد مات أبى شهيدا فى أحد، وترك تسعا من البنات، منهن الصغيرة،
فكرهت أن أتزوج بكرا فى سن بعضهن، فلا تستطيع خدمتهن، وتمشيطهن، وجمعهن،
والقيام عليهن، فتزوجت امرأة تقوم مقام أمهن، وتدبر شئونهن. قال: أصبت. فبارك اللّه
لك، يا جابر. العقل العقل، والحكمة الحكمة فى معالجتك لأمور زوجك مع أخواتك، فما
أصعب هذه العلاقة، ثم قال: يا جابر أتبيعنى جملك هذا؟ واستحيا جابر. بماذا يجيب؟
(١١٧) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدََّا ابْنُ أَبِي زَائِدَةً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطّاءٍ عَنْ جَابٍِ
٣٣٧
وليس لهم جمل يستقون عليه إلا هذا؟ قال: هولك يارسول اللّه هدية لا بيعا، قال: لا بعنيه.
قال: هولك هدية لا بيعا يا رسول الله قال: لا بعنيه بأوقية من الذهب.قال: لا أبيعه. قال:
بعنيه بأوقية من ذهب، والله يغفر لك. قال: بعتكه. وقد كان لرجل علىّ أوقية من الذهب،
فهى تسد الدين، لكن أتبلغ عليه حتى المدينة.قال: تبلغ عليه إلى المدينة.
وسبق جابر الجيش، وضرب الرسول # خيام الجيش قرب المدينة، على ثلاثة أميال منها، حتى
يصل خبر الجيش وتستعد النساء للقاء الأزواج، وأصبح جابر بجمله إلى رسول اللّه، فوجده على
باب المسجد، فسلمه الجمل، فقال رسول اللَّه * لبلال، خازن بيت المال: زن له أوقية من ذهب،
وزده، فوزن له أوقية وقيراطاً، ونقده، فرجع جابر إلى بيته وقبل أن يجلس جاءه من يقول له: إن
الرسول:# يدعوك إليه. قال: سمعا وطاعة، وأخذ يقلب الأمور، لماذا يطلبنى رسول اللّه :﴿؟ وقد
كنت معه منذ قليل؟ أخشى أن يكون قد غضب لترددى فى الموافقة على البيع، أو أن يكون سيرد
علىّ الجمل، ويسترد الثمن وهو غير راض عنى.
ووصل جابر، فقال له رسول الله : أتظن أننى ساومتك على ثمن الجمل وبيعه لآخذه منك؟
الثمن لك، والجمل منى هدية لك. وقف جابر مشدوها، للمفاجأة، وأعاد صلى الله عليه وسلم: لك الثمن،
ولك الجمل، ومرة أخرى وقف جابر مشدوها لا يصدق نفسه. ومرة أخرى يقول صلى الله عليه وسلم:
لك الثمن ولك الجمل، فصدق الله العظيم ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
المباحث العربية
(أنه كان يسير على جمل له) فى الرواية الثانية ((غزوت مع رسول الله ﴾، فتلاحق بى،
وتحتى ناضح لى)) -أى جمل يستقى عليه - وفى الرواية السادسة («سافرت مع رسول اللّهِ﴾ ﴿ فى
بعض أسفاره)) وفى روايتين لمسلم، سبقتا فى كتاب النكاح -باب استحباب نكاح ذات الدين
ونكاح البكر ((كنا مع رسول اللَّه ◌ِ ﴿ فى غزاة)). ((خرجت مع رسول اللَّه ل:﴿ فى غزاة)) ومن مجموع
الروايات يتبين أن اللقاء فى العودة من غزوة، قيل: هى غزوة ذات الرقاع، فى السنة الخامسة.
(قد أعيا) يقال: أعيا البعير فى سيره، إذا تعب تعبا شديدا، وفى الرواية الثانية ((ولا يكاد
يسير)» وفى الرواية الثالثة ((فاعتل جملى)) أى مرض، وفى الرواية الرابعة ((فتخلف ناضحى)) أى
تخلف عن القوم بسبب الإعياء، وفى رواية لمسلم فى كتاب النكاح ((فأبطأ بى جملى)) وفى أخرى
هناك ((وأنا على ناضح، إنما هو فى أخريات الناس)).
(فأراد أن يسيبه) بضم الياء الأولى وفتح السين وكسر الياء المشددة، أى يتركه ويخليه يسيب
ويذهب حيث يشاء، والسائبة المهملة.
(فلحقنى النبى {، فدعا لى، وضربه) فى الرواية الثانية ((فتلاحق بى، فقال لى: ما
٣٣٨
البعيرك؟ قلت: عليل. قال: فتخلف رسول اللَّه ﴿، فزجره، ودعا له)) وفى الرواية الرابعة ((فنخسه)) أى
رجع رسول الله﴿ إلى الخلف بعد أن كان فى محاذاة جابر، فزجر الجمل بنخسه، وفى رواية لمسلم
سبقت ((نخسه بشىء كان معه» وفى أخرى هناك «نخس بعيرى بعنزة كانت معه)» والعَنّرَةُ بفتح
العين والنون عصا فى نحو نصف الرمح فى أسفلها حديدة، وفى أخرى هناك أيضاً ((فنزل فحجنه
بمحجنه، ثم قال: اركب. فركبت)» والمحجن بكسر الميم عصا فى رأسها اعوجاج.
والحاصل أن النبى ® كان أحيانا يسير فى مقدمة أصحابه، وأحيانا يتوسطهم، وأحيانا يتأخر
إلى المؤخرة، ليساعد ضعيفهم، كما فى هذه القضية، فلما تأخر عن القوم جاء جابرا من خلفه، حتى
حاذاه، فسأله عن سر تأخره، فشكا إليه جمله، فنزل صلى الله عليه وسلم عن جمله، ونزل جابر، فتأخر
صلى الله عليه وسلم إلى الجمل من الخلف، وضربه ضربة خفيفة، كالنخس، فوثب الجمل، فدعا
للجمل، ثم قال لجابر: اركب فركب وركب صلى الله عليه وسلم، وأخذ يؤنس جابرا ويسأله عن حاله.
(فسار سيرا لم يسر مثله) من الحسن والسرعة والنشاط. فى الرواية الثانية ((فما زال- أى
البعير- بين يدى الإبل - أى أمامها - قدامها يسير)» وفى الرواية الخامسة ((فكنت بعد ذلك أحبس
خطاه - أى أشد الحبل المربوط فى رأسه وأنفه، وهو الزمام - لأسمع حديثه صلى الله عليه وسلم، فما
أقدر عليه-فأسرع مرة وسبق رسول اللَّهَ ﴿، فلحقنى النبى {)) وفى رواية عند مسلم سبقت ((فانطلق
بعيرى كأجود ما أنت راء من الإبل)» وفى أخرى هناك ((فلقد رأيتنى أكفه عن رسول اللّه﴿)) وفى
أخرى هناك أيضاً ((فجعل - الجمل - بعد ذلك يتقدم الناس، ينازعنى، حتى إنى لأکفه)».
(قال: بعنيه بوقية. قلت: لا ثم قال: بعنيه. فبعته بوقية) وفى الرواية الثانية ((قال:
أفتبيعينيه؟ فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره)) وفى الرواية الثالثة ((بعنى جملك هذا. قال: قلت:
بل هولك. قال: لا. بل بعنيه. قال: قلت: لا. بل هولك يا رسول الله. قال: لا. بل بعنيه. قال: قلت: فإن
لرجل علىّ أوقية ذهب، فهولك بها)) وفى الرواية الخامسة ((فقال: بعنيه. فبعته منه بخمس أواق))
وفى الرواية السابعة ((اشترى منى رسول اللّه :﴿ بعيرا بوقيتين ودرهم أو درهمين)) وفى الرواية
التاسعة ((أخذت جملك بأربعة دنانير)) وفى رواية ((أحسبه بأربع أواق)) زادها البخارى وزاد
((بثمانمائة درهم)) وفى رواية ((بعشرين دينارا)) والظاهر أن جابرا رفض البيع أولا، لأنه لم يكن لهم
ناضح سواه، ولذلك لامه خاله عندما قابله فى المدينة، كما فى الرواية الثانية، ثم لما أعاد صلى الله
عليه وسلم الطلب قال: هو لك بدون ثمن، فلما أصر صلى اللّه عليه وسلم قال له جابر: إنه مدين بأوقية
من الذهب لرجل، وأنه يبيع بهذه الأوقية، فالرسول # عرض الثمن أولا، وقبل جابر وأعلنه أخيرًا.
أما اختلاف الروايات فى الثمن، فعنه يقول النووى: وسبب اختلاف هذه الروايات أنهم رووا
بالمعنى، وهو جائز، فالمراد وقية ذهب، كما فسر فى الرواية الثالثة، ويحمل عليه رواية من روى
((أوقية)) مطلقا، وأما من روى ((خمس أواق)) فالمراد خمس أواق من الفضة، وهى بقدر قيمة أوقية
الذهب فى ذلك الوقت، فيكون الإخبار بأوقية الذهب عما وقع به العقد، وعن أواق الفضة عما حصل
به الإيفاء [وهذا غير مسلم، فالإيفاء تم بأوقية ذهب، كما هو صريح الرواية الثالثة] ويحتمل أن يكون :.
٣٣٩
هذا كله زيادة على الأوقية، كما قال: ((فما زال يزيدنى)) فى الرواية الرابعة [وهذا أيضا غير مسلم، إذ لو
زاده فى العقد لزاده فى الوفاء، ولعل معنى ((فما زال يزيدنى)) طلبا للبيع ويكرره] وأما رواية ((أربعة
دنانير)) فموافقة أيضاً، لأنه يحتمل أن أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير، وأما رواية ((أوقيتين))
فيحتمل أن إحداهما وقع بها البيع، والأخرى زيادة، كما قال: ((فزادنى وقية)» فى الرواية الخامسة
[وهذا غير مسلم، لما هو ثابت عند الوفاء] وقوله ((ودرهم أو درهمين)) فى الرواية السابعة موافق لقوله:
((وزادنى قيراطا)) وأما رواية ((عشرين دينارا)) فمحمولة على دنانير صغار، كانت لهم [وهذا غير
مسلم، فلم يثبت أنه كان لهم دنانير كبار، ودنانير صغار، العشرون من الصغار تعادل أربعا] ورواية
((أربع أواق)) شك فيها الراوى، فلا اعتبار بها. اهـ
وهذه التوجيهات بعضها غير مقبول، وبعضها ظاهر التعسف، والأولى أن يحكم لبعضها
بالمحفوظ، وعلى بعضها بالشذوذ، وخاصة أن تحديد ثمن البعير لا يتعلق به حكم شرعى. والله أعلم.
(واستثنيت حملانه إلى أهلى) ((حملانه)) بضم الحاء الحمل بفتحها، يقال: حمل الحمل
على ظهر الدابة حملا وحملانا، والمعنى: واستثنيت حمله لى إلى أهلى بالمدينة. وقد وضح هذا
الاستثناء فى الرواية الخامسة، ولفظها ((قلت على أن لى ظهره إلى المدينة)) ووضح إجابته إلى طلبه
فى الرواية الخامسة والتاسعة ((قال: ولك ظهره إلى المدينة)) وفى الرواية الثالثة ((فتبلغ عليه إلى
المدينة)) وفى الرواية الثانية ((فبعته إياه على أن لى فقار ظهره حتى أبلغ المدينة)) و((فقار ظهره))
بفاء مفتوحة، ثم قاف، وهى خرزاته ومفاصل عظامه، واحدتها فقرة.
(فلما بلغت أتيته بالجمل) أى فلما بلغت المدينة، وبلغت أهلى، ووضعت عندهم رحلى
ومتاعى أتيته عند المسجد بالجمل، وطوت هذه الرواية بعض الأحداث التى ذكرتها الروايات
الأخرى، وهى:
(فقلت له: يا رسول الله، إنى عروس) جاء هذا فى الرواية الثانية، أى إنى عجل إلى أهلى،
فأستأذنك فى الإسراع. ولفظ ((عروس)) يقال للرجل كما يقال للمرأة بلفظ واحد، لكن يختلفان فى
الجمع، فيقال: رجل عروس، ورجال عرس، بضم العين والراء، وامرأة عروس ونسوة عرائس.
(قال: ما تزوجت؟) لم يكن السؤال عن ذات الزوجة حتى يسأل بـ)) من تزوجت)) ولكن كان
السؤال عن صفتها ((أبكرا؟ أم ثيبا))؟ وهما منصوبان مفعول به لفعل محذوف، ومعطوف، أى
أتزوجت بكرا؟ أم ثيبا؟ قال: ثيبا.
(قال: أفلا تزوجت بكرا تلاعبك وتلاعبها؟) فى روايات لمسلم سبقت ((فهلا بكرا
تلاعبها)»؟ ((فأين أنت من العذارى)»؟ (بفتح الراء جمع عذراء) و((لعابها)) (بكسر اللام، أى
ملاعبتها؟) ((فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك)»؟.
((أوقال: تضاحكها وتضاحكك))؟ ((أتزوجت بعد أبيك؟))
٣٤٠