النص المفهرس
صفحات 21-40
(٣٩١) باب القسم بين الزوجات
٣٢٠٧ -٢٦ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٤٦) قَالَ: كَانُ لِلْبِيِّ{﴿ ◌ِسْحُ بِسْوَةٍ. فَكَّانِ إِذَا قَسَمَ بَيْتَهُنَّ لا
يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَةِ الأُولَى إِلا فِي تِسْعٍ. فَكُنَّ يَخْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا. فَكَانَ فِي
بَيْتٍ عَائِشَةَ. فَجَاءَتْ زَيْئَبُ. فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ: هَذِهِ زَيْنَبُ فَكَفَّ النّبِيُّ :﴿ يَدَهُ. فَتَقَاوَلًّا
خَتَّى اسْتَخَبَا. وَأَقِيمَتِ الصَّلاةُ. فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَهُمَا. فَقَالَ: اخْرُجْ، يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الصَّلاةِ. وَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّلِ﴿ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: الآلّ
يَقْضِي النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ صَلاَهُ فَيَجِيءُ أَبُو بَكْرٍ فَيَفْعَلُ بِي وَيَفْعَلُ. فَلَمَّا قَضَى الْبِيُّ ◌َ﴿ِ صَّلاَهُ أَتَاهَا
أَبُو بَكْرٍ. فَقَالَ لَهَا قَوْلاً شَدِيدًا. وَقَالَ: أَتَصَْعِينَ هَذَا؟.
المعنى العام
خدم أنس رسول اللّه عشر سنين، إذ قدمته أمه وهو ابن عشر سنين إلى النبى 8* ليخدمه
فور قدوم النبى * المدينة، فكان يطلع على بعض الأمور الخاصة التى تحدث فى بيته صلى الله عليه
وسلم، كهذه القصة، وإخباره رضى الله عنه بها من قبيل التبليغ لأحكام الشريعة، وليس من قبيل
التشهير أو كشف الأسرار.
ورسول اللّه * تزوج بإحدى عشرة امرأة، مات فى حياته ثنتان. خديجة وزينب بنت خزيمة
رضى الله عنهما، ومات صلى الله عليه وسلم عن تسع، غير سريته مارية القبطية، وليس لها فى
الشريعة قسم. ومن كرم خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدخل عليهن الأنس والسرور كل يوم، كان
يستخدم أسلوبا ثابتا فى أيام السلم والإقامة بالمدينة. كان يصلى العصر، فيدخل على كل واحدة
منهن فى بيتها، تقول عائشة رضى الله عنها: ((كل يوم إلا ورسول اللّه# يطوف علينا جميعا، فيقبل،
ويلمس ما دون الوقاع، فإذا جاء إلى التى هى يومها بات عندها)) ومعنى هذا أنه كان يؤخر صاحبة
النوبة حتى يطوف على صاحباتها هذه لفتة عطف وحنان وأنس ورحمة وكرم، ليست واجبة عليه
صلى الله عليه وسلم، ولا على أمته، ولكنه الخلق الكريم.
لفتة أخرى يصورها حديثنا لا تقل عن اللفتة السابقة، لفتة ترفع الغل والحقد بين الضرائر،
وتغرس التواد والتقارب بينهن، كن يجتمعن فى كل ليلة فى بيت التى يأتيها صاحبة الليلة، يتحدثن
معه صلى الله عليه وسلم، ويتحدث معهن، ويأنس بهن جميعا، ويأنسن به.
(٤٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَثْنَا شَابَةُ بُنُ سَوَّارٍ حَدْقَّا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حَابِتٍ عَنْ أَنْسٍ
٢١
نعم كانت هذه اللفتة محفوفة بالأخطار، فحركاته صلى اللّه عليه وسلم وسكناته مع كل واحدة
منهن محسوبة عليه من الأخريات، مداعباته، بل نظراته مراقبة منهن بدافع الغيرة وفرط الحرص.
إنها لفتة محفوفة بالأخطار، فقد يفعل فعلا، أو يتحرك حركة، أو يقول كلمة تحمل على غير
وجهها، وتثير فى إحداهن حساسية ما وانفعالا، كما فى هذه الحادثة.
فى ليلة عائشة، وفى بيتها اجتمع بعض زوجاته صلى اللّه عليه وسلم، ودخلت أم
المؤمنين زينب بنت جحش، وهى التى كانت تسامى عائشة جمالاً واعتزازاً وشموخاً ودلالاً
- فمد رسول اللَّه ◌َ ﴿ يده عليها، قد يكون ربت على كتفها، أو لمس وجهها، أو مسح على
شعرها، زوجته، ومن حقه، وليس من حق صاحبة الليلة سوى المبيت، وليس ممنوعا فى
القسم إلا وطء غير صاحبة الليلة، لكن غيرة عائشة جعلتها تلفت نظره صلى اللّه عليه وسلم
إلى رعاية مشاعرها، وبأدب جم، وابتسامة ناطقة، ودلال نادر تقول له: إنها -أى التى
وضعت يدك عليها - زينب وليست عائشة، ويبتسم صاحب الخلق العظيم، ويهز رأسه
موافقا، ويرفع يده عن زينب، وتثور زينب، وتناوش عائشة، وتثور عائشة وتهاجم زينب،
وترتفع أصواتهما، ويزداد صخبهما، وصاحب الخلق العظيم يبتسم ولا يتدخل، يقدر طبيعة
المرأة فى كل منهما، يقدر حب وحرص كل منهما، يقدر شخصية واعتزاز كل منهما،
وأقيمت الصلاة، ومر أبو بكر على باب عائشة فى طريقه إلى المسجد فسمع الصخب،
وعرف فيه صوت ابنته، فاستأذن ودخل، فسكتتا، ورأى أبو بكر أن الوقت لا يسمح
بمحاسبة ابنته فقد أقيمت الصلاة، فقال لرسول اللَّه *: لم لا تكتم أنفاسهما؟ لم لا تملأ
أفواههما بالتراب؟ هيا بنا إلى الصلاة، وأيقنت عائشة أن أباها سيعود بعد الصلاة
لمعاقبتها، فقد عودها أن يؤدبها فى بيت زوجها إن أساءت إلى مقامه صلى اللّه عليه
وسلم. أخذت تفكر وتفكر فيما سيكون من أبيها، حتى كان ما حسبته وقدرته. جاء رضى
الله عنه بعد الصلاة، فقال لها قولا شديدا، تهذيبا وتأنيبا، لم يسأل عن السبب فقد يكون
خاصًا مستورًا، ولكنه اكتفى بتوجيه ابنته أن تحذر الصخب وارتفاع الصوت واللغط فى
حضرة رسول اللّه ﴾.
المباحث العربية
(تسع نسوة) هذا ما كان عليه الأمر فى أخريات حياته صلى الله عليه وسلم، وهن اللاتى توفى
عنهن، وهن عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وزينب وأم حبيبة وميمونة وجويرية وصفية. رضى الله
عنهن، و((نسوة)) بكسر النون وضمها، لغتان. الكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن.
(لا ينتهى إلى المرأة الأولى) أى لا يصل، أى لا ينتهى منهن وينتقل إلى المرأة الأولى.
(إلا فى تسع) أى إلا فى تاسع ليلة، إذ يمر على ثمان فى ثمان، فقول النووى: لا ينتهى إلى الأولى
إلا بعد انقضاء التسع معناه بما فيها ليلة الأولى.
٢٢
(فى بيت التى يأتيها) أى يضاجعها، أى صاحبة الليلة.
(فجاءت زينب) أى بنت جحش، بنت عمته أم المؤمنين رضى الله عنها، وكان النبي {* قد
تزوج امرأة أخرى اسمها زينب بنت خزيمة، لكنها ماتت بعد شهرين من زواجها منه صلى الله عليه
وسلم، فليست المرادة هنا.
(فقالت: هذه زينب) أى فقالت عائشة، كما هو معلوم من السياق، وإن كان فيه تشتيت
للضمائر. وليس المقصود الإفادة بأنها زينب، بل المقصود لازم الفائدة، أى ليست عائشة صاحبة
الليلة ومقدماتها.
(فتقاولتا) أى افتعلت كل منهما القول وتكلفته ودفعته نحو الأخرى، تتنازعان
أحقية هذه اللمسة.
(حتى استخبتا) بالتاء المثناة المفتوحة ثم الخاء المفتوحة، ثم الباء المفتوحة، ثم تاء
المؤنثة، يقال: استخب بالسين، من السخب، واصطخب من الصخب بمعنى، وهو اختلاط الأصوات
وارتفاعها. هكذا هو فى معظم الأصول، وهو رواية الجمهور، وفى بعض النسخ ((استخبثتا)) أى قالتا
الكلام الردىء الخبيث، وفى بعضها ((استحيتا)) من الاستحياء، وفى بعضها ((استحثتا)) أى حثت
كل واحدة فى وجه الأخرى التراب، وهذا بعيد، ولعله تصحيف.
(فيفعل بى ويفعل) حذف المفعول وتكرير الفعل للتهويل.
(أتصنعين هذا) الاستفهام إنكارى توبيخى، بمعنى لا ينبغى، والمشار إليه الصخب فالمعنى:
لا ينبغى ولا يليق أن تحدثى صخبا فى حضرة رسول اللَّه وال﴾.
فقه الحديث
القسم والعدل بين الزوجات واجب على المسلمين. وفى وجوبه على النبى 18 خلاف، لكنه صلى
اللّه عليه وسلم كان قائما به، بكل دقة.
قال النووي: مذهبنا أنه لا يلزمه أن يقسم لنسائه، بل له اجتنابهن كلهن، لكن يكره تعطيلهن
مخافة من الفتنة عليهن، والإضرار بهن، فإن أراد القسم لم يجزله أن يبتدئ بواحدة منهن إلا بقرعة،
ويجوز أن يقسم ليلة ليلة، وليلتين ليلتين، وثلاثا ثلاثا، ولا يجوز أقل من ليلة، ولا يجوز الزيادة على
الثلاث إلا برضاهن. هذا هو الصحيح فى مذهبنا، وفيه أوجه ضعيفة فى هذه المسائل غير ما ذكرته.
واتفقوا على أنه يجوز أن يطوف عليهن كلهن، ويطأهن فى الساعة الواحدة، برضاهن، ولا يجوز
ذلك بغير رضاهن، وإذا قسم كان لها اليوم الذى بعد ليلتها، ويقسم للمريضة والحائض والنفساء لأنه
يحصل لها الأنس به، ولأنه يستمتع بها بغير الوطء، من قبلة ونظر ولمس وغير ذلك.
٢٣
قال أصحابنا: وإذا قسم لا يلزمه الوطء، ولا التسوية فيه، بل له أن يبيت عندهن، ولا
يطأ واحدة منهن، وله أن يطأ بعضهن فى ذوبتها دون بعض، لكن يستحب ألا يعطلهن، وأن
يسوى بينهن فى ذلك. اهـ
وسبب الخلاف فى وجوب القسم على النبى 8 قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ
مَن تَشَاءُ وَمَن ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَنْنَى أَن تَقَرَّأَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا
آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١].
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أنه لا يستحب أن يزيد المسلم فى القسم على ليلة ليلة، والمراد اليوم مع الليلة، قال البدر العينى:
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يزاد فى القسم على يوم وليلة، اقتداء بالنبى { ل﴾، وبه قال
مالك وأبو ثور وأبو إسحاق المروزى من الشافعية، وحمل الشافعى ذلك على الأولوية،
والاستحباب، ونص على جواز القسم ليلتين ليلتين، وثلاثا ثلاثا، وقال فى المختصر: وأكره
مجاوزة الثلاث، فحمله الأكثرون على المنع، ونقل عن نصه فى الإملاء أنه كان يقسم مياومة -
أى يوما يوما ومشاهرة - أى شهرا شهرا - ومسانهة - أى سنة سنة. قال الرافعى: فحملوه على
ما إذا رضين، ولم يجعلوه قولا آخر، وحكى عن صاحب التقريب أنه يجوز أن يقسم سبعا سبعا،
وعن الجوينى وغيره أنه تجوز الزيادة ما لم تبلغ التربص بمدة الإيلاء، وقال إمام الحرمين: لا
يجوز أن يبنى القسم على خمس سنين مثلاً، وحكى الغزالى فى البسيط وجها: أنه لا تقدير
بزمان، ولا توقيت أصلا، فإنما التقدير إلى الزوج، وقال ابن المنذر: ولا أرى مجاوزة يوم، إذ لا
حجة مع تخطى سنة رسول الله إلى غيرها، ألا ترى قوله فى الحديث ((إن سودة وهبت يومها
لعائشة))؟ ولم يحفظ عن رسول اللّه * فى قسمته لأزواجه أكثر من يوم وليلة، ولو جاز ثلاثة لجاز
خمسة وشهرًا، ثم يتخطى بالقول إلى مالا نهاية له، فلا يجوز معارضته السنة.
والذى تستريح إليه النفس أنه يستحب ألا يزيد فى القسم عن يوم وليلة، لئلا يعرض الحقوق
للضياع، فقد يحال بينه وبين الوفاء بالحقوق بسبب المرض أو السفر أو العجز أو الموت.
٢- أنه يستحب للزوج أن يأتى كل امرأة فى بيتها، ليقضى معها ليلتها، ولا يدعوها إلى بيته، لكن إن
دعا كل واحدة فى نوبتها إلى بيته كان له ذلك، وهو خلاف الأفضل، ولو دعاها إلى بيت ضرائرها
لم تلزمها الإجابة، ولا تكون بالامتناع ناشزة، بخلاف ما إذا امتنعت من الإتيان إلى بيته، لأن
عليها ضررا فى الإتيان إلى ضرتها. قاله النووى.
٣- أخذ بعضهم أنه يستحب أن لا يمس امرأة فى بيت الأخرى فى ليلتها، وقد اعتذر بعض العلماء
عن مد الرسول # يده إلى زينب بأنه لم يكن عمدا، بل ظنها عائشة صاحبة النوبة، قال: لأنه كان
فى الليل، وليس فى البيوت مصابيح. وهذا اعتذار بعيد، فإن عائشة كانت موجودة من مدة وزينب
دخلت، ومن الصعب أن نتصور اختلاطهما، وقيل: كان ذلك برضاهن. وهو بعيد أيضا، فكلام
عائشة ظاهر فى عدم رضاها.
والذى تستريح إليه النفس أن مثل هذا مباح، وكف صلى الله عليه وسلم يده استجابة الأحاسيس
عائشة، وإرضاء لها.
٢٤
٤- قد يحتج الحنفية به على أن اللمس لا ينقض الوضوء، قال النووى: ولا حجة فيه، فإنه لم يذكر أنه
لمس بلا حائل، ولا أنه صلى ولم يتوضأ.
٥- وفى الحديث ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق، ولطف المعاملة.
٦- وفيه فضيلة لأبى بكر ه، وشفقته ونظره فى المصالح،
٧- وفى قوله ((اخرج إلى الصلاة، واحت فى أفواههن التراب)) إشارة المفضول على صاحبه الفاضل
بما فيه مصلحته.
٨- وفيه غيرة النساء، وطبيعة المرأة.
والله أعلم
٢٥
(٣٩٢) باب جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها
٣٢٠٨ - ٤٧ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٤٧) قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أَكُونَ فِي
مِسْلاحِهَا مِنْ سَوْدَّةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ لِعَائِشَةَ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ. فَكَانٌ رَسُولُ اللَّهِ
* يَقْسِمُ لِعَائِشَةً يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سَوْدَةً.
٣٢٠٩- ﴾ وَعَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ: أَنَّ سَوْدَةً(٤٨) لَمَّا كَبِرَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَزَادَ
فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ «قَالَتْ: وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَرَوَّجْهَا بَعْدِي».
٣٢١٠ - ٤٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٤٩) قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللإِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ
لِرَسُولِ اللَّهِعَ﴿ وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجْلَّ ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ
مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَّلْتَ﴾ قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلا
يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ.
٣٢١١- ٢٠° عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهَا (٥٠) أَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَّا تَسْتَخْبِي امْرَأَةٌ تَهَبُ نَفْسَهَا
لِرَجُلٍ؟ خَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ فَقُلْتُ: إِنَّ
رَبَّكَ لَيُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ.
٣٢١٢ -١°ْ عَنْ عَطَاءٌ(٥١) قَالَ: حَضَرْنَا، مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، جَنَازَةَ مَّيْمُونَةَ، زَوْجِ النِيِّ ◌َ﴾،
بِسَرِفَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجُ النِّيِّ:﴿َ. فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُرَعْزِعُوا. وَلا تُزَلْزِلُوا.
وَارْفُقُوا. فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ّ بِسْعٌ. فَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمّانٍ وَلا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ قَالَ عَطَاءٌ
الَّتِي لَا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيِّ بْنِ أَخْطَبَ.
(٤٧) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدْقَّا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
(٤٨) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثْنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَ وَحَدَّثْنَا عَمْرٌوَ النَّقِدُ حَدَّقْنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَ وَحَدَّقًّا
مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى حَذَّثَنًا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٤٩) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحْمِّدُ بْنُ الْعَلَّاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عُنْ عَائِشَةَ
(٥٠) وحَدَّثَّاهَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً خَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
(٥١) حَدََّا إِسْحَقُ بْنَّ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَالِمٍ قَالْ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدِّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيِّجٍ أُخْبُرَبِي عَطَاءٌ
٢٦
٣٢١٣-٢°ب وَزَادَ في روايةٍ(٥٢): قَالَ عَطَاءٌ: كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْثًا، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ.
المعنى العام
عاش صلى الله عليه وسلم مع خديجة رضي الله عنها نحو خمس وعشرين سنة، لم يتزوج عليها
غيرها حتى ماتت، فأحس بوحدة وأسى، حتى سمى عام وفاتها عام الحزن، وجاءته الخاطبة تنصحه
بالزواج، وعرضت عليه بكراً وثيباً، أما البكر فعائشة وأما الثيب فسودة، فخطبهما صلى الله عليه وسلم
قبل الهجرة بنحو عامين، وعقد عليهما، عقد على عائشة، ثم عقد على سودة، عقد على عائشة حبا فى
أبيها، فهى لم تتجاوز السادسة أو السابعة من عمرها، أما سودة فهى تناهز الخمسين من عمرها،
دخل على سودة قبل الهجرة بسنتين، ودخل على عائشة بعد الهجرة بعام أو يزيد، ثم تزوج حفصة
بنت عمروزينب بنت خزيمة، فماتت عنده بعد شهرين، فتزوج أم سلمة، ثم جويرية بنت الحارث، ثم
زينب بنت جحش، ثم أم حبيبة بنت أبى سفيان، ثم صفية بنت حيى، ثم ميمونة بنت الحارث،
فاجتمع عنده تسع من النساء يقسم لكل واحدة منهن ليلة ويوما، هذا قسمه صلى اللّه عليه وسلم فيما
يملك، وهو الإقامة والمبيت، لكن مالا يملكه قلبه وحبه وميله، فقد كان حب عائشة بقدر لا يخفى على
الزوجات، بل لا يخفى على الصحابة، حتى كانوا يتحرون بهداياهم له يوم عائشة، يوم سكنه وسروره
وانبساطه، وكانت رغبته فى سودة أقل الرغبات، فقد طعنت فى الستين، وكانت ثبطة ضخمة
الجسم، ثقيلة الوزن والحركة، ووهن عظمها، واشتعل بالشيب رأسها، بسيطة فى تفكيرها، سهلة
الانقياد لعائشة، مستسلمة لها، حتى كادت لا تعد من الزوجات، بل أشيع أن الرسول # طلقها، أو
هو على وشك تطليقها، وعلمت بذلك، وخشيت إن هى انتظرته فى ليلتها لتحدثه عما فى نفسها أن
يفوت الوقت، ويقع الطلاق، فمتى وأين تكلمه؟ إنها تجتمع مع صواحباتها فى بيت إحداهن كل
ليلة، لكنها لا تستطيع أن تفاتحه فى أمر كهذا أمامهن، فانتظرته فى طريقه من المسجد إلى بيت
إحدى الزوجات صاحبة الذوبة عصر يوم من الأيام، ثم استوقفته، فقالت: يا رسول اللَّه، هل طلقتنى
أو ستطلقنى لموجدة وجدتها علىّ؟ أى لعيب أو خطأ أستطيع إصلاحه؟ قال: لا. قالت: والذي بعثك
بالحق. مالى فى الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة. إن كنت طلقتنى
فراجعنى، فإنى قد جعلت يومى وليلتى منك لعائشة حبيبة رسول اللّه *. تبتغى بذلك مرضاته صلى
اللَّه عليه وسلم، وقبل منها رسول اللَّه ◌َ هذا العرض، الذى رفع عن كاهله ثقل القسم، فكان يقسم
لعائشة يومها ويوم سودة.
هذا عن تنازل سودة عن يومها لعائشة، أما عن الزوجات اللائى يرغبن فى الزواج من رسول الله
* تشرفا ورغبة فى القرب منه فقد كثر عرضهن، حتى عرضت إحدى أمهات المؤمنين أختها عليه،
وحتى كثر الواهبات أنفسهن له صلى الله عليه وسلم، وحتى أنزل الله له حرية القبول والرفض،
(٥٢) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٢٧
﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] لكنه صلى الله عليه وسلم توقف عند
التسع، ولم يزد صلى الله عليه وسلم، ورضى عن زوجاته أمهات المؤمنين.
المباحث العربية
(ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون فى مسلاخها من سودة) المسلاح بكسر الميم
الجلد، أى أن أكون أنا هى. والمعنى ليس هناك امرأة أحب أن أعمل عملها أكثر من سودة.
(من امرأة فيها حدة) الحدة بكسر الحاء وتشديد الدال الشدة وسرعة الغضب، وتطلق على
حدة الذهن والذكاء وقوة القريحة، وضبط النفس، وهذا هو المراد هنا، إذ لم ترد عائشة أن تعيب
سودة، ثم إن سودة معروفة فى تاريخها بغير سرعة الغضب، ثم إن ما حدثت به عنها من تنازلها عن
يومها لعائشة ذكاء وحسن تصرف، وبُعد نظر، وغاية فى التسامح والحكمة، فـ))من)) فى ((من امرأة))
بيانية، ويجوز حمل الحدة على المعنى الأول، فقد ذكر فى الإصابة وصحح عن عائشة قولها: ((إن بها
إلا حدة فيها)) أى ما كان فيها من عيب إلا حدة وسرعة غضب ((كانت تسرع منها اللعنة)).
(فلما كبرت) الكبر والصغر أمر نسبى، فقد تزوجت رسول اللّه ◌َ ﴿ كبيرة، فالمراد زادت كبراً.
(جعلت يومها) أى نوبتها، وهى يوم وليلة من كل تسع ليال بأيامها.
(وكانت أول امرأة تزوجها بعدى) قال النووى: كذا ذكره مسلم أنه صلى الله عليه
وسلم تزوج عائشة قبل سودة، وروى أنه تزوج سودة قبل عائشة. قال الحافظ ابن حجر:
معناه عقد على سودة بعد أن عقد على عائشة، وأما دخوله على سودة فكان قبل دخوله على
عائشة بالاتفاق. نبه على ذلك ابن الجوزى.
(كنت أغار على اللائى وهبن أنفسهن لرسول الله ﴿) كذا وقع هنا ((أغار))
بالغين، والمراد أنتقد وألوم وأعتب، يؤيد هذا المعنى رواية الإسماعيلى بلفظ ((كانت تعير
اللائى وهبن أنفسهن)) بالعين. كما يؤيد هذا المراد قولها فى روايتنا الرابعة ((أما تستحيى
امرأة تهب نفسها لرجل»؟
وليس فى الحديث أن النبى * قبل هبة من وهبت نفسها له، لكن فيه أن الواهبة كانت أكثر من
واحدة، قال الحافظ ابن حجر: فى النكاح حديث سهل بن سعد أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إنى
وهبت لك نفسى .. )) وفيه قصة الرجل الذى طلبها، وقال له: ((التمس ولو خاتما من حديد)). ومن
حديث أنس ((أن امرأة أتت النبي #، فقالت له: إن لى ابنة - وذكرت عن جمالها فآثرتك بها.
فقال: قد قبلتها، فلم تزل تذكر، حتى قالت: لم تصدع قط. فقال: لا حاجة لى فى ابنتك)» وهذه امرأة
أخرى بلا شك، وعن أبى حاتم من حديث عائشة ((التى وهبت نفسها للنبى {8# هى خولة بنت حكيم))
أشار إليه البخارى معلقا. ومن طريق الشعبى قال: من الواهبات أم شريك، وأخرجه النسائي. وعند
٢٨
معمرابن المثنى أن من الواهبات فاطمة بنت شريح، وقيل: إن ليلى بنت الحكيم ممن وهبن
أنفسهن، ومنهن زينب بنت خزيمة - جاء عن الشعبى وليس بثابت - وعن ابن عباس قال: التى
وهبت نفسها ميمونة بنت الحارث. وهذا منقطع وإسناده ضعيف، ويعارضه حديث سماك عن عكرمة
عن ابن عباس (لم يكن عند رسول اللَّه # امرأة وهبت نفسها له» أخرجه الطبرى، وإسناده حسن،
والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له - وإن كان مباحا له، لأنه راجع إلى إرادته، لقوله
تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠].
(وأقول: وتهب المرأة نفسها؟) الكلام على الاستفهام الإنكارى التوبيخى والواو عاطفة على
محذوف والتقدير أتخلع المرأة برقع الحياء؟ وتهب نفسها؟ لا ينبغى ولا يليق ذلك.
﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَن ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَّلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى
أَن تَقَرَّ أَغَيُّنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضِيَنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١].
((ترجى)) أى ترجئ وتؤخر ((وترجئ)) بالهمز قرئ به ((من تشاء منهن)) أى من نسائك أو من نساء
الأمة، ((وتؤوى إليك من تشاء)) أى وتضم إليك من تشاء من نسائك، وتضاجعها، أو تطلق من تشاء
منهن، وتمسك من تشاء، أو تقبل من تشاء من الواهبات، وترد من تشاء، واللفظ محتمل لكل الأقوال
((ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك)) أى ومن طلبتها ممن تجنبتها فلا إثم عليك ((ذلك)) أى
تفويض الأمر إلى مشيئتك ((أدنى)) أى أقرب إلى ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَوْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ
كُلُّهُنَّ﴾ أى أقرب إلى قرة عيونهن وسرورهن ورضاهن جميعا، لأنه حكم، كلهن فيه سواء، إن سويت
بينهن وجدن ذلك تفضلا منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى، فتطمئن نفوسهن.
(والله ما أرى ربك إلا يسارع لك فى هواك) فى الرواية الرابعة ((إن ربك ليسارع
لك فى هواك)».
و((أرى)) بفتح الهمزة، معناه أعلم وأعتقد، أن ربك يخفف عنك، ويوسع عليك فى الأمور، ولهذا
خيرك، وفوض الأمر إلى مشيئتك.
(حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة، زوج النبى # بسرف) «ميمونة» بنت الحارث
الهلالية أخت لبابة أم الفضل زوجة عمه العباس، تزوجها رسول اللّه ** بمكة فى عمرة القضاء فى
ذى القعدة سنة سبع من الهجرة، وكانت زوجة لأبى رهم، فتأيمت منه. وهى آخر من دخل بها من
أزواجه صلى الله عليه وسلم، دخل بها فى ((سرف)) بفتح السين، وكسر الراء بعدها فاء، وهو مكان
يقرب من مكة، بينها وبينه ستة أميال، أى أكثر من عشرة كيلو مترات، أعدت لها قبة بسرف دخلت
فيها، وكانت وفاتها سنة إحدى وستين - وكذا قال الواقدى، وكانت آخر زوجاته صلى الله عليه وسلم
موتا، ماتت بمكة، ويقال: إنها دفنت فى موضع قبتها التى تزوجت فيها بسرف، بناء على وصيتها
لابن عباس، ابن أختها رضى الله عنهم.
وفى ملحق الرواية الخامسة ((قال عطاء: كانت آخرهن موتا. ماتت بالمدينة)) قال
٢٩
القاضى عياض: قوله ((بالمدينة)) وهم، فقد ماتت بسرف، وهى قريبة من مكة، وقال النووى:
يحتمل أن قوله ((بالمدينة)) عائد على صفية، ولفظه فيه صحيح يحتمله، أو ظاهر فيه.اهـ إذ
كان آخر الرواية الخامسة ((قال عطاء: التى لا يقسم لها صفية بنت حيى بن أخطب))
فيصح بعده ((ماتت بالمدينة))، لكن يعكر على هذا الاحتمال قوله ((وكانت آخرهن موتا))
وصفية ماتت سنة خمسين، وعائشة سنة سبع وخمسين، وميمونة سنة إحدى وستين. ففى
كلام عطاء وهم، إما فى ((ماتت بالمدينة)) وإما فى ((كانت آخرهن موتا)) قال الحافظ ابن
حجر: ويحتمل أن المراد من المدينة البلد الكبير، ويقصد به مكة.
وهناك وهم آخر وهو قوله ((التى لا يقسم لها صفية بنت حيى بن أخطب)» قال العلماء: هووهم
من ابن جريج الراوى عن عطاء، والصواب ((سودة)» كما سبق فى الأحاديث.
(فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا وارفقوا) النعش السرير الذى يوضع
عليه الميت، والزعزعة تحريك الشىء الذى يرفع، والزلزلة الاضطراب، والمراد من الرفق
السير الوسط المعتدل.
فقه الحديث
قال النووى: فيه جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها، لأنه حقها، لكن يشترط رضا الزوج بذلك، لأن له
حقا فى الواهبة، فلا يفوته إلا برضاه.
ولا يجوز أن تأخذ على هذه الهبة عوضا. ويجوز أن تهب للزوج نوبتها، فيجعل الزوج نوبتها لمن
شاء، وقيل: يلزمه توزيعها على الباقيات، ويجعل الواهبة كالمعدومة، والأول أصح.
وللواهبة الرجوع متى شاءت، فترجع فى المستقبل، دون الماضى - أى لا تطالب
بعوض عما فات من نوبات نتيجة لهبتها - لأن الهبات يرجع فيما لم يقبض منها، دون
المقبوض، وهذا مذهب الثورى والشافعى وأحمد، وأخرجه البيهقى عن على، وحكاه ابن
المنذر عن جماعة، وقالوا: إن رجعت فعليه أن يقسم لها، وإن شاء فارقها وعن الحسن:
ليس لها أن تنقض هبتها، وهو قياس قول مالك فى العارية.
قال: والأصح عند أصحابنا أنه لا يجوز الموالاة للموهوب لها إلا برضى الباقيات، فمعنى ((كان
يقسم لعائشة يومين. يومها ويوم سودة)» أنه كان يكون عند عائشة فى يومها، ويكون عندها أيضا فى
يوم سودة، لا أنه يوالى لها اليومين، قال: وجوز الموالاة بغير رضاهن له بعض أصحابنا، وهو ضعيف.
هذا ورواياتنا الثالثة والرابعة والخامسة ليست فى هبة المرأة نوبتها لضرتها، وإن كانت فى
القسم بصفة عامة، ويمكن أن توضع تحت عنوان: هبة المرأة نفسها للنبى {®، وواضح أن هذا غير
هبة المرأة ذوبتها لضرتها.
٣٠
قال النووي: هبة المرأة نفسها من خصائص رسول اللّه /، وهو زواج من وهبت نفسها له بلا
مهر، قال تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المؤمن بلفظ الهبة المجرد، من غير ذكر
المهر، وأجازه الحنفية والأوزاعى، ولكن قالوا: يجب مهر المثل، وقال الأوزاعى: إن تزوج بلفظ الهبة،
وشرط أن لا مهر، لم يصح النكاح، وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعدوا
ذلك من خصائصه، صلى الله عليه وسلم، وأنه يتزوج بلفظ الهبة، بغير مهر، فى الحال ولا فى المآل،
وأجاب المجيزون عن ذلك بأن المراد أن الواهبة تختص به، لا مطلق الهبة.اهـ أى فليس معنى الآية
أن الهبة خالصة لك من دون المؤمنين، ولكن معناها إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة له، مختصة
به من دون المؤمنين، وهو تأويل فاسد، لأن كل نكاح تكون فيه الزوجة خالصة لزوجها. فلا معنى لذكر
خالصة لك من دون المؤمنين.
أما عقد النكاح بجميع أركانه لكن بلفظ الهبة. هل يكون من ألفاظ الكناية؟ ويصح النكاح به؟
ذهب الشافعية وطائفة إلى أن النكاح لا يصح إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لأنهما الصريحان اللذان
ورد بهما القرآن والحديث، وذهب الأكثرون إلى أنه يصح بالكنايات، واحتج الطحاوى لهم بالقياس
على الطلاق، فإنه يجوز بصرائحه، وبكناياته مع القصد. والله أعلم.
واستدل بعضهم بالرواية الثالثة والرابعة، وبقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن
تَشَاءُ﴾ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مطالبا بالقسم بين زوجاته، وهذا الاستدلال غير مسلم،
فقد ذكرنا أنه أحد التفسيرات للآية.
واستدل بعضهم بقول عائشة («ما أرى ربك إلا يسارع فى هواك» على أن الغيرة يغتفر لأجلها
بعض التعبير غير السليم، فإن عائشة أضافت الهوى إلى رسول اللّه {/*، وظاهر هذه الإضافة غير سليم،
لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل بالهوى، ولو قالت ((إلى مرضاتك)» لكان أليق. والله أعلم.
أما الرواية الخامسة فعلاقتها بالباب قوله ((كان عند رسول اللَّه* تسع، فكان يقسم لثمان ولا
يقسم لواحدة)) وفيها من الوهم ما ذكرنا. والله أعلم.
ويؤخذ من قوله فيها ((فلا تزعزعوها إلخ)) أن حرمة المؤمن بعد موته باقية، كما كانت فى حياته،
قال الحافظ ابن حجر: وفيه حديث ((كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً)) أخرجه أبو داود وابن ماجه
وصححه ابن حبان.
والله أعلم
٣١
(٣٩٣) استحباب نكاح ذات الدين ونكاح البكر
٣٢١٤ -٣°ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٥٣) عَنِ الْبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «ُنْكَّجُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَجٍ: لِمَالِهَا،
وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا. فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».
٣٢١٥- ٤ْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِى اللَّهِ عَنْهِمَا(٥٤) قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِي عَهْدٍ
رَسُولِ اللَّهِعَ﴿َ. فَلَقِيتُ النَّبِيَّل ◌َ فَقَالَ «يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ «بِكْرٌ أَمْ نَيِّبٌ؟»
قُلْتُ: قَيِّبٌ قَالَ «فَهَلا بِكْرًا تُلاعِيُهَا؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ. فَخَشِيتُ أَنْ
تَدْخُلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ. قَالَ «فَذَاكَ إِذَدْ. إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ
بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكُ».
٣٢١٦- °° عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمًا (٥٥) قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةٌ. فَقَالَ لِي
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «هَلْ تَزَوَّجْتَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ «أَبِكْرًا أَمْ نَيِّبًا؟» قُلْتُ: ثَيًِّا. قَالَ «فَأَيْنَ أَنْتَ
مِنَ الْعَذَارَى وَلِعَابِهَا؟». قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ جَابِرٍ. وَإِنَّمَا
قَالَ «فَهَلا جَارِيّةٌ تُلاعِبُهَا وَتُلاعِيُكَ؟».
٣٢١٧-٦° عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٥٦): أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَّاتٍ
(أَوْ قَالَ: سَبْعَ) فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةٌ ثَيِّبًا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِلَِّ«يَا جَابِرٌ تَزَوَّجْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ:
لَعَمْ. قَالَ «فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلْ قَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ «فَهَلا جَارِيَةٌ تُلاعِبُهَا
وَتُلاعِيُكَ» (أَوْ قَالَ: تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ) قَالَ. قُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ
بَنَّاتٍ (أَوْ سَبْعَ) وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ أَوْ أَجِئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ. فَأَحْبَيْتُ أَنْ أَجِيءَ بِامْرَأَةٍ تَقُومُ
عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ. قَالَ «فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ)) أَوْ قَالَ لِي خَيْرًا. وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الرَّبِيعِ: «تُلاعُِهَا
وَتُلاعِبُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ».
(٥٣) حَدْقَّا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا حَدَّثَنًا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبٌوَلِي سَعِيدُ بْنُ
أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٥٤) وَحَدْثْنَا مُحَمَّذَّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُمَّيْرِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانٍ عَنْ عَطَاءٍ أَخْبَرَبِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
(٥٥) حَدَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِيٌّ حَدَّثَنَا شَعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٥٦) حَدََّا يَخْتِى بْنُ يَخْتَى وَأَبُوِ الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ يَخْتِى أَخْبَرَنَّا حَمَّدُ بَّنَ زََّّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللّهِ
وَحَدَّثْنَاه ◌ُعْبَةُ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَّا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابٍِ بَنِ عَبْدِ اللهِ
٣٢
٣٢١٨ - - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِعَِ «هَلْ
لَكْحْتَ يَا جَابِرُ؟» وَسَاقَ الْحَدِيثَ. إِلَى قَوْلِهِ: امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ. قَالَ «أَصْبْتَ)»
وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٣٢١٩ - ٧° عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللّه عَنْهمَا(٥٧) قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي
غَزَاةٍ فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ. فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي. فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ
كَانَتْ مَعَهُ. فَالْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدٍ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِيلِ. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِعِل
فَقَالَ «مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. فَقَالَ «أَبِكْرًا
تَزَوَّجْتَهَا أَمْ نًَّا؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلْ نَيِّبًا. قَالَ «هَلا جَارِيَةٌ تُلاعِيُهَا وَتُلاعِبُّكَ؟» قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا
الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً (أَيْ عِشَاءٌ) كَيْ تَمْتَشِطَ الشَِّئَةُ
وَتَسْتَجِدَّ الْمُغِيبَةُ». قَالَ: وَقَالَ «إِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ».
٣٢٢٠- ٢ٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا (١) قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ فِي
غَزَاةٍ. فَأَبْطَأْ بِي جَمَِّي. فَأَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ْفَقَالَ لِي «يَا جَابِرُ» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ «مَا
شَأْنُكَ؟» قُلْتُ: أَبْطَأْ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا فَتَخَلِّفْتُ. فَنَزَلَ فَحَجَنّهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ «ارْكَب)»
فَرَكِيْتُ. فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ فَقَالَ «أَتَزَوَّجْتَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ «أَبِكْرًا أَمْ
كَّا؟)» فَقُلْتُ: بَلْ قَيِّبٌ. قَالَ «فَهَلا جَارِيَةٌ تُلاعِيُهَا وَتُلاعِيُكَ؟» قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ. فَأَحْتَبْتُ
أَنْ أَنْزَوَّجُ امْرَأَةٌ تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ. قَالَ «أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ. فَإِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ
الْكَيْسَ» ثُمَّ قَالَ «أَبِيعُ جَمَلَكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوْقِيَّةٍ. ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِع ◌ِ
وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ. فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. فَقَالَ «الآنْ حِينَ قَدِمْتَ؟»
قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ «فَدَعْ جَمَلَكَ وَادْخُلْ فَصَلٌ رَكْعَتَيْنٍ» قَالَ: فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ.
فَأَمْرَ بِلالاً أَنْ يَزِدْ لِي أُوقِيّةٌ. فَوَزَدُ لِي بِلالٌ فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ. فَلَمَّا وَلَيْتُ
قَالَ «ادْعُ لِي جَابِرًا» فَدُعِيتُ. فَقُلْتُ: الآنْ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ. وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ.
فَقَالَ «خُذْ جَمَلِكَ وَلَّكَ ثَمَنْهُ».
(٥٧) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ
(١) حَدْثّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدْثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَغْنِي ◌َبْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْفَقْفِيَّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَهْبِ بْنٍ كَيْسَانٌ عَنْ جَابِرِ بْنٍ
عَبْدِ اللَّهِ
٣٣
٣٢٢١- ◌ْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللّه عَنْهِمًا(٥٨) قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
* وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ. قَالَ فَضَرَبِهُ رَسُولُ اللَّهِفَِْ أَوْ قَالَ نَخَسَهُ.
(أَرَاهُ قَالَ) بِشَيْءٍ كَانَ مَعَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَتْقَدَّمُ النَّاسَ. يُنَازِعُنِي حَتَّى إِنِّي لأَكُفْهُ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ» قَالَ: قُلْتُ: هُوَلَكَ، يَا
نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ «أَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ» قَالَ: قُلْتُ: هُوَ لَكَ يَا نَبِيَّ اللّهِ. قَالَ:
وَقَالَ لِي «أَتَرَوَّجْتَ بَعْدَ أَبِيكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ «أَيِّبًا أَمْ بِكْرًا؟» قَالَ: قُلْتُ: نًَّا، قَالَ
«فَهَلا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُضَاحِكُكَ وَتُصَاحِكُهَا وَتُلاعِيُكَ وَتُلاعِيُهَا؟». قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: فَكَانَتْ
كَلِمَةً يَقُولُهَا الْمُسْلِمُونَ. افْعَلْ كَذَا وَكَذًا. وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ.
المعنى العام
النكاح عماد الحياة، وأساس عمارة الأرض، واستمرار الإنسان على ظهر الأرض، به العفة والمودة
والسكن، والاستقرار والمساعدة على مشاق الحياة ومشاكلها، ومنه يخلق لنا جل شأنه بنين وحفدة.
والمرأة الحسنة متاع الرجل، بل خير متاع للرجل فى الدنيا، والمرأة السوء أساس شقاء الرجل
وتعاسته فیھا.
من هنا كان لا بد أن يتخير الرجل شريكته، وأن يبذل جهده فى التحرى والانتقاء، وأن يهتم أولا
بالدين فكل فضائل المرأة ومحاسنها تصبح شراً، أو مصدر شر إذا لم تتحصن بالدين.
نعم قد يكون من المرغبات فى الزوجة مالها، وحسبها، وجمالها، وثقافتها، ورجاحة عقلها، ورقة
معاملاتها ورهافة أحاسيسها، وكل ذلك مقاصد مشروعة، لكن لا بد أن تحاط بالأخلاق والدين.
وزواج البكر مقصد مشروع مستحب، دعا إليه رسول اللّه :* ، فإنها تشارك الزوج الشاب تمتعه
ولعبه ومضاحكته ومداعباته وفكاهاته وغير ذلك مما يثير الغريزة الجنسية، ويزيد الترابط والتواد بين
الزوجين، نعم قد يضطر الشاب إلى زواج غير البكر لمصلحة، فرسول اللّه # تزوج إحدى عشرة امرأة،
لم يتزوج بكرا منهن إلا واحدة، وهذا جابر بن عبد اللَّه الشاب الفتى، يتزوج ثيبا، لأن أباه مات وترك
تسع بنات، لوجاءهن ببنت مثلهن ما استقامت حياته ولا حياتهن، وأقره النبى {8#، واستحسن
عمله، ودعا له ولزوجه، وأعانه وأكرمه.
لقد استشهد أبوه فى غزوة أحد، والنبى 8 أولى بالمؤمنين من أنفسهم، لقد بشر جابراً بحسن
خاتمة أبيه، وبأنه رآه بعد موته فى المنام، يقول له ربه: تَمَنَّ علىّ، فقال: أتمنى أن أحيا فأقتل فى
(٥٨) حَدْثْنَا مُحْمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُغْتَمِرُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي حَدَقََّا أَبُو نَضْرَةً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
٣٤
سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل. لما رأى من نعيم اللَّه وفضيلة ما حصل عليه من الشهادة فى سبيل الله.
وتكميلا للبشرى، ورعاية لجابر ابن الشهيد، رآه يسير بجمل ضعيف فى آخر القوم فى عودتهم من
إحدى الغزوات، ورسول الله# خير من يرعى الرعية، ويحرص عليها، ويحوطها بالعناية، فتأخر صلى
الله عليه وسلم حتى جاء من خلف جابر. فقال له: ما شأنك يا جابر؟ فشكا له جمله، فنخسه رسول
اللَّهِ:﴿ ودعا له بالبركة، فقام الجمل وأسرع كأحسن جمل فى الركب، واشتراه منه صلى الله عليه
وسلم، ثم رد عليه الجمل وأبقى له الثمن، هبة وعونا وكرماً وتكرماً صلى الله عليه وسلم، ورضى عن
الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
(تنكح المرأة) ببناء الفعل للمجهول، و((المرأة)) نائب فاعل، والأصل: ينكح الناكح المرأة.
(الأربع) إذا حذف تمييز العدد كما هنا جاز فى العدد التذكير والتأنيث، التذكير إذا قدر المعدود
مؤنثا، والتأنيث إذا قدر مذكرا، والتقديرهنا لأربع خصال.
(لمالها) بدل من السابق بإعادة حرف الجر، وإعادة حرف الجريشير إلى استقلال
كل فى المقصد.
(ولحسبها) الحسب فى الأصل الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا
تفاخروا عدوا مناقبهم، ومآثر آبائهم وأجدادهم، وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره بالشرف،
وقيل: الحسب المال، وهو مردود، لذكر المال قبله، وذكره معطوفا عليه، وأما ما أخرجه أحمد
والنسائى وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة، رفعه ((إن أحساب أهل الدنيا الذى يذهبون
إليه المال)) فيحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم المال لصاحبه مقام الحسب
لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة رفعه ((الحسب المال، والكرم التقوى)) أخرجه أحمد والترمذى
وصححه هو والحاكم، ويحتمل أن هذين الحديثين يشيران إلى خطأ أهل الدنيا فى اعتبارهم المال
واعتدادهم به كالحسب وزيادة، وكأنه يقول: إن شأن أهل الدنيا فى بعض المجتمعات وفى بعض
الأزمنة يرفعون كثير المال وإن كان وضيعا، ويضعون من كان مقلا ولو كان رفيع النسب. وهو موجود
مشاهد، لكن لا يقره شرع ولا عقل سليم.
(ولجمالها) فى رواية للبخارى ((وجمالها)) بدون اللام، وعليها حذف اللام الجارة قد يكون
للإشارة إلى أن صفة الجمال قد لا تقصد لذاتها، بل تقصد تابعة لغيرها.
(فاظفر بذات الدين) الفاء فى جواب شرط مقدر، أى إذا تحققت ما فصلت لك
فاظفر بذات الدين، أى صاحبة الدين، وفى الرواية الثانية ((فعليك بذات الدين)) والظفر هو
٣٥
تحصيل البغية، والمعنى أن اللائق بذى الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره فى كل
شىء، لا سيما فيما تطول صحبته.
(تربت يداك) الجملة جواب شرط مقدر، أى إن خالفت ما أمرتك به افتقرت،
يقال: ترب الرجل إذا افتقر، وأصله: التصقت يداه بالتراب، ويلزمه الفقر، فالجملة خبرية
لفظا ومعنى، وقيل: هى خبرية لفظا طلبية دعائية معنى، لكنها لا يراد بها حقيقة الدعاء،
بل القصد منها الحث على امتثال الأمر الذى قبلها، وللعرب كلمات توسعوا فيها، حتى
أخرجوها عن حقيقتها، لإرادة الإنكار، أو التعجب، أو التعظيم أو الحث على الشىء كما
هنا. ومن هذه الكلمات فلان لا أب له. ثكلته أمه. لا أم له.
(تزوجت امرأة) ذكرابن سعد أن اسمها كان سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك
الأنصارية الأوسية.
(فلقيت النبى ) الرواية الخامسة والسادسة وضحتا أن هذا اللقاء كان فى العودة من غزوة ،
قيل: هى غزوة ذات الرقاع، فى السنة الخامسة.
(ياجابر. تزوجت؟) الكلام على حذف حرف الاستفهام، ففى الرواية الثالثة ((هل تزوجت))؟
وفى الرواية الخامسة أن جابراً له هو الذى أخبر أنه تزوج، إذ فيها ((ما يعجلك ياجابر)) أى ما الذى
يدفعك إلى العجلة؟ ومحاولة الإسراع؟ ((قال: قلت: يا رسول الله، إنى حديث عهد بعرس))
فالاستفهام ((أتزوجت))؟ على هذا للتعجب والاستحسان، وكذا فى قوله فى الرواية السابقة
((أتزوجت بعد أبيك))؟ وظاهره أن السؤال وقع عقب تزوجه، وليس كذلك، بل الحقيقة أن بين تزوجه
والسؤال مدة طويلة. قاله الحافظ ابن حجر، ربما لعدم اللقاء، وربما لعدم ظهور الدافع إلى السؤال،
وهو الظاهر.
(قال: بكر؟ أم ثيب؟) ((بكر)) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: التى تزوجتها بكر؟ وفى الرواية
الثالثة والسادسة والسابعة ((أبكرا)) بالنصب، مفعول به لفعل محذوف، وفى الرواية الخامسة ((أبكرا
تزوجتها أم ثيبا» فبكرا منصوب على الاشتغال.
(قلت: ثيب) ((ثيب)) خبر مبتدأ محذوف، أى التى تزوجتها ثيب، وفى الرواية الثالثة. والسابعة
((قلت: ثيبا)) مفعول به لفعل محذوف، أى تزوجت ثيبا، وفى الرواية الرابعة والسادسة ((بل ثيب))
وفى الرواية الخامسة ((بل ثيبا)) ببل التى للإضراب الإبطالى للشق الآخر، أى لم أتزوج بكرا بل هى
ثیب، أو بل تزوجت ثیبا.
(فهلا بكرا تلاعبها؟) وفى ملحق الرواية الثالثة وفى الرواية الخامسة ((فهلا جارية تلاعبها
وتلاعبك)) زاد فى ملحق الرواية الرابعة وفى الرواية السابعة ((وتضاحكها وتضاحكك)) وفى رواية ((أفلا
جارية)) والجارية البنت الصغيرة البكر، حرة كانت أو أمة، والمرد هنا الحرة. و(بكرا)) و((جارية))
٣٦
بالنصب، مفعول به لفعل محذوف، تقديره فهلا تزوجت بكرا؟ وهلا تزوجت جارية؟ أى بكرا صغيرة؟
والملاعبة مفاعلة من الجانبين، من اللعب، والمقصود اللعب المباح، وما يقع بين الزوجين من
المداعبة، يؤيد هذا المعنى رواية ((وتضاحكها وتضاحكك)) وعند الطبرانى ((وتعضها وتعضك)) وليس
شرطا أن يكون الزوج البادئ بالملاعبة والمضاحكة، وإن كان هذا هو الغالب والشأن، لما جبلت عليه
الفتاة من الحياء والخجل، ولذا جاء فى الرواية السابعة بلفظ ((وتضاحكك وتضاحكها وتلاعبك
وتلاعبها)) على غير الغالب.
وفى الرواية الثالثة ((فأين أنت من العذارى ولعابها))؟ والعذارى بفتح الراء الأبكار جمع عذراء،
وهى التى لم تفض بكارتها. و((لعابها)) هكذا ضبطه الأكثرون بكسر اللام، أى وملاعبتها، يقال: لاعب
لعابا وملاعبة، مثل قاتل قتالا ومقاتلة، ووقع فى رواية بضم اللام، والمراد به الريق، وفيه إشارة إلى
مص لسانها، ورشف شفتيها، وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل. قال القرطبى: وهو ليس ببعيد.
(عن جابر بن عبد اللَّه أن عبد الله هلك) يريد أباه، ومعنى ((هلك)) مات، كقوله تعالى ﴿إن
امْرُؤُ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فلا يقصد منه الذم، فقد مات أبوه شهيدا فى أحد.
(وترك تسع بنات - أوقال: سبع) ((سبع)) بدون تنوين لملاحظة الإضافة، والأصل
أو قال: سبع بنات، والشك من الراوى، وفى رواية الشعبى ((ست بنات)) قال الحافظ ابن
حجر: فكأن ثلاثا منهن كن متزوجات. اهـ فهن تسع، والسبع أو الست مقصود بهن غير
المتزوجات اللائى يحمل مسئوليتهن.
(وإنى كرهت أن آتيهن أو أجيئهن بمثلهن) أى بيكر وهذا دليل على أنه أراد من أخواته
غير المتزوجات.
(فأحببت أن أجىء بامرأة تقوم عليهن وتصلحهن) فى ملحق الراوية الرابعة ((تقوم
عليهن وتمشطهن)) بفتح التاء وضم الشين، وفى الرواية السادسة ((أن أتزوج امرأة تجمعهن)) أى
تضمهن، كأم لهن، لا تفرقهن، ولا توقع بينهن، ولا توغر صدرى عليهن، أى تجمعهن علىّ، وتجمعهن مع
بعضهن - وتمشطهن وتقوم عليهن)) أى فى غير ذلك من مصالحهن، وهو من ذكر العام بعد الخاص.
وفى رواية ((فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن))
والخرقاء بفتح الخاء وسكون الراء بعدها قاف هى التى لا تعمل بيدها شيئا، وهى تأنيث الأخرق، وهو
الجاهل بمصلحة نفسه وغيره.
(قال: فبارك الله لك. أو قال لى خيرا) فى ملحق الرواية ((قال: أصبت)).
(فلما أقبلنا تعجلت على بعير لى قطوف) قال النووى: هكذا هو فى نسخ بلادنا ((أقبلنا))
أى رجعنا من الغزوة، وفى رواية ((أقفلنا)) بالفاء، ووجهه ((قفلنا)) أى رجعنا. اهـ ومعنى تعجله ظهوره
بمظهر العجل فى محاولة الإسراع بالبعير الضعيف، فالقطوف بفتح القاف بطىء المشى.
٣٧
(فنخس بعيرى بعنزة كانت معه) العنزة بفتح النون عصا فى نحو نصف الرمح، فى أسفلها
((زج)) بضم الزاى، أى حديدة، وفى الرواية السابعة ((نخسه بشىء كان معه)) وفى الرواية السادسة
((فنزل فحجنه بمحجنة)) والمحجن بكسر الميم عصا فيها تعقف، فى رأسها اعوجاج.
وفى الرواية الخامسة ((تعجلت على بعير لى قطوف، فلحقنى راكب خلفى، فنخس بعيرى بعنزة
كانت معه، فانطلق بعيرى كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفت، فإذا أنا برسول اللّه { *... إلخ))
وظاهرها أنه لم يعلم برسول الله ﴿ إلا بعد النخس، وأن النخس كان بعنزة، وأن الناخس كان
راکبا، وأن جابرا كان راكبا.
أما الرواية السادسة، وفيها ((فأبطأ بى جملى فأتى علىَّ رسول اللَّه ◌ُ﴾، فقال لى: ياجابر، قلت:
نعم، قال: ماشأنك؟ قلت: أبطأ بى جملى وأعيا)) أى تعب- ((فتخلفت، فنزل))، [أى ونزلت، «فحجنه
بمحجنه، ثم قال: اركب ... )) وظاهرها أن الرسول # كلمه قبل النخس، وأن النخس كان بمحجن،
لابعنزة، وهما مختلفان، وأن الناخس حين النخس لم يكن راكبا، وأن جابرا لم يكن راكبا.
والتوفيق بينهما يحتمل أن النبى : لحق جابراً من خلفه فنخس جمله بعنزة وهما راكبان،
فالتفت جابر، فرأى رسول اللَّه ﴿، فسأله عن سبب تأخره، فشكاله جمله، فنزل رسول اللّه ح ﴿، ونزل
جابر، فنخس الجمل بالمحجن، ثم قال لجابر: اركب. فركب، فكأن الجمل قد تغير حاله، ويحتمل أنه
أطلق على المحجن عنزة تساهلا، ويحتمل أن العصا كانت معوجة من طرف، وفى طرفها الآخر
حديدة، فهى محجن وعنزة.
(فلما قدمنا المدينة) فيه مجاز المشارفة، أى فلما قاربنا دخولها.
(كى تمتشط الشعثة) بفتح الشين وكسر العين بعدها ثاء، والشعث إهمال الشعر، وعدم
نظافته، وعدم الامتشاط، وأطلق عليها ذلك لأن التى يغيب زوجها فى مظنة عدم التزين.
(وتستحد المغيبة) ((تستحد)) بالحاء، أى تستعمل الحديدة فى إزالة شعر سوءتها، والمراد من
الحديدة الموسى، وكانت وسيلتهن لإزالة ذلك الشعر غالبا، وليس فى ذلك منع إزالته بغير الموسى.
و))المغيبة)) بضم الميم وكسر الغين بعدها ياء ساكنة ثم باء، التى غاب عنها زوجها.
(إذا قدمت فالكيس الكيس) بفتح الكاف وسكون الياء بعدها سين، يقال: كاس يكيس
كيْسا وكياسة، عقل، وظرف، وفطن، و(الكيس)) منصوب على الإغراء، أى الزم الكيس، وهل الثانية
توكيد للأولى، وهما بمعنى واحد، أو كل منهما لمعنى، أى الزم العقل والظرف، أو الزم الذكاء والظرف
فى معالجة أمور زوجك وأخواتك. قال النووى: قال ابن الأعرابى: الكيس الجماع، والكيس العقل،
والمراد حثه على ابتغاء الولد.اهـ وفيه بُعد.
(فاشتراه منى بأوقية) أى بوزن أوقية من ذهب، ولم تكن هناك مساومة، بل قال ل
٣٨
((بأوقية)»؟ فقال جابر: هولك: يارسول الله. وفى الرواية السابعة ((قال: أتبيعه بكذا وكذا؟ والله يغفر
لك. قال: قلت: هولك يانبى اللَّه)) فقوله ((والله يغفرلك)» ليس من العوض والمقابل، وإنما هى كلمة
تجرى على ألسنتهم للدعاء للمخاطب عقب الطلب منه، وتكليفه بأى شىء.
(ثم قدم صلى اللّه عليه وسلم وقدمت بالغداة) ((الغداة)) فى كتب اللغة مابين الفجر
وطلوع الشمس، وقيل: الضحوة، والظاهر أن النبى 18 قدم مسجد المدينة بالغداة أيضاً، لكنه سبق
جابرًا، ولايتنافى هذا مع الأمر بالتمهل خارج المدينة ليدخلوا عشاء، فإنه لم يكن المقصود أن يدخلوا
ليلا، بل كان المقصود أن يتركوا فرصة للنساء لتتهيأ لاستقبال أزواجهن بعد علمهن بوصولهم، فإذا
طالت الفرصة، وكان الدخول نهاراً جمع بين هذا الأمروبين النهى عن طروق النساء ليلا.
(فوزن لى بلال فأرجح فى الميزان) أى زاد فى وزن الذهب بعلم رسول اللَّه ﴿ وإشارته.
(فقلت: الآن يرد علىَّ الجمل) أى قلت ذلك فى نفسى، أى يرد الجمل ويسترد الثمن.
(وأنا على ناضح) الناضح الجمل الذى يستقى عليه.
(إنما هو فى أخريات الناس) ((أخريات)) بضم الهمزة وسكون الخاء وفتح الراء،
أى فى مؤخرتهم.
فقه الحديث
تتعلق هذه الروايات بنقطتين أساسيتين. الأولى الحث على نكاح ذات الدين، الثانية الحث على
نکاح البکر
فالحديث الأول والثانى يحثان على نكاح ذات الدين، ويتحدثان عن مقاصد الرجال
فى اختيار الزوجات.
يقول القرطبى فى شرح الحديث الأول: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هى التى يرغب
فى نكاح المرأة لأجلها، فهو إخبار عما فى الوجود، لا أنه وقع الأمر بذلك، بل ظاهره إباحة النكاح
لقصد كل من ذلك، لكن قصد الدين أولى، فهو يبين العادة الجارية بين الناس، ويوافق عليها، ويقدم
بعضها على بعض، فالمال يعين الزوج عند الشدة، وتستغنى به المرأة عن مطالبة الزوج بما تحتاج
إليه، أو بما لاطاقة له بتحمله، وقد يحصل له منها ولد، فيعود إليه مالها.
والحسب يحفظ للرجل منزلة أدبية بين المجتمع الذى يعيش فيه، وقد حمل عليه
بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم ((تخيروا لنطفكم)) فكرهوا نكاح بنت الزنا وبنت الفاسق
واللقيطة ومن لا يعرف أبوها.
والجمال يعف الزوج عن النظر إلى الغير، ويشرح الصدر، روى الحاكم ((خير النساء من
٣٩
تسر إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت)) والجمال مطلوب فى كل شىء، لاسيما فى المرأة التى
تكون قرينة وضجيعة.
هذا إذا لم يؤد الجمال إلى زهوها ودلالها وفساد أخلاقها.
أما الدين فهو سنام الصفات المبتغاة، وهو اللائق طلبه من ذوى المروءات وأرباب الديانات، لأن
أثره عظيم، وخطر فقده جسيم، ولذا أرشد إليه صلى الله عليه وسلم بآكد وجه وأبلغه، فعبر بالظفر الذى
هو غاية البغية ومنتهى الاختيار، وبصيغة الطلب الدالة على الاهتمام بالمطلوب.اهـ
وهناك مقاصد أخرى غير هذه الأربعة المذكورة فى الحديث، منها البكر الواردة فى الحديث
الثانى ومابعده، ومنها أن تكون عاقلة، حكيمة فى تصرفاتها، وأن تكون على درجة من إحسان تدبير
المنزل، وأن تكون متعلمة، وأن تكون ودودًا، وأن تكون ولودًا، وأن لاتكون قريبة قرابة تضعف الشهوة،
وأن لاتكون ذات ولد من غيره، إلا لمصلحة، كما تزوج النبى 8# أم سلمة ومعها أولاد أبى سلمة.
وإنما اقتصر الحديث على هذه الأربعة لأنها أهم ما ألف اعتباره عند جمهرة الناس، على أن الكثير
من غيرها یمکن رده إليها.
ولا يتعارض هذا الحديث مع مارواه ابن ماجه عن ابن عمر، مرفوعا «لاتتزوجوا النساء لحسنهن،
فعسى حسنهن أن يرديهن)» - أى يهلكهن ويوقعهن فى الفساد والرذيلة - ((ولا تتزوجوهن لأموالهن،
فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل)» لأن المراد به
النهى عن مراعاة الجمال أو المال مجرداً عن الدين، فلا يتنافى استحباب ذلك فى المرأة إذا روعى
الدين، بدليل أمره صلى الله عليه وسلم من يريد التزوج أن ينظر إلى المخطوبة، وهو لا يفيد معرفة
الدين، وإنما يعرف به الجمال أو القبح.
فإذا اختصت كل واحدة بخصلة أو أكثر من هذه الخصال قدم أكثرهن تقوى، وأما التفاضل بين
المسلمة والكتابية فإن كانتا متساويتين فى بعض الصفات دون بعض قدمت المسلمة قطعا، وإذا
اجتمعت جميع خصال الكمال فى الكتابية، وكانت المسلمة على النقيض منها كان للنظر فى
الترجيح مجال.
وقد اختلف العلماء فى كفاءة النكاح، فقيل: هى فى الدين، وقيل: هى فى النسب والحسب، وقيل:
هى فى المال، والأولى تحكيم العرف.
أما النقطة الثانية وهى الحث على نكاح البكر فهى واضحة وصريحة فى الرواية الثانية
ومابعدها، وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن ماجه، بلفظ (عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها، وأنتق
أرحاماً)) أى أكثر حركة فى أرحامهن، والنتق بنون وتاء وقاف الحركة، قال الحافظ، لعله يريد أنها
كثيرة الأولاد، وأخرج الطبرانى نحوه، وزاد ((وأرضى باليسير)) ولا يعارضه حديث ((عليكم بالولود)) من
حيث إن البكر لا يعرف كونها ولودا، لأن المقصود أن فى البكر مظنة الولود، فيكون المراد بالولود من
هى كثيرة الولادة بالتجربة أو بالمظنة. وأما من جربت فظهرت عقيما، وكذلك الآيسة فالخبران
متفقان على مرجوحيتهما.
٤٠