النص المفهرس

صفحات 581-600

(إن شاء مجبية) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء المكسورة وفتح الياء، أى
مكتوبة على وجهها.
(فى صمام واحد) بكسر الصاد، أى ثقب واحد، والمراد به القبل.
فقه الحديث
قال النووى: قال العلماء: قوله تعالى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأُتُوا حَرْثَّكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أى
موضع الزرع من المرأة، وهو قبلها الذى يزرع فيه المنى، لابتغاء الولد، ففيه إباحة وطئها فى
قبلها، إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها، وإن شاء مكبوبة. وأما الدبر فليس
بحرث، ولا موضع زرع، ومعنى قوله ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أى كيف شئتم. قال: وأتفق العلماء الذين
يعتد بهم على تحريم وطء المرأة فى دبرها، حائضًا كانت أو طاهرًا، لأحاديث كثيرة
مشهورة، كحديث ((ملعون من أتى امرأة فى دبرها)) قال أصحابنا: لا يحل الوطء فى الدبر
فى شىء، من الآدميين ولاغيرهم من الحيوان فى حال من الأحوال. اهـ
وحديث الباب غير مرفوع، وإن كان له حكم الرفع عند بعض العلماء، لأن أسباب
النزول لا مجال للرأى فيها، ثم الآية ليست صريحة فى تحريم إتيان الزوجة فى دبرها، فعلى
فرض التسليم بأن المراد من الحرث القبل ليس فى الجملة قصر عليه، حتى يحرم غيره، ثم
إن إتيانها فى مواضع أخرى غير الدبرليس ممنوعا باتفاق، فاحتاج القول بتحريم الدبر
إلى دليل آخر، لهذا استدل النووى بالحديث المشهور، وقد رواه مرفوعا خزيمة بن ثابت،
وأخرجه أحمد وابن ماجه، وفى إسناده مجهول، واختلف فى إسناده اختلافاً كثيراً، ورواه
النسائى وأحمد وابن حبان من طريق أخرى، وفيها من لايعرف حاله، وفى لفظ لأحمد
وابن ماجه ((لا ينظر اللَّه إلى رجل جامع امرأته فى دبرها)) وفى لفظ لأحمد والترمذى عن
أبى هريرة رفعه ((من أتى حائضا أو امرأة فى دبرها أو كاهنا فصدقه فقدكفر بما أنزل على
محمد )) ورواه أبو داود بلفظ مقارب، وهو ضعيف بالإرسال، وقال عنه البزار: حديث
منكر، وأخرج أحمد عن على ه رفعه ((لاتأتوا النساء فى أعجازهن، أوقال: فى أدبارهن))
وعن ابن عباس رفعه ((لا ينظر اللَّه إلى رجل أتى امرأة أو رجلاً فى الدبر)) رواه الترمذى،
وقال: حديث غريب، وأخرجه النسائى وابن حبان والبزار، وقال: لانعلمه يروى عن ابن
عباس بإسناد حسن، ورواه النسائى موقوفا. أمام هذه الآثار الكثيرة ذهب جمهور العلماء
إلى تحريم إتيان المرأة فى دبرها. وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعى أنه قال: لم يصح عن
رسول الله فى تحريمه ولا تحليله شىء، والقياس أنه حلال. وقد أخرجه عنه ابن أبي
حاتم فى مناقب الشافعى. وأخرجه الحاكم فى مناقب الشافعى عن الأصم عنه، وكذلك
الطحاوى عن ابن عبد الحكم عن الشافعى، وروى الحاكم عن محمد ابن عبد الله بن عبد
٥٨١

الحكم عن الشافعى أنه قال سألنى محمد بن الحسن. فقلت له: إن كنت تريد المكابرة
وتصحيح الروايات وإن لم تصح فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك على المناصفة؟
قال: على المناصفة. قلت: فبأى شىء حرمته؟ قال: بقوله تعالى ﴿فَأُتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ
اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقوله ﴿فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والحرث لا يكون إلا فى الفرج. قلت:
أفيكون ذلك محرما لما سواه؟ قال: نعم. قلت: فما تقول: لووطئها بين ساقيها؟ أو فى
أعكانها؟ العكنة بضم العين وسكون الكاف ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنًا أو تحت
إبطيها؟ أو أخذت ذكره بيدها؟ أو فى ذلك حرث؟ قال: لا. قلت: فيحرم ذلك؟ قال: لا.
قلت: فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال الحاكم بعد أن حكى عن الشافعى ماسلف: لعل
الشافعى كان يقول ذلك فى المذهب القديم، فأما الجديد فالمشهور أنه حرمه، وقال
المزنى: قال الشافعى: ذهب بعض أصحابنا إلى إحلاله، وآخرون إلى تحريمه ولا أرخص
فيه، بل أنهى عنه. وقال الحافظ ابن حجر فى التلخيص: لاخلاف فى ثقة ابن عبد الحكم
وأمانته، ولم ينفرد بالنقل عن الشافعى، وقد روى الجواز أيضا عن مالك، قال القاضى أبو
الطيب فى تعليقه إنه روى ذلك عنه أهل مصر وأهل المغرب، ورواه عنه ابن رشد فى كتاب
البيان والتحصيل، وقد نقل ابن قدامة رواية عن مالك قوله: ما أدركت أحداً أقتدى به فى
دينى يشك فى أنه حلال، ثم أنكر ذلك أصحابه العراقيون.
وقال المزنى: حكى أن مالكاً سئل عن ذلك؟ فقال: الآن اغتسلت منه.
والله أعلم
٥٨٢

(٣٨٠) باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها
٣١٣٥ - ١٢٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٢٠) عَنِ النّبِيِّ ﴿ قَالَ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ
زَوْجِهَا، لَعَنْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ».
وَفِي رِوَايَةِ «حَتّى تَرْجِعَ».
٣١٣٦ - ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ(١٢١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِهِ «وَالْذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا
مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا، حَتَّى
يَرْضَى عَنْهَا»».
٣١٣٧ - ٢ ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ﴾(١٢٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَّ، «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ
إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ».
المعنى العام
تسيطر الشهوة الجنسية على الإنسان سيطرة كبرى، حتى تكاد تغطى عقله، وتشل تفكيره،
وتجمع به وقد جعل الله للزوج القوامة على الزوجة، وأوجب عليها طاعته فى غير معصية اللّه،
ومقتضى هذه القوامة أن يكون أمر شهوته بيده، وفى وقت رغبته، فلا يكون للزوجة حق القبول
والرفض، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، فكانت هذه الإشارات السامية، إذا دعا الرجل امرأته
لقضاء شهوته لزمها إجابته ولو كانت تعجن العجين، أومشغولة اليدين، أو غير راغبة، فإن لم تفعل
لعنتها الملائكة، وغضب عليها ربها حتى ترجع وترضى زوجها.
المباحث العربية
(إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها) فى الرواية الثالثة ((إذا دعا الرجل امرأته إلى
فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها)» وفى الرواية الثانية ((ما من رجل يدعوامرأته إلى فراشها
(١٢٠) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْى وَابْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثنّى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَا شُعْبَةٌ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةٌ يُحَدِّثُ
عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدَِّهِ يَحْتَى بْنُ حَبِيَبٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(١٢١) حَدَِّنَا ابْنُ أَبِي عُمَرٌ خَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ ◌َكَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٢٢) وحَدَّثَنَا أَبُو بَّكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوٍ كُرَيْبَ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً حَ وَحَدَّثَنِّي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حٍ وَحَدَّثَنِي زُغَيْرُ
ابْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي خَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٥٨٣

فتأبى عليه)) قال ابن أبى جمرة: الظاهر أن الفراش كناية عن الجماع، ويقويه قوله ((الولد للفراش)»
أى لمن يطأ فى الفراش. وظاهر قوله فى الرواية الأولى ((إذا باتت)) وقوله ((حتى تصبح)) وقوله فى
الرواية الثالثة ((فبات غضبان عليها)» أن هذا الوعيد خاص بمن وقع ذلك منها ليلا، لأن الليل هو المعد
لذلك غالبا لما فيه من قوة البواعث، فلا يتأتى هذا الوعيد بالذات فيمن وقع منها ذلك نهارا، لكن لا
يلزم منه رفع الحرج عنها، وعدم وقوعها فى المعصية كلية، بل تكون عاصية مستحقة لوعيد آخر،
كالذى فى الرواية الثانية ((سخط الذى فى السماء)) وليس اللعن. ويمكن أن يراد هذا الوعيد فى عموم
الليل والنهار، ويكون الباعث على ذكر الليل كونه مظنة ذلك غالبا، وليس المراد مطلق الهجر، بل
الهجر والامتناع بدون عذر مقبول شرعا، قال النووى. وليس الحيض بعذر فى الامتناع، لأن له حقاً فى
الاستمتاع بها فوق الإزار.
وفى الرواية الثالثة ((فبات غضبان عليها)» قال الحافظ ابن حجر: بهذه الزيادة يتجه وقوع اللعن،
لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك، فإنه يكون إما لأنه عذرها،
وإما لأنه ترك حقه من ذلك.
(لعنتها الملائكة حتى تصبح) فى ملحق الرواية الأولى ((حتى ترجع)) وفى الرواية الثانية
((حتى يرضى عنها)) والمعنى أن اللعنة تستمر عليها حتى تزول المعصية، بطلوع الفجر، وانتهاء وقت
الحاجة إليها، وحصول الاستغناء عنها، أو بتوبتها ورجوعها إلى الفراش، أو بوقوع الرضى عنها،
والمقصود باللعن هذا الدعاء بالطرد، والمراد من الملائكة الحفظة، وقيل: غيرهم ويحتمل أن يكون
بعض الملائكة موكلاً بذلك، قال الحافظ ابن حجر: ويرشد الى تعميم الملائكة قوله [فى الرواية
الثانية] ((الذى فى السماء)) اهـ أى الخلق الذى فى السماء، ويمكن أن يراد به الله تعالى من قبيل
قوله تعالى ﴿أَأَ مِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَضْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦].
فقه الحديث
روى ابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر طلبه مرفوعا «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا يصعد لهم
إلى السماء حسنة، العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى
يرضى)) وروى الطبرانى من حديث ابن عمر رضى الله عنهما- رفعه ((اثنان لاتجاوز صلاتهما
رءوسهما. عبد آبق، وامرأة غضب عليها زوجها حتى ترجع)) وصححه الحاكم.
ويؤخذ من الحديث
١ - تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعى، أما لوبدأ هو بهجرها ظالما لها فهجرت فلا يقع
عليها هذا الوعيد.
٢- قال المهلب: فيه أن منع الحقوق [فى الأبدان والأموال] يوجب سخط الله تعالى، إلا أن يتغمدها
الله بعفوه.
٥٨٤

٣- قال المهلب: وفيه جواز لعن العاصى المسلم إذا كان على وجه الإرهاب، لئلا يواقع الفعل، فإذا
واقعه فإنما يدعى له بالتوبة والهداية، قال الحافظ ابن حجر: والحق أن من منع لعن العاصى
المعين أرادبه معناه اللغوى، وهو الإبعاد من الرحمة، وهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم، بل
يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذى أجازه أراد به معناه العرفى، وهو مطلق
السب، ولا يخفى أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصى به وينزجر، وأما حديث الباب فليس
فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك ، ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق.
٤- وفيه أن الملائكة تدعو على أهل المعصية، ما داموا فيها، قال المهلب: وذلك يدل على أنهم يدعون
لأهل الطاعة ما داموا فيها.
٥- وفيه دليل على قبول دعاء الملائكة من خير أو شر، لكونه صلى الله عليه وسلم خوف بذلك.
٦- وفيه الإرشاد إلى مساعدة الزوج وطلب مرضاته .
٧- وفيه أن أقوى التشويشات على الرجل داعية النكاح، ولذلك حض الشارع النساء على مساعدة
الرجال فى ذلك.
٨- وفيه إشارة إلى ملازمة طاعة الله، والصبر على عبادته، جزاء على مراعاته لعبده، حيث لم يترك
شيئًا من حقوقه إلا جعل له من يقوم به، حتى جعل الملائكة تلعن من أغضب عبده بمنع شهوة
من شهواته، فعلى العبد أن يوفى حقوق ربه التى طلبها منه.
والله أعلم
٥٨٥

(٣٨١) باب تحريم إفشاء سر المرأة
٣١٣٨ - ١٣٣ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيََّ﴾(١٢٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ
النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا».
٣١٣٩ - ١٣٤ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَ﴾(١٢٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَتِ «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ
الأَمَانِةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُقْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» وَقَالَ ابْنُ
ثُمَيْرٍ «إِنَّ أَعْظَمَ».
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾
[البقرة: ١٨٧]. فالنساء لرجالهن ساترات كما يستر اللباس، والرجال لنسائهم ساترون كما يستر
اللباس، ومن أقبح القبائح أن يتحول المقتضى مانعا، ويتحول الحامى إلى الحرامى، ويتحول الساتر
إلى كاشف وفاضح. من هنا كان من أكثر الناس شرا وعذابا يوم القيامة الرجل الذى يصبح فينشر ما
جرى بينه وبين زوجته عند قضاء شهوتهما من أحاديث أو أقوال أو أفعال، مما يخدش الحياء، أو
يسىء إلى العفة، وقد جعل اللَّه الكناية مخرجًا عند الحاجة إلى ذكر شىء من ذلك، وجعلت الشريعة
ترفع اللسان وصيانته عن التصريح بما لايليق من مكارم الأخلاق.
المباحث العربية
(إن من أشر الناس) قال النووى: قال القاضى: هكذا وقعت الرواية ((أشر)» بالألف، وأهل
النحو يقولون: لايجوز ((أشر)) و((أخير)) وإنما يقال: هو خير منه، وشر منه. قال: وقد جاءت
الأحاديث الصحيحة باللغتين جميعا، وهى حجة فى جوازهما جميعا، وأنهما لغتان.اهـ.
وفى تاج العروس: ويقال: هو شر منك، و((أشر منك)) لغة قليلة أو رديئة، القول الأول نسبه
الفيومى إلى بنى عامر، قال: وقرئ فى الشاذ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدَّا مَن الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦]. بفتح
الشين، على هذه اللغة، وفى الصحاح: ولا يقال: أشر الناس إلا فى لغة رديئة. اهـ
(الرجل يفضى إلى امرأته) أى بالسر، وتفضى هى إليه بالسر، يقال: أفضى إليه بالسر أى
(١٢٣) حَدَّثَنَا أَبُوٍ بِكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ الْعُمَرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: سِمَعْتُ
أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
(١٢٤) وحَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
سِمَعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِئَّ
٥٨٦

أعلمه به، أو المعنى: الرجل يخلو بالمرأة للجماع، وتخلوبه، ويرى كل منهما من الآخر مالا يراه
غيرهما، وفى كتب اللغة: يقال: أفضى إلى المرأة خلابها، وفى التنزيل ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى
بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]؟ وهذا المعنى أقرب هنا.
م
(ثم ينشر سرها) أى يذيعه، والمراد يذيع سرها أو تذيع سره، فاكتفى بذكر أحد المتقابلين، أو
لأن الأصل فى المرأة الستر وإخفاء ما يخدش الحياء، وهى لحيائها يقل منها وقوع ذلك، بخلاف
الرجل الذى يتوقع منه حصوله.
فقة الحديث
قال النووى: فى هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل مايجرى بينه وبين امرأته من أمور الجماع
والاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك، وما يجرى من المرأة فيه من قول أو فعل أو نحوه، فأما مجرد ذكر
الجماع فإن لم يكن فيه فائدة، ولا إليه حاجة فمكروه، لأنه خلاف المروءة، وقد قال صلى اللّه عليه
وسلم ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أوليصمت)) وإن كان إليه حاجة، أو ترتب عليه
فائدة فلا كراهة فى ذكره، كأن ينكر عليه إعراضه عنها فيصرح بأنه جامعها، أو تدعى عليه العجزعن
الجماع فيصرح به.
والله أعلم
٥٨٧

(٣٨٢) باب حكم العزل
٣١٤٠ - ١٢٥ عَن ابْنِ مُحَيْرِيزِ (١٢٥) أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو صِرْمَةً عَلَى أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ. فَسَأَلَهُ أَبُو صِرْمَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَذْكُرُ الْعَزْلَ؟
فَقَالَ: نَعَمْ. غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ّ غَزْوَةَ بَلْمُصْطَلِقٍ. فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ. فَطَالَتْ عَلَيْنَا
الْعُزْبَةُ وَرَغِيْنَا فِي الْفِدَاءِ. فَأَرَذْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ وَعْزِلَ. فَقُلْنَا: نَفْعَلُ وَرَسُولُ اللَّهِمَّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا
لا نَسْأَلُهُ! فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ﴿ فَقَالَ: «لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا. مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ
كَائِنَّةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلا ستكون».
٣١٤١ - ٦ّْ! وَفِي رِوَايَةٍ(١٢٦) قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
٣١٤٢- ١٣٧ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٢٧) قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا فَكُنَّا نَعْزِلُ. ثُمَّ سَأَلْنَا
رَسُولَ اللَّهِ فَ﴿ّعَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَنَا «وَإِنْكُمْ لَتَفْعَلُونَ)؟ وَإِنَّكُمْ لَفْعَلُونَ)؟ وَإِنَّكُمْ لَفْعَلُونَ؟ مَا مِنْ
نَسَمَّةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلا هِيَ کَائِنَةٌ».
٣١٤٣ - ١٣٨ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٢٨)، عَنْ النَّبِيِّ ◌َ قَسَالَ «لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا.
فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ».
٣١٤٤-١٣٩ وَفِي رِوَايَةٍ(١٢٩)، عَنِ النّبِيِّ ﴿ قَالَ فِي الْعَزْلِ «لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ.
فَإِنّمَا هُوَ الْقَدَرُ».
٣١٤٥ - ١٣٤ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٣٠) قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ْ عَنِ الْعَزْلِ؟
(١٢٥) وَحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبُرَنِي رَبِيعَةُ عَنْ مُحْمَّدٍ بْنِ يَحْيّى
ابْنِ حَبَّانَ عَن ابْنِ مُحْرِیزٍ
(١٢٦) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزّبْرِقَانِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ يَحْيَى بْنِ حَبَّانُ
بِهَذَا الإِسْنَادِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ رَبِيعَةٌ غَيْرَ أَنَّةٌ قَالَ
(١٢٧) حَدَّثَنِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الصُّبَعِيُّ حَدَّثَنَا جُوَيِّرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
(١٢٨) وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بَنِ سِيرِينَ عَنْ مَّعْبِّدِ بْنٍ سِيرِينَ عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْتُ لَّهُ سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيَ سَعِيدٍ قَالَ نَعَمْ
(١٢٩) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارِ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حِ وَحَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ حَدََّا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ
حٍ وَحَدَِّي مُحَمَّدُ بْنُ حَائِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ وَبَهْزٌ قَالُوا جَمِيعًا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنْسِ بْنِ سِيرِينَ بِهَذَا الإِسْنَادِ
مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِھِمْ
(١٣٠) وحَدَّثِي أَبُوَ الرَّبِعِ الزَّهْرَانِيُّ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ وَاللَّفْظُ لأَبِي كَامِلٍ قَالا حَدَّثَنَا حَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ
مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحَمَنِ بْنٍ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ
٥٨٨

فَقَالَ «لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ. فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ». قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَوْلُهُ «لا
عَلَيْكُمْ» أَقْرَبُ إِلَى النَّهْىِ.
٣١٤٦ - ١ ١٣ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٣١) قَالَ: ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ النَّبِيِّ﴿ّ فَقَالَ «وَمَا
ذَاكُمْ؟» قَالُوا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ فَيُصِيبُ مِنْهَا. وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ. وَالرَّجُلُ
تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُصِيبُ مِنْهَا. وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ. قَالَ «فَلا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ.
فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ». قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ.
٣١٤٧ - - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَعْبَدٍ بْنِ سِيرِينَ. قَالَ: قُلْنَا لِأَبِي سَعِيدٍ: هَلْ سَمِعْتَ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَذْكُرُ فِي الْعَزْلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ
السابق. إِلَى قَوْلِهِ «الْقَدَرُ».
٣١٤٨ - ١٣٢ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٣٢) قَالَ: ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِوَّ.
فَقَالَ: «وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ (وَلَمْ يَقُلْ: فَلاَ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ) فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ
مَخْلُوقَةٌ إِلا اللَّهُ خَالِقُهَا».
٣١٤٩- ١٣٣ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾(١٣٣) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ
«مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ. وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لم يمنعه شيء».
٣١٥٠- ١٣٤ عَنْ جَابٍ عَ﴾(١٣٤) أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةٌ هِيَ
خَادِمٌنًا وَسَانِيْنَا. وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ. فَقَالَ «اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ. فَإِنَّهُ
(١٣١) وحَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدْثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَا ابْنُ عَوْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ بِشْرِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ فَرَدَّ
الْحَدِيثَ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى
- وحَدَّثَنِي حَجَّجُ بَنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثْتُ مُحَمَّدًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ
بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ يَعْنِي حَدِيثَ الْعَزْلِ فَقَالَ إِيَّايَ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ
ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّىَ خَّدَّثْنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ مَعْبَدَ بْنِ سِيرِيْنَ
(١٣٢) حَدََّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ أَخْبَرَنَا وقَالَ عُبَيَّدُ اللَّهِ حَدََّا سُفْيَانُ بْنُ عُيْنَةً عَنِ ابْنِ
أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ قَرْعَةَ عَنَّ أَبِي سَعِيدٍ
(١٣٣) حَدَّثْنِيّ هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثَنَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنٍ أَبِي طَلْحَةً عَنْ أَبِي
الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
- حَدَّثَنِي أَخَمّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْهَاشِمِيُّ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنَ النّبِيِّ ◌َ بِمِثْلِهِ
(١٣٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ حَدَثْنَا زُهَيْرٌ أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبِيْرِ عَنْ جَابِ
٥٨٩

سَيَّأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا». فَلَبِثَ الرَّجُلُ. ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ. فَقَالَ «قَدْ أَخْبَرُكَ
أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا».
٣١٥١ - ١٣٥ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(١٣٥) قَالَ: سَأَلَ رَجُلُ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ فَقَالَ:
إِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً لِي. وَأَنّا أَعْزِلُ عَنْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِمَّ «إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا أَرَادَهُ
اللَّهُ» قَالَ: فَجَاءَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْجَارِيَّةَ الَِّي كُنْتُ ذَكَرَّتُهَا لَكَ حَمَلَتْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَلَّ«أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».
٣١٥٢ - ١٣٦ عَنْ جَابٍِ ضَ﴾(١٣٦) قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ. زَادَ إِسْحَقُ: قَالَ سُفْيَانُ: لَوْ
كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ.
٣١٥٣ - ١:٣٣ عَنْ جَابٍِ ضَ﴾(١٣٧) قَالَ: لَقَدْ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ عِ﴾.
٣١٥٤ ١٣٨ عَنْ جَابِرٍضَ﴾(١٣٨) قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ
اللَّهِ ﴿ّ. فَلَمْ يَنْهَنَا.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
رَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. فالذرية وكثرتها حكمة إلهية من حكم
الزواج، لعمارة الأرض، والاستخلاف فيها، وكلما كثر الآدميون العابدون للَّه من ذرية آدم
كلما علا وأعلن وتحقق قوله تعالى للملائكة ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وقوله
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ مَا أُرِيَدُ مِنْهُمْ مِنْ رِرْقِ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الزَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِّينُ﴾ [الذاريات: ٥٦]. والذرية وكَثْرَتَّها غُرَس حبها فى جَبلَة
البشر، مصداقا لقوله تعالى ﴿رُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ
الْمُقَنْطَرَةِ مِن الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَّوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]. وقوله
تعالى ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. وخلق جل شأنه شهوة الفرج فى
(١٣٥) حَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِوِ الأَشْعَنِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنْ سَعِيدٍ بْنِ حَسَّالْ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عِيَاضِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
- وحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْشَّاعِرِ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبِيْرِيُّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنَّ حَسَّانَ قَاصُّ أَهْلٍ مَكَّةً أُخْبُرَنِي عُرَوَةَ بْنُ عِيّاضِ بْنٍ
عَدِيٌّ بْنِ الْخِيَارِ النَّوْفَلِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النُّبِيِّ :﴿لَ بِمَعْنَى حَدِيثَ سُفْيَانُ
(١٣٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُّ أَخْبُرَنَا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ عَمْرٍوٍ عَنْ
عَطَاء عَنْ جَابِرٍ
(١٣٧) وَحَدَّثَنِي سَلَمَّةُ بْنُ شَبيبٍ حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ عَطَاءِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرًا
(١٣٨) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ حَدََّنَا مُعَاذٌ يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ حَدََّتِي أَبِي ◌َّنْ أَبِي الزُّبْرِ عَنْ جَابِرٍ
٥٩٠

طبيعة الرجل والمرأة، يسعى بها كل منهما نحو الآخر، ويتمتع بلذتها كل منهما من الآخر،
فإذا أخل أحدهما بمقتضيات هذه الشهوة ولوازمها أساء طبيعة وشرعا إلى الطرف الآخر،
وإذا وقف أحدهما أو وقفا معا أمام أهداف الشريعة من الزواج كان أو كانا عاصيين
لربهما، الخالق الحكيم العليم القدير.
لقد حاول بعض الصحابة أن يعزل ماءه عن مملوكته عند قضاء شهوته، خوفا من أن تحمل،
فتصير أم ولد يحرم بيعها، وترفعا أن يصبح ولده ابن أمة، وسألوا رسول اللّه ** عن ذلك؟ فقال لهم:
ولم تفعلون ذلك؟ هل كل ماء من الرجل يدخل رحم المرأة يكون منه ولد، أم حصول الولد بهبة من اللَّه
وبقضائه وقدرته؟ إن عملكم هذا لايحقق هدفكم، وإنما هو القدر، ما من روح أراد الله لها أن تخلق إلا
خلقت، ولوشاء لخلقها بدون ماء الرجل، وأمامكم خلق عيسى عليه السلام بدون أب، فلا تعاندوا
القدر، ولاتظهروا بمظهر المعترضين عليه، غير الراضيين به. وكأن واحدا منهم أراد أن يعزل عن
جاريته بعد البيان الشافى، فقال لرسول اللّه * *: أنا سأعزل عن جاريتى، ولن تحمل، فقال له صلى
الله عليه وسلم: اعزل عنها إن شئت، فذهب ثم جاء بعد مدة يقول: يارسول الله. إن الجارية التى
عزلت عنها قد حملت. قال رسول اللّه وقل: ألم أقل لك: لايغنى حذر من قدر؟ أشهد أنى
عبد الله ورسوله.
المباحث العربية
(عن ابن محيريز أنه قال: دخلت أنا وأبوصرمة على أبى سعيد الخدرى، فسأله أبو
صرمة) ((ابن محيريز)» بحاء ثم راء، ثم زاى، مصغراً، واسمه عبد الله بن محيريز الجمحى، وهو مدنى
سكن الشام، و((أبو صرمة)) بكسر الصاد وسكون الراء، اسمه مالك بن قيس، وقيل: قيس بن مالك،
صحابى مشهور من الأنصار. ففى الرواية الأولى أن السائل لأبى سعيد أبوصرمة، وفى الرواية الثانية
أن أبا سعيد أخبر ابن محيريز، فتحمل على أن أبا سعيد أخبره تبعا لأبى صرمة السائل، لكن عند
البخارى ((عن ابن محيريز أنه قال: دخلت المسجد، فرأيت أبا سعيد الخدرى، فجلست إليه، فسألته
عن العزل ... إلخ فتحمل رواية البخارى على أن نسبة السؤال لابن محيريز باعتباره موافقا لأبى
صرمة، طالبا السؤال معه، كقوله ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧].
(يذكر العزل) قال النووى: العزل هو أن يجامع، فإذا قارب الإنزال نزع، وأنزل خارج الفرج.
(غزوة بلمصطلق) بفتح الباء وسكون اللام، وأصله بنى المصطلق، بضم الميم وسكون الصاد
وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف، وهم بطن من خزاعة، وكانت الغزوة سنة ست، وقيل سنة خمس،
وذلك أن النبى - بلغه أن بنى المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبى ضرار، فخرج إليهم
حتى لقيهم على ماء من مياههم، يقال له المريسيع، قريبا من الساحل، فاقتتلوا، فهزمهم الله، ولم
يفلت منهم إنسان، بل قتل منهم من قتل، وأسر الباقون، رجالاً ونساءً وأولادًا.
٥٩١

(فسبينا كرائم العرب) أى النفيسات من العرب.
(فطالت علينا العزبة) بضم العين وسكون الزاى، بعدها باء، وهى عدم الزواج، والمراد هنا طال
علينا البعد عن أزواجنا، أى احتجنا إلى الوطء.
(ورغبنا فى الفداء) قال النووى: المعنى احتجنا إلى الوطء، وخفنا من حمل السبايا، فتصير
أم ولد، يمتنع علينا بيعها.اهـ. أى احتجنا الى الوطء، ورغبنا فى ثمن السبايا، فوطئنا وعزلنا.
(فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا .... فسألنا .... ) ظاهر هذا أنهم لم يعزلوا حتى سألوا، لكن
الرواية الثانية تقول ((فكنا نعزل، ثم سألنا)) فتدل على أنهم عزلوا، ثم سألوا، ويؤكده قوله ((وإنكم
لتفعلون؟)) ويجمع بأن بعضهم عزل قبل أن يسأل، وبعضهم سأل قبل أن يعزل.
(لاعليكم ألا تفعلوا) فى ملحق الرواية الثالثة ((لاعليكم أن لاتفعلوا ذاكم)) أى العزل، وكذا فى
الرواية الخامسة ومعنى ((لا عليكم أن لاتفعلوا العزل)) لاعليكم أن تتركوا العزل، ولمعانيها احتمالات.
الأول: أن ((لا)) فى قوة جملة، رد لسؤالهم عن العزل، فكأنه قال: لا. لاتعزلوا، ثم أكده بقوله ((عليكم أن
لاتفعلوا)) الاحتمال الثانى أن ((لا)) نافية، أى ليس عليكم أن لاتفعلوا، والمعنى لاحرج عليكم فى أن
لاتفعلوا، ففيه نفى الحرج عن ترك العزل، فيفهم منه ثبوت الحرج فى فعل العزل، إذ لو أراد رفع
الحرج عن فعل العزل لقال: لاعليكم أن تفعلوا، فأصحاب الاحتمال الأول قالوا: الأسلوب أقرب إلى
النهى، كما قال محمد بن سيرين الراوى عن عبد الرحمن بن بشر الراوى عن أبى سعيد فى الرواية
الخامسة، وأصحاب الاحتمال الثانى قالوا: الأسلوب كأنه أسلوب زجر كما فى ملحق الرواية
الخامسة، أى أسلوب كراهة الفعل، الاحتمال الثالث: أن ((لا)) الأولى نافية، و((لا)) الثانية زائدة،
والمعنى: ليس عليكم جناح أن تفعلوا. وهذا الاحتمال مردود، لأن الأصل عدم الزيادة، ولأن بقية
الحديث تفيد حرجا للفعل.
(وإنكم لتفعلون؟) فى الرواية الثانية كررها مرتين، والمناسب لها أن تكون قبل قوله ((لاعليكم
ألا تفعلوا)) وفى رواية البخارى ((أو إنكم لتفعلون))؟ قال الحافظ: هذا الاستفهام يشعر بأنه صلى اللّه
عليه وسلم ما كان اطلع على فعلهم ذلك. اهـ والاستفهام تعجبى، أى أتعجب من فعلكم ذلك، أو
إنكارى توبيخى، بمعنى لا ينبغى أن تفعلوا، وليس استفهاما حقيقيا عن أنهم يفعلون أو لا يفعلون،
فهم قد أعلنوا أنهم فعلوا.
(ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هى كائنة) أى ما من نفس قدرلها فى الأزل أن
تخلق وتوجد إلا ستخلق وتوجد، لايغير من هذا القدر عزل. فعزلكم لا أثر له، ومن اشتغل بما لا فائدة
فيه فهو عابث.
(فإنما هو القدر) أى فإنما المؤثر إيجادا وعدما هو القدر لاغيره.
٥٩٢

(الرجل تكون له المرأة ترضع ... ويكره أن تحمل منه) خوفا على الرضيع أو على صحة
المرضعة من الحمل .
(والرجل تكون له الأمة ... ويكره أن تحمل منه) خوفا أن تصير أم ولد فيحرم من بيعها
وثمنها، أو أنفة من أن يكون له ولد من أمة.
(فإنه ليست نفس مخلوقة إلا اللَّه خالقها) أى فإنه ليست نفس قدر لها فى الأزل أن
تكون مخلوقة إلا خلقت.
(ما من كل الماء يكون الولد) المراد من الماء النطفة ((المنى)) والواقع أنه ليس كل ماء
يكون فيه ولد، فما أكثر مايصب الماء ولا يكون حمل، وهناك رجال كل مائهم عقيم، ورجال ماؤهم غير
عقيم والزوجة عقيم، وماء صالح للإنجاب فى وقت، غير صالح فى وقت آخر، وزوجات صالحات
للحمل فى وقت غير صالحات فى وقت آخر، فليس كل ماء صب فى فرج امرأة حملت، حتى يكون
العزل مانعاً للولد.
(وسانيتنا) أى التى تسقى لنا، وتحمل الماء من البئر إلينا، والسانية فى الأصل
الناقة التى تسقى.
(وأنا أطوف عليها) كناية عن وطئها.
(فقال: اعزل عنها) ليس المقصود أنه أشار عليه بالعزل عنها ابتداء، بل هذا مبنى على أن
الرجل جاء يستأذن فى العزل عنها، فأذن له، ليتحقق للرجل عمليا صدق ما أشار إليه رسول اللَّه ◌ُ ﴾.
ففى الرواية التاسعة ((إن عندى جارية لى، وأنا أعزل عنها)).
(أنا عبد الله ورسوله) معناه أن ما أقول لكم حق، فاعتمدوه، واستيقنوا، فإنه سيأتى مثل فلق
الصبح، فإنى لا أحدثكم من عند نفسى.
(لوكان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) أى لوكان العزل شيئا منهيا عنه لنهانا عنه
القرآن، وهذا استنباط من سفيان الراوى عن عطاء الراوى عن جابررة
فقة الحديث
نفرق فى الأحكام الشرعية بالنسبة إلى العزل بين العزل بدون هدف، وبين العزل بهدف مشروع،
وبين العزل بهدف غير مشروع، وبين العزل عن الحرة، وبين العزل عن الأمة.
فالعزل بدون هدف مبنى على الخلاف فى حق الزوجة الحرة فى الوطء وعدم حقها فيه،
فالشافعية وأبوحنيفة يقولون بأن المرأة لاحق لها فى الوطء إلا فى وطأة واحدة، يستقر بها المهر،
٥٩٣

والمالكية يقولون: إن لها حق المطالبة بالوطء إذا قصد بتركه إضرارها، وحيث إن العزل فيه تفويت
كمال لذتها بالوطء فمن جعل لها حق المطالبة بالوطء اشترط إذنها وموافقتها على العزل، وكان
المفروض أن من قال: لاحق لها فى الوطء يقول: لا رأى لها فى العزل، لكن أبا حنيفة يقول: لايعزل
عن الحرة بدون إذنها. وعلى هذا فقد اتفقت المذاهب الثلاثة المالكية والحنفية والحنابلة على أن
الحرة لايعزل عنها إلا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها. وعليه قال ابن عبد البر: لاخلاف بين
العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع
المعروف إلا مالا يلحقه عزل. وتعقب هذا بما عند الشافعية من أن المرأة لاحق لها فى الجماع أصلاً،
لكن بين الشافعية فى خصوص العزل خلاف مشهور، قيل: يجوز العزل عن الحرة بغير إذنها وبغير
رضاها، وهو المصحح عند المتأخرين، وقيل: لايجوز بغير إذنها، ويمنع إذا امتنعت، وفيما لورضيت
وجهان، أصحهما الجواز. هذا فى العزل بدون هدف، أى بدون نظر إلى الحمل وعدمه، كالعزل عن
الكبيرة فى سن اليأس، والعزل عن الحامل، ونحو ذلك. ويلحق به العزل بهدف مشروع، ويمثل له
بالحفاظ على صحة الأم، أوصحة الطفل الرضيع، وإن كان الأولى ترك العزل، لأن الصحة هبة من اللَّه،
والحمل هبة من اللَّه، فلو أراد الصحة للأم والرضيع وهبها مع عدم العزل، ولو أراد عدمها كان مع
العزل، ولذلك حينما سئل رسول الله عن هذه الحالة رخص بها، ثم نفى فائدتها، فقد روى مسلم
من حديث أسامة بن زيد قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﴿، فقال: إنى أعزل عن امرأتى شفقة على
ولدها؟ فقال رسول اللَّهُ﴾: ((إن كان ذلك فلا، ثم قال: ما ضر ذلك فارس ولا الروم)) وسيأتى هذا
الحديث بعد باب واحد. ويلحق به أيضا العزل عن الأمة خشية أن تحمل فتصير أم ولد، فلا تباع. وهو
ماكان عند الصحابة فى الحالة والظروف التى سيقت لها أحاديث الباب.
أما العزل خشية الفقر، وخشية ضيق الرزق على الأولاد، وخشية عدم القدرة على القيام بحسن
تربيتهم، ومثله ادعاء الدولة أن كثرة النسل تأكل محاولات التنمية، وتبقى الأمة فقيرة ضعيفة، فهذا
هدف وقصد غير مشروع، والعزل عليه حرام، حتى لو رضيت الزوجة لأمور:
الأول: أن الرزق بيد الله وحده ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِرْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ
مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وقد
رأينا بلادا ترزق من باطن الأرض من غير جهد، وبلادا تكد وتتعب ورزقها محدود.
الثانى: أن كل مولود له رزقه، وقد يكون رزق أبيه ورزق إخوته تابعا لرزق الولد الثالث أو الرابع أو
الخامس، واللَّه تعالى يقول ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشِيَةَ إِمْلاقِ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١].
ويقول ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقِ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقد رأينا أسراً كانت
نجدتها وعزها وسؤددها فى ابنَها الخامس أو السادس، وأمامنا قصة يوسف عليه السلام.
الثالث: أن الذى يكتفى بولد أو ولدين لا يضمن بقاءهما وحياتهما، فالموت حق، وقد يلحقهما
حين لا تجدى المحاولة للحمل بعد فوات الأوان. والشواهد لذلك فى حياتنا كثيرة.
الرابع: أن الولد قوة، ومصدر كسب، ومبعث عزة ومنعة، يقول تعالى ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ﴾
٥٩٤

وَبَذِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣،١٢]. فكيف يدعى أن الأولاد وكثرتهم تؤدى إلى الفقر؟ أو إلى زيادة
الفقر؟ قد يكون ذلك فى أمة خذولة كسولة غير منتجة، وفى قيادة لا تهيئ لأبنائها ظروف العمل،
وتكبل العاملين، وتصيب الطموحين بالشلل والإحباط، وإنها لدعوة خبيثة، تسرى فى أوساط
المسلمين لزيادة إضعافهم، ينفق عليها ويغذيها، أعداؤهم، فى الوقت الذى يشجعون فيه زيادة العدد
لغير المسلمين.
الخامس: أن الأولاد هدية من اللَّه، يقول جل شأنه ﴿لَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَةِ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ
عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]. وتخيل معى أن تقدم لإنسان هدية فيرفضها ويردها فى وجهك، أو
تعده وتعرض عليه هدية فيواجهك: لا أريدها. لا أحبها لا أقبلها. هى تضرنى. هى لا تنفعنى. هل
تكون راضيا؟ وهل يكون فى فعله هذا مرضيا لك؟ متقربا منك؟ مقدراً عطفك وكرمك؟
فما بالك بمن يفعل ذلك مع العليم القدير؟ الذى يعلم وحده ماينفعك وما يضرك. إن العلماء
يعبرون عن هذه الحالة بمعاندة القدر، فماذا عساها نتيجة معاندة القدر؟
السادس: أن هذه المعاندة لا تنفع إن لم تضر، يعزل من يريد واللَّه يفعل ما يريد، وقد رأينا فى
الرواية الثامنة والتاسعة كيف أن الجارية حملت وسيدها يتحرى العزل عنها، ونرى فى حياتنا
وسائل منع الحمل تفشل كثيرا أمام القدر، بل رأينا كثيرا منها يمنع فترة، ويؤدى إلى التوائم فى فترة
أخرى وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((فإنما هو القدر)). ((ما من كل الماء يكون الولد)). ((ما من
نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هى كائنة)). ((وإذا أراد الله خلق شىء لم يمنعه شىء)) وعند أحمد
والبزار وابن حبان يقول صلى الله عليه وسلم ((لو أن الماء الذى يكون منه الولد أهرقته على صخرة
لأخرج اللَّه منها ولداً)). وفى الحديث الصحيح أن النبى 8* سئل عن العزل؟ فقال: ((ذلك الوأد
الخفى)). أخرجه مسلم بعد باب واحد. وقد جنح إلى منع العزل من الشافعية ابن حبان، فقال فى
صحيحه: ذكر الخبر الدال على أن هذا الفعل مزجور عنه، لايباح استعماله، ثم ساق حديث أبى ذر
رفعه ((ضعه فى حلاله، وجنبه حرامه، وأقرره، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر)) هذا.
وفى معنى العزل تعاطى المرأة أو الرجل حبوب منع الحمل، والوسائل الحديثة الأخرى.
وقال الحافظ ابن حجر: وينتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح
فمن قال بالمنع فى العزل ففى هذه أولى، ومن قال بالجواز فى العزل يمكن أن يلحق هذا به، ويمكن
أن يفرق بينهم بأن إسقاط النطفة أشد فتمنع، لأن العزل لم يقع فيه تعاطى السبب، ومعالجة
السقط تقع بعد تعاطى السبب.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- قوله فى الرواية الأولى ((فسبينا كرائم العرب .. )) استدل به من أجاز استرقاق العرب، وأنهم
يجرى عليهم الرق كما يجرى على العجم وأنهم إذا كانوا مشركين وسبوا جاز استرقاقهم، لأن بنى
٥٩٥

المصطلق عرب من خزاعة، وقد استرقوهن، ووطئوا سباياهن، واستباحوا بيعهن، وبهذا قال مالك
والشافعى وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لايجرى عليهن الرق لشرفهن.
٢- ومن أجاز وطء المشركات بملك اليمين، وإن لم يكن من أهل الكتاب، لأن بنى المصطلق كانوا
أهل أوثان، وقد رد عليه من منع باحتمال أن يكونوا ممن دان بدين أهل الكتاب. قال الحافظ
ابن حجر: وهو باطل. وباحتمال أن يكون ذلك فى أول الأمر، ثم نسخ، وفيه نظر، إذا النسخ لا
يثبت بالاحتمال. وباحتمال أن تكون المسبيات أسلمن قبل الوطء، وهذا لايتم مع قوله ((وأحببنا
فى الفداء» فإن المسلمة لاتعاد للمشرك. والله أعلم.
٣- وفيها دلالة على إلحاق النسب مع العزل، لأن الماء قد سبق.
٤- وأنه إذا اعترف بوطء أمته صارت فراشا له، ويلحقه أولادها، إلا أن يدعى الاستبراء، وهو مذهب
مالك والشافعى.
والله أعلم
٥٩٦

(٣٨٣) باب تحريم وطء الحامل المسبية
٣١٥٥ - ١٣٩ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ◌َ﴾(١٣٩) عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ ◌َ: أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٌّ عَلَى بَابِ
فُسْطَاطٍ. فَقَالَ «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟» فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ«لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ
أَلْعَنَّهُ لَغْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ. كَيْفَ يُوَرَّثُهُ وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟».
المعنى العام
فى شوال سنة ثمان، وبعد انتصار المسلمين فى غزوة أوطاس، وبعد توزيع الغنائم رأى رسول اللّه
* على باب خيمة من خيام أصحابه امرأة منتفخة البطن، تبدو عليها أنها حامل فى شهرها الثامن
أو التاسع، فوقع فى نفسه أن صاحبها سيواقعها أو واقعها فعلاً دون استبراء رحمها، فسأل من حوله:
لعل صاحبها وطأها؟ قالوا: نعم. هى مملوكته. قال: كيف يخلط ماءه بماء غيره؟ لقد هممت أن أدعو
عليه بالطرد من رحمة الله دعاء يلازمه إلى يوم يموت، لايفارقه، لكننى لم أدع عليه، لعله لا يعلم الحكم
فيعذر، ثم أرسل صلى الله عليه وسلم من ینادی فی الناس: ألا لاتوطأ حامل من السبايا حتى تضع، ولا
غير ذات حمل حتى تحيض حيضة.
المباحث العربية
(وطء الحامل المسبية) أى الأمة التى وقعت فى سهم أحد المجاهدين، فصارت مملوكة له.
(أنه أتى بامرأة مجح على باب فسطاط) ((المجح)) بضم الميم وكسر الجيم بعدها حاء هى
الحامل التى قربت ولادتها. و((الفسطاط)) بيت من الشّعر أو نحوه. و((أتى)) بفتح الهمزة وفتح التاء
كذا ضبطت فى الأصل، وظاهر العبارة أن الذى أتى بالمرأة على باب الفسطاط هو النبى ﴿، وهو غير
مقبول، أو الذى أتى بالمرأة على باب الفسطاط أبو الدرداء، وهو بعيد جدا، والظاهر أن ((أتى)) بضم
الهمزة وكسر التاء، مبنى للمجهول، ففى رواية أبى داود ((أن رسول اللّه ◌َ ﴿ كان فى غزوة، فرأى امرأة
مجحا، فقال: لعل صاحبها ألم بها ؟ قالوا: نعم ... إلخ الحديث.
(لعله يريد أن يلم بها) أى يطأها، وكانت حاملا مسبية، لايحل جماعها حتى تضع. وفى رواية
أبى داود ((لعل صاحبها ألم بها))؟ ((قالوا: نعم)) يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم حين رأها على باب
(١٣٩) وحَدِّثِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ
يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ
- وحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونٌ حَ وَحَدَّقَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ جَمِيعًا عَنْ
شُعْبَةً فِي هَذَا الإِسْنَادِ
٥٩٧

الفسطاط ظنها لم تدخله بعد، فقال: ))(عل صاحبها يريد أن يلم بها)) فلما تبين له أنها دخلته
وخرجت قال: لعل صاحبها ألم بها؟ فأجابوا: نعم. فكان الهم بلعنه. ولم يقع اللعن لأن الرجل لم يكن
يعلم الحكم.
(لعنا يدخل معه قبره) أى يلازمة، ولا ترفعه توبة.
(كيف يورثه وهو لايحل له، كيف يستخدمه وهو لايحل له؟) ((يورثه» بفتح الواو وتشديد
الراء المكسورة، أى كيف يجعل الحمل وإرثا له وهو ليس ابنه؟ قال النووي: معناه أنه قد تتأخر
ولادتها ستة أشهر، حيث يحتمل كون الوالد من هذا السابى، ويحتمل أنه كان ممن كان قبله، فعلى
تقدير كونه من السابى يكون ولدا، ويتوراثان، وعلى تقدير كونه من غير السابى لايتوارثان، هو ولا
السابى، لعدم القرابة، بل له استخدامه، لأنه مملوكه، فتقدير الحديث أنه قد يستلحقه ويجعله ابنا
له ويورثه، مع أنه لا يحل له توريثه، لكونه ليس منه، ولايحل له توارثه، ومزاحمته لباقى الورثة، وقد
يستخدمه استخدام العبيد، ويجعله عبدا، يتملكه مع أنه لا يحل له ذلك؟ لكونه منه إذا وضعته لمدة
محتملة كونه من كل واحد منهما، فيجب عليه الامتناع من وطئها خوفا من هذا المحظور. قال
النووى: فهذا هو الظاهر فى معنى الحديث.
وقال القاضى عياض: معناه الإشارة إلى أنه قد ينمى هذا الجنين بنطفة هذا السابى، فيصير
مشاركا له فيه، فيمتنع الاستخدام، وهو نظير الحديث الآخر ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فلايسق ماءه ولد غيره)» قال النووى: هذا كلام القاضى، وهذا الذى قاله ضعيف أو باطل، وكيف ينتظم
التوريث مع هذا التأويل؟ بل الصواب ما قدمناه. اهـ
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١ - أن السبى ينقض الملك المتقدم، ويفسخ النكاح.
٢- وأن استحداث الملك يوجب الاستبراء فى الإماء، فلا توطأ ثيب ولا عذراء حتى تستبرأ بحيضة
ويدخل فى ذلك المكاتبة إذا عجزت فعادت إلى الملك المطلق، وسواء كانت الأمة مشتراة من
رجل أو امرأة، لأن العموم يأتى على ذلك أجمع.
٣- يؤخذ منه مقصود الباب، وتحريم وطء الحامل المسبية.
واللَّه أعلم
٥٩٨

(٣٨٤) باب جواز الغيلة، وهى وطء المرضع
٣١٥٦ - ١٤٠ عَنْ جُدَامَةٌ بِنْتِ وَهْبٍ (١٤٠١)، الأَسَدِيَّةِ رَضِي اللَّهِ عَنْها: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَن أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلا
يَضُرُّ أَوْلادَهُمْ».
٣١٥٧ - ١٤١ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ (١٤١)، أُخْتِ عُكَّاشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا. قَالَتْ: حَضَرْتُ
رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ. فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ
وَفَارِسَ. فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلادَهُمْ، فَلا يَضُرُّ أَوْلادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا». ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ». زَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْمُقْرِئِ وَهِيَ: ﴿وَإِذَا
الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾.
٣١٥٨ - ١٤٢ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبِ الأَسْدِيَّةِ رَضِي اللَّهِ عَنْها (١٤٢): أَنَّهَا قَالَتْ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِفَ﴿ِ. فَذَكَّرَ بِمِثْلِ السابقِ فِي الْعَزْلِ وَالْغِيلَةِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «الْغِيَالِ».
٣١٥٩ - ٤٣ ١ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ﴾(١٤٣): أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ◌َُه
أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَقَالَ: إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأْتِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِمَّ«لِمَ
تَفْعَلُ ذَلِكَ؟» فَقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا، أَوْ عَلَى أَوْلادِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ «لَوْ
كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا، ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ». وَقَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ «إِن كَانَ لِذَلِكَ فَلا. مَا ضَارَ
ذَلِكَ فَارِسَ وَلا الرُّومَ».
المعنى العام
الشريعة الإسلامية تحرص على مصالح العباد، بل كل مصالح العباد فيها وفى اتباعها، وفى هذا
(١٤٠) وحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ح وحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنَّ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنَّ جُدَامَةً
قَالَ مُسْلِمٍ وَأَمَّاَ خَلَفٌّ فَقَالَ عَنْ جُذَامَةَ الأَسَدِيَّةِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ يَحْتِى بِالدَّالِ
(١٤١) حَدَّثَنَا غُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَّرَ قَالا حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّتِي أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةً
عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةً
(١٤٢) وحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدََّا يَحْتَى بْنُ إِسْحَقَ حَدََّا يَحْتَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ
عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةً عَنَّ جُدَامَةً
(١٤٣) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لابْنٍ نُمَيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَقْبُرِيُّ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ
حَدَّثَنِي عَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا النّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبُرَ وَالِدَهُ سَعْدَ بْنَّ أَبِي وَقَاصٍَ أَنَّ رَجُلا
٥٩٩

الحديث يحرص صلى الله عليه وسلم على مصلحة الأمة حين بدا له أن وطء المرضع يعرضها للحمل،
ولبن الحامل يفسد بالحمل، مما يعرض الطفل الرضيع للأمراض، فأراد أن ينهى عن وطء المرضع،
ليتفادى أن تحمل وهى ترضع، ثم أمعن التفكير قبل أن ينهى، فرأى بثاقب فكره أن فارس والروم
يجامعون المرضع فتحمل، وهى ترضع، وأولادهم سليمة صحيحة، لم يضرهم ماشربوا من لبن أمهاتهم
الحوامل. فترجح عنده أن لبن الحامل غير فاسد، وأنه لا يضر الرضيع، وحتى لولم يكن سليما مائة
فى المائة فإن الضار والنافع هو الله تعالى، وكثيرا ما يأكل البشر مأكولات فيها جراثيم أوميكروبات
فلا يضاربها الجسم، بما أودعه الله فيه من جنود المقاومة، والحصانة ضد ما يهاجمه من جراثيم
الأمراض، فتحول صلى الله عليه وسلم عن النهى الذى هم به إلى إقرار الأمر وجوازه، وأعلن عن الهم
والعدول عنه ليختار المسلم ما يؤول إليه اقتناعه.
المباحث العربية
(عن جدامة بنت وهب الأسدية) فى الرواية الثانية ((أخت عكاشة ((قال النووى: الصحيح
أن ((جدامة)) بالدال لا بالذال، والجيم مضمومة بلا خلاف. قال القاضى عياض: قال بعضهم: إنها
أخت عكاشة على قول من قال: إنها جدامة بنت وهب بن محصن، وقال بعضهم: إنها أخت رجل
آخر، اسمه عكاشة ابن وهب. قال النووي: والمختار أنها جدامة بنت وهب الأسدية أخت عكاشة
((ابن محصن)» المشهور الأسدى، وتكون أخته من أمه، وفى عكاشة لغتان تشديد الكاف وتخفيفها،
والتشديد أفصح وأشهر.
(لقد هممت أن أنهى عن الغيلة) بكسر الغين، ويقال لها: الغيلة بفتح الغين، اسم مرة، وأما
بالكسر فهى الاسم من الغيل، قال النووى: واختلف العلماء فى المراد بها فى هذا الحديث، فقال مالك
فى الموطأ والأصمعى وغيره من أهل اللغة أن يجامع امرأته وهى مرضع، يقال منه: أغال الرجل،
وأغيل إذا فعل ذلك، وقال ابن السكيت: هى أن ترضع المرأة وهى حامل، يقال منه غالت وأغيلت.
وفى الرواية الثانية ((فإذا هم يغيلون)) بضم الياء، من أغال.
(ذاك الوأد الخفى) الوأد دفن البنت وهى حية، وكانت العرب تفعله خشية الإملاق أو خوف
العار، والموءودة المدفونة حية، وفى الجملة تشبيه العزل بالوأد لأنه قطع طريق الولادة قبل مجيئه،
فأشبه قتل الولد بعد مجيئه، وقال ابن القيم: وإنما سماه وأداخفياً لأن الرجل إنما يعزل هربا من
الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع فيه
القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد صرفاً، فلذلك وصفه بكونه خفيا.
(ما ضار ذلك فارس ولا الروم) ((ماضار)) بتخفيف الراء، أى ماضرهم، يقال: ضارة يضيره
ضيرًا وضره يضره ضرًا.
٦٠٠