النص المفهرس
صفحات 561-580
حاجة إلى إعلان كبير لينتشربين المسلمين. وكان زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش
ظرفا لتشريع آخر، ذاك هو حجاب أمهات المؤمنين، حيث جلس بعض المدعوين لوليمتها في حجرة
الطعام بعد الطعام مستأنسين للحديث، فثقلوا على رسول الله،﴿، وثقلوا على زوجه التى ظلت مدة
طويلة مولية وجهها نحو الحائط، فنزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ
يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ - أى لا تدخلوا بيوت النبى لسبب من الأسباب إلا بسبب الإذن ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَّ نَاظِرِينَ
إِنَاهُ﴾ أى غير منتظرين نضجه، أى إذا دخلتم لطعام فادخلوا بعد نضجه، لئلا يطول بكم الانتظار
﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ﴾ بعد تجهيز الطعام ﴿فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ أى فاخرجوا وانتشروا في
الأرض، وتوجهوا إلى مصالحكم ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أى لا يحملكم الاستئناس بالحديث على
الجلوس بعد الأكل ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ الجلوس واللبث ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، فيمنعه من قضاء حاجاته،
ويضيق عليه وعلى أهله في المنزل ﴿فَيَسْتَحْنِي مِنْكُمْ﴾ فلا يقول لكم: اخرجوا ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْنِي مِنَ
الْحَقّ﴾ فلا تعودوا لمثل هذا معشر الثقلاء، وعن ابن عباس وعائشة رضى الله عنهم ((حسبك في الثقلاء
أن الله عز وجل لم يحتملهم)) يقول الألوسى: وعندى كالثقيل المذكور من يدعى في وقت معين مع
جماعة، فيتأخر عن ذلك الوقت من غير عذر شرعى بل لمحض أن ينتظر، ويظهر بين الحاضرين فريد
جلالته ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ
أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. صلى الله عليه وسلم)) ورضى عن أزواجه أجمعين.
المباحث العربية
(لما انقضت عدة زينب) بنت جحش، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، عمة رسول اللّه ◌ُ ل﴾.
وتبدأ هذه القصة بزيد بن حارثة الصبى الذى كان عبداً لخديجة رضى الله عنها، فوهبته لزوجها
محمد ®، فجاءه أهله يفدونه، فقال لهم صلى اللّه عليه وسلم: إن اختاركم فهولكم بدون فداء،
فاختار رسول اللَّه ◌َ على أهله، فأشهدهم صلى الله عليه وسلم أنه عتيق، وأنه حر، وأنه منذ اللحظة
ابن لمحمد، وليس عبداً لمحمد، وكان من تبنى رجلا فى الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث ميراثه،
فأصبح يدعى زيد بن محمد، حتى نزل قوله تعالى من سورة الأحزاب ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ
ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ادْعُوهُمْ لاَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ
تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥،٤]. فأصبح يدعى زيد بن حارثة. وشب
الصبى، وبلغ سن الزواج، فاختار له رسول اللّه { * زينب بنت جحش ابنة عمته صلى الله عليه وسلم
لتكون زوجة له، وترفعت زينب، بنت الحسب والنسب وابنة عمة الرسول #، والتى تتيه بجمالها
على قريناتها. ترفعت أن تتزوج من كان عبدا. فنزل قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنْ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدُّ ضَلَّ ضَلالا مُبينًا﴾
[الأحزاب: ٣٦]. وخضعت زينب لأمر الله وأمر رسوله وتزوجتَ زيدا، لكنها بحكم طبيعة المرأه ظلت
نافرة من زيد، متعاظمة عليه، وجاء زيد مرارا إلى رسول اللَّه ◌َ لّ يشكوها إليه، ويستأذن فى طلاقها -
٥٦١
وأخبر اللَّه رسوله أن زينب ستكون من أزواجه، لكن كيف؟ وماذا يقول الناس؟ يقولون: إن
محمدا تزوج امرأة من كان ابنه؟ ليكن يا محمد، وليقل الناس مايقولون، فهذه هى الوسيلة القوية
الأكيدة لإبطال عقيدة التبنى عمليا بعد إبطالها نظريًّا - وأخفى رسول اللّهمّ ل هذا الأمر الإلهى فى
نفسه حتى يحكم الله بنفاذه، وقال لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ رَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، ولما استحالت العشرة بين
زينب وزيد، وأراد اللَّه تنفيذ ما قضاه طلقها زيد، واعتدت، ولما انتهت العدة صدر الأمر الإلهى
بتزويجها لمحمد ﴿، قال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى رَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
حَرَجٌ فِي أَرْوَاجٍ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
(قال رسول اللَّه﴿ لزيد: فاذكرها على) أى اخطبها لى من نفسها، واذكرنى راغبا فى
زواجها، واذكر اسمها زوجة لى، داخلة على. عجباثم عجبا. من كان زوجها منذ قليل هو الذى
يخطبها؟ ولم فعل الرسول ذلك؟ نعم لئلا يظن أحد أن طلاقها قد وقع منه قهرا بغير رضاه، وليظهر ما
عنده منها، هل بقى شىء من حبه لها؟ ((قال: فلما رأيتها عظمت فى صدرى، حتى ما أستطيع أن
أنظر إليها أن رسول اللَّهِمَ ﴿ ذكرها)) أى خطبها أو طلبها، و((أن رسول اللّه)) مجرور بحرف جر
محذوف، أى لأن رسول الله طلبها، والمعنى أنه هابها وقدسها وعظمها من أجل إرادة النبى { *
تزوجها، فعاملها معاملة أزواج النبي 3 فى الإعظام والمهابة والإجلال.
(فوليتها ظهرى، ونكصت على عقبى) أى التفت عنها، ووليتها ظهرى لئلا أراها، وبعدت
عنها قليلا، احتراما وتقديرا، وفى رواية ((فقلت: يازينب. أبشرى. أرسل رسول اللَّهِ﴾ ﴿ يذكرك)).
(ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربى) أى ما أنا بمجيبة على هذا المطلب بنعم
أوبلا، حتى أطلب أمر ربى وانشراحى للأمر أو عدمه، عن طريق صلاة الاستخارة التى علمنا
إياها رسول اللَّه ◌َ﴾.
(ونزل القرآن) بقوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى رَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا رَوَّجْنَاكَهَا﴾.
(فدخل عليها بغير إذن) لأن اللَّه تعالى زوجه إياها بهذه الآية.
(ولقد رأيتنا أن رسول اللَّه ﴿ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار) أى ارتفع، فى
الرواية الخامسة ((فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار)) وفى الرواية السادسة فى قصة زواج زينب
((فصنعت أمى أم سليم حيسا))- من تمر وأقط وسمن - ((فجعلته فى تور)) بفتح التاء وسكون الواو
إناء مثل القدح، أومايسمى عندنا بالشفشق. وفى الرواية السابعة ((فى تور من حجارة)) وفى رواية
للبخارى ((فعمدت إلى تمروسمن وأقط، فاتخذت حبيسة)) -أى طعاما محبوسا- «فى برمة، فأرسلت
بها معى إليه، فانطلقت بها إليه، فقال لى: ضعها. ثم أمرنى فقال: ادع لى)) فى الرواية السادسة ((ادع
لى فلانا وفلانا وفلانا ومن لقيت)»، وسمى رجالا. قال: فدعوت من سمى ومن لقيت - زهاء ثلاثمائة
بضم الزاى وفتح الهاء-أى نحو ثلاثمائة، وقال لى رسول اللَّه مَ ﴿: ((يا أنس. هات التور. قال: فدخلوا،
٥٦٢
حتى امتلأت الصفة)) - أى البهو الواسع -))والحجرة)) ..... ((فقال لى: ياأنس. ارفع)) - أى ارفع التور
- «فرفعت. فما أدرى حين وضعت)) - التور - ((كان)) - مافيه - ((أكثر؟ أم حين رفعت)).
وقد استشكل القاضى عياض ماوقع فى هذا الحديث من أن الوليمة بزينب بنت جحش كانت
من الحيس الذى أهدته أم سليم، والمشهور من الروايات أنه صلى الله عليه وسلم أولم عليها بالخبز
واللحم، وظن القاضى عياض أن هذا وهم، وتركيب قصة على قصة أخرى، ورد عليه القرطبى بأن
لامانع من الجمع بين الروايتين، ولاوهم، فلعل الذين دعوا إلى الخبز واللحم، فأكلوا حتى شبعوا،
وذهبوا لم يرجعوا، ثم جاء أنس بالحبيسة، فأمر بأن يدعو ناسا آخرين ومن لقى، فدخلوا فأكلوا أيضا
حتى شبعوا، قال الحافظ: وهو جمع لا بأس به، وأولى منه أن يقال: إن حضور الحبيسة صادف
حضور الخبز واللحم، فأكلوا كلهم من كل ذلك.
(ويقى رجال يتحدثون فى البيت) فى الرواية الرابعة تفصيل، ففيها ((دعا القوم، فطعموا،
ثم جلسوا يتحدثون قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام
من القوم. قال: فقعد ثلاثة ..... )) وفى الرواية الخامسة تفصيل لمجيئه وعودته مرارا، وفى الرواية
السادسة وصف لوضع زوجته ((وزوجته موليه وجهها إلى الحائط)) قال النووى ((وزوجته)) بالتاء، وهى
لغة قليلة، تكررت فى الحديث والشعر والمشهور حذفها.
(فما أدرى؟ أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا؟ أو أخبرنى؟) فى الرواية الرابعة
((فأخبرت النبى { أنهم قد انطلقوا)) وكذا فى رواية للبخارى، فوقع الجزم بأنه الذى أخبر النبي ◌ُ ﴾.
وفى الرواية الخامسة ((ثم ظن أنهم قد خرجوا ((قال الحافظ: هو محمول على أنه كان يذكره، ثم
عرض له الشك فكان يشك فيه، ثم تذكر، فجزم.اهـ. ويمكن القول بأنهما توافقا، رسول اللّه ،﴾ ألهم
أنهم خرجوا فى الوقت الذى جاء فيه أنس يخبره بخروجهم، فكل منهما أخبر الآخر، وكل منهما
سابق الآخر فى الإخبار.
(وانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه فألقى الستربينى وبينه، ونزل
الحجاب) أى ونزلت آية الحجاب، أو الأمر بالحجاب. وفى الرواية الرابعة ((فجاء حتى دخل،
فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بينى وبينه)) وفى الرواية السادسة ((وجاء رسول اللَّه ﴿ حتى أرخى
الستر ودخل، وأنا جالس فى الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج على وأنزلت هذه الآية، فخرج
رسول اللَّهَ﴿، وقرأهن على الناس)) وفى رواية للبخارى ((فرجع حتى إذا وضع رجله فى أسكفة
الباب)) - بضم الهمزة وسكون السين وضم الكاف وفتح الفاء المشددة، أى عتبته ((أرخى الستر بينى
وبينه، وأنزلت آية الحجاب)).
(أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات) أى أقربهم عهدا بنزولها، أى أول من علم
بها من الناس.
٥٦٣
(وحجبن نساء النبى { ) كذا فى الأصل ((وحجبن)) بنون النسوه، على لغة ((يتعاقبون فيكم
ملائكة)» لغة الجمع بين ضمير الفاعل والفاعل الظاهر، فنساء بدل من الضمير، أو النون علامة نسوة
والفاعل ((نساء)» وكان الأصل أن يقول: وحجب نساء النبى وَ﴾.
فقه الحديث
يؤخذ من هذه الأحاديث
١- قال النووى: فيه دليل على أنه لابأس أن يبعث الرجل لخطبة المرأة من كان زوجاً لها، إذا علم
أنه لا يكره ذلك كما كان حال زيد مع رسول اللَّه ◌ُ ل.
٢- ومن إعظام زيد لزينب ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من إجلال رسول اللّه ◌ُ ل
وهيبته وهيبة وإجلال أمهات المؤمنين.
٣- ومن لجوء زينب إلى الاستخارة استحباب صلاة الاستخارة لمن هم بأمر، سواء كان ذلك الأمر
ظاهر الخير أم لا، وهو موافق لصحيح البخارى عن جابر قال: ((كان رسول اللّه﴿ يعلمنا
الاستخارة فى الأمور كلها، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ... إلى
آخر الحديث. قال النووي: ولعلها استخارت لخوفها من تقصير فى حقه صلى الله عليه وسلم.
٤- ومن سلامه صلى الله عليه وسلم على نسائه أنه يستحب للإنسان إذا أتى منزله أن يسلم على
امرأته وأهله، قال النووي: هذا مما يتكبر عنه كثير من الجاهلين المترفعين.
٥- وأنه إذا سلم على واحد قال: سلام عليكم، أو السلام عليكم. بصيغة الجمع، قالوا: ليتناوله وملكيه.
٦- وسؤال الرجل أهله عن حالهم، فربما كانت فى نفس المرأة حاجة فتستحيى أن تبتدئ بها، فإذا
سألها انبسطت لذكر حاجتها.
٧- وأنه يستحب أن يقال للرجل عقب دخوله: كيف حالك، ونحو هذا.
٨- وفى زيادة وليمة زينب جواز أن يولم الرجل على بعض نسائه أكثر من بعض. قال النووي: يحتمل
أن سبب ذلك الشكر لنعمة اللَّه فى أن اللّه تعالى زوجه إياها بالوحى، لابولى وشهود، بخلاف
غيرها. قال: ومذهبنا الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحه صلى الله عليه وسلم بلا ولى
ولا شهود، لعدم الحاجة إلى ذلك فى حقه صلى الله عليه وسلم، وهذا الخلاف فى غير زينب، أما
زينب فمنصوص عليها.
٩- ومن هدية أم سليم -أم أنس- أنه يستحب لأصدقاء المتزوج أن يبعثوا إليه بطعام، يساعدونه به
على وليمته.
١٠ - وفيه الاعتذار إلى المبعوث إليه بنحو ما اعتذرت به أم سليم ((هذا لك منا قليل)).
٥٦٤
١١- واستحباب بعث السلام إلى الصاحب، وإن كان أفضل من الباعث، لكن هذا يحسن إذا كان
بعيدا عن موضعه، أوله عذر فى عدم الحضور بنفسه للسلام.
١٢ - وفيه أن الزائر لا يثقل على صاحب البيت بطول المكث والاستئناس بالحديث، وقد أطلق على
هذه الآية آية الثقلاء.
١٣ - قال الحافظ ابن حجر: وفى الحديث مشروعية الحجاب لأمهات المؤمنين. قال عياض: فرض
الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف فى الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف
ذلك فى شهادة ولاغيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا مادعت إليه الضرورة، ثم
استدل بما فى الموطأ من أن حفصة لما توفى عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن
زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها .اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد
النبى * يحججن ويطفن. وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات
الأبدان، لا الأشخاص. ثم قال: والحاصل أن عمر له وقع فى قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على
الحريم النبوى، حتى صرح بقوله له عليه الصلاة والسلام: احجب نساءك. وكرر ذلك حتى نزلت
آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لايبدين أشخاصهن أصلا، ولو كن مستترات، فبالغ فى ذلك
فلم يجب إلى هدفه وقد روى البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت: «خرجت سودة - بعد ما
ضرب الحجاب - لحاجتها، وكانت جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب،
فقال: ياسودة، أما والله ماتخفين علينا، فانظرى كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة،
ورسول الله﴿ فى بيتى، وأنه ليتعشى، وفى يده عرق -عظم عليه بقية لحم- فدخلت، فقالت:
يارسول الله، إنى خرجت لبعض حاجتى، فقال لى عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع
عنه، وإن العرق فى يده ما وضعه، فقال: ((إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن)) نعم ورد فى
سبب نزول الحجاب سبب آخر، أخرجه النسائي عن عائشة رضى الله عنها قالت: «كنت آكل
مع النبى * حيسا، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصاب إصبعه إصبعى، فقال: حس - أو أوه - لو
أطاع فيكن مارأتكن عين، فنزل الحجاب)) قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن ذلك وقع
قبل قصة زينب، فلقربه منها أطلقت نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب.
واللَّه أعلم
٥٦٥
(٣٧٦) باب الدعوة إلى الوليمة والأمر بإجابتها
٣١١٠ - ٩٦ْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(٩٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَّ ««إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ
إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا».
٣١١١ - ٩٧ْ عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا(٩٧)، عَنِ النَّبِيَِّ. قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى
الْوَلِيمَةِ فَلْيُحِبْ». قَالَ خَالِدٌ: فَإِذَا عُبَيْدُ اللَّهِ يُنَزَّلُهُ عَلَى الْعُرْسِ.
٣١١٢ - ٩٨ْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٩٨): أَنَّ النّبِيَّ﴿ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى
وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِب».
٣١١٣-١٩ْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٩٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ «اثْنُوا
الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيُمْ».
٣١١٤ - الْ عَنْ ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا (١٠٠): أَنَّه كَانَ يَقُولُ عَنِ النّبِيِّ نَ﴿ّ «إِذَا دَعَا
أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانٌ أَوْ نَحْوَهُ».
٣١١٥ - ١١١ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(١٠١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَّ «مَنْ دُعِيَ إِلَى
عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُحِبِ».
٣١١٦ - له عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(١٠٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَتِ «الْتُوا
الدَّغْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ».
٣١١٧ - ١٣ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(١٠٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ م ◌ِ*
«أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا». قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ
وَغَيْرِ الْعُرْسِ. وَيَأْتِهَا وَهُوَ صَائِمٌ.
(٩٦) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْبِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
(٩٧) وحَدِّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَن ابْنِ عُمَرَ
(٩٨) حَدَّثَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٩٩) حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو ◌َكَّامِلٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَيُوبٌ ح وَحَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرٌ
(١٠٠) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ خُدََّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَكَانٌ يَقُولُ
(١٠١) وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنِي عِيسَى بَنُ الْمُنْذِرِ حَدَِّا بَقِيَّةُ حَدََّا الزُّبَيْدِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرٍ
(١٠٢) حَدَّثَنِي خُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ أُمَيَّةً عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(١٠٣) وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حَجََّجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنَ ابْنِ جُرَّيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سِمَعْتُ عَبْدِاللَّهِ
ابْنِ عُمَرَ
٥٦٦
٣١١٨- ٤ْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهمَا (١٠٤) أَنَّ النَّبِيَّمَ قَالَ: «إِذَا دُعِيْتُمْ
إِلَى كُرَاعٍ فَأَجِيُو».
٣١١٩- ١:٥ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٠٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ
فَلْيُجِبْ. فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ». وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُثَنِّى «إِلَى طَعَامٍ».
٣١٢٠ - ٦ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّ(١٠٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،وَّ «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ
فَلْيُجِبْ. فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ».
٣١٢١ - ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َ﴾(١٠٧): أَنَّهُ كَانُ يَقُولُ: بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهِ
الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ. فَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
٣١٢٢ - ١٠٨ عَنْ سُفْيَانٌ(١٠٨) قَالَ: قُلْتُ لِالزُّهْرِيِّ: يَا أَبَا بَكْرٍ؟ كَيْفَ هَذَا
الْحَدِيثُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الأَغْنِيَاءِ؟ فَضَحِكَ فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ
الأَغْنِيَاءِ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ أَبِي غَنِيًّا، فَأَفْرَعَنِي هَذَا الْحَدِيثُ حِينَ سَمِعْتُ بِهِ.
فَسَأَلْتُ عَنْهُ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
٣١٢٣ - ١٠٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٠٩) قَالَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ. نَحْوَ حَدِيثٍ مَالِكٍ.
٣١٢٤ - ١٢٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١١٠): أَنَّ النَّبِيَّ: ﴿ قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ
الْوَلِيمَةِ. يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا. وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْرَةَ، فَقَدْ عَصَى
اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
(١٠٤) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٠٥) وحَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ح و حَدَّثَنَا مُحَمَّذٌ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ حَدَّقْنَا أَبِي قَالا حَدَّقْنَا
سُفْيَاهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ
- وحَدَّثَا ابْ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيِ الزُّبِيْرِ بِهَذَا الإِسَادِ بِمِثْلِهِ
(١٠٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَاْ حَفْصُ بَّنُ غِيَاتٍ عَنَّ هِشَامٍ غَنَ اِبْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠٧) حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْتَّى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَغْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠٨) وحَدْثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
(١٠٩) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ح وَعَنِ الأَعْرَجِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وحَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ ذَلِكَ.
(١١٠) وحَدَّثَنَا ابْنَّ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ سَعَّدٍ قَالَّ سَمِعْتُ ثَابِتًا الأَعْرَجَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٥٦٧
المعنى العام
الإسلام دين المحبة والمودة والإخاء، دين الترابط والتكاتف والتعاون والتراحم، يحث على كل ما.
يحقق هذه الأهداف السامية، ويرغب فى الوسائل المؤدية إليها، وأهم هذه الركائز إطعام الطعام،
وقد عبر الحديث الصحيح أوضح تعبير عن هذه الوسيلة حين سئل صلى الله عليه وسلم: ((أى الإسلام
خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).
والدعوة إلى الوليمة تجمع الأمرين. السلام والطعام، والإجابة إليها تجمع الأمرين السلام والطعام،
وقد شرع الإسلام الدعوة إلى الطعام فى كل وقت بصفة عامة، وزادها تأكيدا فى مناسبات خاصة،
وجعلها أساسا من أسس إشهار النكاح وإعلانه، فكانت وليمة العرس، ومن بعدها وليمة الولادة
((العقيقة))، وإطعام بمناسبة الختان، وإطعام عند إتمام البناء، وإطعام عند القدوم من السفر، وإطعام
عند فرح وسرور ونعمة كبرى، وإطعام عند المصيبة، ومأدبات فى أوقات مختلفة دون مناسبة، وأمر
الشارع من يدعى إلى ضيافة من هذه الضيافات أن يجيب، وليعلم أن ما بعث الداعى إلى الدعوة
إلاصدق المحبة، والسرور بحضور المدعو، والتحبب إليه بالمؤاكلة، وإقامة الطعام كعهد أمان بينهما،
وقد يتبرك به أهل الطعام وقد يتجملون وينتفعون بحضوره، من هنا قال صلى الله عليه وسلم ((من لم
يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) ولما كان الإسلام دين التواصل حرص على أن يكون بين أفراد
الأمة بصرف النظر عن غنيها وفقيرها، فحذر من قصر الولائم على الأغنياء فقال صلى الله عليه وسلم
((بئس الطعام طعام الوليمة [أى التى] يدعى إليه الأغنياء، ويترك المساكين)) يمنعها من يأتيها))
ويرغبها ((ويدعى إليها من يأباها)) ولا يرغبها.
المباحث العربية
(إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها) قال النووى: قال العلماء من أهل اللغة والفقهاء
وغيرهم: الوليمة الطعام المتخذ للعرس، مشتقة من الولم، وهو الجمع، لأن الزوجين يجتمعان. قاله
الأزهرى وغيره، وقال الأنبارى: أصلها تمام الشىء واجتماعه، والفعل منها أولم. وقال النووى: قال
أصحابنا وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع: ((الوليمة)) للعرس بإسكان الراء وضمها، لغتان
مشهورتان. ((والخرس)) بضم الخاء، وبالسين، ويقال بالصاد للولادة، ((الإعذار)) بكسر الهمزة وبالعين
والذال، للختان، و((الوكيرة)) للبناء، ((والنقيعة)) للقدوم من سفر، مأخوذة من النقع، وهو الغبار، ثم قيل:
إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره له، و((العقيقة)) يوم سابع الولادة، و((الوضيمة)) بفتح
الواو، وكسر الضاء - الطعام عند المصيبة، و((المأدبة)) بضم الدال وفتحها، الطعام المتخذ ضيافة
بلاسبب. اهـ وبعض اللغويين يطلق الوليمة على طعام العرس وغيره، وقال الشافعى: تقع الوليمة على
كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أوختان أو غيرهما. وظاهر الروايات إجابة الدعوة إلى جميع
الضيافات، ففى الرواية الرابعة والسابعة ((ائتوا الدعوة إذا دعيتم)) وفى الخامسة ((إذا دعا أحدكم
٥٦٨
أخاه فليجب، عرسا كان أو نحوه)» وفى السادسة ((من دعى إلى عرس أو نحوه فليجب)) وفى الثامنة
((وكان ابن عمر يأتى الدعوة فى العرس وغير العرس)) وفى التاسعة ((إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا))
والكراع بضم الكاف مستدق الساق، العارى عن اللحم، مثل يضرب للعظم الخالى من اللحم. وفى
العاشرة ((إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم)) بفتح الطاء وكسر العين، أى أكل أو
شرب، فأصل الطعام تذوق الطعم، يطلق على المأكول والمشروب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].
(فإن كان صائما فليصل) فسرها بعض الرواة بالدعاء، فقال ((والصلاة الدعاء)) ويؤيده ما
جاء أن أبى بن كعب لما حضر الوليمة وهو صائم أثنى ودعا، وعند أبى عوانة)) أن ابن عمر كان إذا
دعى وهو صائم دعالهم وبرك، ثم انصرف)) وحمله بعض الشراح على ظاهره، فقال: إن كان صائما
فليشتغل بالصلاة، ليحصل له فضلها، ويحصل للحاضرين وأهل المنزل بركتها. قال الحافظ ابن
حجر: وفيه نظر لعموم قوله ((لا صلاة بحضرة طعام)) لكن يمكن تخصيصه: بغير الصائم.
(يمنعها من يأتيها) أى من يرغب فى إتيانها، ومن يحتاجها من الفقراء.
(ويدعى إليها من يأباها) أى من لا يحتاجها، ويرغب فى أن يأباها، ويمتنع ويترفع عنها، وفى
رواية ((شر الطعام طعام الوليمة، يدعى الغنى، ويترك المسكين)» وهذه الجملة قيد للوليمة. والظاهر أنه
للاحتراز، أى هى شر الطعام فى هذه الحالة، وليست شر الطعام دائماً.
فقة الحديث
قال النووى: فى الحديث الأمر بحضور الوليمة، ولاخلاف فى أنه مأمور به، ولكن هل هو أمر
إيجاب؟ أو ندب؟ فيه خلاف فى مذهبنا. الأصح أنه فرض عين على كل من دعى، لكن يسقط بأعذار.
الثانى أنه فرض كفاية. الثالث أنه مندوب. هذا مذهبنا فى وليمة العرس.
وأما غيرها ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما أنه كوليمة العرس، والثانى أن الإجابة إليها ندب
وإن كانت فى العرس واجبة. ونقل القاضى عياض اتفاق العلماء على وجوب الإجابة فى وليمة
العرس. قال: واختلفوا فيما سواها، فقال مالك والجمهور: لاتجب الإجابة إليها، وقال أهل الظاهر:
تجب الإجابة لكل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف.
وقال الحافظ ابن حجر: جزم بعدم الوجوب فى غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة
وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسى منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعى: إتيان دعوة الوليمة حق،
والوليمة التى تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعى إليها وليمة، فلا أرخص لأحد فى تركها، ولو تركها
لم يتبين لى أنه عاص فى تركها، كما تبين لى فى وليمة العرس.
قال النووى: أما الأعذار التى يسقط بها وجوب إجابة الدعوة أو ندبها فمنها: أن يكون فى الطعام
٥٦٩
شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه
لخوف شره، أو لطمع فى جاهه، أو ليعاونه على باطل، وأن لايكون هناك منكر من خمر أو لهو أو فرش
حرير، وصور حيوان غير مفروشة، أو آنية ذهب أو فضة، فكل هذه أعذار فى ترك الإجابة، ومن الأعذار
أن يعتذر إلى الداعى فيتركه، ولو دعاه ذمى لم تجب إجابته على الأصح، ولو كانت الدعوة ثلاثة أيام
فالأول تجب الإجابة فيه، والثانى تستحب، والثالث تكره.
ويؤخذ من الحديث
١- قد يحتج بقوله ((إذا دعى أحدكم إلى وليمة عرس فليجب)) روايتنا الثالثة والسادسة من يخص
وجوب الإجابة بوليمة العرس، ويتعلق الآخرون بالروايات المطلقة، روايتنا الرابعة والخامسة
والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة، ويحملون ذكر ((العرس)) على أنه الغالب،
وليس للاحتراز، أو أن النص على أمر لا يمنع غيره.
٢- ومن قوله ((وإن كان مفطرا فليطعم)) فى الرواية الحادية عشرة اعتمد من أوجب الأكل، وعلى قوله
((فإن شاء طعم وإن شاء ترك)) فى الرواية العاشرة اعتمد من لا يوجب الأكل ففيها التصريح
بالتخيير، وحمله من أوجب على الصائم وحمله من لا يوجب الأكل حمل الأمر بالأكل على
الندب. وإذا قيل بوجوب الأكل فأقله لقمة، ولا تلزمه الزيادة. قال النووي: صرح باللقمة جماعة
من أصحابنا، لأنه قد يتخيل صاحب الطعام أن امتناعه لشبهة يعتقدها فى الطعام، فإذا أكل
لقمة زال ذلك التخيل.
ثم قال: أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومه فرضا لم يجز له الأكل،
لأن الفرض لايجوز الخروج منه، وإن كان نفلا جاز الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب
الطعام صومه فالأفضل الفطر، وإلا فالإتمام للصوم، وأطلق بعضهم استحباب الفطر على رأى من
يجوز الخروج من صوم النفل، ويؤيده ما أخرجه الطيالسى والطبرانى فى الأوسط عن أبى سعيد
قال: ((دعا رجل إلى طعام، فقال رجل: إنى صائم. فقال النبى ®: دعاكم أخوكم وتكلف لكم.
أفطر وصم يوما مكانه إن شئت)).
٣- ومن قوله ((وكان ابن عمر يأتيها وهو صائم)) فى الرواية الثامنة أن الصوم ليس بعذر لعدم الإجابة.
قال النووى: وكذا قال أصحابنا، قالوا: إذا دعى وهو صائم لزمه الإجابة، كما يلزم المفطر،
ويحصل المقصود بحضوره، وإن لم يأكل، فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجملون
به، وقد ينتفعون بدعائه، أو بإشارته أو يتصانون عما لا يتصانون عنه فى غيبته.
٤- ومن قوله ((بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء، ويترك المساكين» فى الرواية الثالثة
عشرة والثامنة عشرة والرابعة عشرة ذم هذه الفعلة والتحذير منها.
٥ - ومن قوله ((شر الطعام)) إلخ أخذ بعضهم أن دعوة الأغنياء دون الفقراء عذر فى عدم الحضور، ولهذا
قال ابن مسعود: ((إذا خص الغنى وترك الفقير أمرنا أن لا نجيب)) قال ابن بطال: إذا ميز
الداعى بين الأغنياء والفقراء فأطعم كلا على حدة لم يكن به بأس، وقد فعله ابن عمر.
٥٧٠
٦- استدل بعضهم على وجوب إجابة الدعوة بقوله ((ومن لم يجب الدعوه فقد عصى الله ورسوله)) فى
الرواية الثامنة عشرة والرابعة عشرة.
٧- وفى الحديث الحضُّ على المواصلة والتحاب والتآلف بإجابة الداعى وقبول الهدية، قال المهلب:
لا يبعث على الدعوة إلى الطعام إلا صدق المحبة، وسرور الداعى بأكل المدعو من طعامه،
والتحبب إليه بالمؤاكلة وتوكيد العهود بها.اهـ. وهذا هو الغالب عند أهل الحق والصلاح.
والله أعلم
٥٧١
(٣٧٧) باب لاتحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها
حتى تنكح زوجا غيره
٣١٢٥ - ١١١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْها (١١) قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ
فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ. فَطَلَّقَنِي قَبَتَّ طَلَاقِي. فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ. وَإِنَّ مَا مَعَةُ
مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ. فَقَالَ: «أَتْرِيِدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةً؟ لا. حَتَّى
تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ: وَأَبُوبَكْرٍ عِنْدَهُ. وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَدُ لَهُ.
فَنَادَى: يَا أَا بَكْرٍا أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾.
٣١٢٦ - ١١٢ عَنْ عَائِشَةَ رضى اللَّه عنها(١١٢) زَوْجِ: النّبِيِّ ◌َ، أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلْقَ
امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاَقَهَا. فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ. فَجَاءَتِ النَّبِيَّ وَّ فَقَالَتْ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةَ. فَطَلْقَهَا آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ. فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ
الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ. وَإِنَّهُ، وَاللَّهِ! مَا مَعَهُ إِلا مِثْلُ الْهُدْبَةِ. وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا. قَالَ:
فَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِوَ ضَّاحِكًا. فَقَالَ «َعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ. لا. حَتْى يَذُوقَ
◌ُسَيْلَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَهُ». وَأَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ. وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ
ابْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ بِبَّابِ الْحُجْرَةِ لَمْ يُؤْذَدْ لَهُ. قَالَ: فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَّادِي أَبَا بَكْرٍ: أَلا تَرْجُرُ هَذِهِ
عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِوَمِ.
٣١٢٧ -١١٣ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْها(١١٣): أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَضِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ
فَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ. فَجَاءَتِ النَّبِيَّلَ﴿ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ رِفَاعَةَ طَلْقَهَا
آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِقَاتٍ. بِمِثْلِ الْحَدِيثِ السابق.
٣١٢٨ - ١١٤ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْها(١١٤): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا
الرَّجُلُ، فَيُطَلْقُهَا، فَتَتَزَوَّجُ رَجُلاً، فَيُطْلَّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الأَوَّلِ؟ قَالَ «لا.
حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَهَا».
(١١١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّقِدُ وَاللَّفْظُ لِعَمْرِو قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً
(١١٢) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَخْبَى وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ حَدَّثَنَا وَقَالَ حَرْمَلَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ
(١١٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةً
(١١٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
- حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شَيْئَةً حَدَّثْنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حِ وَحَدَّثَنَا أَبُوَّ كُرَيْبَ حَدََّا أَبُو مُعَاوِيَةَ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٥٧٢
٣١٢٩- ١١٥ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْها(١١٥) قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا. فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ
ثُمَّ طَلّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. فَسُئِلَ رَسُولُ اللّهِ:﴿ْ عَنْ
ذَلِكَ. فَقَالَ «لا. حَتَّى يَذُوقَ الآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا، مَا ذَاقَ الأَوَّلُ».
المعنى العام
شرع الله الطلاق عند تعذر دوام العشرة حسما الضرر والضرار، وحلالعقدة النكاح إذا لم يحقق
النكاح أهدافه، واقتضت الحكمة الإلهية تقدير ظروف الغضب البشرى، والانفعال الطبعى، والعجلة
الإنسانية فقال: ﴿الطِّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَان﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فأعطى الزوج
حق المراجعة فى العدة بعد الطلقةَ الأولى والثانية، فإن طَلِق الثالثة ﴿فَلا تَحِلُّلَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ
رَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. هذا عقاب للزوج الأول على عدم ضبطه لنفسه، وعدم كظمه لغضبه، وهو
فى الوقت نفسه عقاب للزوجة التى لم تقدر النعمة وتمردت على العشرة، وأساءت التبعل، وبخاصة
إذا كان الزوج الأول قائما بواجباتها، وكانت تجربة الزوج الثانى فاشلة كما فى قصتنا، تحاول
التخلص من الزوج الثانى، وأنى لها ذلك؟ وتحاول الرجوع إلى الأول، وقد يكون الأوان قد فات،
والصيف ضيعت اللبن كما هو المثل. وقد تكون الفرصة مازالت قائمة لكنها لا تملك التخلص، تجرى
هنا وهناك، وتخدش قناع الحياء، وتميط اللثام عن أسرار لا يليق كشفها، وما كان أغناها عن كل
ذلك لو حافظت على حقوق بعلها، وما كان أغنى زوجها الأول عن أن يسلم زوجته إلى زوج آخر، ثم
يجرى وراءها، وينتظر طلاقها منه، لتعود إليه بعد أن تذوق عسيلة الآخر، ما كان أغناه عن كل ذلك لو
تحمل اعوجاج زوجته، وعايشها برفق وإحسان، واستوصى بها خيرا.
المباحث العربية
(جاءت امرأة رفاعة إلى النبى ◌َ) وصفها بامرأة رفاعة حين مجيئها أو حين تحديث
عائشة باعتبار ما كان، وهذه المرأة اسمها تميمة بنت وهب، وعن قتادة أن اسمها تميمة بنت أبى
عبيد القرية، من بنى قريظة. قال الحافظ ابن حجر: ولاتنافى فلعل اسم أبيها وهب، وكنيته أبو
عبيد. أما «رفاعة)) فهو ابن سموأل - بفتح السين والميم وسكون الواو وفتح الهمزة، منسوب إلى بنى
قريظة. وفى فتح البارى قصة أخرى مشابهة.
(فطلقنى، فبت طلاقى) ((البت)) بفتح الباء وتشديد التاء القطع، والمراد هنا به قطع
(١١٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدََّا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةٌ
- وحَدَّثْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَّيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِيَ حٍ وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَّا يَخْتَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ جَمِيعًا عَنْ غَيْدٍ
اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَفِي حَدِيثَ يَحْتِى عَنْ عُبَّيْدِ اللَّهِ حَذََّنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةً
٥٧٣
العصمة، وهو أعم من أن يكون بالثلاث مجموعة، أو بوقوع الثالثة التى هى آخر ثلاث تطليقات،
والظاهر الثانى، فمعنى الرواية الثانية ((فطلقها آخر ثلاث تطليقات)).
(فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاى وكسر الباء، قال النووى: بلا خلاف، وهو
الزبير بن باطاء ويقال: باطياء، وكان عبد الرحمن هذا صحابيا، وكان أبوه الزبير يهوديا، قتل فى
غزوة بنى قريظة. وهذا الذى ذكرناه من أن عبد الرحمن بن الزبيربن باطاء القرظى هو الذى تزوج
امرأة رفاعة القرظى هو الذى ذكره أبو عمر بن عبد البر والمحققون، قال ابن مناة وأبو نعيم
الأصبهانى فى كتابيهما فى معرفة الصحابة إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية ابن زيد
ابن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس. والصواب الأول .اهـ
(وإن ما معه مثل هدية الثوب) ((ما)» موصولة، ويحتمل وصلها بإن لتكون كافة ومكفوفة،
أداة قصر، وتكتب هكذا ((إنما)) و((هدبة الثوب)) بضم الهاء وإسكان الدال طرفه الذى لم ينسج،
شبهوه بهدب العين، وهو شعر جفنها، أرادت أن ذكره يشبه الهدبة فى الاسترخاء، وعدم الانتشار،
وفى الرواية الثانية)) وإنه والله مامعه إلا مثل الهدبة)) و((ما)) هنا نافية. ((وأخذت بهدبة من جلبابها))
وفى رواية للبخارى ((ولم يكن معه إلا مثل الهدبة، فلم يقربنى إلا هنة واحدة)»- «هنة)) بفتح الهاء
والنون مخففة، أى لمسة خفيفة، وفى رواية ((وسمع زوجها، فجاء ومعه ابنان له من غيرها قالت:
واللَّه مالى إليه من ذنب إلا أن مامعه ليس بأغنى عنى من هذه -وأخذت هدية من ثوبها- فقال:
كذَبَتْ والله يارسول الله، إنى لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشرة، تريد رفاعة. قال صلى الله عليه
وسلم: إن كان ذلك لم تحل له ».
(فتبسم رسول اللَّه ﴿) تعجبا منها، إما لتصريحها بما يستحى النساء من التصريح به غالبا،
وإما لضعف عقل النساء، لكون الحامل لها على ذلك شدة بغضها للزوج الثانى، وشدة حبها للزوج
الأول، ورغبتها فى الرجوع إليه.
وفى الرواية الثانية ((فتبسم رسول اللَّه{ { ضاحكا)) فضاحكا حال، أى شارعا فى الضحك، أعنى
تجاوز حد التبسم إلى الضحك، وقيل: هو حال مؤكدة، على أساس أن التبسم والضحك بمعنى، لكن
المعروف وجود فرق بينهما، قال الحافظ ابن حجر: التبسم مبادئ الضحك من غير صوت، والضحك
انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوت خفى، فإن كان فيه صوت يُسمع من بعيد
فهو القهقهة، وقال الألوسى: كأن من ذهب إلى اتحاد التبسم والضحك خص ذلك بما كان من
الأنبياء عليهم السلام، فإن ضحكهم تبسم .
(أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا) جواب مختصر، ووقع كاملا فى رواية للبخارى يلفظ
((لا تحلين لزوجك الأول)).
(حتى تذوقى عسيلته) بضم العين وفتح السين، تصغير عسله، مؤنث ((عسل)
٥٧٤
والعرب إذا حقرت شيئا أدخلت عليه هاء التأنيث، والمراد ذوق حلاوة الجماع الذى يحصل
بتغييب الحشفة فى الفرج.
(وأبو بكر عنده) فى الرواية الثانية ((وأبو بكر الصديق جالس عند رسول اللَّهِ،فَ﴿)) أى يسمع
كلام المرأة.
(وخالد بالباب ينتظر أن يؤذن له) فى الرواية الثانية ((وخالد بن سعيد بن العاصى جالس
بباب الحجرة، لم يؤذن له)) فالرسول # وأبو بكر وعائشة والمرأة فى داخل الحجرة، وخالد خارج
الحجرة، قالت ذلك عائشة تبريراً لعدم تدخل خالد، وعدم مباشرته نهى المرأة بنفسه، فطلب ذلك من
أبی بکر.
(ألا تسمع هذه؟ ماتجهر به عند رسول اللّه ◌َ﴿؟) ((ماتجهر به)) بدل من ((هذه)) أى
ألاتسمع ما تجهر به هذه؟ وفى الرواية الثانية ((ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول اللّه مح ﴿)»؟ وفى
رواية الداودى ((تهجر)) بدل ((تجهر)) والهجر بضم الهاء الفحش من القول. قال الحافظ ابن حجر:
والمعنى عليه، لكن الثابت فى الروايات ((تجهر)».
فقة الحديث
كان المناسب لهذا الحديث أن يؤخر إلى كتاب الطلاق، كما فعل البخارى ولعل
الإمام مسلما رحمه الله تعالى لاحظ الشق الثانى من الحديث. فالشق الأول الطلاق
الثلاث وحكمه، والشق الثانى نكاح من تزوجت زوجا غير زوجها الأول الذى طلقها بثلاث
فلم يمسها الثانى فوضعه فى كتاب النكاح.
ويؤخذ من الحديث
١- قال النووي: إن المطلقة ثلاثا لاتحل لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، ويطأها، ثم يفارقها، وتنقضى
عدتها، فأما مجرد عقده عليها فلا يبيحها للأول، وبه قال جميع العلماء من الصحابة والتابعين
فمن بعدهم، وانفرد سعيد بن المسيب فقال: إذا عقد الثانى عليها، ثم فارقها حلت للأول،
ولا يشترط وطء الثانى، لقول الله تعالى ﴿حَتَّى تَنكِحَ رَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والنكاح حقيقة فى العقد على
الصحيح، وأجاب الجمهور بأن هذا الحديث مخصص لعموم الآية، ومبين للمراد بها، قال العلماء:
ولعل سعيدا لم يبلغه هذا الحديث. قال القاضى عياض: لم يقل أحد بقول سعيد فى هذا إلا طائفة
من الخوارج.
٢- ومن التعبير بذوق العسيلة، وتفسيرها بلذة الجماع استدل العلماء بأنه يكفى تغييب الحشفة فى
قبلها، من غير إنزال المنى، وشذ الحسن البصرى، فشرط إنزال المنى، وجعله حقيقة العسيلة،
وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة الذين قالوا: يكفى من ذلك ما يوجب الحد، ويحصن الشخص،
ويوجب كمال الصداق، ويفسد الحج والصوم.
٥٧٥
٣ - استدل بعضهم بقولها ((مثل هدية الثوب)) على أن وطء الزوج الثانى لايكون محللا الارتجاع إلى
الزوج الأول للمرأة إلا إن كان حال وطئه منتشرا، فلو كان ذكره أشل، أو كان هو عنينا، أو طفلا لم
يكف، وهذا هو الأصح عند الشافعية وعند كثير من العلماء.
٤- واستدل بقوله ((حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك)) على اشتراط وجود الذوق واللذة من كل
منهما حتى لو وطئها نائمة، أو مغمى عليها لم يكف، ولو أنزل هو، وبالغ ابن المنذر، فنقله عن
جميع الفقهاء، وتعقب، فهناك من يخالف فى ذلك .
٥- استدل به على أن المرأة لاحق لها فى الجماع، لأن هذه المرأة شكت أن زوجها لايطؤها، وأن ذكره
لاينتشر، وأنه ليس معه ما يغنى عنها، ولم يفسخ النبى 8# نكاحها بذلك ومن هنا قال بعضهم:
لا يفسخ بالعنة، ولا يضرب للعنين أجل، وقال ابن المنذر: اختلفوا فى المرأة تطالب الرجل
بالجماع، فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرة واحدة لم يؤجل أجل العنين، وهو قول
الأوزاعى والثورى وأبى حنيفة ومالك والشافعى وإسحق، وقال أبوثور: إن ترك جماعها لعلة أجل
له سنة، وإن كان لغير علة فلا تأجيل، وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أن للمرأة حقا فى
الجماع، فيثبت الخيار لها إذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعنين أجل
سنة، لاحتمال زوال ما به.
٦- واستدل بالحديث على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا حصل الجماع من الثانى، لكن شرط
المالكية أن لايكون فى ذلك مخادعة من الزوج الثانى، ولا إرادة تحليلها للأول، وقال الأكثرون: إن
شرط ذلك فى العقد فسد، وإلا فلا، واتفقوا على أنه إذا كان فى نكاح فاسد لم يحلل، واختلفوا
فيما إذا وطئها حائضا، أو أحدهما صائم، أو مُحْرِم.
٧- استدل بالحديث على أن السنة مبينة للقرآن، وقد نقل ابن العربى عن بعضهم أنه أورد على
حديث الباب ما ملخصه أنه يلزم من القول به إما الزيادة على ما فى القرآن بخبر الواحد، فيلزم
نسخ القرآن بالسنة غير المتواترة، أوحمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، مع مافيه من
الإلباس. قال الحافظ ابن حجر: والجواب عن الأول أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لم
تكن إضافته نسخا، ولا زيادة، وعن الثانى أن النكاح فى الآية أضيف إليها، وهى لاتتولى العقد
بمجردها، فتعين أن المراد فى حقها الوطء، ومن شرطه اتفاقا أن يكون وطأ مباحا، فيحتاج إلى
سبق العقد.
٨- ومن موقف خالد ما كان عليه الصحابة من سلوك الأدب بحضرة النبى صل*
٩- وإنكارهم على من خالف ذلك بفعله أو قوله، ولو بحضرة النبى { *.
١٠- ومن ابتسامه صلى الله عليه وسلم وعدم إنكاره على المرأة لتصريحها بما يستحى من التصريح
به جواز وقوع مثل ذلك من النساء.
١١ - استدل بعضهم بكلام خالد على جواز الشهادة على الصوت.
٥٧٦
١٢ - وجواز طلب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من الغير إذا كانت المباشرة بالنفس عسيرة، أو
في الغير ميزة القبول وأمل الاستجابة لقرب أو عظم.
١٣ - واستدل بذوق العسيلة أن الحكم يتعلق بأقل ما يطلق عليه الاسم، فصدق نكاحها غير زوجها
الأول على ذوق العسيلة ولو لحظة.
واعترض بعضهم على قوله)) حتى تذوقى عسيلته)) مع قولها: ((مامعه إلا مثل الهدبة ((فكأنه علق
الأمر على مستحيل، وأجيب بأنه علقه على ممكن جائز الوقوع، فقد يتقوى الضعيف، وكأنه قال
لها: اصبرى حتى يتأتى منه ذلك. وإن تفارقا دون أن يتأتى المطلوب لزمها قبل الرجوع إلى
زوجها الأول الزواج من آخر، يحصل لها منه ذلك.
والله أعلم
٥٧٧
(٣٧٨) باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع
٣١٣٠ - ١١٦ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(١١٦)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ ﴿ِ «لَوْ أَنَّ
أَحَدَهُمْ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ. اللَّهُمَّا جَنِبْنَا الشَّيْطَانَ. وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا
رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا».
٣١٣١ - - وَفِي رِوَايَةٍ كالسابق وليس فيها ذِكْرُ «بِاسْمِ اللَّهِ». وَفِي رِوَايَةٍ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ
الثَّوْرِيِّ «بِاسْمِ اللَّهِ». وَفِي رِوَايَةِ ابْنٍ نُمَيْرٍ قَالَ مَنْصُورٌ «أُرَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ».
المعنى العام
معركة الإنسان بينه وبين الشيطان فى هذه الحياة بدأت منذ خلق آدم عليه السلام، ومنذ وسوس
إليه الشيطان لينسيه ذكر ربه، ومنذ توعد إبليس ذرية آدم بالإغواء، والإبعاد عن ذكر الله، واستخدام
الشيطان من وسائل الشهوات، شهوة البطن، وشهوة الفرج، ففيهما تضعيف الروحانية، وتطغى وتعلو
المادية الشهوانية الحيوانية، فكانت اللفتة الإسلامية للمؤمن، أن يصحو لعدوه وأن يأخذ حذره منه،
وأن يستعين باللّه على شيطانه، وأن يدعوربه أن يبارك له فى شهوته، وأن يبارك فى ثمرتها، وأن
يحميه ويحمى نتاجه من الشيطان الرجيم، وقد وعدنا اللَّه تعالى على لسان نبيه أن يجيب دعاء
الداعى، وأن يحفظ النطفة والمولود المحصن بهذا الدعاء من الشيطان وشباكه ومكايده وأضراره.
ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
المباحث العربية
(لوأن أحدهم إذا أراد أن يأتى أهله قال:) يقال: أتى أهله أى جامع زوجته، وفى رواية
للبخارى ((أما أن أحدكم لو يقول حين يجامع أهله)) وفى رواية ((أما لو أن أحدهم يقول حين يأتى
أهله)) وفى رواية ((لو أن أحدهم إذا جامع امرأته ذكر الله)) فبعض الروايات تطلب ذكر اللَّه قبل
الجماع وحين إرادته، وقبل الشروع فيه، وبعضها تطلبه حين الجماع، أى وقت المباشرة، وسنعرض
الرأيين فى فقه الحديث.
(بسم اللَّه. اللَّهم جنبنا الشيطان) فى رواية للبخارى ((ذكر اللَّه ثم قال اللَّهم
جنبنى)) بالإفراد.
(١١٦) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى قَالا أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرِيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
- وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح وَحَدَّثْنَا ابْنُ نُمِّيْرِ حَدَّثَنَا أَبِي حَ وَحَدَّقًَّا
عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ أَخْرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا عَنِ الثَّوْرِيِّ كِلاهُمَا عَنْ مُنْصُورٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ غَيْرَ أَنَّ شُعْبَةَ لَيْسََ فِي حَدِيثِهِ
٥٧٨
(فإنه إن يقدر بينهما ولد فى ذلك) أى فى ذلك الوقت، أو فى ذلك الوقاع وفى ذلك الجماع،
أو فى ذلك الحال.
(لم يضره شيطان أبداً) بتنكير ((شيطان)) وفى رواية ((لم يسلط عليه الشيطان، أو لم يضره
الشيطان)) فاللام للعهد، والمعهود الشيطان المذكور فى دعائه ((اللهم جنبنا الشيطان)) وسيأتى فى
فقه الحديث تفصيل الضرر المنفى.
فقه الحديث
قال النووي: قال القاضى: معنى ((لايضره شيطان)) أى لا يصرعه، وقيل: لايطعنه عند ولادته،
بخلاف غيره، قال: ولم يحمله أحد على العموم فى جميع الضرر والوسوسة والإغواء.
وقال الحافظ ابن حجر: واختلف فى الضرر المنفى، بعد الاتفاق على مانقل عياض على عدم
الحمل على العموم فى أنواع الضرر، وإن كانت صيغة النفى مع التأبيد ظاهره فى الحمل على عموم
الأحوال، لكن هذا الظاهر غير مراد باتفاق. ثم اختلفوا. فقيل: لايطعنه عند ولادته، فإن هذا الطعن نوع
ضرر فى الجملة، وقد روى البخارى ((كل بنى آدم يطعن الشيطان فى جنبيه بإصبعيه حين يولد غير
عيسى ابن مريم» كذا قال الحافظ ولعله يريد: فإن هذا الطعن يؤثر ضررا مستقبلا يحمى اللّه منه
بذكر الله عند الجماع الذى كان منه. وقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من
جملة العباد الذين قال اللَّه فيهم ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. أقول: وبركة
الذكر على هذا مرتبطة بإخلاص الذاكر وأهليته للقبول والبركة، وقيل: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر،
وليس المراد عصمته من المعصية، وقيل: لم يصرعه ولم يصبه بالخبل، وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه
فى جماع أمه. قال الحافظ: ولعل هذا أقرب الأجوبة.اهـ أما متى يقول هذا الذكر؟ وهذا الدعاء؟
فمذهب الجمهور أن يقوله فى مقدمات المباشرة، كتشمير ثيابه، ومداعباته وتهيئه وقبل الإيلاج،
وأجاز مالك أن يقوله عند المباشرة، بل فى أثنائها. ومن نسى يذكر الله، ويدعو بقلبه دون لسانه عند
الجمهور.
ويؤخذ من الحديث
١- استحباب التسمية والدعاء عند كل عمل، والمحافظة على ذلك، حتى فى حالة الملاذ كالوقاع.
٢ - الاعتصام بذكر اللَّه، ودعاء اللَّه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من كل سوء.
٣- الحث على أن يستحضر المؤمن أن الميسر لأى عمل، والمعين عليه هو الله تعالى.
٤- أن الشيطان ملازم لابن آدم، لا ينطرد عنه إلا بذكر اللَّه تعالى.
٥- فيه رد على من منع المحدث من ذكر الله.
والله أعلم
٥٧٩
(٣٧٩) باب جماع امرأته في قبلها من خلفها
٣١٣٢ - ١١٧ عَنْ جَابِ رَّه(١١٧) قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، مِنْ
دُبُرِهَا، فِي قُبْلِهَا، كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ. فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنِّى شِنْتُمْ﴾.
٣١٣٣ - ١١٨ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضى اللَّه عنهمًا (١١٨)؛ أَنَّ يَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا أُبِيَتِ
الْمَرْأَةُ، مِنْ دُبُرِهَا، فِي قُبْلِهَا، ثُمَّ حَمَلَتْ كَانَ وَلَدُهَا أَحْوَلَ. قَالَ: فَأْزِلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ
لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِنْتُمْ﴾.
٣١٣٤ - ١٩ وَفِي رِوَايَةٍ(١١٩): «إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِنْ شَاءً غَيْرَ مُجَبَِّةٍ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي
صِمَامٍ وَاحِدٍ».
المعنى العام
جعل الله المرأة سكنا لزوجها، ومتعة شهوته، وزين له حبها، وأباح الاستمتاع بخفيات جسدها،
فهى تشبه الأرض يحرثها الفلاح، فيضع فيها البذرة لتنبت، وإذا كان الفلاح لايلزم بطريقة معينة
فى حرث الأرض وشقها فكذلك الزوج لا يجب أن يلتزم طريقة معينة فى قضاء شهوته مع زوجته، بل
كيف شاء، قائمة أو راكعة أوساجدة أو نائمة على ظهرها أو على وجهها من أمامها أو من خلفها على
أن يكون الإيلاج فى قبلها، وأن يتجنب الدبر، ولقد كانت اليهود تعتقد خطأ أن الزوج إذا أتى زوجته
فى قبلها من خلفها فحملت جاء ولدها أحول، فبين اللَّه خطأ هذه العقيدة بقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ
حَرْثٌ لَكُمْ فَأُتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
المباحث العربية
(كانت اليهود تقول) أى كان بعض اليهوديعتقدون ويقولون كذا، فكذبهم الله تعالى.
وفى الرواية الثانية ((أن يهود كانت تقول)) قال النووي: هكذا هو فى النسخ ((يهود)» غير مصروف،
لأن المراد قبيلة اليهود. فامتنع صرفه للتأنيث والعلمية.
(١١٧) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ قَالُوا حَدَّقْنَا سُفْتَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكْدِرِ سَمِعَ
جَابرًا يقولُ
(١١٨) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَخْرِنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ
(١١٩) وَحَدََّاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَالَةً حِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَبِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَيُوبِ ح
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ حَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ
حٍ وحّدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبَّدِ اللَّهِ وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِيّ قَالَ سَمِعْتُ
النَّعْمَانِ ابْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُّ مَعْبَدٍ خَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ وَّهُوَ ابْنُ الْمُخْتَارِ
عَنْ سُهَيْلِ ابْنِ أَيِي صَالِحٍ كُلُّ هَؤُلاءٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ فِي حَدِيثِ النَّعْمَانِ عَنْ الزُّهْرِيِّ
٥٨٠