النص المفهرس
صفحات 521-540
ومنها ما لا يوفى به اتفاقا، كسؤال طلاق أختها.
ومنها ما اختلف فيه، كاشتراط أن لا يتزوج عليها، أو لا ينقلها من منزلها.
وعند الشافعية: الشروط فى النكاح على ضربين: منها ما يرجع إلى الصداق، فيجب الوفاء به،
ومنها ما يكون خارجا عنه فيختلف الحكم فيه، فإن كانت هذه الشروط لا تنافى مقتضى النكاح، بل
تكون من مقتضياته ومقاصده، فيجب الوفاء بها، كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق، والكسوة،
والسكنى، وألا يقصر فى شىء من حقها، من قسمة ونحوها، وكشرطه عليها ألا تخرج إلا بإذنه، ولا
تمنعه نفسها، ولا تتصرف فى متاعه إلا برضاه ونحو ذلك.
وإن كانت هذه الشروط تنافى مقتضى النكاح، كأن لا يقسم لها، أو لا يتزوج عليها، أو لا ينفق
عليها، أو نحو ذلك، فلا يجب الوفاء بها، بل إن وقع فى صلب العقد لغا، وصح النكاح بمهر المثل إن
كان قد جعل المهر كله أو بعضه مقابلا لهذا الشرط، وفى قول: يجب المهر المسمى، ولا أثر للشرط.
وهو قول الليث والثورى والجمهور، حتى لوكان صداق مثلها مائة مثلا، فرضيت
بخمسين على ألا يخرجها فله إخراجها ولا يلزمه إلا المسمى، وقالت الحنفية: لها أن ترجع
عليه بما نقصته له من الصداق.
وحجتهم حديث ((كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل)) وحقوق الزوج إذا شرط عليه إسقاط
شىء منها كان شرطا ليس فى كتاب اللَّه فيبطل.
وحديث ((المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرم حلالاً)) وحديث ((المسلمون عند
شروطهم ما وافق الحق)».
وبهذا حكم على الخبه، واختلفت الروايات عن عمر له، فقد روى أن رجلا تزوج امرأة فشرط لها أن
لا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر، فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها.
وروى أنه قال فى هذه القضية: «لها شرطها، قال الرجل: هلك الرجال، إذن لا تشاء امرأة أن
تطلق زوجها إلا طلقت. فقال عمر: المؤمنون على شروطهم. إن مقاطع الحقوق عند الشروط، ولها ما
اشترطت)» وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقا.
ويتعلق بهذه القضية مسألة ما يشترطه الولى لنفسه من مال وغيره، يدفعه الزوج له، ويعرف فى
بعض البلاد بالحلوان، فقيل: هوحق للمرأة مطلقا، ولا حق فيه للولى، وهو قول عطاء وجماعة من
التابعين، وبه قال الثورى وأبو عبيد، وقيل: هو لمن شرطه. قاله مسروق وعلى بن الحسين، وقيل:
يختص ذلك بالأب، دون غيره من الأولياء.
وقال الشافعى: إن وقع فى نفس العقد وجب للمرأة مهر مثلها، وإن وقع خارجا عنه لم يجب،
وقال مالك: إن وقع فى حال العقد فهو من جملة المهر، وإن وقع خارجاً عنه فهو لمن وهب له.
والله أعلم
٥٢١
(٣٧٠) باب استئذان الثيب والبكر
فى النكاح وتزويج الأب البكر الصغيرة
٣٠٧٥ - ٢٦٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَ﴾(١٤): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ ﴿ قَالَ «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ.
وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ إِذْتُهَا؟ قَالَ «أَنْ تَسْكُتِ».
٣٠٧٦ - ٣٥ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا(٦٥) قَالَت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنِ الْجَارِيَةِ
يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا، أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِلَّ «نَعَمْ. تُسْتَأْمَرُ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ
لَهُ: فَإِنْهَا تَسْتَخْبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ «فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَعَتْ».
٣٠٧٧ - ٦ِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٢٦): أَنَّ النّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ
وَلِّهَا. وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَهُ فِي نَفْسِهَا. وَإِذْتُهَا صُمَاتُهَا؟» قَالَ: نَعَمْ.
٣٠٧٨ - ٦٣ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا (٦٧): أَنَّ النّبِيَّوَ قَالَ «النَّيْبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ
وَلِيِّهَا. وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ. وَإِذْهَا سُكُوتُهَا».
٣٠٧٩ - ٦٨ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٢٨): أَنَّ الِّبِيَّلَّ قَالَ: «الثَّيِّبُ
أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا. وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَرُبَّمَا
قَالَ «وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا».
(٤ ٦) حَدَّثْتِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِبِرِيُّ حَدََّا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنَا أَبُو سَلّمَةً
حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا الْحَجَّجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ح وحَدَّقِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنًا
عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ح وحَدَّثَنِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ حْ وِحَدَّثَنِي عَمْرٌو
النَّاقِدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرِ حِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبُرَنَا يَحْيَى بْنُ
حَسَّانَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِمِثْلٍ مَغْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ وَإِسْنَادِهِ وَاتَّفَقَ لَّفْظُ حَدِيثِ هِشَامٍ وَشَيْبَانَ
وَمُعَاوِيَّةَ بْنِ سَلَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
(٦٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حٍ وَحَدَّثَنَا ◌ِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ جَمِيعًا
عَنْ عَبْدِ الرََّّاقَ وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرُّؤَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَّيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِيَ مُلَيْكَةً يَقُولُ قَالَ ذَكْوَاهُ مَوْلَى
عَائِشَةَ سَمِعْتُ عَائِشَةٌ
(٦٦) حَذَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالا حَدَّثَا مَالِكٌ ح وحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ قُلْتُ لِمَالِكٍ حَدََّكَ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٦٧) وحَذَّثَنَا قُتِبَةُ بَنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنَ زِيَادٍ بَّنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ
(٦٨) وحَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثْنَا سُفْيَاهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٥٢٢
٣٠٨٠ - ٩ٍَّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا(٦٩) قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ْ لِسِتُّ سِنِينَ.
وَبَنَّى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعٍ سِنِينَ. قَالَتْ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَوُعِكْتُ شَهْرًا. فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةٌ.
فَأَتَنِي أُمُّ رُومَانَ، وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبِي. فَصَرَخَتْ بِي فَتْتُهَا. وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ
بِي. فَأَخَذَتْ بِيَدِي. فَأَوْقَفَسِي عَلَى الْبَابِ. فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ. حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِيٍ. فَأَدْخَلْنِي بَيْئًا
فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبُرَكَةِ. وَعَلَى خَيْرٍ طَائِرٍ. فَأَسْلَمَتِي إِلَيْهِنَّ. فَغَسَلْنَ
رَأْسِيٍ وَأَصْلَحْنَنِي. فَلَمْ يَرُغْنِي إِلا وَرَسُولُ اللَّهِوَرْ ضُحِّى. فَأَسْلَمْنِي إِلَيْهِ.
٣٠٨١ - ٣٠ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا (٧٠) قَالَتْ: تَزَوَّجْنِي النَّبِيَُّّ وَأَنَا بِنْتُ سِتٌ سِنِينَ.
وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعٍ سِنِينَ.
٣٠٨٢ - ١َ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧١) أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ ◌َوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ سِنِينَ.
وَزُقْتْ إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. وَلُعْبُهَا مَعَهَا. وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةً.
٣٠٨٣ - ٧٢ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْها (٧٢) قَالَتْ: تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِع ◌َلَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ.
وَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ. وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ.
المعنى العام
كانت المرأة قبل الإسلام تعامل معاملة الحيوان عند كثير من العرب، وكان البعض يستغلها فى
الفاحشة حتى نزل فيهم قوله تعالى ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَّا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣]. وكانت عند عامَة العرب تساق من بيت أبيها إلى بيت زوجها وقد لا
تدرى من هو؟ لاتستشار بشأنه، ولا تراه إلا وهى فى بيته، وحتى لورأته وعلمته ورفضته لا قيمة
لرفضها، ولا يعبأ باعتراضها، فكانت أمام هذه المعاملة لا تعترض وهي كارهة خشية العواقب، فقد
كان العضل والحبس والمنع من الزواج والضرب والإذلال أسلوب معاملة الأولياء للمرأة.
وجاء النور من الله على لسان محمد ليبدد الظلام الدامس الذى كانت تعيش فيه،
وهب نسيم الحرية لتستنشق هواء العزة والكرامة والشعور بالإنسانية والشخصية فى كل
(٦٩) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدََّا أَبُو أُسَامَةً ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أَسَامَةً
عَنْ هِشَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
(٧٠) وحَدَّثَنَا يُخْتَى بَنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَا عَبْدَةُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانُ عَنْ
هِشَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
(٧١) وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً
(٧٢) وحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْبَى وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ يَخْبَى وَإِسْحَقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَّدِ عَنْ عَائِشَةَ
٥٢٣
مناحى الحياة: فى العقيدة، والعبادة، والتعليم، والخروج، والميراث، والمشاركة فى شئون
الحياة، بل والتخطيط لمستقبل حياتها قبل خروجها من بيت أبيها إلى بيت زوجها، لتقول
كلمتها، وتبدى رأيها فى شريك حياتها، فلا تزوج البكر رجلا حتى تستأذن فى أمر زواجها
منه، إن أذنت نفذ، وإن لم تأذن لم ينفذ، ولا ينبغى أن يحول حياؤها الذى ورثته دون أخذ
رأيها، بل يعرض الأمر عليها، ويؤخذ بقرائن رضاها حين سكوتها، وبقرائن رفضها، أما
الثيب فلابد من نطقها وإعلان موافقتها قبل زواجها. نعم للأب أن يزوج ابنته الصغيرة
التى لا تدرك مصلحتها حين يتقدم لها كفء مشرف، كما زوج أبوبكر ابنته عائشة لرسول
اللَّهِ﴾، وحتى فى مثل هذه الحالة لم يسلبها الإسلام حريتها حين تدرك، وحين لا ترضى
بزوجها الذى اختاره لها أبوها، فحين اشتكت إحدى النساء ذلك لرسول اللَّه ◌َ لّ رد
نكاحها، فيا سعادة المرأة فى ظل الإسلام وتعاليمه، وياشقاءها حين تتمرد على شرائعه
وتطلب السعادة فى غيره.
المباحث العربية
(لا تنكح الأيم حتى تستأمر) ((لاتنكح)) ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم بالسكون، وحرك
بالكسر، للتخلص من التقاء الساكنين، أو ((لا)) نافية، والفعل مرفوع بالضمة، والخبر أبلغ من النهى
كما سبق مرارًا.
و(«الأيم)) بفتح الهمزة والياء المشددة المكسورة تطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرة أو كبيرة، بكرا
كانت أو ثيبا، باتفاق أهل اللغة، والأيمة بسكون الياء العزوبة، ويقال: رجل أيم، وامرأة أيم. واختلف
العلماء فى المراد بالأيم هنا شرعا، وسيأتى تفصيل أقوالهم.
ومعنى ((تستأمر)) أى يطلب أمرها، والمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، ولا يكفى أن
يطلب الأمر منها، بل المراد لا يعقد عليها إلا بعد أن تأمر بذلك.
(ولا تنكح البكر حتى تستأذن) أى حتى يطلب إذنها، والمراد حتى تأذن.
(وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت) ((أن تسكت)) مصدر، خبر مبتدأ محذوف، أى
إذنها سكوتها.
وفى الرواية الرابعة ((وإذنها سكوتها)) وفى الرواية الثانية ((قالت عائشة: فإنها
تستحى)) أى من أن تتكلم وتأذن ((فقال رسول الله ﴿ فذلك إذنها إذا هى سكتت)) أى
فاستحياؤها مع قرائن رضاها إذنها.
))إذا هى سكتت)) ولم يظهر منها أى قرينة على المعارضة وعدم الرضا، وفى الرواية الثالثة
((وإذنها صماتها)) والصمات بضم الصاد: السكوت، وفى رواية للبخارى ((رضاها صمتها)) وفى إحدى
الروايات ((سكاتها إذنها)) وفى روايتنا الخامسة ((وصمتها إقرارها)).
٤ ٥٢
(سألت رسول اللَّه ﴿ عن الجارية ينكحها أهلها. أتستأمر؟) ((ينكحها)) بضم الياء
وسكون النون وكسر الكاف، والمراد من ((أهلها)) وليها، والمراد من الجارية البكر، بدليل رواية
البخارى ((قالت: يا رسول اللَّه، إن البكر تستحى))؟ ومن حكم البكر ووجوب استثمارها يعلم حكم
الثيب من باب أولى.
(الأيم أحق بنفسها من وليها) الظاهر أن المراد من ((الأيم)) هنا الثيب، وعليه علماء الحجاز
وجمهور الفقهاء، لأمور ثلاثة:
الأول: أنه جاء مفسرا بالثيب فى الرواية الرابعة والخامسة.
الثانى: أنها جعلت مقابلة للبكر.
الثالث: أن أكثر استعمالها فى اللغة فى الثيب.
وقال الكوفيون وزفر: الأيم هنا كل امرأة لازوج لها، بكراً كانت أوثيبا، كما هو مقتضاه فى اللغة.
قالوا: فكل امرأة بلغت فهى أحق بنفسها من وليها، وعقدها على نفسها النكاح صحيح، وبه قال
الشعبى والزهرى.
واختلفوا أيضا فى المراد من كلمة ((أحق)» هل هى أفعل تفضيل على بابها؟ تدل على أن أمرين
اشتركا فى صفة، وزاد أحدهما على الآخر فى هذه الصفة؟ بمعنى أن لها فى النكاح فى نفسها حقا،
ولوليها حقا؟ وحقها أوكد من حق وليها؟ فإن أراد تزويجها كفؤاً وامتنعت لم تجبر؟ ولو أرادت أن
تزوج كفؤا فامتنع الولى أجبر؟ فإن أصر زوجها القاضى؟ لما لها من حق آكد، ومن رجحان حقها؟
وفيم هى أحق؟ هل هى أحق من وليها فى الإذن والموافقة؟ أو فى كل شىء من عقد وغيره؟ أو أفعل
التفضيل ليس على بابه؟ والمراد وأن الأيم صاحبة الحق فى نفسها فى النكاح، ولا حق لوليها فيه،
وأن الولى ليس من أركان صحة النكاح، بل هو من تمامه وكماله؟ كما قال الكوفيون وزفر والشعبى
والزهرى؟ أو أن للولى حقا، لكن لها أن تعقد على نفسها بدونه، وتتوقف صحة النكاح على إجازته؟
كما قال الأوزاعى وأبو يوسف ومحمد؟
( تزوجنى رسول الله﴿ لست سنين، وبنى بى وأنا بنت تسع سنين) أى عقد عليها
وهى بنت ست سنين، وفى الرواية الثامنة ((سبع سنين)) ويجمع بينهما بأنها كان لها ست سنين
وأشهر، فمرة جبر الكسر، ومرة ألغى الكسر.
(فوعكت شهراً) بضم الواو وكسر العين وسكون الكاف، والوعك ألم الحمى
(فوفى شعرى جميمة) معطوف على محذوف، تقديره، فتساقط شعر رأسى، فشفيت، فعاد
شعرى، فوفى - بفتح الواو والفاء مخففة - أى كثرونما، حتى ظهر فى هيئة جميمة - تصغير ((جمة))
بضم الجيم وتشديد الميم ، وهى الشعر النازل إلى الأذنين ونحوهما، أى صار إلى هذا الحد، بعد أن
كان قد ذهب بالمرض.
٥٢٥
(فأتتنى أم رومان وأنا على أرجوحة) ((أم رومان)) هى أم عائشة، وهى بضم الراء على
المشهور، وحكى ابن عبد البرفتح الراء وسكون الواو، ورجحه، وخالفه النووى.
والأرجوحة بضم الهمزة كانت آنذاك خشبة عرضها نحو ثلاثين سنتيمترا، وطولها نحو ستة
أمتار، يكون وسطها على مكان مرتفع، ويجلس الأطفال على طرفيها، ويحركونها، فيرتفع جانب
منها، وينزل جانب.
(فصرخت بى) أى فنادتنى بصوت مرتفع.
(فقلت: هه.هه. حتى ذهب نفسى) ((هه.هه)) بإسكان الهاء الثانية، هاء السكت، وهو تعبير
عن النفس المضطرب، من شدة الشهيق والزفير من سرعة الجرى، فيتتابع النفس، وقد يحدث هذا
الصوت، ويعرف بالنهج بفتح الهاء، والنفس بفتح النون والفاء، أى حتى ذهب اضطرابى، وهدأ
وسکن نفسی.
(فإذا نسوة) بكسر النون وضمها، لغتان، الكسر أفصح وأشهر.
(وعلى خير طائر) أصله من التيامن بالطير، ضد التشاؤم، كأنهن يقلن: على خير ما
تيمنت، أى على خيرحظ وخير نصيب، ويقال فى الدعاء للمسافر: على الطائر الميمون،
ويقال: فلان ميمون الطائر.
(فلم يرعنى إلا رسول اللَّه# ضحى) ((يرعنى)) بفتح الياء وضم الراء وسكون العين، من
راعه إذا فاجأه، والاستثناء من أعم الفاعلين، أى لم يرعنى شىء إلا رسول اللّه ◌ُ﴾، ولوحذفنا النفى
والاستثناء لكان الأصل: راعنى رسول اللَّه﴾ ﴾ ضحى، أى فاجأنى دخوله علىّ ضحى.
(ولعبها معها) بضم اللام وفتح العين، جمع لعبة، والمراد بها اللعب المسماة بالبنات والدمى
الصغار من خيل وجمال من الصلصال، كان من عادة الجوارى الصغار اللعب بها، والمقصود من هذه
العبارة التنبيه إلى صغر سنها عند زفافها.
(ومات عنها وهى بنت ثمان عشرة) فمكثت عنده صلى الله عليه وسلم تسع سنين، وتوفيت
- رضى الله عنها - سنة سبع وخمسين من الهجرة.
ولفظ ((ثمانى)) فى الأصل منسوب إلى الثمن، لأنه الجزء الذى صير السبعة ثمانية، فهو ثُمنها، ثم
فتحوا الثاء، لأنهم يغيرون فى النسب، وحذفوا إحدى ياءى النسب، وعوضوا عنها الألف، كما فعلوا فى
المنسوب إلى اليمن، فثبتت ياؤه عند الإضافة، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر، وتثبت عند
النصب، ((وثمان عشرة)) بكسر النون، لتدل الكسرة على الياء المحذوفة.
٥٢٦
فقه الحديث
يمكن توزيع أحكام تزويج المرأة بإذن أو غير إذن حسب الصور الآتية:
١ - البكر غير البالغ يزوجها أبوها. أو يزوجها وليها غير أبيها.
٢- البكر البالغ يزوجها أبوها. أو يزوجها وليها غير أبيها.
٣- الثيب غير البالغ يزوجها أبوها. أويزوجها وليها غير أبيها.
٤ - الثيب البالغ يزوجها أبوها . أو يزوجها وليها غير أبيها.
٥- المرأة تزوج نفسها بدون ولی.
وهذا هو التفصيل
١- فى الروايات السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة أن عائشة - رضى الله عنها - تزوجت
رسول اللّه ◌َ ل قبل البلوغ، وكانت بكرا، والذى زوجها أبوها، ولا يظهر من الروايات أنها استؤذنت.
وظاهر الروايات الأول أن البكر تستأذن، ولم تفصل الروايات بين البكر البالغ وغير البالغ، ولا بين
أن يزوجها أبوها أو ولى آخر غير أبيها، نعم فى الرواية الخامسة ((والبكر يستأذنها أبوها فى نفسها)»
مما يشير إلى التفرقة بين الأب وغيره، مجرد الإشارة، وليس دليلا، فإن عدم ذكر غيره لا يفيد عدم
صلاحية غيره.
وعن هاتين الصورتين يقول النووى عند الكلام على زواج عائشة - رضى الله عنها -: هذا
صريح فى جواز تزويج الأب الصغيرة بغير إذنها، لأنه لا إذن لها، والأب كالجد عندنا،
وأجمع المسلمون على جواز تزويج الأب بنته البكر الصغيرة، لهذا الحديث، وإذا بلغت فلا
خيارلها فى فسخه عند مالك والشافعى وسائر فقهاء الحجاز. [وقال أهل العراق لها الخيار
إذا بلغت وقال الحافظ ابن حجر أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر]
ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاوى حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى
ابن حزم عن ابن شبرمة أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن
تزويج النبى # عائشة وهى بنت ست سنين كان من خصائصه. اهـ
أما غير الأب والجد من الأولياء فلا يجوز أن يزوجها عند الشافعى والثورى ومالك وابن أبى ليلى
وأحمد وأبى ثور وأبى عبيد والجمهور، قالوا: فإن زوّجها فلا يصح الزواج.
وقال الأوزاعى وأبو حنيفة وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء، ويصح الزواج، ولها الخيار
إذا بلغت، وقال أبو يوسف : يجوز لجميع الأولياء، ويصح الزواج، ولا خيار لها.
وأما الوصى الأجنبى فقد اتفق الجماهير على أنه لا يزوجها، وجوز شريح وعروة وحماد أن
يزوجها، وحكاه الخطابى عن مالك أيضًا . اهـ
٥٢٧
فتحصل من هذا أن البكر غير البالغ يجوز لأبيها أن يزوجها اتفاقا، وفى تزويج جدها وبقية
الأولياء والأوصياء خلاف، وفى خيارها بعد البلوغ خلاف.
هذا عن جوازالتزويج، أما ما يستحب فقد قال عنه النووى: واعلم أن الشافعى وأصحابه قالوا:
يستحب ألا يزوج الأب والجد البكر حتى تبلغ، ويستأذنها، لئلا يوقعها فى أسر الزوج وهى كارهة،
قال: وهذا لا يخالف حديث عائشة، لأن استحباب ألا يزوجها قبل البلوغ إذا لم تكن هناك مصلحة
ظاهرة، يخاف فوتها بالتأخير، أما فى مثل حالة عائشة فيستحب تحصيل ذلك الزوج، لأن الأب
مأمور بمصلحة ولده، فلا يفوتها. وأما عن سن الدخول والزفاف فيقول: إن اتفق الزوج والولى على
شىء لا ضرر فيه على الصغيرة عمل به، وحده مالك والشافعى وأبوحنيفة بأن تطيق الجماع، ويختلف
ذلك باختلافهن، ولا ينضبط بسن وهذا هو الصحيح، وليس فى حديث عائشة منع منه قبل التسع لمن
تطبقه، ولا إذن فيه لمن لا تطيقه وهى فوق تسع سنين.
٢- أما البكر البالغ فظاهر الروايات الخمس الأولى الاستئذان مع عموم كل بكر، وكل ولى، وأن
سكوتها يكفى مطلقا. قال النووي: وهذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا وأحمد إن كان الولى أبا
أوجدا فاستئذانه مستحب، ويكفى فيه سكوتها، ولو زوجها بغير استئذانها صح، لكمال شفقته، وإن
كان غيرهما من الأولياء وجب الاستئذان، ولم يصح إنكاحها قبله، ولابد من نطقها، لأنها تستحى من
الأب والجد أكثر من غيرها، قال: والصحيح الذى عليه الجمهور أن السكوت كاف فى جميع الأولياء،
لعموم الحديث، ولوجود الحياء مع كل الأولياء.
وقال الأوزاعى وأبو حنيفة وغيرهما من الكوفيين: يجب الاستئذان فى كل بكر بالغة، فلو عقد
عليها بغير استئذان لم يصح
قال الحافظ ابن حجر: والأحاديث دالة على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وحكاه
الترمذى عن أكثر أهل العلم، لكن قال ابن أبى ليلى ومالك والليث والشافعى وأحمد وإسحق: يجوز
للأب أن يزوجها بغير استئذان ولو كانت بالغا، ومن حجتهم مفهوم حديث الباب، لأنه جعل الثيب
أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولى البكر أحق بها منها . اهـ
وفى هذا الاحتجاج نظر، فإن نفى الأحقية يصدق بالمساواة فى الحقوق، فلا يجبرها، ولا
يزوجها بغير إذنها، ولا تجبره، ولا تتزوج بغير إذنه.
والأحاديث جعلت سكوتها دالا على رضاها، وهذا إذا لم تظهر منها قرينة على عدم الرضا، كأن
قامت من المجلس، أوغيرت مجرى الحديث، أو ظهرت منها قرينة السخط، بأن نفرت، أوبكت، أو
أظهرت الكراهة ولو بضم الشفتين، وعند بعض الشافعية: لا أثر لشىء من ذلك فى المنع إلا إذا قرنت
مع البكاء الصياح ونحوه.
وهل يستحب إعلامها أن سكوتها إذن؟ قال ابن المنذر: يستحب ولا يشترط، وهو مذهب
الشافعية والجمهور وشرطه بعض المالكية، وقال ابن شعبان من المالكية: يقال لها: إن رضيت
٥٢٨
فاسكتى، وإن كرهت فانطقى (ثلاثا) وقال بعضهم: يطيل المستأذن المقام عندها، لئلا تخجل،
فيمنعها ذلك من المسارعة. ولو قالت بعد العقد: ما كنت أعلم أن سكوتى قبول وإذن، لم يبطل العقد
بذلك عند الجمهور، ويبطل عند بعض المالكية.
[ملحوظة] علم من جعل سكوتها فى قوة إذنها وموافقتها أن موافقتها الصريحة ونطقها بذلك
إذن بداهة من باب أولى، وقد أغرب بعض أهل الظاهر، فجعلوا السكوت علامة على الرضا، ولم يقبلوا
النطق بالموافقة، وقوفا عند ظاهر قوله ((وإذنها أن تسكت))
٣- أما الثيب غير البالغ فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها، كالبكر، وقال الشافعى وأبو
يوسف ومحمد)» لا يزوجها أبوها إذا زالت البكارة بالوطء، سواء كان ذلك بنكاح صحيح أو فاسد أو
بوطء شبهة أو بزنا، لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال، فلا بد من استئذانها، ولابد من النطق
بموافقتها، أما لوزالت بكارتها بوثبة أو بإصبغ أو بطول المكث؛ فقيل: لها حكم الثيب، وقيل: لها
حكم البكر.
٤- وأما الثيب البالغ فقد قال الحافظ ابن حجر: لا يزوجها الأب ولا غيره إلا برضاها، اتفاقا، إلا
من شد.
٥- وأما عن الولى فى النكاح فقد قال النووى: قال مالك والشافعى وأحمد، يشترط، ولا يصح نكاح
إلا بولى، ولا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلا.
وقال أبو حنيفة: لايشترط فى الثيب ولا فى البكر البالغة، بل لها أن تزوج نفسها بغير إذن وليها.
وقال أبو ثور: يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها، ولا يجوز بغير إذنه.
وقال داود: يشترط الولى فى تزويج البكر، دون الثيب.
واستدل المالكية والشافعية على اشتراط الولى فى النكاح بما يأتى:
١ - قوله تعالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ
أَرْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. فقد أخرج البخارى عن معقل بن يسار أنها نزلت فيه
حيث زوج رجلاً أختاله فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقال له
معقل: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها. لا. واللَّه لا تعود
إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع، فأنزل الله هذه
الآية. فالآية ظاهرة فى أن العضل يتعلق بالأولياء.
وقوله تعالى ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. فالإنكاح خوطب به الأولياء.
كذلك قوله تعالى ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
٢- حديث البخارى فى عرض عمره بنته حفصة على عثمان، ثم على أبى بكررضى الله عنهما،
ثم تزويجه إياها رسول اللَّه*، فثبت به أن التزويج للأولياء.
٥٢٩
٣- حديث ((لا نكاح إلا بولى)) أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم.
٤- حديث ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)»
٥- أحاديث الباب ((البكر تستأذن. والأيم تستأمر)) جعلت الولاية هى الأصل، وللبكر والثيب
الاستئذان والاستثمار.
٦- أن الولى يصيبه العار إذا تزوجت من غير إذنه بغير كفء، فكان المختص بالتزويج ليدفع عن
نفسه العار.
ورد الحنفية بأن حديث ((لانكاح إلا بولى)) ليس بمتفق عليه، فلا يعارض ما اتفق عليه، ونقلوا
كلام المحدثين فيه وعلى فرض صحته فمعناه لا نكاح كامل، فالمنفى الكمال لا الصحة وبأن حديث
((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. فنكاحها باطل))قال الترمذى: قد تكلم بعض أهل
الحديث فيه. فلا حجة فيه.
واحتجوا بحديث ((والثيب أحق بنفسها من وليها)).
كما احتجوا بالقياس على البيع، فإنها تستقل به، وخصوا بهذا القياس عموم الأحاديث الواردة
فى اشتراط الولى، فخصوها بالأمة والصغيرة، وتخصيص العموم بالقياس عمل سائغ وجائز عند كثير
من علماء الأصول.
هذا وقد اختلف العلماء فى الأولياء. من هم؟ فقال مالك والثورى والليث والشافعى والجمهور:
الأولياء فى النكاح هم العصبة، وليس للخال، ولا والد الأم، ولا الأخوة من الأم ولاية.
وعن الحنفية: هؤلاء من الأولياء.
[ملحوظة] أخرج أبوداود من حديث ابن عمر رفعه ((وآمروا النساء فى بناتهن)) قال الشافعى:
لاخلاف أنه ليس للأم أمر، لكنه على معنى استطابة النفس. اهـ
وقد ترجم البخارى بباب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاح مردود، وذكر تحته
حديث خنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوجها وهى ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول
اللَّهِ عَّ فرد نكاحها.
قال الحافظ ابن حجر: رد النكاح إذا كانت ثيبا، فزوجت بغير رضاها إجماع، إلا ما نقل عن
الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيب ولوكرهت، وعن النخعى: إن كانت فى عياله جاز، وإلا رد،
واختلفوا إذا وقع العقد بغير رضاها، فقالت الحنفية: إن أجازته جاز، وعن المالكية: إن أجازته عن
قرب جاز، وإلا فلا، ورده الباقون مطلقا.
ويؤخذ من حديث زواج عائشة رضى الله عنها
١ - استحباب الدعاء بالخير والبركة لكل واحد من الزوجين.
٥٣٠
٢- واستحباب تنظيف العروس وتزيينها لزوجها.
٣- واستحباب اجتماع النساء لذلك، ولأنه يتضمن إعلان النكاح، ولأنهن يؤنسنها ويؤدبنها ويعلمنها
آدابها حال الزفاف، وحال لقائها للزوج.
٤- وجواز الزفاف والدخول بالعروس نهارا. وهو جائز ليلا ونهارا.
٥- وجواز اتخاذ اللعب. وإباحة لعب الجوارى بهن، وقد جاء فى الحديث أن النبى {₪ رأى
ذلك فلم ينكره.
قالوا: سببه تدريبهن لتربية الأولاد وإصلاح شأنهن وبيوتهن. قال النووي: هذا كلام
القاضى، ويحتمل أن يكون مخصوصا من أحاديث النهى عن اتخاذ الصور، لما ذكره
من المصلحة، ويحتمل أن يكون هذا منهيا عنه، وكانت قصة عائشة هذه ولعبها فى أول
الهجرة قبل تحريم الصور.
والله أعلم
٥٣١
(٣٧١) باب استحباب التزويج فى شوال
٣٠٨٤ - ٣- عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْها (٧٣) قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِعَ لَ فِي شَوَّالٍ وَبَنَى
بِي فِي شَوَّالٍ. فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ِ كَان أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَجِبُّ
أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ.
٣٠٨٥ - - وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلَ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْها.
المعنى العام
كان التطير فى الجاهلية عقيدة، تؤثر فى المشاريع إقداما أو إحجاماً، كأنها تنبئ عن الغيب
المحقق. كانوا إذا أزمعوا أمرا مهماً أزعجوا ما يصادفهم من طير، فإن اتجه يمينا تيامنوا ومضوا فى
مشروعهم وتفاءلوا، وإن اتجه شمالا تشاءموا، ورجعوا عن مشروعهم، فجاء الإسلام، وحارب هذه
العقيدة بالقول وبالعمل، بالقول ((لاطيرة)). ((إذا تطيرت فلا ترجع)) وبالعمل كما فى هذا الحديث،
الأيام التى يتطيرون منها تجرى فيها مشاريع الإسلام الكبرى، والأماكن التى يتطيرون منها تجرى
فيها العبادات العظمى، فيقام مسجد الرسول 8# فى المدينة، مكان خربة، كانت قبورا للمشركين،
فيحل فيها الخير والرحمة والبركة، وتعد أفضل بقعة على الأرض، فتضم جسد الرسول { 9/1، وتصبح
الروضة الشريفة. روضة من رياض الجنة.
المباحث العربية
(تزوجنى رسول الله فى شوال) أى عقد عليها فى شهر شوال قبل الهجرة بسنة ونصف
السنة على الأشهر، وبنى بها، أى دخل عليها فى شوال بعد الهجرة بسنة ونصف السنة.
و« شوال)» فعَّال مبالغة من الشول، وهو فى الأصل النقص والقلة، والشائلة من الإبل ماجف لبنها،
ويقال: شال القوم إذا خفت منازلهم منهم ومضوا، أو إذا تفرقت كلمتهم، أو إذا ماتوا وتفرقوا، كأنه لم
يبق منهم إلا بقية، أو إذا ذهب عزهم. و((شوال)) شهر أوله عيد الفطر، قيل: سمى بذلك لتشويل ألبان
الإبل فيه وإدبارها، وكانت العرب قبل الإسلام تتطيرمن عقد النكاح والدخول فيه، وتقول: إن
المنكوحة فيه تمتنع من ناكحها، ويقل أولادها ولبنها، فأبطل الإسلام هذا التطير، باستحباب الزواج
فى شوال.
(٧٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ فَالا حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَاكُ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً
- وَحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٥٣٢
(فأى نساء رسول اللَّه﴿ كان أحظى عنده منى؟) لا تقصد - رضى الله عنها - أن دخولها
فى شوال كان سببا فى حظوتها عنده صلى اللّه عليه وسلم، وإنما تقصد أنه لم يكن شؤما، ولم يحل
دون حظوتها وسعادتها.
(وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها فى شوال) أى النساء التى تلى أمرهن، أو
اللاتى ينتسبن إليها وترعاهن.
فقه الحديث
قال النووى: فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول فى شوال، وقد نص أصحابنا على
استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث، وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه، وما
يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزويج والتزوج والدخول فى شوال، وهذا باطل لا أصل له، وهو
من آثار الجاهلية فقد كانوا يتطيرون بذلك، لما فى اسم شوال من الإشالة والرفع. اهـ
أقول: إن العمل المشروع يفضل غيره بأمر من أمور ثلاثة: إما بفضل المكان الذى يقع فيه، وإما
بفضل الزمان الذى يقع فيه، وإما بفضل النية التى يقع بها، وقد تجتمع الأمور الثلاثة.
وما هنا من قبيل الأمر الثالث، فاستحبابه عند الشافعية من هذه الحيثية. حيثية القصد والنية.
والله أعلم
٥٣٣
(٣٧٢) باب النظر إلى المخطوبة
٣٠٨٦ - ٤ّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾ (٧٤) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّنَ﴿َ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ
امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ مَّ «أَنَظَرْتَّ إِلَيْهَا؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ
إِلَيْهَا. فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئً».
٣٠٨٧ - ٣٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(٧٥) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النّبِيِّ﴿ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةٌ
مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ّ «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئًا» قَالَ: قَدْ
نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟» قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ «عَلَى
أَرْبَعٍ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضٍ هَذَا الْجَبَلِ. مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ. وَلَكِنْ عَسَى أَنْ
نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ» قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ. بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ.
المعنى العام
الإسلام دين النصيحة، ودين الوضوح، دين يحارب الغش والخداع فى جميع المعاملات، دين
يرفع الجهالة ويرفض وسائلها، ويحرص على وضوح الرؤية، والتعامل على بصيرة، ولقد جاء الإسلام
والمرأة تساق من بيت أبيها إلى بيت زوجها كأنها مغمضة العينين، وكثيرا ما يكون الرجل كذلك
بالنسبة لها، لم يسبق له رؤيتها، ولم يسبق لها رؤيته، مما يؤثر على الحياة الزوجية تأثيرا هادما، أو
يملؤها بجو البغض والكراهية والانقباض.
جاء الإسلام بهذه التعاليم السمحة، لينظر الخاطب إلى مخطوبته، ولتنظر المخطوبة إلى
خطيبها، لينظر كل منهما إلى ما يبدو من الآخر، إلى وجهه وكفيه، وليتأمل كل منهما محاسن الآخر
فى خلقته، فى عينيه، فى أنفه وفمه، فى تقاسيم وجهه، فى بدانة جسمه أو نحافته، فى بياض بشرته
أوسمرته، فى تناسق أعضائه أوعاهاته وعيوبه، لاعيب على المرأة ولا على أهلها أن تكشف لخطيبها
عن وجهها وكفيها، ولاعيب عليه أن يكشف لها ولأهلها عن عيوبه، بل العيب أن يخفى أحدهما عن
الآخر ما ستكشفه الأيام، العيب والخطر يكمن فى إخفاء كل منهما عن الآخر ما يفجأ صاحبه،
ويعتبره غشًا وخداعًا ومكيدة وقع فيها. هذا هو الإسلام وصراطه المستقيم.
(٧٤) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٧٥) وحَدِِّي يَحْتِى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٥٣٤
المباحث العربية
(فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار) أى شرع فى زواجها، فخطبها.
(أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إليها) فى الرواية الثانية ((هل نظرت
إليها؟ ... قال: قد نظرت إليها)) يحتمل أن يكون رجلا آخر غير الأول، الأول لم يكن نظر إليها، فأمر
بالذهاب والنظر إليها، والثانى قد نظر إليها قبل مجيئه، وقد جاء يطلب المساعدة فى زواجه، كما
يبينه الحديث، ويحتمل أن الحديثين عن رجل واحد، لم يكن نظر، فأمر بالنظر، فذهب فنظر فجاء،
فسئل: هل نظرت؟ فأجاب بنعم، ثم عرض حاجته.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الرجل يحتمل أن يكون المغيرة، فقد أخرج الترمذى والنسائى من
حديثه أنه ((خطب امرأة، فقال له النبى ◌ُ﴾: انظر إليها، فإنه أحرى أن يدوم بينكما)). قلت: هذا
الاحتمال بعيد، فقصة الرجل فى الرواية الثانية لا تنطبق على المغيرة.
(فإن فى أعين الأنصار شيئا) قال النووى: هكذا الرواية ((شيئا)) بالهمزة، واحد الأشياء، قيل:
المراد صغر، وقيل: المراد زرقة، وقال الغزالى: قيل عمش. ورجح الحافظ الصغر، حيث جاء اللفظ فى
بعض الروايات.
(على أربع أواق) من الفضة. فهم الرسول و# هذا من حال الرجل، فأعادها على أسلوب
الاستفهام التعجبى، أو التوبيخى، على معنى ما كان ينبغى.
(كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل) ((عرض)) بضم العين وإسكان الراء، وهو
الجانب والناحية و((تنحتون)) بكسر الحاء، أى تقشرون وتقطعون. قال النووي: ومعنى هذا الكلام
كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج.
فقه الحديث
قال النووي: فى الحديث استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها، وهو مذهبنا ومذهب مالك
وأبى حنيفة، وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء، وحكى القاضى عن قوم كراهيته، [نسب هذا
إلى المزنى، حيث قال: لا يجوز أن ينظر إلى شىء منها، وقالت طائفة منهم يونس ابن عبيد
وإسماعيل بن علية وقوم من أهل الحديث: لا يجوز النظر إلى الأجنبية مطلقا إلا لزوجها أوذى رحم
محرم منها، واحتجوا بحديث على ((لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى)) رواه الطحاوى والبزار
وأحمد وأبو داود والترمذى] وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث، ومخالف لإجماع الأمة على جواز
النظر للحاجة، عند البيع والشراء والشهادة ونحوها. ثم إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها
فقط، لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يستدل بالوجه على الجمال، أو على ضده، وبالكفين على خصوبة البدن،
٥٣٥
أو عدمها. هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين. وقال الأوزاعى: ينظر إلى مواضع اللحم، وقال داود: ينظر إلى
جميع بدنها [لا إلى فرجها] وقال ابن حزم: يجوز النظر إلى فرجها، وعن أحمد ثلاث روايات، الأولى
كالجمهور، والثانية: ينظر غالبا، والثالثة: ينظر إليها مجردة. دليل الجمهور على المزنى والطائفة التى
تنحو نحوه حديث الباب ((انظر إليها فإن فى أعين الأنصار شيئا)) وروى عن المغيره بن شعبة قال:
أردت أن أنكج امرأة من الأنصار، فذكرت ذلك للنبي { *، فقال: اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن
يؤدم بينكما - أى أن يدوم الوفاق بينكما - قال : فذهبت، فأخبرت أباها بذلك، فذكر أبوها ذلك لها،
فرفعت الخمار، فقالت: إن كان رسول اللَّه أذن لك أن تنظر فانظر)) أخرجه الطحاوى والترمذى
وقال حديث حسن، ويجاب عن حديث على #ه بأنه فى النظر لغير الخطبة، وفى غير الحاجة،
ودليل الجمهور على داود وابن حزم قوله تعالى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. قيل
فى التفسير: الوجه والكفان، وروى جابر ه أن النبى { { قال: إذا أراد أحدكم تزويج امرأة فلينظر
إلى وجهها وكفيها)).
ثم قال النووى عن مذهب داود: وهذا خطأ ظاهر، منابذ لأصول السنة والإجماع.
ثم قال: ومذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لايشترط فى جواز هذا النظر رضاها، بل له
ذلك فى غفلتها، ومن غير تقدم إعلام، لكن قال مالك: أكره نظره فى غفلتها، مخافة من وقوع نظره
على عورة.
[أو على ما لاتحب أن يراه من بعض أفعالها وأحوالها] وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها
إلا بإذنها، وهذا ضعيف، لأن النبى # قد أذن فى ذلك مطلقا، ولم يشترط استئذانها، ولأنها تستحى
غالبا من الإذن، وربما يكون فى ذلك إيذاء لها إن هو رآها فلم تعجبه.
ثم قال: قال أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة يثق بها، تنظر إليها،
وتخبره ويكون ذلك قبل الخطبة.اهـ
وحول هذا الموضوع مسائل، نرى فائدة كبرى فى عرضها:
الأولى: قال الشيخ أبو إسحق: يجوز للمرأة إذا أرادت أن تتزوج برجل أن تنظر إليه، لأنه يعجبها
منه ما يعجبه منها.
الثانية: لا يجوز للخاطب عند الجمهور أن ينظر إلى شىء من عورتها، ولا أن ينظر إلى وجهها
وكفيها نظرة تلذذ وشهوة.
الثالثة: له أن يردد النظر إلى الوجه والكفين، وأن يكرر ذلك، لما روى أبو الدرداء رضى الله عنه
أن النبى { قال ((إذا قذف الله فى قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن يتأمل محاسن وجهها)) إذ لا
يمكنه تأمل ذلك إلا بالتكرار
الرابعة: إذا تزوج الرجل امرأة حل له الاستمتاع بها، وكان لكل واحد منهما النظر إلى
جميع بدن الآخر، لأنه يملك الاستمتاع به. لكن فى نظره إلى باطن الفرج وجهان: قيل :
٥٣٦
يجوز، لأنه موضع الاستمتاع، وقيل: لايجوز، لما روى من أن النظر إلى باطن الفرج يورث
العمى، أو أن الولد بينهما يولد أعمى.
الخامسة: نظر الرجل الأجنبى إلى وجه المرأة لغير حاجة ومن غير سبب لايجوز، لقوله تعالى
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. ويجوز أن ينظر إلى وجه المرأة الأجنبية عند
الشهادة وعند البيع والشراء.
السادسة: لا يجوز للمرأة الأجنبية أن تنظر إلى الرجل، لا إلى العورة ولا إلى غيرها لغير سبب،
لقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِّنَاتٍ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. ولحديث دخول ابن أم مكتوم،
وأمره صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين أن يحتجبن منه، ولأن المعنى الذى منع الرجل لأجله
وهو صرف الافتتان موجود فى المرأة، بل هى أسرع إلى الافتتان من الرجل.
السابعة: يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة من ذوات محارمه، وكذلك يجوزلها النظر
إليه من غير سبب ولا ضرورة، لقوله تعالى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء
بُعُولَتِهِنَّ ... ﴾ [النور: ٣١]. الآية.
وفى المواضع التى يجوز له النظر إلى المرأة وجهان، حكاهما المسعودى، أحدهما - وهو قول
البغداديين- أنه يجوزله النظر إلى جميع بدنها إلا مابين السرة والركبة، لأنه لا يحل له نكاحها
بحال، فجاز له النظر إلى ذلك كالرجل مع الرجل.
والثانى: وهو اختيار القفال - أنه يجوزله النظر إلى ما يبدو منها عند المهنة، لأنه لا ضرورة به
إلى النظر إلى ما زاد على ذلك.
والله أعلم
٥٣٧
(٣٧٣) باب الصداق وأقله
٣٠٨٨ - ١٦ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيَِّّهِ(٧٦) قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ.
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي. فَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِع ◌َ لَّ. فَصَعَّدَ النّظَرَ فِيهَا
وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ رَأْسَهُ. فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضٍ فِيهَا شَيْئًا، جَلَسَتْ.
فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَرَوِّجْنِهَا. فَقَالَ «فَهَلْ
عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» فَقَالَ: لا. وَاللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ. فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ
شَيْئًا؟» فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ: لا. وَاللَّهِ! مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ «انْظُرْ وَلَوْ
خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ» فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ: لا. وَاللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ.
وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي. (قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ) فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَتِ «مَا تَصْنَعُ
بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ. وَإِنْ لَبِسَنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ» فَجَلَسَ
الرَّجُلُ. حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ. فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ه ◌ُوِّيًّا. فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ. فَلَمَّا جَاءَ قَالَ
«مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟» قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. (عَدَّدَهَا) فَقَالَ «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ
ظَهْرِ قَلْبِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ «اذْهَبْ فَقَدْ مُلَّكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».
٣٠٨٩- ٧٧ وَفِى رِوَايَةٍ(٧٧) قَالَ «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا. فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ».
٣٠٩٠ - ٨ٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(٧٨): أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ﴿َ: كَمْ
كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِفَ﴿؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْشَيْ عَشْرَةَ أُوْقِيَّةٌ وَنَشًّا. قَالَتْ:
أَتَدْرِي مَا النِّثُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَتْ: نِصْفُ أُوْقِيَّةٍ. فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةٍ دِرْهَمٍ. فَهَذَا صَدَاقُ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ لِأَزْوَاجِهِ.
(٧٦) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدِ الْثُقَفِيُّ حَدََّا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ حَ وَحَدَّثََّاهِ قُتَيْبَةٌ
حَدَّثْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ
(٧٧) وحَدَّثَنَاهُ خَلْفٌ بَنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا حَمَّاذُ بْنُ زَيْدٍ حَ وَحَدَّقَتِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا سُفْنَاهُ بْنُ عُبَيْنَةَ ح وحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ حْ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ عَنْ زَائِدَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنَّ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةً
(٧٨) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي
عُمَرّ الْمَّكِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ
٥٣٨
٣٠٩١- ٦َ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَِّ(٧٩): أَنَّ النّبِيَّ ◌ِ﴿ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثْرَ
صُفْرَةٍ. فَقَالَ «مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةٌ عَلَى وَرْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.
قَالَ: «فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ. أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاقٍ».
٣٠٩٢- ١٠ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍعَ﴾(٨٠): أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
اللَّهِ ﴿، عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِعَتِ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
٣٠٩٣ - ١- عَنْ أَنَسِ عُ(٨١): أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ
ذَهَبٍ. وَأَنَّ النَّبِيَّ:﴿ قَالَ لَهُ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاقٍ».
٣٠٩٤ - - وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةٌ.
٣٠٩٥ - ٨٣ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضى اللَّه عنه(٨٢): رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ وَعَلَيَّ
بَشَاشَةُ الْعُرْسِ. فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ: «كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟» فَقُلْتُ: نَوَاةٌ.
وَفِي حَدِيثِ إِسْحَقَ: مِنْ ذَهَبٍ.
٣٠٩٦ - ◌ّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٨٣): أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ
نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.
المعنى العام
سبحان الذى خلق فأكرم، وشرع فأحكم، وهو أحكم الحاكمين، جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن
إليها وجعل بيننا وبينهن مودة ورحمة، نتمتع بهن، ويتمتعن بنا، يخدمننا ونخدمهن، ويتعبن من
أجلنا ونتعب من أجلهن، المنافع مشتركة، ومتساوية، بل هن يزدن فى الانتفاع من الرجال، والملذات
(٧٩) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَخْتَى التّمِيمِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى قَالَ يُحْيّى أَخْبَرَّنَا وَقَالَ
الآخْرَان حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنَّ أَنَسِ
(٨٠) وحَدَّثَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ
(٨١) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ
- وحَدَّثَنَّاهُ مُحَمَّدُ بَّنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَّ حِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَهَارُوَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالا حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ ح
وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشِ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ وَهْبٍ قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَّنِ
(٨٢) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةً قَالاَ أَخْبُرَنَا النَّصْرُ بْنُ شَمَّيْلٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ
سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ
(٨٣) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ خَّدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةً قَالَ شُعْبَةُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ
- وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا وَهْبٌ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
«مِنْ ذَهَبٍ» عَنْ أَنَسٍ
٥٣٩
مشتركة ومتساوية بل هن يزدن فيها عن الرجال، فلماذا أوجب لهن المهر والنفقة؟ وما عوض المهر
الذى نحن بصدده؟ وبم يرتفع مقداره؟ وبم ينخفض؟ إن السلعة ترخص إذا كثر العرض منها على
الطلب، ويغلو سعرها إذا قل العرض عن الطلب، ولكن المهر كثيراً ما يخالف هذا القانون، كثير من
الآباء يغالون فى المهور، ويكلفون الأزواج ما يعجزهم، ظناً منهم أن فى ذلك رفعاً لقيمة بناتهم عند
أزواجهم، أو تعجيزاً لهم عن أن يستغنوا عنهن فتكون النتيجة نقيض القصد، وتكون النتيجة عجز
الشباب عن تحصيل المطلوب منهم، فتتوقف حركة الزواج وتكثر العنوسة، وينتشر الفساد، ومن هنا
كانت دعوة عمر عليه يوم وقف على المنبر، يقول: يا أيها الناس: لا تغالوا فى مهور النساء، لكن امرأة
قاطعته بقولها: ليس هذا لك يا عمر. فإن اللّه تعالى يقول ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠].
[من ذهب] كذا فى قراءة ابن مسعود، وهى مرادة فى غير قراءته، فقال عمر: امرأة خاصمت عمر
فخصمته، امرأة أصابت. رجل أخطأ، وتوقف عمر عن النهى عن المغالاة فى مهور النساء، لكن
الحقيقة أن المغالاة شر، وإلا لكان أحق الناس بالمغالاة أزواج النبي *، ولم يزد مهر إحداهن عن
خمسمائة درهم. وهذا عبد الرحمن بن عوف يدفع مهراً لزوجته خمسة دراهم، وهذا صحابي جليل
يطلب منه رسول الله # خاتماً من حديد مهراً لامرأة عرضت نفسها على النبى®، فلما لم يجد
خاتم الحديد زوجه إياها على أن يعلمها آيات من القرآن، بهذا التيسير كثر الزواج، وعمت حصانة
الشباب والفتيات، وضعفت نوازع الشر والفساد والمقت والفاحشة، وصلح المجتمع، وطبع بطابع
الطهر والنقاء.
المباحث العربية
(جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ◌َل فقالت) فى رواية للبخارى يقول سهل: إنى لفى القوم
عند رسول اللّه إذ قامت امرأة فقالت ((فى رواية أخرى ((بينما نحن عند النبى 8 # أتت إليه
امرأة ... )) ويمكن فهم ((قامت)) على معنى وقفت، والمراد أنها جاءت إلى أن وقفت عندهم، لا أنها
كانت جالسة فى المجلس فقامت، وقد أفادت بعض الروايات تعيين المكان الذى وقعت فيه القصة،
ولفظها ((جاءت امرأة إلى النبى وَ﴾ وهو فى المسجد)) قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمها،
وعند بعضهم أنها خولة بنت حكيم، أو أم شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة الوارد فى قوله تعالى:
﴿وَامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقد تعددت الواهبات.
(جئت أهب لك نفسى) فى الكلام مضاف محذوف، تقديره: أهب لك أمر نفسى أو نحوه،
لأن رقبة الحر لا تملك، فكأنها قالت: أتزوجك من غير عوض.
(فنظر إليها رسول اللَّه ﴿، فصعد النظر فيها، وصوبه) ((صعد)) بتشديد العين، أى رفع،
و((صوب)) بتشديد الواو، أى خفض، والتشديد إما للمبالغة فى التأمل، وإما للتكرير، وبالثانى جزم
القرطبى فى المفهم، قال: أى نظر أعلاها وأسفلها مراراً، وفى رواية ((فخفض فيها البصر ورفعه))
وهما بالتشديد أيضاً. والمقصود أنه نظر إليها أولا نظرة شاملة، ثم تأمل أعلاها وأسفلها.
٥٤٠