النص المفهرس

صفحات 261-280

١٥٦ - وفيه فسخ الحج إلى العمرة.
١٥٧ - وفى روايتنا الثالثة والثمانين قال الحافظ ابن حجر: فيه فرح العالم بموافقته الحق.
١٥٨ - والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي.
١٥٩ - وعرض الرؤيا على العالم.
١٦٠ - والتكبير عند المسرة.
١٦١ - والعمل بالأدلة الظاهرة.
١٦٢ - والتنبيه على اختلاف أهل العلم، ليعمل بالراجح منه الموافق للدليل.
١٦٣ - ومن زيادة البخارى فى هذا الحديث ((فقال ابن عباس للرجل: أقم عندى: فأجعل لك سهما من
مالى. فقال الرجل: لم؟ فقال: للرؤيا التى رأيت)) أخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسره.
١٦٤- قال العينى: وفيه أن الرؤيا الصادقة شاهدة على أمور اليقظة، كيف لا؟ وهى جزء من ستة
وأربعين جزءاً من النبوة؟
١٦٥ - وعن فتوى ابن عباس فى روايتنا الخامسة والثمانين وما بعدها قال النووى: هذا الذى ذكره ابن
عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذى عليه العلماء كافة
سوى ابن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات
ويرمى ويحلق ويطوف طواف الزيارة، فحينئذ يحصل له التحللان، ويحصل الأول باثنين من هذه
الثلاثة، التى هى رمى جمرة العقبة والحلق والطواف. قال: وأما احتجاج ابن عباس بالآية فلا
دلالة فيها، لأن قوله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَقِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. معناه لا تنحر إلا فى الحرم،
وليس فيه تعرض للتحلل من الإحرام، لأنه لوكان المراد به التحلل من الإحرام لكان ينبغى أن
يتحلل بمجرد وصول الهدى إلى الحرم قبل أن يطوف.
وأما احتجاجه بأن النبى # أمرهم فى حجة الوداع بأن يحلوا فلا دلالة فيه، لأن النبى * أمرهم
بفسخ الحج إلى العمرة فى تلك السنة، فلا يكون دليلا على تحلل من هو ملتبس بإحرام الحج:
قال القاضى: قال المازري: وتأول بعض شيوخنا قول ابن عباس فى هذه المسألة على من فاته
الحج أن يتحلل بالطواف والسعى. قال: وهذا تأويل بعيد، لأنه قال بعده: وكان ابن عباس يقول:
لا يطوف حاج ولا غيره إلا حل. والله أعلم. وكلام ابن عباس هذا مبنى على مذهبه فى أن السعى
بين الصفا والمروة مستحب ليس بواجب. وسيأتى إن شاء الله.
١٦٦ - وفى روايتنا الثامنة والثمانين والتاسعة والثمانين قال النووى: فى هذا الحديث جواز الاقتصار
على التقصير، وإن كان الحلق أفضل، وسواء فى ذلك الحاج والمعتمر، إلا أنه يستحب للمتمتع أن
يقصر فى العمرة، ويحلق فى الحج، ليقع الحلق فى أكمل العبادتين.
١٦٧ - وفيه أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة، لأنها موضع تحلله، كما
٢٦١

يستحب للحاج أن يكون حلقه أو تقصيره فى منى، لأنها موضع تحلله وحيث حلقا أو قصرا من
الحرم كله جاز.
١٦٨- وفى روايتنا المتممة للتسعين استحباب رفع الصوت بالتلبية. قال النووي: وهو متفق عليه
بشرط أن يكون رفعا مقتصدا، بحيث لا يؤذى نفسه، والمرأة لا ترفع، بل تسمع نفسها، لأن صوتها
محل فتنة، ورفع الرجل صوته مندوب عند العلماء كافة، وقال أهل الظاهر: هو واجب، ويرفع
الرجل صوته فى غير المساجد، وفى مسجد مكة ومنى وعرفات، وأما سائر المساجد ففى رفعه
فيها خلاف للعلماء.
١٦٩ - وفيه جواز العمرة فى أشهر الحج، وهو مجمع عليه.
١٧٠ - وفيه أن المستحب للمتمتع أن يكون إحرامه بالحج يوم التروية، عند إرادة التوجه إلى منى.
١٧١ - وأنه يستحب الرواح إلى منى يوم التروية من أول النهار أو بعد الزوال. والله أعلم.
١٧٢ - وفى قوله ((حاجا أو معتمرا أو ليثنيهما)) وجوه الإحرام السابقة. إفراد الحج، أو إفراد العمرة، أو
القرن بينهما فى سفره عن طريق التمتع أو القرآن.
١٧٣ - وفى الرواية الثالثة والثلاثين النهى عن متعة النكاح، وهى الزواج إلى أجل، وستأتى فى كتاب
النكاح إن شاء الله.
والله أعلم
٢٦٢

(٣٣٠) باب بيان عدد عمر النبى وزمانها
٢٢٦٨- ٢١٧ عَنْ أَنْسِ رَّ(٢١٧): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴿ّاغْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ. كُلُّهُنَّ فِي ذِي
الْقَعْدَةِ إِلا الِّي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةٌ مِنَ الْحُدَيْنِيَةِ، أَوْ زَمَنَ الْحُدَثِيَّةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَعُمْرَةٌ مِنَ
الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَغُمْرَةٌ مِنْ جِعْرَانَةَ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ.
٢٦٦٩ - ٢٠ْ عَنْ قَتَادَةً(١٠٠). قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ فَ ﴿؟ قَالَ: حَجَّةٌ
وَاحِدَةٌ. وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ هَدَّابٍ.
٢٦٧٠ -٢١٨ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ(٢١٨). قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
﴿؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ. وَأَنَّهُ
حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةٌ وَاحِدَةً. حَجَّةَ الْوَدَاعِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةً أُخْرَى.
٢٦٧١ - ٢١٩ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّكَيْرِ (٢١٩) قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ مُسْتَنِدَيْنٍ إِلَى حُجْرَةٍ
عَائِشَةَ. وَإِنَّا لَنَسْمَعُ ضَرْبِهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ. قَالَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اعْتَمَرَ النّبِيُّ ◌َّ
فِي رَجَبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيْ أُمَّنَّاهُ! أَلا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ:
وَمَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اغْتَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّفِي رَجَبٍ. فَقَالَتْ يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
لَعَمْرِي! مَا اغْتَمَرَ فِي رَجَبٍ. وَمَا اغْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ إِلا وَإِنَّهُ لَمَعَهُ. قَالَ: وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ. فَمَا
قَالَ: لا، وَلا نَعَمْ. سَكَتَ.
٢٦٧٢ - ٢٢٠ عَنْ مُجَاهِدٍ(٢٢٠). قَالَ: دَخَلْتُ، أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، الْمَسْجِدَ. فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ. وَالنّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ. فَسَأَلْنَاهُ عَنْ
صَلاَّبِهِمْ؟ فَقَالَ: بِدْعَةٌ. فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ﴿؟ فَقَالَ:
(٢١٧) حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّمٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنْسًا أَخْبَرَهُ
(١٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمّدِ حَدَّثْنَا هَمَّمٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةَ. قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا
(٢١٨) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى أَخْبُرْنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
(٢١٩) وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبُرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ الْبُرْسَائِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءٌ يُخْبِرُ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةٌ
ابْنِ الزُّبِرِ
(٢٢٠) وحَذَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ
٢٦٣

أَرْبَعَ عُمَرٍ. إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. فَكَرِهْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ وَتَرُدَّ عَلَيْهِ. وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ فِي
الْحُجْرَةِ. فَقَالَ عُرْوَةُ: أَلا تَسْمَعِينَ، يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا
يَقُولُ؟ قَالَ يَقُولُ: اغْتَمَرَ النَّبِيُّ :﴿ أَرْبَعَ عُمَرٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ إِلا وَهُوَ مَعَهُ. وَمَا اغْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُ.
المعنى العام
قبل تشريع الحج والعمرة فى الإسلام كان العرب يحجون ويعتمرون حسب مناسك مأثورة منذ
عهد إبراهيم عليه السلام، ومنذ أن أذن فى الناس بالحج، بعد بنائه البيت الحرام، ورفعه لقواعده.
ولقد أثر أن الرسول و* حج مرة بمكة قبل أن يهاجر، وقيل: مرتين، ولعله كان يعتمر قبل الهجرة
دون أن يعلم أو يحصى اعتماره.
وفى السنوات الست الأولى من الهجرة لم يكن بوسعه صلى الله عليه وسلم، ولا بوسع كبار
الصحابة المشهورين أمثال أبى بكر وعمر أن يدخلوا مكة، لكن العامة والمغمورين غير المعروفين
بإسلامهم وقتالهم الشرك ربما حجوا أو اعتمروا على المناسك المعروفة عند العرب.
وشرع الحج والعمرة فى السنة السادسة للهجرة على الصحيح، ورسمت مناسكهما الأساسية،
وخرج رسول اللّه * فى نحو ألف وخمسمائة من أصحابه معتمرين مقلدين الهدى محرمين، حتى
وصلوا الحديبية، فصدهم مشركو مكة، وعقد بين الفريقين صلح الحديبية، على أن يعودوا إلى المدينة
دون دخول مكة، ثم يرجعوا بعد عام للعمرة دون سلاح، كان ذلك فى ذى القعدة سنة ست من الهجرة،
وحسبت عمرة باعتبار الإحرام ويتحقق الأجر إن شاء الله.
وفى ذى القعدة من العام القابل دخلوا المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا
يخافون، وكانت العمرة الثانية لرسول الله * بعد الهجرة سنة سبع. وفى سنة ثمان من الهجرة فتح
اللَّه عليه مكة، فلما أمَّن أطرافها وأمِنَ من حولها من المشركين، أحرم بالعمرة هو وأصحابه من
الجعرانة فى ذى القعدة سنة ثمان من الهجرة، فكانت العمرة الثالثة وفى السنة التاسعة أمَّر رسول
اللَّهِ ﴿ أبا بكر ليحج بالمسلمين، وفى السنة العاشرة قام صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع، وعدت
عمرتها العمرة الرابعة له صلى الله عليه وسلم، واشتبه الأمر على الفقيه المحدث الزاهد عبد اللّه بن
عمر فظن أن إحدى هذه العمرات كانت فى رجب، فحدث بذلك بعض الصحابة والتابعين، وكان
فيمن حدثهم بذلك عروة بن الزبير ومجاهد، وما كان لهما أن يكذباه، أو يرداه لعظم قدره، فانتهزا
فرصة وجوده بجوار حجرة أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه عنها، وسألاه فأجاب، فسألاها، فصححت له
ما اشتبه عليه بكل أدب وتقدیر.
٢٦٤

المباحث العربية
(اعتمر أربع عمر) العمرة فى اللغة الزيارة، وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وفى
الشرع زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة. واعتمر أدى العمرة، وجمعها عمر بفتح الميم وعمرات
بسكون الميم وضمها إتباعا للعين، كحجرة وحجرات.
(كلهن فى ذى القعدة) بفتح القاف وكسرها، وهو الشهر الحادى عشر من الشهور القمرية،
قيل: سمى بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار والغزو، وجمعه ذوات القعدة.
(إلا التى مع حجته) استثناء من ((كلهن فى ذى القعدة)) فهى لم تكن فى ذى القعدة، بل كان
إدخالها على الحج بعد أربع من ذى الحجة، كما هو ظاهر مما سبق، وكان أداؤها مع حجته فى ذى
الحجة، وبعضهم لا يعدها أصلاً على أنه صلى الله عليه وسلم كان فى حجة الوداع مفردا، ويرى أنه
اعتمر ثلاث عمر، أو يرى أن معنى اعتمر فى حجة الوداع أى أمر بالعمرة.
(عمرة من الحديبية - أوزمن الحديبية فى ذى القعدة) ((الحديبية)) بضم الحاء وفتح
الدال، بعدها ياء، فباء مكسورة، فياء مفتوحة مخففة، وبعض المحدثين يشددون هذه الياء، وهى قرية
كبيرة مشهورة على بعد ستة عشر ميلا من مكة من جهة المدينة، سميت ببئر هناك، وقيل بشجرة
حدباء هناك.
والمراد بهذه العمرة قصدها والإحرام بها وأجرها، فقد أحصر رسول اللَّهِمَ ﴿ والمسلمون
فى الحديبية ومنعوا من دخول مكة، وتحللوا، ورجعوا، وكانت فى ذى القعدة سنة ست من
الهجرة بلاخلاف.
وبعضهم لا يعدها، باعتبار أنها لم تتم. فمن قال: اعتمر عمرتين أسقطها وأسقط التى مع حجته،
ومن قال: ثلاث عمر أسقطها، أو أسقط التى مع حجته.
(وعمرة من العام المقبل فى ذى القعدة) وتسمى عمرة القضاء، وعمرة القضية، وعمرة
القصاص، قيل: سميت عمرة القضاء لأنه صلى الله عليه وسلم قاضى وصالح أهل مكة عام الحديبية
على أن يرجعوا من الحديبية ويعودوا للعمرة فى العام المقبل وكانت هذه العمرة فى ذى القعدة سنة
سبع من الهجرة.
(وعمرة من جعرانة) فيها لغتان. إحداهما كسر الجيم وسكون العين وفتح الراء المخففة،
والثانية كسر العين وتشديد الراء، وهى بين الطائف ومكة، وإلى مكة أقرب.
(حيث قسم غنائم حنين) كانت غزوة الفتح فى رمضان سنة ثمان من الهجرة، ولم يكن صلى
اللّه عليه وسلم يقصد العمرة فى توجهه إلى مكة، بل كان قاصدا الفتح، فدخلها غير محرم فى
رمضان، وأقام بها تسع عشرة ليلة، لم يعتمر فيها، لأنه كان يستعد لقتال هوازن وثقيف، حيث بلغه
٢٦٥

أنهم تجمعوا لقتاله فى حنين، وهو واد قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة
عرفات، فلما نصره الله عليهم جمع الغنائم والسبى وحبسها فى الجعرانة دون قسمة، ثم توجه لحصار
الطائف، ثم عاد إلى الجعرانة، وجاءه وفد هوازن مسلمين، فرد إليهم السبى، وقسم بين أصحابه
المقاتلين الغنائم.
ثم أحرم من الجعرانة بالعمرة فى ذى القعدة، سنة ثمان من الهجرة.
(أن رسول اللَّه ◌َ غزا تسع عشرة) قال الحافظ ابن حجر: مراده الغزوات التى خرج النبى
* فيها بنفسه، سواء قاتل أو لم يقاتل، وفى عدد الغزوات خلاف كبير يأتى فى كتاب الغزوات.
(كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة) فى الرواية الخامسة يقول مجاهد
((دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد - أى المسجد النبوى بالمدينة- فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى
حجرة عائشة)) فكأن عروة جلس بجوار عبد الله بن عمر، وجلس مجاهد أمامهم غير مستند.
(وإنا لنسمع ضربها للسواك تستن) الاستنان هنا الاستياك، والمعنى: سمعنا مرور السواك
على أسنانها. كذا قيل، وهو بعيد، لأن الاستياك لا يحدث صوتاً يسمع من حجرة إلى حجرة، ولعلها
كانت تضرب سواكها بحجر أو آلة تفتت فروعه وتلينه لتستن به.
(اعتمر النبى / فى رجب؟) سأل عروة عبد الله بن عمر هذا السؤال ليستنطقه الجواب،
ليسمعه أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، لتجيب بما يرد ابن عمر، ولعل عروة كان قد سمع من ابن
عمر هذا الكلام قبل أن يسأله، وفى الرواية الخامسة ((كم اعتمر رسول اللَّه ﴿*؟ فقال: أربع إحداهن
فى رجب)).
(أى أمتاه) ((أى)) حرف نداء، ((أمتاه)) بضم الهمزة وتشديد الميم المفتوحة وتاء قبل الألف. كذا
فى الأصل. الذى بيدى، فالمنادى ((أمة)) بتشديد الميم، وتطلق على الوالدة، ولفظ البخارى ((يا أماه))
فالمنادى ((أم)) والألف بدل ياء المتكلم، والهاء للسكت.
(فقال: بدعة) أى صلاتهم بدعة.
(وما اعتمر من عمرة إلا وهو معه) أى وما اعتمر رسول الله﴿ إلا وابن عمر معه، قالت ذلك
مبالغة فى نسيانه.
فقه الحديث
قال النووي: قول ابن عمر: إحداهن فى رجب أنكرته عائشة، وسكت ابن عمر حين
أنكرته. قال العلماء: هذا يدل على أنه اشتبه عليه، أو نسى، أو شك، ولهذا سكت عن الإنكار
على عائشة ومراجعتها بالكلام، ثم قال النووى: قال العلماء: وإنما اعتمر النبى * هذه
٢٦٦

العمر فى ذى القعدة لفضيلة هذا الشهر، ولمخالفة الجاهلية فى ذلك، فإنهم كانوا يرونه من
أفجر الفجور، ففعله صلى الله عليه وسلم مرات فى هذه الأشهر ليكون أبلغ فى بيان جوازه
فيها، وأبلغ فى إبطال ما كانت الجاهلية عليه. انتهى.
والظاهر أن الرسول# كانت عمراته تلك فى هذا الشهر بحكم الظروف، دون قصد لفضيلة الشهر،
فسيأتى أن عمرة فى رمضان تعدل حجة، ودون قصد لإبطال عادة الجاهلية وعقيدتهم، إذ لوكان
كذلك لما عظم عليهم فى حجة الوداع أن يعتمروا فى أشهر الحج، ولما ترددوا حينذاك، حين أمروا
بالعمرة، حتى أغضبوه. والله أعلم.
وفى قول عائشة فى الرواية الرابعة ((لعمرى)) دليل على جواز قول الإنسان: لعمرى، وكرهه مالك،
لأنه من تعظيم غير الله، ومضاهاته بالحلف بغيره.
وفى قول ابن عمر عن صلاة الناس الضحى إنها بدعة حمله القاضى وغيره على أن مراده أن
إظهارها فى المسجد بدعة، أو أن الاجتماع لها هو البدعة، لا أن أصل صلاة الضحى بدعة، وقد سبق
شرح هذا فى كتاب الصلاة.
وفى هذا الحديث أن الصحابى الجليل المكثر الشديد الملازمة للنبى 28* قد يخفى عليه بعض
أحواله، وقد يدخله الوهم والنسيان، لكونه غير معصوم.
وفيه رد بعض العلماء على بعض.
وحسن الأدب فى الرد.
وحسن التلطف فى استكشاف الصواب، إذا ظن السامع خطأ المحدث.
واللَّه أعلم
٢٦٧

(٣٣١) باب فضل العمرة فى رمضان
٢٦٧٣-٢٢١ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(٢٢١)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لامْرَأَةٍ مِنَ
الأَنْصَارِ (سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَسِيتُ اسْمَهَا) «مَا مَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟» قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا
إِلا نَاضِحَانٍ. فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ. وَتَرَكَ لَّنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ. قَالَ «فَإِذَا
جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي؛ فَإِنَّ عُمْرَةٌ فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةٌ».
٢٦٧٤ - ٢٢٢ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا (٢٢٢): أَنَّ النَّبِيَّ﴿ّ قَالَ لامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ،
يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانِ «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنًا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانٍ كَانًا لِأَبِيٍ فُلانٍ
(زَوْجِهَا) حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَكَانُ الآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلاَمُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي
رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً. أَوْ حَجَّةٌ مَعِيٍ».
المعنى العام
تفضل الله جل جلاله بزيادة ثواب العمل الواحد فى مكان عنه فى مكان آخر وفى زمان عنه فى
زمان آخر، فالصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فى غيره من المساجد غير مسجد المدينة
وبيت المقدس، والعمل فى الأيام العشر خير من العمل نفسه فى غيرها وليلة القدر خير من ألف شهر،
ومن تطوع بخصلة فى رمضان كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى
سبعين فريضة فيما سواه، ومن هذا القبيل كانت عمرة فى رمضان يعدل ثوابها حجة، والحج المبرور
ليس له ثواب إلا الجنة، ومن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
المباحث العربية
(قال لامرأة من الأنصار - سماها ابن عباس فنسيت اسمها) فى الرواية الثانية ((يقال
لها أم سنان)) ذهب بعضهم إلى أن الذى نسى اسمها هو ابن جريج الراوى عن عطاء، واستبعد أن
يكون الذى نسى عطاء، لأنه ذكرها فى الرواية الثانية، والذى استبعده ليس ببعيد، فقد ينسى المرء
الشيء، ثم يذكره، وقد يذكره، ثم ينساه، فحين حدث عطاء ابن جريح كان ناسيا اسم المرأة، وحين
حدث حبيبا المعلم كان ذاكرا له.
(٢٢١) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ بْنٍ مَيْمُونٍ حَدَّلْنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ عَن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَبِي عَطَاءٌ قَالَ سمعت ابْنَ عَبَّاسِ يحَدَّثَا
(٢٢٢) وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الصَّبِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطّاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٢٦٨

(لم يكن لنا إلا ناضحان) فى الرواية الثانية ((ناضحان كانا لأبى فلان [زوجها]» الناضح
البعير الذى يستقى به، أو عليه.
(ننضح عليه) بكسر الضاد، أى نسقى عليه. كذا قال النووي وابن حجر والعينى وفى
كتب اللغة بفتح الضاد وكسرها، والفتح أكثر، وفى لسان العرب: والنضح سقى الزرع وغيره
بالسانية ونضح زرعه سقاه.
(وكان الآخر يسقى عليه غلامنا) قال النووى: هكذا هو فى نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضى
عياض: قال: وفى رواية ((يسقى غلامنا)) قال: وأرى هذا تغييرا، وصوابه ((نسقى عليه نخلالنا))
فتصحف منه ((غلامنا)» قال النووى: المختار أن الرواية صحيحة، وتكون الزيادة التى ذكرها القاضى
محذوفة مقدرة، وهذا كثير فى الكلام. اهـ
فقه الحديث
قال النووي: عمرة فى رمضان تقوم مقام حجة فى الثواب، لا أنها تعدلها فى كل شىء، فإنه لو
كان عليه حجة فاعتمر فى رمضان لا تجزئه عن الحجة [بالإجماع].
وقال ابن خزيمة: إن الشىء يشبه بالشىء، ويجعل عدله إذا أشبهه فى بعض المعانى، لا جميعها،
لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر، وقال بعضهم: إن معنى الحديث نظير ما جاء من أن
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن.
وقال ابن العربى: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من اللَّه ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة
الحج بانضمام رمضان إليها.
وقال ابن الجوزى: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب
وبخلوص القصد.
وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن عمرة فريضة فى رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة فى
رمضان كحجة نافلة.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه المرأة، فقد روى عنها قولها: «فما أدرى إلى
خاصة أم للناس عامة )).اهـ.
والظاهر حمله على العموم.
والله أعلم
٢٦٩

(٣٣٢) باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا
٢٦٧٥ - ٢٢٣ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٢٢٣): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ لِ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقٍ
الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ. وَإِذَا دَخَلَ مَكْةَ، دَخَلَ مِنَ الْقُِّيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ
التِّيَّةِ السُّفْلَى.
٢٦٧٦ - - وقَالَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ «الْعُلْيَا الْتِي بِالْبَطْحَاءِ».
٢٦٧٧ -٢٢٤ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا (٢٢٤): أَنَّ النَّبِيَِّ ﴿ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةً، دَخَلَهَا مِنْ
أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا.
٢٦٧٨ - ٢٢٥ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢٢٥): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿هَ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ
كَدَاءِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ. قَالَ هِشَاٌ: فَكَانَ أَبِي يَدْخُلُ مِنْهُمَّا كِلَيْهِمَا. وَكَانَ أَبِي أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ
مِنْ كَدَاءٍ.
المعنى العام
إذا تعددت الطرق الموصلة إلى مكان، وتماثلت فى سهولتها أو صعوبتها، كان لاختيار القائد
والقدوة هدف وحكمة فى اختيار أحدها للدخول والآخر للخروج إذا تكرر منه ذلك والتزمه، ومن هنا
جاءت أهمية العلم بطريق دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة ومكة، وطريق خروجه منهما، وسواء
وصلنا إلى معرفة السروالحكمة أو لم نصل يبقى علينا الأسوة والاقتداء، وفيها أجر من اللَّه إن شاء
اللَّه، لا فرق في ذلك بين من يقول: بأنه سنة أو من يقول بأن ذلك مستحب، أو من يقول: إن ذلك هو
الأولى، ولوضوح الأحاديث علينا قراءة مباحثه العربية والفقهية.
المباحث العربية
(كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس) أى كان يخرج من المدينة
من طريق الشجرة التى عند مسجد ذى الحليفة، ويدخل المدينة عند رجوعه من مكة من طريق
(٢٢٣) حَذَََّّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرِ حٍ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدََّا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ
- وحَدََّتِهِ زُهَيْرُ بْنُ خَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى قَالا حَدَّثَنَا يَخْتِى وَهُوَ الْقَطََّنُ عَنْ عَبَّيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ زُهَيْرٍ
(٢٢٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَن ابْنِ عُبَيْنَةَ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِّى حَذَّلَا سُفْيَاهُ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَّةً
عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةً
(٢٢٥) وحَّدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ عَائِشَةً
٢٧٠

المعرس بضم الميم وفتح العين وتشديد الراء المفتوحة، بلفظ اسم المفعول والتعريس النزول عند آخر
الليل، وقيل: النزول مطلقا، وسمى المكان المعرس أى الذى يقع عليه نزول المسافرين للراحة، وهو
أسفل من مسجد ذى الحليفة، ويقال له بطحاء، وهو على ستة أميال من المدينة. وقال التيمى: يخرج
من مكة من طريق الشجرة، ويدخل مكة من طريق المعرس، لكن على فرض وجود مكانين عند مكة
بهذين الاسمين فإن بقية الحديث لا تساعده.
(وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى) وفى ملحق الرواية
((التى بالبطحاء)) وفى الرواية الثانية ((دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها)) وفى الرواية الثالثة
((دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة)) و((التى بالبطحاء)) وصف للثنية العليا، وروى أنه صلى اللّه
عليه وسلم كان ينزل فى رجوعه إلى المدينة بالبطحاء بذى الحليفة ففى مكة بطحاء، ويقال لها
الأبطح، وهى بجنب المحصب، وقد سبق توضيحه فى لغويات الرواية السابعة والعشرين من باب
وجوه الإحرام، وفى المدينة بطحاء بذى الحليفة وبذى قار أيضا بطحاء، ويطحاء أزهر، نزل به صلى
الله عليه وسلم فى بعض غزواته، والثنية العليا ويقال لها كداء بفتح الكاف والمد هى التى ينزل منها
إلى المعلى، مقبرة أهل مكة، وهى التى يقال لها الحجون، وكانت صعبة المرتقى، فسهلها معاوية ثم
عبد الملك ثم المهدى والثنية بفتح الثاء وكسر النون وتشديد الياء فى الأصل كل عقبة فى جبل، أو فى
· طريق عال، والثنية السفلى هى التى أسفل مكة، عند باب شبيكة، ويقال لها ((كدى)) بضم الكاف
والقصر، بقرب شعب الشاميين وشعب ابن الزبير. قال القرطبى: اختلف فى ضبط هاتين الكلمتين
((كداء وكدى)) والأكثر منهم على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالضم والقصر، وقيل: بالعكس. اهـ
قال النووى: وأما ((كدى)) بضم الكاف وتشديد الياء فهو فى طريق الخارج إلى اليمن، وليس من
هذين الطريقين فى شىء.
(فكان أبى يدخل منهما كليهما، وكان أبى أكثر ما يدخل من كداء) زاد البخارى
«وكانت أقربهما إلى منزله)).
وكأن هذه الزيادة اعتذار لأبيه عروة، لأنه روى الحديث وخالفه، ولعله رأى أن ذلك ليس بلازم حتم
وكان ربما فعله وكثيرا ما يفعل غيره، لقصد التيسير.
فقه الحديث
قال النووي: قيل: إنما فعل النبى# هذه المخالفة فى طريقه داخلاً وخارجاً تفاؤلاً بتغير الحال
إلى أكمل منه، كما فعل فى العيد، وليشهد له الطريقان، وليتبرك به أهلها.
قال: ومذهبنا أنه يستحب دخول مكة من الثنية العليا، والخروج منها من السفلى لهذا الحديث،
ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقه كالمدنى والشامى، أو لاتكون كاليمنى، فيستحب لليمنى
وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا، وقال بعض أصحابنا: إنما فعلها النبى و* لأنها كانت
٢٧١

على طريقه، ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمنى، قال: وهذا ضعيف، والصواب الأول، وهكذا
يستحب له أن يخرج من بلده من طريق، ويرجع من أخرى لهذا الحديث.اهـ
أى للرواية الأولى، وفيها أنه صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة من طريق الشجرة، ورجع إليها
من طريق المعرس.
وقال الحافظ ابن حجر: وقيل: الحكمة فى ذلك المناسبة بين الثنية العليا وبين المكان الذى
قصده فى علوه وعظمته، وعكسه فى الخروج إشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام لما دخل
مكة دخلها منها، وقيل: لأنه صلى الله عليه وسلم خرج منها مختفيا فى الهجرة، فأراد أن يدخلها
ظاهرا عاليا، وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلا للبيت، قال: ويحتمل أن يكون ذلك
لكونه دخل منها يوم الفتح، فاستمر على ذلك. اهـ. وزاد العينى: وقيل: ليغيظ المنافقين بظهور الدين
وعز الإسلام.
والله أعلم
٢٧٢

(٣٣٣) باب استحباب المبيت
بنى طوى عند إرادة دخول مكة
٢٦٧٩ - ٢٢٦ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٢٦): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌ْجِ بَاتَ بِذِي طَوَى حَتَّى
أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعِيدٍ «حَتَّى صَلَّى
الصُّبْحَ». قَالَ يَحْبَى أَوْ قَالَ «حَتَّى أَصْبَحَ».
٢٦٨٠ - ٢٢٧ عَنْ نَافِعٍ(٢٢٧) أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلا بَاتَ بِذِي طَوِّى، حَتَّى يُصْبِحَ
وَيَغْتَسِلَ. ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا. وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ أَنَّهُ فَعَلَهُ.
٢٦٨١ - ٢٢٨ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَ(٢٢٨): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طَوَى، وَتَبِيتُ بِهِ
حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، حِينَ يَقْدَمُ مَكّْةَ. وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ِ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِظَةٍ. لَيْسَ
فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ. وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيِظَةٍ.
٢٢٨٢ - ٢٢٩ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رِه(٢٢٩): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّاسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ الْذِي بَيْنَهُ
وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَِّيلِ، نَحْوَ الْكَعْبَةِ. يَجْعَلُ الْمَسْجِدَ، الَّذِي يُنِيَ ثَمَّ، يَسَارَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِطَرَفِ
الأَكَمَةِ. وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ. يَدَعُ مِنَ الأُكَمَةِ عَشْرَةَ
أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ يُصَّلِّي مُسْتَقْبِلَ الْقُرْضَيْنِ مِنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ. الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
المعنى العام
إن النزول فى مكان والمبيت فيه، والتزام ذلك فى كل سفر مع إمكان عدم ذلك دليل على أن
للنازل هدفا وحكمة وإن لم نعلمها، خصوصا إذا كان هذا النازل حكيما رسولا، لا ينطق ولا يأتى
بأفعاله على الهوى، وإنما يصدر فى ذلك عن وحى يوحى، وإلهامه وحى صلى الله عليه وسلم، والاقتداء
به صلى الله عليه وسلم فى ذلك وفى غيره مطلوب شرعى تختلف درجاته بين الندبة والاستحباب
والأولوية، وقد كان صلى الله عليه وسلم كلما قدم مكة بات فى الوادى المعروف بذى طوى إلى أن
(٢٢٦) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالا حَدَّثَنَا يَحْبَى وَهُوَ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٢٢٧) وَحَدَثْنَا أَبُو الرَّبِعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدََّا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ
(٢٢٨) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ الْمُسَبِِّيُّ حَدَّثَنِي أَنَسٌّ (يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ) عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ حَدَّثَهُ
(٢٢٩) حَدَّثَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ الْمُسِّيُّ حَدَّثَتِي أَنَسٌ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ
٢٧٣

يصبح، فيصلى الصبح، ثم يغتسل لدخول مكة، ثم يدخلها نهاراً، حافظ على هذا الوضع حتى عرف
مكان مصلاه الصبح، وحتى وصف مكانه الصحابى الجليل عبد الله بن عمر وصفاً دقيقاً صلى الله
عليه وسلم.
المباحث العربية
(بات بذى طوى) فى الرواية الثانية ((لايقدم مكة إلا بات بذى طوى)) وفى الرواية الثالثة
((كان ينزل بذى طوى ويبيت به)) و((ذو طوى)) بضم الطاء وفتحها وكسرها، وتخفيف الواو، واد
معروف بقرب مكة، وقال النووى: هو موضع عند باب مكة، بأسفلها، فى صوب طريق العمرة المعتادة
ومسجد عائشة، ويعرف اليوم بآبار الزاهد، و((طوى)) يصرف ولا يصرف.
(حتى أصبح) أى إلى أن دخل في الصباح، وفي ملحق الرواية ((حتى صلى الصبح)» والمراد أنه
يبيت الليل كله، ليدخل مكة نهاراً.
(لا يقدم مكة) بفتح الياء وسكون القاف وفتح الدال.
(حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً) فى رواية البخارى ((فإذا صلى الغداة اغتسل))
وهذا الغسل لدخول مكة.
(وصلى رسول اللَّهَ ذلك على أكمة غليظة، ليس فى المسجد الذى بنى ثم، ولكن
أسفل من ذلك على أكمة غليظة) ((ثم)) بفتح الثاء، أى هناك والأكمة بفتح الهمزة والكاف والميم
التل، وجمعها آكام، يصف المكان الذي صلى فيه رسول اللّه # الصبح بأنه ليس المكان الذى بنى
فيه المسجد هناك، بل أسفل منه على الأكمة السوداء، بل على طرف الأكمة الغليظة السوداء، ليس
بينه وبين نهايتها إلا نحو عشرة أذرع.
(استقبل فرضتى الجبل) بضم الفاء وسكون الراء وفتح الضاد، تثنية فرضة، وهى العقبة
المرتفعة من الجبل.
(عشرة أذرع) قال النووى: كذا فى بعض النسخ، وفى بعضها ((عشر أذرع)) بحذف تاء التأنيث،
وهما لغتان فى الذراع، التذكير والتأنيث.
فقه الحديث
قال النووي: فى هذه الروايات فوائد. منها:
١- الاغتسال لدخول مكة وأنه يكون بذى طوى لمن كانت فى طريقه، ويكون بقدر بعدها لمن لم
تكن فى طريقه. قال أصحابنا: وهذا الغسل سنة، فإن عجز عنه تيمم.
٢٧٤

٢- ومنها المبيت بذى طوى، وهو مستحب لمن هى فى طريقه.
٣- ومنها استحباب دخول مكة نهارا، وهذا هو الصحيح الذى عليه الأكثرون من أصحابنا
وغيرهم، وأن دخولها نهارا أفضل من الليل، وقال بعض أصحابنا وجماعة من السلف الليل والنهار فى
ذلك سواء، ولا فضيلة لأحدهما على الآخر، وقد ثبت أن النبى®* دخلها محرما بعمرة الجعرانة ليلا،
ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز.
والله أعلم
٢٧٥

(٣٣٤) باب استحباب الرمل في الطواف
٢٦٨٣ - ٢٣٠ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(٢٣٠): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،وَ ﴿ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ
الطّوَافَ الأَوَّلَ، خَبَّ ثَلاَثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. وَكَانُ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
٢٦٨٤ - ٢٣١ عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(٢٣١): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّ كَانَ إِذَا طَافَ فِي
الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ. ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ يُصَلِّي
سَجْدَتَيْنِ. ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
٢٦٨٥ - ٢٣٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا (٢٣٢) قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَّ حِينَ
يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ، يَخُبُّ ثَلاثَةً أَطْوَافٍ مِنَ
السَّبْعِ.
٢٦٨٦ - ٢٣٣ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٢٣٣). قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِل ◌ْ مِنَ الْحَجّرِ
إِلَى الْحَجَرِ ثَلاثًا. وَمَشَى أَرْبَعًا.
٢٦٨٧ - ٢٣٤ عَنْ نَافِعٍ(٢٣٤)؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ. وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ فَعَلَهُ.
٢٦٨٨ - ٢٣٥ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا (٢٣٥)، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّ
رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ. ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ.
(٢٣٠) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرِ حِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَذََّا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ
(٢٣١) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدَ بْنُ عَبَادٍ حَدَّثْنَا حَاتِمٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْمَعِيْلَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٢٣٢) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنِى قَالَ حَرَّمَلَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
أَخْبَرَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ
(٢٣٣) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانِ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ تَافِعٍ عَنْ ابْنٍ عُمَرَ
(٢٣٤) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَوَ حَدََّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعِ
(٢٣٥) وحَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَّةَ بْنِ قَغْتَبٍ حَدْفَنَا مَالِكٌ ح وحَدَّثَّا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرٍ
ابْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَابِ
٢٧٦

٢٦٨٩ - ٢٣٦ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٢٣٦): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ وَمَلَ الثَّلاثَةَ
أَطْوَافٍ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ.
٢٦٩٠ - ٢٣٧ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ(٣٣٧). قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلاثَةً
أَطْوَافٍ، وَمَشْيَ أَرْبَعَةٍ أَطْوَافٍ، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنّةٌ. قَالَ: فَقَالَ: صَدَّقُوا.
وَكَذَّبُوا. قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَّقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَدِمَ مَكَّةَ. فَقَالَ
الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزّلِ. وَكَانُوا
يَحْسُدُونَهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثًا. وَيَمْشُوا أَرْبَعًا. قَالَ: قُلْتُ لَهُ:
أَخْبِرْنِي عَنِ الطّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا. أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنْهُ سُنَّةٌ. قَالَ:
صَّدَّقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَّقُوا وَكَذَّبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ كَثُرَ عَلَيْهِ
النّاسُ. يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ. هَذَا مُحَمَّدٌ. خَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴿ لا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ. وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ.
٢٦٩١ - ٢٠ْ وِهَذَا الإِسْنَادِ ( ... )، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ قَوْمَ حَسَدٍ. وَلَمْ
يَقُلْ: «يَحْسُدُونَهُ».
٢٦٩٢ - ٢٣٨ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ(٢٣٨). قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَّ رَهَلَ بِالْبَيْتِ. وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَهِيَ سُنّةٌ. قَالَ: صَدَّقُوا وَكَذَّبُوا.
٢٦٩٣ -٢٣٩ عَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ (٢٣٩). قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: أُرَانِي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ.
قَالَ: فَصِفْهُ لِي. قَالَ: قُلْتُ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ عَلَى نَاقَةٍ. وَقَدْ كَثُرَ النَّاسُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ. إِنَّهُمْ كَأَنُوا لا يُدَعُونَ عَنْهُ وَلا يُكْرَهُونَ.
٢٦٩٤ -٢٤٠ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(٢٤٠١). قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ. وَقَدْ وَهَنْهُمْ
(٢٣٦) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٢٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدََّا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ
(١٠٠) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّقَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ وَبِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
(٢٣٨) وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدََّا سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيَّنٍ عَنْ أَبِي الَطَّفَيْلِ
(٢٣٩) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدََّا يَحْيَى بْنُ أَدَمَّ حَدَّثَنَا زَّهَيْرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَّلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الأَبْجَرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ
(٢٤٠) وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّاةٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
٢٧٧

حُمَّى يَخْرِبَ. قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنْهُمُ الْحُمَّى. وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً.
فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ. وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ.
لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَتْهُمْ.
هَؤُلاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا،
إِلا الإِنْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
٢٦٩٥ - ٢٤١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا (٢٤١): قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَرَمَلَ
بِالْبَيْتِ، لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.
المعنى العام
ابتليت المدينة فى أوائل الهجرة بكثرة مرض الحمى، وخرج المهاجرون من مكة تاركين أموالهم
بها، وقاسموا الأنصار أموالهم، فكانت الحياة صعبة والمعيشة ضيقة، حتى بدت الأجسام هزيلة أو
ضعيفة، ولكن قوة الإيمان وقوة العقيدة كانت تجعل حركتهم ونشاطهم أقوى من الأقوياء، وصدق
القائل: إن قوة العزيمة أعظم وأشد من قوة العضلات وصدق الرسول الكريم إذ يقول ((ليس الشديد
بالصرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب)» قوة العزيمة تجعل من ضعيف البدن شجاعا
مقداما، وضعف العزيمة تجعل من قوى البدن جبانا فرارا.
لقد علم مشركو مكة ضعف أجسام المسلمين بالمدينة، وها هم قد أذن الله لهم بالعمرة والطواف
حول الكعبة، وانتظر المشركون أن يروا أناسا هزيلة حركاتهم، خائرة قواهم، يتساقطون إعياء عند
طوافهم، وقعدوا لهم فى حجر إسماعيل، ليهزءوا بهم ويسخروا منهم، لكن القائد الحكيم رد سهام
المشركين إلى نحورهم، وأصدر تعاليمه للمسلمين بأن يرملوا ويسرعوا المشى فى الطوفات الثلاث
الأولى، ليرى المشركون أن المسلمين أقوياء قوة لا تخطر ببال المشركين، وأعان اللّه المسلمين على
الرمل والطواف والسعى، وقال المشركون بعضهم لبعض: أهؤلاء الذين ظننتم أنهم ضعفاء، إن
ضعيفهم أقوى من كثير منا.
وصار الرمل فى الطواف فى أشواطه الثلاثة الأولى والسعى والمشى السريع فيما بين الميلين فى
السعى بين الصفا والمروة سنة متبعة، يرى بها أعداء الإسلام قوة الإيمان.
(٢٤١) وَحَدََّيِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ عُيَيْئَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنْ
عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٢٧٨

المباحث العربية
(خب ثلاثا) قال النووى: الخبب هو الرمل بفتح الميم والراء، فالرمل والخبب بمعنى واحد، وهو
إسراع المشى، مع تقارب الخطا ولا يثب وثبا.اهـ. وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة.اهـ يقال: خب
بفتح الخاء يخب بضمها مع تشديد الباء، و((ثلاثا)) و((أربعا)) بدون تاء على تقدير معدود مؤنث، قال
النحاة: إذا كان المميز غير مذكور جازفى العدد التذكير والتأنيث، وفى الرواية الثانية ((ثلاثة))
و ((أربعة)) والمعدود هنا طواف وشوط وجمعها أطواف وأشواط، أو طوفة وجمعها طوفات.
(وكان يسعى ببطن المسيل) قال النووى: وهو قدر معروف، وهو من قبل وصوله إلى الميل
الأخضر المعلق بفناء المسجد، إلى أن يحاذى الميلين الأخضرين المتقابلين اللذين بفناء المسجد
ودار العباس.اهـ وقد حدد كل طرف من طرفيها بعمودين باللون الأخضر على جانبى المسعى، والمراد
من السعى بين الميلين الإسراع فى المشى كالهرولة.اهـ. ((وبطن المسيل)» المكان المنخفض من
الوادى الذى بين الصفا والمروة سمى بذلك لأن السيل كان يجتمع فيه.
(ثم يمشى أربعة) من أشواط الطواف بالبيت، أى مشيه العادى دون رمل ولا خبب ولا هرولة.
(ثم يصلى سجدتين) أى ركعتين كاملتين كالصبح، من باب تسمية الكل باسم الجزء، أى
إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله ((عتق رقبة)).
(إذا استلم الركن الأسود) الاستلام هو المسح باليد عليه، مأخوذ من السلام بفتح السين، أى
التحية ، أو من السلام بكسر السين، أى الحجارة.
(أول ما يطوف) ((أول)) منصوب على الظرفية، والعامل ((استلم)).
(خبب ثلاثة أطواف من السبع) هكذا ((ثلاثة)) بالتاء، و((السبع)) بدون تاء، وقد سبق قريبا
أن حذف المعدود يجيز تذكير العدد وتأنيثه.
(من الحجر إلى الحجر) فى الرواية السادسة ((رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه))
والمقصود أن الرمل يغطى الطوفة كاملة، فلا يتوافق مع الرواية الثانية عشرة فى قول ابن عباس
((ويمشوا ما بين الركنين)).
(رمل الثلاثة أطواف) قال النووى: هكذا هو فى معظم النسخ المعتمدة، وفى نادر منها))
الثلاثة الأطواف)) وفى أندر منه ((ثلاثة أطواف)) فأما ((ثلاثة أطواف)) فلا شك فى جوازه وفصاحته،
وأما ((الثلاثة الأطواف)) بالألف واللام ففيه خلاف مشهور بين النحويين، منعه البصريون، وجوزه
الكوفيون، وأما ((الثلاثة أطواف)) بتعريف الأول وتذكير الثانى - كما وقع فى معظم النسخ - فمنعه
جمهور النحويين، وهذا الحديث يدل لمن جوزه.
٢٧٩

(صدقوا وكذبوا) يعنى صدقوا فى أن النبى { فعله، وكذبوا فى قولهم: إنه سنة مقصودة
متأكدة لأن النبى # لم يجعله سنة مطلوبة دائما على تكرر السنين، وإنما أمر به تلك السنة لإظهار
القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى. هذا معنى كلام ابن عباس رضى الله عنهما.
(لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال) قال النووى: هو فى معظم النسخ ((الهزل))
بضم الهاء وإسكان الزاى، قال القاضى عياض: وهو وهم، والصواب ((الهزال)) بضم الهاء وزيادة الألف.
قال النووي: وللأول وجه وهو أن يكون بفتح الهاء، لأن الهزل بفتح الهاء مصدر هزلته هزلا، كضربته
ضربا، وتقديره: لا يستطيعون يطوفون، لأن اللَّه هزلهم، والله أعلم.
(حتى خرج العواتق من البيوت) جمع عاتق، وهى البكر البالغة، أو المقاربة
البلوغ، وقيل: التى تتزوج سميت بذلك لأنها عتقت من استخدام أبويها وابتذالها فى
الخروج والتصرف التى تفعله الطفلة الصغيرة. والمقصود من العبارة المبالغة فى خروج
الكل، حتى من لا تخرج من النساء عادة خرجت.
(أرانى قد رأيت رسول اللَّه ﴿ل﴾) بضم الهمزة أى أظننى، ولم يجزم بذلك خشية أن يكون قد
رأى غيره فظنه هو من الزحام.
(إنهم كانوا لا يدعون عنه، ولا يكرهون) «لايدعون)) بضم الياء وفتح الدال وتشديد العين،
أى لا يدفعون، ومنه قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارِجَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. ((ولا يكرهون)) بضم الياء
وسكون الكاف وفتح الراء، أى لا يكرههم أحد على البعد عنه، قال النووى: وفى بعض الأصول من
صحيح مسلم ((ولايكهرون)) بتقديم الهاء على الراء من الكهر، وهو الانتهار.
(وهنتهم) بفتح الهاء مخففة، أى أضعفتهم، يقال: وهنته الحمى، وأوهنته لغتان.
(حمى يثرب) هذا هو الاسم الذى كان للمدينة فى الجاهلية، وسميت فى الإسلام ((المدينة))
و(«طيبة)) و((طابة)) وسيأتى بسط ذلك فى آخر كتاب الحج، حيث ذكر مسلم أحاديث المدينة
وتسميتها إن شاء الله تعالى.
(فجلسوا مما يلى الحجر، وأمرهم النبى ® أن يرملوا) ضمير ((جلسوا)) للمشركين،
وضمير ((أمرهم)) للمسلمين. أى فجلس المشركون بجوار حجر إسماعيل ينظرون إلى المسلمين فى
طوافهم، وأمر النبى * المسلمين أن يرملوا ثلاثة أشواط.
(ويمشوا ما بين الركنين) ما بين الركنين اليمانيين المقابلين لحجر إسماعيل، فلا يرملوا،
بل يستريحوا من الرمل ويمشوا على عادتهم على مهل، حيث لا يراهم المشركون. وسيأتى تحقيق ذلك
فى فقه الحديث.
(إلا الإبقاء عليهم) بكسر الهمزة، فباء ساكنة بعدها قاف، ثم مد، أى الرفق بهم.
٢٨٠