النص المفهرس

صفحات 201-220

القعدة)) قال النووى ((موافين لهلال ذي الحجة)) أى مقارنين لاستهلاله وكان خروجهم قبله، لخمس
فى ذى القعدة، كما صرحت به رواية عمرة. اهـ
والأولى تفسير ((موافين لهلال ذي الحجة)» على معنى مشرفين عليه، آتين نحوه.
(فأهللنا بعمرة) هذا إخبار عن الحالة الثانية التى أمر بها رسول اللَّه ﴿ أصحابه، أما
إحرامهم الأول فقد عبرت عنه الرواية السادسة بقولها ((لا نرى إلا الحج)) أى لا نعتقد أنا نحرم إلا
بالحج، أى نظن أنه لا يصح منا فى هذا الوقت إلا الحج، لأنا كنا نظن امتناع العمرة فى أشهر الحج،
قال ابن التين: «لا نرى)» ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمها.
وعبرت عنه الرواية التاسعة بلفظ ((ولا نرى إلا الحج)) والرواية العاشرة بلفظ ((لا نذكر إلا الحج))
والحادية عشرة بلفظ ((لبينا بالحج)) والثالثة عشرة بلفظ ((مهلين بالحج فى أشهر الحج، وفى حرم
الحج وليالى الحج)) وحرم الحج بضم الحاء والراء. قال النووي: كذا ضبطناه، وكذا نقله القاضى
عياض فى المشارق عن جمهور الرواة، قال: وضبطه الأصيلى بفتح الراء، قال: فعلى الضم كأنها تريد
الأوقات والمواضع والأشياء والحالات، أما بالفتح فجمع حرمة، أى ممنوعات الشرع ومحرماته،
وكذلك قيل للمرأة المحرمة حرمة، وجمعها حرم. اهـ فالمعنى على الضم فى أزمنة الحج وأمكنته
وحالاته، أما أشهر الحج ولياليه فالجمهور على أنها شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذى الحجة، وقد
سبق الخلاف فى دخول بقية ذى الحجة فى أشهر الحج.
وعبرت عنه الرواية الخامسة عشرة والسابعة عشرة بلفظ ((ولا نرى إلا الحج)» وعبرت عنه الرواية
الثالثة والعشرون بلفظ قال جابر: أقبلنا مهلين مع رسول الله { بحج مفرد)» ولفظ السادسة
والعشرين ((خرجنا مع رسول اللَّه # مهلين بالحج)) ولفظ التاسعة والعشرين ((أهللنا - أصحاب
محمد - بالحج خالصا وحده)) ولفظ الثانية والثلاثين ((قدمنا مع رسول اللَّه ﴿ مهلين بالحج))
ولفظ الرابعة والثلاثين ((ونحن نقول: لبيك بالحج)) ولفظ الخامسة والثلاثين («لسنا ننوى إلا الحج،
لسنا نعرف العمرة)» أى لسنا نعرف جوازها فى أشهر الحج، ولفظ السادسة والستين عن ابن عمر
((أهللنا مع رسول اللَّه ﴿ بالحج مفرداً)) ولفظ الرابعة والسبعين عن أسماء بنت أبى بكر ((قدمنا مع
رسول اللَّه﴿ مهلين بالحج)) ولفظ الثامنة والسبعين ((كانوا يرون أن العمرة فى أشهر الحج من
أفجر الفجور)) ولفظ المتممة للثمانين عن ابن عباس ((قدم النبى * وأصحابه وهم يلبون بالحج
((ولفظ المتممة للتسعين عن أبى سعيد ((خرجنا مع رسول الله ﴿ نصرخ بالحج صراخا)» ولفظ
الواحدة والتسعين عن جابر وأبى سعيد ((قدمنا مع النبى {# ونحن نصرخ بالحج صراخاً)).
وهكذا تواردت الروايات على أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فى حجة الوداع أحرموا
بالحج مفرداً أول الأمر، لأن الحكم بجواز العمرة في أشهر الحج لم يكونوا قد علموا به، ولعل الرسول
* لم يعلمهم به أثناء إحرامهم الأول ليجمع إلى هذا الحكم حكم نسخ الحج، وحكم من ساق الهدى،
وحكم التمتع، والأحكام الأخرى، وربما كان فى انتظار الوحى بحكم اللَّه. أما ما أحرم به رسول الله
# نفسه فسنعرض الآراء والروايات الخاصة به فى فقه الحديث.
٢٠١

أما أين تم هذا الإحرام؟ الأول فقد كان عند ميقات أهل المدينة بذى الحليفة، وتحدثنا الرواية
الخامسة والثلاثون عن كيفيته، فتقول على لسان جابر له: «فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة،
فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول اللّه { /: كيف أصنع؟ قال:
اغتسلى، واستثفرى بثوب - أى ضعى حرقة عريضة بين الفخذين وشديها فى حزامك، تتلقى ماينزل
من دم - وأحرمى [وقد سبق الكلام على كيفية إحرام الحائض والنفساء فى الباب الذى قبل هذا]
فصلى رسول اللَّه ل فى المسجد- أى مسجد ذى الحليفة - ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به
ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك ... وأهل الناس بهذا الذى يهلون به [وقد سبق الكلام
عن إحرام أهل المدينة وميقاتهم، ومن أين يهلون قبل أبواب].
واستمر هذا الحال حتى وصلوا سرف، وفيها تقول الرواية التاسعة والحادية عشرة على لسان
عائشة رضى الله عنها:
(حتى إذا كنا بسرف، أو قريبا منها حضت) وتقول فى الرواية العاشرة ((حتى جئنا
سرف، فطمثت)) وفى الرواية الثالثة والعشرين ((حتى إذا كنا بسرف عركت)) و((سرف)) بفتح السين
وكسر الراء بين مكة والمدينة، تقرب من مكة، على بعد ستة أميال منها، وقيل: تسعة، وقيل: عشرة،
وقيل: اثنى عشر ميلا، ولعل هذا الاختلاف مبنى على تعدد الطرق وتعرج بعضها.
قال النووى: يقال: حاضت المرأة، وتحيضت، وطمثت، بفتح الطاء وكسر الميم وعركت - بفتح
العين والراء، ونفست -بفتح النون وضمها، لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، والفاء مكسورة فيهما، أما
النفاس الذى هو الولادة فيقال فيه: نفست بالضم لا غير وضحكت، وأعصرت، وأكبرت، وكله بمعنى
واحد، والاسم منه الحيض والطمث والعراك والضحك والإكبار والإعصار، وهى حائض، وحائضة فى
لغة غريبة، حكاها الفراء، وطامت وعارك ومكبر ومعصر. اهـ
(فدخل علىَّ النبي ◌َ وأنا أبكى، فقال: أنفست؟ يعنى الحيضة؟ قالت: قلت: نعم)
وفى الرواية العاشرة ((فقال: مايبكيك، فقلت: واللَّه لوددت أنى لم أكن خرجت العام. قال: مالك؟
لعلك نفست؟ قلت: نعم)).
(قال: هذا شىء كتبه الله على بنات آدم، فاقضى ما يقضى الحاج -أى افعلى ما
يفعل الحاج -غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلى) وفى الرواية العاشرة ((افعلى ما يفعل
الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهرى)».
وبعد سرف بقليل قال صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه - كما فى الرواية الرابعة:
(من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد
أن يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة - رضى الله عنها - فأهل رسول الله :﴿ بحج، وأهل
به ناس معه، وأهل ناس بالحج والعمرة، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة)
٢٠٢

وكما تقول الرواية السابعة والثامنة والثالثة عشرة: ((حتى نزلنا بسرف، فخرج إلى أصحابه، فقال:
من لم يكن معه منكم هدى فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدى فلا، فمنهم الآخذ بها
والتارك لها ممن لم يكن معه هدى)» كان هذا تخييرا للصحابة بين وجوه الإحرام المختلفة، دون
عزيمة، ودون إلزام، وكأنه تدرج بالصحابة لما علم من أنه سيشق على كثير منهم أن يعتمر فى أشهر
الحج، فلما قربوا من مكة - كما فى الرواية الخامسة عشرة - «حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله
* من لم يكن معه هدى إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل)» وأمر صلى الله عليه وسلم من
لم يكن معه هدى أن يحرم بعمرة أمرا جازما. وشق على كثير منهم أن يستجيب ويحرم بالعمرة فى
أشهر الحج، وترددوا، وتقاعسوا فى التنفيذ، وغضب صلى الله عليه وسلم، ودخل على عائشة - رضى
اللَّه عنها- مغضبا، تصور ذلك الرواية الثامنة عشرة تقول عائشة رضى الله عنها.
(قدم رسول اللَّه﴿ لأربع مضين من ذى الحجة، أو خمس، فدخل علىَّ، وهو غضبان،
فقلت: من أغضبك يا رسول اللَّه؟ أدخله الله النار. قال: أو ما شعرت أنى أمرت الناس
بأمرفإذا هم يترددون؟ وفى رواية ((كأنهم يترددون)) ولو أنى استقبلت من أمرى ما
استدبرت ما سقت الهدى معى حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا) أى ثم أحل كما سيحلون،
وتحكى هذه الجزئية الرواية المتممة للثلاثين، فيقول جابر طاته:
(فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به
صدورنا، فبلغ ذلك النبى ، فما ندرى؟ أشىء بلغه من السماء؟ أم شىء من
قبل الناس؟) أى هل علم بما حصل لنا عن طريق الوحى؟ أم علم عن طريق أحد منا
بلغه؟ - وتقول الرواية الواحدة والثلاثون:
(فقال رسول اللَّه مَ﴾: أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة،
وقصروا، وأقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم التروية - أى حتى إذا جاء يوم التروية، وهو
اليوم الثامن من ذى الحجة - فأهلوا بالحج، واجعلوا التى قدمتم بها متعة. قالوا: كيف
نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به فإنى لولا أنى سقت الهدى
لفعلت مثل الذى أمرتكم به، ولكن لا يحل منى حرام حتى يبلغ الهدى محله، ففعلوا)
وتقول الرواية الثامنة والسبعون:
(فقدم النبى ® وأصحابه صبيحة رابعة - أى من ذى الحجة - مهلين بالحج،
فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أى الحل؟ قال:
الحل كله) وتقول الرواية المتممة للثمانين:
(قدم النبى 8 وأصحابه لأربع خلون من العشر، وهم يلبون بالحج، فأمرهم أن
يجعلوها عمرة) وتقول الرواية الواحدة والثمانون:
٢٠٣

(صلى رسول اللَّه# الصبح بذى طوى، وقدم لأربع مضين من ذى الحجة، وأمر
أصحابه أن يحولوا إحرامهم بعمرة إلا من كان معه الهدى) و((ذو طوى)) بضم الطاء وفتحها
وكسرها وتخفيف الواو، واد معروف بقرب مكه، وقال النووى: هو موضع عند باب مكة بأسفلها فى
صوب طريق العمرة المعتاد ومسجد عائشة، ويعرف اليوم بآبار الزاهد، وينون، ويمنع من التنوين.
وهو قريب من البطحاء الوارد فى ملحق الرواية التاسعة والسبعين، بطحاء مكة وهو المحصب،
وهو فى الأصل مسيل واديها، وبطحاء الوادى حصاه اللين فى بطن المسيل وبطحاء مكة غير البطحاء
التى بذى الحليفة.
فلما طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة أمر من لم يكن معه هدى أن يحل تشير إلى ذلك
الرواية الثالثة والعشرون، وفيها يقول جابر له ((حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا
رسول اللَّه﴿ أن يحل منا من لم يكن معه هدى، قال: فقلنا: حل ماذا؟ [أى أى الحلين؟ التحلل
الأصغر؟ أم التحلل الأكبر الذى يحل به كل شىء؟ إذ كانوا يعلمون أن للإحرام تحللين] قال: الحل
كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا
يوم التروية [أى أحرمنا بالحج يوم الثامن] كما تشير إلى مثل ذلك الرواية السادسة والعشرون،
والرواية المتممة للثلاثين، وتقول الرواية الخامسة والثلاثون ((حتى إذا كان آخر طوافه على المروة،
فقال: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس
معه هدى فليحل [بضم الياء، من الإحلال، وهو الخروج من الإحرام، أى فليخرج نفسه من الإحرام،
ويروى بفتح الياء، أى فليصر حلالا] وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم [)) سراقة)) بضم
السين وتخفيف الراء، و((جعشم)) بضم الجيم وسكون العين، وضم الشين وقيل بفتحها الكنانى
المدلجى، مات فى أول خلافة عثمان] فقال: يارسول الله، ألعامنا هذا؟ أم الأبد؟ [قيل: معناه هل
العمرة يجوز فعلها فى أشهر الحج هذا العام فقط إبطالا لما كانت الجاهلية تعتقد؟ أو حكم مستمر
إلى يوم القيامة؟ وقيل: معناه هل جمع الحج مع العمرة فى عام ودخول أفعال العمرة فى أفعال
الحج خاص بهذا العام؟ أو مستمر إلى يوم القيام؟ وقيل: معناه هل جواز فسخ الحج إلى العمرة
خاص بهذا العام؟ أو مستمر إلى يوم القيامة؟ وفى هذا المعنى الأخير خلاف بين الفقهاء، سنفصله
فى فقه الحديث] فشبك رسول اللّه* أصابعه واحدة فى الأخرى [أى إصبع من يد فى مثيلتها من
اليد الأخرى، فأدخل كلا بين ثنتين إشارة إلى تمام التداخل] وقال: دخلت العمرة فى الحج، مرتين
[أى قال هذه الجملة، مرتين تأكيدا]، لا. بل لأبد أبد)).
وجاء فى هذه الرواية ((فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبى 19 ومن كان معه هدى، فلما كان يوم
التروية توجهوا إلى النبى /®، فأهلوا بالحج)».
إحرام عائشة رضى اللَّه عنها فى حجة الوداع:
كانت عائشة - رضى اللَّه عنها- كغيرها من المسلمين والمسلمات محرمة بالحج أول
٢٠٤

الأمر، لا ترى أنه يصح فى هذا الزمن إلا الحج، كما أوضحت هى ذلك فى الروايات التى
سقناها، فلما حاضت عند سرف خافت على ضياع حجتها فطمأنها رسول اللّه وف ل كما
ذكرنا فى الرواية التاسعة والحادية عشرة.
فلما أمر رسول اللَّه {: أصحابه الذين ليس معهم هدى أن يجعلوا حجتهم عمرة وكانت لا هدى
معها أحرمت بعمرة، كما جاء فى الرواية الرابعة والسابعة من قولها ((وكنت فيمن أهل بالعمرة)).
لكن يعكر على هذا ما جاء فى الرواية الثالثة عشرة من قولها ((فدخل على رسول اللَّه ◌َ﴾ وأنا
أبكى، فقال: ما يبكيك؟ قالت: قلت: سمعت كلامك مع أصحابك، فسمعت بالعمرة؟ قال: ومالك؟
قلت: لا أصلى [أى حائض] قال: فلا يضرك، فكونى فى حجك فعسى الله أن يرزقكيها)) فظاهر هذا
أنها لم تجعل حجها الأول عمرة.
ويصفو هذا التعكير بحمل ما جاء فى الرواية الثالثة عشرة على حال عائشة رضى الله عنها، وهى
فى مكة، فقد حولت إحرامها الأول بالحج إلى عمرة، ووصلت مكة مع من حولوا حجهم إلى عمرة،
لكنهم طافوا وسعوا وتحللوا، أما هى فلم تطف ولم تسع ولم تتحلل حتى جاء يوم التروية فأحرموا
بالحج فهى حتى ذلك الحين لم تعتمر، ولاتدرى ماذا تفعل فى إحرامها، ودخل الرسول # وهى تبكى،
فقال مايبكيك؟ قالت سمعت كلامك مع أصحابك، وأمرك لهم بأن يحرموا بالحج، وسمعت بالعمرة
التى اعتمروها، ولم أعتمرها؟ قال: لم لم تعتمرى؟ قالت: لم أزل حائضاً لا أصلى ولا أطوف. قال: أو ما
كنت طفت ليالى قدمنا مكة؟ [هكذا لفظ الرواية السابعة عشرة] قالت: قلت: لا.
وتوضح الرواية الأولى هذه المحادثة، وتصور هذه الحالة، فتقول على لسان عائشة رضى الله عنها
((فقدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت؛ ولا بين الصفا والمروة [لأن شرط السعى بين الصفا
والمروة أن يسبق بطواف] فشكوت ذلك إلى رسول اللّه * فقال: انقضى رأسك - [بالنون والقاف،
أى فكى ضفائر شعرك، قال الكرمانى ويجوز بالفاء بدل القاف إن صحت الرواية، فهما بمعنى واحد
-وامتشطى- أى واغتسلى للإحرام بالحج قال النووى: ولا يلزم منه إبطال العمرة، لأن نقض الرأس
والامتشاط جائزان عندنا فى الإحرام، بحيث لا ينتف شعرا، ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وقيل ليس
المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل، لإحرامها بالحج،
إذا لا يصح الغسل إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه، لاسيما إن كانت لبدت
رأسها. اهـ] وأهلى بالحج، ودعى العمرة)).
وتقول فى الرواية الثانية ((فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة، ولم أهلل إلا بعمرة، فأمرنى رسول
اللَّه ◌ِ﴿ أن أنقض رأسى، وأمتشط، وأهل بحج، وأترك العمرة)) أى أترك أفعالها من طواف وسعى
وتقصير مع استصحاب إحرامها، لتكون قارنة، فتدخل أفعالها فى أفعال الحج.
وفى الرواية الثالثة تقول ((فلما دخلت ليلة عرفة [أى يوم التروية] قلت: يارسول الله، إنى كنت
أهللت بعمرة، فكيف أصنع بحجتى؟ قال: انقضى رأسك، وامتشطى وأمسكى عن العمرة [أى أوقفى
أعمالها] وأهلى بالحج)).
٢٠٥

وفى الرواية الخامسة تقول «فأدركنى يوم عرفة وأنا حائض، لم أحل من عمرتى فشكوت ذلك إلى
النبى# فقال: دعى عمرتك، وانقضى رأسك، وامتشطى، وأهلى بالحج)).
وفى الرواية العاشرة تقول: ((فلما كان يوم النحر طهرت، فأمرنى رسول اللَّهِ{﴿ فأفضت)) قال
العينى: وكان ابتداء حيضها يوم السبت لثلاث خلون من ذى الحجة بسرف وطهرت يوم السبت،
وهو يوم النحر. اهـ وفى الرواية الثالثة والعشرين يقول جابر ره: ((ثم دخل رسول اللّه ◌َ ل على عائشة
- رضى اللَّه عنها- فوجدها تبكى، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأنى أنى قد حضت، وقد حل الناس، ولم
أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن؟ فقال: إن هذا أمركتبه الله على بنات آدم،
فاغتسلى، ثم أهلى بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة،
ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا، فقالت: يارسول الله، إنى أجد فى نفسى أنى لم أطف
بالبيت حتى حججت؟ قال: فاذهب بها يا عبدالرحمن، فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة)»
بفتح الحاء وإسكان الصاد، قال النووى: وهى التى بعد أيام التشريق، وسميت بذلك لأنهم نفروا من
منى، نزلوا فى المحصب، وباتوا به. اهـ
وقال العينى: والمشهور فى الحصبة سكون الصاد، وجاء فتحها وكسرها، وهى أرض ذات حصى.
فالرواية الثالثة والعشرون صريحة فى أن عائشة - رضى الله عنها- كانت قارنة، وأن طوافها
وسعيها مرة واحدة كفى عن الحج والعمرة معا، والرواية التاسعة عشرة تقول ((يسعك طوافك لحجك
وعمرتك)) والرواية المتممة للعشرين تقول ((يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك))
وكل ذلك صريح فى أن عمرتها من التنعيم لم تكن لأنها لم تعتمر مع حجها، وإنما كانت إرضاء
لمشاعرها، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يرضى هواها، ويستجيب لمطالبها لدلالها وصغرها وحبه لها
ولأبيها، ولذا جاء فى الرواية الخامسة والعشرين قول جابر ظه ((وكان رسول اللّه ﴿ رجلا سهلا [أى
كريم الخلق حسن العشرة] إذا هويت الشىء تابعها عليه، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبى بكر فأهلت
بعمرة من التنعيم».
أما قولها فى الرواية الأولى عن عمرة التنعيم ((فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك)) فمعناه - كما
قال النووي -: أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين
وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة، وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم
أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل
لها عمرة مندرجة فى حجة بالقران، فقال لها النبى 0# يوم النفر: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»
أى وقد تما وحسبا لك جميعا، فأبت، وأرادت عمرة منفردة، كما حصل لباقى الناس، فلما اعتمرت
عمرة منفردة قال لها النبى 13 ((هذه مكان عمرتك)) أى التى كنت تريدين حصولها منفردة، غير
مندرجة، فمنعك الحيض من ذلك. وكذا يقال فى قولها: يرجع الناس بحج وعمرة؟ وأرجع بحج؟
[الوارد فى الرواية العاشرة] أى يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة وأرجع أنا وليس لى عمرة
منفردة؟ وإنما حرصت على ذلك لتكثر أفعالها. اهـ
٢٠٦

وكذا قولها فى الرواية الثانية ((مكان عمرتى التى أدركنى الحج ولم أحلل منها)) أى مكان عمرتى
المنفردة التى أدركنى الحج ولم أحلل منها، وكذا قولها فى الرواية الثالثة ((مكان عمرتى التى أمسكت
عنها)) أى مكان عمرتى المنفردة، وكذا قولها فى الرواية الخامسة ((فقضى اللَّه حجنا وعمرتنا)) أى
أتمهما عن طريق القرآن وعن طريق عمرة مستقلة.
وكذا قولها في الرواية العاشرة (فأهللت منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التى اعتمروا) أى التى
اعتمروها منفردة.
وكذا قولها فى الرواية السادسة عشرة ((يصدر الناس بنسكين)) أى منفردين ((وأصدر بنسك
واحد)»؟ أى طواف واحد وسعى واحد؟ وهكذا يبدو ويترجح أنها - رضى الله عنها- أحرمت بحج، ثم
فسخته إلى عمرة، ثم أدخلت عليها الحج، فكانت قارنة، ثم اعتمرت عمرة مستقلة. والله أعلم.
هذا. وقد سلكت فى المباحث العربية فى هذا الباب حتى الآن هذا المنهج لأجمع بين الروايات
التى ظاهرها التعارض فى ألفاظها، لتأويل ما يحتاج إلى تأويل، وتقدير ما يحتاج إلى تقدير.
والواقع أن بعض الرواة كان يطوى بعض الأحداث، ويذكر البعض، فيوهم الطى أن المذكور بديل
عن المطوى فيوهم التعارض، كما أوضحنا ذلك فى إحرام عائشة رضى الله عنها.
والآن نعود إلى ما لم نذكره من المباحث العربية فى كل رواية على حدة. وبالله التوفيق.
الرواية الأولى
(فأهللنا بعمرة) هذا إخبار عن الحالة بعد سرف، لا عن حالة الإحرام الأول والتقدير: خرجنا
مع رسول اللَّه* عام حجة الوداع، فأهللنا بحج، فلما وصلنا سرف أمر رسول اللّه * بالعمرة،
فأهللنا بعمرة.
(من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة) المعية لا تلزم بأصل وإضافة وإلا فكان حقه
أن يقول: فليهل بالعمرة مع الحج، لأنهم أصلا محرمون بالحج. والهدى هنا اسم لما يهدى إلى الحرم
من الأنعام، قال النووى: يقال: ((هدى)) بإسكان الدال وتخفيف الياء و((هدى)) بكسر الدال وتشديد
الياء، لغتان مشهورتان، الأولى أفصح وأشهر.
(ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا) أى حتى ينتهى من أفعالهما بانتهاء المعهود للتحلل
الأصغر بالنحر.
(أرسلنى مع عبد الرحمن بن أبى بكر) هو أخوها شقيقها، وأمهما أم رومان بنت عامر.
(إلى التنعيم) وهو طرف حرم مكة من ناحية الشام، وهو أدنى الحل، وهو مشهور
بمسجد عائشة.
٢٠٧

الرواية الثانية
(فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج) معطوف على محذوف، تقديره: فأحرمنا بالحج،
حتى وصلنا سرف فأمرنا رسول اللَّه ﴿ بالعمرة، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من بقى مهلا بالحج حيث
کان معه «الهدى)».
(فقال رسول الله ﴿: من أحرم بعمرة) معطوف على محذوف أيضاً تقديره: حتى قدمنا
مكة وطاف المسلمون وسعوا، فقال رسول اللَّه ح له. إلخ.
(من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل) ((ولم يهد)» أى لم
يصحب هديا، و((أهدى)) أى صحب هديا، و((فليحلل)) بفك التضعيف من ((يحل)» وهى لغة معروفة.
الرواية الثالثة
(فأردفنى) فى الرواية الواحدة والعشرين ((فأردفني خلفه على جمل له)) وسيأتى فى تلك الرواية
وفى العاشرة ما حصل منه ومنها أثناء هذا الإرداف.
الرواية الخامسة
(فلولا أنى أهديت لأهللت بعمرة) فى الرواية الثامنة عشرة ((لو أنى استقبلت من أمرى. ما
استدبرت [أى لو أنى كنت أعلم ما سيحصل لى مستقبلا] ما سقت الهدى معى، حتى أشتريه [فى
نهاية الحج] ثم أحل كما حلوا)) وفى الرواية التاسعة والعشرين، لما ترددوا فى تنفيذ الأمر بالتمتع
خطبهم، فقال: ((قد علمتم أنى أتقاكم للَّه وأصدقكم [إيمانا] وأبركم [أى فى أعلى درجات الأبرار، فلا
أفعل ولا آمر إلا بما هو أقرب للتقوى] ولولا هديى لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمرى ما
استدبرت لم أسق الهدى)».
وفى الرواية المتممة للثلاثين ((أحلوا. فلولا الهدى الذى معى فعلت كما فعلتم)).
وفى الرواية الواحدة والثلاثين ((افعلوا ما آمركم به، فإنى لولا أنى سقت الهدى لفعلت مثل الذى
أمرتكم به)) وفى الرواية الخامسة والثلاثين ((لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى))
وفى الرواية الثالثة والتسعين ((لولا أن معى الهدى لأحللت)).
(وقد قضى الله حجنا) أى أتم حجنا.
(أرسل معى عبد الرحمن بن أبى بكر) فى الرواية الأولى ((أرسلنى مع عبد الرحمن بن أبى
بكر)) وفى الثانية ((بعث معى عبد الرحمن بن أبى بكر)) وقد سبق قريبا الكلام عن المعية، وفى الرواية
العاشرة ((أمر عبد الرحمن بن أبى بكر فأردفنى على جملة)) وفى الثالثة عشرة («فدعا عبد الرحمن بن
أبى بكر، فقال: اخرج بأختك من الحرم، فلتهل بعمرة، ثم لتطف بالبيت، فإنى أنتظركما ههنا)) وكان
٢٠٨

صلى الله عليه وسلم بالمحصب، وفى الرواية السادسة عشرة ((فاخرجى إلى التنعيم، فأهلى منه، ثم
القينا عند كذا وكذا )).
وفى السابعة عشرة («فاذهبى مع أخيك إلى التنعيم، فأهلى بعمرة، ثم موعدك مكان كذا وكذا))
وفى الواحدة والعشرين («فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر أن ينطلق بها إلى التنعيم)»، وفى الرواية الثالثة
والعشرين ((قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم)».
(ولم يكن فى ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم) قال النووي: هذا محمول على إخبارها عن
نفسها، أى لم يكن علىّ فى ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم، ثم إنه مشكل من حيث إنها كانت قارنة،
والقارن يلزمه الدم، وكذلك المتمتع، ويمكن أن يتأول هذا على أن المراد: لم يجب علىّ دم ارتكاب
شىء من محظورات الإحرام، كالطيب وستر الوجه وقتل الصيد وإزالة الشعر والظفر وغير ذلك، أى لم
أرتكب محظورا، فيجب بسببه هدى أو صدقة أو صوم. هذا هو المختار فى تأويله، وقال القاضى
عياض: فيه دليل على أنها كانت فى حج مفرد، لا تمتع ولا قران، لأن العلماء مجمعون على وجوب
الدم فيهما إلا داود الظاهرى فقال: لادم على القارن. هذا كلام القاضى. وهذا اللفظ، وهو قوله «ولم
يكن فى ذلك هدى ولا صدقة ولا صوم)) ظاهره فى هذه الرواية أنه من كلام عائشة، ولكن فى ملحق
الرواية التصريح بأنه من كلام هشام بن عروة، فيحمل الأول عليه، ويكون الأول فى معنى المدرج.
انتهى كلام النووی.
أقول: ومن المعلومات السابقة يتبين أن عائشة - رضى الله عنها- كانت قارنة ودخلت عمرة
قرانها فى حجها، وأن الرسول # أهدى عن نسائه - كما جاء فى الرواية العاشرة قدم القرآن أدى،
ولا شىء عليها فى إنشائها عمرة بعد التحلل من الحج، وعمرتها هذه فى غير أشهر الحج عند الجمهور،
فكأنها تقول: ولم يكن فى عمرتى هذه هدى ولا صدقة ولا صوم، وهذا صحيح. والله أعلم.
الرواية العاشرة
(والله لوددت أنى لم أكن خرجت العام) تمنت عدم خروجها للحج هذا العام لخشيتها أن
تكون سببا فى إيذاء الرسول # والمسلمين وحصرهم والتضييق عليهم فى حجهم.
(فإنى لأذكر وأنا جارية حديثة السن) المعنى إنى لأذكر حالتى وما حصل يومها، وأنا
حينذاك جارية، أى شابة فتية، حديثة السن، أى شابة، ففى كتب اللغة الحداثة سن الشباب،
وكانت عائشة رضى الله عنها حينئذ لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها فى أصح الأقوال.
(أنعس) بضم العين، وفى كتب اللغة: بفتح العين، يقال: نعس ينعس نعسا بسكون العين
ويفتحها ونعاسا أى فترت حواسه فقارب النوم، فهو ناعس.
(فيصيب وجهى مؤخرة الرحل) فيه تقديم المفعول على الفاعل، وأصله فتصيب مؤخرة
الرحل وجهى، والرحل ما يوضع على ظهر البعير للركوب، والمعنى أنها بنعاسها تطئطئ رأسها،
فتنخفض منها حتى تصطدم بخشبة الرحل.
٢٠٩

ولا يتعارض هذا مع قولها فى الرواية الواحدة والعشرين ((فجعلت أرفع خمارى [خمار
المرأة الثوب الذى تغطى به رأسها ووجهها، ويحيط برقبتها غالباً] أحسره عن عنقى
[أحسره بضم السين أى أكشفه عن رقبتى] فيضرب [عبد الرحمن] رجلى بعلة الراحلة [قال
النووى: أى يضرب رجلى عامدا فى صورة من يضرب الراحلة، أى يتعمد ضرب رجلى
برجله أو بسيفه أو بعصاه متظاهرا أنه يضرب الراحلة حين تكشف خمارها عن عنقها،
غيرة عليها] فتقول له: وهل ترى من أحد؟ أى نحن فى خلاء، ليس ههنا أجنبى أستتر منه))
أقول: لا تعارض، فهما حالان، حالة كشف الخمار وهى متيقظة، وحالة النعاس.
الرواية الثالثة عشرة
(فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدى) أى فمنهم الآخذ بهذه الإباحة
وجعلها عمرة، ومنهم التارك لها المستمر على إحرامه بالحج مع أنه ليس معه هدى، ظنا منهم أن
العبارة تخييرية، فهى متروكة لمن أحب.
(قلت: لا أصلى) كنت بذلك عن الحيض.
(فخرجت فى حجتى حتى نزلنا منى فتطهرت) فى الكلام طى، والأصل: فخرجت من
مكة إلى منى إلى عرفات، فوقفت بعرفة، ثم أفضت من عرفة حتى نزلنا منى يوم النحر، فتطهرت.
(ونزل رسول اللَّه ◌َ ﴿ المحصب) أى أقام فيه هو وأصحابه، فقد باتوا فيه بعد أن
نفروا من منى.
(فجئنا رسول اللّه# وهو فى منزله من جوف الليل) فى الرواية السابعة عشرة ((ثم
موعدك مكان كذا وكذا .. فلقينى رسول الله: ﴿، وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة
وهو منهبط منها)) وفى ملحقها ((وأنا متهبطة)) بالتاء بدل النون، ((وهو متهبط)) بالتاء بدل النون.
يقال: هبط وانهبط أى نزل، ويقال تهبط، أى انحدر فى بطء، ومن المعلوم أن دروب مكة ترتفع
وتنخفض، فهذه الرواية لا تتفق مع الرواية الثالثة عشرة فى مكان اللقاء، اللَّهم إلا أن يقال: إن رسول
اللَّه ◌َ﴿ وعدها أن تعود إليه فى المحصب أو فى الطريق منه إلى المسجد الحرام، فعادت إليه فى
المحصب وهو يتأهب للخروج من مكة، وكانت هى داخلة إليها من الحل والتنعيم.
وقد جمع النووى بأنه صلى الله عليه وسلم خرج بعد ذهابها، فقصد البيت ليطوف طواف الوداع،
ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع، وكل هذا فى الليل، فلقيها صلى الله عليه وسلم وهو صادر بعد
طواف الوداع، وهى داخلة لطواف عمرتها، ثم فرغت من عمرتها، ولحقته صلى اللّه عليه وسلم، وهو
بعد فى منزله فى المحصب.
وأما قولها)) فأذن فى أصحابه، فخرج، فمر بالبيت، وطاف)) فيتأول على أن فى الكلام
تقديما وتأخيرا. اهـ
٢١٠

وفى هذا الجمع تكلف لا يساعده المقام، ويلزمه أن عائشة -رضى الله عنها- لم تطف
طواف الوداع.
(فأذن فى أصحابه بالرحيل) إلى المدينة بعد طواف الوداع، وصلاة الصبح فى الحرم.
الرواية الخامسة عشرة
(فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر) ((فدخل)) بضم الدال، مبنى للمجهول.
(ذبح رسول اللَّهَ عن أزواجه) فى الرواية التاسعة قالت: «وضحى رسول اللّهلم﴾ عن
نسائه بالبقر)».
الرواية السادسة عشرة
(يصدر الناس بنسكين) أى يرجع الناس كل منهم بنسكين منفردين؟ يقال: صدر عن المكان
أى رجع وانصرف. وهو المراد هنا، أما صدر إلى المكان فمعناه. انتهى إليه.
(ولكنها على قدر نصبك) أى ولكن أجر عمرتك على قدر تعبك وحدك واجتهادك
وإخلاصك فى أدائها، والنصب بفتح الصاد التعب والجد والاجتهاد. وشك الراوى فى قول
الرسول #، هل قال: ((على قدر نصبك)) أو قال: ((على قدر نفقتك)) ولعل المراد من النفقة
هنا إنفاق الجهد والمشقة والإخلاص.
الرواية السابعة عشرة
(فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت) هذا الكلام من عائشة، وهى لم تطف بالبيت، فمعناه
تطوف المسلمون بالبيت.
(قالت صفية: ما أرانى إلا حابستكم؟) أى ما أظننى إلا حابستكم ومانعتكم من الرحيل؟
قالت ذلك حين أذن صلى الله عليه وسلم بالرحيل وطواف الوداع إذا حاضت فى هذا الوقت، ولا
يمكنها الطواف حتى تطهر، ظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، وظن رسول اللّه - أنها
لم تطف طواف الركن، طواف الإفاضة، فقال: (عقرى حلقى) قال النووى: هكذا يرويه المحدثون،
بالألف التى هى ألف التأنيث، ويكتبونه بالياء ولا ينونونه، وهكذا نقله جماعة لا يحصون من أئمة
اللغة وغيرهم عن رواية المحدثين، وهو صحيح فصيح. قال الأزهرى فى تهذيب اللغة: قال أبو عبيد:
معنى ((عقرى)) عقرها الله تعالى، و(حلقى)) حلقها الله. قال: يعنى عقر اللّه جسدها، وأصابها بوجع
فى حلقها. قال أبو عبيد: أصحاب الحديث يروونه ((عقرى حلقى)) وإنما هو ((عقرا حلقا)» قال: وهذا
على مذهب العرب فى الدعاء على الشىء من غير إرادة وقوعه. قال شمر: قلت: لأبى عبيد: لم لاتجيز
((عقرى)) فقال: لأن فعلى تجىء نعتا، ولم تجىء فى الدعاء. وقال صاحب المحكم: يقال للمرأة عقرى
وحلقى، معناه عقرها اللَّه وحلقها أى حلق شعرها، أو أصابها بوجع فى حلقها. قال: فعقرى ههنا
٢١١

مصدر، كدعوى، وقيل: معناه تعقر قومها، وتحلقهم بشؤمها وقيل: العقرى الحائض، انتهى كلام
صاحب المحكم، وقيل: معناه جعلها الله عاقرا، لا تلد وحلقى مشئومة على أهلها.
وعلى كل قول فهى كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم اتسعت العرب فيها فصارت تطلقها ولا تريد
حقيقة ما وضعت له أولا، ونظيره تربت يداه، وقاتله الله أو ما أشجعه وما أشعره! والله أعلم. اهـ
(لا بأس. انفرى) فى كتب اللغة: يقال: لا بأس عليه أى لا خوف عليه، ولا بأس به أى لا مانع
به، ولا بأس فيه أى لا حرج فيه، وكلها صالحة هنا، ونفر من المكان تركه إلى غيره، فالمعنى هنا
اتركى المحصب وارحلى معنا إلى المدينة.
الرواية الثامنة عشرة
(فدخل علىّ وهو غضبان) قال النووى: أما غضبه صلى الله عليه وسلم فلانتهاك حرمة الشرع،
وترددهم فى قبول حكمه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فغضب صلى اللّه عليه وسلم
لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم فى نقص إيمانهم بتوقفهم.
(فإذا هم يترددون - أو كأنهم يترددون، أحسب) قال النووى: قال القاضى: كذا وقع هذا
اللفظ، وهو صحيح، ومعناه أن الحكم شك فى لفظ النبى # هذا مع ضبطه لمعناه، فشك هل قال:
يترددون؟ أو نحوه من الكلام؟ ولهذا قال بعده: أحسب أى أظن أن هذا لفظه.
الرواية الثالثة والعشرون
(وأقبلت عائشة -رضى الله عنها - بعمرة. حتى إذا كنا بسرف عركت) ظاهره أنها
رضى الله عنها أهلت بعمرة قبل أن تحيض، وهو غير صحيح، ولا يتفق مع أحاديثها الصحيحة عن
نفسها، ولعل فى كلام جابر تقديماً وتأخيراً، وحقه: أقبلنا مهلين مع رسول اللّه * بحج مفرد،
حتى إذا كنا بسرف عركت عائشة ثم أمر رسول اللّه من لم يكن معه هدى أن يحرم بالعمرة،
فأقبلت عائشة - رضى الله عنها- إلى مكة بعمرة، حتى إذا قدمنا مكة ... إلخ.
(حل ماذا؟ قال: الحل كله) فى الرواية السادسة والعشرين والثامنة والسبعين ((أى الحل))؟
ومعناه أى شىء من الأشياء يحل علينا؟ لأنه أمر أن يحلوا من العمرة، فقال: ((حل كله)). يعنى جميع
ما يحرم على المحرم، حتى الجماع، وذلك تمام الحل، كأنهم كانوا يعرفون أن للحج تحللين، فأرادوا
بيان ذلك، بقولهم: أى الحل؟ فبين لهم الحل كله، لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد.
(فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا) أى وتحللنا من محرمات الإحرام،
والمراد أن بعضهم فعل كل ذلك، لا كلهم.
٢١٢

الرواية السادسة والعشرون
(ومسسنا الطيب) قال النووى: هو بكسر السين الأولى، هذه هى اللغة المشهورة، وفى لغة قليلة
بفتحها، قال الجوهرى: يقال: مسست الشىء بكسر السين أمسه بفتح الميم مساء فهذه اللغة
الفصيحة. قال: وحكى أبو عبيدة: مسست الشىء بالفتح أمسه. بضم الميم. قال: وربما قالوا: مست
يحذفون منه السين الأولى، ويحولون كسرتها إلى الميم، قال: ومنهم من لا يحول، ويترك الميم على
حالها مفتوحة. اهـ
الرواية السابعة والعشرون
(فأهللنا من الأبطح) وهو البطحاء، وهو المحصب - بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الصاد
المفتوحة، وهو مكان متسع بين مكة ومنى، وسمى بالمحصب لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل،
وهو موضع منهبط، وحدوده ما بين الجبلين إلى المقابر، وليست المقبرة منه وفيه لغة أخرى
((الحصاب)) بكسر الحاء، وحده أبو عبيد من الحجون ذاهبا إلى منى.
الرواية التاسعة والعشرون
(إلا خمس) أى إلا خمس ليال بما فيها ليلة عرفة، لأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك صبح
رابعة، أى صبح الليلة الرابعة.
(فقدم على من سعايته) فى الرواية الخامسة والثلاثين ((وقدم على من اليمن ببدن النبى وَ ﴾.
وكان النبى ® قد أرسله إلى اليمن قبل حجة الوداع ليحصل على بعض الصدقات من أربابها، قال
القاضى عياض: قوله ((من سعايته)» أى من عمله فى السعى فى الصدقات. قال: وقال بعض علمائنا:
الذى فى غير هذا الحديث أن النبى 8 إنما بعث علياً عه إلى اليمن أميرا، لا عاملا على الصدقات،
إذ لايجوز استعمال بنى هاشم على الصدقات. قال القاضى: يحتمل أن عليا ه ولى الصدقات
وغيرها احتسابا، أو أعطى عمالته عليها من غير الصدقة. قال: وهذا أشبه، لقوله: ((من سعايته))
والسعاية تختص بالصدقة قال النووى: وهذا الذى قاله حسن، إلا قوله: إن السعاية تختص بالعمل
على الصدقة فليس كذلك، لأنها تستعمل فى مطلق الولاية.
(وأهدى له على هديا) أى أهدى للنبى * هديا اشتراه له، لا أنه من السعاية على الصدقة.
الرواية المتممة للثلاثين
(حتى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج) قال النووى:
معناه أهللنا بالحج عند إرادتنا الذهاب إلى منى. اهـ. ولعله بذلك يشير إلى ما جاء فى
الرواية الخامسة والثلاثين من قوله ((فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج)»
وما جاء فى الرواية السابعة والعشرين من قوله ((أمرنا النبى 8# لما أحللنا- أن نحرم إذا
توجهنا إلى منى. قال: فأهللنا من الأبطح)».
٢١٣

وقال: قد يستدل بالإهلال من الأبطح من يجوز للمكى والمقيم بها الإحرام بالحج من الحرم، وفى
المسألة وجهان لأصحابنا، أصحهما: لا يجوز أن يحرم بالحج إلا من داخل مكة، وأفضله من باب
داره، وقيل: من المسجد الحرام، والثانى يجوز من مكة ومن سائر الحرم، وقد سبقت المسألة فى باب
المواقيت، فمن قال بالثانى احتج بحديث جابر هذا لأنهم أحرموا من الأبطح، وحين جعلوا مكة
بظهرهم، أى لم يحرموا من داخل مكة، لكنه من الحرم، ومن قال بالأول - وهو الأصح قال: إنما
أحرموا من الأبطح لأنهم كانوا نازلين به وكل من كان دون الميقات المحدد له فميقاته منزله، كما
سبق فى باب المواقيت. واللَّه أعلم.
الرواية الواحدة والثلاثون
(تصير حجتك الآن مكية) قيل معناه: قليلة الثواب، لقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه
أنك تنشئ حجك من مكة، كما ينشئ أهل مكة منها، فيفوتك فضل الإحرام من الميقات.
(عام ساق الهدى معه) فى رواية البخارى ((يوم ساق البدن معه)) وذلك فى حجة الوداع.
(أحلوا من إحرامكم) أى اجعلوا حجتكم عمرة، وتحللوا منها بالطواف والسعى.
(وقصروا) إنما أمرهم بالتقصير ليتوفر الشعر للحلق أو التقصير للحج، لأنهم سيهلون به بعد
زمن قصير.
(واجعلوا التى قدمتم بها متعة) أى اجعلوا الحجة المفردة التى أهللتم بها عمرة، تتحللوا
منها، فتصيروا متمتعين، فأطلق على العمرة متعة مجازا، والعلاقة بينهما السببية والمسببية.
(لا يحل منى حرام) أى لا يحل منى ما حرم على، ووقع فى بعض روايات مسلم ((لا يحل منى
حراما)) بالنصب على المفعولية، وعلى هذا فيقرأ ((يحل)) بضم الياء وكسر الحاء والفاعل محذوف،
تقديره: لا يحل طول المكث منى شيئا حراما حتى يبلغ الهدى محله، أى إذا نحريوم منى.
الرواية الثالثة والثلاثون
(على يدى دار الحديث) أى بين يدى، أى أمامى، وعلى مسامعى.
(تمتعنا) من التمتع بالعمرة إلى الحج، أو من متعة النساء، أى الزواج لأجل.
13
(إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء) أى بسبب يشاؤه جل شأنه، يشير بذلك إلى
الخصوصية له صلى الله عليه وسلم، أو الخصوصية لعام المناسبات خاصة، فالتمتع بالعمرة إلى
الحج رخص به لإبطال عقيدة أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وثبتت العقيدة الصحيحة،
ومتعة النساء كانت للحاجة وانتهت، وسيأتى الكلام عن فتوى عمر بهذا الخصوص فى فقه الحديث.
٢١٤

(إن القرآن نزل منازله) أى ثبتت أحكامه وهو يقول: (وأتموا الحج والعمرة للَّه) حمل
إتمامها على إتمام كل منهما مستقلا، دون تداخل، مع أن التمتع لا يتعارض مع الآية، ولا مع قوله فى
ملحق الرواية ((فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم)) ولا يخالف الإتمام على الاستقلال سوى
القران، وسيأتى التفصيل فى فقه الحديث.
(وأبتوا نكاح هذه النساء) المتزوجات إلى أجل، واقطعوا النكاح، واجعلوه غير مؤقت.
الرواية الخامسة والثلاثون
(فسأل عن القوم) أى سأل زائريه واحدا واحدا عن قومهم ونسبهم.
(فأهوى بيده إلى رأسى، فنزع زرى الأعلى، ثم نزع زرى الأسفل، ثم وضع كفه بين
ثديى) كان جابر له أعمى، وكان محمد بن حسين غلاما شاباً صغيراً فأراد جابر مداعبته وتأنيسه،
فوضع يده على رأس الغلام يمسحه، ثم نزل بيده من الرأس إلى فتحة قميص محمد، ففك زر القميص
العلوى [زراره] ثم حل زر القميص السفلى، ولم يكن لفتحة طوق القميص سوى زرين، ثم أدخل يده
بين القميص وبين صدر الغلام ووضعها بين ثدييه، يمسح صدره بأصابعه محبة وتأليفا. ولفظ ((ثديى))
بالتثنية، قال النووى: واختلف أهل اللغة فى إطلاق الثدى للرجل، منهم من جوزه للرجل كالمرأة،
ومنهم من منعه، وقال: يختص الثدى بالمرأة، ويقال فى الرجل: ثندوة. أهـ
(فقام فى نساجة ملتحفا بها) قال النووى: ((نساجة)) بكسر النون وتخفيف السين المهملة
وبالجيم، هذا هو المشهور فى نسخ بلادنا ورواياتنا لصحيح مسلم وسنن أبي داود، ووقع فى بعض
النسخ فى ((ساجة)) بحذف النون، ونقله القاضى عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصواب. قال:
والساجة والساج جميعا ثوب كالطيلسان وشبهه، قال: ورواية النون وقعت فى رواية الفارسى، وقال:
ومعناه ثوب ملفق. وقال: قال بعضهم: النون خطأ وتصحيف. قال النووي: قلت: ليس كذلك، بل
كلاهما صحيح، ويكون ثوبا ملفقا على هيئة الطيلسان، قال القاضى فى المشارق: الساج والساجة
الطيلسان، وجمعه سيجان، قال: وقيل هى الخضر منها خاصة، وقال الأزهرى: هو طيلسان مقور
ينسج كذلك، قال: وقيل: هو الطيلسان الحسن، قال: ويقال الطيلسان بفتح اللام وكسرها وضمها،
وهى أقل. اهـ
وفى المعجم الوسيط: الطالسان ضرب من الأوشحة، يلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن، خال
من التفصيل والخياطة، أو هو ما يعرف فى العامية المصرية بالشال (فارسى معرب) وهو الطيلسان،
والجمع طيالس.
(ورداؤه إلى جنبه على المشجب) كأنه كان بالإزار دون الرداء، وأراد أن يلتحف بالطيلسان
بدل الرداء، والمشجب أعواد تغرس فى الحائط يعلق عليها الثياب (شماعة).
٢١٥

(فقال بيده فعقد تسعا) فيه استعمال القول بدل الفعل، والمراد عد بأصابع يده تسعا.
(كيف أصنع؟) ((كيف)» يسأل بها عن الهيئة. أى على أى حالة أصنع فى إحرامى؟
(واستثفرى بثوب) سبق قريبا معناه، وأنه خرقة توضع بين فخذى الحائض، تتلقى الدم.
(فصلى فى المسجد) أى مسجد ذى الحليفة.
(ثم ركب القصواء) بفتح القاف والمد، اسم ناقتة، أى التى تبلغ أقصى الأماكن كذا
قيل، وقال القاضى: ووقع فى نسخة ((القصوى)) بضم القاف والقصر، قال: وهو خطأ، قال
ابن قتيبة: كانت للنبى { * نوق، القصواء، والجدعاء، والعضباء، قال أبو عبيد: العضباء اسم
لناقة النبى *، ولم تسم بذلك لشىء أصابها. قال القاضى: وفى غير مسلم ((خطب على
ناقته الجدعاء)) وفى حديث آخر ((على ناقة خرماء)) وفى آخر ((العضباء)) وفى حديث آخر
((كانت له ناقة لا تسبق)) وفى آخر تسمى ((مخضرمة)»، وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة،
خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان اسمها أو وصفها، لهذا الذى بها، خلاف ما قال أبو
عبيد. قال الحربى: العضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة فى الآذان، وقال ابن
الأعرابى: القصواء التى قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه، وقال الأصمعى: والقصو مثله،
قال: وكل قطع فى الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهى عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين،
فإن اصتلمتا فهى صلماء. وقال التيمى وغيره: إن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لذاقة
واحدة كانت لرسول اللَّه ◌ُ ﴾.
(فأهل بالتوحيد) يعنى بقوله ((لبيك لا شريك لك)).
(وأهل الناس بهذا الذى يهلون به) أى بالحج مفردا، يصرح بذلك بعد قليل.
(فلم يرد رسول اللَّه﴿ شيئا منه) من إهلالهم بالحج، ولم يرشدهم إلى العمرة.
(استلم الركن) أى استلم الحجر الأسود فى الركن من الكعبة.
(ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) أى اخترق الناس ونفذ من بينهم.
(فجعل المقام بينه وبين البيت) أى وصلى ركعتين.
(حتى إذا انصبت قدماه فى بطن الوادى سعى) أى حتى إذا هبط فى بطن الوادى [بين
الميلين الأخضرين المعلمين فى هذه الأيام] هرول.
(فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل) أمر بالتحلل، وكان قد طلب منهم أن يحرموا
بالعمرة عقب خروجهم من سرف وقبل وصولهم مكة.
٢١٦

(فكان علىّ يقول بالعراق) أى وهو بالعراق، بعد أن تولى الخلافة.
(فذهبت إلى رسول اللّه # محرشا على فاطمة) أى مهيجا للرسول * على فاطمة،
ومغريا إياه عليها والمراد هنا إغراؤه على عتابها.
(ماذا قلت حين فرضت الحج؟) أى حين أحرمت؟
(فإن معى الهدى فلا تحل) أى فإن معى الهدى فلا أحل، ومعك الهدى فلا تحل.
(توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج) ظاهره أنهم لم يحرموا من مكة، وقد سبق الكلام عن
ميقات إحرام المكى والمقيم بها عند الكلام على لغويات الرواية المتممة للثلاثين.
(تضرب له بنمرة) قال النووى: بفتح النون وكسر الميم، هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز فى
نظيرها، وهو إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، وهى موضع بجانب عرفات، وليست من عرفات.
(فأجاز رسول اللَّه # حتى أتى عرفة) أى أجاز المشعر الحرام وجاوزه وقطعه وساربه
وخلفه حتى أتى عرفة، أى حتى أتى («نمرة)) قريبا من عرفة، ففيه مجاز المقاربة والمشعر الحرام
جبل فى المزدلفة، يقال له: قزح، وقيل: إن المشعر الحرام كل المزدلفة، وكان سائر العرب يتجاوزون
المزدلفة ويقفون بعرفات (انظر الرواية الثامنة والثلاثين).
(إن دماءكم وأموالكم) فى رواية البخارى ((وأعراضكم)) والعرض ما يحميه الإنسان.
(كحرمة يومكم هذا .. إلخ) قال الحافظ: إنما شبهها بهذه الأشياء فى الحرمة لأنهم كانوا لا
يرون استباحة تلك الأشياء بحال، وذكر الشهر والبلد للتأكيد.
(كل شىء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع) أى ساقط، من قولهم: وضع عنه الدين
والجزية والجناية، وقوله: ((تحت قدمى)) بالتثنية تأكيد لإبطاله وسقوطه.
(ودماء الجاهلية موضوعة) ما كان فى الجاهلية قبل الإسلام من قتل فلا مطالبة بثأره أو
قصاصه أو ديته.
(وأول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة) فى بعض رواة مسلم ((دم ربيعة بن الحارث)) قيل:
هووهم، والصواب ((ابن ربيعة)) لأن ربيعة عاش بعد النبى إلى زمن عمر بن الخطاب، وتأوله أبو
عبيد، فقال: ((دم ربيعة)) لأنه ولى الدم فنسبه إليه. قالوا: وكان هذا الابن المقتول طفلا صغيرا يحبو
بين البيوت، فأصابه حجر فى حرب كانت بين بنى سعد وبنى ليث بن بكر.
(فإنه موضوع كله) معناه الزائد على رأس المال، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أُمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. لأن الربا الزيادة، فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع الرد
والإبطال. قاله النووى.
٢١٧

(فإنكم أخذتموهن بأمان الله) قال النووي: هكذا هو فى كثير من الأصول وفى بعضها
((بأمانة اللَّه)).اهـ أى بسبب الأمان والعهد الذى عهد به إليكم، وجعلن أمانة لديكم.
(واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه) قيل: معناه قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ
بإِحْسَان﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقيل: المراد كلمة التوحيد، وهى لا إله إلا الله محمد رسول اللَّهِ ﴿ إِذَ لا
تحل مسلمة لغير مسلم، وقيل: المراد بإباحة اللّه، والكلمة ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النَّسَاءِ﴾
[النساء: ٣]. قال النووى: وهذا الثالث هو الصحيح، وقيل: المراد بالكلمة الإيجاب والقبول، ومعناه
على هذا بالكلمة التى أمر اللَّه تعالى بها.
(أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه) قال المازري: قيل: المراد بذلك لا يستخلين بالرجال،
ولم يرد زناها، لأن ذلك يوجب جلدها، ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه، وقال
القاضى عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك عيبا، ولا ريبة عندهم، فلما
نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك.
قال النووى: والمختار أن معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه فى دخول بيوتكم والجلوس فى منازلكم،
سواء كان المأذون له رجلا أجنبيا أو امرأة أو أحدا من محارم الزوجة. اهـ والأولى قصر النهى على
المرأة والمحرم، أما الرجل الأجنبى فهو ظاهر الحرمة.
(فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح) الضرب المبرح - بضم الميم وفتح الباء وكسر الراء
المشددة - الضرب الشديد الشاق، والبرح المشقة.
(قال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس) قال النووي: هكذا
ضبطناه ((ينكتها)» بالتاء بعد الكاف، قال القاضى: وهو بعيد المعنى، قيل صوابه «ينكبها)» بالباء بعد
الكاف، ومعناه يقلبها ويرددها إلى الناس مشيرا إليهم، اهـ وفى كتب اللغة: نكت الشىء نثر ما فيه
أو أخرجه، يقال: نكت العظم أخرج مخه.
(فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) قال النووى: هى صخرات مفترشات فى
أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذى بوسط أرض عرفات.
(وجعل حبل المشاة بين يديه) قال النووى: روى ((حبل)) بالحاء المهملة، وروى ((جبل))
بالجيم وفتح الباء، قال القاضى: الأول أشبه بالحديث، و((حبل المشاة)) مجتمعهم، وأما الجيم فمعناه
طريقهم، وحيث تسلك الرجالة. اهـ [وفى كتب اللغة: الجبل بفتح الجيم وضمها وكسرها مع سكون
الباء الجماعة من الناس والساحة].
(وأردف أسامة خلفه) أى ركب القصواء، وأردف عليها أسامة بن زيد خلفه.
(ودفع رسول اللَّه ◌ِ ﴿) أى دفع عن المكان، ورحل عنه.
٢١٨

(وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله) معنى ((شنق)) ضم
وضيق، ومورك الرحل الموضع الذى يثنى الراكب رجله عليه، والمعنى شد الزمام الذى يمسك برأس
الراحلة حتى تكاد رأسها تلتصق بصدرها، منعا لها من الإسراع لأنها تنطلق إذا أطلق لها الزمام.
(كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد) قال النووى: الحبال هنا بالحاء
المهملة المكسورة، جمع حبل، وهو التل اللطيف من الرمل. و((تصعد)) بفتح التاء وضمها، يقال: صعد
فى الجبل وأصعد.
(حتى أتى المزدلفة) موضع معروف، قيل: سميت بذلك من التزلف، والازدلاف التقرب، لأن
الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أى مضوا إليها، وتقربوا منها، وقيل: سميت بذلك
لمجىء الناس إليها فى زلف من الليل، أى ساعات، وتسمى ((جمعا)) بفتح الجيم وسكون الميم،
سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، أو لجمع الصلاة فيها، وقيل لاجتماع آدم وحواء فيها.
قال النووى: واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم، وحدها ما بين مأزمى عرفة [المأزم - بكسر الزاى -
الطريق الضيق بين جبلين] ووادي محسر، وليس الحدان منها، ويدخل فى المزدلفة جميع تلك
الشعاب والحبال الداخلة فى الحد المذكور.
(ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) المراد به هنا قزح - بضم القاف وفتح الزاى
بعدها حاء، وهو جبل معروف فى المزدلفة. وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر
الحرام جميع المزدلفة، وظاهر الحديث مع القول الأول.
(فدعاه وكبره وهلله ووحده) أى دعا ريه وكبره إلخ، والضمير وإن لم يسبق له ذكر
مفهوم من المقام.
(حتى أسفرجدا) الضمير فى ((أسفر)) يعود إلى الفجر المذكور قريبا والسفر -بفتح السين
وسكون الفاء - والسفور الإضاءة والكشف، يقال: سفر الصبح وأسفر أى أضاء وأشرق، وسفرت
الشمس طلعت، وعن ابن خزيمة والطبرى ((فدفع رسول اللّه * حين أسفر كل شىء قبل أن تطلع
الشمس)) أى ظهر كل شىء وانكشف، وقوله ((جدا)) أى إسفارا بليغا.
(وكان رجلا حسن الشعر وسيما) وصفه بصفة يفتتن بها النساء، وكأن تحويله عن النساء
كان خوفا عليهن من جماله، لا خوفا عليه منهن، ولكن يلزم من افتتان المرأة به أن يقع فى شراكها.
(مرت به ظعن يجرين) الظعن بضم الظاء والعين، ويجوز إسكانها جمع ظعينة، وأصل
الظعينة البعير الذى عليه امرأة، ويراد بها هنا المرأة مجازا لملابستها البعير، قاله النووى. وكأن
المعنى مرت به فتيات يجرين.
(فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر) كأنهن كن كثيرات، يمكن رؤيتهن من جهة
ومن جهة أخرى.
٢١٩

وفى رواية الترمذى ((أن النبى ◌ُ لوى عنق الفضل، فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك؟ قال:
رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما)».
(حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا) قال النووى: ((محسر)) بضم الميم وفتح الحاء وكسر
السين المشددة، سمى بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أى أعيى وكل. ومعنى ((حرك قليلا))
حرك دابته أكثر من حركتها، أى أسرع.
(مثل حصى الخذف) متصل بقوله ((فرماها بسبع حصيات)) وجملة ((يكبر مع كل حصاة)»
معترضة بين الصفة والموصوف، وحصى الخذف هو الحصا الذى فى قدر حبة الباقلاء، والتى توضع
بين السبابة والإبهام فترمى. والخذف الرمى.
(فنحر ثلاثا وستين بيده) قال النووى: هكذا هو فى النسخ ((ثلاثا وستين بيده))
وكذا نقله القاضى عياض عن جميع الرواة سوى ابن هامان، فإنه رواه ((بدنة)) قال: وكلامه
صواب، والأول أصوب.
(ثم أعطى عليا فنحر ما غبر) أى ما بقى، ومفعول ((أعطى)) الثانى محذوف، أى أعطى عليا
السكين، أو أعطاه ما بقى.
(وأشركه فى هديه) أى فى ذبح هديه، وليس المراد كما هو الظاهر أنه أشركه فى نفس
الهدى، قال القاضى عياض: وعندى أنه لم يكن تشريكا حقيقة، بل أعطاه قدرا يذبحه، والظاهر أن
النبى * نحر البدن التى جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثا وستين وأعطى عليا البدن التى جاءت
معه من اليمن، وهى تتمم المائة.
(ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت فى قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها) قال النووى:
البضعة بفتح الباء لاغير، وهى القطعة من اللحم، ولما كان فى الأكل من كل واحدة من المائة منفردة
كلفة جعلت فى قدر ليكون شاربا من مرق الجميع الذى فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم
المجتمع فى المرق ماتيسر.
(فأفاض إلى البيت) الإفاضة النزول من عرفات، والتقدير: فأفاض إلى البيت،
فطاف طواف الإفاضة.
(انزعوا بنى عبد المطلب) بكسر الزاى، أى اسقوا بالدلاء، وانزعوها بالحبال، وكانوا يغرفون
ماء زمزم من البئر بالدلاء، ويصبونه فى الحياض ونحوها، ويسيلونه للناس.
(فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) معناه: لولا خوفى أن يعتقد الناس
ذلك من مناسك الحج، ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم،
لكثرة فضيلة هذا الاستقاء.
٢٢٠