النص المفهرس
صفحات 61-80
فقه الحديث
أخذ النووى عنوان [فضل ليلة القدر] استنباطاً من الأحاديث المذكورة، فهى تحث على طلبها
والتماسها وتحريها بالعبادة والدعاء، وما ذلك إلا لفضلها، وقد ساق البخارى تحت هذا العنوان قوله
تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِن أَلْفِ شَهْرِ﴾ٍ تَنَزَّلُ
الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أَمْرِهِ سلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ كما ساق حديث ((من
صام رمضان إيماناً واحتساباً غفرله ما تقدّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما
تقدم من ذنبه».
وقد اختلف العلماء فى وجودها ودوامها إلى آخر الدهر، وفى محلها اختلافات كثيرة، حصل منها
الحافظ ابن حجر أكثر من أربعين قولا. قال النووي: وأجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى
آخر الدهر، الأحاديث الصحيحة المشهورة، قال القاضى: وشذ قوم، فقالوا: رفعت، لقوله صلى اللّه
عليه وسلم ((فرفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها فى السبع والتسع)» رواه البخارى. قال: وهذا
غلط من هؤلاء الشاذين، لأن آخر الحديث يرد عليهم، ففيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم
عينها، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ ونسب هذا القول للروافض، وحكى
السروجى أنه قول الشيعة، وأخطأ الفكهانى فى شرح العمدة حين نسبه للحنفية.
ويشبه هذا القول قول من يقول: أنها خاصة بسنة واحدة، وقعت فى زمن رسول الله ﴿ .. وهل هى
خاصة بهذه الأمة؟ أو كانت فى الأمم قبلها؟ خلاف. والجمهور على الأول.
أما عن محلها من ليالى السنة فنعرض بعض الأقوال التى سردها الحافظ ابن حجر فى فتح
البارى. قال:
١- هى ممكنة فى جميع السنة، وهو قول مشهور عن الحنفية، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عباس
وعكرمة وغيرهم، ومأخذ ابن مسعود أنه أراد أن لا يتكل الناس. كما هو واضح من روايتنا السادسة
عشرة، وزيف المهلب هذا القول، وقال: لعل صاحبه بناه على دوران الزمان، لنقصان الأهلة. قال
وهو فاسد، لأن ذلك لم يعتبر فى صيام رمضان [فرمضان لدوران الزمان يأتى زماناً صيفاً وزماناً
شتاء] فلا يعتبر فى غيره حتى تنتقل ليلة القدر عن رمضان.
٢- أنها مختصة برمضان، ممكنة فى جميع لياليه، وقد جزم صاحب شرح الهداية بأنه قول
أبى حنيفة، وقال به ابن المنذر والمحاملى وبعض الشافعية، وقال السروجى فى شرح الهداية:
قول أبى حنيفة إنها تنتقل فى جميع رمضان، وقال صاحباه: إنها فى ليلة معينة منه مبهمة.
٣- أنها مبهمة فى العشر الأوسط من رمضان. قال به بعض الشافعية.
٤ - أنها أول ليلة من العشر الأخير، وإليه مال الشافعى، وجزم به جماعة من الشافعية.
٦١
٥- أنها ليلة اثنتين وعشرين إن كان الشهر ناقصًا وليلة ثلاث وعشرين إن کان تامًا.
٦- أنها ليلة سبع وعشرين، وهذا القول هو الجادة من مذهب أحمد، ورواية عن أبى حنيفة وبه جزم
أبي بن كعب وحلف عليه، كما فى روايتنا السادسة عشرة والسابعة عشرة، وحكاه صاحب الحلية
من الشافعية عن أكثر العلماء. وقد استنبطه ابن عباس عند عمر - رضى الله عنهما - ووافقه عمر
عليه، فقد روى الحاكم عن ابن عباس أن عمر كان إذا دعا الأشياخ من الصحابة قال لابن عباس:
لا تتكلم حتى يتكلموا، فقال ذات يوم: إن رسول اللّه * قال: التمسوا ليلة القدر فى العشر
الأواخر وتراً)) أى الوتر هى؟ فقال رجل برأيه: تاسعة سابعة خامسة. ثالثة. فقال عمر: مالك لا
تتكلم يابن عباس؟ قال: أتكلم برأيى؟ قال: عن رأيك أسألك. قال إنى لأعلم - أو أظن- أنها
سابعة تمضى، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر فقال: من أين علمت ذلك؟ قال: خلق اللَّه سبع
سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، والإنسان خلق من سبع ويأكل من سبع، ويسجد على سبع،
ورمى الجمار سبع. فقال عمر لقد فطنت له، ثم قال: أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام الذى ما
استوت شئون رأسه؟.
واستنبط بعضهم هذا العدد من عدد كلمات السورة، وقد وافق قوله فيها ((هى)) سابع كلمة بعد
العشرين، واستنبط بعضهم ذلك من جهة الحروف فقال ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أعيدت فى
السورة ثلاث مرات، فذلك سبع وعشرون.
٧- أنها فى أوتار العشر الأخير. قال الحافظ: وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمزنى وابن
خزيمة وجماعة من علماء المذاهب.
٨- أنها تنتقل فى العشر الأخير كله، نص عليه مالك والثورى وأحمد وإسحق، وزعم الماوردى أنه
متفق عليه. ويقويه معظم الأحاديث، واعتكافه صلى الله عليه وسلم العشر الأخير فى طلب ليلة
القدر، واعتكاف أزواجه بعده، والاجتهاد فيه.
واختلف القائلون بهذا، فمنهم من قال: هى فيه محتملة على حد سواء، ومنهم من قال: بعض
لياليه أرجى من بعض. واختلفوا. فمنهم من قال. أرجاه ليلة إحدى وعشرين، ومنهم من قال: أرجاه
ليلة ثلاث وعشرين، ومنهم من قال: أرجاه ليلة سبع وعشرين. والله أعلم.
أما كيف تعلم؟ فقد قال ابن العربى: الصحيح أنها لا تعلم. وأنكر الثورى هذا القول، وقال: قد
تظاهرت الأحاديث بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعة من الصالحين، فلا معنى لإنكار ذلك.
واختار الطبرى أنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه: قال الحافظ ابن حجر: واختلفوا.
هل يحصل الثواب المترتب عليها لمن قامها وإن لم يظهر له شىء؟ أو يتوقف ذلك على كشفها له؟
وإلى الأول ذهب الطبرى والمهلب وابن العربى وجماعة، وإلى الثانى ذهب الأكثر ويدل له ما وقع عند
مسلم من حديث أبى هريرة بلفظ ((من يقم ليلة القدر فيوافقها)» وفى حديث عبادة عن أحمد ((من
قامها إيماناً واحتساباً، ثم وفقت له)) قال النووى: معنى ((يوافقها)) أى يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها،
٦٢
ويحتمل أن يكون المراد يوافقها فى نفس الأمر وإن لم يعلم هو ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وهذا
الأخير هو الذى يترجح فى نظرى، ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر وإن لم
يعلم بها ولو لم توفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود به، وفرعوا على القول
باشتراط العلم بها أنه يختص بها شخص دون شخص، فيكشف لواحد، ولا يكشف لآخر، ولو كانا معاً
فى بيت واحد.
قال العلماء: والحكمة فى إخفائها أن يحصل الاجتهاد فى التماسها، بخلاف ما لوعينت لها
ليلة، فإنه يقتصر عليها. والله أعلم.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من رؤيا الصحابة واعتماد الرسول و لها الدلالة على عظم قدر الرؤيا.
٢- وجواز الاستناد إليها فى الاستدلال على الأمور الوجودية، قال الحافظ ابن حجر: بشرط أن
لايخالف القواعد الشرعية.
٣- وأن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطلقًا.
٤- ومن رؤيا الرسول # لها وأمره لهم بناء عليها يؤخذ الأحكام على رؤيا الأنبياء.
٥- ومن نسيانه صلى الله عليه وسلم لما علمه جواز النسيان على النبى ®، ولا نقص عليه فى ذلك،
لاسيما فيما لايؤذن له فى تبليغه، وقد يكون فى ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع، كما فى السهوفى
الصلاة أو للاجتهاد فى العبادة كما هنا.
٦ - وفى الأحاديث الحث على التماس ليلة القدر وطلبها عن طريق العبادة والاستغفار، والدعاء، فقد
أخرج أحمد عن عائشة («قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر. فما أقول؟ قال: قولى: اللّهم
إنك عفو تحب العفو فاعف عنى)) قال سفيان الثورى: والدعاء فى تلك الليلة أحب من الصلاة،
وذكر ابن رجب أن الأكمل الجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، ويحصل قيامها - على ما
قال البعض - بصلاة التراويح، وقد أخرج البيهقى عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ◌ُ ﴾ ((من
صلى المغرب والعشاء فى جماعة حتى ينقضى شهر رمضان فقد أصاب من ليلة القدر
بحظ وافر».
٧- واستحباب الاعتكاف فى شهر رمضان.
٨- وترجيح وتأكيد اعتكاف العشر الأواخر منه.
٩- وفضل ليلة القدر، وفى القرآن الكريم سورة كاملة خاصة بها، شرف اللَّه تعالى هذه الليلة بإنزال
القرآن فيها من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة فى السماء الدنيا - كما يرجح الحافظ ابن حجر،
وجعلها خيراً من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وذلك باعتبار العبادة فيها عند جمهور العلماء،
على معنى أن العبادة فيها خير من العبادة فى ألف شهر، ولا يعلم مقدار الخيرية إلا اللَّه تعالى،
٦٣
وهذا تفضل منه، وله عز وجل أن يخص ما شاء بما شاء، ورب عمل قليل خير من عمل كثير،
ولاشك أن العمل القليل قد يفضل العمل الكثير باعتبار الزمان، وباعتبار المكان، وباعتبار كيفية
الأداء، كصلاة واحدة أديت فى جماعة، فإنها تعدل خمساً وعشرين صلاة أديت على الانفراد.
قال المفسرون: وتخصيص الألف بالذكر للتكثير، كقوله تعالى ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
[البقرة: ٩٦] وشرفها الله تعالى بإنزال الملائكة. يتنزل ملائكة السماء إلى الأرض للتسليم على
المؤمنين ولتصير طاعتهم أكثر ثوابا فيسبحون معهم، ويقدسون ويهللون، ويستغفرون لأمة محمد
*، وعلى رأس الملائكة جبريل عليه السلام، وشرف الله هذه الليلة بأنها سلام ورحمة من الله،
من غروب الشمس حتى مطلع الفجر، فمن قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
١٠- وأخد بعضهم من رؤيا الصحابة، والأمر بالتماسها إمكان رؤيتها، إذ ما لا يرجى فى زمان أو
مكان لا يحسن أن يؤمر بالتماسه عادة، ويكفى فى رؤيتها رؤية ما يحصل به العلم بها، مما
خصت به من الأنوار وتنزل الملائكة عليهم السلام أو نحو ذلك من الكشف المفيد للعلم، مما لا
يعرف حقيقته إلا أهله.
وقيل إنها لا تُرى مكاشفة أبداً، ولا يراها أحد بعده صلى اللّه عليه وسلم أصلا، والأمر بالتماسها
مقصود به التماس فضلها فى الليالى المذكورة. والله أعلم.
١١- وعلى القول برؤيتها قال الحافظ ابن حجر: ويسن لرؤيتها كتمها، هكذا استنبطه السبكى الكبير
من هذه القصة. قال: ووجه الدلالة أن اللَّه قدر لنبيه أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدر له،
فيستحب اتباعه فى ذلك. قال: وذكر فى شرح المنهاج ذلك عن الحاوى. قال: والحكمة فيه أنها
كرامة، والكرامة ينبغى كتمانها بلا خلاف بين أهل الطريق. من جهة رؤية النفس، فلا يأمن
السلب، ومن جهة أن لا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب، فلا يتشاغل عن الشكر للَّه بالنظر إليها
وذكرها للناس، ومن جهة أنه لا يأمن الحسد، فيوقع غيره فى المحظور، ويستأنس له بقول يعقوب
عليه السلام: ﴿يَابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] الآية.
١٢- ومن الأحاديث أن اللَّه تعالى أخفى وقتها على التحديد، ليجتهد فى طلبها، وما ذكر من علاماتها
من السجود فى الماء والطين إنما يعرف بعد فواتها، فإنها تنقضى بمطلع الفجر، ومن فاتته
تدارك فى صبيحتها بعض ما فاته، ثم إنها علامة قد تتكرر فى مستقبل لياليهم، فلا يقال: لم
ينقطعوا عن طلبها بعد رؤية هذه العلامة.
١٣- ومن اختلاف الروايات فى تحديد وقتها استدل بعضهم على تنقلها فى رمضان أو فى العشر
الأواخر منه، أو فى السبع، أو فى أوتاره. قال الحافظ ابن حجر: وأرجاها أوتار العشر، وأرجى
أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة
سبع وعشرين.
١٤ - ومن كون علاماتها السجود فى الماء والطين، استدل بعضهم على أنه ليس بلازم أن يكون لها
٦٤
علامة، وعلى أنها كرامة لمن شاء الله من عباده فيختص بها قوم دون قوم، فكثيراً ما ينقضى شهر
رمضان دون مطر، مع اعتقادنا أنه لا يخلورمضان من ليلة القدر.
١٥- واستنبط بعض العلماء من الأحاديث إما أنها تتعدد فى العام الواحد باعتبار تعدد الأماكن وإما
لا اعتبار بكونها فى الوتر، ولا اعتبار بكونها ليلة كذا، بل ولا يصح إطلاق القول بأن وقت التقدير
وتنزل الملائكة ليلاً. لأنه من المعلوم اختلاف المطالع، فالليل عند قوم نهار فى جهة أخرى،
والفجر عند قوم مغرب عند آخرين، بل بعض المناطق ليلها أشهر، ونهارها أشهر، فإن قلنا
بوحدتها وتحديد وقتها لأهل الأرض كانت وترًا عند قوم شفعًا عند آخرين، وليلا عند قوم ونهارًا
عند آخرين.
ولو صح الاحتمال الثانى وأنها ليلة واحدة محددة كان التعبير بليلة كذا رعاية لمكان المنزل عليه
القرآن عليه الصلاة والسلام، فيكون القول بوتريتها بالنسبة إلى قومه وإن كانت شفعاً عند
الآخرين، وكونها بالليل بالنسبة إلى قومه وإن كانت نهاراً عند آخرين، ولا يبعد أن يعطى اللّه
تعالى أجرها لمن اجتهد ليلة الشفع التى هى الوتر عند أهل المدينة، وبهذا الاحتمال يمكن الجمع
بين الروايات المتعارضة.
ولو صح الاحتمال الأول، وأنها ليال متعددة باعتبار تعدد الأماكن وأن لكل قوم ليلتهم كانت ليلة
القدر كراكب يسير إلى جهة، فيصل إلى كل منزل فى وقت، وتتنزل الملائكة وتصعد حسب
سيرها، فينزل منهم ما شاء الله عند قوم، وينزل منهم ما شاء اللَّه عند آخرين ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ
إلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] ومناط الفضل على هذا تحققها بالنسبة لكل قوم على حدة.
ومثل هذا الإيراد يأتى فى سائر أوقات العبادة، ووقت نزوله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا من
الليل كما صحت به الأخبار، وكذا ساعة الإجابة من يوم الجمعة، ورمضان، وأيام العيد، وغيرها
كثير. مما يرجح القول بالاحتمال الأخير، وأن لكل قوم مطلعهم ووقتهم.
وعندى كما - قال الألوسى - إن البحث قوى، والأمر مما لا مجال فيه العقلى. واللَّه أعلم.
١٦ - ومن قوله فى الرواية الخامسة ((فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقى)) أى من
عجز عن الأهم حرص على المهم.
١٧- ومن قوله فى الرواية التاسعة ((فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله ثم قال ... إلخ)) تقديم الخطبة
على التعليم.
١٨ - ومن وجود أثر الطين والماء فى جبهته وأنفه صلى الله عليه وسلم استدل بعضهم على
أن السنة للمصلى أن لا يمسح جبهته فى الصلاة، قال النووى: وهذا محمول على أنه
كان شيئاً يسيراً، فيستحب أن لا يمسحه فى الصلاة اهـ. ورده بعضهم بأن بقاء أثر
الطين لا يستلزم نفى مسح الجبهة، فقد يمسح جبهته ويبقى أثر الطين، ويجوز أن
يكون الرسول # ترك المسح ناسيا، أو تركه متعمدًا لتصديق رؤياه، أو غير شاعر به، أو
لبيان الجواز، وليس فى ذلك ما يدل على الاستحباب.
٦٥
١٩- واستدل بعضهم ببقاء أثر الماء والطين على الجبهة بين السجدتين على جواز السجود مع الحائل
المتصل به بين الجبهة والأرض، وأجاب النووى بأنه محمول على أنه كان شيئاً يسيراً لا يمنع
مباشرة بشرة الجبهة للأرض. قال الحافظ: لكن يعكر عليه قوله فى بعض الروايات ((ووجهه
ممتلىء طيناً وماء)».
٢٠ - وفيه جواز السجود فى الطين، وأن الأنف من أعضاء السجود لأنه صلى الله عليه وسلم لم يترك
السجود على الأنف مع وجود العذر، ولولا وجوبه لصانه عن لوث الطين.
٢١- ومن الرواية الثانية عشرة من قوله ((تذاكرنا ليلة القدر)) حرص الصحابة والتابعين على
مدارسة العلم.
٢٢- ومن إتيانهم أبا سعيد طلبهم العلم ممن يعتقدون أن عنده زيادة علم، والمشى فى طلب العلم.
٢٣ - ومن قوله ((وكان لى صديقاً)) الاعتزاز بصداقة الكبراء والعلماء وأولو الفضل.
٢٤ - ومن قوله ((ألا تخرج بنا إلى النخل)) إيثار المواضع الخالية للسؤال، وتأنيس الطلب للشيخ.
٢٥ - ومن خروج أبى سعيد إجابة السائل لذلك، وتيسير حصوله على مطلوبه.
٢٦ - ومن سؤال أبى سلمة ابتداء الطالب بالسؤال.
٢٧- ومن قوله رجلان ((يحتقان معهما الشيطان)) أن المخاصمة والمنازعة مذمومة.
٢٨- وأنها قد تكون سبباً للعقوبة الدنيوية أو الأخروية أو منع الخير وضياعه.
٢٩- ومن الرواية السادسة عشرة حرص الصحابة على دفع الناس نحو الاجتهاد فى العبادة
وعدم الاتكال.
٣٠- ومن الرواية السابعة عشرة الحلف على غالب الظن وأكبر العلم حسب الفهم.
والله أعلم
٦٦
كتاب الاعتكاف
٣١٣ - باب الاعتكاف فى رمضان.
٣١٤ - باب صوم عشر ذي الحجة.
٦٧
(٣١٣) باب الاعتكاف فى رمضان
٢٤٢٩ - ١ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١) أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ
مِن رَمَضَانَ.
٢٤٣٠ - ٣ِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ِ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ
الأَوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ. قَالَ: نَافِعٌ وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللَّهِ لَّهِ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ
اللَّهِلَ﴿ مِن الْمَسْجِدِ.
٢٤٣١ - ٣ٍّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ،فَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ
مِن رَمَضَانَ.
٢٤٣٢ - ٤. عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٤) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَّ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ
مِن رَمَضَانَ.
٢٤٣٣-°ْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٥) أَنَّ النّبِيَّ ◌َّ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأُوَاخِرَ مِن
رَمَضَانٌ حَتّى تَوَفَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ اغْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِن بَعْدِهِ.
٢٤٣٤ - ٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٦) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا أَرَادَ أَنْ
يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ. أَرَادَ الاعْتِكَافَ فِي
الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ. فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِيَائِهَا فَضُرِبَ. وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِن أَزْوَاجٍ
النّبِيِّ ◌َّ بِخِيَائِهِ فَضُرِبَ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ، فَقَالَ
«الْبِرَّ تُرِذن؟» فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوّضَ، وَتَرَكَ الاعْتِكَافَ فِي شَهْرٍ رَمَضَانُ، حَتَّى
اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِن شَوَّالٍ.
(١) حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ مِهْرَانِ الرَّازِيُّ حَدََّا حَائِمُ بْنُ إِسْمَعِيلَ عَن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٢) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَّهُ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(٣) وحَدِّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ السَّكّونِيُّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَن
أَبِهِ عَنِ عَائِشَةَ
(٤) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً حِ وحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ جَمِيعًا عَنِ هِشَامٍ ح
وحَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَّيِّبٍ وَاللَّفْظُ لَهُمَّا قَالا حَدََّا ابْنُ تُمَيْرٍ عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَن أَبِهِ عَن عَائِشَةَ
(٥) وحَدَّثَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةً عَنِ عَائِشَةً
(٦) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ عَن عَمْرَةً عَنِ عَائِشَةً
٦٩
٢٤٣٥ -- عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣) عَنِ النّبِيِّنَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةً. وَفِي
حَدِيثِ ابْنٍ عُبَيْنَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِ إِسْحَقَ ذِكْرُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُنَّ أَنْهُنَّ ضَرَّبْنَ الأَخْبِيَةَ لِلاغْتِكَافِ.
٢٤٣٦ - ٣عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧) قَالَتْ: كَانٌ رَسُولُ اللَّهِلَّ ◌ِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا
اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِثْزَرَ.
٢٤٣٧ - ﴿ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٨) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ
الأَوَاخِرِ مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.
المعنى العام
لا رهبانية فى الإسلام، ولم يشرع اللَّه للمسلمين أن ينقطعوا للعبادة ويتركوا مصالحهم الدنيوية،
والسعى على الرزق، ودستوره الخالد ﴿وَابْتَغْ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِن الدُّنْبَا﴾
[القصص: ٧٧]. ودستوره الخالد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى
ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فَإِذَا قُضِيَتْ الصلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَّغُوا
مِنَ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠،٩].
ولقد حاول ثلاثة من الصحابة أن يتبتلوا وينقطعوا للعبادة، فعزم أحدهم أن يصوم الدهر كله،
وعزم الآخر أن يقوم الليل كله، وعزم الثالث أن يعتزل الزواج والنساء ليتفرغ للعبادة، فلما علم صلى
الله عليه وسلم بذلك غضب أشد الغضب، وعنفهم أشد التعنيف، وقال: ((أما والله إنى لأخشاكم لله
وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى)).
فالرهبانية الممنوعة، والتبتلات غير المشروعة هى الانقطاع للعبادة فترة من الزمان تؤثر على
سير الحياة الدنيوية، شهراً مثلا أو شهوراً، أما الانقطاع للعبادة ليلة أو ليالى لا تخل بمطالب الحياة
والتمتع بالدنيا فليس ممنوعاً، بل هو مستحب فى مواسم خاصة، يفيض اللّه تعالى فيها على
الطائعين من سابغ فضله وواسع رحمته مالا يفيضه فى غيرها.
(-) وحّدَّثَنَه ابْنُ أَبِي عُمَّرَ حَدَّثَا سُفْيَاهُ حِ وحَدَّثَنِي عَمْرُو بِنُ سَوَّادٍ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ح وَحَدَّقْيِي
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ حَدَّثَنَا أَبُوِ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ حِ وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثْنَا الأَوْزَاعِيُّ ح وحَدَّثَنِي
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَقَ كُلُّ هَؤُلاءٍ عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ
عَائِشَةً عَنِ النّبِيِّ :﴿ بِمَّعْنَى حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً
(٧) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْخَنْظَلِيُّ وَابْنُ أَبِي غَمَرَ جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ عُبَيْئَةً قَالَ إِسْحَقُّ أَخْبُرَنَا سُفْيَاهُ بْنُ عُبَيْئَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ
مُسْلِمَ بْنِ صُبَيْحٍ عَن مَسْرُوقٍ عَنِ عَائِشَةٌ
(٨) حَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ كِلاهُمَا عَنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَن
الْحَسَنِ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِّغْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ سَمِعْتُ الْأَسْوَدِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ
٧٠
ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شمر عن ساعد الاجتهاد
فى العبادة، وقام الليل، ودعا نساءه لذلك، واستحب الاعتكاف فى العشر الأواخر من رمضان، ينقطع
المريد فيها فى المسجد ولا يخرج منه إلا لقضاء الحاجة، أو تحصيل الأمر الضرورى من مأكل
ومشرب ونحوهما، ثم يعود فور انتهاء مطلبه، ليشتغل بذكر الله والصلاة وقراءة القرآن، ولا بأس أن
يتخذ لنفسه مكاناً فى آخر المسجد إذا لم يضيق على الناس أو يؤذيهم.
ولقد كان رسول اللَّه ﴿ يفعل ذلك، يضرب خباء، يصلى، ثم يدخله، ليختلى بنفسه، ويتفرغ
لمناجاة ربه.
ورغبة فى تقرب عائشة - رضى الله عنها - لرسول اللَّه # استأذنته أن تعتكف مثله وبجواره،
فأذن لها، فأقامت خباء لها بجوار خبائه، ووسطتها صديقتها حفصة لدى رسول اللّه* ليأذن لها فى
إقامة خباء لها، فاستجاب، ورأت زينب بنت جحش خباءين بجوار خباء الرسول 8# لعائشة
وحفصة، فأقامت لها خباء ولم تستأذن، فلما صلى رسول اللَّه { * الفجر، وأراد العودة إلى خبائه رأى
أربعة أخبية، فغضب، وقال: لم يعد البر والطاعة هدفا. انزعوا هذه الأخبية، وأمر بخبائه فنزع، ولم
يعتكف العشر الأواخر من رمضان ذلك العام، واعتكف بدلا منها فى عامها العشر الأول من شوال، ثم
عاد بعد ذلك العام إلى الاعتكاف فى العشر الأواخر من رمضان، واعتكف أصحابه من بعده، واعتكف
أزواجه من بعده صلى الله عليه وسلم ورضى عن أصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين.
المباحث العربية
(كان يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان) الاعتكاف فى اللغة الحبس
والمكث واللزوم، يقال ((عكف على كذا يعكف ويعكف بضم الكاف وكسرها. أى أقام عليه
والتزمه وحبس نفسه عليه، سواء أكان طاعة أو معصية ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ
يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وفى الشرع المكث فى المسجد من شخص
مخصوص بصفه مخصوصة، ويسمى حواراً ((كما سبق فى أحاديث ليلة القدر، والتعبير
بلفظ ((كان يعتكف)) يدل على التكرار والشأن والعادة، أخذاً من الجمع بين الفعل الماضى
والمضارع ((كان يعتكف)) والمقصود ما كان عليه صلى الله عليه وسلم فى آخر أحواله، فقد
مرأنه اعتكف فى العشر الأول)» ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم استقر على اعتكاف العشر
الأواخر من رمضان.
(وقد أرانى عبد الله المكان الذى كان يعتكف فيه رسول اللّه { 8 من
المسجد) القائل ((وقد أرانى)) نافع، والمعروف أن ابن عمر -رضى الله عنهما- كان شديد
الحرص على الاقتداء برسول الله * لدرجة أنه كان يتحرى المكان الذى أناخ فيه رسول
اللَّه ◌َ﴿ ناقته فى سفره لينيخ ناقته فيه، وهذا سر إعلام نافع بمكان اعتكافه صلى الله عليه
٧١
وسلم، وحدد نافع هذا المكان فى رواية ابن ماجه قال نافع: ((إن ابن عمر كان إذا اعتكف
طرح له فراشه وراء أسطوانة التوبة.
(ثم اعتكف أزواجه من بعده) ظاهره أن الأزواج اعتكفن فى مسجده من بعد وفاته، وليس
كذلك بل المراد أنهن اعتكفن فى بيوتهن بعد وفاته، فالمقصود به أن الاعتكاف لم ينسخ،
ومشروعيته مستمرة.
(كان رسول اللَّه ◌َ﴿ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر
بخبائه فضرب) الترتيب الواقعى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف أمر بخبائه
فضرب وأقيم بالمسجد قبل الفجر، وكان يبدأ اعتكافه عقب صلاة الفجر، يصلى، ثم يدخل خباءه، وقد
سبق فى باب ليلة القدر أن باب خبائه كان من حصير.
(أراد الاعتكاف فى العشر الأواخر من رمضان) أى فأمر بقبته فأقيمت، ثم صلى الفجر
فدخلها، فلما صلى الفجر الثانى وأراد أن يدخل قبته رأى قباباً بجواز قبته وحولها.
(فأمرت زينب بخبائها فضرب) من مجموع الروايات يفهم أن عائشة -رضى الله عنها-
استأذنت رسول الله أن تضرب لها قبة فى المسجد بجوار قبته، فأذن لها فضربت، فطلبت
حفصة من عائشة أن تستأذن لها بضرب قبه فأذن لها فضربت، فلما رأت زينب بنت جحش ذلك -
وكانت غيورا - أمرت بقبة لها فضربت. ففى البخارى ((فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء
فأذنت لها فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر)) وفى رواية أخرى له
((فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها، فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة فضريت قبة،
وسمعت زينب بها، فضريت قبة أخرى، فلما انصرف رسول اللّه* من الغداة أبصر أربع قباب،
فقال ... إلخ ((أى ثلاث قباب لأزواجه وقبته صلى الله عليه وسلم، وفى رواية ((فاستأذنته عائشة، فأذن
لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت)) وعند النسائى ((ثم استأذنته حفصة)) أى عن
طريق عائشة ((فأذن لها)) وفى رواية ((فلما رأته زينب ضربت معهن، وكانت امرأة غيورا)) قال
الحافظ ابن حجر: ولم أقف فى شىء من الطرق أن زينب استأذنت، وكأن هذا هو أحد ما بعث على
إنكاره صلى اللَّه عليه وسلم اهـ فالمذكور فى روايتنا ((ضرب زينب)) وهو مرحلة من المراحل.
(وأمر غيرها من أزواج النبي # بخبائه فضرب) مع أن الواو لا تقتضى ترتيباً ولا تعقيباً
لكن الترتيب الذكرى يوهم أن غير زينب من الأزواج أمرن بضرب خبائهن بعدها، وليس مراداً بل
العكس هو الصحيح كما يوهم تعميم الأزواج «وليس كذلك، كما سبق.
(آلبر تردن)؟ بهمزة الاستفهام، ممدودة وبغير مد، و((البر)» منصوب مفعول به مقدم، والخطاب
للأزواج وإن كن غير حاضرات، وفى رواية للبخارى ((البر ترون بهن)) بضم تاء ((ترون)) وفتح الراء، أى
تظنون، والخطاب للحاضرين من الرجال، أى أتظنون بفعلهن هذا براً وطاعة؟ والاستفهام إنكارى
٧٢
بمعنى النفى، وفى رواية ((البر تقولون يردن بهذا))؟ وفى رواية ((ما حملهن على هذا؟ البر؟ انزعوها
فلا أراها، فنزعت».
(فأمر بخبائه فقوض) بالقاف المضمومة والضاد، أى أزيل.
(وترك الاعتكاف فى شهر رمضان حتى اعتكف فى العشر الأول من شوال) فترك
الأفضل من أجل المصلحة.
(إذا دخل العشر) أل فى ((العشر)) للعهد، والمراد العشر الأواخر من رمضان.
(أحيا الليل) أى استغرقه بالسهر فى الصلاة وغيرها، والأصل أحيا نفسه باليقظة فى الليل.
(وأيقظ أهله) أى طلب من أزواجه اليقظة وقلة النوم للاجتهاد فى العبادة اجتهاداً
فوق العادة.
(وجد) بتشديد الدال، أى اجتهد فى العبادة.
(وشد المئزر) بكسر الميم هو الإزار، وشد المئزر كناية عن اعتزال النساء، وقيل كناية عن الجد
والاجتهاد كالتشمير، ويحتمل إرادة المعنيين معاً.
فقه الحديث
قال النووي في المجموع: الاعتكاف سنة بالإجماع ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع، ويستحب
الإكثار منه، ويتأكد استحبابه فى العشر الآواخر من شهر رمضان، الأحاديث الواردة فيه وفى ليلة
القدر لرجائها.
قال الحافظ ابن حجر: وأما قول ابن نافع عن مالك: فكرت فى الاعتكاف وترك الصحابة له مع
شدة اتباعهم للأثر، فوقع فى نفسى أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغنى عن أحد من السلف
أنه اعتكف إلا عن أبى بكربن عبد الرحمن. اهـ. قال الحافظ: وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد
حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر
ذلك عليهم ابن العربى، وقال إنه سنة مؤكدة، وقال ابن بطال: فى مواظبة النبى 18 ما يدل على
تأكيده، وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً فى أنه مسنون.
وقال النووى فى شرح مسلم: ومذهب الشافعى وأصحابه وموافقيه أن الصوم ليس بشرط لصحة
الاعتكاف، بل يصح اعتكاف المفطر، ويصح اعتكاف ساعة واحدة، ولحظة واحدة، وضابطه عند
أصحابنا مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة. فينبغى لكل جالس فى المسجد لانتظار صلاة
أو لشغل آخر - من أمور الدنيا- أن ينوى الاعتكاف، فيحسب له، ويثاب عليه، مالم يخرج من
٧٣
المسجد، فإذا خرج ثم دخل جدد نية أخرى، وليس للاعتكاف ذكر مخصوص، ولا فعل آخر سوى
اللبث فى المسجد بنية الاعتكاف، ولو تكلم بكلام دنيا، أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها لم يبطل
اعتكافه، وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: يشترط فى الاعتكاف الصوم، فلا يصح اعتكاف مفطر،
واحتجوا بهذه الأحاديث، واحتج الشافعى باعتكافه صلى الله عليه وسلم فى العشر الأول من شوال،
رواه البخارى ومسلم - وفيها يوم العيد، ولا صوم فيه، وبحديث عمر ، قال: يا رسول الله، إنى نذرت
أن أعتكف ليلة فى الجاهلية؟ فقال: ((أوف بنذرك)) رواه البخارى ومسلم، والليل ليس محلا للصوم،
فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ومن شرط الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع .
شرط الصيام فى دون اليوم، وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يوم أو يومان. قال الحافظ:
واتفقوا على فساده بالجماع، حتى قال بعضهم، من جامع فيه لزمته الكفارة. اهـ قال
النووى: وأجمعوا على أنه لا حد لأكثره. أهـ.
قال الحافظ: ولا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، وفسروها بالبول والغائط، وقد اتفقوا على
استثنائهما، واختلفوا فى غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، وقد روى أبو داود عن عائشة قالت:
السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج
لحاجة، إلا لما لابد منه)) قال الشافعى: إن شرط شيئاً من ذلك فى ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه
بفعله، وهو رواية عن أحمد. اهـ
قال النووى فى المجموع: ولا يصح اعتكاف الحائض والنفساء والجنب، فإذا حاضت وهى
معتكفة لزمها الخروج من المسجد، وإذا خرجت سكنت فى بيتها، كما كانت قبل الاعتكاف حتى
ينقطع حيضها، ثم تعود إلى اعتكافها.
ويجوز خروج المعتكف تطوعاً لعيادة مريض، ويجوز للمعتكف أن يلبس ما يلبسه فى غير
الاعتكاف، ويجوز أن يتطيب، قال أحمد: يستحب أن لا يلبس رفيع الثياب، ولا يتطيب، وله أن يبيع
ويشترى، ويكره أن يكثر من ذلك، وقيل يكره البيع والشراء وعمل الصنائع مطلقاً فى المسجد.
ويجوز للمتعكف وغيره أن يأكل فى المسجد ويشرب على أن يحافظ على نظافة المسجد،
وللمعتكف النوم والاضجاع والاستلقاء ومد رجليه ونحو ذلك فى المسجد مالم يؤذ غيره، لأنه يجوز
ذلك لغير المعتكف فله أولى: كما يجوز له التحدث بالحديث المباح.
وإذا خرج من المسجد لعذر جازولا يقطع التتابع، وعليه المبادرة بالرجوع إلى المسجد عند فراغه
فإذا زال العذر وتمكن من العود فلم يعد بطل اعتكافه، لأنه ترك الاعتكاف من غير عذر، فأشبه من
خرج من غير عذر.
أما ما يستحب للمعتكف من الطاعات فقد قال الشافعى وأصحابه: يستحب أن يقرأ القرآن،
ويقرئه غيره، وأن يتعلم العلم، ويعلمه غيره، وذلك أفضل من صلاة النفل، لأن الاشتغال بالعلم فرض
٧٤
كفاية، فهو أفضل من النفل، ولأنه مصحح للصلاة وغيرها من العبادات، ولأن نفعه متعد إلى الناس،
وقد تظاهرت الأحاديث بتفضيل الاشتغال بالعلم على الاشتغال بصلاة النافلة.
وعن مالك وأحمد: يستحب له الاشتغال بالصلاة والذكر والقراءة مع نفسه، قالا:
ويستحب أن لا يقرئ القرآن ولا يشتغل بكتابة الحديث ولا بمجالسة العلماء، كما لا يشرع
ذلك فى الصلاة والطواف.
قال النووى: واحتج أصحابنا بأن أمر القرآن وتعليم العلم والاشتغال به طاعة، فاستحب
للمعتكف كالصلاة والتسبيح، ويخالف الصلاة، فإنه شرع فيها أذكار مخصوصة، وأما الطواف فقال
أصحابنا: لا يكره إقراء القرآن وتعلم العلم فيه.
ويؤخذ من الأحاديث
١- استدل بالأحاديث المذكورة ومن قول عائشة فى الرواية الرابعة ((حتى توفاه الله)) على أن
الاعتكاف لم ينسخ، وقد سبق توضيح حكمه فى أول فقه الحديث.
٢- ومن قولها فى الرواية الرابعة ((ثم اعتكف أزواجه من بعده)) أنه ليس من الخصائص.
٣- قال النووى: وفى هذه الأحاديث أن الاعتكاف لا يصح إلا فى المسجد، لأن النبى وَل﴾ وأزواجه
وأصحابه إنما اعتكفوا فى المسجد مع المشقة فى ملازمته، فلوجاز فى البيت لفعلوه ولو مرة
لاسيما النساء، لأن حاجتهن إليه فى البيوت أكثر.
وهذا مذهب مالك والشافعى وأحمد وداود والجمهور سواء الرجل والمرأة، وقال أبو حنيفة: يصح
اعتكاف المرأة فى مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ من بيتها لصلاتها. قال: ولا يجوز للرجل فى
مسجد بيته، وفى القديم قول للشافعى كذلك، وهو ضعيف عند أصحابه، وجوزه بعض أصحاب
مالك وبعض أصحاب الشافعى للمرأة والرجل فى مسجد بيتهما.
ثم اختلف المشترطون للمسجد، فقال مالك والشافعى وجمهورهم: يصح الاعتكاف فى كل
مسجد، وقال أحمد: يختص بمسجد تقام الجماعة الراتبة فيه، وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد
تصلى فيه الصلوات كلها، وقال الزهرى وآخرون: يختص بالجامع الذى تقام فيه الجمعة، ونقلوا
عن حذيفة بن اليمان الصحابى اختصاصه بالمساجد الثلاثة. المسجد الحرام، ومسجد المدينة
والمسجد الأقصى. اهـ
وقال الحافظ: وخصه عطاء بمسجد مكة والمدينة، وخصه ابن المسيب بمسجد المدينة.
واستدل على شرط المسجد فى الاعتكاف بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي
الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال الحافظ ابن حجر: ووجه الدلالة أنه لوصح فى غير المسجد لم
يختص تحريم المباشرة به لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن
المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها.
٧٥
واستدل على شرط المسجد للنساء بأن النساء شرع لهن الاحتجاب فى البيوت، فلولم يكن
المسجد شرطاً ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف فى مساجد بيوتهن.
٤ - واستدل بعضهم بقوله فى الرواية الخامسة («آلبر تردن» على أنه ليس لهن الاعتكاف فى المسجد،
إذ مفهومه أنه ليس ببرلهن، أى ففعله غيربر، أى غير طاعة، وارتكاب غير الطاعة يلزمه عدم
الجواز، ورد بأنه صلى الله عليه وسلم كان قد أذن لهن، وإنما نفى البرعنهن لعارض.
٥- واستدل بقولها فى الرواية الخامسة («كان رسول اللَّه ﴿ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل
معتكفه)) على أن أول الوقت الذى يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعى
والليث والثورى، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل
فى الاعتكاف من أول الليل، وتخلى بنفسه فى المكان الذى أعده لنفسه بعد صلاة الصبح.
٦- ومن قولها «فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف فى شهر رمضان حتى اعتكف فى العشر الأول
من شوال)) أخذ بعضهم جواز قطع اعتكاف التطوع، وجواز الخروج من العبادة بعد الدخول فيها،
وأجيب باحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل المعتكف، ولا شرع فى الاعتكاف، وإنما هم به
ثم عرض له المانع المذكور، فتركه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الجواب يلزمه أن يكون أول
وقت الاعتكاف بعد صلاة الصبح.
٧- ويؤخذ من هذا أيضاً ترك الأفضل إذا كان للمصلحة.
٨- ويؤخذ منه قضاء النفل، لكن قال الحافظ ابن حجر: وأما قضاؤه صلى الله عليه وسلم للاعتكاف
فعلى طريق الاستحباب. لأنه كان إذا عمل عملا أثبته، ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه فى
شوال. اهـ فقضاء التطوع بعد قطعه مستحب غير واجب عند الجمهور، وقال قوم بوجوب قضاء
التطوع إذا قطع. فقال مالك في الموطأ: المتطوع فى الاعتكاف والذى عليه الاعتكاف أمرهما
سواء فيما يحل لهما ويحرم عليهما، وعلله ابن عبد البربقوله: لأن الاعتكاف وإن لم يكن واجباً إلا
على من نذره فإنه يجب بالدخول فيه، كالصلاة النافلة والحج والعمرة.
٩- ويؤخذ منه أيضاً جوازاتخاذ المعتكف لنفسه موضعاً من المسجد، ينفرد فيه مدة اعتكافه، مالم
يضيق على الناس، قال النووى: وإذا اتخذه يكون فى آخر المسجد ورحابه، لئلا يضيق على غيره،
وليكون أخلى له، وأكمل فى انفراده.اهـ
١٠- ويؤخذ منه أن للرجل منع زوجته من الاعتكاف، قال ابن المنذر وغيره: وإنها إذا اعتكفت بغير
إذنه كان له أن يخرجها؛ وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها، وعن أهل الرأى: إذا أذن لها
الزوج، ثم منعها أثم بذلك وامتنعت، وعن مالك: ليس له ذلك. وهذا الحديث حجة عليهم.
١١- وفيه أن من خشى على عمله الرياء منع، وهذا مبنى على أحد الاحتمالات التى قالها القاضى
عياض فى توجيهه لسبب إنكاره صلى الله عليه وسلم حيث قال: وسبب إنكاره أنه خاف أن يكن
غير مخلصات فى الاعتكاف، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهن، فكره ملازمتهن
٧٦
المسجد مع أنه يجمع الناس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهن محتاجات إلى الخروج
والدخول، لما يعرض لهن، فيبتذلن بذلك أو لأنه صلى الله عليه وسلم رآهن عنده فى المسجد وهو
فى المسجد، فصار كأنه فى منزله بحضوره مع أزواجه وذهب المهم من مقصود الاعتكاف، وهو
التخلى عن الأزواج ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك، أو لأنهن ضيقن المسجد بأبنيتهن. اهـ وفيما عدا
التوجيه الأول بعيد، لإذنه صلى اللّه عليه وسلم لبعضهن.
١٢ - وفيه أن المرأة إذا اعتكفت فى المسجد استحب لها أن تجعل لها ما يسترها.
١٣ - وفى الأحاديث استحباب زيادة العبادة فى العشر الأواخر من رمضان.
١٤ - واستحباب إحياء لياليه بالعبادات. لقوله فى الرواية السادسة ((أحيا الليل)) قال النووى: وأما
قول أصحابنا: يكره قيام الليل كله فمعناه الدوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر،
ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتى العيدين وغير ذلك.
والله أعلم
٧٧
(٣١٤) باب صوم عشر ذي الحجة
٢٤٣٨ - ١° عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٩) قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ِ صَائِمًا فِي
الْعَشْرِ قَطٌّ.
٢٤٣٩ - ٣٠ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠) أَنَّ النّبِيَّ ◌َ لَمْ يَصُمْ الْعَشْرَ.
المعنى العام
الأيام العشر من أول ذى الحجة شرع فيها أعلى العبادات، وهو ذكر الله تعالى: وفضل عمل
الطاعات فيها يزيد على أجر عمل الطاعات فى غيرها مصداقاً لحديث البخارى ((ما من أيام العمل
الصالح فيها أفضل منه فى هذه)) يعنى الأيام العشر، وقد أقسم اللَّه تعالى بها لشرفها، فقال:
﴿وَالْفَجْرِ﴾ وَلَيَالِ عَشْرِ﴾ [الفجر: ٢،١].
وإذا كنا لا نختلف فى فضل الطاعات فيها فهل يستحب صيامها باعتبار أن الصيام طاعة لم ينه
عنه فى هذه الأيام؟ أو لا يستحب؟ لأن الرسول و18# لم يصمها؟ كما يفهم من حديثى الباب؟ ولوكان
صيامها مستحباً لصامها؟ أو أمر بصيامها. الجواب عن ذلك تفصيلا سيأتى فى فقه الحديث ولا
يدخل فى هذا الخلاف يوم عرفة، فقد ورد فى فضل صيامه لغير الحاج حديث صحيح سبق شرحه
وأنه يكفر السنة التى قبله والسنة التى بعده، والله أعلم.
المباحث العربية
(ما رأيت رسول الله:﴿ صائماً فى العشر قط) ((ال)) فى ((العشر)) للعهد الذهنى، والمراد
منها العشر الأول من ذى الحجة، ولا يصح هنا أن يراد منها العشر الأواخر من رمضان، لأن صيامها
فرض واجب، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِهُ وَلَيَال عَشْر﴾ فقد قيل: إنها العشر الأواخر من رمضان،
وهل نفى رؤيتها يستلزم نفى وقوع صومه صَلى الله عليه وسلم؟ والجواب: لا يستلزم، والعشر يدخل
فيه يوم الأضحى، ويحرم صيامه قطعاً.
(أن رسول الله ﴿ لم يصم العشر) هذا التعبير يصدق بصوم تسع وإفطار العاشر، وهو يوم
النحر، ويصدق على عدم الصوم فى العشر مطلقاً، وهذا مقصود عائشة ليتوافق مع الرواية الأولى.
(٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَذَّْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ
عَنِ الأَسْوَدٍ عَنِ عَائِشَةَ
(١٠) وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ حَدََّنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ
٧٨
فقه الحديث
قال النووي: قال العلاء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام
التسعة من أول ذى الحجة. قالوا: وهذا مما يتأول، فليس فى صوم هذه التسعة كراهة، بل هى مستحبة
استحباباً شديداً لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث فى فضله، وثبت فى
صحيح البخارى أن رسول اللَّه قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه فى هذه)) يعنى
العشر الأوائل من ذى الحجة، فيتأول قولها «لم يصم العشر)» أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو
غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه فى نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل
حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي {8# قالت: ((كان رسول اللَّه {* يصوم تسع
ذى الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس))، رواه أبو داود وأحمد
والنسائى، واللفظ لأبي داود، ولفظ أحمد والنسائى: ((وخميسين)).اهـ.
والذى أستريح إليه أن صوم الأيام التسعة من أول ذى الحجة لا كراهة فيه، إذ لم يرد نهى عن
صومها، والصوم من الطاعات ما لم ينه عنه، فيمكن أن يدخل فى أعمال الطاعات التى تفضل فى
الأيام العشرة على غيرها كما فى حديث البخارى.
أماكون صومها مستحباً، واستحباباً شديداً فيحتاج إلى دليل، وحديث البخارى
الخاص بفضل العمل فى الأيام العشر لا يصلح دليلا، فالعمل فى يوم العيد وأيام التشريق له
فضل عظيم حتى فضله بعضهم على العمل فى الأيام العشر، ومع ذلك يحرم صيامها، وهى
أيام أكل وشرب كما جاء فى مسلم.
وحديث أبى داود وأحمد والنسائى: ((كان يصوم تسع ذى الحجة)) يحتمل أن يراد به اليوم
التاسع، لا الأيام التسعة، وحديثا عائشة المذكوران فى الباب لا يمنعان صيامهما أو صيام بعضها،
فغاية الحديث الأول أنها رضى اللَّه عنها لم تره صائماً، وكان لها يوم كل تسعة أيام، فربما كان
مفطراً هذا اليوم، صائماً غيره، وربما كان صائماً يومها وهى لا تعلم. والحديث الثانى ((لم يصم العشر))
يصدق بصيام بعضه، أى لم يصم العشر كاملا.
وحيث فقدنا دليل الاستحباب، وفقدنا دليل منع الصيام بقى صيام الأيام التسع على أصل
الصيام، من جواز صيام الأيام التى لم يرد النهى عن صيامها.
والله أعلم
٧٩