النص المفهرس

صفحات 541-560

(٣٠٣) باب حكم القبلة والمباشرة فى الصوم
٢٢٤٢ -٣ ٦ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا(٦٢) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يُقَبِّلُ إِحْدَى نِسَائِهِ
وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَضْحَكُ.
٢٢٤٣ - ٦٣ عَنِ سُفْيَا قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنِ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦٣) أَنَّ النَّبِيِِّ ﴿ كَانَ يُقَبَّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ؟ فَسَكَتَ سَاعَةٌ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ.
٢٢٤٤ - ٦٤ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٦٤) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ
وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟.
٢٢٤٥ - ٣٥٠ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٦٥) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ
وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنْهُ أَمْلَكُكُمْ لإِرْبِهِ.
٢٢٤٦ - ١٦ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ
أَمْلَکَكُمْ لإِرْبِهِ.
٢٢٤٧ - ٦٧ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٦٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ.
٢٢٤٨ - ٦٨ عَنِ الأَسْوَدِ(٢٨) قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ إِلَى عَائِشَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقُلْنَا
لَهَا: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ أَوْ مِنَ
أَمْلَكِكُمْ لإِرْبِهِ. شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ.
٢٢٤٩ - - عَنِ الأَسْوَدِ وَمَسْرُوقِ أَنْهُمَا دَخَلا عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لِيَسْأَلانِهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
(٦٢) حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
(٦٣) حَدَّثَبِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَابْنُ أَبِي عُمَرُّ قَالَّ خَذََّا سَّفْيَاهُ قَالَّ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ
(٦٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيِّ شَيْيَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ عُيَّيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ عَائِشَةً
(٦٥) حَدًَّا يَحْتِى بَنُ يُحْتَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوْ كُرَّيْبٍ قَالَ يَحْتَّى أَخْبُرَنَاَ وقَالَ الْآخَرَّانِ حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيّةً عَنِ الأَعْمَشِ
عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَّةٌ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهَا ح وحَدَّثْنَا شُجَاعُ بْنُ مُخْلَدٍ حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ أَبِي زَائِدَةً حَدَّثْنَاً
الأَغَمَشُ عَنِ مُسْلِمٍ عَنِ مَسْرُوقٍ عَنٍ عَائِشَةً
(٦٦) حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خُّجْرٍ وَزُهَيْرُ بْنٌّ حَرَّبٍ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ مَنْصُورٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ عَلْقَمَةٌ عَنِ عَائِشَةً
(٦٧) وحَدَّثَنَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَّعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُغَبَةُ عَنِ مَنْصُورٍ عَنِ إِبْرَّاهِيمَ عَنِ عَلْقَمَةً
(٦٨) وحَدَّثََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا أَبُوَ عَاصِمٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَوْنَ عَنِ إِبْرَاهِيمٍ عَنِ الْأَسْوَدِّ
- وحَدََّبِيهِ يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ إِبْرَّاهِيمَ عَنِ الأُسْوَدِ وَمَسْرُوقِ
٥٤١

٢٢٥٠- ٦٩ عَنِ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ.
٢٢٥١ - ٣٠ِ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧٠) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلِ لَ يُقَبِّلُ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ.
٢٢٥٢ - ٣١ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧١) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يُقَبِّلُ فِي رَمَضَانْ وَهُوَ صَائِمٌ.
٢٢٥٣ - ٣٢ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٧٢) أَنَّ الَّبِيَّنِ﴿ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ.
٢٢٥٤ - ٧٣ عَنِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٧٣) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ.
٢٢٥٥ - ◌َّ عَنِ عُمَّرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَ﴾ (٧٤) أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ أَيْقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ه «سَلْ هَذِهِ» (لأُمِّ سَلَمَةَ) فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ِ «أَمَا وَاللَّهِ
إِنّي لأَنْقَاكُمْ لِلْهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ».
المعنى العام
الإسلام ليس دين تبتل ولا رهبانية، بل هو دين الوسطية، ﴿وَابْتَغْ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا
تَنْسَ نَصِيبَكَ مِن الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِن
الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
نعم من أهداف الصوم تهذيب شهوتى البطن والفرج، والتدريب على السيطرة عليهما، والتحكم
فيهما، حتى لا يجرفا المسلم بعنفوانهما إلى المحرمات فأحل الله الأكل والشرب والجماع للصائم
(٦٩) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ أَبِي سَلَمَةً أَنَّ عُمَرَ بْنَ
عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبُرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبِيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ
- وحَذََّنَا يَحْتِى بْنُ بِشْرِ الْحَرِيرِيُّحَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ (يَعْنِي ابْنَ سَلامٍ) عَنِ يَحِى بْنِ أَبِي كَثِيرِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
(٧٠) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى وَقْتِيَةُ بَّنَّ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكّرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً قَالْ يَحْتِى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدََّنَا أَبُو الأُخْوَصِ عَنِ زِیّادٍ
ابْنِ عِلَاقَةً عَنِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنِ عَائِشَةٌ
(٧١) وحَدَّثِي مُحْمَّدُ بْنَّ حَاتِمٍ حَدْفًَا بَهْزَّ بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَا أَبُوِ بَكْرِ النَّهْشَلِيُّ حَدََّنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ عَنِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنٍ عَائِشَةً
(٧٢) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثْنَا سُفْيَاهُ عَنِ أَبِي الزَّنَادِ عَنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنَ عَنِ عَائِشَّةً
(٧٣) وحَّدََّا يَحْيِى بْنُ يَحْتِىٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ يَخْتِى أَخْبُرْنَاُ وقَالَ الْآخَرَانِ خَدَّثَاَ أَبُو مُعَاوِيَةٌ عَنِ الأَعْمَشِ
عَنٍ مُسْلِمٍ عَنِ شَيْرِ بْنِ شَكْلٍ عَنِ حَفْصَّةً
- وَحَدَّثَنَاْ أَبُوَ الرَّبِعِ الَزَّهْرَانِيِّ حَذََّنَا أَبُو عَوَانَةً حٍ وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنٍ جَرِيرٍ كِلاهُمَا عَنِ
مَنْصُورِ عَنٍ مُسْلِمٍ عَنِ شَيْرِ بْنِ شَكْلٍ عَنِ حَفْصَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ بِمِثْلِهِ
(٧٤) حَدُّفِيْ هَارُونُ بْنُّ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي عَمْرٌو وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثَ عَنِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
كَعْبِ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَّمَةً
٥٤٢

ليلا، وحرمها نهاراً، قال جل شأنه ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ
لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيَّكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَنْيَضُ مِن الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِن الْفَجْرِ﴾
[البقرة: ١٨٧]. ولما كان الجماع ممنوعاً فى نهار الصائم كان السؤال يخطر كثيرًا. ماذا عن
المقدمات؟ والعربى بطبعه عاطفى، حسن العشرة لنسائه، ميال إلى المداعبة، والشريعة الإسلامية
بسماحتها تحث على ذلك، لكن من أين يستقى حكم ذلك إذا لم نلجأ إلى أمهات المؤمنين أزواج
النبى لنستكشف منهن حال النبى # معهن؟ وهكذا كانت الأسئلة عن قبلة الصائم، وعن
مباشرته لزوجته دون جماع، وكانت إجابتهن الشافية الكافية التى سنوضحها فى فقه الحديث. إن
شاء الله.
المباحث العربية
( يقبل إحدى نسائه ) تقصد نفسها، وعدلت هنا عن المتكلم إلى الغائب حياء، ولا يمنع هذا
أن تتكلم عن نفسها بضمير المتكلم فى ظرف آخر، كما فى الرواية الثالثة.
( وهو صائم ) جملة حالية، وتشمل صيام الفرض وصيام النفل، لأن الذى يفطر فى الفرض يفطر
فى النفل، أما الروايتان التاسعة والعاشرة فتصريحهما بشهر الصوم رمضان لرفع ما عساه يظن أن
ذلك يحصل فى النفل والتطوع لما فيه من التسامح وضعف الحيطة فإن الإفطار لمن صام نفلا
مرخص به لمجرد دعوته إلى طعام.
( ثم تضحك) معطوف على ((قالت)) ولعل التعبير بالمضارع من بعض الرواة لاستحضار
الصورة، والأصل ((ثم ضحكت)) كما فى لفظ البخارى.
قال النووي: قال القاضى: قيل: يحتمل أن ضحكها للتعجب ممن خالف فى هذا، وقيل: للتعجب
من نفسها، حيث جاءت بمثل هذا الحديث الذى يستحى من ذكره، لا سيما تحديث المرأة به عن
نفسها للرجال، لكنها اضطرت إلى ذكره لتبليغ الحديث والعلم، فتتعجب من ضرورة الحال المضطرة
لها إلى ذلك. وقيل: ضحكت سروراً بتذكر مكانها من النبى { ، وحالها معه، وملاطفته لها قال
القاضى: ويحتمل أنها ضحكت تنبيها على أنها صاحبة القصة، ليكون أبلغ فى الثقة بحديثها. أهـ
وقد روى ابن أبى شيبة عن شريك عن هشام فى هذا الحديث ((فضحكت فظننا أنها هى)».
( فسكت ساعة ) أى جزءاً من الزمن، وليس المقصود الساعة المعهودة المحددة بستين دقيقة
قال النووي: أى ليتذكر قولها.
( وأيكم يملك إربه كما كان رسول اللَّه# يملك إربه) فى الرواية الرابعة والخامسة،
((وكان أملككم لإربه))، وفى السابعة ((أو من أملككم لإربه)).
٥٤٣

قال النووى: هذه اللفظة رووها على وجهين، أشهرهما رواية الأكثرين ((إربه)) بكسر الهمزة
وإسكان الراء، والثانى بفتح الهمزة والراء، ومعناه بالكسر الوطر والحاجة، وكذا بالفتح، ولكن المفتوح
يطلق أيضا على العضو، وقال الخطابى: الفتح والكسر معناهما واحد، وهو حاجة النفس ووطرها. قال
والإرب أيضاً العضو. اهـ والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان أقدر الناس أو من أقدر الناس على أن
يغلب الشهوة، لا أن تغلبه الشهوة، فيوقفها حتى لاتتجاوز إلى إفساد الصوم.
(ويباشروهو صائم ) قال النووى: معنى المباشرة هنا اللمس باليد، وهو من التقاء
البشرتين.اهـ فهى أعمق من التقبيل. أما المراد بالمباشرة فى قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾
الجماع، لا ما دونه من قبلة ونحوها، والرسول # هو المبين عن الله تعالى.
(يسألانها) هكذا هو فى كثير من الأصول ((يسألانها)) وهذا واضح جار على المشهور
فى العربية، لكن فى بعض الأصول ((ليسألانها)) بلام التعليل مع ثبوت نون الأفعال
الخمسة. قال النووي: وهى لغة قليلة.
( فى شهر الصوم ) أى وهو صائم صيام الفرض.
(فقال: يا رسول اللَّه قد غفر الله لك .. ) سبب قوله هذا القول أنه ظن أن جواز التقبيل
للصائم من خصائص الرسول ®، وأنه لا حرج عليه فيما يفعل، لأنه مغفور له، وفى الموطأ ((يحل اللّه
لرسوله ما شاء».
( أنا أتقاكم للَّه وأخشاكم له) فكيف تظنون بى أو تجوزون عليَّ ارتكاب منهى عنه؟ وفى
بعض الروايات أن الرسول / غضب حين قال القائل هذا القول.
فقه الحديث
اختلف العلماء فى حكم القبلة والمباشرة تقع من الصائم لزوجته، والمقصود من المباشرة هنا -
كما قدمنا - التقاء البشرتين بأى وفى أى موضع من الجسد من غير الجماع، فالحكم على القبلة
حكم المباشرة.
فقال الشافعى وأصحابه: القبلة فى الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى له
تركها. ولا يقال إنها مكروهة له. وإنما قالوا: إنها خلاف الأولى فى حقه، مع ثبوت أن النبى # كان
يفعلها، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤمن فى حقه مجاورة حد القبلة، ويخاف على غيره مجاورتها،
كما قالت عائشة ((وأيكم يملك إربه)) ((وكان أملككم لإريه)) أما من حركت شهوته فهى حرام فى حقه
على الأصح عند الشافعية وفى غير الأصح عندهم مكروهة كراهة تنزيه، ذكره النووى.
وحاصل هذا القول أن القبلة والمباشرة بين الزوجين فى الصيام خلاف الأولى لمن علم من
تجاريه وسوابقه أنها لا تحرك شهوته، ولا يقال: إن الرسول * كان يفعل خلاف الأولى على هذا؟
٥٤٤

لأن الأمن فى حقه أقوى من الأمن فى حق غيره. أما من علم من تجاربه وسوابقه أنها تحرك شهوته
فهى حرام فى حقه، لأنها - والحالة هذه - تؤدى إلى الإنزال المفسد الصوم، وإفساد الصوم حرام، فما
أدى إليه حرام. وعند بعض الشافعية أنها مكروهة فى هذه الحالة، لأن تأديتها للإنزال محتملة ظنية،
فلا تأخذ حكم الإنزال.
وهذا القول أضبط الأقوال فى المسألة، ويجتمع عنده ظواهر الأحاديث الواردة.
فقد ورد فى بعض الروايات أن عروة قال بعد أن سمع الحديث: إنى لم أرالقبلة تدعو إلى خير،
وكذلك رويت هذه الزيادة عن ابن هشام، فأقل ما يؤخذ منها أنها خلاف الأولى.
وروايات عائشة - رضى الله عنها - تفيد أن صنع الرسول * فى هذا ليس مؤشراً للإباحة، فإن
استدراكها بقولها: ((كان أملككم لإربه)) ((وأيكم يملك إربه كما كان رسول اللَّه: # يملك إربه)»؟ دليل
على عدم الإباحة. وأوضح من ذلك رواية النسائى ((قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت:
لا. قلت: أليس كان رسول اللَّه ◌ِ يباشر وهو صائم قالت: إنه كان أملككم لإربه)» وليس مرادها بهذا
تحريم المباشرة، فعن حكيم بن عقال قال: «سألت عائشة: مايحرم على من امرأتى وأنا صائم قالت:
فرجها)» قال الحافظ: إسناده إلى حكيم صحيح، ويؤدى معناه ما رواه عبد الرزاق عن مسروق ((سألت
عائشة: ما يحل للرجل من امرأته صائماً؟ قالت كل شىء إلا الجماع)». قال الحافظ ابن حجر:
فيحمل النهى هنا [قولها للأسود: لا] على كراهة التنزيه، فإنها لا تنافى الإباحة، وقد روى عن حماد:
سألت عائشة عن المباشرة للصائم؟ فكرهتها)».
القول الثاني: نقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها مطلقًا: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالآنَ
بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، فمنع المباشرة فى هذه الآية نهاراً. قال الحافظ: والجواب عن ذلك أن النبى ◌ُ ﴿ هو
المبين عن اللَّه تعالى، وقد أباح المباشرة نهاراً، فدل على أن المراد بالمباشرة فى الآية الجماع، لا ما
دونه من قبلة ونحوها، وممن أفتى بإفطار من قبل وهو صائم عبد الله بن شبرمة، أحد فقهاء الكوفة،
ونقله الطحاوى عن قوم لم يسمهم. اهـ وقال النووى: حكى الخطابى وغيره عن ابن مسعود وسعيد بن
المسيب أن من قبل قضى يومًا مكان يوم القبلة. اهـ ولعل القائلين بهذا يرون فى أحاديث الباب
أنها خصوصية للرسول
القول الثالث: أن القبلة للصائم مباحة مطلقًا. قال الحافظ: وهو المنقول صحيحًا عن أبى هريرة
وبه قال سعيد وسعد بن أبى وقاص وطائفة. اهـ وقال النووى: قال القاضي: وقد قال بإباحتها مطلقاً
للصائم جماعة من الصحابة والتابعين وأحمد وإسحق وداود. اهـ
قال الحافظ: بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها. اهـ
القول الرابع: أنها مكروهة مطلقًا، وهو مشهور عند المالكية.
القول الخامس: أنها مكروهة للشاب دون الشيخ الكبير، وهى رواية عن مالك. قال الحافظ ابن
حجر: وهو مشهور عن ابن عباس، أخرجه مالك وسعيد ابن منصور وغيرهما، وجاء فيه حديثان
٥٤٥

مرفوعان فيهما ضعف، أخرج أحدهما أبو داود من حديث أبى هريرة، والآخر أحمد من حديث عبدالله
ابن عمر، اهـ ويرد هذا القول أن عائشة كانت فى شبابها حين قبلها رسول اللَّه®، وما كان الرسول
* ليوقعها فى أمر مكروه -وكان عمر بن أبى سلمة- الذى أجيب فى روايتنا الثالثة عشرة شاباً، بل
لعله كان أول ما بلغ، مما يدل على أنه لا عبرة بالشيخوخة ولا بالشباب، فقد تتحرك شهوة الشيخ
أسرع من شهوة الشاب.
القول السادس: التفرقة بين من يملك نفسه وبين من لا يملك نفسه، وهو قريب من القول الأول.
قال الترمذى: رأى بعض أهل العلم أن الصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلا فلا، ليسلم له صومه، وهو
قول سفيان والشافعى.
القول السابع: التفرقة بين صيام الفرض وصيام النفل، فتباح فى صوم النفل دون الفرض. روى
ذلك ابن وهب عن مالك رحمه الله. والله أعلم.
كل ذلك فى قبلة الصائم أو مباشرته إذا لم ينزل أو يمذى، أما إذا أنزل أو أمنى فقد قال الحنفية
والشافعية: يقضى إذا أنزل فى غير النظر ولا قضاء فى الإمذاء، وقال مالك وإسحق: يقضى فى كل
ذلك ويكفر، إلا فى الإمذاء فيقضى فقط، وروى ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل
فانعظم [أى انتصب] ولو لم يمذ، ولو لم ينزل. وأنكره غيره عن مالك. وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل
أفطر بلا خلاف. قال الحافظ: وفيه نظر فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل. اهـ
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- ما كان عليه رسول اللّه * من إرهاف العاطفة نحو أزواجه الطاهرات أمهات المؤمينين.
٢- وأن رسالته وجديته شيء ومداعبته لأزواجه شىء آخر، فهو فى بيته بشر يشتهى ما يشتهيه البشر،
بل فى درجات البشرية العليا.
٣- أن القبلة من حق الزوجة على زوجها، وعليه أن يعفها ويملأ عاطفتها بالمداعبة ومقدمات النكاح.
٤- جواز الإخبار عن مثل هذا مما يجرى بين الزوجين على الجملة للضرورة، قال النووي: وأما فى غير
حال الضرورة فمنهى عنه.
٥- أنه لا حياء فى الدين، فإن عمر بن أبى سلمة سأل رسول اللَّه * عن قبلة الصائم أمام أمه، وأحال
الرسول:﴿ الإجابة على أمه، فأجابته بما يفعله معها رسول اللَّه ◌ُ ﴾.
والله أعلم
٥٤٦

(٣٠٤) باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب
٢٢٥٦ - ٥ ٧ عَنِ أَبِي بَكْرٍ(٧٥) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ◌َُ يَقُصُّ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ
الْفَجْرُ جُنُبًا فَلا يَصُمْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لأَبِهِ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. فَانْطَلَقَ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ خَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ
الرَّحْمَنِ عَنِ ذَلِكَ. قَالَ: فَكِلْنَاهُمَا قَالَتْ كَانَ النّبِيُّ ◌ِ﴿هَ يُصْبِحُ جُبًا مِنَ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ.
قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَقَالَ مَرْوَانُ عَزَمْتُ عَلَيْكَ
إِلا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةً فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ. قَالَ: فَجِثْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ
ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةً أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هُمَا
أَعْلَمُ ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ ابْنِ الْعَبَّاسِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ
ذَلِكَ مِن الْفَضْلِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِن النّبِيِّ ◌ِ﴿ّ. قَالَ: فَرَجّعَ أَبُو هُرَيْرَةً عَمَّا كَانٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَقَالَّا فِي رَمَضَانٌ؟ قَالَ: كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنَ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ.
٢٢٥٧ - ٣٢٦ عَنِ عَائِشَةَ(٧٦) زَوْجِ الْبِيِّ ◌ِ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِعَل
يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌّ مِنَ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَتَصُومُ.
٢٢٥٨ - ٣٧ عَنِ أَبِي بَكْرٍ عَ﴾(٧٧) أَنَّ مَرْوَانُ أَرْسَلَهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَسْأَلُ عَنِ
الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا أَيَصُومُ؟ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنَ جِمَاعٍ لا مِنَ حُلُمٍ ثُمَّ
لا يُفْطِرُ وَلا يَقْضِي.
٢٢٥٩ - ٧٨ عَنِ عَائِشَةً وَأُمُّ سَلَمَّةَ(٧٨) زَوْجَي النِّيِّ ◌ِ﴿ أَنْهُمَا قَالَتْها: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مِّ
لَيُصْبِحُ جُبًا مِنَ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ.
(٧٥) حَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدََّا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدًَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ
هَمَّامٍ أُخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِيٍ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنٍ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ
(٧٦) وحَذََّيِي حَرْمَلَةُ بْنُ يُحْيِى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَفِي يَّونُسُ عَن ابَّنِ شِهَابٍ عُنٍ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي يَكْرِ بْنٍ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةٌ
(٧٧) حَدِِّي هَارُوَنُ بْنُ سَعِيدٍ الأَبِيُّ حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي عَمْرٌو وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ عَنِ عَبْدِ رَبِّهِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُغْبٍ
الْجِمْيْرِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرِ حَدَّتَهُ
(٧٨) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتَّى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنِ
عَائِشَةً وَأُمِّ سَلَمَةٌ
٥٤٧

٢٢٦٠ - ٧٩ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧٩) أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النّبِيِّ ◌َ يَسْتَفْتِهِ وَهِيَ تَسْمَعُ
مِنَّ وَرَاءِ الْبَابِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُدْرِكُنِي الصَّلاةُ وَأَنَا جُنُبٌ أَفَأَصُومٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
لَ*ُ «وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلاةُ وَأَنَا جُنُبٌّ فَأَصُومُ)» فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَدْ غَفَرَ اللَّهُ
لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ «وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَن أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ
بِمَا أَتْقِي».
٢٢٦١ - ◌ْجِ عَنِ سُلَيْمَانُ بْنِ يَسَارٍ(٨٠) أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ
◌ُبًا أَيَصُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنَ غَيْرِ احْتِلامٍ ثُمَّ يَصُومُ.
المعنى العام
أحل الله ليلة الصيام الرفت إلى النساء وجماع الزوجة إلى الفجر، ومعنى هذا أن الجماع بعد
الفجر يبطل الصوم، فعرضت مسألة من جامع قبيل الفجر ولم يغتسل من الجنابة حتى طلع الفجر،
هل يصح صومه أو لا يصح، وكان أبو هريرة ممن يعظم شأن الجنابة، لدرجة أنه كان يظن أن الجنب
نجس، لا يقابل الطاهرين ولا يصافحهم أو لا يسلم عليهم، فهو الذى انخنس وزاغ عن مقابلة النبى #
فى الطريق، فلما سأله صلى الله عليه وسلم عن سبب انخناسه؟ قال كنت جنباً. فقال له رسول الله
﴿ . سبحان الله إن المؤمن لا ينجس. وسمع أبوهريرة من الفضل بن العباس ومن أسامة بن زيد أن
رسول اللَّه # قال: ((من أصبح جنبًا فليفطر ولا يصم)) وكان هذا الحكم على هواه فأخذ يفتى به
وينشره، ويجاهر به رغم أن المسلمين علموا من الرسول و # أن صيام من أصبح جنباً صحيح، سواء
كانت الجنابة من حلم أو جماع، وعلم مروان بن الحكم أمير المدينة من جهة معاوية ما يقوله
أبو هريرة، فأحب مواجهته وتقريعه وتخويفه، فأرسل إلى أمى المؤمنين عائشة وأم سلمة -رضى الله
عنهما - يسألهما عن الصائم يصبح جنباً، ليصدم أبا هريرة بما لا مرد له؛ فأجابتا بأن الرسول #
كان يصبح جنباً من جماع، ويغتسل بعد الفجر ويصوم، وأن رجلا استفتاه فى ذلك فأجابه بأن صيامه
صحيح. وراجعه الرجل فأكد رسول اللّه # أن صيام من أصبح جنباً صحيح.
وأرسل مروان إلى أبى هريرة من يحرجه ويرد عليه قوله، ولما تأكد أبو هريرة من قول أمي
المؤمنين رجع عن مقالته إلى ما قالته عائشة وأم سلمة رضى الله عن الصحابة أجمعين.
(٧٩) حَدََّا يُخْتَى بْنُ أَيُوبٌ وَقُتِبَهُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ ابْنُ أَيُّوبْ حَدْثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ابْنُ
مَعْمّرِ بْنِ حَزْمِ الأَنْصَارِيُّ أَبُو طُوَالَةَ أَنَّ أَبًّا يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةً أَخْبَرَهُ عَنِ عَائِشَةً
(٨٠) حَدََّا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَاَتْ النَّوْفَلِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْرَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ
٥٤٨

المباحث العربية
( عن عبد الملك بن أبى بكربن عبد الرحمن عن أبى بكر) أصل الإسناد: عن عبد الملك
عن أبيه أبى بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا هريرة .. )» فالقائل: «سمعت أبا هريرة» أبوبكر بن
عبد الرحمن بن الحارث.
(يقص يقول فى قصصه) المراد من القصص القول والرواية، وليس ما يتبادر من لفظ القصة
ذات الحوادث، فالمعنى: يروى، يقول فیما یرویه.
( من أدركه الفجرجنباً فلا يصم) وفى رواية مالك ((من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم»،
وللنسائى ((من أصبح جنباً فلا يصوم ذلك اليوم)»، وللنسائى أيضاً «من احتلم من الليل أو واقع أهله،
ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم»، وفى رواية ((من أصبح جنباً فليفطر)).
(فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث ) أى ((لأبيه)) فأنكر ذلك القائل ((فذكرت)) هو أبو
بكربن عبد الرحمن بن الحارث، وكان الأصل أن يقول: فذكرت ذلك لأبى عبد الرحمن بن الحارث، أو
يقول: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث ((لأبى)) لكنه عبر بضمير الغيبة ((لأبيه)) بدل ضمير
التكلم، فأثار قلقاً فى العبارة. قال النووى عنها: وهو صحيح مليح، ومعناه ذكره أبوبكر لأبيه عبد
الرحمن، فقوله ((لأبيه)) بدل من عبد الرحمن، بإعادة حرف الجر. قال القاضى ووقع فى رواية ابن
ماهان ((فذكر ذلك عبد الرحمن لأبيه، وهذا غلط فاحش، لأنه تصريح بأن الحارث والد عبد الرحمن
هو المخاطب بذلك، وهو باطل، لأن هذه القصة كانت فى ولاية مروان على المدينة فى خلافة معاوية،
والحارث توفي فى طاعون عمواس فى خلافة عمر بن الخطاب ه سنة ثمان عشرة. اهـ
(فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه ) المتكلم أبوبكر بن عبد الرحمن، وكان الأصل أن
يقول: فانطلق أبى عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة، وفى الرواية طى توضحه
الرواية الرابعة، والروايات فى غير مسلم حاصلها أنه لما أنكر عبد الرحمن ما سمعه من ابنه أبى بكر
اجتمعا معاً عند مروان بن الحكم أمير المدينة، فحدثه عبد الرحمن بما يقول أبو هريرة، فقال مروان:
أقسمت عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة، فتسألنهما عن ذلك. قال
أبوبكر: فذهب عبد الرحمن وذهبت معه ...
( حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ) ظاهره أنهما كانتا فى مكان واحد، والواقع غير ذلك
وأنهما ذهبا إلى عائشة فى بيتها فسألاها. ثم ذهبا إلى أم سلمة فى بيتها فسألاها.
(كان النبى # يصبح جنباً من غير حلم) ((حلم)) بضم الحاء، وبضم اللام وإسكانها، وهل
يحتلم الأنبياء أو لا يحتلمون؟. وما فائدة ذكرها؟ سيأتى ذلك فى فقه الحديث.
( عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبى هريرة، فرددت عليه ما يقول ) أى أمرتك أمراً
٥٤٩

جازمًا عزيمة محتمة. وفى رواية البخارى ((أقسم باللَّه لتقرعن بها أبا هريرة)) أى اذهب فَقَرِّعْ أبا
هريرة على فتواه، وفى رواية ((لتفزعن، بالفاء والزاى، من الفزع، وهو الخوف.
( فجئنا أبا هريرة وأبوبكر حاضر ذلك كله ) المتكلم أبوبكروكان الأصل أن يقول: وأنا
حاضر ذلك كله. وفى هذه الرواية طى، توضيحه أن عبد الرحمن كره أن يذهب إلى أبى هريرة، لكن
مروان أمير واجب الطاعة، ففى رواية النسائى ((قال عبد الرحمن لمروان: إن أبا هريرة لجارئ وإنى
لأكره أن أستقبله بما يكره، فقال: أعزم عليك لتلقينه»، وفى رواية ((فقال عبد الرحمن لمروان: ((غفر
اللَّه لك، إنه لى صديق، ولا أحب أن أرد عليه قوله )).
ورواية البخارى تفيد أنهما التقيا بأبى هريرة عفواً، ولم يذهبا إليه قاصدين، فلفظه ((ثم قدرلنا أن
نجتمع بذى الحليفة)»، وكان لأبى هريرة هناك أرض، لكن فى رواية مالك ((فقال مروان لعبد الرحمن:
أقسمت عليك لتركبن دابتى، فإنها بالباب، فلتذهبن إلى أبى هريرة فإنه بأرضه بالعقيق، فلتخبرنه.
قال: فركب عبد الرحمن وركبت معه))، قال الحافظ ابن حجر: فهذا ظاهر فى أنه قصد أبا هريرة
لذلك، فيحمل قوله ((ثم قدرلنا أن نجتمع معه)) على المعنى الأعم من التقدير، لا على معنى
الاتفاق. اهـ أى ذهبنا قاصدين فكان القدر أن نلقاه ونجتمع به.
( فذكر له عبد الرحمن ) أى ذكر له ما كان من جواب عائشة وأم سلمة رضى اللَّه عنهما. وفى
رواية للبخارى «فقال عبد الرحمن لأبى هريرة: إنى ذاكر لك أمراً، ولولا مروان أقسم على فيه لم أذكره
لك، فذكر قول عائشة وأم سلمة ».
(فقال أبو هريرة: هما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال هما أعلم) فى بعض الروايات ((هما
أعلم برسول الله منا)) وفى رواية ((فتلون وجه أبى هريرة ثم قال: هكذا حدثنى الفضل بن عباس)).
وفى رواية ((سمعت ذلك - أى القول الذى أقوله- من الفضل بن عباس)) أى ولم أسمعه من النبى
* أى وكنت أفتى به، ولا أنسبه قولا إلى النبى {﴾.
وفى رواية النسائى ((قال أبو هريرة ((أخبرنيه أسامة بن زيد)).
وفى رواية ((أخبرنيه فلان وفلان)).
وفى رواية ((أخبرنيه مخبر)) قال الحافظ: والظاهر أن هذا من تصرف الرواة، منهم من أبهم
الرجلين، ومنهم من اقتصر على أحدهما تارة مبهماً وتارة مفسراً.
( فرجع أبو هريرة عما كان يقول فى ذلك ) سيأتى توضيحه فى فقه الحديث.
(إن كان رسول اللَّه ليصبح جذباً ... ثم يصوم) ((إن)) مخففة من الثقيلة، واسمها
ضمير الحال والشأن محذوف، والجملة بعدها خبر، والتقدير: إن الحال والشأن كان كذا.
( تدركنى الصلاة وأنا جنب) ((ال)) فى الصلاة للعهد، والمقصود صلاة الفجر.
٥٥٠

فقه الحديث
روى عن أحمد وابن حبان عن أبى هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم «إذا نودى الصلاة» صلاة
الصبح وأحدكم جنب فلا يصم حينئذ)) وروى النسائى والطبرانى عن عبدالله بن عبد الله ابن عمر: قال
لى أبو هريرة ((كان رسول اللَّه﴿ يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل جنبًا ».
قال الحافظ: والذى يظهرلى أن مراد البخارى أن الرواية الأولى أقوى إسناداً، وهى من حيث
الرجحان كذلك، لأن حديث عائشة وأم سلمة فى ذلك جاء عنهما من طرق كثيرة جداً بمعنى واحد،
حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتى به، وجاء
عنه من هذين الطريقين أنه كان يرفعه إلى النبى{. وكذلك وقع فيما أخرجه عبد الرزاق عن أبى بكر
ابن عبد الرحمن «سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله﴿» فذكر الحديث، والنسائى عن أبى بكر
ابن عبد الرحمن «بلغ مروان أن أبا هريرة يحدث عن رسول اللّه، ولأحمد عن عبد الله بن عمرو
القارى («سمعت أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت ما أنا قلت: من أدرك الصبح وهو جنب فلا يصم،
محمد ورب الكعبة قاله)). قال الحافظ: لكن بين أبو هريرة - كما مضى - أنه لم يسمع ذلك من النبى
ال*، وإنما سمعه بواسطة الفضل وأسامة. وكان لشدة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك. وأما ما أخرجه
ابن عبد البر من رواية عطاء بن ميناء عن أبى هريرة أنه قال: «كنت حدثتكم: من أصبح جنباً فقد
أفطر وأن ذلك من كيس أبى هريرة)). فلا يصح ذلك عن أبى هريرة، لأنه من رواية عمر ابن قيس
وهو متروك.
ثم استعرض الحافظ أقوال العلماء فى حكم من أصبح جنباً، فقال:
نقل الترمذى أنه بقى على مقالة أبى هريرة بعض التابعين، ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر
الإجماع على خلافه، وجزم بذلك النووى.
وأما ابن دقيق العيد فقال: صار ذلك إجماعاً، أو كالإجماع، لكن من الآخذين بحديث أبى هريرة
من فرق بين من تعمد الجنابة وبين من احتلم، ومنهم من قال: يتم صومه ويقضى، ومنهم من قال:
يقضى استحباباً، ومنهم من قال: يقضى وجوباً فى الفرض، ويجزئ فى التطوع.
ونقل الماوردى أن هذا الاختلاف كله إنما هو فى حق الجنب، وأما المحتلم فأجمعوا
على أنه يجزئه.
قال الحافظ: وحمل القائلون بفساد صوم الجنب حديث عائشة وأم سلمة على أنه من
الخصائص النبوية، وأجاب الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأنه قد ورد صريحاً ما يدل
على عدمها، وهو ما أخرجه مسلم ((أن رجلا جاء النبى {* يستفتيه ... )) والحديث روايتنا الخامسة. اهـ
ومن الواضح أن الحكم الشرعى على خلاف ما كان يقول أبو هريرة، ومن الثابت أن أبا هريرة
رجع عن هذه الفتوى بعد تلك المواجهة، إما لرجحان رواية أمى المؤمنين على رواية غيرهما، وإما
لاعتقاده أن خبر أمى المؤمنين ناسخ لخبر غيرهما.
٥٥١

وقد دافع كثير من العلماء عن موقف أبى هريرة فى فتواه أو حديثه.
فقد قال ابن خزيمة: إن أبا هريرة لم يغلط، بل أحال على رواية صادق إلا أن الخبر منسوخ، لأن
اللَّه تعالى عند ابتداء فرض الصوم كان منع فى ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم،
فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذ، ثم أباح اللّه ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن
يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة ناسخ لحديث
الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك
لما بلغه. اهـ
وإلى دعوى النسخ ذهب ابن المنذر والخطابى وغير واحد، وقررها ابن دقيق العيد، ورجحها
الحافظ ابن حجر: وهذا خير دفاع.
ومال البخارى إلى الترجيح بين الخبرين، حيث قال: والأول أسند، وتابعه قوم، فقالوا: إن حديث
عائشة راجح لموافقة أم سلمة لها على ذلك ورواية الاثنين تقدم على رواية الواحد، ولا سيما وهما
زوجتان، وهما أعلم بذلك من الرجال، ولأن روايتهما توافق المنقول، وهو مدلول الآية، والمعقول وهو
أن الغسل شىء وجب بالإنزال، وليس فى فعله شىء يحرم على صائم، فقد يحتلم بالنهار، فيجب عليه
الغسل، ولا يحرم عليه، بل يتم صومه إجماعًا، فكذلك إذا احتلم ليلا، بل هو من باب أولى، وإنما يمنع
الصائم من تعمد الجماع نهارًا.
وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الأمر فى حديث أبى هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل
أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز، ونقل النووى هذا عن
أصحاب الشافعى. قال الحافظ: ويعكر على حمله على الإرشاد التصريح فى كثير من طرق حديث
أبى هريرة بالأمر بالفطر، وبالنهى عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك فى
رمضان.اهـ اعتراض مفحم.
وجمع بعضهم بحمل حديث أبى هريرة على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوعه عالماً
بذلك. قال الحافظ: ويعكر عليه ما رواه النسائي عن عبد الملك ابن أبى بكربن عبد الرحمن عن أبيه
أن أبا هريرة كان يقول: ((من احتلم وعلم باحتلامه، ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم)».
وحكى ابن التين عن بعضهم أن لفظ ((لا)) سقط من حديث الفضل، وكان فى الأصل ((من أصبح
جنباً فى رمضان فلا يفطر)) فلما سقط ((لا)) صار «فليفطر)).
قال الحافظ: وهذا بعيد. بل باطل، لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث، وأنها يتطرق
إليها هذا الاحتمال، وكأن قائله ما وقف على شىء من طرق هذا الحديث إلا على اللفظ المذكور. اهـ
هذا، والحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلا فى معنى الجنب. قال النووي: مذهب العلماء كافة
صحة صومها إلا ما حكى عن بعض السلف، مما لا يعلم أصح عنه أم لا. اهـ
وحكى ابن دقيق العيد أن فى المسألة فى مذهب مالك قولين. وحكى ابن عبد البرعن عبد الملك
٥٥٢

ابن الماجشون أنها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر، لأنها فى بعضه غير طاهرة،
قال: وليس كالذى يصبح جنباً، لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- دخول العلماء على الأمراء، ومذاكرتهم إياهم بالعلم.
٢- قال الحافظ: وفيه فضيلة لمروان بن الحكم، لما يدل عليه الحديث من اهتمامه بالعلم ومسائل
الدين. اهـ والظاهر عندى أن مروان اهتم بتخطئة أبى هريرة ومهاجمته.
٣- وفيها الاستثبات فى النقل والرجوع إلى الأعلم، فإن الشىء إذا نوزع فيه رد إلى من عنده علمه.
٤- وترجيح مروى النساء فيما لهن عليه الاطلاع دون الرجال على مروى الرجال، کعكسه قاله الحافظ.
٥- وأن المباشر للأمر أعلم به من المخبر عنه.
٦- والائتساء بالنبى * فى أفعاله ما لم يقم دليل الخصوصية.
٧- وأن للمفضول إذا سمع من الأفضل خلاف ما عنده من العلم أن يبحث عنه حتى يقف على وجهه.
٨- وأن الحجة عند الاختلاف فى المصير إلى الكتاب والسنة.
٩- وفيها الحجة بخبر الواحد، وأن المرأة فيه كالرجل. قاله الحافظ، وقد يقال: إن الحجة
هنا خبر امرأتين.
١٠- وفيه فضيلة لأبى هريرة، لاعترافه بالحق، ورجوعه إليه.
١١- وفيها استعمال السلف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العدول، من غير نكير بينهم، لأن
أباهريرة اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبى®. مع أنه كان يمكنه أن يرويه عن النبى
** دون وساطة.
١٢- وفيها الأدب مع العلماء.
١٣ - والمبادرة إلى امتثال أمرذى الأمر إذا كان طاعة، ولو كان فيه مشقة على المأمور. ذكر ذلك كله
الحافظ ابن حجر في فتح البارى. والله أعلم.
١٤ - استدل بعضهم بقولها ((من غير حلم)) على جواز الاحتلام على الأنبياء، وإلا لما كان للاستثناء
معنى، والأشهرامتناعه، لأنه من تلاعب الشيطان، وهم منزهون عنه، قال النووي: ويتأولون هذا
الحديث على أن المراد يصبح جنباً من جماع ولا يجنب من الاحتلام، لامتناعه منه، ويكون قريباً
من قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]. ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحق. اهـ
وقيل: إن الاحتلام يطلق على الإنزالَ، وَقد وقع الإنزال بغير رؤية شىء فى المنام.
والله أعلم
٥٥٣

(٣٠٥) باب تغليظ تحريم الجماع فى نهار رمضان على الصائم
ووجوب الكفارة الكبرى فيه، وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر،
وتثبت فى ذمة المعسر حتى يستطيع
٢٢٦٢ - ١ 4 عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٨١) قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ :﴿ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ
اللَّهِ. قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ
رَقَبَةٌ؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَابِعَيْنٍ؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَهَلْ تَجِدُّ مَا
تُطْعِمُ سِتْنَ مِسْكِيً؟» قَالَ: لا. قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ. فَأَبِيَ النَّبِيُِّّ بِعَرَقِ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ «تَصَدَّقْ
بِهَذَا﴾ قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لابَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ:﴿ حَتِى بَدَتْ
أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
٢٢٦٣ - - عَنٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عُبَيْنَةً. وَقَالَ بِعَرَقٍ فِيهِ
تَمْرٌ وَهُوّ الِّنْبِيلُ وَلَمْ يَذْكُرْ فَضَحِكَ النّبِيُّ : ﴿ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ.
٢٢٢٤ - 4٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٨٢) أَنَّ رَجُلًا وَفَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ
◌َ* عَنِ ذَلِكَ فَقَالَ «هَلْ تَجِدُ رَقَّبَةً؟» قَالَ: لا. قَالَ «وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيّامَ شَهْرَيْنِ؟» قَالَ: لا.
قَالَ «فَأَطْعِمْ سِتِينَ مِسْكِينًا».
٢٢٦٥ - 4٣ عن الزُّهْرِيّ(٨٣) بِهَذَا الإِسْنَادِ أَنَّ رَجُلا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
أَنْ يُكُفِّرَ بِعِنْقِ رَقْبَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةً.
٢٢٦٦ - ٤َ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٨٤) أَنَّ النَّبِيَّ: ﴿ أَمَرَ رَجُلا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقْبَةٌ أَوْ
يَصُومَ شَهْرَيْنٍ أَوْ يُطْعِمَ سِتِينَ مِسْكِينًا.
(٨١) حَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ يُحْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَّيْرٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُنْنَةً قَالَ يَحْيَى أَخْرَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُبَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
- حَدَّثْنَا إِسْحَقّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْيَّرَنَا جَرِيرٌ عَنِ مَنْصَّوَرٍ عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ مُسْلِمِ الزُّهْرِيّ
(٨٢) حَدَِّّا يَخْتِى بْنُ يَخْتِى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالاً أَخْبُرَنَا الْلَيْثُ ح وحَدَّثَنَا قُتِبَةٌ حَدَّثَنَّا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ حُمَّيْدِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(٨٣) وحَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ رَافَعَ خَدَِّّا إِسْحَقُ بْنُ عِيسَى أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيّ
(٨٤) حَدَّقَيِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنِ حُمَّيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَثَهُ
- حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ عُبَيْئَةً.
٥٥٤

٢٢٦٧ - 4° عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٨٥) أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَفَقَالَ
اخْتَرَقْتُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِمِ﴿ه «لِمَ؟» قَالَ: وَطِئْتُ امْرَأْتِي فِي رَمَضَانِ نَّهَارًا. قَالَ «تَصَدَّقْ
تَصَدَّق» قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ. فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ أَن يَتَصَدَّقَ بِهِ.
٢٢٦٨ - ٨٦ عَنٍ عَائِشَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهَا(٨٦) قَالَتْ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَذَكَرَ
الْحَدِيثَ وَلَيْسَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ «تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ» وَلا قَوْلُهُ نَهَارًا.
٢٢٦٩ - ٣- عَنِ عَائِشَةَ(٨٧) زَوْجِ الْبِيِّوَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَتَى رَجُلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
* فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانٌ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْتَرَقْتُ احْتَرَقْتُ. فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ:
«مَا شَأْنُهُ» فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِيٍ. قَالَ «تَصَدَّقْ» فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَالِي شَيْءٌ وَمَا أَقْدِرُ
عَلَيْهِ. قَالَ «اجْلِسْ» فَجَلَسَ. فَبَيْنَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبُلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ لَ﴿: «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟» فَقَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَِّ «تَصَدَّقْ بِهَذَا»
فَقَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ أَغَيْرَنّا؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعْ مَا لَنَا شَيْءٌ. قَالَ «فَكُلُوهُ».
المعنى العام
للعبادة حرمة، ولها قدسية، قد يسبقها استعداد لها وتهيؤ كالصلاة، وقد يصاحبها حماية ووقاية،
وتحاط بسياج الفضائل كالصوم ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع
طعامه وشرابه ».
وإفساد العبادة - أية عبادة- متعمداً دون عذر خطأ فى حق مشرعها جل شأنه ريما جر إلى الكفر
إن وصل إلى الاستهانة بها والاستهتار بمشروعيتها.
وللصوم فى هذا خصوصية من بين العبادات، فالله يقول فى الحديث القدسى ((كل عمل يعمله
ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به، يدع طعامه وشهوته من أجلی»، إن المفطر متعمداً من
غير عذر فى نهار رمضان كالمحارب لربه، المفسد لما يخصه جل شأنه، المستهتر بالأجر العظيم الذى
(٨٥) حَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبُرَنَا اللَّيْثُ عَنِ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ مُحْمَّدٍ بْنِ جَعْفَرٍ بْنِ
الزُّبَيْرِ عَنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزَّبَيْرِ عَنِ عَائِشَةً
(٨٦) وحَذََّا مَّحَمَّدُ بْنَّ الْمُثَنِى أَخْبَرَّنَا عَبْدَ الْوَّهَّابِ النَّقَفِيُّ قَالَ سَمِعْتُ يَخْتِى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ أَخْبُرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ
مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْيْرَهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبِيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ وَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ
(٨٧) حَدَّثَنِي أَبُو الطََّهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُوِ بْنُ الْحَارِثَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَّ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ
الزُّبَيْرِ حَدَّقَهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّتَهُ أَنْهُ سَمِعَ غَائِشَةً
٥٥٥

يتفضل به على الصائم، ولهذا ورد ((من أفطر يوماً من رمضان من غير علة ولا مرض لم يقضه صيام
الدهر وإن صامه)» أى لا يقوم مقام يوم من رمضان صيام العام كل العام وإن صامه ذاك المفطر، وفى
رواية ((من أفطر يوماً من رمضان فى غير رخصة رخصها الله تعالى له لم يقض عنه وإن صام
الدهر كله )».
وقال عبد الله بن مسعود: لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله. فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه.
علم الصحابة قدسية شهر رمضان، وعلموا عظم الجريمة فى إفطار يوم منه متعمداً بدون عذر،
وعلموا أن الإفطار على الجماع فى نهار رمضان متوعد عليه، معاقب عليه بكفارة مغلظة: عتق رقبة،
فإن لم يجد فصيام شهريين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
فتحرزوا من الوقوع فى هذه الجريمة الكبرى، لكن أعرابياً وقع فيها، لم يملك نفسه إذ حام حول
الحمى، إن الصحابة ابتعدوا عن مقدمات الجماع مخافة أن تجرهم إليه، وكانوا يسألون عن القبلة
فى نهار رمضان، وكانوا يجابون بما يحضهم على البعد عنها، لقد قالت لهم عائشة ((إن الرسول وال ير
يقبل أزواجه فى رمضان» لكنها أتبعت ذلك بقولها «وأيكم يملك إربه [أى شهوته] كما يملك الرسول
* إربه)»؟ ويبدو أن هذا الأعرابى لم يملك نفسه حتى وقع، وجاءته الفكرة بعد السكرة، وأفاق من
شهوته على إدراك قبح جريرته، فأسرع إلى رسول اللَّه : * فى المسجد، يقول: هلكت يا رسول اللّه،
احترقت يا رسول الله، ما أرانى إلا قد هلكت؟ وأخذ يشد فى شعره وينتفه، وأخذ يدق صدره بيده،
ويلطم وجهه ويحتى التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثبور على نفسه، ويصيح: احترقت، احترقت.
فسأله رسول الله :﴿: مالك؟ ما شأنك؟ ماذا أصابك؟ ويحك؟ ماذا صنعت؟ وما الذى أهلكك؟ قال:
وقعت على امرأتى وأنا صائم فى رمضان. قال صلى الله عليه وسلم: بئسما صنعت، هل تجد رقبة
تعتقها؟ قال: لا، ليس عندى والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط. قال: فهل تستطيع أن تصوم
شهرين متتابعين؟ قال: لا أستطيع، لا أقدر. وهل لقيت ما لقيت، ووقعت فيما وقعت فيه إلا من
الصيام؟ قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا أجد، لا أستطيع أن أطعم ستين مسكيناً
والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلى.
قال له صلى الله عليه وسلم: اجلس. فجلس الرجل يأمل صلى الله عليه وسلم أن يجعل اللَّه لهذا
الأمر فرجًا، يأمل أن يأتيه الوحى بشىء فيه، أو يأتيه من مال الصدقات ما يسد به عنه.
وكان أن جاء رجل يحمل على حماره زنبيلين: زنبيلا على يمين حماره وزنبيلا على يساره، أنزلهما
على باب المسجد، فأفرغ أحدهما فى الآخر، وقدمه إلى رسول الله{ *، زنبيل ملىء بالتمر، يبلغ خمسة
عشر صاعًا، يبلغ ستين مدًا، قدمه إلى رسول الله: ﴿ على أنه صدقة ماله.
فقال رسول اللّه﴿: أين الرجل الذى أمرته بالجلوس؟ أين المحترق؟ أين الذى قال آنفاً:
احترقت، احترقت؟ فقام الرجل ووقف وأقبل على رسول الله. قال له رسول اللّه ﴾: خذ هذا التمر
فتصدق به على ستين مسكيناً، كفارة لما صنعت، وفكر الرجل: أتصدق به على مساكين؟ ألست أكبر
٥٥٦

مسكين فى المدينة؟ فقال: يا رسول الله: أتصدق به على أفقر منى؟ إننى أفقر مسكين فى المدينة،
واللَّه ما بين جبلى المدينة من هو أفقر منا، فوالله إنا لجياع ما لنا من شيء، والله ما لعيالى من
طعام، ما لنا عشاء ليلة. وتعجب صلى الله عليه وسلم من ذكاء الرجل، ومن مقاطع كلامه، ومن حسن
توصله إلى هدفه، ومن أدبه فى طلبه وتوسله، تعجب من ابن آدم وطبعه الذى يتمثل فى حال هذا
الرجل، لقد جاء خائفاً على نفسه، راغبًا فى فدائها بكل ما يمكنه، فلما وجد الرخصة واطمأن إلى
فدائها طمع فى أن يأكل ويستفيد مما أعطيه فداء، لما اطمأن إلى عدم الخسارة طمع فى المكسب.
تعجب صلى الله عليه وسلم، فضحك وتبسم تبسمًا كبيرًا حتى ظهرت أنيابه، ثم قال للرجل: خذه
فأطعمه أهلك، عد به عليك وعلى عيالك.
المباحث العربية
(جاء رجل إلى النبى ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، ولا يصح قول من قال:
إنه سليمان أو سلمة بن صخر البياضى، لأن سلمة جاء مظاهراً لزوجته ووطئها، بخلاف هذه القصة.
وفى الرواية السادسة، ((أتى رجل رسول اللّه * فى المسجد فى رمضان)».
(فقال: هلكت) وفى رواية ((ما أرانى إلا قد هلكت))، وفى رواية ((هلكت وأهلكت))، وفى
الرواية الخامسة ((احترقت))، وفى السادسة ((احترقت. احترقت)) مرتين، ورواية الاحتراق تفسر
رواية الهلاك، وكأنه لما اعتقد أن مرتكب هذا الإثم يعذب بالنار، أطلق على نفسه أنه احترق لذلك، أو
مراده أنه سيحترق بالنار يوم القيامة، فجعل المتوقع كالواقع، واستعمل الماضى بدل المستقبل.
وفى رواية البيهقى ((جاء رجل وهو ينتف شعره، ويدق صدره، ويقول: هلك الأبعد وأهلكت ((وهو
يدعوبالويل)) وفى رواية ((يلطم وجهه)) وفى رواية ((ويحثى على رأسه التراب)).
(قال: وما أهلكك)؟ فى رواية للبخارى ((مالك)) وفى رواية ((ويحك ما شأنك))؟ وفى روايتنا
الخامسة ((لم))؟ وفى السادسة ((فسأله: ما شأنك))؟ وفى رواية ((وما الذى أهلكك)) وفى رواية ((ما
ذاك))؟ وفى رواية ((ويحك. ماصنعت))؟ وويح كلمة رحمة. اسم فعل.
(وقعت على امرأتى فى رمضان ) فى رواية للبخارى ((وقعت على امرأتى وأنا صائم))، وفى
روايتنا السادسة ((أصبت أهلى))، وفى رواية ((وقعت على أهلى اليوم))، وفى روايتنا الثانية ((وقع
بامرأته» وكل ذلك كناية عن الوطء كما جاء صريحاً فى روايتنا الخامسة، ولفظها ((وطئت امرأتى فى
رمضان نهاراً )».
(هل تجد ما تعتق رقبة)؟ ((رقبة)) منصوب، بدل من ((ما))، وفى روايتنا الثانية ((هل تجد
رقبة؟))، وفى رواية للبخارى ((هل تجد رقبة تعتقها؟))، وفى رواية ((أتجد ما تحرر رقبة؟))، وفى رواية
((أتستطيع أن تعتق رقبة؟))، وفى رواية ((أعتق رقبة))، وفى رواية ((بئسما صنعت. أعتق رقبة)»، وفى
٥٥٧

رواية ((قال النبى { ((من غير عذر ولا سقم؟ قال: نعم، قال: بئس ما صنعت. قال: أجل. ما تأمرنى؟
قال: أعتق رقبة)».
(قال: لا) أى لا أجد رقبة، وفى رواية ((ليس عندى))، وفى رواية ((والذي بعثك بالحق ما ملكت
رقبة قط)).
( فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ) وفى روايتنا الثانية ((وهل تستطيع صيام
شهرين؟))، وفى رواية ((فصم شهرين متتابعين)).
(قال: لا) أى لا أستطيع أن أصوم. وفى رواية ((قال: لا أقدر))، وفى رواية ((وهل لقيت ما لقيت
إلا من الصيام)»؟
(فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً) فى الرواية الثانية ((فأطعم ستين مسكيناً))، وفى رواية
((أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً))؟.
(قال: لا) أى لا أستطيع أن أطعم ستين مسكيناً، وفى رواية ((قال: والذي بعثك بالحق ما
أشبع أهلى)».
(قال: ثم جلس) فى روايتنا الخامسة ((فأمره أن يجلس))، وفى رواية ((فقال له: اجلس.
فجلس)) قيل يحتمل أن يكون أمره بالجلوس انتظاراً للوحى فى شأنه، ويحتمل أن يكون انتظاراً
لورود صدقات يصرف له منها.
(فأُتي النبى { بعرق فيه تمر) ((أتى)) بضم الهمزة، مبنى للمجهول، والعرق -قال النووى-
هو بفتح العين والراء .. هذا هو الصواب المشهور فى الرواية واللغة، قال القاضى: ورواه كثير من
شيوخنا بإسكان الراء، قال القاضى: والصواب الفتح، ويقال للعرق الزبيل بفتح الزاى من غير نون،
والزنبيل بكسر الزاى وزيادة نون، ويقال له القفة، والمكتل بكسر الميم وفتح التاء، والسفيفة، بفتح
السين وبالفاءين، والعرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهى ستون مداً، لستين مسكيناً، لكل
مسكين مداهـ وفى بعض كتب اللغة: ويقال العرق أيضاً على السفيفة من الخوص قبل أن يجعل
منها زنبيلا.
وفى روايتنا الخامسة ((فجاءه عرقان فيهما طعام)) قال الحافظ ابن حجر: المشهور فى غير مسلم
((عرق)) ورجحه البيهقى، وجمع غيره بينهما بتعدد الواقعة وهو جمع لانرضاه؛ لاتحاد مخرج الحديث،
والأصل عدم التعدد. والذى يظهر أن التمر كان قدر عرق لكنه كان فى عرقين فى حال التحميل على
الدابة، ليكون أسهل في الحمل، فيحتمل أن الآتى به لما وصل أفرغ أحدهما فى الآخر، فمن قال:
عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال: عرق أراد ما آل إليه. اهـ
فقال: ((تصدق بهذا)) فى روايتنا السادسة ((قال رسول اللّهم ﴿: أين المحترق آنفاً؟ فقام الرجل،
٥٥٨

فقال رسول الله:﴿: تصدق بهذا)) أى أين الذى وصف نفسه بالمحترق منذ قليل؟ وقال العينى: يدل
على أنه كان عامداً، لأنه صلى الله عليه وسلم أثبت له حكم العمد، وأثبت له هذا الوصف، إشارة إلى
أنه لو أصر على ذلك لاستحق ذلك. اهـ وفيه نظر، لأن ثبوت هذا الوصف لا يعلمه إلا الله.
( قال: أفقرمنا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا)؟ أى أتصدق به على أفقر
منا؟ وفى روايتنا السادسة ((أغيرنا)) فوالله إنا لجياع، مالنا شىء))، قال النووي: ((أفقر)) كذا ضبطناه
بالنصب، وكذلك نقل القاضى أن الرواية فيه بالنصب، على إضمار فعل تقديره: أتجد أفقر منا؟ أو
أنعطى أفقر منا. قال: ويصح رفعه على تقدر: هل أحد أفقر منا؟ ثم ((أغيرنا)) كذا ضبطناه بالرفع،
ويصح الكلام على ما سبق. هذا كلام القاضى، وقد ضبطنا الثانى بالنصب أيضاً، فهما جائزان، كما
سبق توجیھھما. اهـ
وفى رواية الطبرانى ((إلى من أدفعه؟ قال: إلى أفقر من تعلم)) وفى رواية ((أعلى أفقر من أهلى؟))
وفى رواية ((أعلى أهل بيت أفقر منى؟)) وفى رواية ((أعلى أحوج منا))، وفى رواية ((ما أحد أحق به من
أهلى)). ((ما أحد أحوج إليه منى))، وفى رواية ((واللَّه ما لعيالى من طعام))، وفى رواية ((مالنا عشاء
ليلة)) ((واللابتان)) تثنية ((لابة)) واللابة ((الحرة)) بفتح الحاء وتشديد الراء المفتوحة، وهى الأرض ذات
الحجارة السود، والمدينة تقع بين حرتين. وفى رواية ((ما بين حرتيها))، وفى رواية ((والذي نفسي بيده
ما بين طنبى المدينة)) تثنية ((طنب)) بضم الطاء والنون، جمعه أطناب، والخيمة لها أطناب،
واستعاره للطرف.
(حتى بدت أنيابه) قال الحافظ ابن حجر: فى رواية إسحق ((حتى بدت نواجذه)) والنواجذ
الأضراس، وفى رواية ((حتى بدت ثناياه)) والثنايا الأسنان. قال الحافظ: ولعلها تصحيف من
((أنيابه)) فإن الثنايا تظهر بالتبسم غالباً؛ وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم.
وقال: قيل: إن سبب ضحكه صلى الله عليه وسلم كان من تباين حال الرجل، حيث جاء خائفًا
على نفسه راغبًا فى فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع فى أن يأكل ما أعطيه من الكفارة،
وقيل: ضحك من حال الرجل فى مقاطع كلامه، وحسن تأتيه، وتلطفه فى الخطاب، وحسن توسله فى
توصله إلى مقصوده. اهـ ولا مانع من أن يكون كل هذا سببًا.
(اذهب فأطعمه أهلك) فى الرواية السادسة ((فكلوه))، وفى رواية ((خذها وكلها وأنفقها على
عيالك)» وفى رواية ((عد به عليك وعلى أهلك)).
( أن يعتق رقبة أو يصوم) قال النووى: لفظة ((أو)) هنا للتقسيم)) لا للتخيير، تقديره: يعتق، أو
يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عنهما.
وسيأتى الكلام على ترتيب الكفارة فى فقه الحديث.
( تصدق. تصدق ) قال النووى: هذا التصدق مطلق، وجاء مقيدًا فى الروايات الأخرى بإطعام
ستين مسكينًا، ستين مدًا خمسة عشر صاعًا. اهـ
٥٥٩

فقه الحديث
قال النووي: مذهبنا ومذهب العلماء كافة وجوب الكفارة على من جامع امرأته فى نهار رمضان
عامداً جماعاً أفسد به صوم يوم.
وقال فى المجموع: إذا أفطر الرجل أو المرأة فى نهار رمضان بالجماع بغير عذر لزمه إمساك بقية
النهار بلا خلاف، ويجب عليه القضاء، وقال: إذا كفر بالصوم اندرج قضاء اليوم فيه، ولا خلاف أن
المرأة يلزمها القضاء إذا لم توجب عليها كفارة.
ثم قال: واتفق أصحابنا على أنه إذا جامع فى يومين أو أيام وجب لكل يوم كفارة، سواء كفرعن
الأول أم لا، بخلاف من تطيب ثم تطيب فى الإحرام قبل أن يكفر عن الأول، فإنه يكفيه فدية واحدة،
لأن الإحرام عبادة واحدة بخلاف اليومين فى رمضان وإن جامع زوجته فى يوم من رمضان مرتين
فأكثر لزمه كفارة واحدة عن الأول، ولا شىء عن الثانى.
هذا مذهب الشافعية وفى المذاهب الأخرى خلاف، ولم تتعرض أحاديثنا لهذه التفصيلات.
وظاهر أحاديث الباب الأول والثانى والثالث وجوب الكفارة، وبهذا قال جمهور العلماء. قال
النووى: وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود والعلماء كافة إلا ما حكي عن الشعبى وسعيد بن
جبير والنخعى وقتادة أنهم قالوا: لا كفارة عليه، كما لا كفارة عليه بإفساد الصلاة. اهـ قيل: واستندوا
إلى أنه لو كانت واجبة عليه لما سقطت بالإعسار، ورد بمنع سقوطها بالإعسار، كما سيأتى.
وظاهرها أيضا أن الكفارة عليه مرتبة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم
يستطع فإطعام ستين مسكيناً. قال ابن العربى: لأن النبي * نقله من أمر بعد عدمه لأمر آخر، وليس
هذا شأن التخيير.
وقال البيضاوى: ترتيب الثانى بالفاء على فقد الأول [قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين
متتابعين] ثم الثالث بالفاء على فقد الثانى [قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً] يدل على عدم
التخيير، مع كونها فى معرض البيان وجواب السؤال، فينزل منزلة الشرط للحكم. وهو مذهب أبى
حنيفة والشافعي وابن حبيب من المالكية والمشهور من مذهب أحمد، ووقع فى ((المدونة)) [ولا يعرف
مالك غير الإطعام، ولا يأخذ بعتق ولا صيام] واحتجوا له بأن حديث عائشة - روايتنا الخامسة
والسادسة - لم يقع فيه سوى الإطعام، وأجاب الجمهور بأنه قد ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق
أيضاً، وروى عنه أيضاً القول بالتخيير بين الثلاثة، بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام، بل قال:
الإطعام أحب إلىّ من العتق. مستندًا إلى روايتنا الرابعة، ولفظها ((أمر رجلا أفطر فى رمضان أن
يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا)) فذكر ((أو)) للتخير، ووجهوا ترجيح الطعام على
غيره بأن اللَّه ذكره فى القرآن رخصة القادر، ثم نسخ هذا الحكم [﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِين﴾ [البقرة: ١٨٤]] ولا يلزم من نسخ الحكم نسخ الفضيلة، ويترجح الإطعام أيضاً لاختيار الله
٥٦٠