النص المفهرس

صفحات 521-540

ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- مشروعية السحور وتأخيره؛ ففصل ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحر،
والسحور وتأخيره يقوى على الصوم، وفيه رفق بالأمة، وظاهر الأحاديث أن وقته هو
الوقت الذى يقع فيه الأذان الأول السابق لطلوع الفجر الصادق، وصحح النووى فى أكثر
كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثانى.
٢- قال النووى: وفيه دليل جواز الأكل بعد النية، ولا تفسد نية الصوم به، لأن النبى و ₪ أباح الأكل إلى
طلوع الفجر، ومعلوم أن النية لا تجوز بعد طلوع الفجر، فدل على أنها سابقة. وأن الأكل بعدها لا
يضر، وهذا هو الصواب المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا، وقال بعض أصحابنا: متى أكل بعد
النية أو جامع فسدت ووجب تجديدها، وإلا فلا يصح صومه، وهذا غلط صريح. اهـ
٣- مشروعية الأذان للصبح قبل دخول وقته، وقبل طلوع الفجر الصادق: قال الحافظ ابن حجر: إلى
مشروعيته مطلقاً ذهب الجمهور، وخالف الثورى وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء به عن الأذان
الثانى ذهب مالك والشافعى وأحمد وأصحابهم. ثم قال: فإن قيل: تقدم فى تعريف الأذان
الشرعى أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة والأذان قبل الوقت ليس إعلاماً
بالوقت؟ فالجواب أن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاماً بأنه دخل أو قارب أن يدخل. اهـ
وفى هذا الجواب نظر، لأن التعريف إعلام بالدخول، والأولى أن يقال: إن التعريف للأذان الشرعى
المختص بالإعلام عن الوقت، فلا يدخل فيه الإعلام عن قرب الجمعة، ولا إذا خيفت الغيلان فى
الصحراء، ولا الأذان فى أذن المولود ولا الأذان قبل الفجر، فلكل من ذلك هدف آخر غير الإعلام
عن دخول الوقت. قال الحافظ: وإنما اختص الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة فى أول
وقتها مرغب فيه، والصبح يأتى غالباً عقب نوم، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول
وقتها، ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت.
ثم قال: وادّعى بعض الحنفية - كما حكاه السروجى منهم- أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ
الأذان، وإنما كان تذكيراً أو تسحيراً، كما يقع للناس اليوم. وهذا مردود، لكن الذى يصنعه الناس
اليوم محدث قطعاً، وقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشرعى
مقدم، ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ أخرى لما التبس على السامعين، وسياق الخبر يقتضى
أنه خشى عليهم الالتباس، وادّعى ابن القطان أن ذلك كان فى رمضان خاصة. وفيه نظر. اهـ. وقد
ذهب بعضهم إلى التفريق بين الأذان الأول والثانى بذكر ((الصلاة خير من النوم)) فى الأول دون
الثانى وقيل فى الثانى دون الأول، ولم يرد شىء من ذلك فى أحاديث يعتد بها. والله أعلم.
٤- واستدل بالأحاديث على جوازاتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد. قال النووي: قال
أصحابنا: إذا احتاج المسجد إلى أكثر من مؤذن اتخذ ثلاثة وأربعة فأكثر بحسب
الحاجة، وقد اتخذ عثمان له أربعة للحاجة عند كثرة الناس. قال: قال أصحابنا: وإذا
٥٢١

ترتب للأذان اثنان فصاعدًا فالمستحب ألا يؤذنوا دفعة واحدة، فإن ضاق الوقت وكان
المسجد كبيرًا أذنوا متفرقين فى أقطاره.
قال الحافظ ابن حجر: أذان اثنين معاً منع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أمية، وقال
الشافعية: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش.
٥ - وفى الأحاديث جواز أذان الأعمى. قال النووي: أذان الأعمى صحيح، وهو جائز بلا كراهة إذا كان
معه بصير، وإن لم يكن معه بصير كره للخوف من غلطه.
٦ - وفيها جواز تقليد الأعمى للبصير فى دخول الوقت، وصحح النووى فى كتبه أن الأعمى والبصير
اعتماد المؤذن الثقة.
٧- واستدل به مالك وبعض العلماء على جواز شهادة الأعمى، وأجاب الجمهور بأن الشهادة
يشترط فيها العلم، ولا يحصل علم بالصوت، لأن الأصوات تشتبه، أما الأذان ووقت
الصلاة فيكفى فيها الظن.
٨- وجواز العمل بخبر الواحد.
٩ - وجواز الاعتماد على الصوت فى الرواية إذا كان عارفاً به وإن لم يشاهد الراوى، وخالف فى ذلك
شعبة لاحتمال الاشتباه.
١٠- وجواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التعريف ونحوه، لا على قصد التنقيص، وهذا
أحد وجوه الغيبة المباحة.
١١- جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه.
١٢ - ومن إشاراته صلى الله عليه وسلم فى الرواية السابعة وما بعدها الإيضاح فى البيان والإشارة
كزيادة البيان فى التعليم.
١٣- قال ابن المنير: فى حديث عدى وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن وسادك لعريض، جواز التوبيخ
بالكلام النادر الذى يسير، فيصير مثلا، بشرط صحة القصد.
واللَّه أعلم
٥٢٢

(٣٠٠) باب فضل السحور وتأكيد استحبابه
واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر
٢٢٢١ - ٤٢ْ عَنِ أَنَسٍ ﴾ (٤٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَت ◌َتَسَخَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً».
٢٢٢٢ - ٤٢٦ عَنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ظُ(٤٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنًا
وَصِيَامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحْرِ».
٢٢٢٣ - ٢٧ عَنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾(٤٧) قَالَ: تَسَخَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ،﴿ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ.
قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ خَمْسِينَ آيَةً.
٢٢٢٤ - الٍ عَنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ ◌َ﴾(٤٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ ﴿ قَالَ «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا
عَجَّلُوا الْفِطْرَ».
٢٢٢٥ - ٢٩ْ عَنِ أَبِي عَطِيَّةَ(٤٩) قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ. فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
رَجُلانٍ مِنَّأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَ﴿ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاةَ وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ
وْيُؤَخّرُ الصَّلاةَ. قَالَتْ: أَيُّهُمَا الْذِي يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: قُلْنَا عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي
ابْنَ مَسْعُودٍ) قَالَتْ: كَذَلِكَ كَان يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ وَالآخَرُ أَبُو مُوسَى.
٢٢٢٦ - "° عَنِ أَبِي عَطِيَّةً(٥٠) قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. فَقَالَ
لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلانِ مِنَأَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ ﴿ كِلاهُمَا لا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ
(٤٥) حَدَّثْنَا يُحْيَى بْنُ يَحْيِى قَالَ أَخْرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنِ أَنَسٍ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ أَنَسٍ ◌َُّهَحَ وَحَدَّقَنَا قُتََّةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِ قْتَادَةً
وَعَيْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنِ أَنَسِ
(٤٦) حَدَّثَنَا قُتََّةٌ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثًا لَنَّثْ عَنٍ مُوسَى بْنِ عُلَيِّ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرٍوٍ بْنِ الْعَاصِ عَنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
- وحَدَّا يَحْتِ بْنُ يَحْتِى وَأَبُو بَكْرٍ بَّنُ أَبِي شَيَّةً جَمِيعًا عَنِ وَكِيَعٍ حَ وحَدَُّبِيهِ أَبُو الْطَاهِرِ أَخْرَنَا اِبَّنُ وَهْبٍ كِلاهُمَّا عَنِ
مُوسَى اِبْنِ عُلَيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٤٧) حَدَّثَنَا أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِي ◌َشَيْبَةٌ حَدَّقْنَا وَكِيعٌ عَنِ هِشَامٍ عَنٍ قَتَادَةً عَنِ أَنَسِ عَنِ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ
- وحَدَّثَنَا عَمْرَّو النّاقِدُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَّنَا هَمَّامٌ ح وَخَدَّثَنَا أَبْنُ الْمُثَنِى حَدَّثْنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثْنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ
كِلاهُمَا عَنِ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(٤٨) حَدََّا يَحْتَى بْنُ يَخَتِى أَخْرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنِ أَبِهِ عَنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ
- وحَدَثْنَاه ◌ُتِبَةٌ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حِ وَحَذََّتِي زُهَيْرُ بْنُ خُّرْبٍ خَدَّثَنَا عَبْدُ الَرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ عَنِ سُفْيَانَ كِلاهُمَا عَنِ أَبِي حَازِمٍ
عَنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النّبِيِّ ﴿ بِمِثْلِهِ
(٤٩) حَدَّثَنَا يَخْتَىَ بْنُ يَحْتِى وَأَبَّوْ كُرِيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالا أَخْبُرْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ عُمَارَةً بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ أَبِي عَطِيَّةَ
(٥٠) وحَدََّا أَيُو كُرَيْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةً عَنِ الأَعْمَشِْ عَنِ عُمَارَةَ عَنٍ أَبِي عَطِيَّةً
٥٢٣

وَالإِفْطَارَ وَالآخَرُ يُؤَخْرُ الْمَغْرِبَ وَالإِفْطَارَ. فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالإِفْطَارَ؟ قَالَ:
عَبْدُ اللَّهِ. فَقَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَّ يَصْنَعُ.
المعنى العام
قد يظن بعض المغالين فى العبادة أن إطالة زمن الصوم بتعجيل وتقديم السحور أو تركه بالكلية،
وتأخير الإفطار عن أول وقته، قد يظن ذلك فضيلة تزيد أجره وثوابه، وهو ظن فاسد، لأن اللّه تعالى
شرع العبادات بموازين تحقق الحكمة منها، فالزيادة فيها قد تفسد حكمتها، لقد رأينا حين صام قوم
فى السفر وأفطر قوم، وقام المفطرون بخدمة الصائمين قال رسول الله ((ذهب المفطرون اليوم
بالأجر)».
وإن هذا الظن الفاسد قد يُسَوّل لصاحبه أن الزيادة فى الأمر المشروع خير دائماً، والحق غير ذلك،
فصلاة الظهر خمساً عمداً يبطلها.
ثم إن هذا الظن الفاسد لا يتفق مع شكر الله على رحمته وعفوه وتخفيفه وتيسيره على الأمة، وهو
يشبه الإباء والرفض لهذا التيسير.
لهذا كان تعجيل الفطر مستحباً، بل كان السحور وأكلة السحر مندوبة، وتأخيرها إلى ما يقرب
من طلوع الفجر خير من تعجليها عند نصف الليل.
وما زال المسلمون بخير ما تمسكوا بسنة رسول الله { فى الرخص وأمور التيسير، ويا ويلهم إن
أهملوها. سواء أهملوا فى أداء ما يؤدى، أو تشددوا فيها، وغلوا فى الدين بما ليس فيه. هداهم الله
· سواء السبيل.
المباحث العربية
( فإن فى السَّحور بركة) بفتح السين ما يؤكل فى السحر، وبضمها الأكل والفعل. قال
الحافظ ابن حجر: هو بفتح السين وضمها لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب الضم، أو
البركة لكونه يقوى على الصوم، وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح.
( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب ) قال النووى: معناه الفارق والمميزبين
صيامنا وصيامهم السحور، فإنهم لا يتسحرون، ونحن يستحب لنا السحور.
( أكلة السحر) قال النووى: هى السحور، وهى بفتح الهمزة هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه
الجمهور، وهو المشهور فى روايات بلادنا، وهى عبارة عن المرة الواحدة من الأكل، كالغدوة والعشوة،
وإن كثر المأكول فيها، وأما الأكلة بضم الهمزة فهى اللقمة. وادعى القاضى عياض أن الرواية فيه
بالضم، ولعله أراد رواية أهل بلادهم فيها بالضم. قال: والصواب الفتح لأنه المقصود هنا.
٥٢٤

(تسحرنا مع رسول اللّه*) ظاهره أن زيداً كان معه آخرون، لكن فى رواية عن أنس ((أن
نبى الله وزيد بن ثابت تسحرا)) قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر لى فى الجمع بين الروايتين أن
أنساً حضر ذلك، لكنه لم يتسحر معهما، ولأجل هذا سأل زيداً عن مقدار وقت السحور. قال: ثم وجدت
ذلك صريحاً فى رواية النسائى وابن حبان، ولفظها ((عن أنس قال: قال لى رسول اللّه ◌ُ ل: يا أنس،
إنى أريد الصيام. أطعمنى شيئاً. فجئته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال قال: يا أنس، انظر
رجلا يأكل معى، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى
الصلاة)). قال الحافظ: فعلى هذا فالمراد بقوله ((كم كان بين الأذان والسحور)) أى أذان ابن أم
مكتوم، لأن بلالا كان يؤذن بليل قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع.اهـ
( قلت: كم كان قدر ما بينهما )؟ القائل أنس والمقول له زيد بن ثابت، فعند أحمد عن أنس
((قلت لزيد)» لكن فى رواية للبخارى عن قتادة عن أنس بن مالك أن نبى اللَّه وزيد بن ثابت تسحرا،
فلما فرغا من سحورهما قام نبى الله إلى الصلاة فصليا، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من
سحورهما ودخولهما فى الصلاة؟ قال: «قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية، قال الإسماعيلى: والروايتان
صحيحتان بأن يكون أنس سأل زيداً، وقتادة سأل أنسا. والمسئول عنه المدة التى بين الفراغ من
السحور والدخول فى الصلاة.
(قال خمسين آية ) فى رواية البخارى ((قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية)) وقدرها الحافظ
ابن حجر بثلث خمس ساعة - أى أربع دقائق- قال: ولعلها مقدار ما يتوضأ.
( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) قال النووى: معناه لا يزال أمر الأمة منتظماً، وهم
بخير ما داموا محافظين على هذه السنة، وإذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه، وفى
حديث عن أبى هريرة ((لا يزال الدين ظاهراً)) وظهور الدين مستلزم لدوام الخير.
( دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقلنا ) القائل مسروق، كما هو صريح الرواية السادسة،
لكن اعتبرت موافقة أبى عطية عليه قولا منه، فأسند القول لنفسه وصاحبه.
(رجلان من أصحاب محمد ... ) فى الكلام استفهام مفهوم من المقام، أى يفعل كل
منهما كذا وكذا فأيهما على حق؟.
(يعجل الإفطار ويعجل الصلاة) ((أل)) فى الصلاة للعهد الذهنى، أى صلاة المغرب.
( كلاهما لا يألو عن الخير) أى لا يقصر. ولا يدخر وسعاً فى السعى للأجر والثواب.
فقه الحديث
قال النووى أجمع العلماء على أن السحور مستحب، وأنه ليس بواجب وترجم البخارى بقوله:
٥٢٥

[باب بركة السحور من غير إيجاب، لأن النبى { وأصحابه، واصلوا] فاستدل على عدم وجوبه بوقوع
الوصال عن النبى * وأصحابه، ليرفع بذلك شبهة أن الأمر فى ((تسحروا)) للوجوب.
واعترض عليه بأن النبى { نهاهم عن الوصال، والنهى عن الوصال أمر بالأكل.
وأجاب ابن المنير بأن النهى عن الوصال لم يكن على سبيل التحريم، وإنما هو نهى إرشاد،
لتعليله إياه بالإشفاق عليهم، وإذا ثبت أن النهى عن الوصال للكراهة، وضد نهى الكراهة الاستحباب،
ثبت استحباب السحور. اهـ وفى حكم الوصال خلاف يأتى.
قال بعضهم: وكان الأولى بالبخارى أن لا يستدل على عدم وجوب السحور، لأن الاستدلال على
الحكم إنما يفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعًا، وليس حكم السحور كذلك، واعتذر عنه ابن
المنير بأنه لما جاء الأمر به احتاج البخارى أن يبين أنه ليس على ظاهره من الإيجاب، وكذا النهى
عن الوصال يستلزم الأمر بالأكل قبل طلوع الفجر، ورد هذا الاعتذار بأن النهى عن الوصال إنما هو أمر
بالفصل بين الصوم والفطر، فيتحقق عدم الوصال بالإفطار، دون تعرض للسحور.
وقد أفاض العلماء فى تلمس وجوه بركة السحور، فقال النووى: وأما البركة فى السحور فظاهرة؛
لأنه يقوى على الصيام، وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة فى الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه
على المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد فى معناه، وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء فى
ذلك الوقت الشريف، وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلى، أو أدام
الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة، أو للتأهب لها حتى يطلع الفجر. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: والأولى أن البركة فى السحور تحصل بجهات متعددة، فذكر بعض ما
ذكره النووى، وزاد مخالفة أهل الكتاب، واتباع السنة، ومدافعة سوء الخلق الذى يثيره الجوع،
والتسبب بالصدقة على من يسأل إذا ذاك أو يجتمع معه على الأكل، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها
قبل أن ينام.
وقال ابن دقيق العيد: وقع للمتصوفة فى مسألة السحور كلام من جهة اعتبار حكمة الصوم، وهى
كسر شهوة البطن والفرج، والسحور قد يعارض ذلك، قال: والصواب أن يقال: مازاد فى المقدار حتى
تنعدم هذه الحكمة بالكلية فليس بمستحب. اهـ
والأولى أن يقال لهم: إن فترة الإمساك التى شرعها الشارع كفيلة بتحقيق حكمة التشريع، وكفيلة
بكسر شهوة البطن والفرج بالقدر الذى أراده العليم الحكيم.
ويبدأ السحور - كما قال النووي - من نصف الليل، ويحصل بكثير المأكول وقليله، ويحصل
بالماء أيضًا، وقد روى البيهقى عن أبى هريرة عن النبى { * ((نعم سحور المؤمن التمر)».
وأما تعجيل الفطر فمستحب وشرطه التحقق من غروب الشمس.
وأما ما رواه مالك والشافعى والبيهقى بأسانيدهم الصحيحة من ((أن عمر وعثمان -رضى اللَّه
عنهما- كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة، وذلك فى
٥٢٦

رمضان، فقال البيهقى فى المبسوط: قال الشافعى: كأنهما يريان تأخير الفطر واسعاً، لا أنهما
يتعمدان فضيلة فى ذلك.
ونقل الماوردى أن أبا بكر وعمر رضى اللَّه عنهما كانا يؤخران الإفطار، وأجاب بأنهما أرادا بيان
جواز ذلك، لئلا يظن وجوب التعجيل.
وقد ترجم البخارى فى بعض النسخ بباب تعجيل السحور، وساق تحت هذه الترجمة حديث
عبدالعزيز بن أبى حازم بن سهل بن سعد. قال: كنت أتسحر فى أهلى، ثم تكون سرعتى أن أدرك
السجود مع رسول اللّه څ*
واعتذر عنه ابن المنير، فقال: التعجيل من الأمور النسبية، فإن نسب إلى أول الوقت
كان معناه التقديم [وليس مرادًا هنا] وإن نسب إلى آخره كان معناه التأخير [أى كان
معناه الإسراع به قبل الفوات، وهو مراد البخارى، وهو واضح من الحديث الذى ساقه،
فليس من التعجيل الذى نحن بصدده، والذى هو الإتيان بالشيء فى أول وقته] وإنما سماه
البخارى تعجيلا؛ إشارة منه إلى أن الصحابى كان يسابق سحوره الفجر عند خوف طلوعه
وخوف فوات الصلاة بمقدار ذهابه إلى المسجد. اهـ
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- يؤخذ من قوله ((قدر خمسين آية)) أنهم كانوا يقدرون الأوقات بأعمال البدن، كقولهم قدر حلب
شاة، وقدر نحر جزور، وعدل زيد بن ثابت عن ذاك التقدير إلى التقدير بالقراءة لمناسبة ما يحصل
فى ذلك الوقت فإنه كان وقت العبادة بالتلاوة، ولم يكن وقت حلب أو ذبح.
٢- وفيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة.
٣- وفى سحور زيد مع رسول اللّه * تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة.
٤- وجواز المشى بالليل للحاجة، لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبى {# قاله الحافظ ابن حجر،
واعترض عليه العينى، فقال: لا نسلم نفى بيتوته مع النبى ₪ فى تلك الليلة التى تسحر فيها مع
النبى ®، ولا يلزم من ذلك أن يبيت معه كل ليلة. اهـ ولو أن البدر العينى اطلع على حديث
النسائى وابن حبان السابق فى المباحث العربية ما اعترض هذا الاعتراض، ففيه قال رسول الله
* لأنس: انظر رجلا يأكل معى فدعا زيد بن ثابت، فجاء فتسحر معه، فبيتوته مع النبى حُ ل# فى
تلك الليلة منفية قطعًا.
٥- وفيه الاجتماع على السحور.
٦- وفيه حسن الأدب فى العبارة. لقوله ((تسحزنا مع رسول اللّه:﴿، ولم يقل نحن ورسول اللَّهِوَ﴿ لما
يشعر لفظ المعية بالتبعية. قاله الحافظ ابن حجر.
٧- وفيه أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة السابق فى
الباب الماضى.
٥٢٧

٨- وفى حديث أبى عطية ومسروق حرص الصحابة على دقة الاقتداء برسول الله وَ الـ
٩- وحرصهم على الأفضل والاجتهاد فى العبادة.
١٠- وثناء بعضهم على بعض.
١١- والستر على من يظن أنه مخطئ، فقد عبرا بـ((رجلان)) ولم يقولا: فلان وفلان.
١٢- وفقه عائشة - رضى الله عنها- واعتبار الصحابة والتابعين لها على أنها المرجع فيما ينقل عن
النبی ڭ
١٣ - قال ابن دقيق العيد: فى حديث سهل رد على الشيعة فى تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم.
واللَّه أعلم
٥٢٨

(٣٠١) باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار
٢٢٢٧ - ٩١ْ عَنِ عُمَرَ رَ﴾(٥١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،﴿ّ«إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتْ
الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ نُمَيْرٍ فَقَدْ.
٢٢٢٨ - ٣°ْ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْقَى ﴾(٥٢) قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ فِي سَفَرٍ فِي
شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْسُ، قَالَ «يَا فُلانُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ
عَلَيْكَ نَهَارًا. قَالَ «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: فَنَزَّلَ فَجَدَحَ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَرِبَ الَّبِيُّ ◌َ ثُمَّ قَالَ
«بِيَدِهِ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنَّهَا هُنَا وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْهَا هُنَا فَقَدْ أَقْطَرَ الصَّائِمُ».
٢٢٢٩ - ٣ّْ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَ﴾(٥٣) قَالَ كُنَّا مَحَ رَسُولِ اللَّهِوَ فِي سَفَرٍ فَلَمًّا غَابَتْ
الشَّمْسُ قَالَ لِرَجُلٍ «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ. قَالَ «انْزِلْ فَاجْدَحْ
لَّا» قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ ثُمَّ قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْلَ مِنْهَا هُنّا
(وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ) فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
٢٢٣٠ - ٢٢ْ عَنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى بَ﴾ (٠٠١) قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِلَ﴿ وَهُوَ صَائِمٌ
فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ «يَا فُلاُ انْزِلْ فَاجْدَعْ لَّا» مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَعَبَّادٍ بْنِ الْعَوَّامِ.
٢٢٣١ - ٢٤ْ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْقَى عَ﴾(٥٤) عَنِ النّبِيِّ ◌َّ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَعَبَّادٍ وَعَبْدٍ
الْوَاحِدٍ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ وَلَا قَوْلُهُ «وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنَّهَا هُنَا» إِلا فِي
رِوَايَةٍ هُشَيْمٍ وَحْدَهُ.
المعنى العام
حدد اللّه تعالى نهار الصائم بقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَنْيَضُ مِن الْخَيْطِ
الأَسْوَدِ مِن الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
(٥١) حَدَّثَّا يَحْتَى بْنُ يَحْتِي وَأَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ ثُمَيْرِ وَالْفَقُوا فِي اللَّفْظِ قَالَ يَحْتِى أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةٌ وَقَالَ ابْنُ ثُمَّيْرٍ حَدَثْنَا أَّبِي وَقَالَ
أَبُو كُرَيْبٍ حَدَقََّا أَبُو أُسَامَةَ جَمِيعًا عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَاصِمٍ بْنِ عُمَرٌ عَنِ عُمَّرٌ
(٥٢) وحَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبِرَنَا هُشَيْمٌ عَنٍ أَبِّي إِسْحَقَ الشََّائِيّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بَنِ أَبِي أَوْفَى
(٥٣) حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بَنْ مُسَهِرٍ وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنِ الشَّيْيَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى
(٠٠) وحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ خَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ حَدَّثَنَا سُلَّيَّمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ
(٥٤)وحَذََّا ابْنُ أَبِي غَمَرَ أَخْبَرَنَا سُفْيَاهُ حِ وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ كِلاهُمَا عَنِ الشَّيْتَّانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى حِ وحَّدََّها
عُبَيْدُاللَّهِ ابْنُ مَّعَاذٍ حَدَّثْنَا أَبِي حِ وحَدََّنَا ابْنُ الْمُثْنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُّ جَعْفَرٍ قَالا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الشََّائِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى
٥٢٩

وقد التبس على البعض مراد الله بالخيط الأبيض والخيط الأسود فبينه رسول اللّه * لعدى بن
حاتم وغيره، كما أسلفنا.
وفى هذه الأحاديث يبين صلى الله عليه وسلم مراد الله من ((الليل)) الذى جعل غاية ونهاية لنهار
الصائم، ﴿ثُمَّ أَتِّمُوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فقد يخفى على البعض أن بدايته غروب الشمس، ويتوهم كما
توهم بلال فى هذه الأحاديث أن المراد به الظلمة، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يحدد لهم مراد الشرع
بالقول والفعل والإشارة حين كان صائماً فى سفر ومعه عدد كبير من صحابته لم يجتمع معه فى سفر
مثلهم من قبل، كانوا نحو عشرة آلاف، يتوجهون لفتح مكة: فلما غربت الشمس قال لبلال: هات لنا
الشراب. قال بلال: ما زال النهار قائمًا، والضوء منتشرًا. قال له: هات شرابنا. قال بلال: لوانتظرت
بعض الوقت يا رسول اللَّه حتى يدخل المساء؟ قال له: هات شرابنا. قال بلال: أرجو الانتظار حتى
تدخل قليلا فى المساء؟ قال له: هات شرابنا. فقام بلال فأحضر الشراب وناوله رسول اللَّه ◌ِ﴾.
فشرب أمام أصحابه، ثم قال لهم: إذا أقبل الليل من ههنا -وأشار إلى جهة المشرق، وأدبر النهار من
ههنا- وأشار إلى جهة المغرب، وغربت الشمس، واختفى قرصها كله حل الفطر للصائم، وتعجيل
الفطر شريعتنا، ولا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر.
المباحث العربية
( إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس ) قال النووي: قال العلماء: كل واحد من
هذه الثلاثة يتضمن الآخرين: ويلازمهما، وإنما جمع بينها لأنه قد يكون فى واد ونحوه، بحيث لا
يشاهد غروب الشمس، فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء.
وقال الحافظ ابن حجر: هذه الأمور الثلاثة وإن كانت متلازمة فى الأصل لكنها قد تكون فى
الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر
يغطى ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار، فمن ثم قيد بقوله ((وغربت الشمس)) إشارة إلى اشتراط
تحقق الإقبال والإدبار، وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر.
وفى شرح الترمذى: الظاهر الاكتفاء بأحد الثلاثة، لأنه يعرف انقضاء النهار بأحدها.
والخلاصة أن ذكر الثلاثة للتأكد من دخول الليل، فإن حصل التأكد بأحدها كفى.
(فقد أفطر الصائم ) قال النووى: معناه انقضى صومه وتم، ولا يوصف الآن بأنه صائم، فإنه
بغروب الشمس خرج النهار، ودخل الليل، والليل ليس محلا للصوم. اهـ. واعترض العلماء على هذا
التفسير، وقالوا: إن معنى ((فقد أفطر الصائم، أى دخل فى وقت الفطر، كما يقال: أنجد إذا أقام
بنجد، وأتهم إذا أقام بتهامة، وقال ابن خزيمة: ((فقد أفطر الصائم)) لفظ خبر ومعناه الأمر، فليفطر
الصائم، ورد كلام النووى، فقال: لوكان المراد فقد صار مفطراً كان فطر جميع الصوام واحداً، ولم يكن
للترغيب فى تعجيل الإفطار معنی.
٥٣٠

وضعف الحافظ ابن حجر تفسير النووى فقال: لوكان هذا التفسير معتمدًا لكان من حلف أن لا
يفطر، فصام، فدخل الليل حنث بمجرد دخوله ولو لم يتناول شيئاً، ورجح التفسير الآخر برواية شعبة،
ولفظها ((فقد حل الإفطار)).
( كنا مع رسول اللّه فى سفر فى شهر رمضان) قال الحافظ ابن حجر: هذا السفر
يشبه أن يكون سفر غزوة الفتح، فإن سفر النبى 8# فى رمضان منحصر فى غزوة بدر وغزوة الفتح، ولم
يشهد ابن أبى أوفى بدراً، فتعينت غزوة الفتح.
( فلما غابت الشمس ) فى الرواية الرابعة وفى رواية البخارى ((فلما غربت الشمس)) قال
الحافظ ابن حجر: وهى تفيد معنى أزيد من معنى غابت.اهـ لأن الغروب الغياب بانتهاء النهار.
(قال: يافلان) عند أحمد ((فدعا صاحب شرابه بشراب)) وصاحب شرابه بلال، وأخرجه أبو
داود فسماه، ولفظه «فقال: يا بلال. انزل فاجدح لنا ... )).
(انزل فاجدح لنا) بالجيم ثم الحاء، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له:
المجدح، مجنح الرأس، وقد يكون له ثلاث شعب، يحرك ويقلب به الشراب ليختلط ويسوى للشرب،
ولعل الشراب كان فى مكان منخفض، فأمر بالنزول.
(قال: يا رسول الله إن عليك نهاراً) أى إن النهار مازال يغطينا ويغطيك فكيف آتيك
بالشراب؟ وكيف تشرب؟ قال ذلك ظانا أن الشمس لم تغرب لكثرة الضوء من شدة الصحو، وهو لم
يتوقف عناداً وإنما راجع احتياطاً واستكشافاً لحكم المسألة.
( فأتاه به ) أى بالشراب المجدوح.
( ثم قال بيده ) أى ثم قال مشيرًا بيده.
( إذا غابت الشمس من ههنا ) أى من هذه الجهة، مشيراً إلى جهة المغرب.
(وجاء الليل من ههنا ) أى من هذه الجهة، مشيراً إلى جهة المشرق، لأنها البعيدة عن
الشمس عند غروبها، فينحسر عنها الضوء أولا عند الغروب، ويأتيها الضوء أولا عند الشروق.
(فقال: يا رسول اللّه) لو أمسيت ((لو)) للعرض، أى أعرض عليك أن تنتظر لتدخل فى المساء،
ويصح أن تكون شرطية، جوابها محذوف، تقديره لو أمسيت كان أحوط.
وظاهر رواية ابن أبى أوفى الأولى أن المراجعة مرة واحدة، فلما أمر الأمر الثانى امتثل.
والرواية الثانية ظاهرها كذلك لأنه أضاف عرض الإمساك عند استجابته، أما رواية
البخارى فقد أبرزت المراجعة مرتين، وأن الامتثال كان للأمر الثالث ولفظها («انزل فاجدح
لنا. قال: يارسول الله، لو أمسيت؟ قال: انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله إن عليك
٥٣١

نهاراً؟ قال: انزل فاجدح لنا، فنزل فجدح)) بل إن رواية أخرى للبخارى تبرز أن المراجعة
كانت ثلاث مرات، وأن الامتثال كان الأمر الرابع، ولفظها ((يا فلان قم فاجدح لنا، فقال:
يا رسول اللَّه، لو أمسيت؟ قال: انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول اللّه، فلو أمسيت؟ قال:
انزل فاجدح لنا. قال: إن عليك نهاراً؟ قال: انزل فاجدح لنا. فنزل فجدح».
ومن هنا قال الحافظ ابن حجر: اختلفت الروايات عن الشيبانى فى المراجعة، وأكثر ما وقع فيها
ثلاثاً، وفى بعضها مرتين، وفى بعضها مرة واحدة، وهو محمول على أن بعض الرواة اختصر القصة،
وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يراجع بعد ثلاث.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١ - استحباب تعجيل الفطر.
٢- وأنه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاً، بل متى تحقق الغروب حل الفطر.
٣- وجواز الصوم فى السفر، وبخاصة من لا تلحقه بالصوم مشقة ظاهرة.
٤ - وتذكير العالم ما يخاف أن يكون قد نسيه.
٥- وترك المراجعة له بعد ثلاث.
٦- وجواز الاستفسار والمراجعة، فإن النبى ₪ لم يعنف الصحابى على عدم المبادرة بالامتثال.
٧- وحسن خلقه صلى اللّه عليه وسلم.
٨- وأن الفطر على التمر ليس بواجب، وأن الأمر فى حديث الحاكم والترمذى وابن حبان فى قوله
((من وجد تمراً فليفطر عليه، ومن لا يجد فليفطر على الماء)» ليس على الوجوب، وشذ ابن حزم،
فأوجب الفطر على التمر، وإلا فعلى الماء، والإجماع على أن ذلك مستحب لاواجب، فيجوز أن
يفطر بما تيسر.
والله أعلم
٥٣٢

(٣٠٢) باب النهى عن الوصال
٢٢٣٢ -° ° عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٥) أَنَّ النّبِيَّ ◌ِ ◌َ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ. قَالُوا: إِنَّكَ
تُوَاصِلُ قَالَ «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى».
٢٢٣٣ -٢٦° عَن ابْنٍ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ وَاصَلَ فِي رَمَضَانَ؛
فَوَاصَلَ النَّاسُ؛ فَنَهَاهُمْ. قِيلَ لَهُ أَنْتَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ «إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى».
٢٢٣٤ - - عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَقُلْ فِي رَمَضَانَ.
٢٢٣٥ - ٣° عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ (٥٧) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِع ◌َ ﴿ عَنِ الْوِصَالِ. فَقَالَ رَجُلٌ
مِنَّالْمُسْلِمِينَ فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي
رَبِّي وَيَسْقِيْنِي» فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلالَ،
فَقَالَ «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلالُ لَزِدْتُكُمْ» كَالْمُنَكْلٍ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا.
٢٢٣٦- ١° عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةٌّ ◌َ﴾(٥٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ه«إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» قَالُوا:
فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَّبِّي وَيَسْقِي،
فَاكْلَفُوا مِنَالأَ عْمَالِ مَا تُطِقُون».
٢٢٣٧ - - عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُهُ عَنِ الِّيِّ ◌َ ﴿ِ بِمِثْلِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «فَاكْلَفُوا مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَّةٌ».
٢٢٣٨ - - عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَُ عَنِ النّبِيِّ :﴿ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ عُمَارَةً عَنِ
أَبِي زُرْعَةَ.
٢٢٣٩- ٩ْ عَنِ أَنَسٍ ﴾(٥٩) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ :﴿ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ
إِلَى جَنْبِهِ وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرٌ فَقَامَ أَيْضًا حَتَّى كُنَّا رَهْطًا. فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ:﴿ أَنْ خَلْفَهُ جَعَلَ
(٥٥) حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ يَخْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٥٦) وحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيَّرِ ح وحَّدَّثْنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدََّا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ تَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمْرَ
- وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِّ جَدِّي عَنِ أَيُوبَ عَنْ نَافِعٍ غَنِ ابْنِ عُمَرٌ
(٥٧) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَخْبَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِّي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَتِي أَبُو سَلَمَّةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
(٥٨) وحَدَّثَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثًا جَرِيرٌ عَنٍ عُمَارَةً عَنٍ أَبِي زُرْعَةٍ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ خَدْفَا الْمُغِيرَةُ عَنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ حَدَّثْنَا أَبِي حَدَّقَا الأَعْمَثَنَّ عَنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(٥٩) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ خُرْبٍ حَدَّثْنَا أَبُو النَّصْرِ هَاشِمُ بْنَّ الْقَاسِمِ خَدَّقَا سُلَيْمَانُ عَنِ ثَابِتٍ عَنِ أَنَسٍ
٥٣٣

يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلاةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ فَصَلَّى صَلاةٌ لا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا. قَالَ: قُلْنَا لَهُ حِينَ أَصْبَحْنَا
أَفَطَنْتَ لَّا اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ «نَعَمْ ذَاكَ الْذِي حَمَلَنِي عَلَى الْذِي صَنَعْتُ». قَالَ: فَأَخَذَ يُوَاصِلُ
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ وَذَاكَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَأَخَذَ رِجَالٌ مِنَأَ صْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ. فَقَالَ النِّبِيُّ ◌َّ«مَا
بَالُ رِجَالٍ يُوَصِلُون. إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي. أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَاذَّ لِي الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالا يَدَعُ
الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَّهُمْ».
٢٢٤٠ - ٦٠ عَنِ أَنَسِبُ(٦٠) قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ
نَاسٌ مِنَّالْمُسْلِمِينَ، قَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ «لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُون
تَعَمُّقَهُمْ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي (أَوْ قَالَ) إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيْنِي».
٢٢٤١ - ٦١ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦١) قَالَتْ: تَهَاهُمْ الْبِيُّ:﴿َ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ.
فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ «إِنّي لَسْتُ كَهَيْتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِي».
المعنى العام
يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِي الدِّينِ مِنَ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ومن رحمة الله بأمة محمد® أن خفف عليهم مدة الإمساك فى
الصيام، فجعلها من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بعد أن كان معظم الليل داخلا فى
الإمساك، وزيادة فى التيسير رغب صلى الله عليه وسلم فى تعجيل الفطر وتأخير السحور.
إن العبادة بهمة ويقظة ونشاط خير من العبادة المشوية بالملل والسقم، وليس من البر أن يتكلف
الإنسان مالا يطيق، ولا أن يتشدد ويبالغ فى العبادة، وصدق رسول اللّهمع # إذ يقول: ((أوغل فى الدين
برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))، وكثيراً ما كان رسول الله : * يترك الشىء وهو يحب
أن يفعله مخافة أن يقتدى به أصحابه فيشق عليهم.
وكثيرًا ما كان يقدر على مالا يقدر عليه أتباعه، وكان يكلفه ربه بما لا يكلف به أمته، ومن هذا
الوصال فى الصيام، والإمساك عن المفطرات يومين متتاليين أو أكثر دون أن يأكل أو يشرب شيئاً،
وكيف لا والقرب والمناجاة يغنى عن متاع هذه الحياة، والاستغراق فى العبادة ينسى الرغبة فى
الطعام والشراب.
(٦٠) حَذِّنَا عَاصِمُ بْنُ النَّصْرِ التَّيْمِيُّ حَدَّثْنَا خَالِدٌ يَغْنِيِ ابْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَّيْدٌ عَنِ ثَابِتٍ عَنِ أَنْسِ
(٦١) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً جَمِيعًا عَنِ عَبْدَةَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنِ
أَبِهِ عَنِ غَائِشَةً
٥٣٤

لقد واصل رسول اللَّه ◌َ ل فى أول شهر رمضان، وعلم بذلك أصحابه فتأسوا به وواصلوا. فلما علم
بوصالهم نهاهم عن هذا التكلف، وقال: لا تواصلوا إياكم والوصال، فكف البعض عن الوصال، وواصل
بعض آخر لم يسمعوا النهى، أو ظنوه رحمة وإشفاقاً مع جوازه وفضله، وكرر صلى الله عليه وسلم
النهى، وكرر الصحابة مراجعته يقولون: إنك تواصل وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر،
فدعنا نسارع إلى الخيرات ونواصل كما تواصل. قال لهم: وأيكم مثلى؟ إنى أبيت يطعمنى ربى
ويسقين فقالوا: إنا بنا قوة على الوصال فأذّن لنا بالوصال معك.
فلما أبوا أن يكفوا عن الوصال، وتمسكوا به رغبة فى المزيد من الأجر، واصل بهم يوم الثامن
والعشرين والتاسع والعشرين من رمضان، فرأوا هلال شوال، فكان الحكم الإفطار الواجب يوم العيد.
فقال لهم صلى الله عليه وسلم ولو مد الشهر ولم نر هلال شوال لزدتكم وصالا، حتى تقتنعوا بالممارسة
أنكم لا تقدرون عليه، وأنه سيشق عليكم، فلا تغلوا فى الدين، وتكلفوا من العمل أيسره وما تطيقونه،
وأحب العمل إلى اللَّه أدومه وإن قل.
وصدق قول اللَّه فى رسوله ،﴿ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنَّأَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
المباحث العربية
( نهى عن الوصال ) عبارة النهى وردت فى الرواية الرابعة بلفظ ((إياكم والوصال)) وفى الرواية
الخامسة بلفظ ((ما بال رجال يواصلون)»؟ وفى رواية للبخارى ((إياكم والوصال)) مرتين، وعند أحمد
((إياكم والوصال)) ثلاث مرات، وفى رواية للبخارى بلفظ ((لا تواصلوا)) والظاهر من مراجعتهم له صلى
الله عليه وسلم أن النهى تعدد بألفاظ مختلفة.
والوصال المراد هنا ترك الأكل والشرب وبقية المفطرات فى الليل بين الصومين عمداً
بلا عذر، وشذ من خصه بعدم الأكل، وعرفه الحافظ ابن حجر بأنه الترك فى ليالى الصيام
لما يفطر بالنهار بالقصد.
( قالوا: إنك تواصل) أى ونحن نرغب فى الاقتداء والتأسى بك؟ وفى الرواية الثالثة ((فقال
رجل من المسلمين)» والظاهر أن القائل واحد، ونسب القول للمجموع لرضاهم به، قال الحافظ ابن
حجر: ولم أقف على اسمه.
(إنى لست كهيئتكم) فى الرواية الثانية ((إنى لست مثلكم)) وفى الثالثة ((وأيكم مثلى))؟ وفى
الرابعة ((إنكم لستم فى ذلك مثلى)) وكلها متقاربة، تنفى المماثلة بينه وبينهم فى هذا الأمر، وبين عدم
المماثلة بقوله ((إنى أطعم وأسقی)).
( إنى أطعم وأسقى) ببناء الفعلين للمجهول، وفى الرواية الثالثة والرابعة ((إنى أبيت
يطعمنى ربى ويسقينى)) وفى السادسة ((إنى أظل يطعمنى ربى ويسقينى)) وفى السابعة («إنى
٥٣٥

يطعمنى ربى ويسقينى)» وأصل التعبير بأظل يفيد مواصلة العمل نهاراً، وأصل التعبير بأبيت يفيد
مواصلة الشیء ليلا.
قال عنترة:
وَلَقَدْ أَبِيتُ عَلَى العَطِّوِى وَأَظَلُّهْ .. حتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ الَمْأَكَّلِ
يقصد أنه قد يعيش ليلا على الجوع، ويعيش على الجوع كذلك نهاراً ولا يرضى بالأكل الذليل،
وكذلك أضحى أصل التعبير بها يفيد المواصلة فى الضحى، لكن هذه الألفاظ قد تحمل على مطلق
الكون من غير نظر إلى الوقت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُثَّرَ أَحَدُهُمْ بالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾
[النحل: ٥٨]. فإن المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار دون دليل، وعلى هذا يسقط
الاعتراض على القول بأن الطعام والشراب حقيقة، إذ قال المعترض إن ((ظل)) لا يكون إلا فى النهار،
ولا يجوز أن يكون أكلا حقيقياً فى النهار.
هذا وقد اختلف العلماء فى معنى ((يطعمنى ربى ويسقين)» هل هو على الحقيقة، وأنه يؤتى بطعام
وشراب من الجنة؛ فيأكل ويشرب؟ أو هو كناية عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، على معنى أن
اللَّه يعطيه قوة الآكل والشارب، فلا يحصل له جوع ولا عطش؟ أو هو كناية عن قوة التحمل، مع وجود
الجوع والعطش والإحساس بهما لكن مع القدرة على تحملهما؟ أو كناية عن الاشتغال عن الجوع
والعطش بالاستغراق فى المناجاة فلا يحس بهما مع وجودهما؟ أقوالا يأتى الكلام عنها تفصيلا فى
فقه الحديث.
( واصل فى رمضان فواصل الناس) فى الرواية السادسة ((واصل رسول اللَّه ◌َ﴿ فى أول
شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، وفى الرواية الخامسة ((فأخذ يواصل رسول اللّه ◌َ﴿ وذلك
فى آخر الشهر، فأخذ رجال من الصحابة يواصلون، قال النووى: ((فى أول شهر رمضان))، كذا هو فى
كل النسخ ببلادنا، وكذا نقله القاضى عن أكثر النسخ، قال: وهو وهم من الراوى، وصوابه ((آخر شهر
رمضان))، وهو الموافق للحديث الذى قبله؛ ولباقى الأحاديث. اهـ لكن يمكن الجمع بين الحديثين،
وطريق الجمع أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم واصل فى أول رمضان فواصل بوصاله ناس فنهاهم.
وواصل فى آخر رمضان فواصل بوصاله ناس آخرون لم يبلغهم النهى الأول، فنهاهم، فلم ينتهوا وأبوا
إلا الوصال، فواصل بهم. ففى الرواية السادسة طى وحذف، والعمل بالروايتين على وجه خير من اتهام
الراوى بالوهم.
(واصل بهم يوماً ثم يوماً) قال الحافظ ابن حجر: ظاهره أن قدر المواصلة بهم كانت
يومين. اهـ أقول: إن ظاهره أن قدر المواصلة ثلاثة أيام، لأنه لا يقال: واصل بهم يوماً إلا إذا وصل
يوماً بيوم دون إفطار، فقوله ((ثم يوماً)» أى ثالثاً.
( ثم رأوا الهلال) ((ال)) فى ((الهلال)) للعهد، أى هلال شوال.
٥٣٦

( لو تأخر الهلال لزدتكم ) أى لزدتكم وصالا إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف عنه بتركه.
( كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا ) فى رواية للبخارى ((كالتنكيل لهم)) والتنكيل المعاقبة،
وفى رواية ((كالمنكر)» وفى رواية كالمنكى من النكاية. قال الحافظ ابن حجر: والأول هو الذى
تضافرت عليه الروايات.
(فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون) قال الحافظ ابن حجر: ((اكلفوا)) بسكون
الكاف وضم اللام، وقال النووى: هو بفتح اللام، وفى مختار الصحاح كلف بكذا أى أولح به،
وبابه طرب، فهو بفتح اللام.
(حتى كنا رهطا ) أى جمعاً يقرب من تسعة، فالرهط من ثلاثة إلى تسعة.
(فلما حس) قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((حس)) بغير ألف، ويقع فى
طرق بعض النسخ ((أحس)) بالألف، وهو الفصيح الذى جاء به القرآن ﴿فَلَّمَّا أَحَسَّ عِيسَى
مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]. وأما حس بغير ألف فلغة قليلة، وهذه الرواية تصح على
هذه اللغة.
( جعل يتجوز فى الصلاة ) أى يخفف ويقتصر على الجائز المجزى مع بعض المندوبات،
قاله النووی.
( ثم دخل رحله ) أى منزله، قال الأزهرى: رحل الرجل عند العرب هو منزله، سواء أكان من
حجر أو مدر أو وبر أو شعر أو غيرها.
( لا يصليها عندنا ) لطولها.
( أما والله لوتماد لى الشهر لواصلت ) بتشديد الدال قال النووى: هكذا هو فى الأصول، وفى
بعضها ((تمادى)» وكلاهما صحيح، وهو بمعنى (مد) فى الرواية السادسة.
(لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم) جملة ((يدع المتعمقون تعمقهم)) صفة «وصالا»
وضميرها الرابط محذوف، أى يدع به المتعمقون تعمقهم ((والمتعمقون)» المتشددون فى الأمور،
المجاوزون الحدود فى قول أو فعل. قال الحافظ ابن حجر: والتعمق المبالغة فى تكلف ما لم يكلف
به، وعمق الوادى قعره.
فقه الحديث
اختلف العلماء فى حكم الوصال على خمسة أقوال:
القول الأول: أنه مباح لمن لم يشق عليه. نُقِلَ ذلك عن عبد الله بن الزبير وروي أنه واصل
٥٣٧

خمسة عشر يومًا، واجتهد لهذا القول بأن النبى ® واصل بأصحابه بعد النهى، فلوكان
محرماً لما أقرهم على فعله.
وأن النبى # أراد بالنهى الرحمة لهم والشفقة عليهم والتخفيف عنهم، كما جاء ذلك فى حديث
عائشة روايتنا السابعة، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم، ولم ينكر على من
بلغه أنه فعله، ممن لم يشق عليه.
وبأن بعض الصحابة أقدموا على الوصال بعد النهى، فدل على أنهم فهموا أن النهى للتنزيه لا
للتحريم. وإلا لما أقدموا عليه.
وبأن الرسول ® سوى فى علة النهى بين الوصال وبين تأخير الفطر فى حديث رواه أحمد
والطبرانى وغيرهما بإسناد صحيح عن ليلى امرأة بشير الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين
مواصلة فمنعنى بشير، وقال: إن النبى * نهى عن هذا، وقال: يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما
أمركم الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإذا كان الليل فأفطروا » فقد سوى بينهما فى أن
العلة فعل النصارى، ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر، سوى بعض من لا يعتد به من أهل الظاهر.
ومن حيث المعنى وحكمة التشريع أن فى الوصال فطماً للنفس وشهواتها وقمعها عن ملذاتها مما
يجعله جائزاً لمن لم يشق عليه، ولم يقصد موافقة أهل الكتاب، ولم يكن فعله رغبة عن السنة فى
تعجيل الفطر.
القول الثانى أجازه ابن وهب وأحمد وإسحق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من
المالكية إلى السحر.
واستدلوا بحديث البخارى عن أبى سعيد أنه سمع النبى و# يقول: «لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن
يواصل فليواصل حتى السحر».
ورد أكثر الشافعية على هذا بأن الإمساك إلى السحرليس وصالا، بل الوصال أن يمسك
فى الليل جميعه كما يمسك فى النهار، وإنما أطلق على الإمساك إلى السحر وصالا
لمشابهته الوصال فى الصورة ثم إن هذا الوصال لا يترتب عليه شىء مما يترتب على غيره،
فهوفى الحقيقة بمنزلة تأخير عشائه.
القول الثالث: أنه حرام، وقد ذهب إليه الأكثرون وصرح بتحريمه ابن حزم، وصححه ابن العربى
من المالكية، وقطع به جمهور الشافعية، واحتجوا بأحاديث النهى عن الوصال وهى كثيرة وصحيحة،
كما استدلوا بأحاديث تعجيل الفطر المتقدمة، وبأن الوصال من خصوصياته صلى الله عليه وسلم
لقوله ((وأيكم مثلى)) فغيره ممنوع منه.
وأجابوا عن مواصلته صلى الله عليه وسلم بأصحابه بعد النهى أنه لم يكن تقريراً، بل تقريعاً
وتنكيلاً - كما جاء فى روايتنا الثالثة - فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهى فى تأكيد زجرهم،
لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهى، وكان ذلك أذعن إلى قلوبهم، لما يترتب عليهم من الملل فى
٥٣٨

العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح، من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشديد
ينافى ذلك.
وأجابوا عن أن النهى أريد به الرحمة بأن الرحمة لا تمنع التحريم، وبأن من رحمته لهم
أن حرمه عليهم.
وعن أن الصحابة أقدموا على الوصال بعد النهى بأنه يحتاج إلى دليل يعتد به، ومن نسب إليهم
الوصال ندرة، بل لم يثبت لأحد من الصحابة سوى عبد الله بن الزبير، ولعله تأول أحاديثه بما لا
يوافق عليه.
وعن التسوية فى علة النهى بينه وبين تأخير الفطور بأن الشىء قد يشارك آخر فى جزء
علة، وينفرد بعلل أخرى، فعلة النهى عن الوصال ليست مخالفة النصارى فحسب، بل ما
سبق من الملل فى العبادة والتقصير فيما هو أهم من وظائف العبادة الأخرى، ومع أنه حرام
لا يبطل الصوم كما قال النووي.
القول الرابع: أن الوصال مكروه كراهة تحريم، وعليه كثير من الشافعية، وقد نص الشافعى فى
الأم على أنه محظور.
ودليله دليل القائلين بتحريمه.
والقول الخامس: أن الوصال مكروه كراهة تنزيه وهو قريب من القائلين بالجواز.
هذا وقد أفاض الحافظ ابن حجر فى توجيه قوله صلى الله عليه وسلم ((أبيت يطعمنى ربى
ويسقينى)) فقال: قيل: على الحقيقة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله
كرامة له فى ليالى صيامه، وتعقبه ابن بطال ومن تبعه بأن لوكان كذلك لم يكن مواصلا، ولو جاءه
الطعام والشراب نهاراً لم يكن صائماً.
ورد العلماء على اعتراض ابن بطال، فقال بعضهم: إن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من
طعام الجنة وشرابها لا تجرى عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره صلى الله عليه وسلم فى
طست من الذهب، مع أن استعمال أوانى الذهب الدنيوية حرام.
وقال ابن المنير: الذى يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من
الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب، كأكل أهل
الجنة فى الجنة، والكرامة لا تبطل العادة - ثم قال فى موضع آخر: هو محمول على أن أكله وشربه
فى تلك الحالة كحال النائم الذى يحصل له الشبع والرى بالأكل والشرب، ويستمرله ذلك حتى
يستيقظ، ولا يبطل بذلك صومه، ولا ينقطع وصاله، ولا ينقص أجره. اهـ
وظاهر هذا التوجيه أن الأكل والشرب ليس حقيقياً، وإنما هو حالة نفسية تنشأ من استغراقه
صلى الله عليه وسلم فى أحواله الشريفة، حتى لا يؤثر فيه حينئذ شىء من الأحوال البشرية. وقريب
٥٣٩

من هذا قول من فسر ((يطعمنى ربى ويسقينى)) أى يشغلنى بالتفكير فى عظمته والتملى بمشاهدته،
والتغذى بمعارفه، وقرة العين بمحبته، والاستغراق فى مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب،
قال ابن القيم: قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء
الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسمانى، ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه، الذى
قرت عينه بمحبوبه. اهـ
وهذه الحالة مشاهدة فيمن يشغله شاغل مهم عن الأكل.
وقال الجمهور: قوله ((يطعمنى ويسقينى))، مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، فكأنه قال:
يعطينى قوة الآكل والشارب، ويفيض على ما يسد مسد الطعام والشراب، ويقوى على أنواع الطاعات
من غير ضعف فى القوة ولا كلال فى الإحساس فالجوع والعطش يحصلان، لكن الإحساس بهما، أو
أثرهما منعدم.
وبعضهم يقول: المعنى أن اللَّه يخلق فيه من الشبع والرى ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا
يحس بجوع ولا عطش، بل لا يجد جوعاً ولا عطشاً، ويضعف هذا القول أنه ينافى حال الصائم، ويفوت
المقصود من الصيام والوصال، لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها، قال القرطبى: ويبعده أيضاً
النظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من
الجوع. والله أعلم.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- استواء المكلفين فى الأحكام، وأن كل حكم ثبت فى حق النبى # ثبت فى حق أمته إلا ما
استثنى بدليل. قاله الحافظ ابن حجر.
٢- وفيها جواز معارضة المفتى فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستثنى بسر المخالفة.
٣- وفيها الاستكشاف عن حكمة النهى.
٤ - وفيها ثبوت خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأن عموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. مخصوص.
٥- وفيها أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته، ويبادرون إلى الائتساء به، إلا فيما
نهاهم عنه.
٦ - وفيها أن خصائصه لا يتأسى به فى جميعها.
٧- وفيها بيان قدرة اللَّه تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر.
٨- وفيها النهى عن التشدد فى الدين والتكلف والحث على اليسر وما يطيق المسلم
٩- وفيها شفقة الرسول صل على أمته، ورحمته بهم.
١٠- وفيها تعليل الحكم الغريب لتستريح نفس المشتبه.
والله أعلم
٥٤٠