النص المفهرس
صفحات 441-460
شيء، ثم ينظر إلى رصافه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه، فلا يوجد فيه شيء، ثم
ينظر إلا قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم»، وفى الرواية العشرين ((فينظر إلى
النصل فلا يرى بصيرة [البصيرة القليل من الدم، يستدل به على إصابة الرمية] وينظر فى
النضى فلا يرى بصيرة، وينظر فى الفوق، فلا يرى بصيرة ».
ونصل السهم حديدته المدببة فی طرفه.
ورصاف السهم بكسر الراء مدخل الفصل أو عقبة تشد على مدخل النصل.
ونضى السهم بفتح النون وكسر الضاد وتشديد الياء، وهو القدح.
وقدح السهم عود من خشب يسوى فيدخل فيه الريش من جهة، والنصل من جهة أخرى.
وقذذ السهم بضم القاف وتشديد الذال، وهى ريش السهم.
وفوق السهم بضم الفاء موضع الوتر منه، يقال: فاق السهم إذا وضع فوقه فى الوتر.
والمعنى أنه ينظر إلى سهمه جملة، ثم تفصيلا، لينظر: هل أصاب سهمه الرمية أو لم يصبها؟ فلا
يرى أثراً للإصابة، فكأنه لم يصب، وإن أصاب، كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشىء من الإسلام. وفى رواية
الطبرى ((لا يتعلقون من الدين فى شيء كما لا يتعلق بذلك السهم)) وإلى ذلك أشار بقوله فى الرواية
التاسعة عشرة.
(سبق الفرث والدم) أى سبق السهم الدم وما فى الكرش لسرعته، فجاوزهما ولم يتعلق فيه
شيء منهما، بل خرجا بعده.
(بعث على « وهو باليمن بذهبة فى تربتها إلى رسول اللَّه ﴾﴾) أى مختلطة بترابها،
لم تميز بعد، وفى الرواية السابعة عشرة ((بذهبة فى أديم مقروظ)) [أى جلد مدبوغ بالقرظ] ((لم تحصل
من ترابها)» أى لم تخلص من ترابها.
قال النووى: هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا ((بذهبة)). وفى رواية ابن ماهان ((بذهيبة))
على التصغير.
(وزيد الخير الطائى) قال النووى: كذا هو فى جميع النسخ ((الخير)» بالراء، وفى الرواية التى
بعدها ((زيد الخيل)» باللام، وكلاهما صحيح، كان يقال له فى الجاهلية ((زيد الخيل)» فسماه رسول
اللَّهِ عَ﴿ ((زيد الخير)». اهـ
(أتعطى صناديد نجد وتدعنا)؟ أى سادات نجد، واحدها صنديد، بكسر الصاد.
(فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق
الرأس) فى الرواية السابعة عشرة ((فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث
٤٤١
اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار)». وفى ملحق الرواية ((ناتئ الجبهة))، وفى الرواية التاسعة عشرة
(( أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم)».
أما ((كث اللحية)) بفتح الكاف وتشديد الثاء فهو كثيرها وكثيفها، و((مشرف الوجنتين)) أى
مرتفع الخدين بارزهما، و ((غائر العينين)» غير مستوى العينين ولا بارزهما، بل هما داخلتان بشكل
ظاهر، و(«ناتئ الجبهة)) و((ناتئ الجبين)) و((ناشز الجبهة)» فهى قريبة، لأن الجبين جانب الجبهة.
ولكل إنسان جبينان، يكتنفان الجبهة، والنتوء والنشوز هو البروز.
أما ((ذو الخويصرة)) ففى رواية البخارى ((بينما رسول اللّه* يقسم جاءه عبد الله بن ذى
الخويصرة التميمى)). قال الحافظ ابن حجر: قيل: هو حرقوص بن زهير، أصل الخوارج. وقد اعتمد
على ذلك ابن الأثير فى الصحابة، وقد جاء أن حرقوصاً اسم ((ذى الثدية)) الآتى ذكره، وليس كذلك.
وقد ذكر الطبرى حرقوص بن زهير فى الصحابة؛ وذكر أنه كان له فى فتوح العراق أثر، وأنه الذى فتح
سوق الأهواز، ثم كان مع على فى حروبه، ثم صار مع الخوارج، فقتل معهم.
وقال الحافظ ابن حجر فى موضع آخر: القصة التى فى حديث جابر [روايتنا الخامسة عشرة]
صرح فى حديثه بأنها كانت منصرف النبى { من الجعرانة، وكان ذلك فى ذى القعدة سنة ثمان،
وكان الذى قسمه النبى # حينئذ فضة، كانت فى ثوب بلال، وكان يعطى منها كل من جاء، والقصة
التى فى حديث أبى سعيد صرح فيها بأنها كانت بعد بعث على إلى اليمن، وكان ذلك فى سنة تسع،
وكان المقسوم فيها ذهبًا، وخص به أربعة أنفس. فهما قصتان فى وقتين، اتفق فى كل منهما إنكار
القائل. وصرح فى حديث أبى سعيد [روايتنا التاسعة عشرة] أنه ذو الخويصرة التميمى، ولم يسم
القائل فى حديث جابر، ووهم من سماه ذو الخويصرة ظانا اتحاد القصتين، لكن أخرج أحمد
والطبرى: ((أتى ذو الخويصرة التميمى رسول اللّه® وهو يقسم الغنائم بحنين، فقال: يا محمد .... ))
فذكر الحديث، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه فى الموضعين، عند قسمة غنائم حنين، وعند قسمة
الذهب الذي بعثه على. اهـ
(فمن يطع اللَّه إن عصيته؟) الاستفهام إنكارى بمعنى النفى، وقد سبق فى الرواية
الخامسة عشرة ((ومن يعدل إذا لم أكن أعدل))؟ وفى رواية ((العدل إذا لم يكن عندى فعند
من يكون)»؟ وفى رواية ((عند من يلتمس العدل بعدى))؟ وفى رواية ((والله لا ترون بعدى
رجلا هو أعدل عليكم منى».
(أيأمننى على أهل الأرض ولا تأمنونى؟) فى الرواية الرابعة عشرة ((ألا تأمنونى وأنا أمين
من فى السماء؟ يأتينى خبر السماء صباحاً ومساء)»؟.
(ثم أدبر الرجل) فى الرواية السابعة عشرة ((ثم ولى الرجل)).
(فاستأذن رجل من القوم فى قتله، يرون أنه خالد بن الوليد) ((يرون)) بضم الياء،
٤٤٢
والمفعول محذوف، والتقدير: يرونه، أى يظنونه خالد بن الوليد، وفى الرواية السابعة عشرة جزم بأنه
خالد بن الوليد، وفى الرواية التاسعة عشرة أن قائل ذلك عمر بن الخطاب.
قال الحافظ ابن حجر فى وجه الجمع بينهما: أن كلا منها سأل، واستدل برواية مسلم من طريق
جرير عن عمارة بن القعقاع، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله. ألا أضرب عنقه؟ قال: لا. ثم
أدبر، فقام خالد بن الوليد سيف الله، فقال: يا رسول اللَّه. أضرب عنقه؟ قال: لا)). قال الحافظ: فهذا
نص فى أن كلا منهما سأل، وهذا فى حديث أبى سعيد وقسمة الذهب، أما حديث جابر [روايتنا
الخامسة عشرة] فإنه فى قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين، والسائل فى قتله عمربن
الخطاب، جزماً ثم قال: وقد استشكل سؤال خالد بن الوليد فى ذلك، لأن بعث على إلى اليمن كان
عقب بعث خالد بن الوليد إليها، والذهب المقسوم أرسله على من اليمن، ويجاب بأن علياً لما وصل
إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة، فأرسل على الذهب، فحضر خالد قسمته. اهـ
(ثم نظر إليه وهو مقف) أى مدبر. قد أعطانا قفاه.
(فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم) فى الرواية السادسة عشرة ((إن من ضئضئ هذا
قوما)» وضئضئ الشيء - بكسر الضادين - أصله، قال النووى: وهكذا هو فى جميع نسخ بلادنا، وحكى
القاضى عن بعضهم أنه ضبطه بالضادين والصادين جميعاً، وهذا صحيح فى اللغة، قالوا: ولأصل
الشيء أسماء كثيرة منها: الضئضئ بالضادين والصادين، والنجار بكسر النون، النحاس والسنخ بكسر
السين وسكون النون، والعنصر، والغنض، والأرومة. اهـ
فالمعنى أن من ذرية هذا قوم، لكن فى الرواية الخامسة عشرة)) إن هذا وأصحابه ... )) ولا تعارض،
فهو وأصحابه بصفة سيئة، يخرج من أصلابهم ذرية بالصفة السيئة نفسها أيضاً. وفى الرواية
السادسة عشرة («يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)» أى يقاتلون المسلمين الحقيقيين
ويقتلون منهم، ولا يقاتلون المشركين.
(لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد): فى الرواية السابعة عشرة ((قتل ثمود)). والمراد قتل
استئصال، لا أبقى منهم أحداً. لا يقال: إذا كان هذا الرجل منهم فقد أدركهم صلى الله عليه وسلم، فما
معنى «لئن أدركتهم لأقتلنهم))؟ فإن المراد لئن أدركتهم مقاتلين أهل الإسلام لقاتلتهم وقتلتهم، أو
المعنى لئن أدركت ذريته لأقتلنهم.
(سألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله:﴿ يذكرها؟ قال: لا أدرى من
الحرورية؟ ولكن سمعت ... ) إلخ. الحرورية جماعة من الخوارج، تأتى قصتهم فى فقه
الحديث، نزلوا مكانًا يقال له: حروراء، بفتح الحاء وضم الراء الأولى، فنسبوا إليه، وهو قرية
بالعراق، قريبة من الكوفة.
قال الحافظ ابن حجر: قوله ((لا أدرى من الحرورية)» يغاير قوله فى حديث الباب [روايتنا
٤٤٣
التاسعة عشرة] ((وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه)) فإن مقتضى الأول أنه لا يدرى هل
ورد الحديث الذى ساقه فى الحرورية؟ أو لا ويقتضى الثانى أنه ورد فيهم، ويمكن الجمع بأن مراده
بالنفى هنا أنه لم يحفظ فيهم نصاً بلفظ الحرورية، وإنما سمع قصتهم التى دل وجود علامتهم فى
الحرورية بأنهم هم. اهـ
(يخرج فى هذه الأمة -ولم يقل منها- قوم) لفظة ((من)) تقتضى كونهم من الأمة،
وليسوا كفارًا، بخلاف لفظة ((فى)) فيؤكد أبو سعيد أنه سمع لفظ ((فى)) ولم يسمع لفظ
((من)) ليحكم عليهم بالكفر.
لكن جاء من رواية على [روايتنا السابعة والعشرين] ((يخرج قوم من أمتى ... )) قال النووى:
والخلاف فى تكفيرهم واقع، والصحيح عدم تكفيرهم. اهـ
وجمع الحافظ ابن حجر بأن المراد بالأمة فى حديث أبى سعيد أمة الإجابة، وفى رواية
غيره أمة الدعوة. اهـ
والتحقيق أنه لا يستدل بلفظة ((فى)) على تكفيرهم، ولا بلفظة ((من)) على عدم تكفيرهم
فهم من الأمة قبل خروجهم بلا نزاع عملا بالحكم الظاهر. وأما الخلاف فبعد خروجهم، وبعد
أن اعتقدوا ما اعتقدوا.
(قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم) ((تحقرون)) بفتح التاء، أى تستقلون صلاتكم إذا
قارنتموها بصلاتهم، وفى الرواية التاسعة عشرة («يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع
صيامهم)) وفى الرواية السابعة والعشرين ((ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشىء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم
بشىء ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء)) وفى بعض الروايات ((تحقرون أعمالكم مع أعمالهم)) وفى
بعضها ((يصومون النهار ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة» وفى بعضها «يتعبدون
يدأبون ويعملون حتى يعجبوا الناس، وتعجبهم أنفسهم)) وفى بعضها ((يتعمقون فى الدين)) وفى
حديث ابن عباس «فأتيتهم، فدخلت على قوم لم أر أشد منهم اجتهاداً، أيديهم كأنها ثفن الإبل -
يابسة من العمل وثفن الإبل ركبها وما يلاقى منها الأرض عند ركوبها، فتغلظ وتخشن- وجوههم
معلمة من أثر السجود)) وفى الرواية الخامسة والعشرين ((يقولون من خير قول البرية)) وفى معناه
قيل: إنه مقلوب، والمراد من قول خير البرية، وهو القرآن، وقيل: هو على ظاهره، والمراد القول الحسن
فى الظاهر دون الباطن، ففى رواية الطبرانى ((يحسنون القول ويسيئون الفعل)).
فهذه الصفات فى مجموعها تفيد أنهم كانوا يجتهدون فى العبادة، ويكثرون من القراءة والتلاوة،
ويظهرون بمظاهر الزهد والخشوع ويبالغون فى ذلك لدرجة التنطع والتزمت والاستبداد فى الرأى،
وتأويل النصوص على غير المراد منها.
(آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدى المرأة، أو مثل البضعة تتدردر) فى الرواية
السادسة والعشرين ((فيهم رجل مخدج اليد، أو مودن اليد، أو مثدون اليد)» وفى الرواية السابعة
٤٤٤
والعشرين ((وآية ذلك أن منهم رجلاله عضد، وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدى، عليه
شعرات بيض)) وفى الرواية الثامنة والعشرين ((منهم أسود، إحدى يديه طبى شاة، أو حلمة تدى)).
عضد الإنسان: ما بين المرفق إلى الكتف، وذراع الإنسان من طرف المرفق إلى طرف
الإصبع الوسطى.
وحلمة الثدى: ما برز من رأس الثدى، ومنها يخرج اللبن.
وطبى الشاة بضم الطاء وسكون الباء حلمة ثديها.
ومجدع اليد : - كما جاء في بعض الروايات - مقطوعها، ومخدج اليد ناقصها نقصاً خلقياً، يقال:
خدج خداجاً نقص.
ومودن اليد: قصيرها وناقصها، يقال: ولد مودن أى ناقص الخلقة.
ومثدون اليد: ناقصها خلقياً.
الهلبات: الشعرات الغلاظ الصلبة كشعر الذنب.
البضعة تدردر: البضعة بضم الباء قطعة اللحم، و((تدردر)) أصلها تتدردر، أى تتحرك، وتضطرب،
وتهتز، وتذهب وتجىء.
فالحديث يصف إحدى يدى الرجل الأسود بأن لها عضد، وليس لها ذراع، فهى تنتهى بالمرفقين،
فهى يد ناقصة، قصيرة، وعضد هذه اليد منتفخة مثل ثدى المرأة، أو مثل قطعة اللحم التى تتحرك
وتهتز وتذهب وتجيء بحركة صاحبها، كما يهتز ويتحرك ثدى المرأة بحركتها، ويعلو هذه العضد
قطعة بارزة مثل حلمة الثدى، حول هذا البروز أو فيه شعرات بيض، أو سبع شعرات بيض غلاظ صلبة
خشنة كشعر ذنب الخيل.
هذه الأوصاف علامة للرجل، ووجود هذا الرجل فى فئة محارية علامة على أنها الفئة الضالة
المارقة عن الدين.
(يخرجون على حين فرقة من الناس) قال النووى: ضبطوه فى الصحيح بوجهين، أحدهما
((على حين)) بحاء مكسورة ونون، و((فرقة)) بضم الفاء أى فى وقت افتراق الناس، أى افتراق يقع بين
المسلمين، وهو الافتراق الذى كان بين على ومعاوية، رضى الله عنهما، والثانى ((يخرجون على خير
فرقة)) بالخاء والراء، و((فرقة بكسر الفاء)) أى أفضل الفرقتين والأول أشهر وأكثر، ويؤيده الرواية التى
بعد هذه ((يخرجون فى فرقه من الناس)) فإنه بضم الفاء بلا خلاف، ومعناه ظاهر. وقال القاضى: على
رواية الخاء المراد خير القرون، وهم الصدر الأول، قال: أو يكون المراد علياً وأصحابه، فعليه يكون
خروجهم حقيقة، لأنه كان الإمام حينئذ. اهـ
وفى الرواية الحادية والعشرين ((تمرق مارقة عند فرقة المسلمين)» وفى الرواية الثانية والعشرين
٤٤٥
((تكون فى أمتى فرقتان، فتخرج من بينهما مارقة)) وفى الرواية الرابعة والعشرين ((يخرجون على
فرقة مختلفة» فهذه الروايات تفيد أن هذه الطائفة ستقاتل المسلمين فى وقت يكونون فيه مختلفين
متفرقين، لكن استشكل على الرواية الخامسة والعشرين قولها:
(سيخرج فى آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام) حيث إن خروج
الحرورية وقتلهم على يد على ﴿ كان بعد وفاة النبى 18* بثمان وعشرين سنة، فالتعبير عن هذا
التاريخ بأنه آخر الزمان مشكل. وأجاب ابن التين بأن المراد آخر زمان الصحابة. ورد الحافظ ابن
حجر بأن آخرزمان الصحابة على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة. ثم قال:
ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة، فإن فى السنن وصحيح ابن حبان وغيره
مرفوعًا: «الخلافة بعدى ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا)). وقصة الخوارج وقتلهم بالنهروان فى أواخر
خلافة على، قبل الثلاثين بنحو السنتين. اهـ
وعندى أن بعثة الرسول و تعتبر فى آخر الزمان، باعتباره خاتم الأنبياء ، فالتعبير بآخر الزمان
معناه فى هذا الآخر من الزمان. والله أعلم.
و)) أحداث الأسنان)) جمع حدث بفتح الحاء والدال، وهو صغير السن وفى بعض الروايات
((حداث الأسنان)) بغير همزة وضم الحاء، وتشديد الدال، ومعناه شباب جمع حديث السن، وفى بعض
الروايات ((حدثاء)) بوزن سفهاء، وهو جمع حديث، والأسنان جمع سن، والمراد به العمر، والمراد أنهم
شباب، ومعنى ((سفهاء الأحلام)) ضعاف العقول، جمع حلم بكسر الحاء، والمراد به العقل.
(إذا حدثتكم عن رسول اللَّه﴿ فلأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول عليه ما
لم يقل) ((أخر)) بكسر الخاء)) أى أسقط، زاد فى رواية ((أخر من السماء إلى الأرض)) والمراد أنه إذا
حدث عن النبى ® لا يكنى ولا يوارى، وإذا لم يحدث عنه كنى أو عرض أو ورى، ليخدع بذلك من
يحاريه، واستدل بقوله: ((الحرب خدعة)) وهو حديث مرفوع، و((خدعة)) بضم الخاء، وسكون الدال
وفتحها، وفتح الخاء وسكون الدال.
(فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجراً لمن قتلهم عند اللَّه يوم
القيامة) كذا فى الرواية الخامسة والعشرين، وفى الرواية السادسة والعشرين ((لولا أن
تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد {®)) ومعنى ((لولا أن تبطروا))
بفتح التاء وسكون الباء وفتح الطاء، أى لولا خشية أن تنكروا الخبر ولا تقبلوه لعظمه
لأخبرتكم، أو المعنى لولا أن تغالوا فى المرح والزهو لأخبرتكم.
وفى الرواية السابعة والعشرين ((لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم
صلى الله عليه وسلم [أى من الأجر] لاتكلوا عن العمل)) أى لاتكلوا على هذا الأجرولم يعملوا، وفى هذا
حث على قتالهم ووعد بالثواب العظيم. "
٤٤٦
(فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم فى ذراريكم وأموالكم)؟
كلام على ه لجيشه على طريق الاستفهام الإنكارى التوبيخى، أى لا ينبغى ولا يصح أن يحصل
ذلك، يقصد المبادرة بقتالهم قبل قتال معاوية وأهل الشام.
(والله إنى لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم) أى أن يكون الموصوفون فى الحديث
هؤلاء الحروريين.
(فإنهم سفكوا الدم الحرام، وأغاروا فى سرح الناس) أى وخاضوا فى أعراض الناس، أما
سفكهم الدم الحرام فقد ذكر الحافظ ابن حجر حديثاً صحيحاً عن حميد بن هلال أنهم قتلوا عبد الله
بن خباب ذبحوه، وبقروا بطن جاريته وهى حبلى، بدون ذنب، وكان والياً لعلى على بعض تلك البلاد،
فأرسل إليهم على: أفيدونا بقاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله. فأرسل إليهم رسله يناشدهم
أن يفيئوا، فقتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم.
(إى ورب الكعبة) ((إى)) بكسر الهمزة، حرف جواب بمعنى. نعم، وكرر القسم ثلاثاً
لتأكيد الخبر.
(فنزلنى زيد بن وهب منزلا، حتى قال: مررنا على قنطرة) قال النووى: هكذا هو فى
معظم النسخ ((منزلا)) مرة واحدة، وفى نادر منها ((منزلا. منزلا)) مرتين، أى حكى لى مراحل حركة
جيش على مكاناً مكاناً ومرحلة مرحلة، حتى قال: وصلنا قنطرة، وهى قنطرة الديرجان، كما جاء فى
سنن النسائي وهناك خطبهم على ـ
(وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبى) أى وقائدهم، و(الخوارج))
جمع خارجة، أى طائفة خارجة، قيل: سموا بالخوارج لخروجهم عن الدين، أو خروجهم عن
خيار المسلمين.
(فقال لهم: ألقوا الرماح، وسلوا السيوف من جفونها) أى قال لهم قائدهم ذلك،
لتبدأ المعركة بالوطيس الحامى، بالسيوف، لا بالرماح، فألقوا رماحهم بعيداً، وأخرجوا
السيوف من أغمادها.
(فإنى أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء) أى فإنى أخاف أن يذكروكم اللّه
والرحم ويستعطفوكم فيخدعوكم، فتتركوا قتالهم، وتتراجعوا كما حدث يوم حروراء، ويوم حروراء الذى
يشير إليه -وكان يقودهم عبد الله بن الكواء اليشكرى - أرسل إليهم على عبد الله بن عباس، فناظرهم،
فرجع كثير معه، ثم خرج إليهم على، فناوشهم، وناقشهم، فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة.
وسيأتى تفصيل القصة فى فقه الحديث.
(فوحشوا برماحهم) أى ألقوا بها بعيداً عنهم، يقال: وحش فلان بثوبه أو سلاحه. بفتح الواو
وتشديد الحاء وتخفيفها، إذا رمی به.
٤٤٧
(وشجرهم الناس برماحهم) المراد من ((الناس)) المسلمون جيش على ه، أى طاعنهم
المسلمون برماحهم، ومدوها إليهم، وكان هذا السلاح سبباً فى الغلبة، حيث يقتل الرمح قبل وصول
السيف، يقال: شجره إذا نازعه، ومنه التشاجر فى الخصومة.
(وقتل بعضهم على بعض) أى قتلوا وتكدست القتلى طبقات، بعضهم فوق بعض لكثرتهم.
(وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان) أى قتل الخوارج وكانوا بضعة آلاف، ولم يقتل
من أصحاب على سوى رجلين، قيل: لم ينج منهم عشرة، ولم يصب من جيش على هذه عشرة.
(فقال على ﴿ التمسوا فيهم المخدج) أى ناقص اليد، وفى بعض الروايات ((المخرج))
بالراء بدل الدال أى منزوع اليد، مفصول الذراع.
(فالتمسوه فلم يجدوه فقام على ... فوجده مما يلى الأرض) فى الرواية التاسعة عشرة
((فالتمس فوجد، فأُتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول اللّه﴿ الذى نعت)) وفى الرواية الثامنة
والعشرين ((فلما قتلهم على قال: انظروا [أى التمسوا المخدج] فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال:
ارجعوا .. ثم وجدوه فى خربة، فأتوا به فوضعوه بين يديه)) وفى رواية ((فالتمسه على فلم يجده، ثم وجده
بعد ذلك تحت جدار على هذا النعت)) وفى رواية الطبرى ((فقال على اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم
يجدوه ... فطلبوه، فوجدوه فى وهدة من الأرض، عليه ناس من القتلى))، ولا تنافى بين الروايات
فمجموعها يفيد أن علياً به طلب منهم أن يبحثوا عن المخدج فى القتلى، فلم يجدوه فى البحث
السطحى الأول، فهو واحد بين أربعة أو ستة آلاف قتيل، تكدس بعضهم على بعض، ولثقة على فى
حديث رسول اللَّه ﴿ أصر على وجوده، وقام معهم بنفسه يبحث، وأخذوا يجولون طبقات القتلى
وينظرون فى الطبقات السفلى، فكان فوقه قتيلان فى أرض منخفضة فى خربة، فى أحضان جدار،
فجاءوا به يسحبونه إلى مقر القيادة ليراه الناس، فيثقوا أنهم على الحق، وأن من قتلوا كانوا على
الباطل، ويزدادوا يقيناً بصدق رسول اللّه ل:﴿، وأمام هذه المعاينة كان أبو سعيد الخدرى، الذى سمع
أوصاف المخدج من لسان رسول اللّه﴿، كان يحلف ويقول: أشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم
وأنا معه، وأُتي به، ونظرت إليه على نعت رسول اللّهم﴿ الذى نعت.
(كلمة حق أريد بها باطل) لا حكم إلا للَّه، وفى القرآن ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] كلمة
حق، وكل حاكم بالحق فحكمه من اللَّه وللَّه، فإذا أريد اتهام الحاكم بالانحراف قيل له: لا حكم إلا
للَّه، يعرض ببطلان حكمه، وكانوا يكفرون علياً بقبوله التحكيم، كما سيأتى فى فقه الحديث:
(يتيه قوم قبل المشرق) يقال: تاه يتوه ويتيه إذا ضل، أى يذهبون عن الصواب،
وعن طريق الحق.
٤٤٨
فقه الحديث
تتناول هذه الأحاديث موضوعين أساسيين: إعطاء المؤلفة قلوبهم، والتحريض على
قتل الخوارج.
ولأدنى مناسبة نظم الإمام مسلم أحاديث المؤلفة قلوبهم مع أحاديث الزكاة، ربما لأنها تشتمل
على سؤال العطاء، أو الحرص عليه، وربما لأن للمؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة يشبه نصيبهم من
الفيء، فساق أحاديثهم فى الفيء، ولم يصح عنده حديث لهم فى الزكاة.
ولضعف المناسبة وجدنا الإمام البخارى لا يذكر هذه الأحاديث فى كتاب الزكاة، وإنما يذكرها
فى كتاب فرض الخمس، باب قسمة الإمام.
أما الموضوع الثانى فيكاد يكون استطرادًا عن الموضوع الأول، لأدنى ملابسة، وهى أن رأسا من
رءوس الخوارج اعترض على قسمة رسول الله:# عطاء بين أربعة من المؤلفة قلوبهم.
ولضعف هذه الملابسة وجدنا الإمام البخارى يذكر هذه الأحاديث فى كتاب اشتباه المرتدين،
باب قتال الخوارج والملحدين.
وسنعتبر الأحاديث من رقم (١) إلى نهاية رقم (١٤) خاصة بالموضوع الأول، والأحاديث من رقم
(١٥) إلى النهاية خاصة بالموضوع الثانى والله الموفق.
إعطاء المؤلفة قلوبهم
المسألة الأساسية فى المجموعة الأولى من الأحاديث إعطاء المؤلفة قلوبهم، وهل كان يعطيهم
صلى الله عليه وسلم من أصل الغنيمة؟ أو من الخمس؟.
والأحاديث الخمسة الأولى لا توهم العطاء من أصل الغنيمة، فلا إشكال بالنسبة لها، وإنما
الإشكال فى إعطائه صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن. فقال القرطبی فی
((المفهم)): الإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه،
وقد قال للأعرابى فى هذه الغزوة: ((ما لى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس مردود فيكم))، أخرجه أبو
داود والنسائى. والذى رجحه القرطبى جزم به الواقدى. ويذهب الطبرى هذا المذهب فيقول: استدل
بهذه الأحاديث من زعم أن النبى { كان يعطى من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال: وهو مردود،
بدليل القرآن والآثار الثابتة.
ويميل القاضى عياض إلى هذا فيقول: ليس فى هذه الأحاديث تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم
أعطاهم قبل إخراج الخمس، وأنه لم يحسب ما أعطاهم من الخمس، قال: والمعروف فى باقى
الأحاديث أنه صلى الله عليه وسم إنما أعطاهم من الخمس، ففيه أن للإمام صرف الخمس، وتفضيل
الناس فيه، على مايراه، وأن يعطى الواحد منه الكثير، وأنه يصرفه فى مصالح المسلمين، وله أن
يعطى الغنى منه لمصلحة. اهـ زكذلك اختار أبو عبيد أنه كان من الخمس.
٤٤٩
فهذا الفريق يرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن كان من الخمس، ودليله
تطبيق أصول الشريعة، وإجراء ما حصل على قواعدها، وتأويل أو توجيه ما يوهم غير ذلك
مماورد فى أحاديثها.
والجمهور على إن إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن خاصة كان من أصل الغنيمة، لأن
النصوص الثابتة فى الأحاديث ظاهرة فى هذا ومن الصعب تأويلها، وفى حملها على غير ظاهرها
تمحل وتعسف.
أولاً: لأن الأنصار يعلمون أن الخمس للَّه ورسوله، فلو أن الإعطاء كان من الخمس لما اعترضوا،
ولما غضبوا هذه الغضبة التى وافقهم عليها رؤساؤهم.
ثانيًا: جمع الرسول ﴿ لهم، وخطابته فيهم، والاعتذار إليهم بما اعتذر، ولو أن الإعطاء كان من
الخمس لذكرهم بحقه، ولم يكن هناك حاجة إلى الترضية والاعتذار.
ثالثًا: قول الأنصار فى الرواية الثامنة: ((إن هذا لهو العجب. إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن
غنائمنا ترد عليهم)). وقولهم فى الرواية التاسعة: ((إذا كانت الشدة فنحن ندعى لها، وتعطى الغنائم
غيرنا)». واضح وصريح فى أنهم يعتبرون ما أعطى للمؤلفة غنائم لهم، وليس الخمس الذى هو من حق
الرسول 8%.
رابعًا: أصرح من هذا ما جاء فى الرواية التاسعة من قول أنس: ((فانهزم المشركون، وأصاب
رسول الله * غنائم كثيرة، فقسم فى المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً)).
خامسًا: لو أن الأنصار أخذوا من الغنيمة شيئاً لرجعوا بالشاة والبعير وما قيل لهم: ((ألا
ترضون أن يذهب الناس بالشاة والإبل وتذهبون برسول اللَّه إلى رحالكم؟ فواللَّه لما
تنقلبون به خير مما ينقلبون)).
أمام هذه النصوص ذهب الجمهور إلى أن الإعطاء من الغنيمة خاص بهذه الواقعة لأحد أمرين:
إما مراعاة لمصلحة أهم، وإما لسبب خاص فى هذه الغنيمة، عن الأمر الثانى يقول الحافظ ابن حجر:
وقيل: إنما كان تصرف فى الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على
الكفار، فرد الله أمر الغنيمة لنبيه ®. اهـ
والمحقق فى سير المعركة يرى أن أساس النصر فيها كان ثبات رسول اللّه ﴿، وأن الكثرة لم
تغن شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولوا مدبرين، فأساس النصر ما أشار إليه القرآن
الكريم بقوله: ﴿ثُمَّ أَنزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَّلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ
كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] فكانت الغنائم حقاً للَّه ورسوله، وإذا كان لم يستخدم هذا
الحق فى الانتصارات السابقة التى تدخلت فيها الملائكة فلا يلزم ألا يستخدمه هنا لمصلحة أهم.
وعن الأمر الثانى يطنب ابن القيم، فيقول: اقتضت حكمة الله أن فتح مكة كان سبباً
لدخول كثير من قبائل العرب فى الإسلام، وكانوا يقولون: دعوه وقومه، فإن غلبهم دخلنا فى
٤٥٠
دينه، وإن غلبوه كفونا أمره. فلما فتح اللّه عليه استمر بعضهم فى ضلاله، فجمعوا له،
وتأهبوا لحريه، وكان من الحكمة فى ذلك أن يظهر أن النصر للَّه ورسوله، لا بكثرة من دخل
فى دينه من القبائل ولا بانكفاف قومه عن قتاله.
ثم لما قدر الله عليه من غلبته إياهم قدر وقوع هزيمة المسلمين مع كثرة عددهم وقوة عدتهم،
ليتبين لهم أن النصر الحق إنما هو من عنده، لا بقوتهم، ولو قدر أن يغلبوا الكفار ابتداء لرجع من رجع
منهم شامخ الرأس متعاظما فقدر هزيمتهم، ثم أعقبهم النصر، ليدخلوا مكة كما دخلها النبى { * يوم
الفتح متواضعاً متخشعاً، واقتضت حكمته أيضاً أن غنائم الكفارلما حصلت ثم قسمت على من لم
يتمكن الإيمان من قلبه لما بقى فيه من الطبع البشرى فى محبة المال، فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم،
وتجتمع على محبته، لأنها جبلت على حب من أحن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين
ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصوراً عليهم، بخلاف
قسمته على المؤلفة، لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضى رئيسهم، فلما
كان ذلك العطاء سبباً لدخولهم فى الإسلام وسبباً لتقوية قلب من دخل فيه، كان فى ذلك عظيم
المصلحة. ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلا ولا كثيراً مع احتياج الجيوش إلى
المال الذى يعينهم على ماهم فيه، فحرك اللّه قلوب المشركين لغزوهم، فرأى رئيسهم أن يخرجوا
معهم أموالهم ونساءهم، فكان ذلك سبباً لتصير غنيمة للمسلمين. ثم اقتضت تلك الحكمة أن تقسم
الغنائم فى المؤلفة، ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثم كان من تمام التأليف رد من سبى
من نسائهم وذراريهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام، فدخلوا طائعين راغبين وجبر ذلك قلوب
أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب، فصرف عنهم شر من كان
يجاورهم من أشد العرب، من هوازن وثقيف بما دفع بهم من الكسرة، وبما قيض لهم من الدخول فى
الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها وكثرتها، وأما الأنصار
فبالاعتذار لهم، وتوضيح الحكمة لكبرائهم شرح اللَّه صدورهم، ورجعوا مذعنين، ورأوا أن الغنيمة
العظمى ما حصل لهم من عود رسول اللّه ◌ِ إلى بلادهم ومجاورته لهم حياً وميتا، وهذا دأب الحكيم،
يعطى كل أحد ما يناسبه. انتهى ملخصًا.
ما يؤخذ من الأحاديث
١- ويؤخذ من الحديث الأول مداراة أهل الجهالة والقسوة، وتألفهم إذا كان فيه مصلحة.
٢ - وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة.
٣- واستحباب اتقاء الاتهام بالبخل، وإن كان ظاهر الكرم.
٤- تنبيه الكبير إلى ما يعتقد أنه خير.
٥- توضيح المعلم للمتعلم حكمة التصرف، وإن كان فى ذلك كشف لبعض الأستار.
٦- ومن الحديث الثانى احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، والتجاوز عن جفاء الجفاة.
٤٥١
٧ - ودفع السيئة بالحسنة.
٨- وإعطاء المؤلفة قلوبهم.
٩- والعفو عمن ارتكب كبيرة لا حد فيها بجهله.
١٠ - وإباحة الضحك عند الأمور التى يتعجب منها فى العادة.
١١ - وبيان حلمه صلى الله عليه وسلم، وصبره على الأذى فى النفس والمال، وخلقه الجميل
من الصفح والإغضاء.
١٢ - ومن الحديث الثالث استئلاف أهل اللسن ومن فى معناهم بالعطية والكلام الطيب، ففى بعض
روايات الصحيح ((وكان فى خلقه شدة)).
١٣ - وفيه الاكتفاء فى الهبة بالقبض.
١٤- واستدل به على جواز شهادة الأعمى، لأن النبى / عرف صوت مخرمة، فاعتمد به على معرفته
وخرج إليه معه القباء الذي خبأ له.
١٥ - واستنبط منه بعض المالكية جواز الشهادة على الخط، وتعقب بأن الخطوط تشتبه أكثرما
تشتبه الأصوات.
١٦ - وفيه رد على من زعم أن المسور لا صحبة له.
١٧ - ومن الحديث الخامس الفرق بين الإيمان والإسلام، وليس فيه إنكار كونه مؤمناً، بل معناه النهى
عن القطع بالإيمان، وأن لفظ الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلوم بحكم الظاهر وأما الإيمان
فباطن، لا يعلمه إلا الله تعالى. قال النووي: وقد زعم صاحب التحرير أن فى هذا الحديث إشارة
إلى أن الرجل لم يكن مؤمنا، وليس كما زعم، بل فيه إشارة إلى الإيمان، فإن النبى 8# قال فى
جواب سعد: ((إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى منه)) ومعناه أعطى من أخاف عليه لضعف
إيمانه أن يكفر، وأدع غيره ممن هو أحب إلى منه، لما أعلمه من طمأنينة قلبه، وصلابة إيمانه.
١٨ - وفيه دلالة لمذهب أهل الحق فى قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد
بالقلب، خلافا للكرامية وغلاة المرجئة فى قولهم: يكفى الإقرار، وهذا خطأ ظاهر يرده إجماع
المسلمين والنصوص فى إكفار المنافقين، وهذه صفتهم.
١٩ - وفيه الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما ليس بمحرم.
٢٠ - وفيه مراجعة المسئول فى الأمر الواحد.
٢١ - وفيه تنبيه المفضول الفاضل على ما يراه مصلحة.
٢٢- وفيه أن الفاضل لا يقبل ما يشار عليه به مطلقاً، بل يتأمله. ذكره النووى، وقال: فإن لم تظهر
مصلحته لم يعمل به.
٤٥٢
٢٣ - وفيه الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه.
٢٤- وفيه أن الإمام يصرف المال فى مصالح المسلمين الأهم فالأهم.
٢٥ - وفيه أنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين إلا من ثبت فيه نص كالعشرة وأشباههم. وهذا مجمع
عليه عند أهل السنة.
٢٦ - وفيه جوازالأمر إلى أحد الحاضرين لمصلحة، وليس من المناجاة الممنوعة، لوجود أكثر من
واحد. قال النووي: وفيه التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه
ونحوه، ولا يجاهرون به، فقد يكون فى المجاهرة به مفسدة.
٢٧ - ومن الحديث السادس إلى الرابع عشر حسن أدب الأنصار، فحين غضبوا قالوا: يغفر
اللَّه لرسول الله.
٢٨ - وحين سئلوا تركوا المماراة والجدل والتمسك بحقهم.
٢٩ - وحسن اعتذارهم عما بدر، إذ بينوا أن الذى نقل عنهم إنما كان عن شبابهم، لا عن شيوخهم أو
ساداتهم ورجالاتهم.
٣٠- وإقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه.
٣١- وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق.
٣٢ - وفيها المعاتبة، واستعطاف المعاتب. وإزالة عتبه برفق.
٣٣- والاعتذار والاعتراف.
٣٤ - وأن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض فى مصارف الفيء.
٣٥- وأن له أن يعطى الغنى للمصلحة.
٣٦- وأن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه فى ذلك.
٣٧ - ومشروعية الخطبة عند حدوث أمر سواء أكان خاصا أم عاما.
٣٨- وجواز تخصيص بعض المخاطبين فى الخطبة.
٣٩- وتسلية من فاته شيء من الدنيا بما سيحصل له من ثواب فى الآخرة.
٤٠- والحض على طلب الهداية والألفة.
٤١ - وأن المئة على الإنسانية لله ولرسوله صل﴾.
٤٢- وتقديم جانب الآخرة على الدنيا.
٤٣- والصبر عما فات منها رجاء ادخاره فى الآخرة.
٤٥٣
٤٤- وفيها مناقب عظيمة للأنصار، لما جاء من ثناء الرسول و # عليهم.
٤٥- وفيها علم من أعلام النبوة قوله: ((ستلقون بعدي أثرة )».
٤٦- وبقوله فى الرواية السابعة: ((إن ابن أخت القوم منهم)). استدل من يورث ذوي الأرحام، وهو
مذهب أبى حنيفة وأحمد وآخرين، ومذهب مالك والشافعى وآخرين أنهم لا يرثون، وأجابوا بأنه
ليس فى هذا اللفظ ما يقتضى التوريث، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطاً وقرابة، ولم يتعرض
للإرث، وسياق الحديث يقتضى أن المراد أنه كالواحد منهم فى إفشاء سرهم بحضرته، ونحو
ذلك. ذكره النووى.
٤٧- ومن الرواية التاسعة أن النصر من الله، وأن الكثرة فى العدد والعدة قد لا تغنى شيئاً.
٤٨- والحث على عدم الاغترار بالقوة والعدد.
٤٩- وفيه شجاعة النبى * ورباطة جأشه وثقته بربه.
٥٠ - وجواز التعرض إلى الهلاك فى سبيل الله، قال الحافظ ابن حجر: ولا يقال: كان النبي * * متيقناً
النصر، لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حق، لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه، آخذ بلجام
بغلته، وليس هو فى اليقين مثل النبى ®، واستشهد فى تلك الحالة أيمن بن أم أيمن. اهـ
٥١- وفيها فرار الصحابة فى المعركة لعذر، قال الطبرى: الانهزام المنهى عنه هو ما وقع على غيرنية
العود، وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة.
٥٢- ومن إكمال المائة لعباس بن مرداس اتقاء اللسان وحماية العرض وتأليف ضعيف الإيمان.
٥٣- ومن الرواية الثانية عشرة وقبلها السادسة إثبات الحوض فى الآخرة.
٥٤- ومن الرواية الثالثة عشرة جواز النقل على وجه النصيحة، لأن النبى # لم ينكر على ابن مسعود
نقله ما نقل، بل غضب من قول المنقول عنه.
قال الحافظ ابن حجر: إن المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد، أما من يقصد النصيحة
ويتحرى الصدق، ويجتنب الأذى فلا.
٥٥- وحلمه صلى الله عليه وسلم وصبره وتأسيه بموسى عليه السلام، امتثالا لقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠].
الخوارج والحض على قتالهم
هذا هو الموضوع الثانى، وتتناوله الأحاديث من رقم (١٥) من هذه المجموعة.
والمسألة الأساسية فيها: نشأة الخوارج، وفرقهم، ومعتقداتهم، وما آل إليه أمرهم، وحكم علماء
المسلمين فيهم، ثم نذكر ما يؤخذ من الأحاديث من أحكام أخرى.
٤٥٤
يقول الحافظ ابن حجر: أصل الخوارج أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان؛
بل كانوا ينكرون عليه أشياء، ويتبرءون منه، وكان يقال لهم: القراء. لشدة اجتهادهم فى التلاوة
والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون فى الزهد
والخشوع وغير ذلك، فلما قتل عثمان قاتلوا مع على، واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة
على، وكفر من قاتله من أهل الجمل، ولما خرج على من الكوفة لقتال أهل الشام خرجوا مع على،
وحاربوا بصفين معه، فلما كاد أهل الشام أن ينهزموا رفعوا المصاحف على الرماح، ونادوا: ندعوكم
إلى كتاب الله تعالى، فترك جمع كثير ممن كان مع على -وخصوصاً هؤلاء القراء - القتال بسبب ذلك
تديناً، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِن الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرَضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] فلما اتفق أهل الشام وأهل العراق
على التحكيم، وكتبوا فى ذلك كتابا كتب فيه: هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين على معاوية امتنع
أهل الشام من ذلك، وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب على إلى ذلك [تأسياً برسول الله: ﴿ فى
صلح الحديبية] أنكر الخوارج على على أمرين:
الأول: أنه خلع ثوب الإمارة.
الثانى: أنه قبل التحكيم، فعند أحمد أنهم قالوا له: ((انسلخت من قميص ألبسكه اللَّه، ومن اسم
سماك الله به ثم حكمت الرجال فى دين اللَّه»، ولا حكم إلا للَّه. ولما رجع على بجيشه إلى الكوفة
انتظاراً لحكم المحكمين فارقه هؤلاء القراء، وخرجوا إلى مكان يقال له: حروراء، ومن ثم قيل لهم:
الحرورية. وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء
اليشكرى، وشبث [بفتح الشين والباء بعدها ثاء] التميمى، فأرسل على إليهم عبد الله بن عباس،
فناظرهم، فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم على، فناشدهم فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم
رئيساهم المذكوران.
لكنهم أشاعوا فى الكوفة أن علياً تاب من قبوله التحكيم، ولذلك رجعوا معه، وجاء رجل إلى على
فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب
المسجد: لا حكم إلا للَّه. فقال لهم على: كلمة حق يراد بها باطل [إذ كانوا يقصدون رفض التحكيم،
والانخلاع من حكم على] فقال لهم على: لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم فى
الفيء، ولا نبدؤكم بقتال مالم تحدثوا فسادا.
لكنهم خرجوا من الكوفة متسربين شيئاً بعد شيء حتى اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم على يطلب
منهم الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر، لرضاه بالتحكيم، ويتوب.
ثم قرروا إرغام الناس على عقيدتهم، وقرروا أن من لايعتقد معتقدهم يكفرويباح دمه وماله وأهله،
وانتقلوا إلى تنفيذ القرار، فاستعرضوا الناس، فقتلوا من اجتازبهم من المسلمين، ومربهم عبد الله
ابن خباب بن الأرت، وكان والياً لعلى على بعض البلاد ومعه سرية وهى حامل، فقتلوه وبقروا بطن
سريته عن ولد، فأرسل إليهم على رسولا يطلب منهم تحديد قاتل ابن خباب، فقتلوا رسوله، وقالوا:
٤٥٥
كلنا قتلناه، فخرج إليهم على بالجيش الذى كان قد هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم
ينج منهم إلا دون العشرة.
هذا هو الميدان الذى تتحدث عنه أحاديث الباب.
أما بقية أمرهم فإن من بقى منهم أخذ يدعو للعقيدة، وأخذ ينضم إليه سراً من ينضم، ولم يظهر
أحد منهم فى خلافة على، إلى أن قتل على بعد أن دخل فى صلاة الصبح على يد رجل منهم هو
عبدالرحمن بن ملجم.
ثم لما وقع الصلح بين الحسن ومعاوية ظهرت فرقة منهم، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له:
النجيلة، ثم عملوا لدعوتهم فى الخفاء فى إمارة زياد وابنه عبيد اللّه على العراق طول مدة حكم معاوية
وابنه يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع
الافتراق، وولى الخلافة عبد الله بن الزبير. ظهر الخوارج بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع
نجدة بن عامر، وزاد نجدة على عقيدتهم أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر، ولو اعتقد
معتقدهم، وعظم البلاء بهم وتوسعوا فى معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق
من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض فى حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرة وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر،
وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقًا، وفتكوا بمن ينسب إلى الإسلام قتلا وسبياً ونهباً.
فمنهم من يفعل ذلك مطلقاً بغير دعوة منهم ومنهم من يدعو أولا، ثم يفتك.
ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أُمِرَ المهلب بن أبى صفرة بقتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم، وتقلل
جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا فى طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية ودخلت طائفة منهم
المغرب [وما زال حتى اليوم من يعتقد عقيدتهم].
ثم قال: وقد صنف فى أخبارهم أبو مخنف -بكسر الميم وسكون الخاء وفتح النون بعدها فاء-
كتاباً لخصه الطبرى فى تاريخه، وصنف فى أخبارهم أيضاً الهيثم بن عدى كتاباً، ومحمد ابن قدامة
الجوهرى أحد شيوخ البخارى كتابًا كبيرًا، وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد فى كتابه («الكامل».
ثم قال: قال القاضى أبوبكربن العربى: الخوارج صنفان: أحدهما يزعم أن عثمان وعلياً
وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضى بالتحكيم كفار. والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر
مخلد فى النار. وقال غيره: بل الصنف الأول مفرع عن الصنف الثانى، لأن الحامل لهم على تكفير
أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم: ذهب نجدة بن عامر من الخوارج إلى من أتى
صغيرة عذب بغير النار، ومن أدمن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة فى التخليد فى النار، وذكر أن
منهم من غلافى معتقدهم الفاسد، فأنكر الصلوات الخمس، وقال: الواجب صلاة بالغداة وصلاة
بالعشى، ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف
من القرآن، وأن من قال: لا إله إلا اللَّه فهو مؤمن عند اللّه، ولو اعتقد الكفر بقلبه. وقال أبو منصور
٤٥٦
البغدادى فى المقالات: عدة فرق الخوارج عشرون فرقة. وقال ابن حزم: أسوؤهم حالا الغلاة
المذكورون، وأقربهم إلى أهل الحق الأباضية.
أما عن حكم العلماء على الخوارج فقد قال الغزالى فى ((الوسيط)) تبعًا لغيره فى حكم
الخوارج وجهان:
أحدهما: أنه كحكم أهل الردة.
الثانى: أنه كحكم أهل البغى. ورجح الرافعى الأول.
قال الحافظ ابن حجر: وليس الذى قاله مطرداً فى كل خارجى، فإنهم على قسمين، أحدهما من
تقدم ذكره، والثانى من خرج فى طلب الملك، لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضاً: قسم
خرجوا غضباً للدين من أجل جور الولاة، وترك عملهم بالسنة النبوية، فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسن
ابن على وأهل المدينة فى الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط،
سواء كانت فيهم شبهة أم لا، وهم البغاة. اهـ
والحق أن لفظ: ((طائفة خارجة)) و((خوارج)» فى أصل اللغة يعم من ذكرهم الحافظ ابن حجر
وغيرهم، إلى أكثر من عشرين فرقة، فينبغى أن يرتبط الحكم على كل فرقة بما هى عليه، من حيث
العقيدة، ومن حيث العمل، فمن أنكر شيئاً علم من الدين بالضرورة، ولو لم يخرج على الحاكم حكم
عليه بالردة، ومن خرج على الإمام بشبهة أو بدون شبهة لمنازعة الحكم فهم بغاة، ولو لم يذكروا ما علم
من الدين بالضرورة، وقد حفظ القرآن لهم وصف المؤمنين حين قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِن الْمُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِيَ حَتَّى تَفِيَءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ
فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَّهُمَّا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
والذى أميل إليه أن الخوارج الموصوفين فى أحاديث الباب مرتدون، وإن شهدوا أن لا إله إلا الله
وأن محمداً رسول اللّه، وبالغوا فى العبادة والزهد وقراءة القرآن، فالرواية السابعة عشر تقول: ((قوم
يتلون كتاب اللَّه رطباً، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لئن
أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود)».
وفى الرواية الثامنة والتاسعة عشرة: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم،
يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم - أو حلوقهم- أو تراقيهم، يمرقون من الدين- أو من الإسلام - كما
يمرق السهم من الرمية)). وفى الرواية السابعة والعشرين: ((يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم
بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء، يقرءون القرآن يحسبون أنه
لهم، وهو عليهم)). وفى الرواية الخامسة والعشرين: ((فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجراً لمن
قتلهم عند الله يوم القيامة. وفى الرواية التاسعة والعشرين: «يخرجون من الدين كما يخرج السهم من
الرمية، ثم لايعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة)».
فهذه الأحاديث تصرح بكفرهم وارتدادهم، وتحث على قتالهم وقتلهم، أما كون الذين قاتلهم
٤٥٧
وقتلهم على بن أبى طالب هم المقصودين بالحديث فموضوع آخر، وحتى مع آية المخدج فإن
الحكم يعم كل من على شاكلتهم، ووجود المخدج ضمن طائفة ليس علامة على أنهم كذلك، فقد كان
فى جيش على * وحارب معه فى الجمل وصفين. إنما العلامة قتله فيهم - كما هو واضح من الرواية
السابعة والعشرين والثامنة والعشرين، وأساس الحكم عقيدتهم وأعمالهم.
وقد ضرب العلماء بسهم وافر فى هذه المسألة، حتى قال القاضى عياض: كادت هذه
المسألة تكون أشد إشكالا عند المتكلمين من غيرها، حتى توقف بعض الفضلاء فيها،
واعتذر بعضهم بأن إدخال كافر فى الملة؛ وإخراج مسلم عنها أمر عظيم فى الدين، واعتذر
آخرون بأن هؤلاء القوم لم يصرحوا بالكفر، وإنما قالوا أقوالا لا تؤدى إلى الكفر. وقال
الغزالى فى كتاب ((التفرقة بين الإيمان والزندقة)): والذى ينبغى الاحتراز عن التكفير ما
وجد إلى ذلك سبيلا، فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ فى ترك
ألف كافر فى الحياة أهون من الخطإ فى سفك دم لمسلم واحد. وقد استعرض الحافظ ابن
حجر كثيراً من آراء العلماء المكفرين لهم وغير المكفرين، نوردها بتصرف:
أقوال غير المكفرين:
(أ) قال الحافظ ابن حجر: ذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق، وأن حكم
الإسلام يجرى لهم، لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا لتكفيرهم
المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم،
والشهادة عليهم بالكفر والشرك.
(ب) وقال الخطابى: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين،
وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام.
(جـ) وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين، لقوله
[فى روايتنا الثامنة عشرة]: ((فيتمارى فى الفوقة، هل علق بها من الدم شىء)). لأن التمارى من
الشك، وإذ وقع الشك فى ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام
بيقين لم يخرج منه إلا بيقين. قال: وقد سئل على عن أهل النهر: هل كفروا؟ فقال: من الكفر فروا
- قال الحافظ ابن حجر: وهذا إن ثبت عن على حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذى
أوجب تكفيرهم عند من كفرهم، ثم قال: وفى احتجاجه بقوله ((يتمارى فى الفوق)» نظر، فإن فى
بعض الروايات [روايتنا العشرين] ((وينظر فى الفوق فلا يرى بصيرة)) وفى بعضها [روايتنا
التاسعة عشرة]: سبق الفرث والدم)). قال: وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل فى الفوق شيء أو
لا؟ ثم تحقق أنه لم يعلق به بالسهم ولا بشىء منه من المرمى شىء، ويمكن أن يحمل الاختلاف
فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويقول فى قوله: ((يتمارى)) إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه
من الإسلام شىء.
٤٥٨
(د) وقال القرطبى فى ((المفهم)): والقول بتكفيرهم أظهر فى الحديث. ثم قال: وباب التكفير باب
خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئاً.
أقوال المكفرين:
(أ) قال الحافظ ابن حجر: استدل بالأحاديث من قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخارى،
حيث قرنهم بالملحدين [إذ قال فى الترجمة: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة
عليهم] وأفرد عنهم المتأولين بترجمة.
(ب) صرح القاضى ابن العربى فى ((شرح الترمذى)»، فقال: الصحيح أنهم كفار، لقوله صلى اللّه عليه
وسلم: ((يمرقون من الإسلام)» ولقوله: ((لأقتلنهم قتل عاد)» وفى لفظ: ((ثمود)» وكل منهما إنما هلك
بالكفر، ولقوله: ((هم شر الخلق)» ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم
بالكفر والتخليد فى النار، فكانوا هم أحق بالاسم منهم.
(جـ) قال الشيخ تقي الدين السبكى فى ((فتاويه)): احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم
أعلام الصحابة، لتضمنه تكذيب النبى # فى شهادته لهم بالجنة. قال: وهو عندى احتجاج
صحيح، لأنا نعلم تزكية من كفروه علماً قطعياً إلى حين موته، وذلك كاف فى اعتقادنا تكفير من
كفرهم وفى الحديث الصحيح: ((من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما)). وهؤلاء قد تحقق منهم
أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى
خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ممن لا تصريح بالجحود فيه، بعد أن فسروا
الكفر بالجحود، ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالا، والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم، كما لا
ينجى الساجد لصنم ذلك.
(د) وقال الطبرى فى ((تهذيبه)): فى الأحاديث رد على قول من قال: لا يخرج أحد من الإسلام من
أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما، فإنه باطل لقوله: ((يقرءون القرآن
ويمرقون من الإسلام، ولا يتعلقون منه بشىء)) ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء
المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آيات القرآن على غير المراد منه، ويؤيد القول
المذكور الأمر بقتلهم مع حديث ابن مسعود: ((لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)) وفيه:
((التارك لدينه المفارق للجماعة)).
فهذه ثلاثة مذاهب فى الحكم على الخوارج المذكورين فى أحاديث الباب ومن على شاكلتهم،
مذهب يكفرهم، ومذهب يفسقهم ولا يكفرهم، ومذهب يتوقف ولا يحكم بهذا ولا بذاك.
قال القرطبى فى ((المفهم)): فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون، ويقتلون، وتسبى أموالهم، وعلى القول
بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغى، إذا شقوا العصا، ونصبوا الحرب، فأما من استسر
منهم ببدعة، فإذا ظهر عليه وغلب هل يقتل مع الاستتابة؟ أو لا يقتل؟ بل يجتهد فى رد بدعته؟
اختلف فيه بحسب الاختلاف فى تكفيرهم. أهـ
٤٥٩
وقال القاضى: أهل البدع والبغى متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأى الجماعة، وشقوا
العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم، لكن لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع منهزمهم، ولا يقتل
أسيرهم، ولا تباح أموالهم، وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يقاتلون، بل
يوعظون ويستتابون من بدعتهم وباطلهم، وهذا كله مالم يكفروا ببدعتهم، فإن كانت
بدعة مما يكفرون بها جرت عليهم أحكام المرتدين، وأما البغاة الذين لا يكفرون فيرثون
ويورثون، ودمهم فى حال القتال هدر، وكذا أموالهم التى تتلف فى القتال، والأصح أنهم
لا يضمنون أيضًا ما أتلفوه على أهل العدل فى حال القتال من نفس ومال، وما أتلفوه
من نفس ومال فى غير حال القتال يضمنوه، ولا يحل الانتفاع بشىء من دوابهم
وسلاحهم فى حال الحرب عندنا وعند الجمهور، وجوزه أبو حنيفة. والله أعلم.
ويؤخذ من مجموعة هذه الأحاديث فوق ما تقدم
١- فى قوله فى الحديث الخامس عشر: ((إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)) جواز
ترك قتال الخوارج على أنهم من المؤلفة قلوبهم. قال العلماء: وهذا إذا لم يظهروا رأيهم، وينصبوا
للناس القتال، فإن فعلوا وجب قتالهم، وعدم قتل الرسول # لهذا وأصحابه لأنهم لم يظهروا ما
وراءهم، فلو قتل ظاهر الصلاح عند الناس قبل استحكام الإسلام ورسوخه فى القلوب لنفرهم عن
الدخول فى الإسلام.
نعم لواعتقدت فرقة مذهب الخوارج مثلا، ولم ينصبوا حرباً جاز للإمام الإعراض عنهم إذا رأى
المصلحة فى ذلك.
وقال ابن بطال نقلا عن المهلب: التألف إنما كان فى أول الإسلام، إذ كانت الحاجة ماسة لذلك،
لدفع مضرتهم، فأما إذا أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف، إلا أن تنزل بالناس حاجة لذلك،
فلإمام الوقت ذلك.
وحكى الطبرى الإجماع على الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الإمام ما لم ينصب لذلك حربا،
أو يستعد لذلك، وقال: بشرط أن لا يكفر باعتقاده، وأسند إلى عمر بن عبد العزيز((أنه كتب فى
الخوارج بالكف عنهم مالم يسفكوا دما حراماً، أو يأخذوا مالا، فإن فعلوا فقاتلوهم، ولو كانوا
ولدى)). ومن طريق ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما يحل فى قتال الخوارج؟ قال: إذا قطعوا
السبيل، وأخافوا الآمن)).
٢ - وفى الأحاديث أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم، بدعائهم إلى الرجوع
إلى الحق. ذكره الحافظ ابن حجر.
٣- قال الحافظ ابن حجر: وفى الأحاديث علم من أعلام النبوة حيث أخبر بما وقع قبل أن يقع. وذلك
أن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة، فقالوا: نفى لهم
بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين.
٤٦٠