النص المفهرس
صفحات 381-400
١٨ - وفى الحديث الثالث عشر أجر الإنفاق على الأولاد. ١٩ - وفى الحديث الرابع عشر بيان بأن المراد بالصدقة والنفقة -الواردة فى الأحاديث المطلقة- النفقة والصدقة المحتسبة المبتغى بها وجه الله. ٢٠- وفى الحديث الخامس عشر والسادس عشر جواز صلة القريب المشرك. ٢١ - وفى الحديث السابع عشر وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه. قال النووي: فى الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت، ويصله ثوابها، وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء، وقضاء الدين، بالنصوص الواردة فى الجميع، ويصح الحج عن الميت إذا كان حج الإسلام، وكذا إذا وصى بحج لتطوع على الأصح عندنا، واختلف العلماء فى الصوم إذا مات وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه، للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور فى مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها. وقال جماعة من أصحابنا: يصله ثوابها. وبه قال الإمام أحمد بن حنبل، وأما الصلاة وسائر الطاعات فلا تصله عندنا ولا عند الجمهور، وقال أحمد: يصله ثواب الجميع كالحج. والله أعلم. قبول الصدقة إذا وضعت فى غير موضعها خطأ أوضح القرآن الكريم مصارف الزكاة فى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤْلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيَضَةً مِن اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، فحيث وجدت صفة من الصفات الثمان استحق صاحبها الصدقة، وصح إعطاؤه زكاة الفريضة، وقد يجمع الشخص الواحد أكثر من صفة، فيعطى بهذه أو بتلك أو بها جميعاً، فيمكن أن يستحق الغنى الزكاة من سهم المؤلفة قلوبهم، أو من سهم العاملين على الزكاة، أو من سهم الغارمين. لكن الغنى الذى لم يتصف بوصف آخر من الأوصاف المذكورة لا يستحق الزكاة المفروضة، ولا تقبل ولا تسقط الفريضة عن صاحبها إن أعطاه وهو يعلم أنه غنى، لا خلاف فى هذا بين العلماء، ولا خلاف فى رجاء القبول والثواب إن أعطى الغنى من الصدقة المندوبة حيث لا يعلم المعطى أنه غنى، أما إعطاؤه مع العلم بغناه فيرجى قبوله بصفة الهبة والهدية لا بصفة الصدقة، كما يرجى قبوله بصفة الصلة إن كان من ذوى الأرحام. والخلاف بين العلماء فى قبول الزكاة، وسقوطها عن صاحبها إذا دفعها لغنى وهو لا يعلم أنه غنى، ثم تبين له أنه غنى، والحديث رقم (٣٤) يتعرض لهذه المسألة، حيث جاء فيه قول الرجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها فى يد غنى، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غنى، قال: ((اللهم لك الحمد على غنى)) فأتى فأخبر أن الله قبل صدقته على غنى، فقد يعتبر هذا الغنى فينفق مما أعطاه الله. ٣٨١ فأبو حنيفة ومحمد وأتباعهما يقولون: إذا أعطى زكاته لشخص وظنه فقيراً فبان أنه غنى سقطت عنه تلك الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة. وقال الشافعى وأبو يوسف: لا يجزيه، وعليه الإعادة، لأنه لم يضع الصدقة موضعها، وأخطأ فى اجتهاده. قاله العينى. ربما يحمل أبو حنيفة لفظ الصدقة فى الحديث على ما يعم النفل والفريضة وربما يخصصها الشافعى بالنافلة المندوبة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، لهذا يقول الحافظ ابن حجر: ولا دلالة فى الحديث على الإجزاء ولا على منعه، من ثم أورد البخارى الترجمة بلفظ الاستفهام، ولم يجزم بالحكم فقال: باب إذا تصدق على غنى وهو لا يعلم. فالذى يحمل الصدقة على المندوبة يقدر جواب ((إذا)» بقوله: فصدقته مقبولة. والذى تستريح إليه النفس أن من بذل الجهد، واستفرغ الوسع، ولم يقصر فى دراسة الآخذ، فاعتقد بعد الاجتهاد والأخذ بالوسائل والأدلة أنه فقير فأعطاه الزكاة سقطت عنه، ويرجى قبولها، وإن تبين فيما بعد أنه كان غنياً، لا تجب الإعادة وإن استحبت خروجاً من الخلاف. لكن لا يستدل على هذا بالحديث، لأن الرجل - كما يبدو- لم يجتهد أصلا، ولم يتحر عند العطاء من يعطى، والأغنياء والفقراء معروفون فى البلاد عادة، والأول لا يحتاج إلى عناء فى تمييزهم وبخاصة ممن يقيم معهم، لكن الرجل كان حريصاً على نفقة السر ولم يكن حريصا على اختيار المستحق. والله أعلم. والواضح من آيات مصارف الزكاة عدم التعرض لصلاح المذكورين أو فسقهم، لكن المعلوم من قواعد الشريعة ونصوصها أن الآخذ يدعو للمتصدق فالله تعالى يقول: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ودعاء الصالح غير دعاء الطالح، وحتى لو لم يدع الآخذ، فإن العطاء يخلق رضا الآخذ على المعطى، ورضا الطائع غير رضا الفاسق، لذا جاء فى الحديث: ((يا معشر المسلمين. أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين)». فكان الأولى بالمتصدق أن يقصد الصالحين المتقين، لكن إعطاء المسلم الفاسق من الزكاة جائز من حيث المبدأ، ولا خلاف فى ذلك، والحديث علل القبول برجاء الاستعفاف. قال الحافظ ابن حجر: فإن قيل: إن الخبر إنما تضمن قصة خاصة، وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية، فمن أين يقع تعميم الحكم؟ فالجواب أن التنصيص فى هذا الخبر على رجاء الاستعفاف هو الدال على تعدية الحكم، فيقتضى ارتباط القبول بهذه الأسباب. اهـ ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم ١- أن الصدقة كانت عندهم فى أيامهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة. ٢- وفيه دليل على أن اللَّه يجزى العبد على حسب نيته فى الخير، لأن هذا المتصدق لما قصد بصدقته وجه الله قبلت منه، ولم يضر وضعها عند من لا يستحقها. ٣٨٢ ٣- وفيه اعتبار لمن تصدق عليه بأن يتحول عن الحال المذمومة إلى الحال الممدوحة، ويستعف السارق من السرقة، والزانية من الزنا، والغنى من إمساكه وشحه. ٤- وفيه فضل صدقة السر. ٥- وفضل الإخلاص فى الصدقة. ٦- وفيه استحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع. ٧- وفيه أن الحكم للظاهر حتى يتبين خلافه. ٨- وفيه بركة التسليم والرضا، وعدم الضجر والأسف. ٩- وفيه متابعة الخير، حتى لو ظهر خطأ، وفى ذلك يقول بعض السلف: لاتقطع الخدمة ولو ظهرلك عدم القبول. والله أعلم. الحث على التعجيل بالإنفاق يحرص الإنسان على جمع المال وإدخاره طالما يحس بحاجته إليه عاجلا أو آجلا، ويحرص على جمع المال وادخاره للتفاخر والتكاثر، وهو ما خشيه صلى الله عليه وسلم على أمته، حيث يقول: ((ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوا فيها». فإذا ما فقد الإنسان هذين الدافعين فقد المال قيمته، ولم يحرص عليه جامعه ولم يسع إليه ساعية. لنتصور غنياً ملئت خزائنة بالذهب والفضة والدر والياقوت، لنتصوره فى غمرات الموت، وقد وصل إلى النهاية وعاين الحقيقة. بعد أن أخرس لسانه وسكنت حركته وبطل تصرفه، ما نظرته إلى ماله الذى أضاع عمره يجرى وراءه؟ إنه سيخلفه وراء ظهره، إنه سينفض يديه ويفتحها ويبسطها، فلم يعد من الدنيا شيء يقبض عليه بيديه. وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَی کَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَّرَّةٍ وَقَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]. ليتصور المؤمن العاقل الكيس هذا الموقف، ويتصور معه قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت)». ويتصور معه قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟)). قالوا: مامنا أحد مال وارثه أحب إليه من ماله، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر)). ماذا يفعل العاقل الكيس إذا استحضر اليوم فى نفسه هذا الموقف وهو صحيح شحيح، يخشى الفقر، ويأمل الغنى؟ أيأخذ من دنياه لآخرته، أم يبنى دنيا هو زائل عنها ومخلفها لغيره؟ أينفق ٣٨٣ ويتصدق ويقدم لنفسه من الخير ليجده عند اللَّه عملا بقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِن خَيْرِ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠] أم يهمل ويمهل ويرجئ الخير ويسوف، حتى إذا بلغت الحلقوم تنبه وندم حيث لا ينفع الندم؟ حتى إذا بلغت الحلقوم قال: أخرجوا من مالى لفلان كذا، ولفلان كذا، يسمعه ورثته ولا يستجيبون، فقد بطل تصرفه ولم يعد المال ماله، فقد صار للوارث فلان وفلان؟. هكذا يقول الحديث (٥٨، ٥٩): جاء رجل إلى النبي ®، فقال: يارسول الله. أى الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان)). ومن قبل تحذير الحديث الشريف حذر القرآن الكريم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ* وَأَنْفِقُوا مِن مَا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتَ فَيَقُولَ رَبِّ لَولا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِن الصَّالِحِينَ* وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجْلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٩-١١]. نعم. فى هذه الحالة يفقد المال قيمته عند صاحبه، ويتحسر على ضياع وقته فى جمعه، وعلى أنه لم يؤد فیه حق ربه. الحالة الثانية التى يفقد المال فيها قيمته يوم يكثر المال ويفيض، يوم تخرج الأرض أثقالها وكنوزها، يوم تتحول الصحارى الجرداء إلى حدائق خضراء تجرى من خلالها الأنهار، يوم تعود الجزيرة العربية القاحلة، وأمثالها من القفار والجبال إلى مروج وبساتين وأنهار، يوم تخرج الأرض كنوزها من الذهب والفضة أمثال الأعمدة التى تحمل القصور، يوم تخرج الأرض كنوزها من البترول و((اليورانيوم)) واللآلئ والجواهر والمعادن النفيسة، فيفيض المال ويكثر، حتى يصبح فى أيدى الناس وتحت أقدامهم مثل التراب. نعم. وإن ذلك لكائن وأكثر منه سيكون، وقد ظهرت بوادره فى بعض البقاع. يومها يحتقر القاتل نفسه ويقول: فى مثل هذا التافه قتلت نفساً بغير حق، ويحتقر السارق نفسه ويقول: فى مثل هذا الحقير الوفير قطعت يدى، ويجىء المغتصب لمال إخوته والمقاطع لأبيه وأمه وأقاربه من أجل المال فيحتقر نفسه ويقول: فى مثل هذا الهين قطعت رحمى، يمرون على الذهب والفضة فيضمون شفاههم احتقاراً له، ويشيحون عنه بوجوههم، وينصرفون لا يأخذون منه شيئًا. تخيل معى رجلا يخرج بزكاته فى هذه الحالة. من ينظر إليها؟ من يتقبلها منه؟ سيقول له الناس: لوجئتنا بها قبل هذه الحالة قبلناها، أما اليوم فلا حاجة لنا بها. وحينئذ يندم الممسك الشحيح على ما قصر، ولات ساعة مندم. ٣٨٤ تحدثنا عن هذه الحالة الأحاديث (٢٤)، (٢٥)، (٢٦)، (٢٧)، (٢٨) وفيها يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «تصدقوا. فيوشك الرجل يمشى بصدقته فيقول الذى أعطيها: لوجئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لى بها، فلا يجد من يقبلها)). ((ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب لا يجد أحداً يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة؛ يلذن به، من قلة الرجال؛ وكثرة النساء)). ((لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله، فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا)). ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، يفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل، فيقول: لا أرب لى فيه)». ((تقىء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجىء القاتل؛ فيقول: فى هذا قتلت. ويجىء القاطع، فيقول: فى هذا قطعت رحمى، ويجىء السارق، فيقول: فى هذا قطعت يدى، ثم يدعونه، فلا يأخذون منه شيئاً. والله أعلم ٣٨٥ (٢٩٢) باب الاستعفاف عن المسألة ٢٠٧٤ - ٤ ٩ْ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٩٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَقُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ». ٢٠٧٥-٥° عَن حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ ◌َ﴾(٩٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَن ظَهْرٍ غِنَّى وَالْيَدُ الْعُلْيَّا خَيْرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ». ٢٠٧٦ - ١٦ْ عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ﴾(٩٦) قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَّةٌ. فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ تَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ. وَمَنْ أَخَذَهُ يِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ. وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَى». ٢٠٧٧ - ٣جْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾(٩٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣«يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرِّ لَكَ. وَلا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ. وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ. وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَى». ٢٠٧٨- ◌ْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَامِرِ الْيَحْصَبِيّ(٩٨) قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَّةَ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ إِلا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدٍ عُمَرَ؛ فَإِنَّ عُمَرَ كَانٌ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ وَهُوَ يَقُولُ «مَنْ يُرِدْ اللّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقَّهْهُ فِي الدِّينِ» وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ ﴿ يَقُولُ «إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ فَيْبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنِ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهٍ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبِعُ». (٩٤) حَذَّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَن نَافِعٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (٩٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَمُحَمَّدُ بْنٌّ حَاتِمْ وَأَحْمَذَّ بْنُ عَبْدَةَ جَمِيعًاً عَنْ يَحِى الْقَطََّنِ قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ حَدََّا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانٌ قَالَ سَمِعْتٌ مُوسَى بْنَ طَلْحَةٌ يُحَدِّثُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ (٩٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنِ الْزُّهْرِيِّ عَنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبِيْرِ وَسَعِيدٍ عَنِ حَكِيمٍ بْنِ حِزّامٍ (٩٧) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنَّ عَلِيّ الْجَهْضَمِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالُواَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنَّ عَمَّارٍ حُدَّقْنَا شَدَّادٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أَمَامَةٌ (٩٨) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا زَبْدُ بْنُ الْحُبَّابِ أَخْبَرَبِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَامِرٍ ٣٨٦ ٢٠٧٩ - ١٩° عَن مُعَاوِيَةً﴾(٩٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «لا تُلْجِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللَّهِ لا يَسْألُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلُهُ مِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِةٍ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ». ٢٠٨٠ - ◌ْعَن مُعَاوِيَّةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضى اللَّه عنهما (١٠٠) وَهُوَ يَخْطُبُ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ يَقُولُ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ». ٢٠٨١ - ١ْا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَعَ﴾(١٠١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ «لَيْسَ الْمِسْكِيْنُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الْذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالْتَّمْرَتَانِ» قَالُوا فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «الْذِي لا يَجِدُ غِنِّى يُغْنِيهِ وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيْتَصَدَّقَ عَلَّيْهِ وَلا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا)». ٢٠٨٢ - ١٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌ِ﴿ قَالَ «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلا اللَّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا». ٢٠٨٣ - ٣ ١ عَنْ حَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١٠٣) عَن أَبِيهِ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ ﴿ قَالَ «لا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». ٢٠٨٤ - - عَن أَخِي الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ «مُزْعَةُ». ٢٠٨٥ - ٤ُمْ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ (١٠٤) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» .. (٩٩) حَدًَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثْنَا سُفْيَاهُ عَنِ عَمْرِو عَنِ وَهْبٍ بِنِ مُنَّهِ عَن أَخِيهِ هَمَّامٍ عَنِ مُعَاوِيَةٌ - حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ حَدَّثَيَي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ بِصَنْعَاءٌ فَأَطْعَمَّنِي مِن جَّوْزَةٍ فِي دَارِهِ عَنِ أَخِيهِ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ فَذَكَرَ مِثْلَةٌ. (١٠٠) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً (١٠١) حَدَّثْنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزَّامِيَّ عَنْ أَبِيِ الزَّادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِيٍ مُرَيْرَةَ (١٠٢) حَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ أَيُوبَ وَقْتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ابْنُ أَيُوبَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنَّ جَعْفَرٍ أَخْبَرَبِي شَرِيكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وحَدَِّيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرِّيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ أَخْبَرَنِي عَطَّاءُ بْنُ يَسَارٍ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَّيْرَةً يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَى بِمِثْلٍ حَدِيثٍ إِسْمَعِيلَ. (١٠٣) وحَدََّا أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَذَّنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى عَن مَعْمَرٍ عَنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةً ابْنِ عَبْدِ اللهِ عَن أَبِهٍ - وَحَدَّثَنِي عَمْرٌوِ النَّاقِدُ حَدَّثَنِي إِسْمَعِيلٌ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرْنَا مَعْمَرٌ عَن أَخِي الزُّهْرِيِّ (١٠٤) حَدَّتِي أَبُو الطّاهِرِ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍَ أَخْبَرَبِي اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِّي جَعْفَرٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَّرَ ٣٨٧ ٢٠٨٦ - ٣٥ ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ:﴿: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثِّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْفِرْ». ٢٠٨٧ - ٣٦ ١ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠٩) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ يَقُولُ «لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِن النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِن أَنْ يَسْأَلَ رَجُلا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِن الْيَدِ السُّفْلَى. وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». ٢٠٨٨ - - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ النّبِيُّلَ﴿: «وَاللَّهِ لِأَن يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَِعَهُ» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ بَيَانٍ. ٢٠٨٩ - ١:٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَعَ﴾(١٠٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ«لأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةٌ مِن حَطَبٍ فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَتِيعَهَا، خَيْرٌ لَهُ مِن أَنْ يَسْأَلَ رَجُلا يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ». ٢٠٩٠ - ١٨ عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيَِّه(١٠٨) قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ْ تِسْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ فَقَالَ «أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ. فَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ «أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟» فَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ «أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟» قَالَ فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنًا وَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ «عَلَّى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتُطِيعُوا (وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةٌ) وَلا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا». فَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. ٢٠٩١ - ١/١٩ عَن قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقِ الْهِلالِيِّ ◌َ﴾(١٠٩) قَالَ تَحَمَّلْتُ حَمَالَةٌ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَ* أَسْأَلُهُ فِيهَا. فَقَالَ «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَّنَا الصَّدَقَّةُ فَتَأْمُرَ لَكَ بِهَا». قَالَ ثُمَّ قَالَ «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ (١٠٥) حَدَّثَنَا أَبُوٍ كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً (١٠٦) حَدَّثَنِي هَنَّاذُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ عَن بَيَانِ أَبِي بِشْرِ عَنِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً - وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثْنَا يَحْثَى بْنُ سَّعِيدٍ عَنِ إِنَّمَعِيَلَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بَّنْ أَبِي خَازِمٍ قَالَّ أَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةٌ فَقَالَ (١٠٧) حَدَّثِّي أَبُو الطَّاهِرِ وَيُونُسُُّ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالا حَدَّثَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُوَ بْنُ الْخَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَن أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَّى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرِيْرَةً عَنْ يَقُولُ (١٠٨) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ (قَالَ سَلَمَةُ حَدَّثَنَا وَقَالَ الدَّارِمِيُّ أَخْبُرْنَا مَرْوَاهُ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) حَدََّّا سَعِيدٌ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) عَنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَئِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمِ الْخَوْلانِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَبيبُ الأَمِينُ أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ وَأَمَّاَ هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ عَوْفُ بْنَّ مَالِكٍ (١٠٩) حَدَّثَنَا يَحْتِى بَّنُ يَحْتِي وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ يَحْتِى أَخْبُرَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِتَابٍ حَدَّفِي كِتَانَةُ بْنُ نُعَيْمِ الْعَدَوِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ ٣٨٨ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لِأَحَدٍ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيْشٍ (أَوْ قَالَ سِدَادًا مِن عَيْشٍ)، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِن ذَوِي الْحِجَا مِن قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيْشٍ (أَوْ قَالَ سِدَادًا مِن غَيْشٍ). فَمَا سِوَاهُنَّ مِن الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُخْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». ٢٠٩٢ - ١ ١ عَن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ(١١٠) عَن أَبِيهِ ﴿ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ ع ◌ُه يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يُعْطِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةٌ مَالا فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «خُذْهُ وَمَا جَاءَكَ مِن هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ. وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». ٢٠٩٣ - ١١ ١ عَن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١١) عَن أَبِهِ حَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ع ◌َهِ الْعَطَاءَ. فَيَقُولُ لَهُ عُمَّرُ أَعْطِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ﴾ «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ. وَمَا جَاءَكَ مِن هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ. وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» قَالَ سَالِمٌ فَمِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًاً وَلا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ. ٢٠٩٤ - ١٣ ١ عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيّ ١١٢) أَنَّهُ قَالَ اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴿ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ. فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلْهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَعَمَّلَنِي فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ﴿: «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِن غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدْقْ». ٢٠٩٥ - - عَن ابْنِ السَّعْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴿هَ عَلَى الصَّدَقَّةِ بِمِثْلٍ حَدِيثِ اللَّيْثِ. (١١٠) وحَدَّثَّا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ح وَحَدَِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي يُوتُسُ عَن ابْنٍ شھَابٍ عَن سِّالِمٍ. (١١١) وَحَدَّثَتِي أَبُو الْطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ سَّالِمِ - وحَدَّثَنِّي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ عَمْرٌوِ وَحَدَّثَبِي ابْنَّ شِهَابٍ بِمِثْلٍ ذَلِكَ عَنِ السََّئِبِ بْنِ يَزِيدَ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ ◌َنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَّهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِلَل. (١١٢) حَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدًَّا لَيْثٌ عَنِ بُكَيْرِ عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ - وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثْنَا ابْنُ وَقَّبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عْنِ بُكَيْرٍ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ يُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ ٣٨٩ المعنى العام قال حكيم: من مديده لا يمد رجله. ومقابلها من لم يمد يده يمد رجله، والمعنى من لم يأخذ من غيره لا يذل له، ومن أخذ ذل، وسؤال الإحسان مذلة. ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةَ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. ولا يختلف اثنان من أهل العزة والكرامة فى أن المعطى خير من الآخذ، ولا يختلف اثنان ممن يرفعون رءوسهم فى أن سؤال الإحسان من الغير مذلة، وإراقة لماء الوجه، وصدق رسول اللّه ◌ُ * حين يقول: ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتى يوم القيامة وليس فى وجهه مزعة لحم)». فالسؤال يذيب لحم الوجه وشيئاً فشيئاً، وسؤالا بعد سؤال يكلح وجه السائل فى الدنيا، ويبعث يوم القيامة معلماً واضحاً مفضوحاً بين الخلائق، فوجهه عظام وهيكل لا لحم فيه. بل كل سؤال يسأله السائل مع القدرة على الاستغناء عنه يؤثر فى الوجه علامة خدش، فإذا تعدد كان خدوشاً فإذا زاد أذاب لحم الوجه، منظر بشع، وعقاب من جنس العمل. من لم يحفظ ماء وجهه فى الدنيا، لم يجد لحم وجهه فى الآخرة. لقد كان السائل يسأل فى الدنيا ليزداد مالا، وليزداد من وراء ذلك وجاهة ومكانة، فكان عقابه فى الآخرة نقيض دوافعه وأهدافه. إن الإسلام حين حث على الإعطاء، وحذر من الإمساك، ونهى عن نهر السائل ورده بجفاء، قصد السائل المحروم، الذى لا يجد ما يكفيه، والذى يضطر إلى السؤال ليجد لقمة أولقمتين، أو تمرة أو تمرتين، ومع ذلك نبه الشارع المسلم إلى الاهتمام بالمستحق غير السائل أكثر من الاهتمام بالمستحق السائل: ((ليس المسكين الذى يطوف على الناس فترده اللقمة أو اللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين المتعفف، الذى لا يجد ما يكفيه، ولا يسأل الناس، فلا يفطن له المتصدقون». إن الإسلام دين كفاح وعمل وإنتاج، يبنى الدنيا ويعمل للآخرة، يدعو المسلم للعمل فى دنياه كما لو كان يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً، حين أمره بترك البيع والشراء من أجل صلاة الجمعة عقب صلاتها بالدعوة للعمل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وفى سبيل بناء الحياة الدنيا وجه إلى العمل والإنتاج، وحذر من الكسل والخذلان: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب حزمة من الحطب، فيحملها على ظهره فيبيعها، فيتصدق وينفق على نفسه ويستغنى عن الناس خيرله من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)». وفى سبيل الرضا والقناعة والكسب الحلال، وذم الشره، والحرص الذى يدفع للسؤال والتكاثر يحذر برفق، فيقول: إن هذا المال كفاكهة خضرة حلوة تجرى وراءها النفوس، فمن أخذها بنفس طيبة من نفس طيبة بورك له فيه، ومن أخذه من طريق غير مشروع، أو أخذه ٣٩٠ من الغير بشراهة، أو بإحراج الآخرين لم يبارك له فيه، ويحس بالفقر بين عينيه مهما كثر ماله، ويكون كالذى يأكل ولا يشبع. إن السؤال نفسه ذل، وإن ما يأتى عن طريقه سحت، فلا يحل السؤال وما يحصله إلا فى حالات ثلاث: الأولى: أن يتحمل الرجل غرماً لإصلاح ذات البين، ولا تغطى أمواله هذا الغرم، فله أن يسأل لسداد هذا الغرم، فهو مسئولية المسلمين. الثانية: أن يصاب بكارثة علنية مفاجئة تأتى على ماله، فله أن يسأل حتى يحصل ما به كفافه. الثالثة: أن يخسر فى عمله، فيفصل من وظيفته، أو تخسر تجارته، أو تكسد صنعته، ولا يجد الكفاف ويحتاج العون، فيشهد بحالته العالمون بأمره، فيحل له أن يسأل حتى يحصل ما به كفافه، وفيما عدا هذه الحالات لا يحل السؤال ويكون ما يحصل به سحتاً وحراماً. ولقد خشى الصحابة من كثرة التحذير من السؤال حتى ابتعدوا عن سؤال العون فى الشىء الحقير. رضى الله عنهم وأرضاهم. المباحث العربية (اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة. والسفلى السائلة) قال القرطبى: وقع تفسير اليد العليا والسفلى فى حديث ابن عمر هذا، وهو نص يرفع الخلاف، ويدفع تعسف من تعسف فى تأويله ذلك. اهـ قال الحافظ ابن حجر: لكن ادعى أبو العباس الدانى فى ((أطراف الموطأ)» أن التفسير المذكور مدرج فى الحديث، ولم يذكر مستنداً لذلك. ثم وجدت فى ((كتاب العسكرى فى الصحابة)) بإسناد له فيه انقطاع عن ابن عمر أنه كتب إلى بشربن مروان إنى سمعت النبى 20 يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلى)) ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية. فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر: ((كنا نتحدث أن العليا هى المنفقة)». ثم قال الحافظ ابن حجر: قال أبو داود: قال الأكثر: عن حماد بن زيد: اليد العليا المنفقة. وقال غير واحد عنه: المتعففة. والطبرانى بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعا: «يد اللّه فوق يد المعطى، ويد المعطى فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدى)). ولأبى داود من حديث عوف بن مالك عن أبيه مرفوعاً: ((الأيدى ثلاثة، فيد اللَّه العليا، ويد المعطى التى تليها، ويد السائل السفلى)». ولأحمد والبزار: ((اليد المعطية هى العليا، والسائلة هى السفلى)). فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هى المنفقة المعطية، وأن السفلى هى السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور. وقيل: ٣٩١ اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال أم بغير سؤال، وهذا أباه قوم، واستندوا إلى أن الصدقة تقع فى يد الله قبل يد المتصدق عليه. قال ابن العربى: التحقيق أن السفلى يد السائل، أما يد الآخذ فلا. ثم قال الحافظ: يد الآدمى أربعة، يد المعطى وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا. ثانيها يد السائل. وقد تضافرت بأنها سفلى، سواء أخذت أم لا، وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالباً، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتق منهما. ثالثها يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطى مثلا، وهذه توصف بكونها عليا علواً معنوياً. رابعها يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، أما المعنوى فلا يطرد، فقد تكون عليا فى بعض الصور. قال ابن حبان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة، لا الآخذة بغير سؤال، فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذى يعطى. اهـ وعن الحسن البصرى: اليد العليا المعطية، والسفلى المانعة.اهـ. ولم يوافق عليه. وأطلق آخرون من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقاً. قال ابن قتيبة: وما أرى هؤلاء إلا قوماً قد استطابوا السؤال، فهم يحتجون للدناءة.اهـ ثم قال الحافظ: ومحصل ما فى الآثار المتقدمة أن أعلى الأيدى المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال؛ وأسفل الأيدى السائلة والمانعة. والله أعلم. انتهى بتصرف. (أفضل الصدقة -أو خير الصدقة- عن ظهر غنى) الشك من الراوى، ورواية البخارى ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)). قال الخطابي: الظهر قد يزاد فى مثل هذا إشباعاً للكلام.اهـ قال الحافظ ابن حجر: والتذكير للتعميم، والمعنى: خير الصدقة ما فضل بعدها غنى لصاحبها، أى التى لا تستغرق مال صاحبها، بل تبقى قوته وقوت عياله وحاجاته. قال النووي: معناه أفضل الصدقة ما بقى صاحبها بعدها مستغنياً بما بقى معه، وتقديره: أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها، ويستظهر به على مصالحه وحوائجه. اهـ والتقدير أفضل الصدقة المتجاوزة غنى، وليس التقدير: الناشئة عن غنى وتستغرقة، ولذلك قال بعده: ((وابدأ بمن تعول)» وسيأتى زيادة إيضاح للمراد فى فقه الحديث. (وابدأ بمن تعول) يقال: عال الرجل أهله إذا قام بمؤنتهم وما يحتاجون إليه من القوت والكسوة والمسكن وغيرها، والمعنى: ابدأ بمن يجب عليك مؤنتهم ونفقتهم، فالجملة مؤكدة لصدر الحديث. (سألت النبي # فأعطانى) بين إسحق بن راهويه فى ((مسنده)» سبب السؤال وهو: «أن النبى * أعطى حكيم بن حزام من العطاء أقل مما أعطى أصحابه، فقال حكيم: يا رسول الله ما كنت أظن أن تقصربى دون أحد من الناس فزاده، ثم استزاده حتى رضى)). اهـ و((حكيم)) بفتح ٣٩٢ الحاء ابن حزام بكسر الحاء وتخفيف الزاى، ولد فى بطن الكعبة، عاش فى الجاهلية ستين سنة وفى الإسلام ستين سنة، وأعتق مائة رقبة، وحمل على مائة بعير فى الجاهلية، وحج فى الإسلام ومعه مائة بدَنَة، ووقف بعرفة بمائة رقبة، فى أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: عتقاء الله عن حكيم بن حزام، وأهدى ألف شاة، ومات بالمدينة سنة ستين من الهجرة، وقيل سنة أربع وخمسين. (إن هذا المال خضرة حلوة) ((خضرة)) بفتح الخاء وكسر الضاد، وهو خبر، وأنثه على تقدير المبتدأ مؤنثاً من حيث المعنى، إذ المراد من المال الدنيا، فكأنه قال: إن هذه الدنيا كفاكهة خضرة حلوة. قال النووي: شبهه فى الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشد. (فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه) فى رواية البخارى ((فمن أخذه بسخاوة نفس)) قال القاضى: فيه احتمالان. أظهرهما أنه عائد على الآخذ، ومعناه: من أخذه بغير سؤال ولا إشراف نفس ولا شره ولا تطلع ولا إلحاح بورك له فيه. والاحتمال الثانى أنه عائد إلى الدافع، ومعناه: من أخذه ممن يدفع منشرحاً بدفعه إليه طيب النفس بما يعطى من غير سؤال اضطره إليه أو أخرجه له أو نحو ذلك مما لا تطيب معه نفس الدافع بورك له فيه. (ومن أخذه بإشراف نفس) الإشراف على الشيء الاطلاع عليه والتعرض له، والمراد شدة حرص السائل عليه وطمعه فيه وهو فى هذه الجملة عائد على السائل فقط. (وكان كالذى يأكل ولا يشبع) كنوع من المرض، كلما أكل احترق الأكل وخرج، بسبب ما به من علة، ويسمى بالجوع الكاذب، وقيل: أراد تشبيهه بالبهيمة الراعية. والمقصود التنفير. (يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شرلك) قال النووي: هو بفتح همزة ((أن)) ومعناه إن بذلت الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه، وإن أمسكته فهو شرلك، لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن المندوب فقد حرم ثوابه، وفوت مصلحة نفسه فى آخرته، وهذا كله شر. اهـ وفتح همزة ((أن)) جعل الكلام فى حاجة إلى تقدير وتمحل، فتكن ((أن)) وما دخلت عليه فى تأويل مصدر بدل من الكاف اسم ((إن)) أى إن بذلت الفضل. وكسرها أقرب إلى انسياب الكلام واتساقه. ولعل ضبط النسخة فى الأصول هو الذى حكمه، وخصوصاً أن تفسيره وشرحه على كسر الهمزة. (ولا تلام على كفاف) أى لا تلام على إمساك إن لم يكن عندك زيادة على الحاجة، فالكفاف قدر الحاجة. (إياكم وأحاديث) بعض النسخ ((إياكم والأحاديث)) أى احذروا الإكثار من الأحاديث بدون تثبت من صحتها. (إلا حديثاً كان فى عهد عمر) قال النووى: مراد معاوية النهى عن الإكثار من الأحاديث بغير ٣٩٣ تثبت، لما شاع فى زمنه من التحدث عن أهل الكتاب وما وجد فى كتبهم حين فتحت بلدانهم، وأمرهم بالرجوع فى الأحاديث إلى ما كان فى زمن عمر ته لضبطه الأمر وشدته فيه، وخوف الناس من سطوته ومنعه الناس من المسارعة إلى الأحاديث وطلبه الشهادة على ذلك، حتى استقرت الأحاديث، واشتهرت السنن. (إنما أنا خازن) فى الرواية السابعة ((وإنما أنا قاسم ويعطى اللَّه)) قال النووى: معناه أن المعطى حقيقة هو اللَّه تعالى. ولست أنا معطياً، وإنما أنا خازن على ما عندى، ثم أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به، فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره، والإنسان مصرف مربوب.اهـ وفائدة هذه الجملة دفع توهم التسلط والتحكم فى العطاء والمنع. (فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه) ((من)) اسم شرط، وقوله: ((فيبارك)» برفع الفعل على الاستئناف، على تقدير فهو يبارك له فيه، والجملة فى محل جزم جواب الشرط. (لا تلحفوا فى المسألة) قال النووى: هكذا هو فى بعض الأصول ((فى المسألة)» بالفاء، وفى بعضها بالباء، وكلاهما صحيح، والإلحاف الإلحاح. اهـ والمراد من المسألة طلب العطاء أو الصدقة. (ليس المسكين بهذا الطواف الذى يطوف على الناس) فى الرواية التاسعة ((ليس المسكين بالذى ترده التمرة والتمرتان)» فالباء فى ((بهذا الطواف)) وفى ((بالذى ترده)) زائدة فى خبر ((ليس))، و((ال)) فى ((المسكين)) للكمال، قال النووى: معناه المسكين الكامل المسكنة، الذى هو أحق بالصدقة، وأحوج إليها ليس هو هذا الطواف، إنه بمسألته يأتيه الكفاف، إنما المسكين الكامل هو الذى لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، ولا يسأل الناس، وليس معناه نفى أصل المسكنة عن الطواف، بل معناه نفى كمال المسكنة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. اهـ وكقولنا: ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث. والمراد من الطواف على الناس المتردد عليهم يمد يده ويسألهم. (قالوا: فما المسكين؟) الأصل عند جمهور النحاة أن ((من)) تستعمل فى العاقل، و ((ما)» فى غير العاقل، فكان الظاهر أن يقال: فمن المسكين؟ لكنه إذا قصد الوصف جاز استعمال ((ما)» فى العاقل. قال النووي: هكذا هو فى الأصول كلها ((فما المسكين)»؟ وهو صحيح، لأن ((ما)» تأتى كثيرا الصفات من يعقل، كقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. والمسكين مشتق من السكون، وهو عدم الحركة، فكأنه بمنزلة الميت، وهو بكسر الميم، وفتحها نادر، ويطلق على الذليل الضعيف، فيقال: تمسكن الرجل والفقر - كما قال القزاز -أصله فى اللغة من ٣٩٤ فقار الظهر، كأن الفقير كسر فقار ظهره، فبقى له من جسمه بقية. والفقر بفتح القاف ضد الغنى، وقد تكسر الفاء. وسيأتى فى فقه الحديث الفرق الشرعى بين الفقير والمسكين. (حتى يلقى الله وليس فى وجهه مزعة لحم) المزعة بضم الميم وسكون الزاى، وحكى كسر الميم القطعة. قال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد أنه سيأتى ساقطاً، لاقدر له، ولا جاه [فهو كناية عن الوجاهة ووجهاء القوم] أو يعذب فى وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة فى مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله فيكون ذلك شعاره الذى يعرف به. وقال ابن أبى جمرة: معناه أنه ليس فى وجهه من الحسن شىء، لأن حسن الوجه هو مما فيه من اللحم. (ما يزال الرجل يسأل) وفى الرواية العاشرة ((لا تزال المسألة بأحدكم)) وفى ذلك إشارة إلى أن الحكم موقوف على تكرار السؤال وكثرته، قال النووي: وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالا منهياً عنه وأكثر منه. (من سأل الناس أموالهم تكثرا) أى من سأل ليجمع الكثير من غير احتياجه إليه، وعند الترمذى ((من سأل الناس ليثرى ماله كان خموشاً فى وجهه يوم القيامة، فمن شاء فليقل، ومن شاء فليكثر)». (فإنما يسأل جمرا) قال النووى: قال القاضى: معناه يعاقب بالنار، ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الله بأخذه يصير جمراً، يكوى به، كما ثبت فى مانع الزكاة. (فليستقل أوليستكثر) الأمر للتهديد والوعيد والتهكم، وليس لطلب السؤال القليل أو الكثير، وليس لطلب تحصيل الجمر القليل أو الكثير. (لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره) الغدو الذهاب أول النهار، قال النووى: هكذا وقع فى الأصول ((فيحطب)) بغير تاء بين الحاء والطاء فى الموضعين، وهو صحيح. اهـ وفى رواية البخارى ((يغدو إلى الجبل فيحتطب)) أى يجمع الحطب، فيحمله على ظهره. (فيتصدق به) أى على نفسه، وعلى من تلزمه نفقته، فالنفقة على النفس صدقة، وليس المراد التصدق على الفقراء الأجانب، بدليل الجملة التالية. (ويستغني به من الناس) ((من الناس)) بالميم هكذا هو فى النسخ، وفى نادر منها ((عن الناس)) بالعين وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثانى. (خيرله من أن يسأل رجلا) ((خير)) خبر المصدر المنسبك من ((أن يغدو)» أى لغدو أحدكم ... خير له، و((خير» أفعل التفضيل على غير بابه، فسؤال الناس لا خير فيه. قال الحافظ ابن حجر: ٣٩٥ ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسميته الذى يعطاه خيرًا وهو فى الحقيقة شر. (أعطاه أو منعه) ففى الإعطاء منة وذل سؤال، وفى المنع ذلة وخيبة وحرمان. (لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب) أى لأن يعالج ويجمع ويحزم حزمة. (وكنا حديث عهد ببيعة) يعتذر بهذه الجملة عن عدم المسارعة ببسط اليد وقبول البيعة المطلوبة، فكأنهم ظنوا أن البيعة المطلوبة على ما بايعوا عليه فى البيعة السابقة، وظنوا أن الرسول وت قد نسى مبايعتهم، ولم يفهموا المطلوب إلا بعد تكرار العرض. (وتطيعوا -وأسر كلمة خفية-) لم أقف على هذه الكلمة، ولعلها: وتطيعوا الرسول وأولى الأمر وإن ولى عليكم عبد حبشی. (ولا تسألوا الناس شيئاً) حمله هؤلاء النفر على عموم سؤال الناس شيئاً دنيوياً، ولم يقصروه على الصدقة والعطاء المالى. (تحملت حمالة) الحمالة بفتح الحاء هى المال الذى يتحمله الإنسان، ويدفعه فى إصلاح ذات البين. وخصها النووى بالاستدانة لأجل الإصلاح. وسهمها فى الزكاة سهم الغارمين. (أسأله فيها) أى أسأله الإسهام والمساعدة فيها. (أقم حتى تأتينا الصدقة) أى أقم معنا فى المدينة. أى انتظر حتى تأتينا الزكاة من العاملين عليها. (فنأمرلك بها) أى بالحمالة، أو بالمساعدة فيها. (فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك) أى حتى يصيب ويحصل على الحمالة، ثم يمسك عن المسألة. (ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله) أى أصابته مصيبة من غرق أو حرق أو هدم أو نحو ذلك من البلايا العامة المفاجئة. (فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو سداداً من عيش) قال النووى: القوام والسداد بكسر القاف والسين، وهما بمعنى واحد، وهو ما يغنى من الشيء وما تسد به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئاً فهو سداد، بالكسر، ومنه سداد الثغر والقارورة، وقولهم: سداد من عوز أى كفاية بعد حاجة. ٣٩٦ (ورجل أصابته فاقة) أى فقر وحاجة بعد غنى وكفاية. (حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجا من قومه) غاية لمحذوف وتقديره لا تحل له المسألة حتى يقوم ثلاثة. قال النووى: ((يقوم ثلاثة)» هكذا هو فى جميع النسخ، وهو صحيح، أى يقومون بهذا الأمر، فيقولون: و ((الحجا)) هو العقل، وشرط لإفادة التعقل فى الشهادة، إذ لا تقبل من مغفل، وشرط ((من قومه)» لأنهم هم الذين من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى فى العادة -والفاقة مما تخفى كثيراً - فلا يعلمه إلا من كان خبيراً بصاحبه. وأما اشتراط الثلاثة ففيه خلاف عند العلماء يأتى فى فقه الحديث. (فما سواهن من المسألة سحقاً) قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((سحتاً))، ورواية غير مسلم ((سحت)). وهذا واضح - أى الرفع واضح، لأنه خبر ((ما)) -ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار -عامل النصب- أى أعتقده سحتاً، أو يأكل سحتاً. اهـ والجملة خبر ((ما)). (يأكلها صاحبها سحقاً) ضمير ((يأكلها)) عائد إلى المسألة باعتبار ما يحصل منها، والمراد بالأكل مطلق الانتفاع، والسحت ما خبث وقبح من المكاسب، فلزم عنه العار، كالرشوة ونحوها، وأصل سحت الشيء سحتاً استأصله، وسحت البركة أذهبها. (يعطينى العطاء) أى يعرض على العطاء. (أعطه أفقر إليه منى) أى أحوج إليه منى، فعمر لم يكن فقيراً. (خذه) هذا المطلق فى الأمر بالأخذ محمول على المقيد الآتى. أى خذه وأنت غير مشرف ولا سائل. (وما لا فلا تتبعه نفسك) أى مالم يوجد فيه هذا الشرط فلا تأخذه، ولا تعلق نفسك به، أى ما لا يجيء إليك بدون سؤال فلا تعلق نفسك به، ولا تستمر فى رغبة النفس فيه وميلها إليه، واتركه. (خذه فتموله أو تصدق به) يقال: تمول المال إذا اتخذه قنية، أى اقتناه وادخره. (عن ابن الساعدى المالكى) قال النووى: قوله: ((المالكى))، صحيح منسوب إلى مالك بن حنبل بن عامر، وأما قوله: ((الساعدى)) فأنكروه، قالوا: وصوابه ((السعدى)) كما رواه الجمهور، منسوب إلى بنى سعد بن بكربن هوازن، لأن أباه عمرو بن وقدان استرضع فى بنى سعد. واسم ابن السعدى هذا أبو محمد عبد اللَّه، صحب رسول الله: ﴿ قديماً، وقال: وفدت فى نفر من بنى سعد بن بكر إلى رسول اللّه : #. سكن الشام.اهـ (استعملنى عمر على الصدقة) أى جعلنى عاملا على جمعها. (أمرلى بعمالة) بضم العين، وهى المال الذى يعطاه العامل نظير عمله. ٣٩٧ (عملت على عهد رسول اللّه فعملنى) بتشديد الميم أى أعطانى عمالة، أجرة عملى. فقه الحديث تتعرض الأحاديث إلى سؤال الناس من الصدقة أو من العطاء، كما تتعرض تبعاً إلى إعطاء المعطى، وإلى أى مدى يعطى من ماله، وسنتكلم عن النقطة الثانية، لطول الكلام عن النقطة الأولى. والله ولى التوفيق. ١- يؤخذ من الحديث الأول ((أفضل الصدقة عن ظهر غنى)). ((وابدأ بمن تعول)) ومن الحديث الثالث ((إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول)» يؤخذ من هذا أن أفضل الصدقة ما كان زائداً على الحاجة. قال النووي: وقد اختلف العلماء فى الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحب لمن لا دين عليه، ولا له عيال يصبرون، بشرط أن يكون ممن يصبر على الفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه. قال القاضى: جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يرد جميعها -أى ترد الصدقة بالمال جميعه إلى صاحبه- وهو مروى عن عمر بن الخطاب ظه، وقيل: ينفذ فى الثلث وهو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف ردت الزيادة، ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله وأن يقتصر على الثلث. اهـ وقد ترجم البخارى للموضوع بقوله: باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاجون، أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة وهو رد عليهن ليس له أن يتلف أموال الناس. اهـ ويمكن أن يحتج لهذا الرأى بقصة المدبر فإنه صلى الله عليه وسلم باعه، وأرسل ثمنه إلى الذى دبره لكونه كان محتاجاً، كما جاء فى الحديث رقم (٦) فى الباب السابق، وفيه ((ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذى قرابتك، فإن فضل عن ذى قرابتك شيء فهكذا وهكذا )». فتحصل ثمانية أقوال فى هذه المسألة: الأول: أن الصدقة بجميع المال جائزة مطلقاً، نقله القاضى عن جمهور العلماء، وأئمة الأمصار، ويمكن أن يستدل له بتبرع أبى بكر بجميع ماله، وقد جاء هذا فى حديث مرفوع أخرجه أبو داود وصححه الترمذى والحاكم عن عمر بن الخطاب قال: أمرنا رسول اللّه ﴿ أن تتصدق، فوافق ذلك مالاً عندى، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالى، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له النبى ₪: ((يا أبا بكر. ما أبقيت لأهلك؟)) قال: أبقيت لهم اللَّه ورسوله. القول الثاني: أن الصدقة بجميع المال جائزة بشروط، فإن فقدت هذه الشروط كانت مكروهة، غير محرمة، وهى نافذة لا ترد، نسب الطبرى هذا القول للجمهور، وقال: من تصدق بماله كله فى صحة بدنه، وعقله، حيث لا دين عليه، وكان صبوراً على الضيق، ولا عيال له، أوله عيال يصبرون ٣٩٨ أيضاً فهو جائز، فإن فقد شيء من هذه الشروط كره. اهـ ويمكن حمل فعل أبى بكر على استيفائه هذه الشروط. القول الثالث: وهو ما نسبه النووى إلى مذهب الشافعية، وهو أنه يستحب بالشروط المذكورة، فإن فقد شرطاً كره، فهذا القول قرب من القول الثانى، والفرق هو الاستحباب بدل الجواز. القول الرابع: أن الصدقة بكل المال جائزة بالشروط المذكورة فى القول الثانى مضافاً إليها أن لا يصير المتصدق محتاجاً بعد صدقته إلى أحد، بأن يكون قادراً -بعد الصدقة- على الحاجة الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، له ولمن تلزمه نفقته، وبدون هذا لا يصح الإيثار، بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره فى هذه الحالة عرَّض نفسه إلى الهلاك أو الإضرار أو كشف عورته أو عورة من تجب عليه نفقته، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار والصدقة، وكان له أجرما يتحمل من مضض الفقر، وشدة مشقته، وهذا القول هو المختار. القول الخامس: أن الصدقة بجميع المال مكروهة، حتى مع الشروط المذكورة، أو هى على الأقل خلاف الأولى، لأن من تصدق بالجميع يندم غالباً، أو قد يندم إذا احتاج، ويود أنه لم يتصدق، بخلاف من أبقى ما يغنيه، وحديث الباب يؤيد هذا القول ((أفضل الصدقة عن ظهر غنى)). ((أن تبذل الفضل خير لك، وابدأ بمن تعول)». فهى ليست جائزة مطلقاً كالقول الأول، ولا جائزة بشروط كالقول الثانى، ولا مستحبة بشروط كالقول الثالث والرابع. القول السادس: أن الصدقة بجميع المال مردودة فى جميع المال، فللورثة أن يردوها بالحجر على صاحبها. القول السابع: أنها تنفذ فى الثلث وترد فى الثلثين، كما هو الشأن فى الوصية وعملا بحديث عبد الرحمن بن عوف. القول الثامن أنها تنفذ فى النصف وترد فى النصف اعتباراً بعمل الأنصار مع المهاجرين، وفيه حديث صحيح فى البخارى ((قدم المهاجرون المدينة وليس بأيديهم شىء، فقاسمهم الأنصار ... )). ٢- ويؤخذ من قوله: ((وابدأ بمن تعول)) تقديم نفقة النفس، ثم العيال إلخ، وفى ترتيب من يعول المسلم روى النسائى أن رسول اللَّه﴿ قال: ((تصدقوا)). فقال رجل: يا رسول اللَّه، عندى دينار؟ فقال: ((تصدق به على نفسك)). قال: عندى آخر؟ قال: ((تصدق به على زوجتك)). قال: عندى آخر؟ قال: ((تصدق به على ولدك)). قال عندى آخر؟ قال: ((تصدق به على خادمك)). قال: عندى آخر؟ قال: ((أنت أبصر)). رواه ابن حبان فى صحيحه هكذا، ورواه أبو داود والحاكم وصححه بتقديم الولد على الزوجة واختاره الخطابى، وقال: إذا تأملت هذا الترتيب علمت أنه صلى الله عليه وسلم قدم الأولى فالأولى، والأقرب فالأقرب، وهو يأمره أن يبدأ بنفسه، ثم بولده لأن الولد كبعضه، فإذا ضيعه هلك، ولم يجد من ينوب عنه فى الإنفاق عليه - والذى اتفق عليه العلماء أن ٣٩٩ المراد بالولد هنا الطفل- ثم ثلث بالزوجة، وأخرها عن درجة الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما وكان لها من ينفق عليها من زوج آخر ((أوذى محرم تجب نفقتها عليه. اهـ واختار النووى فى ((الروضة)) تقديم الزوجة؛ لأن نفقتها آكد، لأنها لا تسقط بمضى الزمان، ولا بالإعسار، ولأنها وجبت عوضاً. وفى المسألة جدل طويل. هذا والهدف الأساسى من بقية أحاديث الباب التنفير من سؤال الغير مالا، سواء أكان على سبيل العطاء من ولى الأمر؟ أم كان على سبيل الصدقة؟ واستخدمت الأحاديث لهذا التنفير العديد من الأساليب والعبارات، من ألفاظها: ((إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذى يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)). ((لا تلحفوا فى المسألة)). («المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً)). ((إنما المسكين المتعفف، اقرءوا - إن شئتم - ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾)) [البقرة: ٢٧٣].((لاتزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس فى وجهه مزعة لحم)). ((من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر)). ((لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدق به، ويستغنى به عن الناس خيرله من أن يسأل رجلا، أعطاه أو منعه)). ((بايعونى على أن لا تسألوا الناس شيئاً)). ((إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش. فما سواهن سحتاً يأكلها صاحبها سحقاً)). قال النووى: مقصود الباب وأحاديثه النهى عن السؤال، واتفق العلماء عليه إذا لم تكن ضرورة، واختلف أصحابنا فى سؤال القادر على الكسب -أى الفقير الذى لا يعمل وأمامه فرص العمل وهو قادر- على وجهين: أصحهما أنها حرام، لظاهر الأحاديث. والثانى حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: ألا يذل نفسه، ولا يلح فى السؤال، ولا يؤذى المسئول، فإن فقد أحد هذه الشروط فهى حرام بالاتفاق. أهـ والذى تستريح إليه النفس أن سؤال القادر على الكسب مع وجود فرص العمل حرام، لأن الإسلام يحارب البطالة والضعف والكسل، ويأمر بالعمل والقوة والضرب فى الأرض، ولو بجمع الحطب على الظهر، وقد روى الطبرانى فى الأوسط: أن رجلين أتيا النبى # فى حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألا منها، فرفع فيهما البصر وخفضه، فرآهما جلدين فقال لهما: ((إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب)). وعند الطبرانى فى الكبير: ((لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذى مرة سوى)». أى ذى قوة كامل الأعضاء. فقد قرن هذان الحديثان بين الغنى وبين القوى المكتسب، فكما حرم سؤال الغنى كذلك يحرم سؤال القوى المكتسب. كما جاء تحريم سؤال الغنى فى صريح الأحاديث الصحيحة، منها ما سبق، ومنها ما جاء عند الترمذى: «من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وفى وجهه کدوح أو خموش. قيل: يا رسول اللَّه. ٤٠٠