النص المفهرس

صفحات 341-360

(تصدقوا) أى عجلوا بالصدقة وبادروا بها، واغتنموا إمكان قبولها قبل أن يتعذر قبولها.
(فيوشك الرجل يمشى بصدقته ... فلا يجد من يقبلها) قال النووى: سبب عدم قبول
الصدقات فى آخر الزمان كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، وقرب الساعة،
وعدم الرغبة فى ادخار المال وكثرة الصدقات والمتصدقين.
(فيقول الذى أعطيها: لوجئتنا بالأمس قبلتها) المراد من ((الذى أعطيها)) الذى قصد
إعطاؤه أى الذى عرضت عليه، والمراد بالأمس اليوم الذى مضى قبل وقوع الأحداث السابقة، وليس
المراد اليوم الذى قبل يومك مباشرة.
(زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب لا يجد أحداً يأخذها منه) التعبير
بالذهب للتنبيه على ما سواه، لأنه إذا كان الذهب لا يقبله أحد فكيف غيره؟ والتعبير بالطواف
للإشارة للتردد على الناس. قال النووى: فتحصل من التعبير المبالغة فى عدم قبول الصدقة بثلاثة
أشياء: كونه يعرضها ويطوف بها وهى من ذهب.
(ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به) أى ينتمين إليه ليقوم بحوائجهن،
ويدفع الشرور عنهن، كقبيلة بقى من رجالها واحد فقط وبقيت نساؤها، فيلذن بذلك الرجل ليذب
عنهن؛ ويقوم بحوائجهن، ولا يطمع فيهن أحد بسببه. قاله النووى.
))ويرى)) بضم الياء ((والرجل)» نائب فاعل، أى يراه الناس، والرؤية علمية أو بصرية. كما
فى ملحق الرواية ((وترى الرجل)) بفتح التاء، والفاعل ضمير المخاطب وهو لمن يتأتى
خطابه فى ذلك الزمان.
(من قلة الرجال وكثرة النساء) سبب ذلك الحروب التى تقع فى آخر الزمان، كما جاء فى
الحديث بقوله: ((ويكثر الهرج)) أى القتل.
(وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً) المراد من أرض العرب الجزيرة العربية، وليس
المراد أرض الجامعة العربية الحالية. وظاهر العبارة أن الجزيرة العربية كانت فى يوم من الأيام
مروجاً وأنهاراً، ثم أقفرت وستعود.
أما أنها كانت مروجاً وأنهاراً فيقول عن ذلك الدكتور أحمد فخرى فى كتابه («دراسات فى تاريخ
الشرق القديم»: كانت الجزيرة العربية منطقة خضراء خصبة فيها المراعى والغابات، فأخذت تجف
شيئاً فشيئاً، وأخذت الرياح الجنوبية الشديدة تغطى مراعيها.
على أن بلاد اليمن من الجزيرة العربية وكانت مروجاً وأنهاراً كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ: ١٥].
وأما أنها أقفرت فقد شاهدناها مقفرة كما كانت وقت ذكر هذا الحديث وأما أنها ستعود، فقد
٣٤١

شاهدنا مقدمة ذلك فى أوائل القرن الخامس عشر الهجرى حيث إن المملكة العربية السعودية
أصبحت مكتفية بإنتاجها من القمح وتصدر الكثير منه إلى البلاد الأخرى.
(حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة) قال النووي: ضبطوه بوجهين، أجودهما
وأشهرهما ((يهم)) بضم الياء وكسر الهاء، ويكون ((رب المال)) منصوباً مفعولا. والفاعل ((من)) وتقديره
يحزنه ويهتم له - والمعنى حتى يكون هم صاحب المال وشغله الشاغل أن يجد من يقبل الزكاة.
والثانى ((يهم)) بفتح الياء وضم الهاء ويكون ((رب المال)) مرفوعاً فاعلا، من ((هم به)) إذا قصده. اهـ
والمعنى حتى يقصد رب المال من يقبل الصدقة ويطوف بالناس ويبحث عنه فلا يجده.
(لا أرب لى فيه) بفتح الهمزة والراء، أى لا حاجة إليه ولا رغبة لى فيه.
(تقيء الأرض أفلاذ كبدها) قال ابن السكيت: الفلذ القطعة من كبد البعير. وفى ((تقيء
الأرض)) استعارة تصريحية تبعية، بتشبيه إخراج الأرض ما فى جوفها بالقيء، واستعارة القيء
للإخراج واشتقاق ((تقيء)) بمعنى تخرج، وفى هذا من تحقير ما يخرج والاستهانة به ما فيه. وفى
((أفلاذ كبدها)) استعارة أيضاً بتشبيه ما فى باطنها بالكبد للحيوان.
(أمثال الأسطوان من الذهب والفضة) الأسطوان بضم الهمزة والطاء جمع أسطوانة وهى
السارية والعمود، ووجه الشبه العظم والكثرة.
(فيجىء القائل فيقول: فى هذا قتلت) أى من أجل مثل هذا قتلت.
(ويجىء القاطع) أى القاطع رحمه.
(فيقول: فى هذا قطعت) أى من أجل مثل هذا قطعت رحمى.
(ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً) لكثرته وصيرورته كالتراب، ولعدم حاجتهم إليه.
الرواية (٣١،٣٠،٢٩)
(ولا يقبل اللَّه إلا الطيب) قال النووى: المراد بالطيب هنا الحلال. اهـ. ويحترز
بذلك عن الخبيث الحرام. قال القرطبى: أصل الطيب المستلذ بالطبع، ثم أطلق على الطيب
بالشرع، وهو الحلال.
(إلا أخذها الرحمن بيمينه ... فتريوفى كف الرحمن) قال المازري: هذا الحديث وشبهه
إنما عبر به على ما اعتادوا فى خطابهم، ليفهموا عنه، فكنى عن قبول الصدقة بالأخذ باليمين. وقال
عياض: لما كان الشيء الذى يرتضى يتلقى باليمين ويؤخذ بها استعمل فى مثل هذا، وليس المراد بها
الجارحة، أى العضو المعروف فى الجسم. وقيل: عبر باليمين عن جهة القبول، إذ الشمال بضده. وقال
الزين ابن المنير: كناية عن الرضا والقبول بالتلقى باليمين لتثبيت المعانى المعقولة من الأذهان
٣٤٢

وتحقيقها فى النفوس تحقيق المحسوسات، أى لا يتشكك فى القبول كما لا يتشكك من عاين التلقى
للشىء بيمينه، لا أن التناول كالتناول المعهود، ولا أن المتناول به جارحة. اهـ وقيل: المراد سرعة
القبول. وقيل: حسنه. وقيل: المراد بكف الرحمن هنا ويمينه كف الذى تدفع له الصدقة، وإضافتها إلى
اللَّه تعالى إضافة ملك واختصاص، لوضع هذه الصدقة فى كف الآخذ للَّه تعالى. اهـ
وهذه الأقوال كلها تؤول اليمين والكف وتحترز عن إرادة العضو المعروف، لاستحالة ذلك على الله
تعالى، لأنها تستلزم الجسمية والمكانية والتحيز المستلزم بسبق المكان والحيز على المتمكن
والمتحيز فيتنافى ذلك مع القدم المطلق للَّه تعالى. وهذا ما يعرف بمذهب الخلف عند علماء الكلام.
أما مذهب السلف -وهو أسلم- فهو الإيمان بما جاء فى الكتاب والسنة الصحيحة من أمثال ذلك
من غير تأويل، ومن غير تشبيه، وإجراء القرآن والحديث على ظاهره، وإثبات ذلك للّه تعالى على وجه
الكمال، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات. يمثل هذا المذهب قول الترمذى فى «جامعه»:
قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهاً، ولا نقول:
كيف؟ هكذا روى عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم. اهـ والله أعلم.
(وإن كانت تمرة) جواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله، والتقدير: وإن كانت تمرة فى
قلتها وضعف قيمتها أخذها الرحمن بيمينه.
(فتربو فى كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل) الضمير للتمرة، وفى رواية البخارى
((حتى تكون مثل الجبل)) وفى رواية: ((حتى يوافى بها يوم القيامة وهى أعظم من أحد)). قال الحافظ
ابن حجر: والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتثقل فى الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك تعبيرًا
عن ثوابها. اهـ
وقال الداودى: أى حتى تصير فى الأجركمن تصدق بمثل الجبل. وقال بعضهم: أى لا يزال نظر
اللَّه إلى الصدقة ينميها، حتى تنتهى بالتضعيف إلى قدر تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين
التمرة والجبل.
(كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله) فى الرواية الثلاثين ((كما يربى أحدكم فلوه أو قلوصه))
والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، ويكسر الفاء وسكون اللام وتخفيف الواو؛ والأولى أفصح،
وهو المهر، يقال: فلا مهره إذا فصله من أمه، ويقال: فلوت المهر نحيته، والفصيل ولد الناقة إذا فصل
من إرضاع أمه، فعيل بمعنى مفعول، مثل جريح بمعنى مجروح. والقلوص بفتح القاف وضم اللام
الناقة الفتية. ووجه الشبه النماء البين وسرعة الزيادة، وليس الحجم.
(لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب) معنى الكسب المكسوب والمراد به ما هو أعم من
تعاطى التكسب وبذل الجهد فى تحصيله أو حصول المكسوب بغير تعاط كالميراث.
(إن اللَّه طيب) قال القاضى: الطيب فى صفة الله تعالى بمعنى المنزه عن النقائص، وهو
بمعنى القدوس، وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث.
٣٤٣

(ثم ذكر الرجل يطيل السفر) قال النووى: معناه - والله أعلم- أنه يطيل السفر فى وجوه
الطاعات كحج وزيارة مستحبة وصلة رحم وغير ذلك.
(أشعث أغبر) أى منفوش الشعر غير منسق المظهر يعلوه الغبرة والتراب.
(يمد يديه إلى السماء .. يارب .. يارب) أى يدعو متضرعاً، رافعاً يديه فى دعائه، يقول يارب.
يارب. وهذه الصفات مرشحة لقبول الدعاء، فالمسافر فى طاعة من أهل الدعاء المجاب، والشعث
والغبرة من مظاهر الحاجة والتضرع المؤهلة لقبول الدعاء، ومد اليدين عند الدعاء، والنداء المكرر، كل
ذلك من محققات الإجابة لكنها إذا لوثت بما بعدها بطل مفعولها.
(وُغنى بالحرام) ((غذى)) بضم الغين وكسر الذال المخففة، مبنى للمجهول، من غذاه يغذوه،
بمعنى أطعمه، أى غذى باللبن طفلا بالحرام، كأنه قال: نماؤه كبيراً فى مطعمه ومشربه من حرام،
ومنبته صغيراً من حرام. وفى لسان العرب: الغذاء ما يكون به نماء الجسم وقوامه من الطعام
والشراب واللبن. وقيل: اللبن غذاء الصغير وتحفة الكبير. اهـ
(فأنىَّ يستجاب لذلك) الدعاء؟ أى من أين يستجاب لمن هذه حالته وكيف يستجاب له؟
الرواية (٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٩،٣٨،٣٧)
(من استطاع منكم أن يستتر من النار ولوبشق تمرة فليفعل) شق التمرة بكسر الشين
نصفها وجانبها. وفى الرواية الثالثة والثلاثين ((فاتقوا النار ولو بشق تمرة)» وزاد فى رواية ((ولو بكلمة
طيبة)) وفى الرواية الرابعة والثلاثين ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)) أى فمن لم
يجد شيئًا يتصدق به ولو قليلا فليتق النار بكلمة طيبة. وفى رواية الطبرانى ((اجعلوا بينكم وبين النار
حجابًا ولو بشق تمرة)). وعند أحمد ((ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة)). وعنده أيضاً: ((يا عائشة.
استترى من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان». وفى رواية ((تقع من
الجائع موقعها من الشبعان)».
(ما منكم من أحد) الخطاب للمسلمين فى كل زمان ومكان، أى ما منكم من أحد يا معشر
المسلمين.
(ليس بينه وبينه ترجمان) بفتح التاء وضمها، وهو المعبر عن لسان بلسان. ذكره النووى.
والمراد هنا الوسيط فى نقل المراد.
(ذكر النار) أى ذكر الصحابة وخوفهم من عذاب النار.
(وأشاح بوجهه ثلاث مرار) بالشين والحاء، أى عدل بوجهه وابتعد عن المواجهة. وقال
الأكثرون من أهل اللغة: المشيح: الحذر والجاد فى الأمر، وقيل: المقبل. وقيل: الهارب. وقيل: المقبل
٣٤٤

إليك المانع لما وراء ظهره. قال النووي: فأشاح هنا يحتمل هذه المعانى، أى حَذِرَ النار كأنه ينظر
إليها، أوجد فى الإيضاح بإبقائها، أو أقبل إليك خطاباً، أو أعرض كالهارب.اهـ
(مجتابى النمار أو العباء) قال النووى: ((النمار)) بكسر النون جمع نمرة بفتحها، وهى ثياب
من صوف فيها تنمير، والعباء بالمد وبفتح العين جمع عباءة وعباية لغتان. وقوله: ((مجتابى النمار)»
أى خرقوها وقوروا وسطها. اهـ وفى لسان العرب: اجتبت القميص إذا لبسته، واجتاب فلان ثوباً
لبسه، وفى الحديث ((أتاه قومٌ مجتابى النمار)) أى لابسيها. والنمرة بردة من صوف يلبسها
الأعراب.اهـ فالمعنى -والله أعلم- أن هؤلاء القوم لم تكن عليهم ثياب، وكانوا يلتحفون ويلتفون
وتغطى أجسادهم النمار الصوف. و((مجتابى)) منصوب على الحال من ((قوم)) بعد وصفه بحفاة عراة.
(فتمعروجه رسول اللَّه ◌ِ﴿) أى تغير، غضباً وشفقة وحسرة.
(لما رأى بهم من الفاقة) أى الذى رآه بهم من مظاهر الفقر التى عبر عنها الراوى
((بحفاة عراة مجتابى النمار))، وكما جاء فى ملحق الرواية ((عليهم الصوف، فرأى سوء
حالهم، قد أصابتهم حاجة)».
(فدخل ثم خرج) أى دخل بيته من المسجد ثم خرج إليه، ولعله دخل يسأل عما يمكن أن يجده
من عطاء.
(﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْس وَاحِدَةٍ ) وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] وهذه الآية واضحة
فى الحث على الصدقة عليهم، وفيها تأكيد لحقهم لكونهم إخوة.
(تصدق رجل من ديناره) خبر فى معنى الأمر. أى ليتصدق رجل من ديناره ... إلخ.
(فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها) الظاهر أن الصرة كان بها طعام
أو ثياب، لظاهر قوله بعد: «كومين من طعام وثياب))، ولو كانت من دراهم ودنانير لأغنت عن
الكومين، ولذكرت. وقوله: ((كومين)) بفتح الكاف وضمها، وقيل: بالضم اسم للشيء المجموع، وبالفتح
المرة الواحدة. قال ابن سراج: والكومة بالضم الصبرة والكوم العظيم من كل شىء، والكوم المكان
المرتفع كالرابية. قال القاضى: فالفتح هنا أولى، لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية.
(حتى رأيت وجه رسول اللّه # يتهلل كأنه مذهبة) قال النووي: ضبطوه بوجهين،
أحدهما وهو المشهور، وبه جزم القاضى والجمهور: ((مذهبة)» بذال معجمة وفتح الهاء وبعدها باء
موحدة، - أى مع ضم الميم. والثانى: ((مدهنة)) بفتح الميم وبدال مهملة، وضم الهاء وبعدها نون،
وفسرت - إن صحت - بالإناء الذى يدهن فيه، أو بالنقرة فى الجبل يستجمع فيها ماء المطر، فشبه
صفاء وجهه الكريم بصفاء هذا الماء، أو بصفاء الدهن والمدهن. قال القاضى عياض وغيره من الأئمة:
هذا تصحيف، وهو بالذال المعجمة والباء الموحدة، وهو المعروف فى الروايات، وتفسيره على وجهين:
٣٤٥

الأول: معناه فضة مذهبة، فهو أبلغ فى حسن الوجه وإشراقه. والثانى: شبهه فى حسنه ونوره
بالمذهبة من الجلود، وجمعها مذاهب، وهى جلود كانت العرب تجعل فيها خطوطاً مذهبة يرى
بعضها إثر بعض. اهـ
وعلى أى حال مراد الراوى المبالغة فى تهلل وجه رسول اللّه * سروراً، وسبب هذا السرور ما رآه
من مبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى وبذل أموالهم، وامتثال أمر رسول اللّه®، ولدفع حاجة
هؤلاء المحتاجين وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى.
(أمرنا بالصدقة) فى رواية البخارى ((لما نزلت آية الصدقة)). قال الحافظ ابن حجر: كأنه
يشير إلى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية.
(كنا نحامل) وفى ملحق الرواية («كنا نحامل على ظهورنا)» أى نحمل على ظهورنا أمتعة الغير
بالأجرة، فالمفاعلة ليست من الجانبين، بل بمعنى نفعل كنسافر. وقال الخطابى: يريد تتكلف الحمل
بالأجرة لنتكسب ونتصدق به. اهـ ويؤيده رواية البخارى، وفيها ((انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل))
أى يطلب الحمل بالأجرة، ليتصدق من تلك الأجرة أو يتصدق بها كلها. والمتحدث أبومسعود يحكى
عن نفسه وعن بعض الفقراء من أصحابه، وفى رواية له عند البخارى ((كان رسول اللّه ◌َ ل إذا أمرنا
بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فتحامل فيصيب المد، وإن لبعضهم اليوم -أى بعد ما وسع الله
عليهم لكثرة الفتوح - لمائة ألف، كأنه یعرض بنفسه ».
(فتصدق أبوعقيل بنصف صاع) فى رواية البخارى ((فجاء رجل فتصدق بشيء كثير.
فقالوا: مراء. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن اللَّه لغنى عن صاع هذا)). قال الحافظ ابن حجر:
وأبو عقيل بفتح العين، وحصل الصاع أجرة على نزح من البئر بالحبل.
(وجاء إنسان بشىء أكثر منه، فقال المنافقون: إن اللَّه غنى عن صدقة هذا، وما
فعل هذا الآخر إلا رياء) فسر الذى تصدق بالشيء الكثير بعبد الرحمن بن عوف، وقد تصدق
بثمانية آلاف، وقيل: بأربعة آلاف.
(فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِرُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِن الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا
جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾﴾ [التوبة: ٧٩]. أى يلمزون
المطوعين بالكثير، ويلمزون الفقراء الذين لايجدون إلا القليل. واللمز الغمز وإشارة السخرية.
(عن أبى هريرة يبلغ به) أى يبلغ بالحديث رسول اللّه # أى يرفعه إليه.
(ألا رجل) حض وحث على الفعل، أى أحث رجلا عنده إبل ونوق.
(يمنح أهل بيت ناقة) المنيحة العطية، سواء كانت للرقبة بمنافعها مؤبدة مثل الهبة، أم
كانت للمنافع فقط ولمدة، كناقة أو عنزة تعطى للفقير مدة يشرب منها لبنها ثم يردها لصاحبها، وهى
المقصودة هنا.
٣٤٦

(تغدوبعس وتروح بعس) ((العس)) بضم العين وتشديد السين القدح الكبير، وضبط بكسر
العين وفتحها. قال النووي: وهذا هو الصواب المعروف وروى ((بعشاء)). قال القاضى: وهذه رواية أكثر
رواة مسلم. وروى ((بعساء)) بالسين المهملة، وفسر بالعس الكبير. والغدو أول النهار، ((والرواح)» آخره،
والمقصود حث الأغنياء بمنح الفقراء ناقة لمدة تعطيهم فى الصباح قدحاً كبيراً من اللبن، وفى
المساء مثله.
(إن أجرها لعظيم) أى إن أجر هذه المنيحة لعظيم لمن منح.
(عن أبى هريرة عن النبى { أنه نهى) أى نهى عن كذا وكذا. فذكر خصالاً منهياً عنها، وقد
عُرِفَ عن أبى هريرة أنه كان يجمع أحاديث فى حديث واحد.
(من منح منيحة غدت بصدقة وراحت بصدقة صبوحها وغبوقها) المنيحة والمنحة
العطية، وتكون فى الحيوان وفى الثمار وغيرهما. قال النووى: وفى الصحيح أن النبى / منح أم أيمن
عذاقاً، أى نخلا، قد تكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها، وهى الهبة، وقد تكون عطية اللبن أو الثمرة
مدة، وتكون الرقبة باقية على ملك صاحبها، ويردها إليه إذا انقضى اللبن أو الثمر المأذون فيه.
))والصبوح)) بفتح الصاد الشرب أول النهار، ((والغبوق)) بفتح الغين الشرب أول الليل. والصبوح
والغبوق منصوبان على الظرفية. وقال القاضى عياض: هما مجروران على البدل من قوله: ((صدقة)».
قال: ويصح نصبهما على الظرف.
الرواية (٤٢،٤١،٤٠)
(مثل المنفق والمتصدق) قال النووى: هكذا وقع هذا الحديث فى جميع النسخ ((مثل المنفق
والمتصدق)) قال القاضى وغيره: هذا وهم، وصوابه مثل ما وقع فى باقى الروايات ((مثل البخيل
والمتصدق)» وتفسيرهما آخر الحديث يبين هذا. قال: وقد يحتمل أن تكون على وجهها وفيها
محذوف، تقديره مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما وهو البخيل، وحذف البخيل لدلالة المنفق
والمتصدق عليه، كقول الله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أى والبرد، فحذف ذكر البرد
لدلالة الكلام عليه. و(المتصدق)) وقع فى بعض الأصول ((والمصدق)) بقلب التاء صاداً وتشديد الصاد.
وهما صحيحان.
(كمثل رجل عليه جبتان أوجنتان) قال النووى: ((كمثل رجل)) بالإفراد، والظاهر أنه تغيير
من بعض الرواة، وصوابه ((كمثل رجلين))، وأما قوله: ((جبتان أوجنتان)» فالأول بالباء والثانى
بالنون، ووقع فى بعض الأصول عكسه. اهـ و((أو)) للشك، ((والجبة)) بضم الجيم وتشديد الباء ثوب
معروف، ((والجنة)) بضم الجيم وتشديد النون هى الدرع، وقد جاءت بعض الروايات بدون شك
((جبتان)) بالباء كما عند البخارى، و((جنتان)) بالنون بدون شك، كما فى الروايتين ((٤٢،٤١)) وهى
الأصوب إذ المراد منها الدروع، وسميت بذلك لأنها تجن صاحبها أى تحصنه، والجبة بالباء لا
٣٤٧

تحصن مثل الجنة، ويؤكد تصويب رواية ((جنتان)) بالنون قوله فى الروايتين المشار إليهما: ((من
حديد)). وقوله: ((وأخذت كل حلقة موضعها)) والكلام فى ((مثل رجلين عليهما جنتان من حديد)) على
التوزيع أى على كل رجل جنة.
(من لدن ثديهما إلى تراقيهما) ((ثديهما)) بضم الثاء وكسر الدال، جمع ((ثدى)) نحو فلوس
وفلس، وأصله ثدوى، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواوياء وأدغمت فى
الياء، وأبدلت الضمة كسرة لمناسبة الياء، وصح فتح الثاء ((ثديهما)) على إفراد الثدى، وفى رواية
((تدينهما)» بالتثنية. والثدى يذكر ويؤنث، وهو للرجل والمرأة على المشهور، والتراقى جمع ترقوة ولكل
إنسان ترقوتان، وهما العظمان المشرفان فى أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر.
(فإذا أراد المنفق أن يتصدق سبغت عليه أو مرت) ((سبغت)) أى امتدت وغطت، وقيل:
كملت وتمت، ومعنى ((مرت)) بتشديد الراء أى مرت على الجلد بيسر وسهولة لتمتد. وقال النووى: كذا
هو فى النسخ ((مرت)) بالراء. قيل: إن صوابه ((مدت)) بالدال، بمعنى ((سبغت)) وكما قال فى الحديث
الآخر: ((انبسطت)) لكنه قد يصح ((مرت)) على نحو هذا المعنى، وقد رواه البخارى ((مادت)» من ماد
إذا مال، ورواه بعضهم ((مارت)) ومعناه سالت عليه وامتدت. وقيل: معناه ترددت، ذهبت وجاءت،
يعنى لكمالها. اهـ
وفى الرواية التالية ((فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو
أثره)). وفى التى بعدها (اتسعت عليه حتى تعفى أثره)). وفى رواية البخارى ((فلا ينفق إلا سبغت - أو
وفرت- على جلده، حتى تخفى بنانه وتعفو أثره)» والبنان والأنامل أطراف أصابع اليدين، و((تعفو
أثره)) أى وتمحو أثر مشيه لطولها، فمرور ذيل الثوب وجره على الأرض يمحو أثر الأقدام عليها. وقيل:
معنى ((يمحو أثره)) يذهب بخطاياه ويمحوها، والصواب الأول.
(وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت عليه وأخذت كل حلقة موضعها، حتى تجن
بنانه، وتعفو أثره) ((تجن بنانه)) بضم التاء وكسر الجيم ثم النون المشددة، أى حتى تستربنانه.
قال النووى: فى هذا الكلام اختلال كثير، لأن قوله ((تجن بنانه وتعفو أثره)) إنما جاء فى المتصدق، لا
فى البخيل، وهو ضد وصف البخيل بقوله: ((قلصت كل حلقة موضعها)» فإدخاله فى وصف البخيل
أخل بالكلام وتناقض. اهـ وفى الرواية التالية ((كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها))،
وفى التى بعدها ((وإذا هم البخيل بصدقة تقلصت عليه وانضمت يداه إلى تراقيه، وانقبضت كل حلقة
إلى صاحبتها)).
(يوسعها فلا تتسع) فى الرواية التالية ((قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول اللَّه ◌ِ *
يقول بأصبعه فى جيبه -أى يضع أصبعه فى فتحة صدر قميصه ويشد القميص، ويقول-
((فلورأيته)»-وهو يحاول أن ((يوسعها ولا توسع)) أى لا تتوسع، وفى الرواية التى بعدها
((فيجهد أن يوسعها فلا يستطع)).
٣٤٨

ولتوضيح المشبه به وتصويره نقول: رجلان كل منهما يلبس درعًا من حديد متشابك الحلقات،
يغطى أعلى الصدر، ابتداء من حول العنق إلى أسفل الثديين دون أن يغطى اليدين، فهو يحمى جزءًا
من الجسد، لكن أحدهما بسبب فعله تتسع الحلقات، وتمتد إلى اليدين حتى الأنامل، وإلى أسفل
الجسم حتى أصابع القدمين، بل تزيد وتجر على الأرض، كل ذلك بسهولة ويسر، أما الآخر بسبب فعله
تضيق الحلقات وتتداخل وتلتصق بالصدر فى أماكنها، بل تجمع اليدين وتربطهما بالرقبة، ومهما
حاول البسط والتوسعة لا تنبسط ولا تتسع.
أما المشبه فهو السخى المتصدق والبخيل الممسك، وأما وجه الشبه فقد ذكروا عنه أقوالا:
الأول: السهولة واليسر فى جانب، والصعوبة والمشقة فى جانب آخر، وتوضيح التمثيل كما قال
الخطابى: هذا مثل ضربه صلى الله عليه وسلم للجواد والبخيل، وشبههما برجلين، أراد كل واحد
منهما أن يلبس درعاً يستجن بها، والدرع أول ما يلبس إنما يقع على موضع الصدر والثديين إلى أن
يسلك لابسها يديه فى كميه ويرسل ذيلها على أسفل بدنه، فيستمر سفلا، فجعل صلى الله عليه وسلم
مثل المنفق مثل من يلبس درعاً سابغة، فاسترسلت عليه، حتى سترت جميع بدنه وحصنته، وجعل
البخيل كرجل يداه مغلولتان بين صدره، فإذا أراد لبس الدرع حالت يداه بينها وبين أن تمر سفلا على
بدنه واجتمعت الدرع فى عنقه، فلزقت ترقوته، فكانت ثقلا ووبالا عليه، من غير وقاية له، وتحصين
لبدنه. وحاصله أن الجواد إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره وطاوعت يداه، فامتدتا بالعطاء، وأن
البخيل يضيق صدره وتنقبض يده عن الإنفاق. اهـ
وقريب منه ما قيل من أنه تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطى إذا أعطى انبسطت يداه
بالعطاء وتعود ذلك، فإذا أمسك صار ذلك عادة له.
وقريب من هذا قول الطيبى: شبه السخى إذا قصد التصدق يسهل عليه بمن عليه الجبة، ويده
تحتها، فإذا أراد أن يخرجها منها يسهل عليه، والبخيل على عكسه والأسلوب من التشبيه المفرق.
الثانى: السترفى الدنيا والآخرة فى جانب، وكشف العورة فى الدارين فى الجانب الآخر،
وتوضيحه أن المنفق يستره الله بنفقته ويستر عوراته فى الدنيا والآخرة كستر الجنة لابسها، والبخيل
كمن لبس جبة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفاً ظاهر العورة مفتضحاً فى الدارين.
وقريب من هذا قول ابن بطال: يريد أن المنفق إذا أنفق كفرت الصدقة ذنوبه ومحتها كما أن
الجنة إذا أسبغت عليه سترته ووقته، والبخيل لا تطاوعه نفسه على البذل، فيبقى غير مكفر عنه
الآثام، كما أن الجنة تبقى من بدنه مالا تستره، فيكون معرضاً للآفات.
الثالث: النماء فى جانب والانكماش فى الجانب الآخر، فهو تمثيل لنماء المال
بالصدقة، والبخل بضده.
(ملحوظة) قال القاضى عياض: وقع فى هذا الحديث أوهام كثيرة من الرواة، وتصحيف
وتحريف، وتقديم وتأخير، ويعرف صوابه من الأحاديث والروايات الأخرى، فمن الأوهام ((مثل المنفق
٣٤٩

والمتصدق)» وصوابه ((المتصدق والبخيل))، ومنها ((كمثل رجل))، وصوابه ((رجلين عليهما جنتان)).
ومنها قوله: ((جبتان أوجنتان)) بالشك، وصوابه ((جنتان)) بالنون بلا شك. اهـ
وقال النووى: فى هذا الكلام اختلال كثير، لأن قوله: ((تجن بنانه وتعفو أثره ((إنما جاء فى
المتصدق، وفيه رواية بعضهم ((تحزثيابه)) بالحاء والزاى، وهووهم، والصواب رواية الجمهور ((تجن))
بالجيم والنون، أى تستر، وفيه رواية بعضهم ((ثيابه)) بالثاء، وهو وهم، والصواب ((بنانه)) بالنون، وهو
رواية الجمهور، كما قال فى الحديث الآخر ((أنامله)) .اهـ
(أما بعد) فإن هذه الأوهام -بحمد الله- ظاهرة لا تؤثر فى بيان المراد من الحديث، وربما كان
سببها جزالة التمثيل وعمق ألفاظه ومعانيه. والله أعلم.
الرواية (٤٣)
(قال رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وعند أحمد أنه كان من بنى إسرائيل.
(لأتصدقن الليلة بصدقة) فى الكلام قسم مقدر، كأنه قال: والله لأتصدقن، فاللام فى جواب
القسم، والظاهر أنه من قبيل إنشاء الالتزام كالنذر.
(فوضعها فى يد زانية) وهو لا يعلم أنها زانية.
(فأصبحوا يتحدثون) جملة ((يتحدثون)) خبر ((أصبح)) والمراد بهم القوم الذين يعيش هذا
المتصدق بينهم، ولعلهم كانوا يعلمون بقسمه، وعلموا عن طريق المرأة أنه تصدق عليها، ولعلهم تابعوا
خطواته حتى أعطى، فأصبحوا يتحدثون، وبلغه الحديث.
(تصدق الليلة على زانية) ((تصدق)) بالبناء للمجهول، والجملة تجرى مجرى
التعجب من هذا الفعل.
(قال: اللهم لك الحمد على زانية) أى قال بعد أن علم حديثهم، و((اللهم)) منادى على وجه
الدعاء، و((لك الحمد)» يفيد القصر، طريقه تقديم ما حقه التأخير، أى لك الحمد، لا لغيرك، أى وليس
لى، حيث كان ذلك بإرادتك لابإرادتى، وقد ظن بعض العلماء أن الحمد لا يكون إلا على أمر جميل،
فجعل الجملة تعجباً بإجراء الحمد مجرى التعجب من قبيل تعظيم الله عند رؤية شيء عجيب، كما
يقال: سبحان الله عند مشاهدة ما تعجب منه. قال الطيبى: لما قالوا: تصدق الليلة على زانية
متعجبين، تعجب هو أيضاً من وقوع ذلك منه. قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أنه سلم ورضى
بقضاء اللَّه تعالى، فحمد الله على تلك الحال غير الجميل، واللَّه محمود على كل حال، لا يحمد على
مكروه سواه، وقد ثبت: أن النبى # كان إذا رأى مالا يعجبه قال: ((اللهم لك الحمد على كل حال)).
(لاتصدقن بصدقة) التزام بإعادة التصدق، حيث رأى أن الأولى لم تقع موقعها.
٣٥٠

(فوضعها فى يد غنى) وهو لا يعلم أنه غنى.
(اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غنى، وعلى سارق) جمعهم بعد أن أفرد كلا منهم ليكرر
الحمد ويؤكده، أو زيادة فى التعجب من هذه المصادفات العجيبة.
(فأتى فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت) قال الكرمانى: ((أتى)) أى رأى فى المنام، أو سمع
هاتفاً، ملكاً أو غيره، أو أخبره نبى، أو أفتاه عالم. وقال غيره: أو أتاه ملك فكلمه، فقد كانت الملائكة
تكلم الناس فى بعض الأمور. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون أخبره بذلك نبى زمانه، أو أخبر فى
نومه. وقال صاحب ((التلويح)): لو رأى ما فى مستخرج أبى نعيم والطبرانى لما احتاج إلى هذا
التخرص. ففى روايتهما: ((فساءه ذلك فأُتي فى منامه، فقيل له: إن الله عز وجل قد قبل صدقتك)).
(أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها) السين والتاء للصيرورة، أى فلعلها تصير عفيفة
بهذه الصدقة، فتستغنى بها عن أجرزناها.
الرواية (٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٩،٤٨،٤٧)
(إن الخازن المسلم الأمين الذى ينفذ ... ما أمر به) ((ينفذ)) بضم الياء وسكون النون وكسر
الفاء مخففة من أنفذ، أو بضم الياء وفتح النون وكسر الفاء المشددة من نفذ بتشديد الفاء.
(فيعطيه كاملاً موفراً) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الفاء المفتوحة تأكيد للكمال.
(طيبة به نفسه) («طيبة)» بالنصب على الحالية، و((نفسه)) فاعل («طيبة)).
(أحد المتصدقين) خبر ((إن الخازن)) و((المتصدقين)» ضبطه النووى بفتح القاف على التثنية،
وقال: معناه له أجر متصدق. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: ضبط فى جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية. قال
القرطبى: ويجوز الكسر على الجمع، أى هو متصدق من المتصدقين.
(إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها) فى الرواية التالية ((من بيت زوجها)).
وفى رواية للبخارى ((إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها)). وفى رواية أخرى ((إذا أنفقت المرأة
من کسب زوجها )».
(غير مفسدة) أى غير متجاوزة القدر المأذون فيه عادة.
(والخازن مثل ذلك) أى إذا أنفق من مال سيده غير مفسد فله أجر بما أنفق ولسيده
أجربما كسب.
(وله مثله بما اكتسب) المماثلة فى مسمى الأجر، لا فى مقداره، فقد يزيد أجر المعطى، وقد
يزيد أجر المكتسب كما سيأتى فى فقه الحديث.
٣٥١

(عن عمير مولى آبى اللحم) ((آبى)) اسم فاعل من أبى يأبى أى امتنع يقال: إنه كان لا يأكل
اللحم، لكن يبعده ما جاء فى الرواية التالية ((أمرنى مولاى أن أقدد لحما)). وقد يقال: كان يقدد لغيره،
والأولى ما قيل من أنه كان فى الجاهلية لا يأكل مما ذبح للأصنام. قال النووي: واسمه عبد الله. وقيل:
خلف. وقيل: الحويرث الغفارى، وهو صحابى استشهد يوم حنين.
(كنت مملوكاً) هذا قول عمير، أى كنت عبداً لآبى اللحم.
(أأتصدق من مال موالي بشيء)؟ أى من مال أسيادى؟ والمقصود بالإذن العام كما سيأتى.
(قال: نعم. والأجر بينكما نصفان) فى المناصفة وعدمها تفصيل يأتى فى فقه الحديث.
(أمرنى مولاى أن أقدد لحما) أى أجففه، أشبه بما يسمى بالمشوى.
(فقال: الأجر بينكما) قال النووى: معناه: لكل منكما أجر، وليس المراد أن أجر نفس المال
يتقاسمانه. هذا هو التأويل المعتمد.
(لاتصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه) أى زوجها مقيم فى البلد، لأن فى صومها اعتداء على
حقه فى الاستمتاع بها، ومنعاً منه.
الرواية (٥٢،٥١،٥٠)
(من أنفق زوجين فى سبيل الله) كل شيء قرن بصاحبه فهو زوج يقال: زوجت بين الإبل
إذا قرنت بعيراً ببعير، والزوج يطلق على الاثنين، وعلى أحد المتزاوجين، ويطلق الزوج أيضاً على
الصنف، وفسربه فى قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَرْوَاجًا ثَلاثَةٌ﴾ [الواقعة: ٧]. فمعنى الحديث: من أنفق
شيئين، وقرن بين صدقتين من جنسين فى وقت واحد كدرهم وثوب، أو من جنس فى وقتين
متقاربين. والمقصود الحث على الإكثار من الصدقة.
وقوله: ((فى سبيل اللَّه)) قيل: هو على العموم فى جميع وجوه الخير. وقيل: هو مخصوص بالجهاد.
قال القاضى: والأول أصح وأظهر.
(نودى فى الجنة: يا عبد الله. هذا خير) فى الرواية الواحدة بعد الخمسين صرح بالمنادى
وأنهم خزنة باب الطاعة التى فعلها، وصرح بالنداء وأنه الدعوة إلى الدخول من الباب الخاص بهذه
الطاعة، فينادى هؤلاء الخزنة: ياعبد الله. يا فلان. هلم وتعال فادخل من هذا الباب فهو خير.
(فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة) قال العلماء: معناه من كان الغالب
على طاعاته الصلاة دعى من باب الصلاة.
(ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الريان) قال العلماء: سمى باب الريان تنبيهاً
على أن العطشان بالصوم فى الهواجر سيروى، وعاقبته الرى أبداً وعدم الظمأ.
٣٥٢

وقد ذكر صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث أربعة أبواب. قال القاضى: وقد جاء ذكر
بقية أبواب الجنة الثمانية فى حديث آخر، باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ والعافين
عن الناس، وباب الراضين. فهذه سبعة أبواب، يضاف إليها الباب الأيمن الوارد فى حديث
السبعين ألفاً، فلعله الباب الثامن. اهـ
(ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟) أى هل هناك ضرر أو اضطرار حين
يدعى أحد من تلك الأبواب؟ والاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى أظن أنه ليس على أحد ضرورة.
(أى فل، هلم) ((أى)) حرف نداء، و((فل)) منادى حذف منه آخره على الترخيم، وأصله فلان،
و(«هلم)) اسم فعل أمر بمعنى أقبل. والمعنى: يافلان أقبل من هذا الباب فهو خير لك.
(ذلك الذى لا توى عليه) بفتح التاء والواو، أى لا هلاك عليه.
الرواية (٥٦،٥٥،٥٤،٥٣)
(أنفقى أو انضحى أو انفحى) النفح والنضح: العطاء، ويطلق النضح أيضاً على الصب،
فيكون أبلغ من النفح، ولعله المراد هنا، و((انضحى)) بكسر الضاد وفتحها، ((وانفحى)) بفتح الفاء.
(ولا تحضى فيحصى الله عليك) ((فيحصى)) الفعل منصوب، لأنه جواب النهى بالفاء،
والإحصاء معرفة قدر الشيء أو عدده أو وزنه. والنهى عن إحصاء المال هنا إما نهى عن إحصائه وعد
ما يعطى من النفقة، فيستكثرها، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] فتكون العاقبة أن
يستكثر اللّه عليه ما يعطيه إياه فيكون سبباً فى التضييق عليه، وإما نهى عن إحصاء ما تملك
فتستقله، فتخاف النفقة منه، فتكون العاقبة زوال البركة مما عندك، ولما كان اللّه يثيب على العطاء
بغير حساب، فحساب الله وإحصاؤه يقطع البركة منه، أو يحبس الرزق عن صاحبه، أو يحاسب عليه
فى الآخرة.
(ولا توعى فيوعى الله عليك) يقال: أوعيت المتاع فى الوعاء إذا جعلته فيه، ووعيت
الشيء حفظته، والمعنى: لا تحرصى على الادخار والجمع فى الوعاء دون إنفاق فيمسك الله
عنك ولا يمدك بالعطاء.
(ليس لى شيء إلا ما أدخل على الزبير) زوجى، أى لا أملك لنفسى مالا، وكل ما أتصرف
فيه هو مال الزبير وما اكتسبه.
(فهل على جناح أن أرضخ مما يدخل على)؟ الرضخ العطاء اليسير. والمعنى: فهل على إثم
إذا أعطيت من مال الزبير فى سبيل الله؟.
(ارضخى ما استطعت) أى أنفقى بغير إجحاف ما دمت قادرة مستطيعة فـ))ما))
ظرفية دوامية. وقال الكرمانى: معناه أرضخى الذى استطعته، أو شيئاً استطعته، فـ))ما)»
موصولة، أو نكرة موصوفة.
٣٥٣

قال النووي: معناه مما يرضى به الزبير، وتقديره: أن لك فى الرضخ مراتب مباحة، بعضها فوق
بعض؛ وكلها يرضاها الزبير. فافعلى أعلاها، أو يكون معناه: ما استطعت مما هو لك.
(يا نساء المسلمات) قال النووى: ذكر القاضى عياض فى إعرابه ثلاثة أوجه أصحها وأشهرها
نصب ((نساء)) وجر ((المسلمات)) على الإضافة. قال الباجى: وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا
بالمشرق، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه والموصوف إلى صفته والأعم إلى الأخص، كمسجد
الجامع وجانب الغربى، وهو عند الكوفيين جائز على ظاهره، وعند البصريين يقدرون فيه محذوفاً، أى
مسجد المكان الجامع، وجانب المكان الغربى، ويقدرهنا: يا نساء الأنفس المسلمات، أو الجماعات
المسلمات. وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال: هؤلاء رجال القوم، أى ساداتهم وأفضلهم.
الوجه الثانى: رفع ((نساء)) ورفع ((المسلمات)) أيضاً على معنى النداء والصفة، أى يا أيها النساء
المسلمات. قال الباجى: وهكذا يرويه أهل بلدنا.
الوجه الثالث: رفع ((نساء)) وكسر القاء من ((المسلمات)) على أنه منصوب على أنه الصفة على
الموضع، -أى موضع المنادى النصب- كما يقال: يا زيد العاقل، برفع زيد، ونصب العاقل.
(لا تحقرن جارة لجارتها) وفى رواية ((جارة لجارة)) بحذف الضمير، وفى الكلام مضاف
محذوف، تقديره لا تحقرن جارة صدقة أو هدية لجارتها، والحقر والاحتقار بمعنى.
(ولوفرسن شاة) قال النووى: قال أهل اللغة: هو بكسر الفاء والسين وهو الظلف. وقال غيره:
بكسر الفاء والسين بينهما راء ساكنة. وحكى فتح السين - وأصله فى الإبل، وهو فيها مثل القدم فى
الإنسان. قالوا: ولا يقال إلا فى الإبل، ومرادهم أصله مختص بالإبل، ويطلق على الغنم استعارة. اهـ
و)) فرسن» خبر لكان المحذوفة مع اسمها، والتقدير: ولو كان المتصدق به أو المهدى فرسن شاة
الذى هو عظم قليل اللحم جداً حقير فى ذاته غالباً.
وظاهر الحديث نهى عن أن تحتقر الصدقة المقدمة إليها مهما قلت. لكن العلماء يوردونه على
أنه نهى للمتصدقة عن أن تحتقر صدقتها، على معنى لا تمنع جارة من الصدقة على جارتها خوفاً من
حقارة الموجود عندها، بل تجود بما تيسر، وإن كان قليلا. كفرسن شاة، فهو خير من العدم، فهو
قريب من حديث: ((اتقوا النار ولوبشق تمرة)».
الرواية (٥٧)
(سبعة) تمييز العدد محذوف، أى سبعة أشخاص من الناس، وهو مبتدأ سوغ الابتداء به وهو
نكرة ملاحظة الإضافة والوصف.
(يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله) قال النووى: قال القاضى: إضافة الظل إلى الله
تعالى إضافة ملك، وكل ظل فهو للَّه، وملكه، وخلقه وسلطانه. قال: والمراد هنا ظل العرش، كما جاء
مبينًا فى حديث آخر، والمراد باليوم يوم القيامة، إذا قام الناس لرب العالمين، ودنت منهم الشمس
٣٥٤

واشتد عليهم حرها، وأخذهم العرق، ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش، وقد يراد به هنا ظل الجنة، وهو
نعيمها والكون فيها، كما قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] قال القاضى: وقال ابن
دينار: المراد بالظل هنا الكرامة والكنف، والكف من المكاره فى ذلك الموقف، قال: وليس المراد ظل
الشمس. قال القاضى: وما قاله معلوم فى اللسان، يقال: فلان فى ظل فلان، أى فى كنفه وحمايته.
قال: وهذا أولى الأقوال، وتكون الإضافة إلى العرش لأنه مكان التقريب والكرامة، وإلا فالشمس وسائر
العالم تحت العرش وفى ظله.
(الإمام العادل) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره أحدهم الإمام العادل. قال القاضى: هو كل من
وكل إليه نظر فى شيء من مصالح المسلمين من الولاة والحكام وبدأ به لكثرة مصالحه وعموم نفعه،
وفى بعض النسخ ((الإمام العدل)» وهما صحيحان.
(وشاب نشأ بعبادة الله عز وجل) والمشهور فى روايات هذا الحديث ((نشأ فى عبادة اللَّه))
قال النووي: وكلاهما صحيح، ومعنى رواية الباء نشأ متلبسًا للعبادة فالباء للملابسة، أو مصاحباً لها،
فالباء للمصاحبة. اهـ والظاهر أن المراد بالشاب هنا من لم يجاوز الأربعين، وبالعبادة مطلق الطاعة،
وبنشأته فيها أن تغلب طاعته على معصيته فى أول أمره.
(ورجل قلبه معلق فى المساجد) قال النووى: هكذا هو فى النسخ كلها ((فى المساجد)) وفى
بعض الروايات ((بالمساجد)) وفى بعضها ((متعلق)) والكل صحيح، ومعناه شديد الحب للمساجد
والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود فى المسجد، فتعلق قلبه بالمسجد حبه له، حتى إذا
خرج منه، يؤكد هذا المعنى حديث ((ورجل معلق بالمسجد، إذا خرج منه يعود إليه)).
(ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) وفى رواية ((اجتمعا على ذلك، وتفرقا
عليه)) فالإشارة والضمير فى ((عليه)) يعود على الحب فى الله. والمعنى: اجتمعا على حب الله. وافترقا
على حب الله، أى كان سبب اجتماعهما حب الله، واستمرا على ذلك حتى تفرقا -من مجلسهما، أو
من شركتهما، أو علاقاتهما، أو من حياتهما- أى انتهى اجتماعهما، وحب الله مصاحب افتراقهما.
فكلمة ((فى)) للسببية، مثلها فى حديث ((دخلت امرأة النار فى هرة حبستها)). أى بسبب هرة إلخ.
و(«تحابا)» أصله تحاببا، أدغم أول المثلين فى ثانيهما، والتفاعل حب من الجانبين.
(ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اللَّه) ذات
المنصب هى صاحبة الحسب والنسب الشريف والمال الوفير، وخصت هنا ذات المنصب
والجمال لكثرة الرغبة فيها من الرجال، وعسر وصولهم إليها، فكيف إذا كانت هى الداعية
إلى نفسها، موفرة مشاق ومحاولة السعى إليها، فالصبر عنها لخوف الله تعالى مع هذه
المغريات والدوافع من أكمل المراتب وأعظم الطاعات.
أما قوله: ((إنى أخاف اللَّه)) فيحتمل أنه يقولها بلسانه، ويحتمل أن يقولها بقلبه ليزجر نفسه.
٣٥٥

والمدعو إليه من المرأة مبهم فى الحديث، ذكر العلماء فيه احتمالين. الأول: أنه يحتمل أنها دعته إلى
نكاحها والزواج بها، فخاف العجز عن القيام بحقها، أو خاف مسئولية حمايتها من انحرافها، أو
خاف الانشغال بالتمتع بها وشهوتها عن حقوق الله تعالى وطاعته.
الاحتمال الثانى -وهو المشهور والأصح- أنها دعته إلى الزنا بها.
(ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) قال النووى: هكذا
وقع فى جميع نسخ مسلم فى بلادنا وغيرها، وكذا نقله القاضى عياض عن جميع روايات نسخ مسلم
((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))، والصحيح المعروف ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)).
هكذا رواه مالك في الموطأ والبخارى فى صحيحه -وترجم له بباب الصدقة باليمين- وغيرهما من
الأئمة، وهو وجه الكلام، لأن المعروف فى النفقة فعلها باليمين. قال القاضى: ويشبه أن يكون الوهم
فيها من الناقلين عن مسلم، لا من مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك رحمه الله -وقال: بمثل
حديث عبيد الله، وبين الخلاف بين الروايتين بقوله: وقال: ((ورجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى
يعود إليه)». فلوكان ما رواه مخالفاً لرواية مالك لنبه عليه على هذا الاختلاف. (راجع لفظ وسند
الرواية رقم (٥٧) وملحقها فيما سبق عند ذكرنا للنصوص).
وقال بعض العلماء: ذكر اليمين والشمال مبالغة فى الإخفاء والاستتار بالصدقة، وضرب المثل
بهما لقرب اليمين من الشمال، وملازمتها لها، من غير قصد أيهما تعطى وأيهما تعلم، بل ربما كان فى
رواية ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)). لوصحت أبلغ فى هذا المراد، على معنى أن اليمين
المتخصصة فى العطاء العليمة بمداخله ومخارجه لا تعلم عطاء الشمال لمبالغتها فى الإخفاء. ونقل
القاضى عن بعضهم أن المراد من عن يمينه وشماله من الناس. قال: والصواب الأول.
(ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) ((ذكر)) من الذكر بكسر الذال فهو باللسان، أو من
الذكر بضم الذال فهو بالقلب، والمراد ((خالياً)) أى بعيداً منفرداً، أو خالياً من الالتفات إلى غير الذكر،
ولو كان فى ملا وهو منصوب على الحال. ومعنى ((فاضت عيناه)) امتلأتا بالدمع حتى فاض عنها،
فالفائض هو الدمع لا العين. ففيه مجاز الحذف، ففاض دمع عينيه، وأسند الفيض إلى العين مبالغة،
حيث جعلت العين من فرط البكاء كأنها نفسها تفيض.
الرواية (٥٩،٥٨)
(أتى رسول اللَّه ◌ِ﴿ رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسميته ويحتمل أن يكون أبا
ذر، ففى مسند أحمد أنه سأل: أى الصدقة أفضل؟.
(أى الصدقة أعظم) فى الرواية التالية: ((أى الصدقة أعظم أجراً))، وفى رواية للبخارى وملحق
روايتنا الثانية ((أى الصدقة أفضل)) أى عند اللَّه.
(أن تصدق وأنت صحيح شحيح) ((أن تصدق)) بتشديد الصاد، وأصله تتصدق فأبدلت
٣٥٦

إحدى التاءين صادًا، وأدغمت الصاد فى الصاد، ويجوز تخفيف الصاد بحذف إحدى التاءين،
والمصدر المنسبك من ((أن تصدق)) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أعظم الصدقة أجراً تصدقك فى حالة
الصحة والشح، فجملة ((وأنت صحيح شحيح)) فى محل النصب على الحال، و((شحيح)) خبر بعد خبر
وهو صفة مشبهة من الشع مثلث الشين، وضمه أشهر. وقيل: الفتح مصدر والضم اسم. قيل: هو البخل.
وقيل: الشح بخل مع حرص. وقيل: الشح ما هو من قبل الطبع. كأنه وصف لازم فى طبيعة الإنسان،
أمر بعلاجه ومجاهدته إلى السخاء، والبخل بروز الشح فى أفراد الأمور وخواص الأشياء.
(تخشى الفقر وتأمل الغنى) فى الرواية التالية ((تخشى الفقر وتأمل البقاء)» أى تطمع فى
زيادة المال وطول العمر، والصدقة فى هذه الحالات فيها شدة مراغمة للنفس.
(ولا تمهل) روى بسكون اللام على صورة النهى، وروى بفتح اللام وتقديره وأن لا تمهل، معطوف
على قوله (( أن تصدق)».
(حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا) ((حتى)) للغاية، وضمير ((بلغت)) يرجع إلى
الروح بدلالة سياق الكلام عليها، و((الحلقوم)) هو الحلق، والمراد من بلوغ الروح الحلقوم مقاربته، إذ لو
بلغته حقيقة لم تصح وصيته ولا شيء من تصرفاته، وقوله: ((لفلان كذا)) كناية عن الموصى له
والموصی به.
(ألا وقد كان لفلان) كناية عن الوارث، أى وقد صار المال ملكا للوارث، أو صار التصرف
وإجازة الوصية أو عدم إجازتها حقاً للوارث، وخرج عن تصرفك وكمال ملكك، فالجملة على هذا حالية
ليست من مقول المحتضر. وقيل: هى من مقول المحتضر، أى وقد كان لفلان عندى دين هو كذا.
(أما وأبيك لتنبأنه) قال النووى: قد يقال: حلف بأبيه، وقد نُهى عن الحلف بغير الله، وعن
الحلف بالآباء؟ والجواب أن النهى عن اليمين بغير الله لمن تعمده، وهذه اللفظة الواقعة فى الحديث
تجرى على اللسان من غير تعمد، فلا تكون يمينًا، ولا منهياً عنها. اهـ
فقه الحديث
كان من الصعب تقسيم هذه المجموعة من الأحاديث إلى أبواب صغيرة مع المحافظة على
ترتيبها كما هو فى صحيح الإمام مسلم، ذلك أن أحاديث الباب الواحد قد تذكر متناثرة فى أماكن
متباعدة، كما أن هذه الأحاديث متداخلة فى موضوعها، ومن الصعب التوبيب لكل منها دون تكرير أو
تشابه العناوين كما حدث للإمام النووى رحمه الله تعالى، فقد وضع التراجم أخذاً من الأحاديث
فتشابهت كما هو واضح من تبویبه.
ولما كان عملنا فى هذا الكتاب أقرب إلى شرح الحديث موضوعيا قسمنا هذه المجموعة الكبرى
إلى مجموعات صغيرة مراعين ترتيب الإمام مسلم عند الكلام على المباحث العربية. ولم تلتزم هذا
٣٥٧

الترتيب فى فقه الحديث فقسمناها إلى تسعة موضوعات، بعد دخولها كلها تحت عنوان [الترغيب
فى الإتفاق].
الموضوع الأول: الترغيب فى الإنفاق بصفة عامة.
الموضوع الثانى: فضل النفقة من الكسب الطيب.
الموضوع الثالث : فضل النفقة من أحب الأموال.
الموضوع الرابع: فضل النفقة بالقليل وعدم احتقاره.
الموضوع الخامس: فضل نفقة السر.
الموضوع السادس: فضل نفقة الخازن من مال السيد. والزوجة من مال زوجها.
الموضوع السابع: فضل الإنفاق على العيال والأهل والأقربين ومن تعول.
الموضوع الثامن: قبول الصدقة إذا وضعت فى غير موضعها من غير علم.
الموضوع التاسع: الحث على التعجيل بالإنفاق.
وهذا هو التفصيل.
فضل الإنفاق بصفة عامة
وفضيلة الشيء تظهر من مكسبه فى الدنيا ومن جزائه فى الآخرة، كما تظهر فى خسارة نقيضه
دنيا، وعاقبة نقيضه فى الآخرة، وقد اتخذت الشريعة لذلك أسلوب الحث على الإنفاق والترغيب فيه
والوعد الجميل عليه كما اتخذت لذلك أسلوب التحذير من الشح والتنفير منه والوعيد الشديد عليه.
نقرأ ذلك فى الحديث القدسى رقم (١) و(٢) من أحاديثنا حيث يقول الله تعالى: ((يا ابن آدم أنفق
أنفق عليك)) - أى لا تخش نفاد ما لديك، فالله هو الرزاق ابتداء، واللّه رزاق حالا واستقبالا. خزائنه لا
تنفد - ((يمين اللَّه ملأى» - على الدوام، معطاءة ((سحاء)) على الدوام، لا ينقصها العطاء مهما أعطت
((لا يغيضها شيء)) دوام ((الليل والنهار)).
لو تدبرنا كم أنفقت البشرية؟ وكم استهلكت من أرزاق منذ خلق السموات والأرض؟ لو تصورنا
ذلك تخيلنا كماً هائلا، ومع ذلك لم تنفد خزائنه، بل لم تنقص، فهو القائل جل شأنه ((لو أن أهل
السموات والأرض قاموا فى صعيد واحد فطلب كل منهم ما طلب فأعطيت كلا منهم مسألته ما نقص
ذلك من ملكى شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا غمس فى البحر)). أرأيتم ماذا أنفق مذخلق السموات
والأرض؟ فإنه لم ((يغض)) ولم ينقص ((ما فى يمينه)) يعطى ويمنع، كل يوم هو فى شأن، يرفع أقواماً
ويخفض آخرين ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِرُّ مَنْ تَشَاءُ
وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَبِّتَ مِن الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧،٢٦].
٣٥٨

هل من يقرأ ذلك يخشى الفقر من الإنفاق. إن الإمساك خشية الفقر وسوسة من إبليس
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة: ٢٦٨].
إن الوعد من الذى لا يخلف وعده، القادر الذى يملك كل شيء يجعل المنفق واثقاً من أن اللّه
سيخلف عليه ما أنفق أضعافاً مضاعفة فى الدنيا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرضُ اللَّهَ
قَرْضًا حَسَنَّا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وَمصداقاً
لقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرَ الرَّازِقِينَ﴾ [سَبأ: ٣٩].
وإن الأحاديث التى تدعو إلى الإنفاق وتعد بأن اللَّه يخلف على المنفق كثيرة، فالحديث الثالث
والعشرون يقول: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً
خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفاً)). قال النووى: قال العلماء هذا فى الإنفاق فى الطاعات
ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك، بحيث لايذم ولا يسمى سرقاً،
والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا. اهـ
وقال القرطبى: هو يعم الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات لا يستحق هذا الدعاء،
إلا أن يغلب عليه البخل المذموم، بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذى عليه لو أخرجه.اهـ
ومن المعلوم أن دعاء الملائكة مجاب، لقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث آخر: ((فإن من وافق
تأمينه تأمين الملائكة غفرله ما تقدم من ذنبه»، لكن الإجابة للدعاء بالخلف للمنفق تحتمل ثلاثة
أمور: إما العوض المالى مع المضاعفة فى الدنيا، وإما أن يدفع عنه من السوء فى الدنيا بما يقابل
نفقته، وإما أن يحتفظ له بالعوض كثواب أخروى، وسنتحدث عن الأخير فيما بعد. والإجابة للدعاء
بالتلف للممسك تحتمل خمسة أمور: إما تلف فى المال الموجود بالضياع أو عدم الانتفاع بصرفه
فيما لا ينفع أو فيما يضر، وإما تضييق فى الرزق، فيكون الممنوع فى حكم ما أعطى وتلف، وإما تلف
فى غير المال من النعم الأخرى كتلف الأنفس والصحة، وإما انشغال بأموال عن الطاعات، فتكون
الطاعات غير الحاصلة فى حكم التى وصلت وأحبطت، وإما ضياع الأجر والثواب وضياع الحسنات
التى كان من الممكن تحصيلها بالإنفاق، فتكون الحسنات الضائعة فى حكم الحاصلة التالفة.
وظاهر الحديث فى إخلاف المال للمنفق وإتلافه عليه فى الدنيا. وكثير من الناس بحكم الطبيعة
البشرية يحرص على الإخلاف المالى فى الدنيا ويدفعه ذلك إلى الإنفاق، وقد كانت الأحاديث (٥٣)،
(٥٤)، (٥٥) صريحة فى ذلك، ففى ألفاظها «أنفقى أو انضحى أو انفحى، ولا تحصى فيحصى الله
عليك)). ((ولا توعى فيوعى الله عليك))، ((ارضخى ما استطعت، ولا توعى فيوعى الله عليك)).
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فأموال الربا
نهايتها المحق لا محالة، وأموال الصدقات نامية فى الدنيا بإذن الله، كما يزيده تأكيداً قوله جل
شأنه: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِن رِدًّا لِيَرْيُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِن رَّكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ
فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].
٣٥٩

هذه شعبة من شعب فوائد الإنفاق التى تعود على صاحبها فى الدنيا.
الشعبة الثانية أن المنفق تسخو نفسه، وتصفو روحه، وتنمو قناعته، وتتسع عليه
الحياة، ويحس بالراحة والسعادة، ويصبح من حوله من الناس أحباباً له، يحرصون على
مصالحه، ويدفعون عنه ما عساه أن يضره، ويتمنون له الخير، ويقل أعداؤه ويزداد أمنه،
يقول المنفلوطى فى هذا المعنى: أحسن إلى الفقراء والمساكين، وأعدك وعداً صادقاً أنك
ستمرفى بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره من حيث لا
يعلم بمكانك أنك أكرم مخلوق وأشرف إنسان، ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك أن
يجزيك الله خيرًا بما صنعت فيدعو صاحبه بدعائه. وهنالك تجد من سرور النفس وحبورها
بهذا الذكر الجميل فى هذا الحى الخامل ما يجده الصالحون إذا ذكروا فى الملا الأعلى. اهـ
يصور هذه الشعبة أقوى تصوير الحديث (٤٠)، (٤١)، (٤٢) إذ ضرب رسول الله﴿ مثلا للبخيل
والمنفق، وشبههما برجلين يلبس كل منهما درعاً من حديد نسج فى حلقات، يغطى من أعلى الكتفين
إلى أسفل الثديين، مقيداً اليدين، فإذا ما تصدق المتصدق، وأنفق المنفق اتسع الدرع، وتمددت
الحلقات حتى يصبح ثوبًا واسعًا، يغطى اليدين حتى أطراف الأنامل دون أن يقيد حركتها، ويغطى
جميع البدن، وينسدل حتى يغطى القدمين، بل يزيد شبراً يجر بالأرض، فيصبح هذا الرجل مستورًا،
آمناً، موسعاً عليه، مرتاح النفس، حر الحركة، راضياً مرضياً، وإذا ما فكر البخيل فى الإنفاق تراجع
وأمسك، فيضيق الدرع وتنكمش الحلقات وتضيق، وتلتصق كل حلقة على مكانها من الجسد
فتضايقه، حتى تغل يديه إلى عنقه، فيضيق تنفسه، يبيت فى هم ماله، وعده وكيفية زيادته، وفى
طريقة حفظه أو إخفائه عمن حوله، يبيت يعمل فيه كما يعمل السارق. هم وخوف بالليل، وانشغال
بالنهار، إحساس بالفقر وهو غنى، وشعور بالحاجة وعنده الكثير، الحياة ضيقة عليه مع سعة العيش،
ونفسه يختنق وحوله الهواء، يبحث عن السعادة فلا يجدها، يتعب نفسه فى توسيع الدرع فلا يتسع.
الشعبة الثالثة: أن المنفق يكتسب الرفعة والمكانة، ويعلو بنفسه بين أفراد المجتمع، فاليد
المعطية فوق اليد الآخذة، ((واليد العليا خير من اليد السفلى)»، كما هو صريح الحديث (٦٠) وقد قيل:
أطعم الفم تستح العين، والإنسان عبد الإحسان، والآخذ كثيراً مايذل ويخضع للمعطى، قال الشاعر:
على يدا أغضى لها حين يغضب
خلقت عيوفا لا أرى لابن حرة
ويقول آخر:
فطالما استعبد الإنسان إحسان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
الشعبة الرابعة: أن المنفق يسهم بشكل كبير فى إصلاح بيئته؛ مما يعود عليه بالنفع لا محالة،
فالتكافل الاجتماعى ليس فى مصلحة الآخذ وحده فى الدنيا بل فى مصلحة المنفق أيضاً؛ بل قد
يكون المستفيد بصفة أكثر، فقضاء مصالحه موقوف على عطائه، يصور هذه الشعبة أصدق تمثيل
الحديث رقم (٣٦) والحديث رقم (٤٣) ففقراء مضر، ومظهر الشدة والحاجة التى جاءوا عليها
٣٦٠