النص المفهرس
صفحات 281-300
وحجة الجمهور ما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن معاذ بن جبل قال: ((بعثنى رسول اللَّه
** إلى اليمن، وأمرنى أن آخذ من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة)).
وهناك أقوال أخرى فى نصاب البقر ومقدار زكاته رأينا عدم التعرض لها مخافة التطويل، فمن
أرادها فليرجع إليها فى كتب الفقه.
وواضح من قول الجمهور أن الشريعة الإسلامة قد شجعت تربية هذا النوع من الماشية بإعطاء
فترة سماح خالية من الزكاة بصفة عامة. تسع من البقربين كل فرضين، وفترة سماح أطول بين
الأربعين والستين فوصل الوقص إلى تسع عشرة، والاحتفاظ بفترة السماح بين كل فرضين مهما بلغ
العدد يجعل للشريعة الإسلامية ميزة منفردة عن نظم العالم المعاصر التى تفرض الضرائب تصاعدياً
مما يتنافى وتشجيع الاستثمار.
وإذا كانت فترة السماح فى البقرلم تبلغ فترة السماح فى الإبل فقد عوض البقر بفترة سماح أكبر
فى أول النصاب، إذ عفى عن تسع وعشرين من البقر بينما لم يعف عن الإبل إلا عما دون الخمس.
والله أعلم.
أما نصاب الغنم فأوله أربعون، وليس فيما دون ذلك صدقة واجبة. وفى الأربعين شاة واحدة وهذه
النسبة هى عينها نسبة الزكاة فى النقدين وعروض التجارة ربع العشر [٢,٥٪] ولو لاحظنا فى الإبل أن
خمساً منها تقرب فى تقديرها من أربعين شاة حيث قالوا فى الهدى: إن الناقة تكفى عن سبعة. وفى
قول لسعيد بن المسيب، وإسحق وابن خزيمة: أنها تكفى عن عشرة لحديث رواه ابن خزيمة فى
صحيحه: ((أن رسول اللَّه﴿ قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير)». لو لاحظنا ذلك وجدنا أول نصاب
الغنم وأول نصاب الإبل ومقدار الزكاة فيهما متقاربًا.
ويبقى الواجب شاة واحدة حتى تبلغ الغنم مائة وإحدى وعشرين فيجب شاتان، ويبقى الواجب
شاتين حتى تبلغ الغنم مائتين وواحدة فيجب ثلاث شياه، ويبقى الواجب ثلاث شياه حتى تبلغ
الغنم أربعمائة فيجب أربع شياه، فإذا بلغت خمسمائة فخمس شياه، وستمائة ست شياه، وهكذا فى
كل مائة شاة، ولا يتغير الفرض إلا عند رأس المائة.
(فائدة) الضرائب التى تفرضها الدول فى العصر الحديث أنواع: منها الضريبة ذات النسبة
الثابتة من أول الفرض إلى مالا نهاية كأن يقال: إذا بلغ الدخل ألف جنيه فما زاد فالضريبة [٥٪]
مثلا. ومنها الضريبة التصاعدية ذات الشرائح المستقلة كأن يقال مثلا: ضريبة مازاد على الألف
الأولى حتى الألفين [٥] وضريبة ما زاد على الألفين حتى الثلاثة [٧] وضريبة ما زاد على الثلاثة
حتى الأربعة [١٠٪] وهكذا، وقد وصلت هذه الضريبة التصاعدية فى بعض البلاد إلى [٦٠٪].
ومنها الضريبة التصاعدية ذات الشرائح المتداخلة كأن يقال مثلا: ضريبة ما زاد على الألف الأول
حتى الألفين [٥٪] فإذا ما زاد على الألفين حتى الثلاثة فالضريبة من أول وعائها تنتقل إلى [v]
٢٨١
وهكذا، وفى مثل هذه الحالة قد يتمنى من ترقى وحصل على علاوة يتمنى لو أنها لم تكن، لأن مجموع
دخله سینقص لایزید.
ولم نسمع فى الاقتصاد الحديث أن دولة من دول العالم جعلت الضربية تنازلية، تقل كلما زاد
الدخل. لكن نظام زكاة الإسلام فى أغلب ما يزكى ينحو ناحية التنازلية، وفى القليل يثبت النسبة
لهدف جليل، فهو فى الاستثمار والنتاج الحيوانى الذى ينتفع به كافة البشر يشجع ويغرى فينزل
بنسبة الزكاة إذا زاد الإنتاج، ولما كان لا يشجع الاكتناز وكثرة النقد كيلا يكون دولة بين الأغنياء
ثبت النسبة على [٢.٥٪].
وقد مربنا قريباً فى زكاة الإبل أن المقدار الواقع بين نصابين والمعفى من الزكاة يرتفع كلما كثر
الإنتاج والاستثمار، فرأينا الأوقاص التى كانت أربعة صارت عشرة، ثم صارت أربعة عشر، ثم صارت
تسعة وعشرين، مما ينزل بنسبة الزكاة، وهكذا الأمر فى نسبة زكاة البقر، لكن هذه الظاهرة فى زكاة
الغنم واضحة وكبيرة، فزكاة الغنم بدأت بـ[٢.٥٪] فى أربعين شاة: شاة واحدة، ثم انخفضت حتى
وصلت أقل إلى من [١] حين تبلغ الغنم مائة وعشرين ففيها شاة واحدة. وحين ارتفعت إلى شاتين
فى مائة وإحدى وعشرين أى إلى أقل من [٢٪] أخذت تنخفض حتى وصلت إلى [١٪] حين بلغت
الشياه مائتين وفيها شاتان، وحين ارتفعت إلى ثلاث شياه فى مائتين وواحدة بنسبة [١,٥٪] أخذت
تنخفض حتى وصلت إلى أقل بكثير من [١] حين بلغت الشياه تسعاً وتسعين وثلاثمائة وفيها ثلاث
شياه، ثم ثبتت فى كل مائة شاة، وهى فى هذا لم تقف عند ١٪ بل هى تنخفض أيضاً بسبب الأوقاص،
ففى تسع وتسعين وخمسمائة: خمس شياه.
وهكذا يتبين بجلاء ميزة الاقتصاد فى تشريع الإسلام على غيره من التشريعات الوضعية، وأنه
يشجع الإنتاج والاستثمار ويدفع العاملين إلى زيادة العمل للحصول على زيادة الثمر فتعمر الأرض
ويزيد الخير ويعم الرخاء.
وأما زكاة النقد فقد نصت على نصابه فى الفضة الرواية الأولى والثانية والرابعة، وفيها: ((وليس
فيما دون خمس أواق صدقة»، وفى الرواية الخامسة: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة».
والورق الفضة.
والمقصود بالنقد هنا الذهب والفضة، سواء أكانا مضروبين دنانير ودراهم أو كانا مصنعين حلياً
وأوانى، أو كانا سبائك، على خلاف يأتى فى حلى النساء.
والأوقية أربعون درهماً، فالخمس الأواقى مائتا درهم، فنصاب الفضة مائتا درهم، تبلغ مائة
وأربعين مثقالا، حيث إن الدرهم سبعة أعشار المثقال، وقد قدر النصاب بـ(٥٩٥) بخمسة وتسعين
وخمسمائة من الجرامات.
فمن ملك من الفضة نقوداً أو سبائك ما يبلغ هذا الوزن وجبت عليه الزكاة.
وأما نصاب الذهب فلم يرد فى أحاديث الباب ولا فى الأحاديث الصحيحة، لكن مجموع ما ورد
٢٨٢
فيه يجعله سندًا قويا يعمل به، من ذلك ما رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر وعائشة: ((أن النبى وَلَّ
كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار)). وكان عمل الصحابة وإجماع الأمة على هذا
وأن نصاب الذهب عشرون مثقالا، أى ما يساوى خمسة وثمانين جرامًا.
قال القاضى عياض: المعول عليه فى نصاب الذهب الإجماع.
وقال مالك فى الموطأ: السنة التى لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب فى عشرين دينارًا عينًا
-يعنى ذهباً- كما تجب فى مائتى درهم.
وقال الشافعى فى الأم: لا أعلم اختلافاً فى أن ليس فى الذهب صدقة حتى تبلغ عشرين، فإذا
بلغت عشرين مثقالا ففيها الزكاة. اهـ
كما أجمع المسلمون على أن المقدار الواجب فى زكاة الذهب والفضة ربع العشر، بعد أن يحول
الحول. وقد حاول بعض العلماء أن يربط بين قيمة النصاب فى الذهب والفضة وبين النصاب فى
الزروع أو المواشى إذا ارتفعت أو انخفضت قيمة الذهب والفضة، بحيث يرتفع بوزن النصاب فيهما
إذا انخفضت قوة الشراء بهما، وينخفض بوزن النصاب فيهما إذا ارتفعت قوة الشراء بهما، لكن هذه
المحاولة مردودة، فإن الشرع هو الذى حدد المقادير، ولا مجال للاجتهاد فيها، فالزرع زرع، والإبل إبل،
والبقر بقر، والذهب ذهب، والفضة فضة. ولا يستطيع العلماء - فيما أعتقد- أن يعللوا: لماذا كان أول
نصاب الإيل خمساً؟ بينما كان أول نصاب البقر ثلاثين؟ فالبحث فى القوة الشرائية خبط ودخول
فى متاهات يكثر فيها المخطئ ويقل المصيب.
أما الأوراق النقدية المتداولة فى هذا العصر بديلة عن الذهب والفضة اللذين كانا متداولين
كأساس للتعامل وكأثمان للأشياء، فعنها جاء فى كتاب ((الفقه على المذاهب الأربعة)) ما يلى:
١- الشافعية قالوا: الورق النقدى، التعامل به من قبيل الحوالة على البنك بقيمته، فيملك قيمته
ديناً على البنك، والبنك ملىء، مستعد للدفع، حاضر، ومتى كان المدين بهذه الأوصاف وجبت زكاة
الدين فى الحال.
٢- الحنفية قالوا: الأوراق المالية -البنكنوت- من قبل الدين القوى، إلا أنها يمكن صرفها فضة
فوراً، فيجب فيها الزكاة فورًا.
٣- المالكية قالوا: أوراق البنكنوت - وإن كانت سندات دين إلا أنها يمكن صرفها فضة فوراً
وتقوم مقام الذهب فى التعامل، فيجب فيها الزكاة بشروطها.
٤- الحنابلة قالوا: لا تجب زكاة الورق النقدى إلا إذا صرف ذهباً أو فضة ووجدت فيه
شروط الزكاة.
ويقول الشيخ محمد حسنين مخلوف فى رسالته ((التبيان فى زكاة الأثمان)»: زكاة
الأوراق المالية باعتبار قيمتها الوضعية عند جريان الرسم بها فى المعاملات واتفاق الملة
٢٨٣
على اتخاذها أثمانًا للمقومات، وعلى ذلك فوجوب الزكاة فيها ثابت بالقياس كزكاة
الفلوس والنحاس. اهـ
ويقول الشيخ القرضاوى فى كتابه ((فقه الزكاة)): إن هذه الأوراق أصبحت - باعتماد السلطات
الشرعية إياها، وجريان التعامل بها- أثمان الأشياء ورءوس الأموال؛ وبها يتم البيع والشراء والتعامل
داخل كل دولة، ومنها تصرف الأجور والرواتب والمكافآت وغيرها، وعلى قدر ما يملك المرء منها
يعتبر غناه، ولها قوة الذهب والفضة فى قضاء الحاجات، وتيسير المبادلات وتحقيق المكاسب
والأرباح، فهى بهذا الاعتبار أموال نامية أو قابلة للنماء، شأنها شأن الذهب والفضة. اهـ
وهذا كلام جيد، فأوراق البنكنوت اليوم لا تستمد قيمتها من أن المدين بها البنك الملىء المقر
الحاضر المستعد للدفع، وإنما تستمد قيمتها من قوة التعامل بها، إذ يمكن لحاملها فى الحال أن
يشترى بها ذهباً وفضة، فتتحول فى غمضة عين إلى ذهب، وفضة فوجوب الزكاة فيها لا يقبل النقاش
على هذا الأساس.
أما أوانى الذهب والفضة وتحفهما فحرام استعمالها للرجال والنساء جميعاً، ولا خلاف بين
العلماء فى أن ما حرم استعماله من الذهب والفضة وجبت الزكاة فيه.
لكن هل المعتبر فى النصاب هنا الوزن أو القيمة التى ترتفع بحسن الصنعة؟ قولان نختار الأول.
وأما الحلى من الذهب والفضة فشأنها مع الرجال شأن استعمال أوانيهما، حرام وفيها الزكاة،
لكن الحلى للنساء ذهباً كانت أو فضة فى زكاتها خلاف أوجب بعضهم فيما بلغ نصابا الزكاة مطلقاً،
ولم يوجبها بعضهم مطلقاً، وبعضهم أوجبها فيما جاوز المعتاد لأمثالها، وفيما اتخذ كنزاً. وهو الذى
نميل إليه. والله أعلم.
وأما عروض التجارة فلم ترد زكاتها فى أحاديث الباب، لكن نقل ابن المنذر الإجماع على زكاتها
إذا بلغت نصابا وحال عليها الحول، قال: أجمع أهل العلم على أن فى العروض التى يراد بها التجارة
الزكاة إذا حال عليها الحول، روى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة والحسن
وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاووس والنخعى والثورى والأوزاعى والشافعى وأبو عبيدة وإسحاق
وأصحاب الرأى (أبو حنيفة وأصحابه) وهو مذهب مالك وأحمد.
وقال القاضى ابن العربى: الزكاة واجبة فى العروض من أربعة أدلة:
الأول: قول اللَّه عز وجل: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وهذا عام فى كل مال.
الثانى: أن عمر بن عبد العزيز كتب بأخذ الزكاة من العروض، وحكم بذلك على الأمة، وقضى به،
فارتفع الخلاف بحكمه.
الثالث: أن عمر بن الخطاب قد أخذها قبله.
٢٨٤
الرابع: أن أبا داود ذكر عن سمرة بن جندب: ((أن النبى # كان يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد
للبيع)». قال: ولم يصح فيه خلاف عن السلف. اهـ
وقال الخطابي: وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أن لا زكاة فيها. وهو مسبوق بالإجماع.
وأما الركاز ونعنى به الكنز الذى يوضع فى الأرض بفعل المخلوق والمعدن الذى يوجد فى الأرض
بخلق الخالق، فلم تتعرض له أحاديث الباب، لكن الحنفية على أن فيه الخمس استناداً إلى حديث:
((فى الركاز الخمس)). رواه الجماعة. وذهب أحمد إلى أن فيه ربع العشر، وهو قول لمالك والشافعى،
وفى قول لمالك: أن ما يتكلف مؤونة عمل فيه ربع العشروما لا يتكلف مؤونة عمل فيه الخمس.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- بيان أقل النصاب لزكاة الإبل والفضة والزروع والثمار.
٢- بيان المقدار الواجب إخراجه زكاة فى الزروع والثمار.
٣- استدل بالرواية السابعة بعض أهل الظاهر على عدم وجوب الزكاة فى العبد والفرس مطلقاً ولو
كانا للتجارة، ورد عليهم بأن زكاة التجارة تشمل العروض التى لا زكاة فيها، فنفى زكاتها فى
التربية لا ينفى زكاتها للتجارة، وزكاة التجارة لكل العروض ثابتة بالإجماع، فيخص به العموم فى
هذا الحديث. وقد مرقريباً مذاهب العلماء فى زكاة الخيل.
٤- ويؤخذ من الرواية التاسعة بعث الإمام السعاة والعمال لجباية الزكاة، والحديث مشعر بأن بعث
عمر إنما كان لصدقة الفرض، لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة. وقال ابن القصار المالکی:
الأليق أنها صدقة التطوع، لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض، وتعقب بأن ما منعوه
كلهم جحداً ولا عناداً. أما ابن جميل فقد قيل: إنه كان منافقاً ثم تاب بعد ذلك، وأما خالد فكان
متأولا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة، وكذلك العباس.
٥- ويؤخذ منه عذر المؤول، فقد قبل صلى الله عليه وسلم عذر خالد والعباس ودافع عنهما.
٦- واستدل بقصة خالد على جواز إخراج مال الزكاة فى شراء السلاح وغيره من آلات
الحرب، والإعانة بها فى سبيل اللّه، وذلك بناء على أن رسول اللّه ◌ِ لم يقبل إخبار من
أخبره بمنع خالد، حملا على أن خالداً لم يصرح بالمنع وإنما نقلوه عنه بناء على ما
فهموه، ويكون معنى ((تظلمون خالداً)) أى بنسبتكم إياه إلى المنح وهو لا يمتنع، وكيف
يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله؟.
كما يجيب الجمهور بجواب آخر؛ وهو أنهم ظنوا أن الخيل والعتاد للتجارة فطالبوه بزكاة
قيمتها، فأعلمهم صلى الله عليه وسلم بأنه لا زكاة عليه فيما حبس.
٧- واستدل بالقصة على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح.
٨- وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسه.
٢٨٥
٩- وعلى جواز إخراج العروض فى الزكاة.
١٠- وعلى صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية، ويجوز إخراجها للمجاهدين، وهذا ظاهر صنيع
البخارى. ونقل عن بعض السلف أنه كان لا يرى بأساً من أن يعطى الرجل من زكاة ماله فى
الحج. والأكثرون على أن المراد من سبيل اللّه الغازى غنياً كان أو فقيراً، إلا أن أبا حنيفة قال:
يختص بالغازى المحتاج. وعن أحمد وإسحاق: الحج من سبيل اللَّه. قاله الحافظ ابن حجر، ثم
قال: وتعقب ابن دقيق العيد جميع ذلك بأن القصة واقعة عين؛ محتملة لما ذكر ولغيره، فلا
ينهض الاستدلال بها عن شيء مما ذكر. قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد إرصاداً وعدم
تصرف، ولا يبعد أن يطلق على ذلك التحبيس، فلا يتعين الاستدلال بذلك لما ذكر.
١١ - وفي قصة ابن جميل تنبيه الغافل على ما أنعم الله به عليه من نعمة الغنى بعد الفقر، ليقوم بحق
الله علیه.
١٢- والعتب على منع الواجب، والتقريع بسوء الصنيع.
١٣ - وجواز ذکره فی غيبته بذلك.
١٤- واعتذار الإمام عن بعض الرعية بما يسوغ الاعتذار به.
١٥- ومن قوله: ((وأما العباس فهى علىَّ ومثلها معها)). التزام الإمام وتحمله عن بعض الرعية ما يجب
عليه. وقيل معناه: هى عندى قرض، لأننى استلفت منه صدقة عامين. وقد أخرج الترمذى أن
النبى # قال: ((إنا كنا احتجنا فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين)». واستبعد هذا بادعاء
أن قصة التعجيل إنما وردت فى غير هذا الوقت، لأنها لو كانت فى ذات الوقت لأخبر الرسول
* عمر بذلك لئلا يطالبه، ولكان الاعتذار عن عمه بذلك وليس بقوله: «أما شعرت أن عم الرجل
صنوأبيه)). لكن رواية الدارقطنى تصرح بأن قصة التعجيل هى فى الوقت ذاته، فلفظها: ((أن
النبى* بعث عمر ساعياً، فأتى العباس فأغلظ له؛ فأخبر النبي * فقال: «إن العباس قد أسلفنا
زكاة ماله العام والعام المقبل)». قال الحافظ ابن حجر: وفى إسناده ضعف، ولو ثبت لكان رفعاً
للإشکال.
والله أعلم
٢٨٦
(٢٨٩) باب زكاة الفطر
١٩٧٩ - ٣ ١ عَنْ ابْنِ عُمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى
النّاسِ صَاعًا مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِن الْمُسْلِمِينَ.
١٩٨٠ - ٣ عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٣) قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا
مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرِّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ.
١٩٨١- ثَّمٍ عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٤) قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ ◌َّصَدَقَةَ رَمَضَانْ عَلَى
الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذِّكَرٍ وَالْأُنْفَى صَاعًا مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ. قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ
صَاعٍ مِن بُرُ.
١٩٨٢ - °ْ عَن عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٥) قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ بِزَكَاةِ
الْفِطْرِ صَاعٍ مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعٍ مِن شَعِيرٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنٍ مِن حِنْطَةٍ.
١٩٨٣ - ٥ْعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرٍ
مِن رَمَضَانْ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِن الْمُسْلِمِينَ حُرٌ أَوْ عَبْدٍ أَوْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا
مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِن شَمِيرٍ.
١٩٨٤ - ١:٣٢ِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾(١٧) قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ
صَاعًا مِن شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِن أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِن زَبِيبٍ
١٩٨٥ - ١٨ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٨) قَالَ: كُنّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِعِ
زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرِّ أَوْ مَمْلُوكٍ صَاعًا مِن طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِن أَقِطٍ أَوْ صَاعًا
(١٢) حَذَِّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ فَعْنَبٍ وَقُتَنْيَهُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدََّنَا مَالِكْ وحَدََّا يَحْتَى بْنُ يَحْبَى وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكٍ عَن نَافِعٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ
(١٣) حَدََّا ابْنُ نُمَّرِ حَدََّّا أَبِي ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَاللّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّقْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ
عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٤) وحَدَّثَنَاْ يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
(١٥) حَدَّنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَذَّثَنَا لَيْثٌ ح وحَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَخْيَرْنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرٌ قَالَ
(١٠) وحّدَثَّا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّقَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبُرْنَا الضَّحَّكُ عَن نَافِعٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(١٧) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَّى مَالِكٍ عَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ عِيَّاَضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَّنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنْهُ سَمِعَ
أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ يَقُولُ
(١٨) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَغْنَبِ حَدََّا دَاوُهُ يَعْنِي ابْنَ قَّيْسٍ عَنْ عِيَاضِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
٢٨٧
مِن شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِن زَبِيبٍ. فَلَمْ تَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي
سُفْيَانَ حَاجًا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكّانُ فِيمَا كُلُمَّ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى
أَنَّ مُدَّيْنٍ مِن سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِن تَمْرٍ. فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنّا
فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ.
١٩٨٦ - ١٩ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ ◌َ﴾(١٩) قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَرَسُولُ اللَّهِعِ لَّ
فِيْنَا عَن كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرِّ وَمَمْلُوكٍ مِن ثَلاثَةِ أَصْنَافٍ صَاعًا مِن تَمْرِ صَاعًا مِن أَقِطٍ صَاعًا
مِن شَعِيرٍ. فَلَمْ تَزَلْ تُخْرِجُهُ كَذَلِكَ خَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةٌ، فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنٍ مِن بُرِّ تَعْدِلُ صَاعًا مِن
تَمْرٍ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ.
١٩٨٧ - ٢١ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّصَ﴾ (٢٠) قَالَ كُنَّا تُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِن ثَلاثَةِ أَصْنَافٍ
الأَقِطِ وَالتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ.
١٩٨٨ - ٣١ِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّتَ﴾(٢١) أَنَّ مُعَاوِيَةً لَمَّا جَعَلَ نِصْفَ الصَّاعِ مِن الْحِنْطَةِ
عَدْلَ صَاعٍ مِن تَمْرٍ، أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: لا أُخْرِجُ فِيهَا إِلا الْذِي كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ
رَسُولِ اللَّهِ﴿ّصَاعًا مِن تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِن زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِن أَقِطٍ.
١٩٨٩ - ٢٢ عَن ابْنِ عُمّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌َّ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ
تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ.
١٩٩٠ - ٢٣ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَ بِإِخْرَاجٍ زَكَاةِ
الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ.
المعنى العام
إن الله الذى أعطى جعل عطاءه سببًا فى تراحم البشرية وترابطها وتآلفها وانعطاف بعضها على
بعض، كما جعله سببًا فى الأجر والثواب ونعيم الآخرة.
(١٩) حَذََّا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَن مَعْمَرٍ عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنِ أُمَيَّةً قَالَ أَخْبَرَنِي عِيّاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
سَعْدِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنَّهُ سُمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﴿ يَقُولُ
(٢٠) وحَدَِّي مُحَمَّدُ بْنُّ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرََّّاقِ أَخْبَرَّنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ عِيَاضٍ بْنِ
عَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ
(٢١) وحَدَّنِيَ عَمْرٌو النَّقِدُ حَدَّثَنَا حَاِمُ بْنُ إِسْمَعِلَ عَنِ ابْنِ عَجْلِانْ عَنِ عِيّاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(٢٢) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا أَبُو خَيْئَمَّةَ عَنِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَن نَافِعٍ عَنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ
(٢٣) حَدَّثَنَا مُحْمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبُرَنَا الضَّحَّاكُ عَن نَافِعٍّ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
٢٨٨
وقد عنى الإسلام بالفقراء أكثر من عنايته بالأغنياء، ونشر عليهم مظلة الرعاية بزكاة الأموال، نشر
عليهم مظلة الرعاية فى الأعياد، وفى الولائم والمناسبات، وفى سائر الأيام بالصدقات.
وشاءت الحكمة الإلهية أن تكون المظلة واجبة على القادرين فى بعض الأحيان،
ومندوبة ومستحبة على سبيل التطوع فى البعض الآخر، ليصل الحق إلى الفقير عن طريق
النفوس الشحيحة مرغمة ملزمة، مستجيبة لأمر ربها فتثاب رغم أنفها، وعن طريق نفوس
سخية كريمة، فرحة بالإعطاء سعيدة بيدها العليا شاكرة فضل ربها، فيضاعف أجرها
أضعافاً كثيرة، ويزاد فى نعمائها لتزيد من عطائها.
إن فقر الفقير ليس لهوانه على اللّه، وإن غنى الغنى ليس علامة على رضى الله عنه، وإنما الكل
امتحان واختبار، الفقر اختبار، والغنى اختبار، صبر الفقير هو المطلوب، وشكر الغنى هو المقصود،
ليقول الفقير: اللهم لك الحمد فى السراء والضراء. وليقول الغنى: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ
أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَّفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
وصدقة الفطر تختلف عن الزكاة المالية فى تكليفها وغايتها، فهى قليلة المقدار، صاع من تمر أو
حب عن كل فرد فى العام، أربع حفنات من طعام، ما أخفها وما أعظم ثوابها، وهى واجبة على جميع
المسلمين، وليست على الأغنياء منهم أو المكلفين، فهى واجبة على كل حر وعبد، عن كل ذكر وأنثى،
عن كل صغير وكبير، من كان مكلفاً أخرج بنفسه وعن نفسه، ومن كان غير مكلف أخرج عنه وليه،
وهى واجبة على كل من يملك قوته يوم العيد وليلته. وهل هناك من لا يملك قوت يومه؟ إن الفقراء
يملكون قوت أيام بل شهور، إذن هى واجبة على الفقراء؟ وماذا فى ذلك؟ ماذا فى أن يأخذ الفقير
الزكاة ويعطى الزكاة؟.
ألم يقل الشاعر وهو يزهو ويفخر بمكارم خلاله:
يجود علينا الخيرون بمالهم
ونحن بمال الخیرین نجود
أليس فى ذلك انعطاف كل مسلم على أخيه المسلم؟ أليس فى ذلك وضع اليد فى اليد
وتماسك أيدى المسلمين؟ أليس هذا هو التعاون الكامل الذى تحكم به الإنسانية؟ إنها
صدقة الفطر، إنها طهرة الصائم، إنها زكاة الفلاح، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ وَذَكَرَاسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥].
لقد حرص الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين- على هذه الزكاة كل الحرص، بل حرصوا على
مقاديرها بكل دقة، وقد رأى معاوية أن حفنتين من قمح جيد لم يكن موفورًا فى زمن النبى { /، رأى
أنهما تعدلان أربع حفنات من شعير أو تمر فأفتى بذلك وهو خليفة، فعارضه أبو سعيد الخدرى، وأصر
على المساواة فى الكيل وإن غلا الصنف، وقال قولته: هذا تقدير معاوية، أما أنا فسأظل أخرج صاعاً
كاملا أبدًا ما حييت. رضى الله عنهم أجمعين، ورضى عنا معهم وهو أكرم الأكرمين.
٢٨٩
المباحث العربية
(فرض زكاة الفطر من رمضان) الفرض القطع والتقدير، أى قطع وقدر زكاة الفطر صاعًا
إلخ .... على سبيل الإلزام والإيجاب فهى فرض، أو على سبيل الندب فهى سنة، وسيأتى الخلاف فيها
فى فقه الحديث، وواضح من التعبير أن تشريعها بالسنة لا بالقرآن.
والجار والمجرور ((من رمضان)) متعلق بالفطر، وحين يقال: أفطر من رمضان يصدق على الإفطار
المعتاد فى أيام الشهر عند غروب شمس آخر يوم، ويصدق على الفطر الذى تختلف به أيام رمضان
عن يوم العيد فيكون بطلوع فجريوم العيد، لهذين الاحتمالين اختلف العلماء فى وقت وجوب الزكاة.
وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف، لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على
وقت الوجوب، بل تقتضى إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من
دليل آخر.
(على الناس) عام مخصوص بالمسلمين، إذهم المكلفون بفروع الشريعة على الأصح.
(صاعًا من تمر) انتصب ((صاعًا)) على التمييز أو على أنه مفعول ثان لفرض، والصاع
أربعة أمداد، والمد ملء كفى الرجل المعتدل، أى حفنة رجل متوسط الجسم، والصاع المقدر
هو الصاع فى زمن النبى{ ل₪، وقدره بعض العلماء بقدح وثلث بالكيل المصرى، وجمهور
العلماء على أن الاعتماد على الكيل هنا لا على الوزن، لأن الحبوب، بل النوع الواحد من
الحبوب كالقمح مثلا منه الثقيل ومنه الخفيف.
والذين قدروه بالوزن اختلفوا، فمنهم من قدره بخمسة أرطال، ومنهم من قدره بستة، ومنهم من
قدره بخمسة أرطال وثلث رطل، وقدره الحنفية بثمانية أرطال.
(على كل حر أوعبد) ظاهر التعبير بـ)) على)» يفيد أن على العبد زكاة نفسه، وبه قيل. وقيل:
((على)) بمعنى ((عن)).
(من المسلمين) إذا كانت ((على)) على ظاهرها فواضح، لأن المخاطبين بالفروع المسلمون كما
سبق، وإن كانت بمعنى ((عن)) أفادت أن السيد، لا يخرج عن عبده الكافر.
(صدقة رمضان) الصدقة مأخوذة من الصدق، فكل معروف علامة على صدق الإيمان. وقال
الماوردى: الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، يفترق الاسم ويتفق المسمى. اهـ
والتحقيق أنهما مختلفان من حيث اللغة وليسا بمعنى واحد على التساوى فى عرف الشرع
واستعمالاته، فالزكاة هى القدر الواجب، والصدقة تعم الواجب والتطوع، فمن قبيل إطلاق الصدقة
على الزكاة الواجبة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
لِلْفُقَرَاء.﴾ [التوبة: ٦٠] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس فيما دون خمس أوسق صدقة)). ومن قبيل
٢٩٠
إطلاق الصدقة على المعروف المتطوع به حديث: ((كل معروف صدقة، حتى اللقمة تضعها فى فِيٍّ
امرأتك فهى صدقة)».
(فعدل الناس به نصف صاع من بر) أى جعلوا نصف الصاع من البرعدلا [بفتح
العين] أى معادلا ومماثلا للصاع من غيره. والمراد من الناس هنا معاوية ومن تبعه، كما هو
واضح من الرواية السابعة.
(أمر بزكاة الفطر صاع من تمر أوصاع من شعير) ((صاع)) بالجربدلا من ((بزكاة الفطر)).
(صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير ... ) ظاهره يقتضى المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر
بعده، قال العلماء: إن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فصله، فهو من قبيل عطف الخاص على العام، ففى
البخارى عن أبى سعيد: «كنا نخرج فى عهد رسول اللّه ** يوم الفطر صاعاً من طعام. قال أبوسعيد
وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر)).
(أوصاعًا من أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف - اللبن المتجمد الذى لم ينزع زيده.
(حتى قدم علينا معاوية) زاد ابن خزيمة: ((وهو يومئذ خليفة)).
(سمراء الشام) المراد بها الحنطة، وأضيفت إلى الشام لكثرتها هناك، ولم يكن بالمدينة منها
فى ذلك الوقت إلا الشىء اليسير.
(أما أنا فلا أزال أخرجه) أى أخرج الصاع، لا نصف الصاع.
(ما عشت) ((ما)) ظرفية دوامية، أى مدة حياتى.
(قبل خروج الناس إلى الصلاة) ((ال)) فى ((الصلاة)) للعهد، والمراد صلاة العيد.
فقه الحديث
نجمل نقاط الأحاديث فى خمس:
١ - حكم زكاة الفطر وحكمة مشروعيتها.
٢- على من تجب.
٣- الأنواع التى تخرج منها والقدر الواجب.
٤- وقت وجوبها.
٥- مايؤخذ من الأحاديث.
١- أما حكمها فجمهور العلماء من السلف والخلف على أنها فرض واجب، حتى حكى ابن المنذر
الإجماع على ذلك، لكن فى نقله الإجماع هنا نظر للخلاف الذى سيأتى.
٢٩١
والدليل على وجوبها التعبير فى الأحاديث الصحيحة بلفظ ((فرض)) فهو وإن كان فى أصل اللغة
بمعنى قدر لكن الشرع نقله إلى الوجوب فالحمل عليه أولى.
والتعبير فى بعض الروايات بلفظ: ((أمر)» كما فى روايتنا العاشرة والحادية عشرة، وهو لفظ
يستعمل فى الواجب غالباً.
والتعبير بلفظ ((على)» فى قوله ((على كل حر أو عبد»، فهو ظاهر فى الوجوب.
وتسميتها زكاة، كما هو الحال فى رواياتنا كلها فيما عدا الثالثة، فتسميتها زكاة يدخلها فى عموم
قوله تعالى: ﴿وَآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ [النور: ٥٦] ويكون شأنها شأن أنواع الزكاة الواجبة التى بينها رسول الله
* وفصل أحكامها، كزكاة الإبل والبقر والغنم وعروض التجارة والنقدين إلخ.
واستدل بعضهم على وجوبها بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَرَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] قال: ثبت أنها
نزلت فى زكاة الفطر، وثبت فى الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات.
واعترض عليه بأن تتمة الآية ﴿وَذَكَرَاسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] فيلزم وجوب صلاة العيد،
وأجيب بأن خروج صلاة العيد عن الوجوب إنما كان بدليل عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((هن
خمس، لا يبدل القول لدىَّ».
ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية.
لتسميتها صدقة فى بعض الروايات، وهو دليل أوْهَى من خيط العنكبوت.
وذهب إبراهيم بن عُلَيَّة وأبو بكر بن كيسان بن الأصم إلى أنها كانت واجبة ثم نسخ وجوبها،
واستدل لهما بما روى النسائى وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: «أمرنا رسول اللّه* بصدقة
الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ».
قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأن فى إسناده راوياً مجهولاً. وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه
على النسخ، لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لايوجب سقوط فرض آخر.
وقال أبو حنيفة: هى واجبة ليست فرضاً بناء على مذهبه فى الفرق بين الواجب والفرض.
قال النووي: والصواب أنها فرض واجب.
وحكمة مشروعيتها - كما قال النووى- أن العبادات التى تطول ويشق التحرز منها من أمور
تفوت كمالها، جعل الشارع فيها كفارة مالية بدل النقص، كالهدى فى الحج والعمرة وكذا الفطرة لما
يكون فى الصوم من لغو وغيره.
٢- أما على من تجب فقد قال الحافظ ابن حجر: قوله: ((من المسلمين)) [كما فى روايتنا الأولى]
مقتضاه أنها لا تجب على الكافر عن نفسه. وهو أمر متفق عليه.
وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة مثلا؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب،
لكن فيه وجه للشافعية ورواية عن أحمد. اهـ
٢٩٢
وقد اختلف الفقهاء فى الصبى والعبد والزوجة والنصاب، وفرق بعضهم بين أهل البادية وغيرهم.
أما الصبى: فظاهر أحاديث الباب أنها تجب عليه، ففى الرواية الثانية والخامسة
((صغير أو كبير)) فتجب على كل من استهل صارخاً قبل غروب شمس آخريوم من رمضان
وأدرك حيًّا جزءًا من شوال.
قال الحافظ ابن حجر: لكن المخاطب عنه وليه، فوجوبها على هذا فى مال الصغير، وإلا فعلى من
تلزمه نفقته. وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هى على الأب مطلقاً، فإن لم يكن له أب فلا
شىء عليه. وعن سعيد بن المسيب والحسن البصرى: لا تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث
ابن عباس مرفوعًا: ((صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث)». أخرجه أبو داود. قال النووي:
وتعلق من يوجبها بأنها تطهير، والصبى ليس محتاجًا إلى التطهير لعدم الإثم. وأجاب الجمهور عن
هذا بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس، فإنها تجب على من لاذنب له، كصالح محقق الصلاح؛
وككافر أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، فإنها تجب عليه مع عدم الإثم.
ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب عن الجنين. قال: وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه،
ونقل بعض الحنابلة رواية عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حزم لكن قيده بمائة وعشرين يومًا من يوم
حمل أمه به، وتعقب بأن الحمل غير محقق وبأنه لا يسمى صغيرًا عرفًا ولا لغة.
أما العبد فصريح أحاديث الباب أنها تجب عليه أو عنه، فلفظ الرواية الأولى ((على كل حر أو
عبد)» ولفظ الرواية الثانية ((على كل عبد أوحر)» ولفظ الرواية الثالثة («حرومملوك» وظاهرها إخراج
العبد عن نفسه. ولم يقل به إلا داود فقال: يجب على السيد أن يمكن العبد من الاكتساب الزكاة
الفطر، كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة. وخالفه أصحابه والعلماء، واحتجوا بحديث مسلم الذى
مرفى باب النصاب ومقدار الزكاة فى الرواية السابعة ولفظها: ((ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه
صدقة)). وفى الرواية الثامنة ولفظها: ((ليس فى العبد صدقة إلا صدقة الفطر)). فهما صريحتان فى أن
الصدقة على السيد. وذهب بعض الشافعية أنها تجب ابتداء على العبد ثم يتحملها السيد. وهو قول
حسن يجمع بين الروايات.
أما العبد الكافر فظاهر إطلاق ((حر أو عبد)» أن المسلم والكافر سواء وعلى السيد المسلم زكاتهما.
فقوله فى الرواية الأولى: «من المسلمين» صفة للمخرجين، لا للمخرج عنهم، وقد روى أن ابن عمر
كان يخرج عن أهل بيته حرهم وعبدهم، صغيرهم وكبيرهم، مسلمهم وكافرهم من الرقيق، وابن عمر هو
راوى حديث: ((من المسلمين)» وهو أعرف الناس بمراد الحديث. بهذا قال عطاء والثورى والحنفية
وإسحق، كما استدلوا بالعموم فى حديث مسلم: ((ليس فى العبد صدقة إلا صدقة الفطر)).
والجمهور على أنه لا يجب على السيد المسلم زكاة عبده الكافر، وعموم العبد الذى استدلوا به
يقضى عليه الخصوص بقوله: ((من المسلمين)» فهى صفة للمخرجين والمخرج عنهم، وأما إخراج ابن
عمر عن عبيده الكافرين -إن صح- فيحمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعاً ولا مانع منه.
٢٩٣
وهل تجب زكاة الفطر فى عبيد التجارة؟ قال البخارى: قال الزهرى فى المملوكين للتجارة:
يزكى فى التجارة ويزكى فى الفطر. وهذا هو قول الجمهور. وقال النخعى والثورى وأبو حنيفة: لا يلزم
السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، لأن عليه فيهم زكاة، ولا تجب فى مال واحد زكاتان. والأول أصح
وأولى، فزكاة التجارة من حيث هو مال، وزكاة الفطر من حيث هو نفس. واللَّه أعلم.
وأما الزوجة فظاهر قوله فى أحاديث الباب: ((ذكر أو أنثى)) وجوبها على المرأة سواء أكان لها
زوج أم لا، وهو حجة لأبى حنيفة والثورى وابن المنذر حيث قالوا بوجوب زكاة الفطر على الزوجة فى
نفسها، ويلزمها إخراجها من مالها.
وعند مالك والشافعى والليث وأحمد وإسحق تجب على زوجها تبعاً لنفقتها، واحتج الشافعى
بحديث مرسل: ((أدوا صدقة الفطر عمن تمونون)). أخرجه البيهقى، قال الحافظ ابن حجر: وهو
منقطع، ولم يرتض مذهب الجمهور وألزمهم بأنهم اتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة
مع أن نفقتها تلزمه، فلا يسلم قياس الفطرة على النفقة واتباعها لها.
أما النصاب فظاهر إطلاق أحاديث الباب: ((على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى)) أنها تجب على
الغنى ولا تجب على الفقير بهذا قال أبو حنيفة. والغنى على قاعدتهم هو من ملك نصاباً، فاشترطوا
لوجوبها ملكية النصاب، قياساً على زكاة الأموال وأخذاً بحديث: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)». رواه
البخارى. وأجاب الجمهور بأن زكاة الفطر زكاة أبدان، فلا تقاس على زكاة الأموال والعجب أن أبا
حنيفة لا يشترط النصاب فيما تخرج الأرض، ثم يشترط النصاب هنا والمخرج ما تنبت الأرض، أما
الحديث الذى استند عليه فهو خاص بزكاة الأموال، على أنه روى بلفظ: ((خير الصدقة ما كان عن
ظهر غنى)». كذا رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائی.
وظاهر قوله: ((على الناس ... على كل حر أو عبد ... )) إلخ. يدل على أنها تجب على أهل القرى
والأمصار والبوادى والشعاب، وكل مسلم حيث كان وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد
وجماهير العلماء. وعن عطاء والزهرى وربيعة والليث: أنها لا تجب إلا على أهل الأمصار والقرى، دون
البوادى. ذکره النووى.
٣- وأما القدر الواجب عن كل فرد والأنواع التى تخرج منها، فنصوص أحاديث الباب ((صاعاً من
تمر أو صاعاً من شعير)» نص الرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة. أما الرواية السادسة
فزادت «صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب)» ثم أضافت الروايات قضاء معاوية بنصف صاع من بر.
أما التمر والشعير فلا خلاف فى جواز إخراجهما، ولا خلاف فى المقدار الواجب منهما وهو صاع عن
كل فرد، وقد اقتصر عليهما ابن حزم فلا يجزئ عنده شىء غيرهما وهو رأى لا يؤخذ به.
وأما الزبيب فقد منعه بعض المتأخرين، لكن الإجماع السابق عليهم - كما يقول النووى- يردهم.
وأما البر فلا خلاف يعتد به على جوازه، والخلاف فى القدر الواجب منه، وظاهر الرواية السابعة
والثامنة والتاسعة أن نصف الصاع منه تقدير من معاوية عن طريق اجتهاده، ولعله لاحظ ارتفاع سعر
٢٩٤
الحنطة حينئذ بالنسبة إلى الأصناف الأخرى، وقد روى أن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم
إخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر ... إلى أن قال: أو نصف صاع من بر، فلما جاء على،
ورأى رخص الأسعار قال: اجعلوها صاعًا من كل.
قال الحافظ ابن حجر: ويلزم على اعتبار القيمة آنذاك أن تعتبر القيمة فى كل زمان
فيختلف الحال ولا ينضبط، وربما لزم فى بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة، أما أبو
سعيد فقد نظر إلى الكيل. اهـ
ففى روايتنا السابعة: ((قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عشت)).
ولأبى داود: ((لا أخرج أبدًا إلا صاعاً)). وعند الدارقطنى وابن خزيمة والحاكم: ((فقال له رجل:
مدين من قمح. فقال: لا تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها ».
قال النووى عن روايتنا السابعة: هذا الحديث هو الذى يعتمده أبو حنيفة وموافقوه فى جواز
نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابى؛ وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو
أطول صحبة وأعلم بأحوال النبى وال﴾، وإذا اختلفت الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض
فنرجع إلى دليل آخر، فنجد ظاهر الأحاديث والقياس متفقاً على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها،
فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأى رآه، لا أنه سمعه من النبى {₪، ولو كان عند أحد من
حاضرى مجلسه مع كثرتهم فى تلك اللحظة علم فى موافقة معاوية عن النبى { لذكره كما جرى لهم
فى غير هذه القصة.
وأما الأقط فهو ثابت فى أحاديث الباب فى الروايتين السابعة والثامنة، وهو لا يجزئ عند أحمد،
وحمل الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أولم يقدر على غيره. قال الحافظ ابن
حجر: وظاهر الحديث يخالفه.
وفى جواز إخراج الأقط خلاف عند الشافعية، فالماوردى يزعم أنه يختص بأهل البادية وأما
الحاضرة فلا يجزئ عنهم، وتعقبه النووى فى شرح المهذب وقال: ينبغى أن يقطع بجوازه لصحة
الحديث فيه من غير معارض.
وظاهر مذهب أحمد: أنه لا يجوز العدول عن هذه الأصناف الخمسة المنصوص عليها مع قدرته
عليها. ويجوز عند أبى حنيفة وأحمد إخراج الدقيق والسويق.
أما الشافعية والمالكية فلا يلتزمون هذه الأصناف، بل يرون جواز إخراج الفطرة من كل ما هو
قوت للناس، ويرى الشافعية أن كل ما يجب فيه العشر من الحبوب والثمار هو ما يقتات به فى حال
الاختيار، وهو صالح لإخراج الفطرة، وعلى المسلم أن يخرج الفطرة من غالب قوت البلد.
أما القيمة فهى غير جائزة عند مالك والشافعى وأحمد، لأنها خلاف ما أمربه رسول
اللَّهِ ل، والقيمة فى معاملات الناس لا تجوز إلا بتراض بين الطرفين. وقال أبو حنيفة
وأصحابه: يجوز إخراج القيمة.
٢٩٥
وفى هذا العصر يعتبر مذهب أبى حنيفة أجدى وأنفع للفقير وأيسر وأضبط لمخرج
الزكاة. والله أعلم.
٤- وأما وقت وجوبها فإن الرواية العاشرة والحادية عشرة تصرحان بالأمر بإخراجها قبل خروج
الناس إلى صلاة العيد، ولفظ ((قبل)) يمنع التأخير، ولا يحدد بداية الوجوب أو بداية الجواز، وإن كان
يوصى بالقرب لا بالبعد عن الوقت المذكور، ولكن متى تجب؟ ومتى يجوز إخراجها؟ وما حكم
تأخيرها عن صلاة العيد؟.
أما وقت الوجوب فقال الشافعى وأحمد وإسحق ومالك فى رواية عنه: تجب بغروب شمس آخر
يوم من رمضان. وقال أبو حنيفة ومالك فى رواية عنه: تجب بطلوع الفجر من يوم العيد. ومعنى ذلك
أنهم اتفقوا على أن من مات قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لا زكاة عليه، ومن ولد قبل غروب
شمس آخر يوم ولو بلحظة فعليه زكاة الفطر، أما من ولد بعد المغرب وقبل فجريوم العيد فلا زكاة
عليه عند الجمهور، وعليه الزكاة عند أبى حنيفة، ومن مات بعد المغرب وقبل فجريوم العيد فعليه
الزكاة عند الجمهور، ولا زكاة عليه عند أبى حنيفة.
وأما وقت جواز إخراجها فقال أبو حنيفة: يجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة، فأشبهت
زكاة الأموال.
وقال الشافعى: يجوز إخراجها من أول شهر رمضان لأنها مبنية على الصوم وعلى الفطر منه، فإذا
وجد أحد السببين جاز إخراجها، كزكاة المال بعد ملك النصاب، ولكن الأفضل أو المستحب
إخراجها بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان وقبل صلاة العيد. وأخرج مالك فى الموطأ والشافعى
عن نافع: ((أن عمر كان يبعث بزكاة الفطر قبل الفطر بيومين أو ثلاثة)». قال الشافعى: هذا حسن.
وأنا استحبه. اهـ
وقال بعض الحنابلة: يجوز إخراجها من بعد نصف شهر رمضان.
ومذهب أحمد وهو المعتمد عند المالكية أنه لا يجوز إخراجها قبل العيد بأكثر من يومين، لما رواه
البخارى عن ابن عمر قال: «كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين».
ومنع ابن حزم تعجيلها قبل فجريوم الفطر.
ومعنى عدم جواز إخراجها قبل عام أو قبل رمضان أو قبل منتصفه أو قبل فجريوم العيد أنها لو
وقعت ودفعت لا تقع موقع القبول ولا موقع الواجب.
وأما تأخير أدائها عن صلاة العيد فجمهور الفقهاء على كراهته مالم تؤخر عن يوم العيد، أما
تأخيرها عن يوم العيد فهو حرام يأثم فاعله، كما فى إخراج الصلاة عن وقتها، لكن هل تقع الزكاة
موقع الفرض مع الإثم كتأخير الصلاة؟ أو لا تقع موقع الفرض؟ وما دفع يعتبر صدقة؟ وتبقى ديناً فى
ذمة صاحبها للمستحقين؟ خلاف بين العلماء. الراجح الأول.
٢٩٦
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- من الرواية السابعة أن قول الصحابى: كنا نفعل كذا فى زمن النبى®، أو إذا كان فينا
- حديث له حكم المرفوع، إذ فيه إشعار بإطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتقرير
له، ولا سيما فى هذه الصورة التى كانت توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو الأمر بقبضها
وتفرقتها. ذكره الحافظ ابن حجر.
٢- ما كان عليه أبو سعيد ه من شدة الاتباع والتمسك بالآثار، وترك العدول إلى الاجتهاد
مع وجود النص.
٣- ومن صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد، قال الحافظ ابن حجر: وهو
محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار.
والله أعلم
٢٩٧
(٢٩٠) باب جزاء مانع الزكاة وعقوبته
١٩٩١ - ٤ ٣ِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ◌َُ (٢٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا
فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِن نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي
نَارٍ جَهْمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِيثُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ. فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ. حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» قِلَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ فَالإِيلُ؟ قَالَ «وَلا صَاحِبُ إِيلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقِّهَا، وَمِنْ حَقْهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا،
إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلا وَاحِدًا. تَطَؤُهُ
بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا. كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا. فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ
أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
فَالْبَقَرُ وَالْغَمُ؟ قَالَ «وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانٌ يَوْمُ الْقِيَّامَةِ،
بُطِحَ لَهَا بِقَاءٍ قَرْقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا جَلْحَاءُ وَلا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ
بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلِّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ
أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادٍ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
فَالْخَيْلُ؟ قَالَ «الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ: هِيَّ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَّ لِرَجُلٍ أَجْرٌ. فَأَمَّا الَّتِي هِيَ
لَهُ وِزْرٌ فَرَ جُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءٌ وَفَخْرًا وَنِوَاءٌ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ. وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ
فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلا رِقَابِهَا فَهِيَّ لَهُ سِتْرٌ. وَأَمَّا الْتِي
هِيَّ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبِطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الإِسْلامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ
الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِن شَيْءٍ إِلا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَائِهَا
وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلا تَقْطَعُ طِوَّلَهَا فَاسْتَنْتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا
وَأَرْوَائِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إِلا كَتَبَ
اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ» قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ
شَيْءٌ إِلا هَذِهِ الآيَةَ الْفَاذَةُ الْجَامِعَةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرَّا يَرَهُ﴾».
(٢٤) وحَدَّثِي سُوَّيِّدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا حَفْصٌ (يَعْنِي ابْنَ فَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ) عَنْ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانٌ
أَخْبُرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ
٢٩٨
١٩٩٢- ٢٥ عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ(٢٥) فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةً إِلَى
آخِرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «مَا مِن صَاحِبٍ إِيلٍ لا يُؤَدِّي حَقِّهَا» وَلَمْ يَقُلْ «مِنْهَا حَقَّهَا» وَذَكَرَ فِيهِ «لا
يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا» وَقَالَ «يُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبْهُهُ وَظَهْرُهُ».
١٩٩٣ - ٣٦ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ل «مَا مِن صَاحِبِ كَنْزِ لَا يُؤَدِّي
زَكَانَهُ إِلا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارٍ جَهَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ
بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانٌ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ.
وَمَا مِن صَاحِبِ إِيلٍ لا يُؤَدِّي زَكَتَهَا إِلا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ فَرْقُرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ،
كُلِّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِن صَاحِبِ غَنَمٍ لا يُؤَدِّي
زَكَاتَهَا إِلا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، فَتَطَؤُّهُ بِأَظْلافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِهَا
عَقْضَاءُ وَلا جَلْحَاءُ، كُلِّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ
فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَّرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى
النَّارِ» قَالَ سُهَيْلٌ فَلا أَدْرِي أَذَكَرَ الْبَقَرَ أَمْ لا. قَالُوا فَالْخَيْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «الْخَيْلُ فِي
نَوَاصِيهَا (أَوْ قَالَ) الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا (قَالَ سُهَيْلٌ أَنَا أَشْكُّ) الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَالرَّجُلُ
يَتْخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُعِدُّهَا لَهُ فَلا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا
فِي مَرْجٍ مَا أَكَلَتْ مِن شَيْءٍ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا، وَلَوْ سَقَاهَا مِن نَهْرٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ
تُغَيِّهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ (خَنِّى ذَكَرَ الأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَائِهَا) وَلَوْ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَقَيْنِ
كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ. وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلا وَلا
يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا. وَأَمَّا الْذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ فَالَّذِي يَتْخِذُهَا أَشَرًا
وَبَطَرًا وَبَدَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ» قَالُوا فَالْحُمُرُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مَا
أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا شَيْئًا إِلا هَذِهِ الآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾».
(٢٥) وحَدَّثَتِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَىِ الصَّدَفِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيِّدِ بْنِ أَسْلَم
(٢٦) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ حَدَّثَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنِ أَبِهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنَّهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ عَن سُهَيَلٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَسَّاقَ الْحَدِيثَ.
٢٩٩
١٩٩٤ - - حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ(٣) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ بَدَلَ (عَقْصَاءُ) «عَضْبَاءُ)» وَقَالَ
«فَيْكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَظَهْرُهُ» وَلَمْ يَذْكُر (جَِّنُهُ).
١٩٩٥ - ◌ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُ(١٠) عَن رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ أَنَّهُ قَالَ «إِذَا لَمْ يُؤْدِّ الْمَرْءُ حَقَّ اللَّهِ
أَوْ الصَّدَقَّةَ فِي إِلِهِ)» وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ.
١٩٩٦ - ٣٧ِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ ﴾(٢٧) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ يَقُولُ
«مَا مِن صَاحِبِ إِيلٍ لا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُ، وَقَعَدَ لَهَا
بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا. وَلا صَاحِبِ بَقَرٍ لا يَفْعَلُ فِيهَا حَقْهَا إِلا جَاءَتْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَّهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُّهُ بِقَوَائِمِهَا. وَلَا صَاحِبِ غَنَمٍ
لا يَفْعَلُ فِيهَا حَقِّهَا إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَّهَا بِقَاعٍ قَرْفَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا
وَتَطَؤُّهُ بِأَظْلافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا. وَلا صَاحِبِ كَثْزِ لا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ إِلا
جَاءَ كَثْرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبُعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ فَيْنَادِيهِ خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي
خَاْتَهُ فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لا بُدَّ مِنْهُ سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلٍ» قَالَ أَبُو
الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَّيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ. ثُمَّ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَن ذَلِكَ. فَقَالَ
مِثْلَ قَوْلٍ غَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَقَالَ أَبُو الزُّبِيْرِ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَّيْرٍ يَقُولُ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ
مَا حَقُّ الإِبِلِ؟ قَالَ «حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا وَمَنِيحَتُهَا وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ».
١٩٩٧- جّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٨) عَنِ النّبِيِّ :﴿ قَالَ «مَا مِن صَاحِبِ
إِيلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَطَؤُهُ ذَاتُ الظُّلْفِ
بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْبِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ وَلا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ» قُلْنَا يَا رَسُولَ
اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ «إِطْرَاقُ فَحْلِهَا وَإِعَارَةُ ذَلْوِهَا وَمَنِيحَتُهَا وَخَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَحَمْلٌ عَلَيْهَا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَلا مِن صَاحِبِ مَالٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَنْبَعُ
(-) وحَذْقَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ حَدََّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(١٠) وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَنْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبُرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَن ذَكْوَانَ عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٧) حَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حِ وحَدََّتِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ
أَخْبُرَنِي أَبُو الزُّبِيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
(٢٨) حَذََّا مُحَمَّدُ بْنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَّبِي حَدَثْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي الزُّبِيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
٣٠٠