النص المفهرس

صفحات 241-260

وكان صلى الله عليه وسلم يصلى صلاة الجنازة فى المصلى، لحماية المسجد من التلوث، ولسعة
المصلى مما يسمح للكثرة من المسلمين بحضور الصلاة، كما صلى بعض صلوات الجنازة بالمسجد
لبيان الجواز. وقد عنيت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها واهتمت بالصلاة على سعد بن
أبى وقاص؛ فطلبت من المشيعين أن يدخلوا بجنازته المسجد لتصلى هى وأمهات المؤمنين اعترافا
بفضله وجهاده فى الإسلام وتكريما له، فقد كان رضى الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان
أحد الستة الذين رشحهم عمر للخلافة من بعده، وفتح فارس وبنى الكوفة، وابتعد عن الفتنة، واعتزل
دخانها، حتى مات رضى الله عنه وعن أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم الدين.
والقيام للجنازة كان من باب تقديس الموت، وزيادة الاعتبار به، والخشوع والخضوع له، والتسليم.
يجريانه على رقاب العباد، ثم نسخ الأمر بالقيام للجنازة مخافة أن يتحول هدفه إلى تقديس الميت
نفسه واحترامه وإن كان فاسقاً، وفي فقه الحديث شرح وإيضاح يغنى عن التطويل.
المباحث العربية
(نعى للناس النجاشى) ((نعى)) بفتح النون وفتح العين، ينعى بفتح العين أيضاً، يقال: نعاه
ينعاه نعيا، والنعى الإشعار بموت الميت، و((النجاشى)) بفتح النون وكسرها، والياء مخففة على
الصواب، وحكى تشديدها. وهو لقب لكل من ملك الحبشة، فقوله فى الرواية الثانية: ((صاحب
الحبشة)) أى ملكها، وكان اسم هذا الملك ((أصحمة)) بفتح الهمزة وإسكان الصاد، وفتح الحاء،
المذكور فى الرواية الثالثة والرابعة ووقع فى مسند ابن أبى شيبة فى هذا الحديث تسميته ((صحمة))
بفتح الصاد وإسكان الحاء. وقيل ((صمحة)) بتقديم الميم على الحاء. قال النووى: الأول هو الصواب
المعروف فى كتب الحديث والمغازى وغيرها.
وفى كتاب الطبقات لابن سعد، أنه لما رجع رسول اللّه * من الحديبية سنة ست من
الهجرة، أرسل كتابا إلى النجاشى سنة سبع فى المحرم، فأخذ كتاب النبى {# فوضعه
على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض تواضعاً، ثم أسلم وكتب إلى النبى ولي
بذلك. وأسلم على يدى جعفربن أبى طالب.
(فى اليوم الذى مات فيه) النجاشى، وعلم موته بطريق الوحى، وكان يوم موته فى رجب
سنة تسع من الهجرة.
(فخرج بهم إلى المصلى) المراد بالمصلى موضع معد للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى
العيدين الذى كان ببطحان.
(وكبر أربع تكبيرات) أى صلى بأصحابه صلاة الجنازة بعد أن صفهم خلفه صفين، كما هو
واضح من الرواية الخامسة.
٢٤١

(صلى على قبر بعد ما دفن) أى بعد دفن الميت فيه بزمن قصير.
(إلى قبر رطب فصلى عليه) أى على الميت المقبور فيه، قال النووى: المراد أنه جديد، وترابه
بعد لم تطل مدته فييبس.
(الثقة. من شهده. ابن عباس) أخبار لمبتدأ محذوف. والتقدير: المحدث بهذا الثقة. المحدث
بهذا من شهده. المحدث بهذا ابن عباس.
(أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد) أى تكنسه.
(أو شاباً) كان يقم المسجد، والشك من الراوى.
(أفلا كنتم آذنتمونى) أى أعلمتمونى، والاستفهام إنكارى توبيخى أى ما كان ينبغى أن لا
تعلمونى، أى كان ينبغى أن تعلمونى.
(كان زيد) أى ابن أرقم، جاء مبيناً فى رواية أبى داود.
(فقوموا لها حتى تخلفكم) بضم التاء وفتح الخاء وتشديد اللام المكسورة أى تترككم وراءها،
ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز، لأن المراد حاملوها.
(إن الموت فزع) قال القرطبى: معناه إن الموت يفزع منه، إشارة إلى استعظامه. ومقصود
الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت،
فمن هنا استوى فيه كون الميت مسلما أو غير مسلم. اهـ وقيل: الموت ذو فزع، فأخبر بالمصدر مبالغة
نحو: زيد عدل.
(إنها من أهل الأرض) لما فتح المسلمون هذه البلاد أقروا أهلها على عملها، فظلوا أهل الأرض
وهم أهل ذمة. فالمعنى إنها من غير المسلمين؟.
(أليست نفسا؟) هذا التعليل لا يعارض ((إن الموت فزع)) ففى الحاكم: ((إنما تقومون إعظاما
للذى يقبض النفوس ».
(فقام عليها وسطها) بإسكان السين، قيل: يتناول العجيزة أيضاً، لأنه أعم من
الوسط بفتح السين.
(بفرس معرورى) بفتح الميم وسكون العين وفتح الراء وسكون الواو وفتح الراء، آخره ألف،
مقصور، أى عار، قال أهل اللغة: أعروريت الفرس إذا ركبته عريا، فهو معرورى.
(فعقله رجل) معناه أمسكه وحبسه عن الحركة للرسول ولا *.
(فجعل يتوقص) أى يتوثب.
٢٤٢

(كم من عذق معلق فى الجنة) العذق هنا بكسر العين، وهو الغصن من النخلة،
وأما العذق بفتحها فهو النخلة بكمالها، وليس مراداً هنا، والمعنى كثير من أغصان النخلة
المحملة بالثمار المدلاة.
(لابن الدحداح) قال صلى الله عليه وسلم هذا القول عند انصرافه من دفن ابن الدحداح.
قالوا: وسبب هذا الأجر أن يتيماً خاصم أبا لبابة فى نخلة، فبكى الغلام، فقال النبى و # لأبى
لبابة: ((أعطه إياها ولك بها عذق فى الجنة)). فقال: لا. فسمع بذلك أبو الدحداح، فاشتراها من أبى
لبابة بحديقة له، ثم قال للنبى : ألى بها عذق إن أعطيتها اليتيم؟ قال: ((نعم)». فأعطاه إياها. فقال
النبى : : كم عذق معلق فى الجنة لأبى الدحداح أو لابن الدحداح».
فقه الحديث
تتعرض أحاديث الباب للصلاة على الميت، وكيفيتها، وحكم الصلاة على القبر، وعلى الغائب،
وفى المصلى أو المسجد. ثم تتعرض للقيام للجنازة.
وصلاة الجنازة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. قال النووي: وقد نقلوا
الإجماع على وجوبها إلا ما حكى عن بعض المالكية أنه جعلها سنة، وهذا متروك لا يلتفت إليه. قال:
وفى أقل ما يسقط به الفرض قيل: صلاة رجل واحد. وقيل: رجلان. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة.
ولا يشترط فيها الجماعة، وإذا لم يحضره إلا النساء وجب عليهن الصلاة عليه، ويسقط الفرض
بفعلهن حينئذ، سواء كان الميت رجلاً أو امرأة.
ويشترط لصحتها ما يشترط للصلاة، من طهارة الحدث، وطهارة النجس فى البدن والثوب
والمكان، وستر العورة، واستقبال القبلة. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم لها مع وجود الماء إذا خاف
فوتها إن اشتغل بالوضوء، وهو رواية عن أحمد. وقال الشيعة: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة مع
إمكان الوضوء والتيمم لأنها دعاء.
والسنة أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة بلا خلاف عند الشافعية، لأنه بذلك يسترها عن الناس،
والرواية الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون صريحة فى ذلك، وكون هذه المرأة فى نفاسها وصف
غير معتبر اتفاقا، وإنما هو حكاية أمر وقع. وقال مالك: يقوم من المرأة عند منكبيها، أما الرجل
فقيل: كالمرأة. ووصف كونها امرأة فى الحديث غير معتبر، كوصف كونها نفساء. وقيل: يقف عند
رأسه، وهو مذهب الشافعى وأحمد والمشهور عند الحنفية. وقال مالك: يقف عند وسط الرجل. وقال
الحسن البصرى: يقف حيث شاء من الرجل والمرأة. ولا خلاف فى أن مكان الوقوف سنة، فلو خالف
الأحوال المذكورة صحت الصلاة.
وأما كيفيتها: فعند الشافعية أربع تكبيرات، ينوى وجوباً عند التكبيرة الأولى الصلاة على هذا
٢٤٣

الميت، أو هؤلاء الموتى، إن كانوا جمعا، والتكبيرات الأربع أركان، ولا تصح هذه الصلاة إلا بهن، يقرأ
الفاتحة بعد الأولى، وقراءة الفاتحة ركن على الصحيح، وفى مكانها وكونها بعد الأولى مستحب على
الصحيح. وفى استحباب قراءة سورة بعدها خلاف، وكذا الاستعاذة ودعاء الاستفتاح واتفقوا على أنه
يجهر بالتكبير والسلام، وعلى أنه يسر بالقراءة نهاراً، وعلى أنه يسر بغير القراءة من الصلاة على النبى
﴿ والدعاء ليلاً ونهاراً. واختلفوا فى الجهر بالقراءة ليلاً، ورجح النووي الإسرار.
ويصلى على النبى 38 بعد الثانية، وهي واجبة فى المشهور عن الشافعية. وفى قول أنها سنة،
وأقلها: اللَّهم صل على محمد. واستحب بعضهم التحميد قبل الصلاة على النبى وُ ل﴾.
ويدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة، وهو فرض فى صلاة الجنازة وركن من أركانها، بل هو القصد
الأساسى منها، وهل يشترط تخصيص الميت بالدعاء، أو يكفى الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ويدخل
فيه الميت ضمناً؟ قولان، وأقله ما يصدق عليه الدعاء، أما أكمله فقد وردت فيه أحاديث منها روايتنا
السادسة والعشرون والسابعة والعشرون، وقد التقط الشافعى من مجموع الأحاديث دعاء ورتبه
واستحبه ولفظه: «اللَّهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبابه فيها
إلى كلمة القبروما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به،
اللَّهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غنى عن عذابه، وقد جئناك راغبين
إليك شفعاء له، اللَّهم إن كان محسناً فزد فى إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، والقه
برحمتك ورضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وافسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك
الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين)».
ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ومن الأدعية الواردة فى ذلك: ((اللَّهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا
وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللَّهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا
فتوفه على الإسلام والإيمان)».
فإن كان الميت صبيا أو صبية اقتصر على الدعاء الأخير، وضم إليه: ((اللَّهم اجعله فرطا لأبويه،
وسلفا وذخراً، وعظة واعتبارا، وشفيعاً، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما
بعده، ولا تحرمهما أجره )».
ويسلم بعد الرابعة، وقيل: يدعو بعد الرابعة وقبل السلام للمؤمنين والوارد: ((اللَّهم لا تحرمنا أجره،
ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله )».
والصحيح عند الشافعية تسليمتان، وبه قال أبو حنيفة، وقال أكثر العلماء هى تسليمة واحدة.
قال النووى فى المجموع: كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف فى أن التكبير المشروع خمس أم
أربع أم غير ذلك - يشير إلى روايتنا الثانية عشرة - ثم انقرض ذلك الخلاف، واجتمعت الأمة الآن
على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة ولا نقصان.
٢٤٤

أما رفع الأيدى عند التكبير فقد أجمعوا على استحبابه فى أول تكبيرة واختلفوا فى غيرها، فعن
الشافعى وأحمد الرفع فى كل تكبيرة، وعن الحنفية فى الأولى، واختلفت الروايات عن مالك.
أما صلاة الجنازة على القبر فالشافعية وأحمد على أنه من فاتته الصلاة على الميت وأراد الصلاة
عليه فى القبر جاز بلا خلاف، وخلافهم فى المدة المسموح بالصلاة فيها بعد الدفن، ثلاثة أيام؟ شهر؟
ما لم يبل جسده؟ يصلى عليه أبدا.
وروايتنا السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة دليل الجواز. وظاهرها عدم التباعد
الزمنى بين الدفن، وبين الصلاة على القبر، وإن سبقت الصلاة على الميت.
وقال مالك وأبو حنيفة: لايصلى على الميت إلا مرة واحدة، ولا يصلى على القبر إلا أن يدفن بلا
صلاة، وإلا أن يكون الولى غائباً فصلى غيره عليه ودفن فللولى أن يصلى على القبر.
وقال أبو حنيفة: لايصلى على القبر بعد ثلاثة أيام من دفنه، وقال أحمد: إلى شهر.
وأما الصلاة على الميت الغائب فقد قال النووى: مذهبنا جواز الصلاة على الميت الغائب عن
البلد، سواء كان فى جهة القبلة أم فى غيرها، ولكن المصلى يستقبل القبلة. ولا فرق بين أن تكون
المسافة بين البلدين قريبة أو بعيدة، أما إذا كان الميت فى البلد. فالجمهور على أنه لايجوز أن يصلى
عليه حتى يحضر عنده لأن النبى * لم يصل على حاضر فى البلد إلا بحضرته.
قال الرافعى: وينبغى أن لايكون بين الإمام والميت أكثر من مائتى ذراع. وقيل: تجوز صلاة
الغائب فى البلد كالغائب البعيد.
ومنع أبو حنيفة ومالك الصلاة على الغائب، [وأحاديث الباب روايتنا الأولى والثانية وما بعدها]
تؤيد الشافعية، وردهم عليها بأن الأرض طويت بين يدى النبى ** خيالات، ولو فتح هذا الباب لم يبق
وثوق بشىء من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة فى تلك القضية، وأنه لو كان شىء من ذلك
لتوافرت الدواعى لنقله. اهـ
وذهب أحمد وجمهور السلف إلى ما ذهب إليه الشافعية، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من
الصحابة منعه. قال الشافعى: الصلاة على الميت دعاء له وهو إذا كان ملففا يصلى عليه، فكيف لا
يدعى له وهو غائب أو فى القبر بذلك الوجه الذى يدعى له به وهو ملفف؟ ودافع بعض من كره الصلاة
على الغائب بأن النجاشى كان بأرض ليس بها من يصلى عليه.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا محتمل. إلا أننى لم أقف فى شىء من الأخبار على أنه لم يصل عليه
فى بلده أحد.
وقال بعضهم: إن ذلك خاص بالنجاشى، لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ميت
غائب غيره، وقد مات كثير من الصحابة، وهم غائبون عنه، وسمع بهم فلم يصل عليهم، ولعله قصد
بالصلاة على النجاشى إشاعة أنه مات مسلما.
ورد بأن النبى صلى على زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وقد استشهدا فى غزوة مؤته.
٢٤٥

أما صلاة الجنازة بالمسجد فقد استدل الحنفية بروايتنا الأولى والثانية على أنه لا يصلى على
ميت فى مسجد جماعة، وبه قال مالك، إذ فى الحديث أنه أخبرهم بموت النجاشى فى المسجد،
وخرج بهم إلى المصلى للصلاة عليه هناك، وأجابوا عن حديث عائشة [الآتى برقم ١١،١٠ من الباب
التالى] باحتمال أن يكون قد صلى بالمسجد لعذر المطر أو الاعتكاف.
والشافعية والحنابلة على أن الصلاة على الميت فى المسجد صحيحة جائزة لا كراهة
فيها، إذا لم يخف تلويث المسجد، ورواياتنا العاشرة والحادية عشرة من الباب الآتى
واضحة فى الجواز وعدم الكراهة، وأجابوا عن أدلة المخالفين بأنه ليس فيها صيغة نهى،
وباحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمر آخربل الظاهر أنه خرج بهم إلى
المصلى لقصد تكثير الجمع الذى يصلون عليه، وقالوا: إنه قد ثبت أن النبى 8* صلى فى
المسجد على ابنى بيضاء، فكيف يترك الصريح لأمر محتمل. والله أعلم.
وأما القيام للجنازة فيتصور في مكانين:
الأول: القيام لها إذا مرت على من ليس معها.
والثانى: قيام من كان معها إلى أن توضع.
أما الأول: فصريح الأحاديث الأمر بالقيام من حين يراها إلى أن تمر عليه وتغيب عنه، أو توضع
عنده إن كان فى المسجد مثلاً، وسواء فى ذلك جنازة المسلم وجنازة غيره كما هو ظاهر من الرواية
السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة، قال الحافظ ابن حجر: قال أكثر
الصحابة والتابعين باستحباب القيام، كما نقله ابن المنذر، وهو قول أحمد، وقال بعض السلف:
يجب القيام. اهـ
وقال النووى: المشهور فى مذهبنا أن القيام ليس مستحباً، وقالوا: هو منسوخ بحديث
على، [يشير إلى روايتنا الثالثة بعد العشرين وما بعدها وفيها ((قام ثم قعد))، و((قام فقمنا،
وقعد فقعدنا))] واختار المتولى من أصحابنا أنه مستحب، وهذا هو المختار، فيكون الأمر
به للندب، والقعود بياناً للجواز، ولا يصح دعوى النسخ فى مثل هذا، لأن النسخ إنما يكون
إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذر. اهـ
وإلى عدم الاستحباب والقول بالنسخ ذهب مالك وأبو حنيفة. وقال أحمد فى رواية عنه وبعض
المالكية: هو مخير.
وأما قيام من يشيعها عند القبر فقال جماعة من الصحابة والسلف: لا يقعد حتى توضع. وبه قال
أحمد، وللشافعية ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القيام للجنازة مكروه.
الثانى: أن المشيع بالخيار بين القيام والقعود.
الثالث: يستحب أن يقوم ولا يقعد حتى توضع. قال النووي: هذا هو المختار. اهـ
٢٤٦

ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- يؤخذ من الرواية الثامنة والتاسعة من الباب السابق أن كثرة المصلين على الجنازة تشفع
للميت، وقال النووى: فى الجمع بين اختلاف العدد فى الروايات يحتمل أن يكون النبى وُ ل أخبر
بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به. ويحتمل أيضاً أن يقال: هذا
مفهوم عدد، ولا يحتج به جماهير الأصوليين فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول
شفاعة مادون ذلك.
٢- ويؤخذ من نعى النجاشى استحباب الإعلام بالميت، لا على صورة نعى الجاهلية، بل مجرد إعلام
الصلاة عليه وتشييعه وقضاء حقه فى ذلك. قال النووى: والذى جاء من النهى عن النعى ليس
المراد به هذا، وإنما المراد نعى الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وغيرها.
قال ابن العربى: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات :
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة.
الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة. فهذه تكره.
الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحوها. فهذا يحرم. اهـ
ووجه ابن المنير نعى النجاشى على هذا بأنه كان غريبا فى ديار قومه، فكان للمسلمين من حيث
الإسلام أخا، فكانوا أخص به من قرابته.
٤- وفى نعى الرسول # النجاشى فى اليوم الذى مات فيه علم من أعلام النبوة، لما هو معلوم من
البعد بين أرض الحبشة والمدينة.
٥- ويؤخذ من الرواية الخامسة من صف المسلمين صفوفا، أن للصفوف على الجنازة تأثيراً، لأن
الظاهر أن الذين خرجوا معه صلى الله عليه وسلم لم يكن ليضيق بهم فضاء المصلى لوصفوا فيه
صفاً واحداً، ومع ذلك فقد صفهم.
٦- ويؤخذ من الرواية الحادية عشرة فضل خدمة المسجد وكنسه.
٧- وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من التواضع والرفق بأمته.
٨- وتفقد أحوالهم.
٩- والقيام بحقوقهم والاهتمام بمصالحهم فى دنياهم وآخرتهم.
١٠- وحرصه صلى الله عليه وسلم على عدم تصغير أحد منهم.
١١- ومن قوله: ((أفلا كنتم آذنتمونى)). استحباب الإعلام بالميت.
١٢ - وفيه عذاب القبر.
١٣ - ومن الرواية السادسة والعشرين الاستعاذة من عذاب القبر وعذاب النار.
٢٤٧

١٤ - ويؤخذ من الرواية الثامنة والعشرين إثبات الصلاة على النفساء.
١٥ - ويؤخذ من الرواية الواحدة والثلاثين إباحة الركوب فى الرجوع عن الجنازة. قال النووي: وإنما
يكره الركوب فى الذهاب معها.
١٦ - وجواز مشى الجماعة مع كبيرهم الراكب، وأنه لا كراهة فيه فى حقهم، ولا فى حقه إذا لم يكن
فيه مفسدة. قال النووي: وإنما كره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للمتابعين أوخيف إعجاب ونحوه.
١٧ - أنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه.
١٨ - وفيه منقبة عظيمة لابن الدحداح فيه.
والله أعلم
٢٤٨

(٢٨٧) باب القبور وزيارتها
١٩٤٧ - ٩٠ْ عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقْاصٍ (١٠) أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقْاصٍ قَالَ : - فِي مَرْضِهٍ
الَّذِي هَلَكَ فِيهِ- الْحَدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَِّنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللّهِ ﴾.
١٩٤٨ - ١١ْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا(١١) قَالَ جُعِلَ فِي قَبْرٍ رَسُولِ اللَّهِلَّ
قَطِفَةٌ حَمْرَاءُ (قَالَ مُسْلِمٍ) أَبُو جَمْرَةَ اسْمُّهُ نَصْرُ ابْنُ عِمْرَانَ وَأَبُو الْتِّيَاحِ وَاسْمَةْ
يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ مَاتَا بِسَرَخْسَ
١٩٤٩ - ٢َّلْ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيِّ(٩٢) قَالَ كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ
بِرُودِسَ، فَتُؤْقِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ :﴿ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا.
١٩٥٠ - ٩٣ْ عَنْ أَبِي الْهَّاجِ الأَسَدِيّ(٩٣) قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَلا أَبْعُنُكَ عَلَى مَا
بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ﴿ أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالا إِلا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَيِّتَهُ.
١٩٥١ - - عَن حَبِيبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ وَلا صُورَةٌ إِلا طَمَسْتَهَا.
١٩٥٢ - ٩٤ْ عَن جَابِر ◌َّ(١٤) قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَن يُحَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَن يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَن
يُبْنَى عَلَيْهِ.
(٩٠) حذََّا يَحْنِى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ الْمِسْوَرِيُّ عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
(٩١) حَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبْرَنَا وَكِيعٌ ح وحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بَّنُ أَبِي شَيَِّةَ حَدَّثَنَاَ غْدَرٌ وَوَكَيْعٌ جَمِيعًا عَنِ شُعْبَّةَ حِ وخَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ الْمُثَنِى وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَاَ شُعْبَةٌ حَذَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(٩٢) وحَدَّتِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍوَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْخَّارِثِ حٍ وَحَدَّثَتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ
الأَيْلِيُّ حَدَّقْنَا ابْنُ وَهَبٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ فِي رِوَايَةٍ أَبِي الطَّاهِرِ أَنْ أَبَاَ عَلِيَّ الْهَمْدَانِيَّ حَدَّلَهُ وَفِي رِوَايَةٍ
هَارُونَ أَنَّ ثُمَامّةَ بْنَ شُفَيٌّ حَدَّثَهُ
(٩٣) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَزُقَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ يَحْتِى أَخْبُرْنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ سُفْيَانِ عَن
حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنِ أَبِي وَائِلَ عَنِ أَبِيِ الْهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ
- وَحَدََّهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَادٍ الْبَاهِلِيُّ خَدَّثَنَا يَخْتِى وَهُوَ الْقَطَّانُ حَدَّقَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي حَبيبٌ
(٩٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدََّا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ ابْنِ جُرَيِجٍ عَنِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ
- وحَدَّثَنِي هَارُونُ بَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَ وَحَدَّثَنِّي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا عَن ابْنِ جُرَیْجٍ
قَالَ أَخْبُرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ الْنِيَّ * بِمِثْلِهِ.
٢٤٩

١٩٥٣- °° عَن جَابٍ﴾(٩٥) قَالَ نُهِيَ عَن تَقْصِيصِ الْقُبُورِ.
١٩٥٤ - ٣٦° عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ضُ﴾(٩٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿:«لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى
جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِن أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَيْرٍ».
١٩٥٥ - ٩٧ْ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ﴾(١٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ(«لا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ
وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا».
١٩٥٦ - الْعَن أَبِي مَرْتَدِ الْغَنَوِيَِّ﴾(٩٨) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «لا تُصَلُّوا إِلَى
الْقُبُورِ وَلا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا».
١٩٥٧-١٩ عَن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (٩٩) أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يَمُرَّ بِجَنَازَةٍ سَعْدِ بْنِ أَبِي
وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدٍ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ مَا
صَلّى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ عَلَى سُهَيْلٍ بْنِ الْنَيْضَاءِ إِلاَ فِي الْمَسْجِدِ.
١٩٥٨ - ٢٠ ١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠٠) أَنْهَا لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ
النّبِيِّ ◌َ﴿ أَنْ يَمُرُّوا بِجَنَازَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجْرِ هِنَّ
يُصَلِّينَ عَلَيْهِ أُخْرِجَ بِهِ مِن بَابِ الْجَنَّائِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ. فَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ.
وَقَالُوا مَا كَانَتْ الْجَنَّائِرُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةٌ، فَقَالَتْ مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَن
يَعِبُوا مَا لا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدٍ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِع ◌َ *
عَلَى سُهَيْلٍ بْنِ بَيْضَاءَ إِلاَ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدٍ.
(٩٥) وحَدًَّا يَخْتَى بْنُ يُحَتِى أَخْبُرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً عَنْ أَيُّوبَ عَنِ أَبِي الزُِّيْرِ عَن جَابٍِ
(٩٦) وحَدَّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَاَ جَرِيرٌ عِن سُهَيْلٍ عَنِ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنَاهَ قْتَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدِّقْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِّي الدَّرَّاوَرْدِيَّ حْ وَحَدَّثَنِهِ عَمْرٌو النَّقِدُ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
كِلَاهُمَا عَنِ سُهَيْلِ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
(٩٧) وحَدَِّي عَلِيُّ بْنُ خَّجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّثْنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ عَن يُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَن وَائِلَةً عَنِ أَبِي مَرْقَدِ الْغَنَوِيِّ
(٩٨) وحَدَِّا حَسَنُ بْنُ الرَّبِعِ الْبَجَلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنَّ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ يَزِيَدَ عَن يُسْرٍ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَن أَبِي إِذْرِيسَ
الْخَوْلانِيِّ عَنِ وَائِلَّةً بْنِ الْأَسْفَعِ عَنْ أَبِي مَرْقَدِ الْغَنَوِيِّ
(٩٩)وِحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجَرِ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَاللَّفْظُ لإِسْحَقَ قَالَ عَلِيٌّ حَذَّنَا وَقَالَ إِسْحَقُ أَخْيُرَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ ابْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةً عَنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزَّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ
(١٠٠) وَحَّدَِّي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثْنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةً عَنِ عَبْدِ الْوَاحِدٍ عَنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبِيْرِ
يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ
٢٥٠

١٩٥٩- لِلْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١٠١) أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقْاصٍ،
قَالَتْ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَأَنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ْ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ (قَالَ مُسْلِمٍ) سُهَيْلُ بْنُ دَعْدٍ وَهُوَ
ابْنُ الْبَيْضَاءِ أُمُّهُ بَيْضَاءُ.
١٩٦٠ - ١٢ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٠٢) أَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ ﴿كُلَّمَا كَانَ
لَيْتُهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾ يَخْرُجُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ
مُؤْمِنِينَ وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ. وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللّهُ بِكُمْ لا حِقُونَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلٍ
بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» (وَلَمْ يُقِمْ فَقَةُ قَوْلَهُ «وَأَتَاكُمْ»).
١٩٦١ - ١ّْ٣ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ بْنِ الْمُطَّلِبِ(١٠٣) أَنْهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ يَقُولُ
سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ فَقَالَتْ أَلا أُحَدْتُكُمْ عَنِ النّبِيِّ : ﴿ وَعَّي؟ قُلْنَا بَلَى.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنٍ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطِّبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا أَلا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي.
قَالَ فَظًَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ. قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ أَلا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ لَّ؟
قُلْنَا بَلَى. قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النّبِيُّ:﴿ فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ،
وَخَلَعَ تَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا
رَيْئَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَّدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ
رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَتْعْتُ إِزَارِي. ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ. حَتَّى جَاءَ
الْقِيعَ. فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ. فَأَسْرَعَ
فَأَسْرَعْتُ. فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ. فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ. فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ. فَلَيْسَ إِلا أَنْ اضْطَجَعْتُ.
فَدَخَلَ، فَقَالَ «مَا لَكِ يَا عَائِشُ؟ حَشْيَا رَابِيَةٌ)) قَالَتْ: قُلْتُ لا شَيْءٌ. قَالَ «لُخْبِرِينِي أَوْ
لَيُخْبِرَّى اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)» قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ «فَأَنْتِ
(١٠١) وحَذَِّي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ قَالا حَدَّثََّا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ يَعْنِي ابْنَ
عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّصْرِ عَن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَّةً
(١٠٢) حَدَّثَنَا يَخَِّى بْنُ يَخْتِى التّمِيمِيُّ وَيَخَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ
ابْنُ جَعْفَرٍ عَن شَرِيكٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرِ عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ عَنِ عَائِشَةً
(١٠٣) وحَدَّتِي هَارُوَنْ بْنُ سَعِيدٍ الأَثَلِيُّ خَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بَنُّ وَهْبٍ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطْلِبِ
ح وحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الأَغْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبَّنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَبِي عَبْدُ اللَّهِ
رَجُلٌ مِن فَرَيْشٍ
٢٥١

السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي» قُلْتُ: نَعَمْ. فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْ جَعَنْنِي. ثُمَّ قَالَ «أَظَنْتِ
أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ)» قَالَتْ: مَهْمَا يَكْثُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ. نَعَمْ. قَالَ «فَإِنَّ جِبْرِيلٌ
أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ. فَنَادَانِي. فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيُهُ مِنْكِ. وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ
وَضَعْتِ ثِيَابَكِ. وَظَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَّدْتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي. فَقَالَ:
إِنَّ رَبِّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ» قَالَتْ: قُلْتُ كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ «قُولِي السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِن الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا
وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُون».
١٩٦٢ - ٤َج١ْ عَن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةً(١٠٤) عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا
خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانٌ قَائِلُهُمْ يَقُولُ (فِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ): السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ (وَفِي
رِوَايَةٍ زُهَيْرٍ) السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِن الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلاحِقُونَ،
أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ.
١٩٦٣ -°٥ْ ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَ﴾(١٠٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «اسْتَأْذَنْتُ رَّبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ
لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَثْ لِي. وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنْ لِي».
١٩٦٤ - ١/٢٦ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ(١٠٦) قَالَ زَارَ النّبِيُّ،وَ قَبْرَ أُمِّهِ قَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَةُ
فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَث ◌ِي. وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي.
فَزُورُوا الْقُورَ فَإِنَّهَا تُذَكّرُ الْمَوْتَ».
١٩٦٥ - ١٣ عَن ابْنِ بُرَيْدَةَ ﴾(١٠٧) عَن أَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ
(١٠٤) حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَسَدِيُّ عَنِ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَن
سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةً عَنِ أَيْهِ
(١٠٥) حَدََّا يَحْتِى بْنُ أَيُّوَبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَّادٍ وَاللَّفْظُ لِيُحْتِى قَالا حَدََّنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانٌ عَن أَبِي
حَازِمٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةٌ
(١٠٦) خَدَّثْنَا أَبُّو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدََّا مُحَمِّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِّي شِيَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَّيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِّى وَّاللّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ وَابْنٍ نُمَّيْرٍ قَالُوا حَدَّقْنَا
مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي سِنَانِ وَهُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةً عَنَ مُحَارِّبِ بْنِ دِثَّارِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةً
- ح وحَدَّا يَخْبَى بْنَ يُحْتِى أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةُ عَنِ زُبَيْدِ الْيَامِيِّ عَنَ مُخَّرِبِ بْنِ دِثَارِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ أُرَاهُ عَنِ أَبِيهِ الشَكُّ مِن
أَبِي خَيْثَمَةَ عَنِ الْنِبِيِّ ◌َ حِ وحَدََّا أَيُو بَكْرِ بْنُ أَبِي هِيَةً حَدَثْنَا قَبِيصَةُ بَنُ عُقْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْتَدٍ عَن سُلَيْمَان
أَبْنِ بُرَيِّدَةَ عَنِ أَبِهَ عَنِ النّبِيِّ:﴿ه ح وَحَدََّا أَبْنُ أَبِي عُمَّرَ وَمُحَمَّدُ بَّنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَن عَبْدِ الرَّزَاقِ عَن مَعْمَرٍ
عَنَ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيَّدَةً عَنْ أَبِهِ عَنِ النّبِيِّ ﴿ كُلُّهُمْ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنّان
٢٥٢

الْقُبُورِ فَرُورُوهَا. وَتَهَيْئُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ. وَنَهَيْئُكُمْ عَنْ
الِّيذِ إِلَا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَّبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلُّهَا وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَن
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيِّدَةً عَن أَيِهِ.
١٩٦٦ - ثْ عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً(١٠٨) قَالَ أَتِيَ النّبِيُّ ◌ِرَجُلٍ قَلَ نَفْسَهُ
بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.
المعنى العام
من الأرض نشأنا، وإلى باطن الأرض نعود، ومنها نبعث على خير إن شاء اللّه، وصدق جل شأنه
حيث يقول: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
والمتدبر فى مصير الكائنات الحية التى تدب على الأرض يجدها تموت وتبقى على سطح الأرض
لا توارى غالباً، حتى تفنى وتتحلل وتذروها الرياح أو يأكل بعضها بعضاً، إلا الإنسان فقد کرمه ربه
فى حياته ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] يحكى القرآن الكريم قصة الدفين الأول حين قتل قابيل
هابيل ثم حمله على كتفه طويلاً، ماذا يفعل فى جثته؟ أيتركها للطير والسباع وهو أخوه؟ أم يظل
يحملها وقد أوشكت على التغير؟ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَّةً أَخِيهِ
قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَرْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]؟ فحفر حفرة لأخيه
فواراه التراب، وهكذا كرم الله بنى آدم بعد موتهم بدفنهم فى قبور:
وقطعت الإنسانية أشواطاً بعيدة فى بناء قبورها حتى رأينا أهرامات الفراعنة وفنها وخيالها،
وجاء الإسلام بمواصفات للقبور لا مبالغة فى تحصينها ولا إفراط ولا إسراف فى تزيينها، فلا نفع
للميت من مباهجها، ولا مبالغة فى إهمالها، ولا تفريط فى إعدادها وصيانتها، فتكريم الميت وحمايته
أهم أهدافها، فلا تجصص القبور ولا يبنى عليها، ولا تقدس فيصلى إليها، وتحترم فلا يجلس عليها، ولا
تداس بالنعال، بل ولا يستند إليها، وأن تعمق الحفرة حتى لا تنبش فيعرض الميت للسباع، وتغطى
بكثير من التراب حتى لا تظهر ولا تنتشر الريح بين الأحياء.
فكانت القبور فى الإسلام ثلاثة أشكال: حجرة صغيرة تحت الأرض مبنية ومسقوفة، يدفن فيها
الميت فوق ترابها ثم يغلق عليه بابها. الشكل الثانى: يشق فى وسط تلك الحجرة شق على قدر الميت
طولاً وعرضاً ثم يوضع الميت، ثم ينصب عليه طوب غير محروق، أو حجارة بحيث يكون بينها وبين
الجسد فاصل، ثم يهال فوق الحجارة التراب بقدر ما خرج من الحفرة.
(١٠٨) حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلامِ الْكُوفِيُّ أَخْبُرَنَا زُهَيْرٌ عَن سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً
٢٥٣

الشكل الثالث كالثانى لكن الشق يكون فى جانب، لا فى الوسط، فى جانب مائل نحو الحائط
بل تحت الحائط وهو ما يعرف باللحد.
بهذه الصورة البسيطة، وفى هذه الديار المتواضعة يرقد الجسد الذى عاش دنياه على الحرير،
والجسد الذى افترش فى دنياه التراب والغبراء، والتحف السماء، يرقد الجسد الذى ملك فى دنياه
القصور، والجسد الذى سكن الخربات والطرقات والخيام ومهدمات الدور.
كل ما سيأخذه الإنسان من سطح الأرض المتسع نصف مترفى مترين، بل قد يشاركه فى هذا
الحيزآخرون على مرالزمان.
فهل من مدكر؟ إن لم تتعظ بالقول فهاهى قبور الآباء والأجداد، شرع الله زيارتها، والاتعاظ بمن
فيها، لقد وجدوا ما وعدهم ربهم حقاً، ولم يبق معهم سوى عملهم، ونحن على الطريق سائرون، وإلى ما
انتهوا إليه منتهون، فقط نحن مؤجلون، لكننا لا محالة لاحقون.
نزورهم إذا تذكرناهم، ونزورهم إذا ودعنا إليهم من لحقهم، فماذا نقول فى زيارتنا لهم؟ راجين أن
يقول لنا مثله من بعدنا إذا صرنا معهم؟ السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين نحن إلى
غد مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. نسأل اللَّه لنا ولكم العافية.
اللّهم إنهم فارقوا من كانوا يحبون، وخرجوا من الدنيا وسعتها إلى ضيق القبر وعذابه. اللّهم إنهم
نزلوا بك وأنت خير منزول به، إن عاقبتهم فيذنبهم، وإن عفوت عنهم فأنت أهل العفو، وأنت غنى عن
عذابهم، وهم فقراء إلى رحمتك، اللَّهم من كان محسنا منهم فاشكر حسنته وزد فى إحسانه، ومن كان
مسيئاً فاغفر له وتجاوز عن سيئاته.
اللَّهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. وأسبغ علينا وعليهم رحمتك يا
أرحم الراحمين.
المباحث العربية
(الحدوا لى لحداً، وانصبوا على اللبن نصباً) أصل الإلحاد: الميل والعدول عن الشىء،
واللحد هنا بفتح اللام وضمها: هو الشق فى الأرض على قدر الميت طولاً وعرضاً من غير تضييق،
وبعمق يسمح بنصب لبنات عليه تغطيه على هيئة القبو، أو لبنات طوال تغطى عرضه بميل من أحد
جانبيه إلى الآخر، كما يسمح العمق بعد ذلك بتغطية اللبنات بكمية من التراب تمنع خروج الريح أو
الهوام وسمى هذا الشق لحداً لأنه يعمل فى جانب القبر مائلاً عن وسطه.
وفعل ((الحدوا)) هنا فعل أمر، مبدوء بهمزة وصل مع فتح الحاء، أو همزة قطع مع كسر الحاء.
(فأمر ... بقبره فسوى) بضم السين وكسر الواو المشددة، أى جعل مستوياً مع الأرض.
٢٥٤

(أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته) أى أزلته من سطح الأرض، أو أزلت معالمه وجعلته
حجرًا كأى حجر.
(ولا قبراً مشرفاً) أى مرتفعاً عن الأرض.
(نهى أن يجصص القبر) أى يدهن ويطلى بالجص، وفى الرواية السادسة ((نهى عن
تقصيص القبور» بالقاف وصادين، والتقصيص هو التخصيص، والقصة بفتح القاف
وتشديد الصاد هى الجص.
(سهيل بن بيضاء) فى الرواية التاسعة عشرة ((ابنى بيضاء سهيل وأخيه)) قال العلماء:
بنو بيضاء ثلاثة إخوة، سهيل وسهل وصفوان، وأمهم البيضاء اسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم
وهب بن ربيعة القرشى الفهرى، كان سهيل قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم
هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وغيرها، توفى سنة تسع من الهجرة . ذكره النووي. وأما أخوه الذى
صلى عليه رسول الله * فقد استشهد ببدر
(قالت: كان رسول اللّه كلما كان ليلتها من رسول اللَّه # يخرج آخر الليل إلى
البقيع) هكذا هو فى الأصل، ولم أجد تعليقاً عليه من الشارحين، وهو يفيد تكرار خروج رسول اللَّه ا﴿
إلى البقيع فى كل ليلة يكون فيها عند عائشة، وهو غير مراد قطعاً، إذ القصة عن واقعة وقعت، كما
تحكى الرواية الثالثة عشرة.
و («ليلتها)» بالرفع فاعل ((كان)» التامة.
(السلام عليكم دار قوم مؤمنين) ((دار)) منصوب على النداء بتقدير مضاف، أى يا أهل دار
قوم مؤمنين، ويجوز أن يكون منصوباً على الاختصاص، ويجوز جره على البدل من الضمير فى
((عليكم)). والدار فى اللغة يطلق على الربع، سواء أكان مسكوناً أم خراباً غير مأهول.
(وأتاكم ما توعدون) التعبير بالمضارع لاستحضار الصورة، والأصل وقد أتاكم ماوعدكم ربكم
من جزاء أعمالكم ومن رحمته وفضله.
(غداً مؤجلون) أى مصيرنا كمصيركم، ولكننا مؤجلون إلى الغد.
(وإنا - إن شاء الله - بكم لاحقون) اللحوق واقع لا شك فيه، فلا يليق أن يعلق على
المشيئة، إذ مشيئته حاصلة لن تتخلف، لهذا جعله بعضهم لخصوص هذا المكان، كأنه قال: وإنا
لاحقون بكم فى هذه القبور بهذه الأمكنة إن شاء الله، وإن شاء غيرها فالأمر له. وقيل: إن التعليق غير
مراد، والمراد بذكر هذه الجملة التبرك.
(اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) كأنه قال: اللَّهم اغفر لأهل هذه القبور والبقيع والبقعة:
٢٥٥

المكان، و((الغرقد)) اسم شجر كثير الشوك ويسمى بالعوسج، والمراد ببقيع الغرقد هنا مدفن أهل
المدينة، سمى باسم الشجر الذى كان فيه قبل إزالته واتخاذه مدفناً.
(انقلب) أى رجع من الخارج.
(فلم يلبث إلا ريثما) بفتح الراء والثاء، أى مقدار ما ظن ... إلخ.
(ظن أن قد رقدت) ((أن)) مخففة من الثقيلة. واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة
((قد رقدت)) خبرها، أى ظن أن الحال والشأن قد نمت واستغرقت فى النوم وأصبحت فى
غيبة عن حركاته.
(فأخذ رداءه رويداً) أى قليلاً قليلاً، أى بلطف وهدوء لئلا يزعجها ويوقظها من نومها. فتحس
وحشة حين يتركها منفردة فى ظلمة الليل ووسطه.
(وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا) أى أغلقه.
(وتقنعت إزارى) هو هكذا فى الأصول، والتقدير: تقنعت بإزارى أى تغطيت به
وجعلته قناعاً ساتراً.
(ثم انحرف) عن البقيع نحو المسكن عائدا.
(فأحضر فأحضرت) بفتح الهمزة والضاد بينهما حاء ساكنة. والإحضار: العدو، أى الجرى
فوق الهرولة.
(مالك يا عائش؟) حذف التاء من ((عائشة)) للترخيم، فيجوز فى الشين الفتح على الانتظار،
والضم على عدم الانتظار، «ومالك»؟ مبتدأ وخبر، بمعنى أى شىء حصل لك حالة كونك؟.
(حشيا رابية) بفتح الحاء وسكون الشين بعدها ياء فألف مقصورة، كان حقها أن
تكتب ياء كسلمى لكنها وقعت بعد ياء، وهو النهيج، وتتابع الشهيق والزفير بسرعة وصوت
نتيجة للجرى، يقال: امرأة حشيا، وحشية، ورجل حشيان. ((ورابية)) أى مرتفعة البطن،
والمقصود ارتفاع وانخفاض بسبب النهيج.
(لاشىء) أى لا شىء يورثنى ما تقول. وفى بعض النسخ ((لابى شىء)) أى ليس بى شىء، وفى
بعضها ((لأى شىء))؟ باللام الداخلة على ((أى)) الاستفهامية، أى لأى شىء تقول هذا؟ قال القاضى
عياض: والأول أصوب.
(فأنت السواد الذى رأيت أمامى؟) يطلق السواد على الإنسان، فيقال: السواد الأعظم، أى
الناس الكثيرون. والكلام هنا على الاستفهام.
(فلهدنى) بفتح الهاء والدال، وروى ((فلهزنى)) بالزاى بدل الدال، وهما متقاربان، يقال: لهده
٢٥٦

ولهذه بالدال والذال مع تخفيف الهاء وتشديدها، أى دفعه. ويقال: لهزه إذا ضربه بجمع كفه فى
صدره، ويقرب منهما لكزه ووكزه.
(أظننت أن يحيف اللَّه عليك ورسوله؟) الاستفهام إنكارى توبيخى أى ما كان ينبغى أن
تظنى أن رسول اللَّه يظلمك، والحيف: الميل عن العدل وعن الطريق المستقيم.
(مهما يكتم الناس يعلمه الله. نعم) صدقت نفسها وأكدت قولها: مهما يكتم الناس يعلمه
اللَّه، كأنها بعدما قالته قالت: هذا حق.
(فإن جبريل أتانى حين رأيت) أى حين رأيت انقلابى ووضعى ردائى وخلعی نعلى ووضعى
لهما عند رجلى وبسطى طرف إزارى على فراشی واضطجاعی.
(فنادانى) أى من خارج الدار.
(فأخفاه منك) أى فأخفى نداءه منك.
(فأجبته فأخفيته منك) أى فأخفيت جوابى وأسررت به.
(قتل نفسه بمشاقص) وهي سهام عراض، واحدها مشقص بكسر الميم وفتح القاف.
فقه الحديث
يمكن حصر شوارد الباب فى أربع نقاط:
القبر وصفته المشروعة، ودفن الميت وكيفيته، وزيارة القبور، وما يؤخذ من الأحاديث.
أما القبر: فهو حجرة صغيرة تحت الأرض، تحفر، ثم تبنى، ثم تسقف بسقف معقود هرمى أو
بسقف عادى. قال النووى فى المجموع: ويستحب أن يعمق القبر لحديث ابن عمر أن النبى و / قال
لهم يوم أحد: ((احفروا وأوسعوا وأعمقوا)). قال الترمذى: حديث حسن صحيح.
قال: ويستحب أن يكون عمقه قامة وبسطة، بحيث يقف فيه رجل معتدل القامة ويرفع يديه إلى
فوق رأسه ما أمكنه. ثم قال: قال الأصحاب: لاستحباب تعميقه ثلاث فوائد: أن لا ينبشه سبع، ولا
تظهر رائحته، وأن يتعذر - أو يتعسر- نبشه على من يريد سرقة كفنه.
وأقل ما يجزئ حفرة تكتم رائحة الميت ويعسر على السباع غالبا نبشه والوصول إلى الميت. اهـ
ودفن الميت ثلاثة أنواع: القبر وهذا وصفه، فيوضع الميت على أرضه، واللحد وقد سبق وصفه فى
المباحث العربية، وأنه شق بجانب القبرتحت جداره والشق وهو حفرة كالنهر، يبنى جانباها على
قدر الميت، ويسقف عليه باللبن أو بأى سقف، ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت، قال
الشافعى فى الأم: ورأيتهم عندنا - يعنى فى مكة شرفها الله - يضعون على السقف الإذخر ثم يضعون
عليه التراب. اهـ
٢٥٧

وظاهر الرواية الأولى أن الدفن فى اللحد أفضل، حيث أوصى به سعد بن أبى وقاص، وحيث إنه
الذى صنع برسول الله: ﴿. قال النووى فى المجموع: أجمع العلماء على أن الدفن فى اللحد وفى الشق
جائزان - أى وكذا القبر - لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل للحديث المشار
إليه - وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل. اهـ والقبر كالشق.
وقد ذكر النووى فى المجموع مسائل تتعلق بالقبر منها:
١- أنه يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذى أخرج منه - على معنى أنه يوضع فوق القبر
ترابه الذى أخرج منه بالحفر، فيرتفع عن سطح الأرض بمقداره.
قال الشافعى والأصحاب، إنما قلنا: يستحب أن لايزاد لئلا يرتفع القبر ارتفاعاً كثيرا. قال
الشافعى: فإن زاد فلا بأس. قال الأصحاب: معناه أنه ليس بمكروه، ولكن المستحب تركه. قال
النووى: فإن قيل: هذا مخالف لحديث على ﴿ه قال: ((أمرنى رسول اللَّه أن لا أدع قبرا مشرفا إلا
سويته)) - روايتنا الرابعة: فالجواب ما أجاب به أصحابنا، قالوا: لم يرد التسوية بالأرض، وإنما أراد
تسليحه، جمعاً بين الأحاديث. اهـ ولا شك أن هذا خلاف ظاهر الحديث فالتسوية جعل الشىء
مساوياً لشىء، وتسوية المشرف جعله غير مشرف على ما حوله، فظاهر الحديث تسوية القبور
بالأرض. أما أن الأمر للوجوب أو الندب أو للأولى فهذا أمرآخر. والله أعلم.
٢- ومنها أن نص الشافعى على أن تستطيح القبر أفضل، وهو مذهب مالك وداود. وقال أبو
حنيفة وأحمد: التسنيم أفضل، ويستدل لهم بما ثبت فى صحيح البخارى عن سفيان التمار قال:
((رأيت قبر النبى ﴿ مسنما)). ورد بأن القبر غيّر عما كان، فكان أول الأمر مسطحا، ثم لما سقط
الجدار فى زمن الوليد بن عبد الملك أصلح فجعل مسنما.
٣- ومنها أنه يستحب أن يوضع عند رأسه علامة من حجر أو خشبة أو غيرهما، قاله الشافعى
وسائر أصحابه. وقيل : علامتان. أحدهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه.
٤- ومنها أنه يكره أن يجصص القبر - وروايتنا الخامسة والسادسة صريحتان فى ذلك، ويكره
أن يكتب عليه اسم صاحبه أو غير ذلك، وأن يبنى عليه. قال النووي: وهذا لاخلاف فيه عندنا، وبه قال
مالك وأحمد وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يكره. والله أعلم.
النقطة الثانية كيفية دفن الميت، وقد ذكر النووى فى ذلك مسائل :
إحداها: أن مذهب الشافعى أنه يسن أن يوضع رأس الميت من الطرف الذى سيكون فيه رجله
ثم يسل من جهة رأسه سلا رفيقا، وهو مذهب أحمد: وقال أبو حنيفة: يدخل بعرضه من ناحية القبلة.
وقال مالك: كلاهما سواء.
ثانيتها: يستحب لمن يتولى الدفن أن يقول عند إدخال الميت القبر: بسم اللَّه وعلى ملة رسول
اللَّه ◌َلَّ
٢٥٨

ثالثتها: قال النووى: يجب وضع الميت فى القبر مستقبل القبلة. وقيل: استقبال القبلة به
مستحب ليس بواجب. قال: والصحيح الأول. واتفقوا على أنه يستحب أن يضطجع على جنبه
الأيمن، فلو اضطجع على الأيسر مستقبل القبلة جاز، وكان خلاف الأفضل.
رابعتها: يستحب أن يوسد رأسه لبنة أو حجرا ونحوهما، ويفضى بخده الأيمن إلى اللبنة ونحوها
أو إلى التراب، ومعناه أن ينحى الكفن عن خده ويوضع على التراب، ويستحب أن يجعل خلفه شيئا
من لبن أو غيره يسنده ويمنعه من أن يقع على قفاه، ويكره أن يجعل تحته مخدة أو ثوب، أو يجعل
فى تابوت إلا إذا كانت الأرض ندية فلا يكره.
وقد شذ من قال: لا بأس أن يبسط تحت جبينه شىء مستدلاً بروايتنا الثانية وفيها يقول ابن
عباس: ((جعل فى قبر رسول اللَّه ﴿ قطيفة حمراء)).
قال النووى: وقد أجابوا عن ذلك بأنه لم يكن ذلك الفعل صادرا من جملة الصحابة ولا برضاهم ولا
بعلمهم، وإنما فعله شقران مولى رسول اللّه ﴿ وقال: ((كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول اللَّه ◌ِ ﴿)).
خامستها: يستحب لكل من على القبر أن يمكث بعد الدفن زمناً يدعو للميت ويستغفر له.
فقد روى مسلم وصية عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة - وقد سبق في كتاب الإيمان -قال:
((فإذا دفنتمونى فسنوا على التراب سنا، ثم أقيموا حول قبرى قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى
أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع رسل ربى)). وقال بعض الشافعية: يستحب أن يقرأ عنده شىء من
القرآن، واستحبوا قراءة أول سورة البقرة وآخرها. وقد روى أبو داود والبيهقى بإسناد جيد عن عثمان
قال: كان النبى 8 إذا فرغ من دفن الرجل يقف عليه، وقال: ((استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت
فإنه الآن يسأل)».
النقطة الثالثة زيارة القبور: والروايات الثانية عشرة وما بعدها تدل على استحبابها، والدعاء
لأهلها والترحم عليهم، قال النووى: اتفقت نصوص الشافعى والأصحاب على أنه يستحب للرجال
زيارة القبور، وهو قول العلماء ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة، وكانت زيارتها
منهيا عنها أولا، ثم نسخ، ثبت فى صحيح مسلم عن بريدة قال: قال رسول اللّه ◌ُ﴾: ((نهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها)) - روايتنا السابعة عشرة - زاد أحمد: ((ولا تقولوا هجرا)). وكان النهى أولا لقرب
عهدهم من الجاهلية، فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل فلما استقرت قواعد الإسلام
وتمهدت أحكامه واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة. ثم قال: قال أصحابنا: ويستحب للزائر أن يدنو
من القبر المزور بقدر ما كان يدنو من صاحبه لو كان حياً وزاره.
وأما النساء فالذى قطع به الجمهور أنها مكروهة لهن كراهة تنزيه. وقال بعض المحققين: إن
كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح على ما جرت من عادتهن حرم. قال: وعليه
يحمل حديث: ((لعن الله زوارات القبور)) رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح. وإن كانت
٢٥٩

زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة كره، إلا أن تكون عجوزا لا تشتهى فلا يكره كحضور
الجماعة فى المساجد. اهـ واستحسنه الإمام النووى، ثم قال: ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة
لظاهر الحديث. اهـ
والذى تميل إليه النفس أن زيارة النساء للقبور بدافع الاعتبار والدعاء والاستغفار لا تكره مطلقا
لذاتها، أما إذا لابسها شىء من الممنوعات شرعا منعت بالدرجة التى بها الملابس كراهة أو تحريما،
فروايتنا الثالثة عشرة وفيها عائشة تسأل عما تقول عند زيارتها القبور؟ وفيها تعليم الرسول 308 ما
تقول: «قولى: السلام عليكم أهل الديار ... إلخ)). دليل واضح على المشروعية، وأقلها الجواز وعدم
الكراهة. ثم إن المرأة التى رآها رسول اللَّه ◌َ * تبكى ولدها عند القبر لم ينهها رسول اللّهِ { عن
الزيارة، وإنما أمرها بالصبر. مما يؤكد ما ذهبنا إليه من عدم الكراهة، والله أعلم.
قال النووى: قال أصحابنا: ويستحب للزائر أن يسلم على أهل المقابر ويدعو لمن يزوره ولجميع
أهل المقبرة، والأفضل أن يكون السلام والدعاء بما ثبت فى الحديث، ويستحب أن يقرأ من القرآن ما
تيسر، ويدعولهم عقبها. ونص عليه الشافعى واتفق عليه الأصحاب، ولا يستلم القبر بيده، ولا يقبله ولا
يمسح القبر، ولا يمسه، فإن ذلك عادة النصارى. وقد صح النهى عن تعظيم القبور، وصح فى ذلك الوعيد
الشدید.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- يؤخذ من الرواية الأولى تفضيل اللحد على القبر، وقد مضى الكلام عليه.
٢- وأخذ منها البغوى من الشافعية جواز فرش مثل القطيفة فى القبر.
قال النووي: وهذا شاذ ونص الشافعى وجميع الأصحاب وغيرهم من العلماء على كراهته، وقد
مضى الحديث فى ذلك.
٣- ويؤخذ من الرواية الرابعة وجوب تحطيم التماثيل وطمسها على المقابر أو بعيدة عنها.
٤- ويؤخذ من الرواية الخامسة والسابعة منع الجلوس على القبر.
قال النووى: وكذا الاستناد إليه والاتكاء عليه، كل ذلك مكروه عندنا وعند أبى حنيفة وأحمد. وقال
مالك: لا يكره.
٥- ومن الرواية الخامسة النهى عن البناء على القبور. قال النووي: البناء على القبر إن كان فى ملك
البانى فمكروه، وإن كان فى مقبرة مسبلة فحرام. قال الشافعى فى الأم: ورأيت الأئمة بمكة
یأمرون بهدم ما یبنی.
٦- ومن الرواية الثامنة والتاسعة النهى عن الصلاة إلى القبر، أى جعله فى قبلة المصلى.
٧- ومن الرواية الثالثة عشرة طبيعة الغيرة فى النساء، وأن ما يجرى بدافعها فى حدود مغتفر.
٢٦٠