النص المفهرس
صفحات 181-200
ليست العبرة فى أن نتذكر الموت، فإننا نراه بعيوننا بين الحين والحين، بل قد تفقد الرؤية
الكثيرة الاتعاظ والاعتبار، فالرجل الذى يمتهن دفن الموتى لا يتأثر بالموت، وإنما العبرة أن يدفعنا
هذا التذكر إلى العمل لما بعد الموت، وأن نستحى من الله حق الحياء، فنحفظ الرأس وما وعى،
والبطن وما حوى.
وإن عيادة المريض وسيلة إلى العبرة والمؤانسة، عبرة للزائر ومؤانسة للمريض، وإن
حضور من أدركه الموت أكثر اتعاظا، فالزائر يرى الميت وقد تحشرجت أنفاسه، وضاق
صدره بروحه، ويراه وقد بلغت الحلقوم، ينظر إليه ولا يستطيع مساعدته بشىء، ينظر
الحبيب الحى إلى حبيبه وقد شخص بصره وتجمدت جفونه، فلا يملك إلا أن يغمض له
عينيه، وإلا أن يلقنه لا إله إلا الله محمد رسول اللّه.
لا يملك المسلم الحبيب أو القريب إلا أن يقول ما أمرهِ اللَّه به: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
[البقرة: ١٥٦]، وأن يقول ما أرشده إليه رسوله الكريم له: ((اللّهم أجرنى فى مصيبتي وأخلف لي خيرا
منها)). فإنه إن قال ذلك أخلفه الله خيراً من مصيبته وأجره على صبره، قد يظن الحبيب أن مصابه
أعظم من أن يخلف ويعوض بخير مما فقد، فيعز عليه أن يقول: اخلف لي خيراً منها، كما فعلت
السيدة أم سلمة حين مات زوجها وأبو أولادها، أبو سلمة، لقد قالت: ليس فى المسلمين من هو خير
من أبى سلمة حتى يخلفه، إنه كان أول المهاجرين من مكة إلى المدينة، ومن أوائل من أسلم وهاجر
الهجرتين فليس هناك مثله فضلا عمن هو خير منه، فصعب عليها أن ينطق لسانها بدعوة اللَّهم
اخلفنى خيرا من مصيبتي، لكنها جاهدت نفسها فقالتها، فكانت النتيجة أن ذهب إليها عمر
يخطبها لنفسه فاعتذرت، فذهب إليها أبو بكر يخطبها لنفسه، فاعتذرت، فأرسل إليها رسول اللَّه ◌ِ لـ
يخطبها لنفسه، فأشفقت عليه من تبعاتها، وقالت: إنى امرأة مسنة وغيور، وذات عيال؛ فقال لها
صلى الله عليه وسلم: أما سنك فأنا أكبر منك وأما غيرتك فأسأل الله أن يذهب بها، وأما عيالك فلهم
الله ورسوله، فتزوجها صلى الله عليه وسلم.
إن المصابين وأهل الميت إذا صبروا واحتسبوا واستسلموا ودعوا الله تعالى جزاهم خيراً وأخلفهم
خيراً، وإذا ما دعوا للميت بالخير وبأن يوسع الله له فى قبره، وأن يغفر له، وأن يرفع درجته فإننا
نرجو أن يجيب الله دعاءهم وأن يرحم ميتهم وأن يدخله الجنة.
بهذا رسم الإسلام استقبال الموت، وحضور الموت، والاستعداد للموت. فاللَّهم أحينا ما كانت
الحياة خيراً لنا، وأمتنا ما كان الموت خيرا لنا.
وأحسن خاتمتنا فى الأمور كلها، وأجرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة، إنك سميع مجيب.
المباحث العربية
(كتاب الجنائز) بفتح الجيم لا غير جمع جنازة بالفتح والكسر، لغتان والكسر أفصح. وقيل:
بالكسر اسم للنعش، وبالفتح اسم للميت. وقالوا: لايقال: نعش إلا إذا كان عليه الميت.
١٨١
(لقنوا موتاكم) فى الكلام مجاز المشارفة، أى الأحياء المشرفين على الموت وليس
الأموات بالفعل، أى من قرب موته، من باب تسمية الشىء باسم ما يؤول إليه، ومنه قوله
تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] والتلقين: التذكرة والدعوة إلى القول
والنطق، وليس عن طريق الطلب المباشر للنطق، وإنما ينطق من حضر الموت بالشهادتين
نطقاً يسمع به الميت كأنه يدعوه للنطق بها.
(لا إله إلا اللَّه) الجملة مقصود لفظها مفعول ((لقنوا)) وعبارة ((لا إله إلا اللَّه)) أصبحت لقبا
يقصد به الشهادتان شرعا.
(اللَّهم أُجرنى فى مصيبتى) يقال: أجره اللّه أى: أعطاه أجره وجزاء صبره، وهو مقصور («
أجره «لا يمد، فلا يقال: آجره اللّه، وحكى القاضى المد.
(وأخلف لي خيراً منها) ((أخلف)) بهمزة قطع وكسر اللام. قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له
مال أو ولد أو قريب أو شىء يتوقع حصول مثله: أخلف اللَّه عليك، أى رد عليك مثله، فإن ذهب ما لا
يتوقع مثله بأن ذهب والد أوعم أو أخ قيل له: خلف الله عليك، بغير ألف، أى كان اللَّه خليفة منه
عليك. نقله النووى عن أهل اللغة.
(فلما مات أبو سلمة) اسمه عبد الله بن عبد الأسد بن هلال. أسلم هو وزوجه مع السابقين،
وهاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى والثانية. شهد مع رسول اللَّه * غزوة بدر، وغزوة أحد، ورمى فيها
بسهم فى عضده، ثم شفى من جرحه، لكنه عاوده الألم فمات منه على رأس ثلاث سنين من الهجرة.
(أى المسلمين خير من أبى سلمة؟) الاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى لا أحد من
المسلمين خير من أبى سلمة، وذلك فى تقديرها.
(أول بيت هاجر إلى رسول اللَّه﴿) فهو أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله
**. وكانت هجرته قبل بيعة العقبة الثانية.
(أرسل إلىّ رسول اللّه : ﴿ حاطب بن أبي بلتعة يخطبنى له) فى بعض الروايات أنه
صلى الله عليه وسلم أرسل عمر إليها يخطبها له صلى الله عليه وسلم، فلما اعتذرت نهرها عمر وقال:
أنت التى تردين رسول اللّه:﴿؟ فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أرسل حاطبا بعد عمر.
(فقلت: إن لى بنتا) فقد توفى أبو سلمة وهى حامل فى بنته ((زينب)) فلما وضعتها وانقضت
عدتها خطبت، وفى رواية: ((إننى ذات عيال)). ولدت بالحبشة ابنها ((سلمة)) وولدت بالمدينة ابنها
عمر، وابنتها درة، ثم ابنتها المقصودة هنا ((زينب)).
(وأنا غيور) يقال: امرأة غيرى وغيور، ورجل غيور وغيران، قال النووى: وقد جاء فعول فى
صفات المؤنث كثيرا كقولهم: امرأة عروس وعروب وضحوك.
١٨٢
وفى رواية: ((وأنا امرأة مسنة)) وقصدها الاعتذار برفق، وإنها تخشى على رسول اللّه عَل
من حالها.
(فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها) أى أن يغنى البنت عن أمها بكفالته صلى
الله عليه وسلم لها، وظاهر الرواية أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك بعيداً عنها، لكن بعض الروايات
قالت: ((فاستأذن على رسول اللَّهِ: ﴿ وأنا أدبغ إهابا، فسلكت يدى منه، وأذنت لرسول اللّه عَ لَّه
ووضعت له وسادة من أدم حشوها ليف فقعد إليها، فقال: أما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك، وأما
ما ذكرت من غيرتك فإني أرجو الله أن يذهبها عنك - فكانت فى النساء كأنها ليست منهن لا تجد
من الغيرة شيئاً - وأما ما ذكرت من صبيتك فإن اللَّه سيكفيهم».
فلعل روايتنا بأسلوب الغيبة تصرف من الرواة.
(وأدعو الله أن يذهب بالغيرة) بفتح الغين، يقال: أذهب الله الشىء وذهب به، وفى القرآن
الكريم: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧].
(ثم عزم اللَّه لى) أى خلق فى عزما، أو خلق لى عزما.
(إذا حضرتم المريض - أو الميت -) ((أو)) شك من الراوى، والمراد من الميت من
أشرف على الموت.
(فقولوا خيرا) أی ادعو له بخير.
(فلما مات أبو سلمة أتيت النبي {# فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات) فى
الرواية الخامسة أن رسول اللّه: # حضر وفاة أبى سلمة فقولها: يا رسول اللّه، إن أبا سلمة قدمات
ليس للإخبار بموته، ولعله للتوجع وإظهار الحزن.
(وقد شق بصره) فعل وفاعل. قال النووي: ((شق)) بفتح الشين، و((بصره)) بالرفع
فاعل ((شق)) هكذا ضبطناه، وهو المشهور، وضبطه بعضهم ((بصره)) بالنصب وهو صحيح
أيضاً، والشين مفتوحة بلا خلاف.
قال أهل اللغة: يقال: شق بصر الميت، وشق الميت بصره، ومعناه شخص وصارينظر إلى الشىء
لا يرتد إليه طرفه.
(فأغمضه) أى فأغمض عينى أبى سلمة.
(إن الروح إذا قبض تبعه البصر) الروح يذكر ويؤنث، قال النووي: معناه إذا خرج الروح من
الجسد تبعه البصر ناظراً أين يذهب. اهـ
ومعناه أن الروح يرى، وهو بعيد، فالأولى أن يكون المعنى إن الروح إذا قبض تبعه قبض البصر
وامتناع الرؤية فتتوقف العين عن الإبصار مع انفتاحها.
١٨٣
(فضج ناس من أهله) بالبكاء وبالدعاء بالويل والهلاك والخيبة.
(واخلفه فى عقبه فى الغابرين) أى الباقين من عقبه.
(واخلفه فى تركته) أى أهله وأولاده.
(وقال: ((اللَّهم أوسع له فى قبره)) ولم يقل ((افسح له))) توثيق بالرواية، وإعلام بالمحافظة
على ألفاظها.
(شخص بصره) بفتح الشين والخاء، أى تصلب.
(فذلك حين يتبع بصره نفسه) أى يذهب إبصاره تبعاً لذهاب نفسه وروحه عن جسده.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: أورد البخارى وغيره كتاب الجنائز بين الصلاة والزكاة لتعلقها بهما - أى
لتعلق الجنائز بالصلاة من حيث الصلاة على الميت وبالزكاة من حيث عهدة الميت المالية
واستحقاق الزكاة كدين فى تركته - ولأن الذى يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك أهمه الصلاة
عليه - فالصلاة على الميت أهم ما يفعل به وله - لما فيها من فائدة الدعاء له بالنجاة من العذاب، ولا
سيما عذاب القبر. اهـ
ويؤخذ من الأحاديث
١- من الرواية الخامسة عيادة المريض، قال النووى فى شرح المهذب: عيادة المريض سنة متأكدة،
والأحاديث الصحيحة مشهورة فى ذلك. ويستحب أن يعم بعيادته الصديق والعدو، ومن يعرفه
ومن لا يعرفه، وفى عيادة المريض الكافر خلاف، وينبغى أن تكون العيادة غبا، لا يواصلها كل
يوم، اللَّهم إلا أقارب المريض وأصدقاؤه ونحوهم ممن يأتنس بهم أو يتبرك بهم أو يشق عليهم
إذالم يروه كل يوم، ويكره أن يطيل القعود عنده لما فيه من إضجاره والتضييق عليه.
٢- ويستحب للعائد أن يدعو للمريض، إن رجا شفاءه دعا له بالشفاء، فعن أنس أنه قال الثابت: ((ألا
أرقيك برقية رسول اللَّه ◌ِ﴿؟ قال: بلى. قال: اللَّهم رب الناس، مذهب البأس، اشف أنت الشافى
لا شافى إلا أنت شفاء لا يغادر سقما)). رواه البخارى. وعن سعد بن أبى وقاص قال: ((عاودنى
النبى:﴿ فقال: اللُّهم اشف سعدا. اللَّهم اشف سعدا، اللهم اشف سعداً ». رواه مسلم.
٣- وإن لم يرج شفاءه ورآه منزولا به، استحب أن يلقنه الشهادتين كما جاء فى الرواية الأولى.
ويستحب أن يكون الملقن غير متهم، وغير عدو أو حاسد، وأن يكون أشفق الحاضرين عليه، وأن لا
يلح عليه فى النطق بالشهادتين لئلا يضجر فيقول: لا أقول أو يتكلم بكلام قبيح، وإذا أتى
بالشهادتين مرة لا يعاود ما لم يتكلم بعدهما بكلام آخر، للحديث الصحيح: ((من كان آخر كلامه
لا إله إلا الله دخل الجنة)).
١٨٤
٤- ومن الرواية الخامسة استحباب إغماض عين الميت، ويتولى ذلك أرفقهم به، ويستحسن أن يقال
حال الإغماض: بسم الله وعلى ملة رسول اللّهمَ ﴾. ورد ذلك عند البيهقى فى السنن الكبرى بإسناد
صحيح، زاد العلماء أنه يستحب شد لحييه بعصابة عريضة تجمع جميع لحييه، ثم تشد العصابة
على رأسه، لأنه إذا لم يفعل به ذلك استرخى لحيه، وانفتح فمه، فقبح منظره، وربما دخل إلى فمه
شىء من الهوام.
٥- ويستحب أن يدعو أهله بالدعاء الوارد فى الروايات: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أُجرنى فى
مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، اللهم اغفر لنا وله وأعقبنا منه عقبة حسنة».
٦- وأن يدعو للميت بما ورد فى الرواية الخامسة.
٧- ومن الرواية الرابعة أنه يستحب لمن حضر الميت أن يقول خيرا، من دعاء له، واستغفار وطلب
اللطف والتخفيف، وذكر محاسنه، والثناء عليه، وأن يقرأ عنده سورة يس، وأن يطلب منه الدعاء.
٨- وفيها أن الملائكة تحضر الميت وتؤمن على ما يقوله الحاضرون.
٩- وفى الرواية الخامسة ثبوت عذاب القبر.
١٠ - واستحباب الدعاء للميت بنوره وتوسعته.
١١- أخذ القاضى عياض من قوله فى الرواية الخامسة: ((إن الروح إذا قبض)). أن الموت ليس بإفناء
وإعدام، وإنما هو انتقال وتغير حال، وإعدام الجسد دون الروح.
١٢- قال القاضى عياض: وفى قوله: ((يتبع بصره نفسه)). مع قوله: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)).
حجة لمن يقول: الروح والنفس بمعنى.
١٣ - وفى قوله فى الرواية الخامسة: ((إن الروح إذا قبض)». دليل لمذهب بعض المتكلمين ومن وافقهم
أن الروح جسم لطيف متخلل فى البدن، وتذهب الحياة من الجسد بذهابه، وليس عرضا كما يقول
البعض، ولا دما كما يقوله آخرون. قاله النووی.
١٤ - وهناك أمور مهمة تتعلق بالميت أو بمن أشرف على الموت، ويمن يكونون حوله، ذكرها النووى
فى المجموع ويحسن بنا ذكر أهمها:
(أ) من ذلك أنه يستحب لكل أحد أن يكثر ذكر الموت، لما رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه
عن أبى هريرة أن رسول اللّه قال: ((أكثروا ذكر هاذم اللذات - يعنى الموت)).
وينبغى ذلك فى حالة المرض بصفة أشد استحبابا ليرق قلبه، فيرجع إلى ربه ويقبل على
الطاعات، ويرد المظالم والحقوق، وليكن فى ذكره صباح مساء ما ثبت فى صحيح البخارى
عن ابن عمر -رضى الله عنهما- قال: «أخذ رسول اللَّه ◌ُ بمنكبی فقال: كن فى الدنيا كأنك
غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت
فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)).
١٨٥
(ب) ويستحب للمريض ومن به سقم أن يصبر، وفى الكتاب والسنة كثير فى فضل الصبر، ويكفى
فى فضله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ويكره له كثرة
الشكوى، وقال بعضهم: ويكره له التأوه والأنين. قال النووي: والصواب أنه لا كراهة فيه، ولكن
الاشتغال بالتسبيح وغيره أولى.
(ج) والتداوى مشروع، فقد روى أبو داود عن أبى الدرداء أن رسول اللّهمَ ﴿ قال: ((إن اللَّه تعالى
أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بالحرام)). وفى البخارى عن أبى
هريرة عن النبى { * قال: ((إن اللَّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء)». وفى مسلم عن جابر عن
رسول اللَّه:﴿ قال: ((لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عز وجل)). وفى
أبى داود والترمذى والنسائي وابن ماجه عن أسامة بن شريك قال: أتيت رسول اللَّه ◌ُالرّ -
وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير - فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا،
فقالوا: يارسول الله: نتداوى؟ قال: ((تداووا، فإن اللّه لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم)).
(د) ويستحب للمريض ومن حضرته أسباب الموت ومعاناته أن يحسن الظن بالله تعالى راجياً
العفو والرحمة.
(هـ) ويستحب للحاضر عند المحتضر أن يطمعه فى رحمة اللَّه تعالى ويحثه على تحسين ظنه
بربه وأن يذكر له الآيات والأحاديث الواردة فى الرجاء وينشطه لذلك.
(و) ويستحب أن يستقبل به القبلة، قال النووى: وهذا مجمع عليه وفى كيفيته
المستحبة وجهان:
أحدهما: على قفاه وبطن قدميه إلى القبلة، ويرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة.
ثانيها: وهو الأصح عند الأكثرين، وهو مذهب مالك وأبى حنيفة والمنصوص عليه للشافعى أن
يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة وكالموضوع فى اللحد، فإن لم يمكن لضيق المكان
أو غيره، فعلى جنبه الأيسر إلى القبلة، فإن لم يمكن فعلى قفاه.
(ز) ويجوز لأهل الميت وأصدقائه تقبيل وجهه.
والله أعلم
١٨٦
(٢٨٣) باب البكاء على الميت
١٨٥٤ - ١٠ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٠) قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةً قُلْتُ غَرِيبٌ وَفِي
أَرْضِ غُرْبَةٍ لِأَبْكِنَّهُ بُكَاءٌ يُتْحَدَّثُ عَنْهُ. فَكْتُ قَدْ تَهَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ إِذْ أَقْبَلَتْ امْرَأَةٌ مِن
الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَقَالَ «أَثْرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانِ بَيْتًا
أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟» مَرَّتَيْنِ فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ.
١٨٥٥ - ١١ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١١) قَالَ كُنَّا عِنْدَ النّبِيِّ ◌ِ﴿ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ
إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخِْرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا أَوْ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ. فَقَالَ لِلرَّسُولِ «ارْجِعْ إِلَيْهَا
فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلْهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمِّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ
وَلْتَخْتَسِبْ)) فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِنَّهَا. قَالَ فَقَامَ الْبِيُّفِ﴿ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ
ابْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ. فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْفَعُ كَأَنَّهَا فِي شَّئَةٍ،
فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ
عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحُمُ اللَّهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحْمَاءَ».
١٨٥٦ - ٣ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا (١٢) قَالَ اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى
لَهُ، فَتَى رَسُولُ اللَّهِفَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقْاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ «أَقَدْ قَضَى؟» قَالُوا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ﴿َّكَوْا. فَقَالَ «أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لا
يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا (وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ) أَوْ يَرْحَمُ)».
١٨٥٧ - ٣ٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣) أَنَّهُ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ
(١٠) وحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيْئَةً قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثْنَا سُفْيَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي
نَجِيحِ عَن أَبِهِ غَنِ عُبَيِّدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةٌ
(١١) خَّدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدِّنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ) عَن عَاصِمِ الأَحْوَلِ عَنِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أُسَامَةً بِنِ زَيْدٍ
- وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَّيْرِ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلِ حٍ وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بَنُ أَبِيَ شَيْبَةً حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً جَمِيعًا عَنْ
عَاصِمِ الأَحْوَلِ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ خَدِيثَ حَمَّادٍ أَتْمُّ وَأَطْوَلُ.
(١٢) حَدَّثَنّاً يُونُسُ بَّنَّ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ وَعَمْرُوِ بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ قَالا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ
عَن سَعِيدٍ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(١٣) وحَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى الْعَزِيُّ حَذَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَذَّنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَن عُمَارَةً يَعْنِي ابْنَ غَزِيَّةً عَنْ سَعِيدٍ
ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى عَن عَبَّدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
١٨٧
رَسُولِ اللَّهِفَ﴿ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِن الأَنْصَارِ فَسَلْمَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْبَرَ الأَنْصَارِيُّ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «يَا أَخَا الأَنْصَارِ كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟» فَقَالَ صَالِحٌ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ل «مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟» فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنًا
نِعَالٌ وَلا خِفَافٌ وَلا قَلانِسُ وَلا قُمُصٌ نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئْنَاهُ فَاسْتَأْخَرَ
قَوْمُهُ مِن حَوْلِهِ حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ.
١٨٥٨- ٤َ إِعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴿(١٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ «الصَّبْرُ عِنْدَ
الصَّدْمَةِ الأُولَى».
١٨٥٩ - ◌ْ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حظّ(١٥) أَنَّ رَسُولَ اللّهِل ◌َ﴿ أَتَّى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي
عَلَى صَبِيِّ لَهَا. فَقَالَ لَهَا «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِيٍ». فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِييَّتِي. فَلَمًّا
ذَهَبَ. قِيلَ لَهَا إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِمَ﴿ فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَأَتَتْ بَابَهُ فَلَمْ تَجِدْ عَلَى
بَابِهِ بَوَّابِينَ. فَقَالَتْ يَارَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَغْرِفْكَ. فَقَالَ «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ» أَوْ
قَالَ «عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ».
١٨٦٠ - - حَدَّثْنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، بِقِصَّتِهِ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ
الصَّمَدِ مَرَّ النّبِيُِّ﴿َ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ.
١٨٦١ - ١٣٦ عَن عَبْدِ اللَّهِ صَ﴾(١٦) أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ «مَهْلا يَا بُنيَّةُ أَلَمْ تَعْلَمِي
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ قَالَ «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟».
١٨٦٢ - ١٣ عَنْ عُمَرَ ◌َ﴾(١٢) عَنِ النّبِيِّ: ﴿ قَالَ «الْمَّيِّتُ يُعَذِّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ».
١٨٦٣ -- عَنْ عُمَرَ ◌َُ عَنِ النَّبِيِّ:﴿ قَالَ «الْمَيِّتُ يُعَذِّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَّا نِيحَ عَلَيْهِ».
(١٤) حَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثْنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ
(١٥)وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبْرَنَا شُعْبَةٌ عَنِ ثَابِتِ الْبُّنَانِيِّ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- وحَّدَّثَنَاهِ يَحْتِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثٍ حَ وَحَدَّثَنَّا عُقْبَةُ بْنَّ مُكَّمِ الْعَمِّيُّ حَدَّثْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ
عَمْروح وحَدَّثْنِي أَحْمَذٌ بْنُ إِبْرَاهِيمُ الدَّوْرَقِيُّ حَدِّثْنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالُوا جَمِيعًا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
(١٦) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَّيْرٍ جَمِيعًا عَن ابْنٍ بِشْرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ عَن
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ غَمَرَ قَالَ حَدَّثْنَا نَافِعٌ عَن عَبْدِ اللَّهِ
(١٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةً يُحَدِّثُ عَن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ
عُمَرّ
- وَحَدَّثْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَن سَعِيدٍ عَن قَتَادَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ عَن عُمَرَ
١٨٨
١٨٦٤ - ١١ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٨) قَالَ لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ،
فَصِيحَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ﴿ْقَالَ «إِنَّ الْمَّيِّتَ لَيُعَذَّبُ
بُكَاءِ الْحَيِّ».
١٨٦٥ - ٢٩ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ(١٩) عَن أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَا أَخَاهْ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا صُهَيْبُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،وَ﴿ قَالَ «إِنَّ الْمَّيِّتَ لَيُعَذْبُ بِيُكَاءِ الْحَيِّ».
١٨٦٦ - ٢١ عَنْ أَبِي مُوسَى(٢٠) قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ أَقْبُلَ صُهَيْبٌ مِن مَنْزِلِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى
عُمَرَ فَقَامَ بِحِيَالِهِ يَبْكِي. فَقَالَ عُمَرُ عَلَامَ تَبْكِي؟ أَعَلَيَّ تَبْكِي؟ قَالَ إِي وَاللَّهِ لَعَلَيْكَ أَبْكِي يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذِّبُ». قَالَ
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى ابْنٍ طَلْحَةَ؛ فَقَالَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيُهُودَ.
١٨٦٧ - ٣١ عَنْ أَنَسٍ ﴾ (٢١) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ؛ فَقَالَ يَا
حَفْصَةُ أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ،وَلَ يَقُولُ «الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ؟». وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ؛ فَقَالَ
عُمَرُ يَا صُهَيْبُ أَمَا عَلِمْتَ «أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ؟».
١٨٦٨ - ٣ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي مُلَيْكَّةَ(٢٢) قَالَ كُنْتُ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ،
وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ جَنَازَةَ أُمِّ أَبَانَ بِنْتِ عُثْمَانَ، وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ. فَجَاءَ ابْنُ عَّاسِ
يَقُودُهُ قَائِدٌ. فَأُرَاهُ أَخْبَرَهُ بِمُكَانِ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءً حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِيٍ، فَكْتُ
بَيَْهُمَا. فَإِذَا صَوْتٌ مِن الدَّارِ. فَقَالَ ابْنُ عُمَسرَ - كَأَنَّهُ يَعْرِضُ عَلَى عَمْرٍو أَنْ يَقُومَ
فَنْهَاهُمْ- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِمَّيَقُولُ «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذِّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ» قَالَ
فَأَرْسَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ مُرْسَلَةٌ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُنَّا مَحَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
خَتْى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ تَازِلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ. فَقَالَ لِي اذْهَبْ فَاعْلَمْ لِي
مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ، فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ إِنْكَ أَمَرْتَتِي أَنْ أَعْلَمَ
لَكَ مَنْ ذَاكَ وَإِنَّهُ صُهَيْبٌ. قَالَ مُرْهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا، فَقُلْتُ إِنَّ مَعَّهُ أَهْلَهُ، قَالَ وَإِنْ كَان
(١٨) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّقَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عُمَرَ
(١٩) حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيََّانِيِّ عَنْ أَبِي بُرَّدَةً
(٢٠) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبُرَنَا شَعَيْبُ بْنُّ صَفْوَانْ أَبُو يَخْيَىَ عَن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَن أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى
عَن أَبِي مُوسَى
(٢١) وحَذََّنِي عَمْرٌوَ النَّقِدُ حَدَّثَنَا عَقَّادُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً عَنِ ثَابِتٍ عَنْ أَنْسِ
(٢٢) حَذَّا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلِيَّةَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَن عَبْدِ اللَّهِ ثَّنِ أَبِي مُلَيْكَةً
١٨٩
مَعَهُ أَهْلُهُ (وَرْبَّمَا قَالَ أَيُّوبُ مُرْهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا) فَلَمَّا قَدِمْنَا لَمْ يَلْبَثْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ
أُصِيبَ فَجَاءَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَا أَخَاهْ وَاصَاحِبَاهْ، فَقَالَ عُمَرُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَوْ لَمْ تَسْمَعْ
(قَالَ أَيُوبُ أَوْ قَالَ أَوَ لَمْ تَعْلَمْ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «إِنَّ الْمِيِّتَ
لَيُعَذْبُ بِبَعْضِ بُكّاءِ أَهْلِهِ».
قَالَ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَأَرْسَلَهَا مُرْسَلَةٌ، وَأَمَّا عُمَرُ فَقَالَ بِبَعْضٍ. فَقُمْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةً
فَحَدَّثْهَا بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَتْ لا وَاللَّهِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ قَطُّ ((إِنَّ الْمَيْتَ يُعَذِّبُ
بُيُكَاءِ أَحَدٍ» وَلَكِنَّهُ قَالَ «إِنَّ الْكَافِرَ يَزِيدُهُ اللَّهُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى،
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» قَالَ أَيُّوبُ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةً حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ لَمَّا
بَلَغَ عَائِشَةً قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ، قَالَتْ إِنْكُمْ لَتُحَدِّثُونِي عَن غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلا مُكَذِِّيْنٍ وَلَكِنَّ
السَّمْعَ يُخْطِئُ.
١٨٦٩ - ٢٣ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ(٢٣) قَالَ تُؤْقِيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكّْةَ. قَالَ
فَجِثْنَا لِتَشْهَدَهَا. قَالَ فَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ جَلَسْتُ
إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِيٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ
مُوَاجِهُهُ أَلا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﴿ قَالَ (إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذِّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ. ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِن مَكّْةً
حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ. فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاءِ الرَّكْبُ؟
فَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهْبٌ. قَالَ فَأَخْبُرُهُ. فَقَالَ ادْعُهُ لِي. قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ. فَقُلْتُ
ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أَنْ أُصِيبٌ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَا أَخَاهْ وَا
صَاحِبَاهْ. فَقَالَ عُمَرُ يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ه«إِنَّ الْمَّيِّتَ يُعَذِّبُ بِبَعْضٍ
بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ؛ فَقَالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ
عُمَرَ لا وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِيُكَاءِ أَحَدٍ» وَلَكِنْ قَالَ «إِنَّ
اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى. قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةً فَوَاللَّهِ
مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِن شَيْءٍ.
(٢٣) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُّ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَذَِّنَا عَبْدُ الرَّرَّاقِ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبُرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةً
١٩٠
١٨٧٠ - - عَن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةً(٣) كُنَّا فِي جَازَةِ أُمِّ أَبَانِ بِنْتِ عُثْمَان وَسَّاقَ
الْحَدِيثَ وَلَمْ يَنُصَّ رَفْعَ الْحَدِيثِ عَنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ: ﴿ كَمَا نَصَّةُ أَيُوبُ وَابْنُ
جُرَيْجٍ وَحَدِيثُهُمَا أَتْمُّ مِن حَدِيثِ عَمْرٍو.
١٨٧١ - ٢٤ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ رضي الله عنهما (٢٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ «إِنَّ الْمَّيِّتَ
يُعَذِّبُ بِبُّكَّاءِ الْحَيِّ».
١٨٧٢ - ٢٥ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢٥) قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ الْمَّيِّتُ يُعَذِّبُ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ،
فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِعَل
جَنَازَةُ يَهُودِيَّ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ «أَنْتُمْ تَبَّكُونَ وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ».
١٨٧٣- ٣٦ عَنِ هِشَامٍ(٢٦) عَن أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَّرَ يَرْفَعُ إِلَى
النّبِيِّلَ﴿ ﴿إِنَّ الْمَيِّستَ يُعَذْبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فَقَالَتْ وَهِلّ إِنَّمَا قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيَتِهِ أَوْ بِذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيْكُونَ عَلَيْهِ الآن». وَذَاكَ
مِثْلُ قَوْلِهِ إِنَّ رَسُولَ اللّهِوَ﴿ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ يَوْمَ بَدْرٍ وَفِيهِ قَتْلَى بَذْرٍ مِن
الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولٌ». وَقَّدْ وَهِلَ إِنَّمَا قَالَ «إِنَّهُمْ
لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ» ثُمَّ قَرَأَتْ: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوَّى. وَمَا أَنْتَ
بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، يَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِن النّارِ.
١٨٧٤ - ٣٧ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢٧) وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ إِنَّالْمِيِّتَ
لَيُعَذِّبُ بِيُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنْهُ نَسِيَ
أَوْ أَخْطَأَ، إِنْمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ،فَ﴿ عَلَى يَهُوِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا؛ فَقَالَ «إِنَّهُمْ لَيْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنْهَا
لَتُعَذِّبُ فِي قَبْرِهَا».
(-) وحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةً
(٢٤) وحَذَّتِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عُمْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ سَالِمًا حَدَّتَّهُ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(٢٥) وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِعِ الزَّهْرَانِيُّ جَمِيعًا عَنِ حَمَّادٍ قَالَ خَلَفٌ حَدَّثْنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ هِشَامٍ بَّنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيٍ
قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةً
(٢٦) حَدَّثَّا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَََّّا أَبُو أُسَامَةً عَنِ هِشَامِ عَنْ أُبِهِ
- وحَّدَثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّنَا وَكِيْعٌ حَدَّثًّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ وَحَدِيثُ أَبِي
أُسَامَةٌ أَثُمُّ.
(٢٧) وَحَدََّا قِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ مَالِكِ بْنِ آَنَسٍ فِيمَا قُرِىَ عَلَيْهِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهَا
أَخْبَرَتْهُ أَنْهَا سَمِعَتْ عَائِشَةً
١٩١
١٨٧٥ - ٢٨ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِعَةَ(٢٨) قَالَ أَوَّلُ مَنْ نِيجَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ
كَعْبٍ؛ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ ابْنُ شُعْبَةً سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ يَقُولُ «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ
يُعَذَّبُ بِمَّا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
١٨٧٦ - ٢٩ عَن مَالِكِ الأَشْعَرِيَّ ◌َِّ(٢٩) أَنَّ النَّبِيَِّ ﴿ قَالَ «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِن أَمْرٍ
الْجَاهِلِيَّةِ لا يَستْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ
بِالنُّجُومِ، وَالنَّاحَةُ» وَقَالَ «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تُتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا
سِرْبَالٌ مِن قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِن جَرَبٍ».
١٨٧٧ - ٣٠ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣٠) قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ قْلُ ابْنِ
حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ رَوَاحَةَ؛ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ يُعْرَفُ
فِيهِ الْحُزْنُ. قَالَتْ وَأَنَا أَنْظُرُ مِن صَائِرِ الْبَابِ (شَقِّ الْبَابِ) فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ؛ فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، فَأَتَاهُ فَذَكَرَ
أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ. فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ. فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ
غَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ «اذْهَبْ فَاحْتُ فِي
أَقْوَاهِهِنَّ مِن التَُّابِ». قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ وَاللَّهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِلَّمِنِ الْعَنَاءِ.
١٨٧٨ -- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ مِنِ الْعِيِّ.
(٢٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ عُبَيْدِ الطَّائِيِّ وَمُحَمَّدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنِ عَلِيِّ بْنِ رَبِعَةً
- وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُشَهِرٍ أَخْبُرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسَ الأَسْدِيُّ عَنْ عَلِيَّ بْنِ رَبِيعَةَ الأَسْدِيِّ عَن
الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً عَنِ النّبِيِّ ◌َّ مِثْلَهُ.
- وحَدَّثْنَاهَ ابْنُ أَبِي عُمَّرَ حَدَّنَا مَرْوَانُ يَعْنِي الْفَزَارِيّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ الطَّائِيُّ عْنَ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةً عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً عَنْ
النّبِيِّ ◌َ مِثْلَهُ.
(٢٩) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا عَقَّادُ حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ حِ وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبُوَنَا حَبَّاهُ بْنُ
هِلال حَدَّثَّا أَبَانُ حَذَّقَا يَحْتِى أَنَ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلامٍ حَدَّتَهُ أَنَّ أَبَا مَالِكِ الأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ
(٣٠) وحَذَِّا ابْنُ الْمُثْنِّى وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَذََّأُ عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتَ يَحْتِى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ أَخْيُرَكْنِي عَمْرَةُ أَنَّهَا
سَمِعَتْ عَائِشَةٌ تَقُولُ
- وحَّدَّهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرِ ح وحَدَّثِّي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنٍ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةٌ بْنِ
صَالِحٍ ح وِحَدَّقَبِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدٌ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ كُلَّهُمْ عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ
بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
١٩٢
١٨٧٩ - ٣١ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢١) قَالَتْ أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ لَّ مَعَ الْبَيْعَةِ أَلا
تُنُوحَ فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلا خَمْسٌ: أُمُّ سُلَيْمٍ، وَأُّ الْعَلاءِ، وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةُ مُعَاذٍ، أَوْ ابْنَةٌ
أَبِي سَبْرَةٌ، وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ.
١٨٨٠ - ٣ٍ عَنْ أُمَّ عَطِيّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٣٢) قَالَتْ أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ فِي الْعَةِ أَلا
تُحْنَ فَمَا وَفَتْ مِنَّا غَيْرُ خَمْسٍ مِنْهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ
١٨٨١ - ٣ عَنْ أُمّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣٣) قَالَتْ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يُبَابِغَكَ عَلَى أَنْ لا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ... وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قَالَتْ كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ. قَالَتْ فَقُلْتُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِلا آلَ فُلانٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِيَّةِ فَلا بُدَّ لِي مِن أَنْ أُسْعِدَهُمْ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِوَلِ «إِلا آلَ فُلانٍ».
المعنى العام
لاشك أن البكاء طبيعة من طبائع الإنسان، فالإنسان يفرح ويحزن، وللفرح أعراضه، وللحزن
أعراضه، وأبرز أعراض الحزن البكاء، وأبرز أعراض الفرح الضحك والانبساط، ودمعة العين ليست
مظهراً أو عرضاً فقط، وإنما هى منفسة عن نفس الحزين، مبردة لحرارة المصيبة، مخففة للوعات
الفؤاد، فالبكاء دواء، وكبته وكظمه فى وقت يحتاجه داء خطير العواقب، كثيراً ما يورث عقدة نفسية
أو أضرارا جسمية، وأشد المصائب موت عزيز، وفقد حبيب، لهذا كثر البكاء عند الموت، وقل أو ندر
عند فقد مال أو ضياعه، أوعند الأمراض والأسقام ربما لأن المال يذهب ويعود، والأمراض والأسقام
تشفى وتزول، أما الميت فلا يعود.
وأكثر ما يتأثر بالحزن النساء، لأن عواطفهن تغلب عقولهن، فهن أشد من الرجال حساسية، وهن
أسرع وأقوى من الرجال انفعالا. لهذا عرفن بالصراخ والصياح والعويل عند الموت، واشتهرن بالهلع
والجزع والولولة، وزاد عندهن الأسى ففقدن التوازن والانضباط، فشققن الثياب، ولطخن الوجوه
بالنيلة والألوان السوداء والزرقاء، وحلقن الشعور ولبسن السواد، وشنقن أنفسهن بالخمار، وتكونت
منهن فرق يجدن إثارة الحزن بالكلمات والنغمات والنياحات تدعى هذه الفرق فتجيب، وتتصنع
الأسى واللوعة والحرقة فتلهب حناجر الأخريات وصراخ الباكيات.
(٣١) حَدِِّي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةً
(٣٢) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنَّ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا أَسْبَاطٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ حَفْصَةً عَنْ أُمِّ عَطِيَّةً
(٣٣) وحَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَّةً قَالَ زُهَيْرٌ حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ
حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنَ حَفْصَةً عَنْ أُمِّ عَطِيَّةً
١٩٣
وتطورت هذه الظاهرة حتى أصبحت علامة على وفاء أهل الميت لميتهم ومظهراً من مظاهر
معزتهم له، ورمزا لقيمته عندهم، حتى قال طرفة بن العبد:
إذا مت فانعينى بما أنا أهله وشقى علىَّ الثوب يا ابنة معبد
وجاء الإسلام وتلك عادة العرب، ووجدنا أم سلمة - رضى الله عنها وهى من السابقات إلى
الإسلام المهاجرة مع زوجها إلى الحبشة مرتين ثم إلى المدينة -وجدناها حين مات زوجها من
جراحة أصابته فى غزوة أحد. وجدناها تقول: غريب وفى أرض غرية، ولأبكينه بكاء يتحدث به
الركبان، وقامت وتهيأت للصراخ والألوان، وأعدت العدة لاستقبال النادبات المساعدات، ودخل
رسول اللَّهَ ﴿ عليها فوعظها أن لا تفعل، وقال لها: ما من عبد تصيبه مصيبة فيصبر ويقول: إناللَّه
وإنا إليه راجعون. اللَّهم أجرنى فى مصيبتى، وأخلف لي خيرا منها. إلا أجره اللَّه فى مصيبته وأخلف
له خيرا منها، قال لها: قولى: اللَّهم اغفر لى وله، وأعقبنى منه عقبى حسنة. فاستسلمت وكفت عن
البكاء والصراخ، واستقبل النبى ® إحدى المساعدات النادبات فقال لها: إياك أن تدخلى الشيطان
بيتا أخرجه الله منه، فلا ندبة ولا عويل.
وأخذ الإسلام ينشر نوره وتعاليمه المتمثلة فى الرضا بالقضاء، والصبر عند البأساء، وفى الإيمان
بأن كل شىء حتى نفوسنا ملك للَّه، لقد أرسلت إليه صلى اللّه عليه وسلم إحدى بناته تخبره أن ابنا
لهايموت وفى النزع الأخير، وتطلب حضوره إليها يواسيها ويخفف عنها وتحصل به البركة والرحمة،
فأرسل إليها يقول: اعلمى أن للَّه ما أعطى، هو الذى وهبك هذا الولد فتمتعت به أياما، كان عارية
وأمانة لديك، فإن أخذه فهو حقه وله ما أخذ، وكل أجل عنده فى كتاب، فاصبرى واطلبى من اللَّه أن
يحسب صبرك عليه فى صحيفتك. فأرسلت إليه تقسم عليه أن يأتيها، فأتاها ومعه بعض أصحابه،
فرفع إليه الصبى، فأخذه بين يديه، فرأى صدره يعلو ويهبط، ونفسه تتحشرج فى حلقومه، وأمه
بجواره تكاد تموت حزنا وكمدا، فسقطت العبرات على خد رسول الله{ *، وظن الصحابة الحاضرون
أن الإسلام ينهى عن البكاء والدمع، فقال أحدهم: ما هذا يا رسول اللَّه؟ تبكى؟ وتنهانا عن البكاء؟
قال: إنما نهيتكم عن هذا، وأمسك بلسانه، أما الدمع فهو أثر الإحساس والرحمة التى جعلها اللَّه فى
قلوب عباده، والمسلم يرحم، ومن لا يرحم لا يرحم.
ووضع الإسلام قواعده على لسان رسوله*، زيارة للمريض ومواساة زيارة من كبير المسلمين
لصغيرهم، وزيارة عامتهم لعامتهم ولسادتهم. لقد أخذ جمعاً من أصحابه لزيارة سعد ابن عبادة فى
مرضه، وكان أهله حوله فلما رأوا رسول اللَّه الث تفسحوا له واستأخروا، ففاض دمعه نابعاً من تأثره
وانفعاله ورحمته، ومرة أخرى شرح لأصحابه: إن اللَّه لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، وإنما
يعذب بما فوق هذا من فعل الجاهلية.
ورأى امرأة تصرخ وتولول عند قبر صبى لها فقال لها: اتقى الله واصبرى فإن الصبر الكامل
المستحق للجزاء الوفير هو ما كان على مصاب جلل حين يفاجئ المحبين.
١٩٤
وكان لابد من محاربة عادات الجاهلية، وأبرزها ما كانوا يعتقدونه من أن المبالغة فى ندبته
والبكاء عليه، والمغالاة فى مظاهر الحزن ينفعه ويعلى من قدره، فأراد الإسلام أن يغرس فيهم نقيض
عقيدتهم، فقال: ((إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)» فإن كنتم تحبونه فلا تعذبوه بصراخكم، «
المعول عليه يعذب)) فلا تعذبوا أحبابكم))، ومن نيح عليه فإنه يعذب بما نيح يوم القيامة)).
وكان لابد أن يحذر النائحات، فقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تبعث يوم القيامة وهى
تلبس ثياباً من قطران تصيبها بالجرب.
احذروا معشر المسلمين أربعاً من خصال الجاهلية: الفخر بالأحساب، والطعن فى الأنساب،
وربط المطر بالنجوم، ونسيان الذى يرسل السحاب، والنياحة على الموت.
وهكذا حارب الإسلام الهلع والجزع عند الموت، حارب مظاهر عدم التسليم ومظاهر
عدم الرضا بالقضاء.
غرس الإيمان فى نفوس المؤمنين بأن للَّه ما أعطى، ولله ما أخذ، وكل شىء عنده بمقدار ولكل
أجل كتاب، وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
المباحث العربية
(غريب وفى أرض غربة) أى فليس معه من الأهل من يبكيه غيرى، لأنه من أهل مكة ومات
فى أوائل الهجرة بالمدينة، والمقصود بهذه الجملة تعليل بكائها الهائل الذى اعتزمته.
(لأ بكينه بكاء يتحدث عنه) ((يتحدث)) بالبناء للمجهول، أى يتحدث الركبان وأهل البلاد
عن عظمه.
(فكنت قد تهيأت للبكاء عليه) أى لبست لباس الباكيات وأعددت المناديل ومشقوق
الثياب والخمار ونحو ذلك مما يستعمله الصائحات النادبات.
(إذ أقبلت امرأة من الصعيد) أصل الصعيد ما كان على وجه الأرض واستعمل فى الأرض
البعيدة، والمراد هنا عوالى المدينة.
(تريد أن تسعدنى) بضم التاء وسكون السين، أى تساعدنى فى البكاء والنوح والندبة.
(فاستقبلها رسول اللَّه) صلى الله عليه وسلم لعله كان بالداخل حين دخلت، ففى الرواية
الخامسة من الباب السابق أنه صلى الله عليه وسلم دخل على أبى سلمة وقد شق بصره فأغمضه.
(أتريدين أن تدخلى الشيطان بيتاً أخرجه اللَّه منه)؟ الاستفهام إنكارى توبيخى، أى لا
ينبغى أن تدخلى، ولعله صلى الله عليه وسلم علم ذلك من الوحى، لأن أم سلمة لم تكن كفت عن البكاء
ولا التهيؤ للنوح.
١٩٥
(فكففت عن البكاء فلم أبك) ليس المراد من البكاء هنا دمع العين، إذ ليس ذلك من
الشيطان، وإنما المراد به ما يصاحبه من صراخ وعويل فمعنى ((كففت)» هنا أحجمت وامتنعت،
وليس المعنى أنها كانت تنوح فتوقفت.
(فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه) أى تطلب حضوره إليها.
(وتخبره أن صبيالها فى الموت) ذكر الحافظ ابن حجر فى الفتح خلافا فى
المقصود بابنة النبى ولد، وفى المقصود بابنها، فقال: هى زينب كما وقع فى مصنف ابن
أبى شيبة، وابنها قيل: هو على بن أبى العاص بن الربيع، فقد اتفق أهل العلم بالنسب على
أن زينب لم تلد لأبى العاص إلا عليا وأمامة فقط، ثم استبعد أن يكون الابن عليا، لأن أهل
العلم بالأنساب ذكروا أنه عاش حتى ناهز الحلم وأن النبى 13 أردفه على راحلته يوم فتح
مكة، ومثل هذا لايقال له ((صبى)) عرفا، وإن جازلغة، كما استبعد أن يكون المراد بالولد
أمامة ابنتها رغم النص عليها فى رواية أحمد، فإن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة
بنت أبى العاص من زينب بنت النبى { عاشت بعد النبى * حتى تزوجها على بن أبى
طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند على حتى قتل عنها. وارتضى الحافظ ابن حجر أن
يراد بالولد أمامة، ففى رواية أبى داود: ((أن ابنى أو ابنتى)) وأنها كانت قاربت أن تقبض،
فأكرم الله نبيه عليه الصلاة والسلام بأن عافی ابنها أوابنتها فى ذلك المرض، وذكر
الحافظ ابن حجر قولا آخر أن المراد من بنت النبى وَ رقية، وأن المراد من ابنها هو عبد
اللَّه بن عثمان بن عفان، وأسند هذا القول للبلاذرى فى الأنساب، ونقل الحافظ عن مسند
الجزار أن المقصود بابنة النبى* فاطمة. قال: فعلى هذا فالابن المذكور محسن بن على
بن أبى طالب. قال: وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرا فى حياة النبى { ®. قال:
فهذا أولى أن يفسربه إن ثبت أن القصة كانت لصبى ولم يثبت أن المرسلة زينب لكن
الصواب فى حديث الباب أن المرسلة زينب. انتهى بتصرف.
(فقال للرسول) الذى أرسلته ابنته.
(أن للَّه ما أخذ) ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم فهم أن الصبى قد مات، فالتقدير: إن هذا
الذى أخذ منكم كان له، لا لكم، فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغى أن لا يجزع من استردت منه وديعة أو
عارية، ولكن آخر الحديث أن الصبى كانت نفسه تعلو وتهبط فى صدره، فالمراد أنه فهم حضور
الموت لا انتهاءه، أى إن أخذه اللَّه فإن للَّه ما أخذ، وإن أبقاه فإن للَّه ما أبقى.
(وله ما أعطى) معناه أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه، بل هو ملكه يفعل فيه ما يشاء.
(وكل شىء عنده بأجل) أى كل من انقضى أجله فمحال تقدمه أو تأخره عنه، أو كل شىء من
الأخذ والإعطاء بأجل معلوم، فإذا علمتم ذلك كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم. قال الحافظ ابن
١٩٦
حجر: وقدم ذكر الأخذ على الإعطاء ، وإن كان متأخرا فى الواقع لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذى
أخذه هو الذى كان قد أعطاه، و ((ما)) مصدرية فى الموضعين، ويحتمل أن تكون موصولة، أى للَّه ما
أخذه من الأولاد، وله ما أعطى منهم.
(مسمى) أى معلوم مقدر.
(فلتصبر ولتحتسب) أى تنوى بصبرها طلب الثواب من ربها، ليحسب لها ذلك من
عملها الصالح.
(وانطلقت معهم) المتحدث أسامة بن زيد.
(فرفع إليه الصبى) فى بعض روايات الصحيح ((فدفع بالدال بدل الراء، وفى بعضها ((فلما
دخلنا ناولوا رسول اللَّه پ﴿ الصبى)».
(ونفسه تقعقع كأنها فى شنة) القعقعة حكاية صوت الشىء اليابس إذا حرك، وأصل
((تقعقع)) تتقعقع، فحذفت إحدى التاءين، والشنة بفتح الشين وتشديد النون: القربة القديمة الجافة
اليابسة كجلد الطبل، فكأنه شبه البدن اليابس وحركة الروح فيه، بما يطرح فى الجلد الجامد من ماء
ونحوه. أى روحه لها صوت وحشرجة كصوت الماء إذا ألقى فى قربة جافة.
(ففاضت عيناه) كناية عن تساقط الدمع.
(ما هذا يا رسول الله؟) فى رواية ((أتبكى وتنهى البكاء)»؟.
(هذه رحمة) الإشارة إلى الدمعة، وفى الكلام مضاف محذوف، أى أثر رحمة.
(وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه
أن رحمة الله تختص بمن اتصف بالرحمة وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، ولكن
عند أبى داود: «الراحمون يرحمهم الرحمن». والراحمون جمع راحم فيدخل فيه أدنى رحمة.
ذكره الحافظ ابن حجر.
(اشتكى سعد بن عبادة شكوى له) اشتكى أى مرض وضعف وتألم ((وشكوى)) بغير تنوين.
ولم تكن مرض الموت فقد شفى وعاش بعدها.
(فأتى رسول الله # يعوده) ((فأتى)) مبنى للمعلوم، و«رسول اللَّه)) فاعل، والقائل عبد اللّه ابن
عمر، وظاهره أن ابن عمر كان عند سعد، لكن الرواية الرابعة صريحة فى أن ابن عمر كان عند النبى
** ، فالمعنى: فأتى رسول الله { لا سعدا. وجملة ((يعوده)) تعليلية أو حال.
(فلما دخل عليه وجده فى غشية) بفتح الغين وكسر الشين وتشديد الياء، وضبطه بعضهم
بإسكان الشين وتخفيف الياء أى إغماء من الكرب والشدة، والغاشية هى الداهية من شر أو مرض.
١٩٧
وقيل: فى جماعة من أهله الذين يغشونه للخدمة والمؤانسة والمواساة. ويؤيده ظاهر الرواية الرابعة
قوله: «فاستأخر قومه من حوله».
(فقال: أقد قضى؟) أى أقد انتهى ومات؟
(ألا تسمعون؟) أى أحضكم على السماع. أى اسمعوا. وكأنه فهم من بعضهم إنكار بكائه.
(فقال: صالح) السؤال عن حالته الصحية لما علم من مرضه، فلعل المراد صالح للحياة من
الصلاحية لا من الصلاح ضد الفساد والسوء.
(ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص) أى ما على أكثرنا هذه الأشياء
لفقرنا أو زهدنا.
(الصبر عند الصدمة الأولى) أصل الصدم ضرب الشىء الصلب بمثله فاستعير للمصيبة
الواردة على القلب. و((ال)) فى ((الصبر)) للكمال، أى الصبر الكامل الذى يترتب عليه الأجر الجزيل ما
كان عند مفاجأة المصيبة لما فيه من صعوبة ومشقة.
(أتى على امرأة تبكى على صبى لها) فى ملحق الرواية ((مرالنبى ® بامرأة عند قبر)). قال
الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها ولا اسم صاحب القبر.
(اتقى الله واصبرى) قال الطيبى: ((اتقى الله)) توطئة لقوله: ((واصبرى)» كأنه قيل لها: خافى
غضب الله إن لم تصبری.
(فقالت: وما تبالى بمصيبتى) أى أنت لا تبالى بمصيبتى. وفى رواية للبخارى: ((إليك عنى))
أى تنح وابعد، وفى أخرى له: ((فإنك خلو من مصيبتى)). وعند أبى يعلى: ((يا عبد الله إنى أنا الحرى
الثكلى، ولو كنت مصابا عذرتنى)».
(فأخذها مثل الموت) أى أخذها كرب وخوف ورهبة مثل الذى يأخذ المريض عند الموت.
(أن حفصة بكت على عمر) أى صرخت وعولت كما جاء فى الرواية الثانية عشرة.
(إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) ظاهره أن الباء للسببية، وأن بكاء الأهل سبب لتعذيبه،
وجعلها بعضهم للحال. أى إن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك لأن شدة بكائهم غالبا
إنما يقع عند دفنه، وفى تلك الحال يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فكأن المعنى: أن الميت يعذب حالة
بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سبباً لتعذيبه، ولا يخفى ما فى هذا التأويل من بعد
وتكلف، وإن كانت الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة تؤيده.
وقيل: إن اللام فى ((الميت)) للعهد، والمراد به الكافر، كما هو ظاهر الرواية الرابعة عشرة، وقيل:
للعهد والمراد به ميت معين، أى إن هذا الميت يعذب ببكاء أهله، لأنه أوصاهم بذلك مثلا، والتفاصيل
تأتى فى فقه الحديث.
١٩٨
(لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: واأخاه) ((وا)) حرف ندبة والألف فى
((أخاه)) مزيدة لتطويل مد الصوت، والهاء هاء السكت. والمراد من الإصابة الطعنة التى
مات فيها. و((صهيب)) أصله من بلاد الموصل، سبى فى غارة للروم على بلاده وهو غلام
صغير اشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه، ثم أسلم بمكة، وهو من السابقين الأولين
المعذبين فى اللَّه، هاجر إلى المدينة، ومات بها سنة ثمان وثلاثين.
(فقام بحياله) أى بحذائه وحواره.
(عولت عليه حفصة) يقال: عول عليه وأعول عليه، أى صوت وبكى بصوت.
(فإذا صوت من الدار) أى صراخ وصياح.
(قال: فأرسلها عبد اللَّه مرسلة) أى أطلق عبد الله بن عمر جملة: ((إن الميت ليعذب ببكاء
أهله)» إطلاقا، لم يقيدها بيهودى كما قيدتها عائشة، ولا بوصية كما قيد آخرون، ولا قال: ((ببعض بكاء
أهله)» كما روى أبوه عمر بن الخطاب.
(فقال ابن عباس ... ) قصد ابن عباس بما سيروى أن يرد على ابن عمر إطلاقه العبارة دون قيد
بأن أباه عمر قيدها ((ببعض بكاء أهله)). وفى رواية للبخارى ((فقال ابن عباس: قد كان عمر طُه يقول
بعض ذلك)).
(كنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) فى رواية للبخارى ((صدرت مع عمر طلبه من
مكة)) أى عقب أداء الحج.
(حتى إذا كنا بالبيداء) ((البيداء)) هى المفازة - أى الصحراء الواسعة المهلكة، والمراد منها
هنا صحراء ما بين مكة والمدينة.
(ألم تعلم أولم تسمع؟ قال أيوب: أوقال: أولم تعلم؟ أولم تسمع) ((أو)) شك من الراوى
فى أى العبارات ذكر فقوله: ((ألم تعلم)) الأولى استفهام عن العلم بدون واو بين الهمزة ولم، وقوله: ((لم
تسمع)) الأولى بدون الهمز وبدون الواو وبينهما ((أو)) على معنى الاستفهام عن السمع، وقوله: ((أولم
تسمع)) الثانية استفهام عن العلم بهمزة فواو مفتوحة، وقوله: ((أولم تسمع)) الثانية استفهام عن
السمع بهمزة فواو مفتوحة، والاستفهام للتقرير، والهدف التوثيق بالرواية بمحاولة الحفاظ على أداء
اللفظ المسموع.
(قال: فأما عبد اللَّه فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال «ببعض») القائل هو ابن أبى
مليكة مقارناً بين ما سمعه من ابن عمر، وبين ما سمعه من ابن عباس عن عمر، وهذا الكلام معترض
بين كلامى ابن عباس، فقوله بعد ذلك: «فقمت» من كلام ابن عباس.
١٩٩
(فقمت فدخلت) في الرواية الرابعة عشرة ((فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت
ذلك لعائشة)».
(وإن اللَّه لهو أضحك وأبكى، ولا تزروازرة وزر أخرى) ظاهره أن الجملتين عن عائشة،
والحق أن الأولى عن ابن عباس كما هو صريح ملحق الرواية الرابعة عشرة ، ومعناها أن الدمع لا
يملكه ابن آدم ولا تسبب له فيه فلا يؤاخذ فاعله فضلا عن الميت. ومعنى الآية الثانية أنه لا تحمل
نفس لم تذنب وزر نفس أذنبت.
(إنكم لتحدثونى عن غير كاذبين ولا مكذبين) بالتثنية، أى هما لا يتعمدان الكذب، ولا
يليق بمسلم أن يكذبھما.
(ولكن السمع يخطئ) تعتبر خطأ حكمهما فى سمعهما لا فى حفظهما.
(إذ هو بركب تحت ظل شجرة) ((الركب)) أصحاب الإبل فى السفروهو للعشرة فما فوقها.
(حسبكم القرآن) أى كافيكم ما جاء فى القرآن بهذا الخصوص.
(فوالله ما قال ابن عمر من شىء) قال الطيبى وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة فسكت
مذعنا. وقال الزين بن المنير: سكوته لا يدل على الإذعان فلعله كره المجادلة فى هذا المقام.
(سمع شيئاً فلم يحفظه) أى فأخطأ سمعه، أونسى ما سمعه جيداً.
(وهل) بفتح الواو وكسر الهاء، وفتحها، أى غلط ونسى.
(وذاك مثل قوله ... ) تؤكد عائشة خطأ ابن عمر فى روايته تعذيب الميت ببكاء أهله
بأنه أخطأ كذلك فى روايته إسماع الموتى، حيث روى البخارى عن ابن عمر: أن النبى ◌َ *
اطلع على أهل القليب فقال: ((وجدتم ما وعد ربكم حقا)»؟ فقيل له: أتدعو أمواتا؟ فقال:
((ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون)».
(قام على القليب يوم بدر) ((القليب)) بفتح القاف وكسر اللام: البئر العادية القديمة، والمراد
هنا قليب بدر.
(وفيه قتلى بدر من المشركين) ورؤساؤهم أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن
ربيعة، وشيبة بن ربيعة.
(وقد وهل) أخطأ ابن عمر فى روايته أن النبى { قال: ((إنهم ليسمعون ما أقول)).
(إنما قال: إنهم يعلمون أن ما كنت أقول لهم حق) فهى تنفى أن يكون الرسول ( 4*
أخبر بأن الموتى يسمعون، وتثبت أنهم يعلمون ما سمعوه قبل الموت.
٢٠٠