النص المفهرس

صفحات 561-580

وإذا حذفتا جاز إطلاقه على غيره، فيقال. رب المال، ورب الدار، ونحو ذلك. والعالمون جمع عالم،
وليس للعالم واحد من لفظه. واختلف العلماء فى حقيقته، فقال المتكلمون من أصحابنا وغيرهم من
المفسرين وغيرهم: العالم كل المخلوقات. قال جماعة: هم الملائكة والجن والإنس، وقيل: بنو آدم
خاصة. وقال آخرون: هو الدنيا وما فيها، ثم قيل: هو مشتق من العلامة، لأن كل مخلوق علامة على
وجود صانعه. وقيل: من العلم، فعلى هذا يختص بالعقلاء.
( اللَّهم أنت الملك ) أى القادر على كل شيء المالك الحقيقى لجميع المخلوقات.
( وأنا عبدك ) أى معترف بأنك مالكى ومدبرى وحكمك نافذ فى.
( ظلمت نفسى ) أى اعترفت بالتقصير. وقدمه على سؤال المغفرة أدبا كما قال آدم وحواء:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْلَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
( اهدنى لأحسن الأخلاق ) أى أرشدنى لصوابها، ووفقنى للتخلق به.
( واصرف عنى سيئها ) أى قبيحها.
( لبيك) قال العلماء: معناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لب بالمكان لبا،
وألب إلباباً، أى أقام به، وأصل ((لبيك ((لبين لك، فحذفت النون للإضافة.
( وسعديك ) قال الأزهرى وغيره: معناه مساعدة لأمرك بعد مساعدة ومتابعة لدينك بعد متابعة.
( والخير كله فى يديك والشرليس إليك ) قال الخطابى وغيره: هذا من إضافة محاسن
الأمور إليه تعالى دون مساويها، وقوله: ((والشر ليس إليك)). مما يجب تأويله، لأن مذهب أهل الحق
أن كل المحدثات فعل اللَّه تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها، وحينئذ يجب تأويله، وفيه خمسة أقوال
أحدها: معناه لا يتقرب به إليك. والثانى: معناه لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: ياخالق القردة
والخنازير ويارب الشرونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء ورب كل شىء، وحينئذ يدخل الشر فى
العموم. والثالث: معناه الشرلا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح. والرابع: معناه
والشرليس شراً بالنسبة إليك، فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين.
والخامس: أنه كقولك: فلان إلى بنى فلان، إذا كان عداده فيهم أو صفوه إليهم.
( أنا بك وإليك ) أى التجائى وانتمائى إليك وتوفيقى بك.
( تباركت ) أى استحققت الثناء. وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنبارى:
تبارك العباد بتوحيدك.
( ملء السموات وملء الأرض ) هو بكسر الميم وينصب الهمزة بعد اللام ورفعها، واختلف فى
الراجح منهما، والأشهر النصب، ومعناه حمداً لو كان أجساماً لملأ السموات والأرض لعظمه.
٥٦١

( سجد وجهى) قيل: المراد بالوجه جملة الذات كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾
[القصص: ٨٨] ويؤيده أن السجود يقع بأعضاء أخر مع الوجه. وقيل: إن الشيء يضاف إلى ما يجاوره
كما يقال: بساتين البلد.
( أحسن الخالقين ) أى المقدرين والمصورين.
( أنت المقدم وأنت المؤخر) معناه تقدم من شئت بطاعتك وغيرها، وتؤخر من شئت عن
ذلك كما تقتضيه حكمتك، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء.
( وأنا أول المسلمين ) أى من هذه الأمة.
انتهى كلام النووى بدون تصرف وهو من النفاسة بمكان، والله أعلم.
فقه الحديث
تتعرض أحاديث الباب إلى نقاط فقهية ننسجها فيما يأتى:
(أ) فى الرواية السابعة إشارة إلى دافع مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة وأنه النظر ومراقبة
كيفية صلاة النبي 8 بالليل، وفى الرواية العاشرة تصريح بدافع وسبب آخر ونصها: ((بعثنى العباس
إلى النبى {# وهو فى بيت خالتى ميمونة)). زاد النسائى: ((فى إبل أعطاه إياها من الصدقة)). ولابن
خزيمة: ((كان رسول اللَّه ◌َ وعد العباس ذودا من الإبل فبعثنى إليه بعد العشاء وكان فى بيت
ميمونة)). ولمحمد بن نصر زيادة: ((فقال لى النبى وُ﴾: يا بنى بت الليلة عندنا)». ففى ظاهر سبب
المبيت ودافعه تعارض بين الروايات، ويمكن الجمع بينهما بأن الدافع إلى الإرسال طلب الإبل
الموعود بها للعباس، فلما عرض على ابن عباس المبيت كان دافعه للقبول والمبيت مراقبة صلاة
النبي ◌ٌ ﴾.
(ب) جاء فى رواية لأبي عوانة عن عبد الله بن عباس: ((أن العباس بعثه إلى النبي ◌ُّ فى
حاجة. قال: فوجدته جالسا فى المسجد فلم أستطع أن أكلمه، فلما صلى المغرب قام فركع حتى
أذن بصلاة العشاء)). وظاهر هذا يعارض أن العباس أرسله إلى النبي ® فى بيت ميمونة. قال
الحافظ ابن حجر: ويجمع بأنه لما لم يكلمه فى المسجد أعاده إليه بعد العشاء إلى بيت ميمونة.
(ج) فى الرواية الرابعة: ((بت عند خالتى ميمونة فقلت لها: إذا قام رسول اللّه لَ ﴿ فأيقظينى)).
مما يوحى بأن ابن عباس قد نام، وجاء فى الرواية: ((فقلت: لا أنام حتى أنظر ما يصنع فى صلاة
الليل)». وقد جمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين باحتمال أنه عزم فى نفسه على السهر ليطلع على
الكيفية التى أرادها، ثم خشى أن يغلبه النوم فوصى ميمونة أن توقظه. اهـ
ولم تفد الروايات بأن ميمونة أيقظته، وإنما صرحت الرواية الأولى بأنه كان مستيقظا من نفسه
٥٦٢

إذ فيها. ((فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أنى كنت أنتبه له)). فكونه عزم على أن لا ينام، وكونه لم
ينم بالفعل لا يتنافى مع توصيته خالته أن توقظه احتياطا وخوفا من أن ينام.
(د) تصرح الرواية الرابعة بأن صلاته صلى الله عليه وسلم تلك الليلة كانت إحدى عشرة ركعة،
وتصرح الرواية الأولى والثالثة والسادسة والثانية عشرة بأن صلاته فى تلك الليلة كانت ثلاث عشرة
ركعة، وجاءت روايتنا الثامنة بأن صلاته كانت فى هذه الليلة تسع ركعات وأن الوضوء كان يتكرر
كل ركعتين، ونصها: ((ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام
حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات - ست ركعات - كل ذلك يستاك ويتوضأ، ثم أوتر بثلاث)).
وفى الجمع أو الترجيح يقول الحافظ ابن حجر: والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على
الظن عدم تعددها، فلهذا ينبغى الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها. ولا شك أن الأخذ بما '
اتفق عليه الأكثر والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم، ولاسيما إن زاد أو نقص، والمحقق من
عدد صلاته فى تلك الليلة إحدى عشرة، وأما رواية ((ثلاث عشرة)» فيحتمل أن يكون منها سنة العشاء،
ويوافق ذلك رواية ابن أبى حجرة عن ابن عباس بلفظ: ((كانت صلاة النبي (* ثلاث عشرة)». يعنى
بالليل، ولم يبين هل سنة الفجر منها أو لا وبينها يحيى بن الجزار عن ابن عباس عند النسائى بلفظ:
((كان يصلى ثمان ركعات ويوتر بثلاث، ويصلى ركعتين قبل صلاة الصبح)). ولا يعكر على هذا الجمع
إلا ظاهر قوله: ((صلى ركعتين ... ثم ركعتين ... )) - روايتنا الثانية أى قبل أن ينام، ويكون منها سنة
العشاء، وقوله: ((ثم ركعتين)). أى بعد أن قام. وجمع الكرمانى بين ما اختلف من روايات قصة ابن
عباس هذه، باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذى اقتدى ابن عباس به فيه، وفصله عما لم
يقتد به فيه. انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
والمحقق عندى من عدد صلاته صلى اللَّه عليه وسلم فى تلك الليلة ثلاث عشرة وأن ابن عباس
اقتدى به وصلى معه إحدى عشرة ركعة بعد أن صلى رسول اللّه * وحده ركعتين، يؤكد هذا الفهم،
فتمطيت، فتوضأت، فقام فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك، فتوضأ من القربة، ثم قمت إلى شقة
الأيسر .. )). فهى صريحة فى أن رسول اللَّه® صلى قبل أن يقوم ابن عباس، وقوله فى الرواية نفسها:
((فتتامت صلاة رسول ﴿ من الليل ثلاث عشرة ركعة)». صريحة فى جمع العدد. وفى الرواية الثانية:
((فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى، .... فقمت فصنعت مثل ما صنع ..... ثم ذهبت فقمت إلى جنبه)). وقول
ابن عباس بعد ذلك: ((فصلى ركعتين.)). إلخ حتى بلغ بالمثنى اثنتى عشرة ركعة تفصيل لصلاة رسول
اللَّه ◌َلّ قبل ومع ابن عباس، وكذلك الرواية الثالثة ولفظها: ((فصلى فى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة)).
وكذلك الرواية السادسة وفيها: ((فتكاملت صلاة رسول اللَّه * ثلاث عشرة ركعة)). كل ذلك صريح فى
جمع العدد، ولا يعارض الرواية الرابعة التى تتحدث عن عدد ما صلاه ابن عباس مع رسول الله ﴿
وأنه إحدى عشرة ركعة، وهذه واقعة حال لاتعارضها واقعة حال أخرى. أما الرواية الثامنة وفيها تخلل
النوم بين الركعات، وفيها مخالفة فى عدد الركعات لبقية الروايات، فقد قال القاضى عياض: هذه
الرواية مما استدركه الدارقطنى على مسلم لاضطرابها واختلاف الرواة. قال النووي: ولا يقدح هذا فى
٥٦٣

مسلم، فإنه لم يذكر هذه الرواية متأصلة مستقلة، إنما ذكرها متابعة، والمتابعات يحتمل فيها ما لا
يحتمل فى الأصول. قال القاضى: ويحتمل أنه لم يُعَّد فى هذه الصلاة الركعتين الأوليين الخفيفتين
اللتين كان النبي * يستفتح صلاة الليل بهما، كما صرحت الأحاديث بهما فى مسلم وغيره، ولهذا
قال: ((صلى ركعتين فأطال فيهما)). فدل على أنهما بعد الخفيفتين، فتكون الخفيفتان ثم الطويلتان
ثم الست المذكورات ثم ثلاث بعدها، فصارت الجملة ثلاث عشرة كما فى باقى الروايات. والله أعلم.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١- أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام وأنه إذا وقف عن يساره يتحول إلى يمينه، وأنه إذا لم
يتحول حوله الإمام.
٢ - وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة.
٣- وأن صلاة الصبى صحيحة.
٤ - وأن الجماعة فى غير المكتوبات وفى النوافل والتهجد صحيحة، وأن الائتمام بمن لم ينو
الإمامة صحيح.
٥- قال النووى: وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها
وإن كان مميزا. قال القاضى: وقد جاء فى بعض روايات هذا الحديث: قال ابن عباس: ((بت عند
خالتى فى ليلة كانت فيها حائضا)». قال: وهذه الكلمة وإن لم تصح طريقا فهى حسنة المعنى
جدا، إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت فى ليلة للنبي 3# فيها حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبوه
إلا إذا علم عدم حاجته إلى أهله، لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما فى
الوسادة مع أنه كان مراقبا لأفعال النبي 2، مع أنه لم ينم أو نام قليلا جدا. انتهى
كلام القاضى.
وهو احتمال، لكنى أستبعد إشاعة حيضة المرأة بهذه الصورة، فما أرسله العباس ليبيت، ومابات
إلا بعرض رسول اللَّه ﴿ أن يبيت، نعم قد يكون هذا العرض مبنيا على حيض أم المؤمنين فى
نظر النبي ®، وقد يكون مبنيا على عدم الحاجة، وهو الأولى عندى، فإن للرجل أن يتمتع من
زوجه الحائض بغير الجماع ولا يليق أن يحصل شيء من ذلك مع وجود ابن عباس بجوارهما.
وحيث إن الرواية لم تصح طريقا فلا يعتمد عليها، وعلى فرض صحتها يحتمل أنه علم بذلك عند
المبيت أو بعده، لكنها على كل حال ليست المسوغ للمبيت. والله أعلم.
٦- ومن الرواية الثانية من قوله: ((فجعل يمسح النوم عن وجهه)). جواز استعمال المجاز، واستحباب
مسح أثر النوم.
٧- واستحباب قراءة القرآن للمحدث، لقراءته صلى الله عليه وسلم العشر الآيات قبل أن يتوضأ. قال
النووى: وهذا إجماع المسلمين، وإنما تحرم القراءة على الجنب والحائض.
٨- وفيه استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم.
٥٦٤

٩- وجواز قول سورة آل عمران وسورة البقرة وسورة النساء ونحوها، وكرهه بعض المتقدمين، وقال:
إنما يقال: السورة التى يذكر فيها آل عمران. قال النووى: والصواب الأول، وبه قال عامة العلماء
من السلف والخلف وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا لبس فى ذلك.
١٠- قال النووى: وفيه أن الأفضل فى الوتر وغيره من الصلوات أن يسلم من كل ركعتين، وأن الوتر
يكون آخره ركعة مفصولة. قال: وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: ركعة موصولة
بركعتين كالمغرب.
١١- وفيه جواز إتيان المؤذن إلى الإمام ليخرج إلى الصلاة.
١٢ - وتخفيف سنة الصبح.
١٣ - وفيه من الرواية السابعة جواز الحديث بعد صلاة العشاء للحاجة والمصلحة. قال النووي:
وحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها إنما هو فى حديث
لا حاجة إليه ولا مصلحة فيه.
١٤ - ويؤخذ من الرواية الثالثة عشرة صحة الصلاة فى ثوب واحد.
١٥ - وأنه تسن المخالفة بين طرفيه على عاتقيه.
١٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه الملاطفة بالصغير والقريب والضعيف.
١٧ - وحسن المعاشرة للأهل، والرد على من يؤثر دوام الانقباض.
١٨ - وفيه حمل أفعاله صلى الله عليه وسلم على الاقتداء به.
١٩- والبداءة عند الصلاة بالسواك واستحبابه عند كل وضوء وعند كل صلاة.
٢٠ - واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم وهو محدث.
٢١ - واستحباب التقليل من الماء فى التطهير مع حصول الإسباغ.
٢٢ - وبيان فضل ابن عباس وقوة فهمه وحرصه على تعلم أمر الدين.
٢٣- وفيه اتخاذ مؤذن راتب للمسجد.
٢٤ - ومن الرواية الخامسة عشرة استحباب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين للتنشيط.
٢٥- ومن الرواية السادسة عشرة دعاؤه صلى الله عليه وسلم وطلبه مغفرة ما قدم وما أخروما أسر وما
أعلن. قال النووي: ومعنى سؤاله صلى اللّه عليه وسلم المغفرة مع أنه مغفور له أنه يسأل تواضعاً
وخضوعا وإشفاقا وإجلالا، وليقتدى به فى أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع.
٢٦ - قال الخطابى وغيره عن الرواية الثامنة عشرة فى الحديث: إرشاد إلى الأدب فى الثناء على الله
تعالى، ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها على جهة الأدب.
٥٦٥

٢٧- وفيه تقديم الثناء على اللَّه قبل الطلب والدعاء وبعده.
٢٨ - ومواظبته صلى الله عليه وسلم فى الليل على الذكر والدعاء والاعتراف للَّه تعالى بحقوقه والإقرار
بصدق وعده ووعيده والبعث والجنة والنار وغير ذلك.
٢٩- ويؤخذ من الرواية الثامنة عشرة وزيادتها استحباب دعاء الافتتاح. قال النووي: إلا أن يكون
إماما لقوم لا يؤثرون التطويل.
٣٠- ويؤخذ منها استحباب الدعاء فى الركوع وفى الرفع وفى السجود وبعد التشهد.
٣١- وفيها دليل لمذهب الزهرى أن الأذنين من الوجه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((سجد وجهى للذى
خلقه وصوره وشق سمعه وبصره)). فإضافة السمع إلى الوجه دليل على أنه منه.
قال النووي: وقال جماعة من العلماء: هما من الرأس. وقال جماعة آخرون: أعلاهما من الرأس،
وأسفلهما من الوجه. وقال آخرون: ما أقبل منهما على الوجه فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس.
قال الشافعى والجمهور: هما عضوان مستقلان، لا من الرأس ولا من الوجه، بل يطهران بماء
مستقل، ومسحهما سنة خلافا للشيعة. وأجاب الجمهور عن احتجاج الزهرى بجوابين أحدهما:
أن المراد بالوجه جملة الذات، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ ﴾ [القصص: ٨٨] ويؤيد
هذا أن السجود يقع بأعضاء أخرى مع الوجه. والثانى: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره، كما
يقال: بساتين البلد. اهـ
٣٢ - ومن الرواية الثالثة والخامسة أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن نام صلى ولم يتوضأ وقد أوضح
سفيان الراوى فى زيادته أن هذا خصوصية من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، لأنه كما يقول
النووى: لو خرج حدث لأحس به خلاف غيره من الناس.
والله أعلم
٥٦٦

(٢٥٧) باب استحباب تطويل القراءة فى صلاة الليل
١٥٦٧ - ٢:٣ عَنِ حُذَيْفَةَ رِ(٢٠٣) قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَحَ الْقَرَةَ
فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى، فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ
افْتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَّأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِحٌ سَبَّحَ
وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)».
فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنَ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)». ثُمَّ قَامَ طَوِيلا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ
ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَّ الأَعْلَى». فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنَ قِيَامِهِ (قَالَ): وَفِي حَدِيثٍ
جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
١٥٦٨- ٢٢٤ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ رَ﴾(٢٠١٤) قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَّ فَأَطَالَ حَتّى هَمَمْتُ
بِأَمْرِ سَوْءٍ قَالَ: قِيلَ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ.
المعنى العام
لاشك أن خير الذكر هو القرآن، وخير القرآن ما قرئ بتدبر فى صلاة. وقد رأيت بعض العابدين
يقرأ القرآن كله كل ليلة من رمضان فى صلاة، ينوى ثم يقرأ الفاتحة ثم يقرأ جزءاً أو جزأين ثم يركع
ويسجد ثم يقوم فيقرأ الفاتحة ثم يقرأ جزءاً أو جزأين ثم يركع ويسجد ثم يقوم فيقرأ الفاتحة ثم يقرأ
جزءاً أو جزأين ثم يركع. وهكذا تارة عن القيام وتارة عن الجلوس فى النافلة. وكنت أتعجب وأعد ذلك
مبالغة غير واراة حتى قرأت هذا الحديث الشريف، وأن رسول الله ﴿ قرأ وهو يصلى ومعه حذيفة بن
اليمان أكثر من خمسة أجزاء فى ركعة واحدة (البقرة والنساء وآل عمران) ياإلهى. أكثر من سدس
القرآن يتلى فى ركعة، فيمكن أن يختم القرآن فى ست ركعات، ومن التالى؟ وما نوع التلاوة؟ القارئ
من أُنزل عليه القرآن، والقراءة بتؤدة وتدبر وإتقان، لا يمربآية فيها تسبيح إلا سبح اللَّه ونزهه عن
النقائص، ولا يمربآية فيها سؤال أو دعاء إلا سأل ربه ودعاه، ولا يمربآية فيها استعاذة من شر إلا
استعاذ باللّه من هذا الشرومن جميع الشرور، فإذا ركع سبح الله طويلا فى زمن قريب من زمن
(٢٠٣) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَّيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةً ح وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنٍ
جَرِيرِ كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشَرِ ح وحَذََّنَا ابْنُ ثُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لَّهُ حَدَّثَنَا أَبِي حَدََّنَا الأَعْمَشُ عَنِ سَعْدِ بْنَ عُبَيْدَةَ عَنِ الْمُسْتَوْرِهِ بْنِّ
الأَخْتُفِ عَنِ صِلَةَ بْنِ زُفَرَّ عَنِ حُذَيْفَةً
(٢٠٤) وحَّدَّثَنَا غَثْمَالُ بْنَّ أَبِي شَِّيَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ كِلاهُمَا عَنِ جَرِيرٍ قَالَ عُثْمَانُ حَدََّا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ أَبِي وَائِلٍ قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللهِ
- وحَدَّثَنَه إِسْمَعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ وَسُوَيِّدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنٍ عَلِيِّ بْنٍ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
٥٦٧

قراءته، فإذا سجد سبح الله فى زمن قريب من زمن قراءته، ثم كانت الركعة الثانية ولا نظنها تنقص
عن الركعة الأولى، فأين نحن منه صلى اللَّه عليه وسلم؟ وأين عبادتنا وقراءتنا من عبادته وقراءته؟
أعاننا اللَّه وهدانا إلى ذكره وشكره وحسن عبادته إنه سميع مجيب.
المباحث العربية
( فقلت: يصلى بها فى ركعة ) قال النووى: معناه ظننت أنه يسلم بها فيقسمها على
ركعتين، وأراد بالركعة الصلاة بكمالها، وهى ركعتان. قال: ولابد من هذا التأويل فينتظم الكلام بعده،
وعلى هذا فقوله: ((ثم مضى)). معناه قرأ معظمها بحيث غلب على ظنى أنه لا يركع الأولى إلا فى آخر
البقرة، فحينئذ قلت: يركع الأولى بها، فجاوز وافتتح النساء. اهـ
وحاصل التوجيه أن حذيفة حين افتتح رسول اللّه * القراءة بالبقرة قال فى نفسه: سيقرأ منها
مائة آية ثم يركع، فقرأ فتجاوز المائة، فقال فى نفسه: سيقسم السورة على ركعتين وسيقف عند
نصفها، فقرأ فتجاوز النصف، فقال فى نفسه: لعله سيأتى على السورة كلها فى ركعة واحدة ثم يركع.
( يقرأ مترسلا ) أى مُتئدًا فى ترتيله.
(حتى هممت بأمر سوء) بإضافة ((أمر)) إلى ((سوء)) من إضافة الصفة إلى الموصوف،
ويجوز لغة تنوين ((أمر)) وإعراب ((سوء)) صفة له، ولفظ ((سوء)) بفتح السين وسكون الواو، وهذا السوء
من جهة ترك الأدب وصورة المخالفة.
(وأدعه ) أى وأتركه، وهذه اللفظة أمات العرب ماضيها فلم يستعملوا لها ماضيا وفيها
المضارع والأمر فقط: يدع ودع. والمراد هنا هممت أن أترك القيام وأجلس، لا أن يترك الاقتداء
فيخرج من الصلاة.
فقه الحديث
ورد الأمر بتخفيف الصلاة وتخفيف القراءة والتحذير من التطويل فى صلاة الجماعة فى
الفرائض، وحث رسول اللّه فى الأحاديث على أن يقرأ الإمام فى أطول الصلوات وقتا وهى العشاء
بسورة ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ أو ﴿سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ أو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أو ﴿اقْرَأُ بِاسْمِ
رَيِّكَ﴾ أو ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ أو ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ وحمل العلماءَ هذا الأمر على ما إذا لم يعلم
رضا المأموم بالتطويل، مراعاة لظروف المأمومين المجهولة، فمنهم المريض والضعيف وذو الحاجة.
أما النافلة فالجماعة فيها غير مؤكدة ابتداء، والأصل فيمن يصلى صلاة الليل استعداده للقيام، ثم
هى تصلى فى البيوت، فمن صلى مع النبي 8# وهو قوى جلد كحذيفة وعبد الله بن مسعود كان أهلاً
لأن يحتمل التطويل غالبًا.
٥٦٨

وقد خاض العلماء فى الأفضل من تطويل القراءة أو كثرة السجود - وقد مرت المسألة فى بابها،
وخلاصتها أن الأفضلية تختلف باختلاف المصلى ومدى خشوعه وإخلاصه فى أى منهما.
وظاهر حديث حذيفة يتعارض مع ظاهر حديث ابن عباس فى الباب السابق، ومع ما علم من
صلاته صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر: هذه القراءة إنما تتأتى فى نحو من
ساعتين، فلعله صلى الله عليه وسلم أحيا تلك الليلة كلها، وأما ما يقتضيه حاله فى غير هذه الليلة
فإن فى أخبار عائشة كان يقوم قدر ثلث الليل، وفيها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة. اهـ
ويؤخذ من الحديث
١- قال القاضى عياض: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا
المصحف، وأنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي ول*، بل وكله إلى أمته بعده. قال: وهذا قول مالك
وجمهور العلماء، واختاره أبو بكر الباقلانى، وهو أصح القولين مع احتمالهما. قال: والذى نقوله:
إن ترتيب السور ليس بواجب فى الكتابة ولا فى الصلاة ولا فى الدرس ولا فى التلقين والتعليم،
وأنه لم يكن من النبي # فى ذلك نص ولا حد تحرم مخالفته، ولذلك اختلف ترتيب المصاحف
قبل مصحف عثمان. قال: واستجاز النبي 18# والأمة بعده فى جميع الأعصار ترك ترتيب السور
فى الصلاة والدرس والتلقين. قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من
النبي * حدده لهم كما استقر فى مصحف عثمان، وإنما اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم
التوقيف والعرض الأخير، فيتأول قراءته صلى الله عليه وسلم النساء أولا ثم آل عمران هنا على أنه
كان قبل التوقيف والترتيب، وكانت هاتان السورتان هكذا فى مصحف أبى. قال: ولا خلاف أنه
يجوز للمصلى أن يقرأ فى الركعة الثانية سورة قبل التى قرأها فى الأولى، وإنما يكره ذلك فى
الركعة، ولمن يتلو فى غير صلاة. قال: وقد أباحه بعضهم وتأول نهى السلف عن قراءة القرآن
منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها.
قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من اللَّه تعالى على ما هى عليه فى المصحف،
وهكذا نقلته الأمة عن نبيها ◌ُ *.
هذا آخر كلام القاضى عياض نقله الإمام النووى.
وننبه إلى أن تجويز القاضى القراءة مع عدم ترتيب السور ونقله عن البعض الإباحة ليس معناه
استواء الأمرين، الترتيب وعدم الترتيب، فلا خلاف فى أن الأولى - إن لم يكن المستحب -
القراءة بالترتيب، ولو خروجا من خلاف من أوجبه، ولو اتباعا لمصحف عثمان، ولو حماية من
الاختلاف فى صورة القرآن الكريم بعامة.
٢- وفيه استحباب القراءة بترسل لكل قارئ فى الصلاة وغيرها، والتسبيح إذا مربآية تسبيح،
والاستعاذة إذا مر بتعوذ، والسؤال إذا مر بسؤال. قال النووي: ومذهبنا استحباب ذلك للإمام
والمأموم والمنفرد.
٥٦٩

٣- وفيه استحباب ((سبحان ربى العظيم)) فى الركوع، و((سبحان ربى الأعلى)» فى السجود، وهو
مذهبنا ومذهب أبى حنيفة والكوفيين وأحمد والجمهور. وقال مالك: لا يتعين ذكر التسبيح.
٤- وفيه دليل لجواز تطويل الاعتدال.
٥- وفيه استحباب تطويل القراءة فى صلاة الليل.
٦- ويؤخذ من حديث ابن مسعود استخدام الأدب مع الأئمة والكبار وأن لا يخالفوا بفعل ولا قول ما
لم يكن حراما. قال النووى: واتفق العلماء على أنه إذا شق على المقتدى فى فريضة أو نافلة
القيام وعجز عنه جازله القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود للتأدب مع النبي {#. اهـ ويلاحظ أن
القعود فى صلاة النافلة جائزابتداء.
٧- وفيه جواز الاقتداء فى غير المكتوبات.
والله أعلم
٥٧٠

(٢٥٨) باب الحث على صلاة الوقت وإن قلت"
١٥٦٩ - ٢٥ ٢ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ رَ﴾(٢٠٥) قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ّ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةُ حَتَّى
أَصْبَحَ قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ». أَوْ قَالَ: «فِي أُذُنِهِ».
١٥٧٠ - ٢ْ٥٦ عَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَ﴾ (٢٠٢) أَنَّ النَّبِيَّ:﴿َ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ فَقَالَ: «أَلا
تُصَلُّون؟». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثْنَا بَعَثْنَا. فَانْصَرَّفَ
رَسُولُ اللَّهِل ◌َ﴿ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ «﴿وَكَانَ
الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾».
١٥٧١ - ٠٧ ٢ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رُِّ(٢٠٧) يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّلَهُ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ
أَحَدِكُمْ ثَلاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلا طَوِيلًا، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللّهَ
انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْخَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانٍ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ
النَّفْسِ وَإِلا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلان».
المعنى العام
يحرص الشيطان على الحيلولة دون أداء العبد لعبادته، فقد أقسم على إغواء بنى آدم ﴿ قَالَ فَبِمَا
أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ثُمَّ لآتِيَّنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنِ أَيْمَانِهِمْ وَعَنِ
شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧،١٦].
إنه يتفنن فى تزيين الكسل والخمول لمن يعتزم عبادة اللّه، يثبط العزائم ويسوف ويستدرج
وبخاصة عند النوم ليجتمع له مع إغوائه شهوة النفس وميلها إلى النوم، إذا أراد المسلم أن يصلى
الليل قبل أن ينام وسوس له وأتاه من زاوية الحق المراد به باطل، يقول له: قيام الثلث الأخير أفضل
فنم ثم قم، ويؤكد له القدرة على القيام، ويقسم له أن ذلك سيكون، وأنه من السهل اليسير، فإذا نام
أثقل أذنيه حتى لا يسمع صوتا موقظا أو منبها، وأوثق تغميض عينيه، وعقد على عقله ثلاث عقد،
ليغلق عليه اليقظة والانتباه، فإذا ما أفلت المسلم من هذا الحصار المنيع وتقلب فى فراشه،
(٢٠٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَقُ قَالَ عُثْمَانُ حَدََّا جَرِيرٌ عَنٍ مَنْصُورٍ عَنِ أَبِي وَائِلٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٢٠٦) وحَدَّثَنَا قَيْبَةُ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنٍ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنٍ عَلِيَّ بَنِ حُسِّيْنِ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٌّ حَدَّثَهُ عَنٍ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
(٢٠٧) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ عَمْرٌو حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ بْنُ عُبْنَةَ عَنٍ أَبِي الزَّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
٥٧١

واستحضر فى نفسه الرغبة لأداء عبادته، خدعه شيطانه وقال له: نم ما زال الليل طويلا. نم قليلا ثم
قم. فإذا ما استجاب لهذا الإغواء فنام ثم تيقظ، عاوده بالخدمة نفسها شيئاً فشيئاً ومرة بعد مرة،
يعده ويمنيه وما يعده الشيطان إلا غروراً، حتى إذا فات وقت الصلاة وضاعت الفرصة على المسلم
وتحقق للشيطان ما أراد بال فى أذن صاحبه سخرية منه واستهزاء ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ
إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانِ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ
لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ولكن هل يترك الشيطان المسلم للنفس اللوامة؟ لتندم
وتتحسر وتتألم وليأخذ من تقصيره عظة ودرساً وقوة لمستقبله؟ لا إنه يعود إليه يزين له ما فعل،
ويخيل إليه أنه معذور مرفوع عنه القلم ويبرر له القصور ويستخدم الحق مريدا به باطل، يقول له: إنما
نفس النائم بيد اللَّه فلوشاء تعالى أن يبعثه لبعثه، وينخدع المسلم بالباطل المغلف المزين، فيعتذر
بما لا يقبل، ويجادل بغير حجة ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أكثر شَيْءٍ جَدَّلا﴾ [الكهف: ٥٤].
المباحث العربية
(ذكر عند رسول اللّه® رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، لكن قد يؤخذ
من رواية عن عبد الله بن مسعود أنه هو، ولفظها بعد سياق الحديث بنحوه: «وأيم اللَّه لقد بال فى
أذن صاحبكم ليلة)» .. يعنى نفسه.
( نام ليلة حتى أصبح ) فى رواية للبخارى: ((مازال نائما حتى أصبح ما قام إلى الصلاة)).
والمراد من الصلاة الجنس أو العهد، وعلى أى منهما تحتمل صلاة الليل أو المكتوبة، وسياق مسلم لهذا
الحديث فى إطار صلاة الليل ترجيح منه على أن المراد صلاة الليل؛ وكذلك فعل البخارى، ومنه يؤخذ
أن الوضع بالنسبة للنوم عن المكتوبة أولى وأشد، ومما يؤكد أن المراد صلاة الليل أن المخاطبين بهذا
لم يكونوا ينامون عن صلاة العشاء، ومن المستبعد أن يراد منها الفجر، لأن معنى ((حتى أصبح)) أى
حتى دخل فى وقت الصبح، وليس حتى خرج عن وقت الصبح.
وتبويب الباب [بالحث على صلاة الوقت وإن قلت] وإن كانت عبارة ((صلاة الوقت)) تشمل صلاة
أى وقت لكن عبارة ((وإن قلت)) لا تتأتى مع الفريضة.
( ذاك رجل بال الشيطان فى أذنيه) هو بضم الذال وسكونها فى المفرد والتثنية،
والمراد من الشيطان جنس الشيطان، وفاعل ذلك وفاعل العقد الوارد فى الرواية الثالثة
قيل: هو القرين، وقيل: غيره، ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين وهو إبليس، وتجوز نسبة
ذلك إليه لكونه الآمر به الداعى إليه. وفى المراد من بول الشيطان فى الأذن أقوال للعلماء،
قيل: على حقيقته. قال القرطبى وغيره: لامانع من ذلك، إذ لا إحالة فيه، لأنه ثبت أن
الشيطان يأكل ويشرب وينكح فلا مانع من أن يبول. اهـ
وهذا أبعد الأقوال عن القبول، إذ لو كان بولاً حقيقياً ماديًا ما صحت به الصلاة لنجاسته، ثم لم
٥٧٢

يعهد وجود جرم ما فى أذن من نام مع وجود الآلات التى تقيس وترى أدق الأشياء، وقيل: هو كناية
عن سد الشيطان أذن الذى ينام عن صلاة حتى لا يسمع الذكر. وقيل: معناه أن الشيطان ملأ سمعه
بالأباطيل لحجب سمعه عن الذكر. وقيل: كناية عن كمال تحكم الشيطان فيه. وقيل: كناية عن
وسوسته وتزيينه النوم له وأخذه بأذنه وأخذه بسمعه عن أن يسمع النداء. وهذه الأقوال متقاربة،
ومؤداها أن البول كناية عن السد والحجب، وأنه يتم ذلك قبل خروج الوقت، فهو شبيه بعقد العقد
على القافية الآتى فى الرواية الثالثة، وكأنه يسد الأذن ويغطى المخ.
وقيل: إن بول الشيطان كناية عن ازدراء الشيطان به. وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه
واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول. وقيل: كناية عن سخرية الشيطان واستهزائه منه بعد
أن ضحك عليه وأوقعه. وهى أقوال متقاربة، ومؤداها أن ذلك يتم بعد خروج الوقت وضياع الفرصة
على النائم.
قال الطيبى: وخص الأذن بالذكر وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارة إلى ثقل النوم، فإن
المسامع هى موارد الانتباه، وخص البول لأنه أسهل مدخلا فى التجاويف وأسرع نفوذا فى العروق.اهـ
ومع أسلوب الكناية يكون التعبير بالبول فى الأذن أدق فى التصوير والتقبيح.
( طرقه وفاطمة ) الطرق الإتيان بالليل. أى أتاهما ليلا.
( فقال: ألا تصلون؟ ) عرض برفق، أوعتب برفق أن وجدهما نائمين لم يصليا صلاة الليل.
قال النووى: هكذا هو فى الأصول ((تصلون)) وجمع الاثنين صحيح، لكن هل هو حقيقة أو مجاز؟
فيه الخلاف المشهور، والأكثرون على أنه مجاز. اهـ أى إعطاء الاثنين حكم الأكثر لأنهما فى قوة أمة،
فكأنما شبها بالجماعة وأسند إليهما ما يسند إلى الجماعة.
( إنما أنفسنا بيد الله) أى أرواحنا يقبضها اللَّه عند النوم، يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿اللّهُ
يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى
إلى أَجَلِ مُسَمَّى﴾ [الزمر: ٤٢].
( سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول ﴿ وَكَانَ الإِنسَانُ أكثر شَيْءٍ جَدَلا﴾) قال
النووى: المختار فى معناه أنه تعجب من سرعة جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا، ولهذا
ضرب فخذه. وقيل: قالها تسليما لعذرهما وأنه لاعتب عليهما. اهـ
وأعتقد أن الرسول 28# لم يعجب بالجواب ولم يقبل العذر، وإنما أسف للموقف الذى وقفه علىّ،
ولم يرض بالعذر الذى اعتذر به، لأنه إهمال للأسباب، فكل حركة من حركاتنا بيد اللَّه وبقدرته فلو
اعتذرنا عن أى خطأ بهذا العذر لجاز جدلا، لكنه لا يجوز عبادة وتكليفا، وكان المطلوب من على ته
أن يعد بالاستجابة وأنه سيبذل جهده وأنه يطلب العون من اللّه، لا أن يحيل التقصير إلى إرادة اللّه.
إن من عادته صلى الله عليه وسلم أن يعرض عما لا يرضى، ومن حيائه وأدبه أن لا يواجه المقصر
٥٧٣

بالمؤاخذة والتعنيف عملا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنِ مَنْ تَوَلَّى عَنِ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] وضربه على
فخذه صلى الله عليه وسلم علامة من علامات الألم والغيظ المكظوم، وقراءته للآية الكريمة مسمعا بها
عليا رد للموقف وإدانة له، لأن الآية تذم الإنسان ولا تمدحه، وتشير إلى أنه يدافع عن خطئه بالجدل لا
بالحجة والحق والبرهان.
( عن أبى هريرة يبلغ به النبي *) هذه العبارة عبارة رفع للحديث عند جمهور المحدثين،
وكأنه قال: قال رسول الله صل﴾.
( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد ) قافية الرأس مؤخره، وهى إشارة
إلى المخ ومركز الإدراك والتعقل، وقافية كل شيء مؤخره، ومنه قافية القصيدة. والخطاب فى
((أحدكم)) للتعميم فى المخاطبين ومن فى معناهم، ويخص من هذا العموم الأنبياء ومن قيل فيهم:
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [الحجر: ٤٢].
وقد اختلف فى هذه العقد، قال الحافظ ابن حجر: فقيل: هو على الحقيقة وأنه كما يعقد الساحر
من يسحره فيأخذ الخيط فيعقد عليه عقدا وهو يتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور بذلك، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس، لا قافية
الرأس نفسها، وهل العقد فى شعر الرأس أو فى غيره؟ الأقرب الثانى إذ ليس لكل أحد شعر. اهـ وهذا
القول أبعد ما يكون عن القبول، فكما استبعد الحافظ الشعر لوجود من لا شعرله كان الواجب أن
يستبعد عقد شيء لا وجود له إلا فى الخيال، فقول الحافظ بعد ذلك - ويؤيده ما ورد فى بعض طرقه-
أن على رأس كل آدمى حبلا. هذا الحبل لا وجود له إلا فى الخيال، فإذا تخيلنا حبلا تخيلنا شعراً لمن
لا شعر له، فالحق أن الحمل على الحقيقة بعيد.
والحق أن الكلام كناية وتصوير لوساوس الشيطان وتزيينه وتغريره بطول الوقت،
وانحلال العقد كناية عن مكافحته ودفع وساوسه، والمقصود من كون العقد ثلاثا تقوية
الإغواء فكأنه إغواء بعد إغواء.
( إذا نام) أى إذا نام بدون صلاة، هكذا قيده البخارى، ويرى جمهور شراح الحديث أن القيد
يخل بالمراد، والمقصود أنه يعقد على رأس من صلى ومن لم يصل، لكن من صلى بعد ذلك تنحل
عقده بخلاف من لم يصل. كذا ذكر الحافظ ابن حجر. وأرى أن القيد ضرورى، لأن الشيطان يعقد
بهدف المنع من القيام للصلاة، فإذا كان النائم قد صلى ما عليه من العشاء وما أحب من صلاة الليل
وأوتر ونام فلم يعقد عليه الشيطان؟ ثم إنه لن يصلى ما دام قد صلى فكيف تنحل العقد والنص أنها
تنحل بالصلاة؟.
( بكل عقدة يضرب عليك ليلا طويلا) رواية البخارى: ((يضرب على مكان كل عقدة عليك
ليل طويل فارقد)). قال الحافظ ابن حجر: يضرب أى بيده على العقد تأكيداً وإحكاماً لها، قائلا: عليك
ليل طويل. وكما استبعدنا المعنى الحقيقى فى العقد نستبعد الضرب المادى. ونرى أن الكلام كناية
عن إحكام الوسوسة وإتيانها والإيحاء للنائم بطول الوقت.
٥٧٤

ورواية البخارى: ((عليك ليل طويل)) بالرفع، ورواية مسلم بالنصب، فالرفع على أنه خبر مقدم
ومبتدأ مؤخر وصفة لمبتدأ، والنصب على الإغراء أى الزم ليلاً طويلاً عليك، ومراد الشيطان من هذه
العبارة تسويفه بالقيام والإلباس عليه، إذ ربما لو طلب منه عدم القيام كليا لدافع المؤمن هذه
المكيدة، أما أن يستدرجه شيئاً فشيئاً فربما أو كثيراً ما ينخدع المؤمن. فكأنه يقول له: قم بعد قليل
فمازال الليل طويلا. قم بعد قليل. قم بعد قليل، وبهذا الاستدراج يصل إلى ما يريد.
( وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان ) أى انحلت عقدة ثانية فصار مجموع ما انحل عقدتين.
( فإذا صلى انحلت العقد ) بضم العين وفتح القاف على صيغة الجمع ولم يقل ((انحلت
عقدة ثالثة)» لإفادة أن المتطهر النائم الممكن مقعده من الأرض الذى لا يحتاج إلى وضوء تنحل عقده
بمجرد الصلاة.
( فأصبح نشيطا طيب النفس ) لسروره بما وفقه الله من الطاعة، وسروره بالثواب الموعود،
وسروره بإحباط كيد عدوه مع ما يبارك له فى نفسه وتصرفه بانشراح صدر واطمئنان نفس.
( وإلا ) أى وإن لم يقم ويتوضأ ويصلى وتنحل عقده، ولو أتى ببعضها وترك بعضها بقى خبيث
النفس كسلان، لكنه يختلف عمن لم يأت بشىء منها بالقوة والضعف. قاله الحافظ ابن حجر.
( أصبح خبيث النفس كسلان ) لاستيلاء الشيطان عليه، و((كسلان)» ممنوع من الصرف
للوصفية وزيادة الألف والنون.
فقه الحديث
الهدف من الأحاديث الثلاثة الحث على صلاة الليل، وقد ادعى ابن العربى أن البخارى أومأ إلى
وجوب صلاة الليل لقوله: [باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل].
قال الحافظ ابن حجر: ولم أر النقل فى القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين. قال ابن عبدالبر:
شذ بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قدر حلب شاة. والذى عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه.
وظاهر الحديث يتعارض مع حديث البخارى فى الوكالة وفيه: ((أن قارئ آية الكرسى عند نومه لا
يقربه الشيطان)). ورفع هذا التعارض بحمل العقد على الأمر المعنوى والقرب على الأمر الحسى أو
العكس، إذ لا يلزم من الوسوسة الملامسة، كما يمكن رفع التعارض بتخصيص العموم فى حديث
الباب بمن لم ينوالقيام وبمن لم يقرأ آية الكرسى، ولهذا قيل: إن أبا بكر وأبا هريرة كانا رضى الله
عنهما يوتران أول الليل وينامان آخره، فمثلهما لا يعقد الشيطان على قفاه، فكأن المعنى يعقد
الشيطان على قافية من نام منكم دون أن يصلى.
كذلك وصف المسلم الذى يغلبه الشيطان بخبث النفس فى الحديث يتعارض مع قوله صلى الله
٥٧٥

عليه وسلم: ((لا يقولن أحدكم خبثت نفسى)). ورفع الباجى هذا التعارض بقوله: ليس بين الحديثين
اختلاف، لأنه نهى عن إضافة ذلك إلى النفس، لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووصف بعض
الأفعال بذلك تحذيرًا منها وتنفيرًا. اهـ
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من الحديث الثانى أمر الإنسان صاحبه بما يراه خيراً له فى دينه ودنياه.
٢- وتعهد الإمام والكبير رعيته بالنظر فى مصالح دينهم ودنياهم.
٣- وأنه ينبغى للناصح إذا لم تقبل نصيحته، أو إذا اعتذر بما لا يرتضيه أن ينكف ولا يعنف
إلا لمصلحة.
٤- جواز ضرب الفخذ أسفا على فوات ما يحب.
٥- فى الحديث طبع من طبائع الإنسان جُبل عليه، وهو الجدل ومحاولة التخلص من المسئولية
والدفاع عن النفس والاعتذار بشتى المعاذير، لكنه مطالب بتهذيب طبعه ليوافق شرع الله.
٦ - ومن الحديث الثالث الحث على ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ وفى صيغه أحاديث كثيرة
مشهورة فى الصحيح، جمعها الإمام النووى وما يتعلق بها فى باب من كتاب الأذكار. قال:
ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر، لكن الأذكار المأثورة فيه أفضل.
٧- والتحريض على الوضوء عند القيام من النوم.
٨- والحث على صلاة الليل وإن قلت.
٩- قال بعضهم: فيه إشارة إلى حكمة تخفيف الركعتين الأوليين من صلاة الليل الواردتين فى الرواية
الثانية عشرة من روايات باب صلاة النبي * ودعائه بالليل. وقال الحافظ ابن حجر: ذكر شيخنا
الحافظ أبو الفضل بن الحسين فى شرح الترمذى أن السرفى استفتاح صلاة الليل بركعتين
خفيفتين المبادرة إلى حل عقد الشيطان، وبناه على أن الحل لا يتم إلا بتمام الصلاة، وهو واضح
لأنه لو شرع فى صلاة ثم أفسدها لم يساو من أتمها، وكذا الوضوء، وكأن الشروع فى حل العقد
يحصل بالشروع فى العبادة وينتهى بانتهائها.
١٠- أخذ بعضهم من قوله: ((عليك ليلا طويلا)). اختصاص العقد بنوم الليل، وهو كذلك لكن لا يبعد أن
يجىء مثله فى نوم النهار. ذكره الحافظ ابن حجر.
١١ - أخذ بعضهم من طلب الوضوء لحل العقدة أن التيمم لمن ساغ له لا يقوم مقام الوضوء،
لأن فى الوضوء معاناة تعين على طرد النوم، والحق إجزاء التيمم كما يجزئ الغسل
للجنب، فذكر الوضوء للغالب.
والله أعلم
٥٧٦

(٢٥٩) باب استحباب صلاة النافلة فى البيت
١٥٧٢ - ٢٥٨ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٠٨) عَنِ النّبِيِّنَ﴿لَ قَالَ: «اجْعَلُوا مِنَ صَلائِكُمْ
فِي بُيُوتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا».
١٥٧٣ - ٢٢٩ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٠١٩) عَنِ النّبِيِّ ◌َ قَالَ: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلا
تَتْخِذُوهَا قُبُورًا».
١٥٧٤- ٣١٠ عَنِ جَابِرٍ﴾(٢١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿َ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ فِي
مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنَ صَلاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنَ صَلاتِهِ خَيْرًا».
١٥٧٥ - ٢١ عَنِ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾(٢١) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ْ قَالَ: «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ
وَالْبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».
١٥٧٦- ٢١٢ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢(٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ
الشَّيْطَانِ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَّأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ».
١٥٧٧- ٢١٣ عَنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾(٢١٣) قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴿ِ حُجَيْرَةٌ بِخَصَفَةٍ أَوْ
حَصِيرٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يُصَلِّي فِيهَا. قَالَ: فَتَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ.
قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةُ فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ عَنْهُمْ. قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا
أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَّبُوا الْبَابَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِعَ لَّمُغْضَبًا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلّ: «مَا
زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ
صَلاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ».
(٢٠٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنًا يَحْتِى عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٢٠٩) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٢١٠) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا أَبُوَ مُعَاوِّيّةً عَنِ اَلأَعْمَشِ عَنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنِ جَابِرٍ
(٢١١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالا حَدََّا أَبُوَ أُسَامَةً عَنِ بُرَيَّدٍ عَنِ أَبِي بُرْدَةً عَنِ أَبِي مُوسَى
(٢١٢) حَدَّثَّا قُتْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ عَنِ سُهَيْلٍ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢١٣) وَحَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَبَّدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ خُدَّثَنَ سَّالِمٌ أَبَوَ النَّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ
عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ زَيْدِ بْنِ قَابِتٍ
٥٧٧

١٥٧٨ - ٢١٤ عَنِ زَيْدِ بْنٍ ثَابِتٍ ◌َّ(٢١٤) أَنَّ النَّبِيَّلَ اتَّخَذَ حُجْرَةٌ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ
فَصَلَى رَسُولُ اللَّهِ فِيهَا لَيَالِيَ حَتّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ: «وَلَوْ كُتِبَ
عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ».
المعنى العام
يقول صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لى الأرض مسجدًا)). وصح أن أماكن الصلوات تشهد
لصاحبها يوم القيامة وأن البركة تحل فى مكان العبادة وأن رحمة الله وملائكته تنزل فيه، ومن هنا
كان للبيوت حق فى عبادة أصحابها، يضاف إلى ذلك أن سكان البيوت ممن لا يستطيع حضور
الصلوات فى المسجد كالنساء والأطفال والمرضى فى حاجة إلى رؤية قدوة لهم يصلى بهم أو يصلى
أمامهم، ومن هذا المنطلق رغب صلى الله عليه وسلم فى صلاة النافلة فى البيوت فقال: ((اجعلوا من
صلاتكم فى بيوتكم". ((صلوا فى بيوتكم)). ((إذا قضى أحدكم الصلاة فى مسجده فليجعل لبيته نصيباً
من صلاته فإن الله جاعل فى بيته من صلاته خيرا)». ونفر من حرمان البيوت من الصلاة ومن ذكر
اللَّه، فشبهها بالقبور إذا هى لم يصل فيها، وصلى رسول اللّه * أغلب النوافل فى بيته، ولما احتجر
واتخذ حجرة من خوص فى المسجد ينتفل فيها كأنها بيت له وصلى خلفه ناس أزال الحجرة وأمرهم
أن يصلوا فى بيوتهم، وقال لهم: إن خير صلاة المرء ما أدى فى البيت إلا الصلاة المكتوبة فهى فى
المسجد خير منها فى البيت.
وهكذا أصبحت الأرض كلها مسجدا، وأصبح البيت مسجدا، وتعددت أماكن الصلوات لتشهد
لصاحبها يوم القيامة، وتعدد الشهود شفاعة نسأل الله قبولها. إنه غفور رحيم.
المباحث العربية
(اجعلوا من صلاتكم فى بيوتكم) ((من)» تبعيضية، أى اجعلوا بعض صلاتكم فى بيوتكم، وهذا
البعض يصدق بفريضة أو راتبة أو نافلة مطلقة وتحقيق الحكم يأتى فى فقه الحديث.
(ولا تتخذوها قبورا) فى الكلام تشبيه بليغ، أى ولا تتخذوها كالقبور فى هجرها من الصلاة، أو فى
كونها إنما تقصد للنوم الذى هو موت.
وذكر بعضهم فى بيان وجه الشبه أربعة معان: أحدها: أن القبور مساكن الأموات الذين سقط
عنهم التكليف فلا يصلى فيها وليس كذلك البيوت فصلوا فيها. ثانيها: إنكم نهيتم عن الصلاة فى
(٢١٤) وحَلََّنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا النَّصْرِ عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ زَنْدِ
ابْنِ قَابِتٍ
٥٧٨

المقابرلا عن الصلاة فى البيوت فصلوا فيها ولا تشبهوها بها. ثالثها: أن مثل الذاكر كالحى، وغير
الذاكر كالميت، فمن لم يصل فى البيت جعل نفسه كالميت وجعل بيته كالقبر. الرابع: قول
الخطابى: لا تجعلوا بيوتكم أوطانا للنوم فلا تصلوا فيها، فإن النوم أخو الموت.
(فإن اللَّه جاعل فى بيته من صلاته خيرا) فسر الخير فى أحاديث أخرى بحضور
الملائكة ونفرة الشيطان.
(إن الشيطان ينفر من البيت) قال النووي: هكذا ضبطه الجمهور ((ينفر)) ورواه بعض رواة مسلم
((يفر)» وكلاهما صحيح.
(احتجر رسول اللَّه ◌َ﴿ حجيرة بخصفة أو حصير) أصل الحجر المنع، والمعنى اقتطع موضعا من
المسجد منعه من غيره وحوطة بحصير ليستره ليصلى فيه ولا يمر بين يديه مار، ولا يتهوش بغيره
ويتوفر خشوعه وفراغ قلبه. والخصفة بفتح الخاء والصاد والفاء الحصير، والشك من الراوى أى
اللفظين سمع.
(فتتبع إليه رجال) أصل التتبع الطلب، والمعنى طلبوا موضعه واجتمعوا إليه.
(وحصبوا الباب) أى رموه بالحصباء، وهى الحصى الصغار، تنبيها له ظنا منهم أنه نسى.
فقه الحديث
قال بعض العلماء: إن المراد ببعض الصلوات المطلوب صلاته فى البيوت إنما هو بعض من
الفرائض ليقتدى به من لا يخرج من النساء والمرضى. والجمهور على أن المراد به النافلة، لأن السر
فى عمل التطوع أفضل، وهذا هو الأظهر والمصرح به فى الرواية السادسة، ومن فوائد الصلاة فى
البيوت تبركها بالصلاة ونزول الرحمة فيها وحضور الملائكة ونفرة الشيطان منها، وعمم الإمام النووى
خيرية الصلاة فى البيوت فى جميع النوافل راتبة الفرائض والمطلقة، ولم يستثن إلا النوافل التى هى
من شعائر الإسلام وهى العيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح على الأصح، وبعضهم استحب
الرواتب فى المسجد وقصر البيوت على النفل المطلق.
ويؤخذ من الأحاديث
١- الندب إلى ذكر اللَّه تعالى فى البيت، وأنه لا يخلى من الذكر فيه.
٢- وفيها جواز التمثيل.
٣- وأن طول العمر فى الطاعة فضيلة وإن كان الميت ينتقل إلى خير، لأن الحى يستلحق به ويزيد
عليه بما يفعله من الطاعات. ذكره النووى أخذا من مقارنة الحى بالميت فى مقام مدح الحى.
٤ - وفيها جواز قول سورة كذا من غير كراهة.
٥٧٩

٥- وجواز التحجير فى المسجد إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين ونحوهم ولم يتخذه دائما؛ لأن
النبي # كان يحتجرها بالليل يصلى فيها، ويبسطها فى النهار يصلى عليها - كما سيأتى فى
الباب الثانى - ثم ترك صلى الله عليه وسلم التحجير بالليل والنهار وعاد إلى الصلاة فى البيت.
٦- وفيها جواز النافلة فى المسجد.
٧- وجواز صلاة الجماعة فى غير المكتوبة.
٨- وجواز الاقتداء بمن لم ينو الجماعة.
٩- وترك بعض المصالح لخوف مفسدة أعظم من ذلك.
١٠ - ومدى شفقة النبي * على أمته ورعايته لمصالحهم.
١١ - وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهادة فى الدنيا.
والله أعلم
٥٨٠